الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

المبحث الثاني ـ صلاة الجمعة الفِقْهُ للزُّحَيْلِيّ

المبحث الثاني ـ صلاة الجمعة الفِقْهُ  للزُّحَيْلِيّ

 اسم الكتاب الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة وتخريجها
اسم المؤلف: د. وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ
المهنة:أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلاميّ وأصوله بجامعة دمشق - كلّيَّة الشَّريعة
الوفاة 8 أغسطس 2015 الموافق 23 شوال 1436 هـ
التصنيف: الفقه المقارن

المحتويات 

  1. المبحث الثاني ـ صلاة الجمعة
  2. المطلب الأول ـ فرضية الجمعة ومنزلتها
  3. المطلب الثاني ـ فضل السعي إلى الجمعة وحكمتها
  4. حكمتها
  5. السعي إليها
  6. وقت الرواح المرغب فيه إلى الجمعة
  7. ساعة الإجابة
  8. خصوصيات الجمعة
  9. التشريك في العبادة
  10. البيع وقت النداء لصلاة الجمعة
  11. المطلب الثالث ـ من تجب عليه الجمعة أو شروط وجوب الجمعة
  12. شروط وجوب الجمعة
  13. يزاد عليها أربعة شروط
  14. ١ - الذكورة
  15. ٢ - الحرية
  16. ٣ - الإقامة في محل الجمعة
  17. السفر يوم الجمعة
  18. ٤ - السلامة من الأعذار
  19. سقوط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام عند الحنابلة
  20. المطلب الرابع ـ كيفية الجمعة ومقدارها
  21. المطلب الخامس ـ شروط صحة الجمعة
  22. ١ - وقت الظهر
  23. متى تدرك الصلاة جمعة؟
  24. ٢ - البلد
  25. ٣ - الجماعة
  26. ٤ - كون الأمير أو نائبه هو الإمام، والإذن العام من الإمام بفتح أبواب الجامع للواردين عليه.
  27. ٥ - أن تكون بالإمام وفي الجامع
  28. ٦ - عدم تعدد الجمع لغير حاجة
  29.  صلاة الظهر بعد الجمعة
  30.  ٧ - الخطبة قبل الصلاة
  31.  الحنفية
  32.  شروط الخطبة
  33.  المالكية
  34.  الشافعية
  35.  الحنابلة
  36. المطلب السادس ـ سنن الخطبة ومكروهاتها
  37. الترقية بين يدي الخطيب
  38. مكروهات الخطبة
  39. التصدق وقت الخطبة
  40. المطلب السابع ـ سنن الجمعة ومكروهاتها
  41. يسن لصلاة الجمعة
  42. مكروهات الجمعة
  43. السجود على الظهر ونحوه في الزحمة
  44. المطلب الثامن ـ مفسدات الجمعة
  45. المطلب التاسع ـ صلاة الظهر يوم الجمعة
  46. أولا ـ صلاة الظهر بعد الجمعة
  47. ثانيا ـ صلاة الظهر في المنزل يوم الجمعة بغير عذر
  48. ثالثا ـ صلاة الظهر جماعة من أصحاب الأعذار
  49. رابعا ـ تعجيل صلاة الظهر ممن لا تجب عليه الجمعة
  50. خامسا ـ صلاة الظهر بسبب خروج وقت الظهر
  51. سادسا ـ صلاة الظهر بسبب اختلال شرط من شرائط الجمعة
  52. العودة الي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي 

 

 المبحث الثاني - صلاة الجمعة فرضيتها ومنزلتها، 

وفضل السعي إليها وحكمتها، ومن تجب عليه، كيفيتها ومقدارها، شروط صحتها، سنن الخطبة ومكروهاتها، سنن الجمعة ومكروهاتها، مفسدات الخطبة، صلاة الظهر يوم الجمعة، ففي هذا المبحث تسعة مطالب.
وسميت جمعة لاجتماع الناس لها، وقيل: لما جمع في يومها من الخير، وقيل: لأن خلق آدم جمع فيه، أو لاجتماعه فيه مع حواء في الأرض. واسمها القديم في الجاهلية يوم العروبة: أي المبين المعظم، وقيل: يوم الرحمة.

المطلب الأول - فرضية الجمعة ومنزلتها:
صلاة الجمعة فرض عين (١)، يكفر جاحدها لثبوتها بالدليل القطعي، وهي فرض مستقل ليست بدلًا عن الظهر، لعدم انعقادها بنية الظهر ممن لا تجب الجمعة عليه كالمسافر والمرأة، وهي آكد من الظهر، بل هي أفضل الصلوات، ويومها أفضل الأيام، وخير يوم طلعت فيه الشمس، يعتق الله فيه ست مئة ألف عتيق من النار، من مات فيه كتب الله له أجر شهيد، ووقي فتنة القبر، ودليل فضل يومها حديث مرفوع: «يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها، وأعظم عند الله من يوم الفطر، ويوم الأضحى (٢).
(١) الدر المختار:٧٤٧/ ١، الشرح الصغير:٤٩٣/ ١، مغني المحتاج:٢٧٦/ ١، المغني:٢٩٤/ ٢ ومابعدها، كشاف القناع:٢١/ ٢.
(٢) ذكره البيهقي في فضائل الأوقات من حديث أبي لبانة بن عبد المنذر.
 
وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة وقال: حسن صحيح: أن النبي ﷺ قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه دخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة».
وأدلة فرضيتها العينية المستقلة، لا الكفائية: القرآن: وهو قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢] أي امضوا إلى ذكر الله، فأمر بالسعي، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يجب السعي إلا إلى واجب، ونهى عن البيع لئلا يشتغل به عنها، فلو لم تكن واجبة لما نهي عن البيع من أجلها، والمراد بالسعي ههنا: الذهاب إليها، لا الإسراع.
والسنة: وهو قوله ﷺ: «لينتهين أقوام عن وَدْعهم الجُمعات، أو ليختِمَنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكونُنَّ من الغافلين» (١) وقوله: «رواح الجمعة واجب على كل محتلم» (٢) وقوله ﵇ أيضًا: «من ترك الجمعة ثلاث جمع تهاونًا، طبع الله على قلبه» (٣).
وتاركها يستحق العقاب، لقوله ﷺ لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمُر رجلًا يُصلّي بالناس، ثم أحّرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم» (٤).
(١) رواه مسلم عن أبي هريرة، ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس (نيل الأوطار:٢٢١/ ٣).
(٢) رواه النسائي عن حفصة ﵂، ورواه أبو داود عن طارق بن شهاب بلفظ «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض» (نيل الأوطار:٢٢٦/ ٣).
(٣) رواه الخمسة عن أبي الجَعْد الضَّمْري، وله صحبة وصححه الحاكم، ولأحمد وابن ماجه من حديث جابر نحوه (نيل الأوطار:٢٢١/ ٣).
(٤) رواه أحمد ومسلم عن ابن مسعود (نيل الأوطار:٢٢١/ ٣).
 
والإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب الجمعة.
وفرضت بمكة قبل الهجرة، لما روى الدارقطني عن ابن عباس قال: «أذن للنبي ﷺ في الجمعة قبل أن يهاجر، فلم يستطع أن يجمع بمكة، فكتب إلى مصعب بن عمير: «أما بعد، فانظر إلى اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين».
فأول من جمّع مصعب بن عمير حتى قدم النبي ﷺ المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر. وكان أسعد بن زرارة هو الذي جمع الناس، وكان مصعب نزيلهم، وكان يصلي بهم، ويقرئهم ويعلمهم الإسلام، وكان يسمى المقرئ، فأسعد دعاهم، ومصعب صلى بهم.
والدليل على أن الجمعة فرض مستقل، وأنها ليست ظهرًا مقصورًا، وإن كان وقتها وقت الظهر، وتدرك به: هو أن الظهر لايغني عنها، ولقول عمر ﵁: «الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم ﷺ، وقد خاب من افترى» (١).

المطلب الثاني - فضل السعي إلى الجمعة وحكمتها:

 
حكمتها: 

الجمعة شرعت لدعم الفكر الجماعي، وتجمع المسلمين وتعارفهم وتآلفهم، وتوحيد كلمتهم، وتدريبهم على طواعية القائد، والتزام متطلبات القيادة، وتذكيرهم بشرع الإسلام دستورًا وأحكامًا وأخلاقًا وآدابًا وسلوكًا، وتنفيذًا لأوامر الجهاد، وما تتطلبه المصلحة العامة في الداخل والخارج، والأمر
(١) رواه الإمام أحمد وغيره، وقال النووي في المجموع: إنه حسن.
 
بالمعروف والنهي عن المنكر. والخلاصة: إن تكرار الوعظ والتذكير الدائم كل أسبوع له أثر واضح في إصلاح الفرد والجماعة لقوله تعالى: ﴿وذكِّر، فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين﴾ [الذاريات:٥٥/ ٥١].

السعي إليها: 

ومن أجل تلك الأهداف والغايات السامية، ولكسب الثواب الأخروي، كان السعي للجمعة واجبًا، حكمه حكم الجمعة؛ لأنه ذريعة إليها لقوله سبحانه: ﴿فاسعَوْا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢]، والتبكير إليها فضيلة، وكان ترك أعمال التجارة من بيع وشراء ومختلف شؤون الحياة أمرًا لازمًا لئلا يتشاغل عنها ويؤدي ذلك إلى إهمالها أو تعطيلها.
ويبدأ وجوب السعي إليها عند الجمهور بالنداء إليها بالأذان الذي بين يدي الخطيب، وعند الحنفية بالأذان الأول عند الزوال، إلا إذا كان بعيد الدار عن المسجد، فيجب عليه السعي بقدر ما يدرك الفريضة (١).
وللتبكير إلى الجمعة درجات في الثواب، قال رسول الله ﷺ: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرَّب بَدَنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر» (٢).

وقت الرواح المرغب فيه إلى الجمعة: 

 اعتقد جماعة منهم الجمهور غير المالكية: أن هذه الساعات هي من أول النهار إلى الزوال، وتنقسم إلى خمس، فندبوا الرواح من أول النهار، لكن الأظهر ما ذكرته المالكية: أنها أجزاء ساعة قبل
(١) المغني:٢٩٧/ ٢.
(٢) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ (نيل الأوطار:٢٣٧/ ٣).
 
الزوال؛ لأن الساعة شرعًا ولغة هي الجزءمن أجزاء الزمان، ولم ينقل عند أحد من الصحابة أنه ذهب إلى الجمعة قبل طلوع الشمس أو بعدها بقليل (١).
وأداء الجمعة بآدابها يغفر للمؤمن ما بين الجمعتين، لقوله ﷺ: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفِّرات ما بينهن إذا اجتُنِبت الكبائر» (٢) ولقوله ﵇: «من اغتسل ثم أتى الجمعة حتى يفرغ الإمام من خطبته، ثم يصلِّي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضلُ - أي زيادة - ثلاثة أيام» (٣).

ساعة الإجابة: 

وفيها ساعة يستجاب الدعاء فيها، «عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه، أشار - أي النبي ﷺ بيده يقللها» (٤)، وفي تحديد وقت هذه الساعة أقوال أصحها - كما ثبت عن أبي بردة في صحيح مسلم ـ: أنها فيما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن يقضي الصلاة.


خصوصيات الجمعة: 

 وللجمعة مزايا متعددة هي مئة مزية أوضحها الإمام السيوطي في كتاب خاص بعنوان (خصوصيات يوم الجمعة) (٥)، ومنها أنه تجتمع الأرواح فيها، وتزار القبور، ويأمن الميت من عذاب القبر، ومن مات فيه أو
(١) بداية المجتهد:١٦٠/ ١، نيل الأوطار:٢٣٠/ ٣.
(٢) رواه مسلم عن أبي هريرة (الترغيب والترهيب:٩٢/ ٢).
(٣) رواه مسلم عن أبي هريرة، ورواه أحمد عن أبي أيوب بلفظ آخر، ورواه الطبراني في الأوسط عن ابن عمر، ورواه البزار والطبراني في الأوسط عن ابن عباس، وأخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ابن العاص (سبل السلام:٥٤/ ٢، نيل الأوطار:٢٣٦/ ٣).
(٤) متفق عليه (سبل السلام:٥٤/ ٢).
(٥) طبع دار الفكر بدمشق عام ١٩٦٤.
 
في ليلته أمن فيه من عذاب القبر، ولا تسجر فيه جهنم، وفيه يزور أهل الجنة ربهم تعالى (١).

التشريك في العبادة: 

 ومن سعى يريد الجمعة، وحوائجه، وكان معظم مقصوده الجمعة، نال ثواب السعي إليها، قال الحنفية (٢): وبهذا يعلم أن من شرَّك في عبادته، فالعبرة للأغلب.


البيع وقت النداء لصلاة الجمعة: 

يجب السعي لأداء الجمعة كما بينا عند الجمهور عند الأذان الثاني الذي يكون بين يدي الخطيب على المنبر، وقال الحنفية في الأصح: يجب السعي بعد الأذان الأول، وإن لم يكن في زمن الرسول ﷺ، بل في زمن عثمان ﵁.
ويكره تحريمًا عند الحنفية، ويحرم عند غيرهم التشاغل عن الجمعة بالبيع وغيره من العقود من إجارة ونكاح وصلح وسائر صنايع الأعمال، وذلك عند الجمهور بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب، مما فيه تشاغل عن السعي إلى الجمعة، لقوله تعالى: ﴿إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢]، فورد النص على البيع، وقيس عليه غيره، سواء أكان عقدًا أم لا، لأن كل ذلك يمنع عن تحقيق الغاية المطلوبة وهي أداء الجمعة (٣).
وأضاف الشافعية أنه يكره البيع ونحوه قبل الأذان بعد الزوال.
(١) الدر المختار: ٧٧٣/ ١.
(٢) الدر المختار: ٧٧٢/ ١.
(٣) الدر المختار ورد المحتار: ٧٧٠/ ١، البدائع: ٢٧٠/ ١، بداية المجتهد: ١٦٠/ ١، و١٦٧/ ٢، القوانين الفقهية: ص٣١، المهذب: ١١٠/ ١، حاشية الدسوقي: ٣٨٦/ ١، مغني المحتاج: ٢٥/ ١ ومابعدها.
 
وقال الحنابلة (١): لا يحرم غير البيع من العقود كالإجارة والصلح والنكاح؛ لأن النهي مختص بالبيع، وغيره لا يساويه في الشغل عن السعي، لقلة وجوده، فلا يصح قياسه على البيع.
غير أني لا أتردد في تصويب الرأي الأول، وعدم الالتفات للرأي الثاني، لأن الأمور بمقاصدها، ولأن الحنابلة القائلين بسد الذرائع يلزمهم سد كل الوسائل المؤدية إلى إهمال الجمعة.
وتحريم البيع ووجوب السعي يختص بالمخاطبين بالجمعة، أما غيرهم من النساء والصبيان والمسافرين، فلا يثبت في حقهم ذلك.
وهل البيع إذا وقع وقت النداء صحيح، أو باطل يفسخ (٢)؟ قال الحنفية: البيع صحيح مكروه تحريمًا؛ لأن الأمر بترك البيع ليس لعين البيع، بل لترك استماع الخطبة، ويقرب من قولهم قول الشافعية: البيع صحيح حرام.
وقال المالكية: إنه من البيوع الفاسدة، ويفسخ على المشهور، وكذلك قال الحنابلة: لا يصح هذا البيع.
وسبب اختلافهم: هل النهي عن الشيء الذي أصله مباح إذا تقيد النهي بصفة يعود بفساد المنهي عنه، أو لا؟.

المطلب الثالث - من تجب عليه الجمعة أو شروط وجوب الجمعة:
الجمعة كغيرها من الصلوات الخمس في الأركان والشروط والآداب، وتختص بشروط لوجوبها وصحتها ولزومها، وبآداب.
(١) المغني:٢٩٧/ ٢ ومابعدها.
(٢) المراجع السابقة، تبصرة الحكام لابن فرحون بهامش فتح العلي: ٣٧٨/ ٢، الشرح الصغير:٥١٤/ ١.
 
تجب الجمعة على كل مكلف (بالغ عاقل) حر، ذكر، مقيم غير مسافر، بلا مرض ونحوه من الأعذار، سمع النداء، فلا تجب على صبي ومجنون ونحوه، وعبد، وامرأة ومسافر، ومريض، وخائف وأعمى وإن وجد قائدًا عند أبي حنيفة، ويجب عليه إن وجد من يقوده عند المالكية والشافعية، والحنابلة والصاحبين من الحنفية، ومن لم يسمع النداء، على تفصيل آتٍ، ولا على معذور بمشقة مطر ووَحَل وثلج. لكن إن حضر هؤلاء وصلوا مع الناس، أجزأهم ذلك عن فرض الوقت،؛ لأنهم تحملوا المشقة، فصاروا كالمسافر إذا صام، ولأن كل من صحت ظهره ممن لا تلزمه الجمعة صحت جمعته بالإجماع، لأنها إذا أجزأت عمن لا عذر له، فصاحب العذر أولى، وإنما سقطت عنه رفقًا به، فترك الجمعة للمعذور رخصة، فلو أدى الجمعة سقط عنه الظهر، وتقع الجمعة فرضًا، وترك الترخص يعيد الأمر إلى العزيمة، أي أنه إن تكلف حضورها وجبت عليه، وانعقدت به، ويصح أن يكون إمامًا فيها. روى أبو داود عن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض».


وبه يتبين أن شروط وجوب الجمعة هي ما يأتي:
يشترط لوجوب الجمعة شروط وجوب الطهارة والصلاة، وهي ثلاثة عند الجمهور: (الإسلام والبلوغ والعقل) وعشرة عند المالكية وهي: الإسلام والبلوغ والعقل، وعدم الحيض والنفاس، ودخول الوقت، وعدم النوم، وعدم النسيان، وعدم الإكراه، ووجود الماء أو الصعيد، والقدرة على الفعل بقدر الإمكان.

ويزاد عليها أربعة شروط (١):
(١) الدر المختار: ٧٦٢/ ١ - ٧٦٤، البدائع: ٢٥٦/ ١، الكتاب مع اللباب: ١١١/ ١ - ١١٣، فتح القدير: ٧١٤/ ١، الشرح الصغير: ٤٩٤/ ١ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص٧٩، بداية المجتهد: ١٥١/ ١، مغني المحتاج: ٢٧٦/ ١ ومابعدها، المهذب: ١٠٩/ ١، كشاف القناع: ٢٣/ ٢ - ٢٥، المغني: ٢٩٨/ ٢، ٣٢٧ - ٣٣٢، ٣٣٨ - ٣٢٤.
 
١ - الذكورة: فلا تجب الجمعة على أنثى.

 
٢ - الحرية: فلا تجب على عبد.

 
٣ - الإقامة في محل الجمعة: 

فلا تجب على مسافر لم ينو الإقامة (١) لحديث «لاجمعة على مسافر» (٢)، وفي هذا تفصيل المذاهب: قال الحنفية: يشترط الإقامة في مصر أي بلد كبير: وهو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة، والقرية بخلافها. فلا تجب الجمعة على مقيم بقرية.
وتجب الجمعة أيضًا على من كان في فِناء المصر أي ما امتد من جوانبها، وقدروه بفرسخ (٥٥٤٤ م) في المختار للفتوى.
أما من كان خارج المصر: فتجب عليه الجمعة إن كان يسمع النداء من المنائر بأعلى صوت. وهو قول محمد، وبه يفتى، لحديث أبي داود: «الجمعة على كل من سمع النداء».
ولا جمعة على من يقيم في أطراف المصر، ويفصل بينه وبينها مسافة من مزارع ونحوها، وإن بلغه النداء. وتقدير البعد بغَلوة سهم أي مقدار رمية وهي (أربع مئة ذراع) أو ميل، ليس بشيء.
والخلاصة: تجب الجمعة على من يسكن المصر، أو ما يتصل به، فلا تجب على أهل السواد (القرى) ولو كان قريبًا، وتجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة لمدة خمسة عشر يومًا، وليس الاستيطان (دوام الإقامة) شرطًا لوجوب الجمعة.
(١) مدة الإقامة خمسة عشر يومًا عند الحنفية، وأربعة أيام عند الشافعية والمالكية والحنابلة.
(٢) روي مرفوعًا، لكن قال البيهقي: الصحيح وقفه على ابن عمر.
 
وروى الدارقطني وغيره عن النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة إلا امرأة ومسافرًا وعبدًا ومريضًا». وقال المالكية: تجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة أربعة أيام صحاح فأكثر، وإن لم تنعقد به. وتجب الجمعة على مقيم ببلد الجمعة، وعلى المقيم بقرية أو خيمة بعيدة عن بلد الجمعة بنحو فرسخ أو ثلاثة أميال وثلث، لا أكثر، وتقدر المسافة من المنارة التي في طرف البلد. ولا يشترط في بلد الجمعة أن يكون مصرًا، فتصح في القرية، وفي الأخصاص (وهي بيوت الجريد أو القصب)، ولا تصح ولا تجب في بيوت الشعر؛ لأن الغالب عليهم الارتحال، إلا إذا كانوا قريبين من بلد الجمعة، كما لا تصح ولا تجب على من أقام مؤقتًا في مكان ولو لشهر مثلًا، إذ لا بد من الاستيطان: وهو الإقامة في بلد على التأبيد.
وقال الشافعية: تجب الجمعة على المقيم في بلد، مصر أو قرية، سمع النداء أو لم يسمعه، وعلى من في خارجه إن سمع النداء، لقوله ﷺ: «الجمعة على من سمع النداء» (١) فلا جمعة على الحصادين، إلا إذا سمعوا النداء. والاعتبار في سماع النداء: أن يقف المؤذن في طرف البلد، والأصوات هادئة، والريح ساكنة، وهو مستمع، فإذا سمع النداء لزمه، وإن لم يسمع لم يلزمه.
وتجب الجمعة على مسافر نوى الإقامة أربعة أيام، أو سافر يوم الجمعة بعد فجر يومها، فإن سافر قبل الفجر فلا جمعة عليه، ولكن لا تنعقد الجمعة بالعدد المطلوب وهوأربعون بالمسافر، بل لا بد من كون الأربعين متوطنين، فالاستيطان شرط الانعقاد لا شرط الوجوب للجمعة، كما أن شرط صحة الجمعة هو وقوعها في بناء لا صحراء. روى البيهقي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «مضت السنة أن في كل أربعين فما فوق ذلك جمعة» وروى أبو داود عن كعب بن مالك
(١) رواه أبو داود، والدارقطني وقال فيه: «إنما الجمعة على من سمع النداء» من حديث عبد الله بن عمرو (نيل الأوطار: ٢٢٥/ ٣).
 
﵁: «أن أول من جمَّع بهم - أي في المدينة - أسعد بن زرارة ﵁، وكانوا يومئذٍ أربعين».
ومذهب الحنابلة: تجب الجمعة على مستوطنين ببناء أو ماقاربه من الصحراء، مقيم في بلد وإن لم يكن مصرًا تقام فيه الجمعة، ولو كان بينه وبين موضع إقامة الجمعة فرسخ، ولو لم يسمع النداء؛ لأنه بلد واحد، فلا فرق بين البعيد والقريب، ولأن بُعد الفرسخ في مظنة القرب.
كما تجب الجمعة على من كان خارج البلد الذي تقام فيه الجمعة إذا كان بينه وبين موضعها فرسخ تقريبًا فأقل كما قال المالكية؛ لأنه من أهل الجمعة، ويسمع النداء كأهل المصر، والعبرة بسماعه من المنارة، لا بين يدي الإمام. والمعتبر مظنة السماع غالبًا، كما قال الشافعية: إذا كان المؤذن صيِّتًا، والرياح ساكنة، والأصوات هادئة، والعوارض منتفية.
وتجب على المسافر إذا نوى الإقامة أربعة أيام فأكثر، أو كان سفره معصية، لئلا تكون المعصية سببًا للتخفيف عنه، أو كان بينه وبين بلد إقامته فرسخ فأقل، أو سافر مسافة دون مسافة القصر.
ولا تجب الجمعة على من كان في قرية لا يبلغ عددهم أربعين، أو كان مقيمًا في خيام (ما يبنى من عيدان الشجر) ونحوها كبيوت الشعر، أو كان مسافرًا سفرًا لمسافة القصر (٩٨كم)، أو كان بينه وبين موضع الجمعة أكثر من فرسخ، أو مقيم في قرية يظعن أهلها عنها في الشتاء دون الصيف أو في بعض السنة؛ لأنهم ليسوا من أهلها، ولا يسمعون نداءها، ولأنه ﷺ وأصحابه كانوا يسافرون في الحج وغيره، فلم يصل أحد منهم الجمعة في السفر.
ولا جمعة بمنى وعرفة نصًا؛ لأنه لم ينقل فعلها هناك.
 
السفر يوم الجمعة: 

 للفقهاء رأيان في مشروعية السفر يوم الجمعة بعد الفجر (١)، فأجازه الحنفية والمالكية، ومنعه الشافعية والحنابلة إن خيف فوت الجمعة، واتفقوا على منعه بعد دخول وقت الظهر (أي بعد الزوال) وقبل أداء صلاتها.
قال الحنفية: لابأس بالسفر يوم الجمعة إذا خرج عن عمران المصر قبل دخول وقت الظهر، والصحيح أنه يكره السفر بعد الزوال وقبل أن يصلي الجمعة، ولا يكره قبل الزوال.
وكذلك قال المالكية: يجوز السفر يوم الجمعة قبل الزوال، ولكنه يكره لمن لا يدركها في طريقه، ويحرم ويمنع بعد الزوال وقبل الصلاة اتفاقًا. ودليلهم قول عمر: «الجمعة لا تحبس عن سفر».
وقال الشافعية والحنابلة: يحرم على من تجب عليه الجمعة السفر قبل الزوال وبعده، إلا أن تمكنه الجمعة في طريقه أو يتضرر بتخلفه عن الرفقة أو كان السفر واجبًا كالسفر لحج ضاق وقته وخاف فوته، لما روى ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ قال: من سافر من دار إقامة يوم الجمعة، دعت عليه الملائكة، لا يُصحَب في سفره، ولا يعان على حاجته» (٢)، وهذا وعيد لا يلحق بالمباح، ولأن الجمعة قد وجبت عليه، فلم يجز له الاشتغال بما يمنع منها كاللهو والتجارة.
كذلك كره الشافعية السفر ليلة الجمعة، جاء في الإحياء للغزالي: «من سافر ليلة الجمعة دعا عليه ملكان».
(١) الدر المختار: ٧٧١/ ١، الشرح الصغير: ٥١٢/ ١، القوانين الفقهية: ص٨٠، المهذب: ١١٠/ ١، مغني المحتاج: ٢٧٨/ ١ وما بعدها، المغني: ٣٦٢/ ٢ - ٣٦٤، الشرح الصغير: ٥١٤/ ١ - ٥١٦، خصوصيات يوم الجمعة للسيوطي: ص٧٣، الشرح الكبير: ٣٨٧.
(٢) رواه الدارقطني في الأفراد، وأخرجه الخطيب في الرواة عن مالك بسند ضعيف عن أبي هريرة.
 
وفي تقديري أن رأي المالكية والحنفية أصح، تيسيرًا على الناس، ومنعًا للحرج، ولضعف حديث الفريق الثاني.

٤ - السلامة من الأعذار: 

فلا بد لمن تجب عليه الجمعة من الصحة، والأمن، والحرية، والبصر، والقدرة على المشي، وعدم الحبس، وعدم المطر الشديد والوحل والثلج ونحوها، كما بينا في بحث أعذار مسقطات الجماعة والجمعة.
فلا تجب الجمعة على مريض لعجزه عن ذلك، وممرِّض إن بقي المريض ضائعًا، وشيخ فانٍ، وخائف على نفسه أو ماله أو لخوف غريم أو ظالم أو فتنة، وعبد؛ لأنه مشغول بخدمة مولاه، وأعمى عند أبي حنيفة، ويجب عليه عند الحنابلة والصاحبين والمالكية والشافعية إذا وجد، أي الأعمى قائدًا، ولا يجب عليه إن وجد قائدًا عند أبي حنيفة، ولا تجب على مفلوج الرِّجل ومقطوعها وزَمِن، ومحبوس، ومعذور بمشقة مطر ووحل وثلج. ولا تجب على قروي عند الحنفية.

سقوط الجمعة عمن حضر العيد إلا الإمام عند الحنابلة:
قال الحنابلة (١): كما تسقط الجمعة عن ذوي الأعذار أو الأشغال كمريض ونحوه، تسقط عمن حضر العيد مع الإمام إن اتفق عيد في يوم جمعة إسقاط حضور، لا إسقاط وجوب، إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه، إلا أن لايجتمع له من يصلي به الجمعة، ويصح أن يؤم فيها، والأفضل حضورها خروجًا من الخلاف.
ودليلهم: حديث زيد بن أرقم: «من شاء أن يُجمِّع فليُجمِّع» (٢)، وحديث
(١) المغني: ٣٥٨/ ٢، كشاف القناع: ٤٤/ ٢.
(٢) رواه الإمام أحمد، وأبو داود ولفظه «من شاء أن يصلي فليصل».
 
أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة، وإنا مجمِّعون» (١)، ولأن الجمعة إنما زادت عن الظهر بالخطبة، وقد حصل سماعها في العيد، فأجزأه عن سماعها ثانيًا، ولأن وقتها واحد، فسقطت إحداهما بالأخرى كالجمعة مع الظهر.
وقوله: (إنا مجمعون) يدل على أن الإمام لاتسقط عنه، ولأنه لو تركها، لامتنع فعل الجمعة في حق من تجب عليه ومن يريدها ممن سقطت عنه، بخلاف غيره من الناس.

المطلب الرابع - كيفية الجمعة ومقدارها:
الجمعة: ركعتان وخطبتان قبلها (٢)، قال عمر: «صلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، وقد خاب من افترى» (٣) فلها ركنان: الصلاة والخطبة، والصلاة ركعتان بقراءة جهرية إجماعًا، والخطبة: فرض وهي خطبتان قبل الصلاة، وشرط في صحة الجمعة على الأصح، وأقل ما يسمى خطبة عند العرب، تشمل على حمد لله تعالى وصلاة على رسوله، ووعظ في أمور الدين والدنيا، وقرآن. ويسن قبلها أربع ركعات اتفاقًا، وبعدها عند الجمهور غير المالكية أربع أيضًا.

المطلب الخامس - شروط صحة الجمعة:
يشترط لصحة الجمعة زيادة على شروط صحة الصلاة الإحدى عشرة المتقدمة
(١) رواه ابن ماجه. وعن ابن عمر وابن عباس عن النبي ﷺ نحو ذلك.
[التعليق]
*  انظر: (٢/ ١٤١٩)
صلاة الجمعة في يوم العيد
* أبو أكرم الحلبي
(٢) البدائع: ٢٥٦/ ١، بداية المجتهد: ١٥٥/ ١، القوانين الفقهية: ص٨١، مغني المحتاج: ٢٧٦/ ١، كشاف القناع: ٢١/ ٢، ٤١.
(٣) رواه أحمد وابن ماجه والنسائي.
 
سبعة شرائط عند الحنفية والشافعية، وخمسة شرائط عند المالكية وأربعة لدى الحنبلية (١).

- وقت الظهر:
فتصح فيه فقط، ولا تصح بعده، ولا تقضى جمعة، فلو ضاق الوقت، أحرموا، بالظهر، ولا تصح عند الجمهور غير الحنابلة قبله، أي قبل وقت الزوال، بدليل مواظبة النبي ﷺ على صلاة الجمعة إذا زالت الشمس، قال أنس ﵁: «كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة حين تميل الشمس» (٢) أي إلى الغروب، وهو الزوال، وعلى ذلك جرى الخلفاء الراشدون فمن بعدهم، ولأن الجمعة والظهر فرْضا وقت واحد، فلم يختلف وقتهما، كصلاة الحضر وصلاة السفر.
وقال الحنابلة: يجوز أداء الجمعة قبل الزوال، وأول وقتها أول وقت صلاة العيد، لقول عبد الله بن سَيْدان السُّلَمي، «شهدت الجمعة مع أبي بكر، فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان، فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، فما رأيت أحدًا عاب ذلك، ولا أنكره» (٣) فكان كالإجماع، ولأنها صلاة عيد، أشبهت العيدين.
(١) الدر المختار: ٧٤٧/ ١ - ٧٦١، فتح القدير:٤٠٨/ ١ - ٤١٦، البدائع: ٢٥٦/ ١، ٢٦٢، ٢٦٦، اللباب: ١١٠/ ١ - ١١٢، الشرح الصغير: ٤٩٥/ ١ - ٥٠٠، الشرح الكبير: ٣٧٢/ ١ - ٣٧٨، بداية المجتهد: ١٥٢/ ١ - ١٥٤، القوانين الفقهية: ص٨٠ - ٨١، مغني المحتاج: ٢٧٩/ ١ - ٢٨٥، المهذب: ١١٠/ ١ ومابعدها، ١١٧، حاشية الشرقاوي: ٢٦١/ ١ - ٢٦٦، كشاف القناع: ٢٧/ ٢، ٣٤، ٤٢ ومابعدها، المغني: ٢٩٥/ ٢، ٣٢٧ - ٣٣٧، ٣٥٦ - ٣٥٩.
(٢) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي (نيل الأوطا: ٢٥٩/ ٣).
(٣) رواه الدارقطني وأحمد واحتج به، وقال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية: «أنهم صلوها قبل الزوال» (نيل الأوطار: ٢٥٩/ ٣).
 
وتفعل قبل الزوال جوازًا أو رخصة، وتجب بالزوال، وفعلها بعد الزوال أفضل لما روى سلمة بن الأكوع قال: «كنا نجمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع نتتبَّع الفيء» (١).
وآخر وقت الجمعة: آخر وقت الظهر بغير خلاف، ولأنها بدل منها، أو واقعة موقعها، فوجب الإلحاق بها، لما بينهما من المشابهة.

متى تدرك الصلاة جمعة؟ للفقهاء رأيان في إدراك جزء من صلاة الجمعة مع الإمام.
فقال الحنفية على الراجح (٢): من أدرك الإمام يوم الجمعة في أي جزء من صلاته، صلى معه ما أدرك، وأكمل الجمعة، وأدرك الجمعة، حتى وإن أدركه في التشهد أو في سجود السهو. وهو رأي أبي حنيفة وأبي يوسف، لقوله ﷺ: «ماأدركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا» (٣).
وقال الجمهور (٤): إذا أدرك الركعة الثانية مع الإمام، فقد أدرك الجمعة، وأتمها جمعة، وإن لم يدرك معه الركعة الثانية، أتمها ظهرًا، لإطلاق قوله ﷺ: «من أدرك ركعة من الجمعة فليصل إليها أخرى» وفي لفظ: «من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة» وفي رواية: «من أدرك في الجمعة ركعة فقد أدرك الصلاة» (٥).
(١) رواه الشيخان: البخاري ومسلم (نيل الأوطار: المكان السابق).
(٢) فتح القدير: ٤١٩/ ١، الكتاب مع اللباب: ١١٤/ ١.
(٣) رواه أحمد وابن حبان عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا. قال مسلم: أخطأ ابن عيينة في هذه اللفظة، ولا أعلم رواهاعن الزهري غيره. أخرجه الأئمة الستة بلفظ: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» (نصب الراية: ٢٠٠/ ٢).
(٤) مغني المحتاج: ٢٩٩/ ١ ومابعدها، كشاف القناع: ٢٨/ ٢، ٣٣، المغني: ٣١٢/ ٢.
(٥) اللفظ الأول لابن ماجه، والثاني متفق عليه عند الشيخين، والثالث رواه الأثرم.
 
٢ - البلد:
أي كونها في مصر جامع، أو في مصلى المصر عند الحنفية: وهو كل موضع له أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، هذا في مشهور المذهب الحنفي، لكن المفتى به عند أكثر الحنفية، أن المصر كما قدمنا: هو ما لا يسع أكبر مساجدها أهلها المكلفين بالجمعة. وهذا شرط وجوب وصحة، فلا يصح أداء الجمعة إلا في المصر وتوابعه، ولا تجب على أهل القرى التي ليست من توابع المصر، ولا يصح أداء الجمعة فيها. ودليلهم على اشتراط المصر: ما رواه عبد الرزاق عن علي موقوفًا: «لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع».
وقال المالكية: كونها في موضع الاستيطان، وهو إما بلد أو قرية، مبنية بأحجار ونحوها، أو بأخصاص من قصب أو أعواد شجر، لا خيم من شعر أو قماش؛ لأن الغالب على أهلها الارتحال، فأشبهوا المسافرين. وهذا شرط صحة ووجوب عند المالكية؛ لأن الصحيح عندهم أن الشروط الأربعة وهي الإمام والجماعة والمسجد وموضع الاستيطان هي شروط وجوب وصحة معًا، ولا بد أن تستغني القرية بأهلها عادة، بالأمن على أنفسهم، والاكتفاء في معاشهم عن غيرهم. ولا يحدون بحد كمئة أو أقل أو أكثر.
وقرر الشافعية: أن تقام الجمعة في خِطّة بلد أو قرية، وإن لم تكن في مسجد. ولا تلزم الجمعة في الأظهر أهل الخيام وإن استقروا في الصحراء أبدًا؛ لأنهم على هيئة المسافرين أو المستوفزين للسفر، وليس لهم أبنية المستوطنين، ولأن قبائل العرب الذين كانوا مقيمين حول المدينة ما كانوا يصلونها، وما أمرهم النبي ﷺ بها.
والمراد بالخِطَّة: الأرض التي خُطَّ عليها أعلام للبناء فيها. ويقصد بها هنا
 
الأمكنة المعدودة من البلد. وهي تشبه المخطط التنظيمي لكل بلد في عصرنا. ولا بد أن تكون الأبنية مجتمعة بحسب العرف.
واشترط الحنابلة: أن يكون المكلفون بالجمعة وهم أربعون فأكثر مستوطنين أي مقيمين بقرية مجتمعة البناء، بما جرت العادة بالبناء به، من حجر أو لبن أو طين أو قصب أو شجر؛ لأنه ﷺ «كتب إلى قرى عُرينة أن يصلوا الجمعة» ولا جمعة على أهل الخيام وبيوت الشعر والحركات، ولا تصح منهم؛ لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالبًا.
والخلاصة: لا بد لإقامة الجمعة عند الجمهور من كونها في مدينة أو قرية، ولابد أن تكون القرية كبيرة عند الحنفية، فلا تجب على سكان القرى الصغيرة، أي لا بد من المصر عندهم، أما عند غيرهم فلا يشترط المصر، والقرية والبلد سواء.

٣ - الجماعة:
الجماعة شرط، لما رواه أبو داود: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة ..» وانعقد الإجماع على ذلك. وأقل الجماعة عند أبي حنيفة ومحمد في الأصح: ثلاثة رجال سوى الإمام، ولو كانوا مسافرين أو مرضى؛ لأن أقل الجمع الصحيح إنما هو الثلاث، والجماعة شرط مستقل في الجمعة، لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢] والجمعة مشتقة من الجماعة، ولا بد لهم من مذكر وهو الخطيب. فإن تركوا الإمام أو نفروا بعد التحريمة قبل السجود، فسدت الجمعة، وصليت الظهر. وإن عادوا وأدركوا الإمام راكعًا، أو بقي ثلاثة رجال يصلون مع الإمام. أو نفروا بعد الخطبة وصلى الإمام بآخرين، صحت الجمعة، فوجود الجماعة: شرط انعقاد الأداء، لا شرط دوام وبقاء إلى آخر الصلاة، ولا يتحقق الأداء إلا بوجود تمام الأركان وهي القيام والقراءة والركوع
 
والسجود، فلو نفروا بعد التحريمة قبل السجود فسدت الجمعة، ويستقبل (يستأنف) لظهر، كما بينا.
وقال المالكية: يشترط حضور اثني عشر رجلًا للصلاة والخطبة، لما روي عن جابر أن النبي ﷺ كان يخطب قائمًا يوم الجمعة، فجاءت عِير (إبل تحمل التجارة) من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلًا، فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: ﴿وإذا رأ وا تجارة أو لهوًا، انفضوا إليها، وتركوك قائمًا﴾ (١) [الجمعة:١١/ ٦٢].
ويشترط لهذا الشرط شرطان أيضًا:
الأول - أن يكون العدد من أهل البلد، فلا تصح من المقيمين به لنحو تجارة، إذا لم يحضرها العدد المذكور من المستوطنين بالبلد.
الثاني - أن يكونوا باقين مع الإمام من أول الخطبة حتى السلام من صلاتها، فلو فسدت صلاة واحد منهم، ولو بعد سلام الإمام، بطلت الجمعة، أي أن بقاء الجماعة إلى كمال الصلاة شرط على المشهور.
وقال الشافعية والحنابلة: تقام الجمعة بحضور أربعين فأكثر بالإمام من أهل القرية المكلفين الأحرار الذكور المستوطنين، بحيث لا يظعن منه أحدهم شتاء ولاصيفًا إلا لحاجة، ولو كانوا مرضى أو خرسًا أو صمًا، لا مسافرين، لكن يجوز كون الإمام مسافرًا إن زاد العدد عن الأربعين، ولا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين، لحديث كعب المتضمن أن عدد المصلين في أول صلاة جمعة بالمدينة مع أسعد بن زرارة كانوا أربعين رجلًا (٢). وروى البيهقي عن ابن مسعود أنه ﷺ جمع بالمدينة
(١) حديث الانفضاض هذا رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه (نيل الأوطار: ٢٧٨/ ٣).
(٢) رواه أبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار: ٢٣٠/ ٣).
 
وكانوا أربعين رجلًا. ولم يثبت أنه ﷺ صلى بأقل من أربعين، فلا تجوز بأقل منه. فلو انفض الأربعون أو بعضهم في الخطبة، لم تصح الجمعة؛ لأن سماع الأربعين جميع أركان الخطبة مطلوب، والمقصود من الخطبة إسماع الناس، فإن نقصوا عن الأربعين قبل إتمام الجمعة استأنفوا ظهرًا ولم يتموها جمعة؛ لأن العدد شرط، فاعتبر في جميعها كالطهارة.
ويظهر لي أن الجمعة تتطلب الاجتماع، فمتى تحققت الجماعة الكثيرة عرفًا، وجبت الجمعة وصحت، وليس هناك نص صريح في اشتراط عدد معين. والجماعة في الجمعة شرط بالاتفاق، إذ كان معلومًا من الشرع أنها حال موجودة في الصلاة. فإن سبق أحد المصلين بركعة، صحت جمعته، وأتى بركعة ثانية، فإن لم يدرك مع الإمام ركوع الركعة الثانية، أتم صلاته ظهرًا، والدليل ما رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها، فليضف إليها أخرى، وقد تمت صلاته».

٤ - كون الأمير أو نائبه هو الإمام، والإذن العام من الإمام بفتح أبواب الجامع للواردين عليه. اشترط الحنفية هذين الشرطين:
الأول - أن يكون السلطان ولو متغلبًا أو نائبه، أو من يأذن له بإقامة الجمعة كوزارة الأوقاف الآن هو إمام الجمعة وخطيبها؛ لأنها تقام بجمع عظيم، وقد تقع منازعة في شؤون الجمعة، فلا بد منه تتميمًا لأمره، ومنعًا من تقدم أحد.
والثاني - الإذن العام: وهو أن تفتح أبواب الجامع ويؤذن للناس بالدخول إذنًا عامًا، بأن لا يمنع أحد ممن تصح منه الجمعة عن دخول الموضع الذي تصلى فيه؛
 
لأن كل تجمع يتطلب الإذن بالحضور، ولأنه لا يحصل معنى الاجتماع إلا بالإذن، ولأنها من شعائر الإسلام، وخصائص الدين، فلزم إقامتها على سبيل الاشتهار والعموم.
ولم يشترط غير الحنفية هذين الشرطين، فلا يشترط إذن الإمام لصحة الجمعة، ولا حضوره؛ لأن عليًا صلى بالناس، وعثمان محصور، فلم ينكره أحد، وصوبه عثمان (١)، ولأن الجمعة فرض الوقت، فأشبهت الظهر في عدم هذين الشرطين (٢).

٥ - أن تكون بالإمام وفي الجامع:
اشترط المالكية هذين الشرطين وهما: أن تصلى بإمام مقيم، فلا تصح أفرادًا، وأن يكون مقيمًا غير مسافر، ولو لم يكن متوطنًا، وأن يكون هوالخطيب إلا لعذر يبيح الاستخلاف كرعاف ونقض وضوء، وأن يكون حرًا فلا تصح إمامة العبد. ولا يشترط أن يكون الإمام واليًا، خلافًا للحنفية.
وأن تكون الصلاة بجامع يجمع فيه على الدوام، فلا تصح في البيوت ولا في رحبة دار، ولا في خان، ولا في ساحة من الأرض، وفي الجملة: لا تصح المواضع المحجورة كالدور والحوانيت.
وللجامع شروط أربعة: أن يكون مبنيًا، وأن يكون بناؤه بحسب العادة والعرف فيجوز بالقصب ونحوه، وأن يكون متحدًا، ومتصلًا بالبلد، فالجمعة لا تكون إلا متحدة في البلد، وإذا تعددت الجمع، فالذي تصح الجمعة فيه هو الجامع العتيق الأقدم؛ دون غيره، والمراد بالعتيق: ما أقيمت فيه الجمعة ابتداء، ولو تأخر بناؤه عن غيره.
(١) رواه البخاري بمعناه.
(٢) كشاف القناع: ٤١/ ٢.
 
ولا يشترط كون الجامع مسقفًا على الراجح، ولا قصد تأبيد إقامة الجمعة فيه، ولا قصد إقامة الصلوات الخمس فيه.
وتصح الجمعة في رحاب المسجد: وهي ما زيد خارج محيطه لتوسعته، وتصح في طرق المسجد المتصلة به من غير فصل ببيوت أو حوانيت أو أشياء محجورة، سواء ضاق المسجد أو اتصلت الصفوف أم لا، وتكره في الرحاب والطرق من غير ضرورة.
ولا تجوز الجمعة على سطح المسجد، ولو ضاق بالناس، ولا في الأماكن المحجورة كالدور والحوانيت.

٦ - عدم تعدد الجمع لغير حاجة:
اشترط الشافعية لصحة الجمعة ألا يسبقها ولا يقارنها جمعة في البلد أو القرية، إلا لكبر البلد وعسر اجتماع الناس في مكان، وتعسر الاجتماع: إما لكثرة الناس، أو لقتال بينهم، أو لبعد أطراف البلد، بأن يكون من بطرفها لا يبلغهم صوت المؤذن بالشروط السابقة في وجوب الجمعة.
ودليل هذا الشرط أنه ﷺ وصحبه والخلفاء الراشدين والتابعين لم يقيموا سوى جمعة واحدة، ولأن الاقتصار على واحدة أدعى لتحقيق المقصود من إظهار شعار الاجتماع، واجتماع الكلمة.
فإن سبقت إحدى الجمع غيرها فهي الصحيحة، وما بعدها باطل؛ لأنه لا يزاد على واحدة وإن تقارنتا فهما باطلتان. والعبرة في السبق والمقارنة: بالراء من تكبيرة إحرام الإمام. فإن علم السابق ثم نسي، وجبت الظهر على الجميع، لالتباس الصحيحة بالفاسدة، وإن علمت المقارنة أو لم يعلم سبق ولا مقارنة، أعيدت الجمعة إن اتسع الوقت، لعدم وقوع جمعة مجزئة.
 
وإن تعددت الجمعة لحاجة، بأن عسر اجتماع بمكان، جاز التعدد، وصحت صلاة الجميع على الأصح، سواء وقع إحرام الأئمة معًا أو مرتبًا، وسن صلاة الظهر احتياطًا، فالاحتياط لمن صلى ببلد تعددت فيه الجمعة لحاجة، ولم يعلم سبق جمعته: أن يعيدها ظهرًا، خروجًا من خلاف من منع التعدد، ولو لحاجة. وينوي آخر ظهر بعد صلاة الجمعة أو ينوي الظهر احتياطًا، خروجًا عن عهدة فرض الوقت بأداء الظهر.

وصلاة الظهر بعد الجمعة: 

 إما واجبة إن تعددت الجمع لغير حاجة، أو مستحبة إذا كان التعدد بقدر الحاجة فقط، أو زائدًا عليها ولم يدر هل التعدد لحاجة أو لا، أو حرام فيما إذا كان بالبلد جمعة واحدة فقط كبعض قرى الأرياف.
وكذلك قرر المالكية على الراجح: أنه يمنع تعدد الجمعة في مسجدين أو أكثر في مصر واحد، ولا تكون الجمعة إلا متحدة في البلد، فإن تعددت صحت جمعة الجامع الأقدم أو العتيق: وهو المسجد الذي أقيمت فيه أول جمعة في البلد، ولو تأخر بناؤه عن غيره، كما بينا (١).
والحنابلة مع الشافعية والمالكية فيما ذكر (٢): وهو إن كان البلد كبيرًا يحتاج إلى جوامع أو في حال خوف الفتنة بأن يكون بين أهل البلد عداوة، أو في حال سعة البلد وتباعد أطرافه، فصلاه الجمعة في جميعها جائزة؛ لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة، فجازت فيما يحتاج إليه من المواضع كصلاة العيد، وقد ثبت أن عليًا ﵁ كان يخرج يوم العيد إلى المصلى، ويستخلف على ضعَفَة الناس أبا مسعود البدري فيصلي بهم. وأما ترك النبي ﷺ وأصحابه إقامة
(١) الشرح الصغير: ٥٠٠/ ١، القوانين الفقهية: ص٨٠ ومابعدها.
(٢) المغني: ٣٣٤/ ٢ ومابعدها، كشاف القناع: ٤٢/ ٢ - ٤٤.
 
جمعتين، فلعدم الحاجة إليه، ولأن الصحابة كانوا يؤثرون سماع خطبته ﵇، وشهود جمعته، وإن بعدت منازلهم، لأنه المبلغ عن الله تعالى.
ولما دعت الحاجة إلى تعدد الجمعات في الأمصار، صليت في أماكن، ولم ينكر أحد، فكان إجماعًا.
وإن تحققت الحاجة بجمعتين اثنتين، لم تجز الجمعة الثالثة لعدم الحاجة إليها، وهكذا الرابعة والخامسة.
ويحرم إقامة الجمعة والعيد بأكثر من موضع من البلد لغير حاجة، ويحرم إذن الحاكم في إقامة جمعة زائدة عند عدم الحاجة إليها، كما يحرم الإذن فيما زاد على قدر الحاجة.
فإن أقيمت الجمعة في موضعين فأكثر مع عدم الحاجة، فجمعة الإمام (الحاكم) التي باشرها أو أذن فيها: هي الصحيحة؛ لأن في تصحيح غيرها افتياتًا عليه، وتفويتًا لجمعته.
فإن استويا في الإذن وعدم إذن الإمام، فالسابقة هي الصحيحة، والثانية باطلة. والسبق يكون بتكبيرة الإحرام، كما قال الشافعية، لا بالشروع في الخطبة ولا بالسلام. وإن تقارنتا معًا، واستوتا في الإذن أو عدمه، بطلتا؛ لأنه لا يمكن تصحيحهما.
وإن جهلت الجمعة الأولى ببلد لغير حاجة، أو لم يعلم سبق إحداهما، أو علم الحال ثم أنسي، صلوا ظهرًا.
والخلاصة: إن رأي الجمهور (المالكية على المشهور، والشافعية والحنابلة) والكاساني من الحنفية: هو عدم جواز التعدد إلا لحاجة.
 
أما الحنفية (١) على المذهب وعليه الفتوى فقالوا: يؤدى أكثر من جمعة في مصر واحد بمواضع كثيرة دفعًا للحرج؛ لأن في إلزام اتحاد الموضع حرجًا بينًا، لتطويل المسافة على أكثر الحاضرين، ولم يوجد دليل على عدم جواز التعدد، والضرورة أو الحاجة تقضي بعدم اشتراطه، لا سيما في المدن الكبرى.
والحق: رجحان هذا الرأي، لاتساع البنيان، وكثرة الناس، وللحاجة في التيسير عليهم في أداء الجمعة، ولأن منع التعدد لم يقم عليه دليل صحيح، قال ابن رشد (٢): لو كان شرط عدم التعدد، واشتراط المصر والسلطان واشتراط مالك المسجد شروطًا في صحة صلاة الجمعة، لما جاز أن يسكت عنها ﵊، ولا أن يترك بيانها، لقوله تعالى: ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل:٤٤/ ١٦]، ولقوله تعالى: ﴿إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه﴾ [النحل:٦٤/ ١٦]، وتعدد الجمع اليوم يتفق مع مبدأ يسر الإسلام ودفع الحرج عن المصلين، ولا تجب صلاة الظهر على أحد من المصلين، كما قرر بعض الشافعية كالرملي في المدن الكبرى كالقاهرة وبغداد ودمشق، وأما كون الجمعة لمن سبق فمعناه زيادة الأجر لمن بكر في المجيء للمسجد. قال ابن تيمية: إقامة الجمعة في المدينة الكبيرة في موضعين للحاجة يجوز عند أكثر العلماء، ولهذا لما بنيت بغداد ولها جانبان أقاموا فيها جمعة في الجانب الشرقي، وجمعة في الجانب الغربي، وجوز ذلك أكثر العلماء (٣).
(١) الدر المختار ورد المحتار: ٧٥٥/ ١ ومابعدها. قال في شرح المنية: الأولى هو الاحتياط: لأن الخلاف في جواز التعدد عدمه قوي، وكون الصحيح جواز التعدد للضرورة للفتوى: لايمنع شرعية الاحتياط للتقوى.
(٢) بداية المجتهد: ١٥٤/ ١.
(٣) فتاوى ابن تيمية ٢٠٨/ ٢٤.
 
٧ - الخطبة قبل الصلاة:

اتفق الفقهاء على أن الخطبة شرط في الجمعة، لا تصح بدونها (١)، لقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢] والذكر: هو الخطبة، ولأن النبي ﷺ لم يصل الجمعة بدون الخطبة (٢)، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وعن عمر وعائشة ﵄ أنهما قالا: قصرت الصلاة لأجل الخطبة. والأصح عند الحنفية: أن الخطبة ليست قائمة مقام ركعتين، بل كشطرها في الثواب، لما ورد به الأثر من أن الخطبة كشطر الصلاة.
وهي خطبتان قبل الصلاة اتفاقًا، واختلف الفقهاء في شروط الخطبة.


فقال الحنفية (٣):

 
يخطب الإمام بعد الزوال قبل الصلاة خطبتين خفيفتين بقدر سورة من طوال المفصل، يفصل بينهما بقَعْدة قدر قراءة ثلاث آيات، 

ويخفض جهره بالثانية عن الأولى، ويخطب قائمًا، مستقبل الناس، على طهارة من الحدثين، وستر عورة، ولو كان الحاضرون صُمًَّا أو نيامًا.
(١) تبيين الحقائق: ٢١٩/ ١ ومابعدها، الشرح الصغير: ٤٩٩/ ١، مغني المحتاج: ٢٨٥/ ١، المغني: ٣٠٢/ ٢.
(٢) ذكره البيهقي، واستدل ابن الجوزي على وجوب الخطبة بهذا، مع حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي» وأخرج مسلم عن جابر بن سمرة «أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم، فيخطب قائمًا ...» وأخرج أبو داود عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعِد المنبر حتى يفرغ أذان المؤذن، ثم يقوم، ثم يجلس، فلا يتكلم، ويقوم، فيخطب» وفي أحد رواته: فيه مقال (نصب الراية ١٩٦/ ٢).
(٣) فتح القدير مع العناية:٤١٣/ ١ - ٤١٥، الدر المختار: ٧٥٧/ ١ - ٧٦٠، مراقي الفلاح: ص٨٧، البدائع: ٢٦٢/ ١، تبيين الحقائق: ٢١٩/ ١ ومابعدها.
 
ولو خطب قاعدًا أو على غير طهارة، جاز لحصول المقصود، إلا أنه يكره لمخالفته الموروث، وللفصل بينها وبين الصلاة لتجديد طهارته، فالطهارة والقيام سنةعندهم، والسبب في ذلك أنها لا تقوم مقام الركعتين في الأصح؛ لأنها تنافي الصلاة، لما فيها من استدبار القبلة والكلام، فلا يشترط لها شرائط الصلاة.
ولو اقتصر الخطيب على ذكر الله تعالى كتحميدة أو تهليلة أو تسبيحة، فقال: الحمد لله، أو سبحان الله، أو لا إله إلا الله، جاز عند أبي حنيفة مع الكراهة، لقوله تعالى: ﴿فاسعَوْا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة:٩/ ٦٢] والمراد به الخطبة باتفاق المفسرين، وقد أطلق عليها الذكر، من غير فصل بين قليل وكثير، فالزيادة عليها نسخ، وروي أن «عثمان ﵁: لما صعد المنبر أول جمعة ولّي، قال: الحمد لله، فأرتج (أي أغلق)، فنزل، وصلى» وكان بمحضر من علماء الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فدل على أن هذا المقدار كاف.
وقال الصاحبان: لا بد من ذِكْر طويل يسمى خطبة، وأقله قدر التشهد؛ لأن الخطبة هي الواجبة، والتسبيحة أو التحميدة لا تسمى خطبة. وشروط الخطبة عند الحنفية ستة: أن تكون قبل الصلاة، وبقصد الخطبة، وفي الوقت، وأن يسمعها واحد ممن تنعقد بهم الجمعة على الأقل في الصحيح، فيكفي حضور عبد أو مريض أو مسافر ولو جنبًا، ولا تصح بحضور صبي أو امرأة فقط، ولا يشترط سماع جماعة.
ويشترط أيضًا ألا يفصل فاصل كثير أجنبي كتناول غداء أو غسل بين الخطبة والصلاة، فإن وجد أعيدت الخطبة، لبطلان الخطبة الأولى. ولا يشترط اتحاد الإمام والخطيب، لكن لا ينبغي أن يصلي غير الخطيب؛ لأنهما كشيء واحد. وأجازوا الخطبة، بغير العربية ولو لقادر عليها، سواء أكان القوم عربًا أم غيرهم.
 
ويبدأ قبل الخطبة الثانية بالتعوذ سرًا، ثم يحمد الله تعالى والثناء عليه، ويأتي بالشهادتين، والصلاة على النبي ﷺ، والعظة والتذكير، ويندب ذكر الخلفاء الراشدين والعمّين (حمزة والعباس)، ولا يندب الدعاء للسلطان، وجوزه بعضهم، فقد ثبت أن أبا موسى الأشعري أمير الكوفة دعا لعمر، ويكره تحريمًا وصفه بما ليس فيه.

واشترط المالكية (١) تسعة شروط لخطبتي الجمعة هي:
الأول - أن يكون الخطيب قائمًا، والأظهر أن هذا واجب غير شرط، فإن جلس أتم خطبته وصحت.
الثاني - أن تكون الخطبتان بعد الزوال، فإن تقدمتا عليه، لم يجز.
الثالث - أن يكونا مما تسميه العرب خطبة، ولو سجعتين نحو: اتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، فإن سبح أو هلل أو كبر، لم يجزه. وندب ثناء على الله، وصلاة على نبيه، وأمر بتقوى، ودعا بمغفرة وقراءة شيء من القرآن، فإذا قال: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، أما بعد: أوصيكم بتقوى الله وطاعته، وأحذركم عن معصيته ومخالفته، قال تعالى: ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره﴾ [الزلزلة:٧/ ٩٩ - ٨]. ثم يجلس ويقول بعد قيامه بعد الثناء والصلاة على النبي ﷺ: أما بعد، فاتقوا الله فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه وزجر، يغفر الله لنا ولكم، لكان آتيًا بالخطبة على الوجه الأكمل باتفاق العلماء.
الرابع - كونهما داخل المسجد كالصلاة، فلو خطبهما خارجه، لم يصحا.
(١) الشرح الصغير: ٤٩٩/ ١، الشرح الكبير: ٣٧٢/ ١،٣٧٨ ومابعدها، ٣٨٦.
 
الخامس - أن يكونا قبل الصلاة، فلا تصح قبلهما، فإن أخرهما عنهما، أعيدت الصلاة إن قرب الزمن عرفًا، ولم يخرج من المسجد، فإن طال الزمن أعيدتا؛ لأنهما مع الصلاة كركعتين من الظهر.
السادس - أن يحضرهما الجماعة: الاثنا عشر، فإن لم يحضروا من أولهما، لم يجزيا؛ لأنهما كركعتين.
السابع والثامن والتاسع - أن يجهر بهما، وأن يكونا بالعربية، ولو للأعاجم، واتصال أجزائهما ببعض وأن تتصل الصلاة بهما، وليس من شرط الخطبتين الطهارة على المشهور، لكن كره فيهما ترك الطهر من الحدثين الأصغر والأكبر، ووجب انتظاره لعذر قرب زواله بالعرف كحدث حصل بعد الخطبة، أو رعاف يسير والماء قريب.
ولا يصلي غير من يخطب إلا لعذر، فيشترط اتحاد الإمام والخطيب إلا لعذر طرأ عليه كجنون ورعاف مع بعد الماء.

وقال الشافعية (١):

للخطبة خمسة أركان أو فروض: حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله ﷺ، والوصية بالتقوى، وتجب هذه الثلاثة في كل من الخطبتين، وقراءة آية مفهمة في إحدى الخطبتين، والدعاء للمؤمنين والمؤمنات بأمر أخروي.
أما الأول وهو الحمد فلما رواه مسلم، وأما الثاني فلأن الخطبة عبادة، فتفتقر إلى ذكر الله تعالى وذكر رسوله، كالأذان والصلاة، وأما الثالث فلما رواه مسلم، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذير، ولا يتعين لفظ الوصية بالتقوى
(١) مغني المحتاج: ٢٨٥/ ١ - ٢٨٧، ١١١/ ١، المهذب: ١١١/ ١، الحضرمية: ص٨٠.
 
الصحيح؛ لأن الفرض الوعظ والحمل على طاعة الله تعالى، فيكفي ما دل على الموعظة، طويلًا كان أو قصيرًا كأطيعوا الله وراقبوه. وأما الرابع: فلما رواه الشيخان، سواء أكانت الآية وعدًا أم وعيدًا أم حكمًا أم قصة. وأما الخامس: فلنقل الخلف له عن السلف. وكون الدعاء في الثانية؛ لأنه يليق بالخواتم.
والأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط، وإنما هو سنة.
وشروط كل من الخطبتين خمسة عشر هي ما يأتي:
كونهما قبل الصلاة، عدم الانصراف عنهما بصارف، القيام لمن قدر عليه اتباعًا للسنة، وكونهما بالعربية، وفي الوقت بعد الزوال، والجلوس بينهما بالطمأنينة كالجلوس بين السجدتين بقدر سورة الإخلاص استحبابًا، أما القاعد فيفصل بسكتة، وإسماع العدد الذي تنعقد به الجمعة: بأن يرفع الخطيب صوته بأركانهما حتى يسمعها تسعة وثلاثون غيره كاملون، فلا بد من الإسماع والسماع بالفعل، لا بالقوة، فلو كانوا صُمًا أو بعضهم لم تصح كبعدهم. وإلا كان الخطيب من الأربعين فيشترط أن يسمع نفسه، فلو كان أصم لم يكف.
والولاء بين كلمات كل من الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة اتباعًا للسنة، فلا يجوز الفصل الطويل بين الخطبة والصلاة، كما قال الحنفية.
وطهارة الحدثين وطهارة النجس في الثوب والبدن والمكان، وستر العورة، اتباعًا للسنة؛ لأن الخطبة قائمة مقام الركعتين، فتكون بمنزلة الصلاة، حتى يشترط لها دخول الوقت، فيشترط لها سائر شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة الثوب والبدن والمكان.
وأن تقع الخطبتان في مكان تصح فيه الجمعة، وأن يكون الخطيب ذكرًا، وأن
 
تصح إمامته بالقوم، وأن يعتقد العالم الركن ركنًا والسنة سنة، وغير العالم ألا يعتقد الفرض سنة.

وقال الحنابلة (١):
يشترط للجمعة أن يتقدمها خطبتان، للأدلة السابقة، وهما بدل ركعتين لما تقدم عن عمر وعائشة، ولا يقال: إنهما بدل ركعتين من الظهر؛ لأن الجمعة ليست بدلًا عن الظهر، بل الظهر بدل عنها إذا فاتت.
ويشترط لصحة كل من الخطبتين ما يأتي: حمد الله بلفظ: الحمد لله، فلا يجزئ غيره، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم» (٢) أي أقطع، وعن ابن مسعود قال: «كان النبي ﷺ إذا تشهد قال: الحمد لله» (٣).
والصلاة على رسول الله ﷺ بلفظ الصلاة؛ لأن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى، افتقرت إلى ذكر رسوله، كالأذان. ولا يجب السلام عليه مع الصلاة عليهصلّى الله عليه وسلم.
وقراءة آية كاملة لقول جابر: «كان ﷺ يقرأ آيات، ويذكِّر الناس» (٤)، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجبت فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية، وإنما يقرأ ما شاء، ولو قرأ: ﴿ثم نظر﴾ [المدثر:٢١/ ٧٤]، و﴿مدهامتان﴾ [الرحمن:٦٤/ ٥٥] لم يكف.
(١) المغني: ٣٠٢/ ٢ - ٣١٠، كشاف القناع: ٣٤/ ٢ - ٣٧، ٤٠.
(٢) رواه أبو داود، ورواه جماعة مرسلًا.
(٣) رواه أبو داود.
(٤) رواه مسلم.
 
والوصية بتقوى الله تعالى؛ لأنه المقصود، ولا يتعين لفظها، وأقلها: اتقوا الله، وأطيعوا الله ونحوه، وهذه الشروط أو الأركان الأربعة متفقة مع الشافعية. وإن أراد الخطيب الدعاء لإنسان دعا، فالدعاء للمسلمين والمسلمات سنة، ولا بأس بالدعاء لمعين حتى السلطان والدعاء له مستحب في الجملة؛ لأن سلطان المسلمين إذا صلح كان فيه صلاح لهم، وكان أبو موسى يدعو لعمر وأبي بكر، كما قدمنا.
ولو اقتصر على (اطيعوا الله، واجتنبوا معاصيه) فالأظهر لا يكفي، والتسبيح والتهليل لا يسمى خطبة ولا بد من اسم الخطبة عرفًا. وتبطل الخطبة بكلام محرم في أثنائها ولو يسيرًا، كما يبطل الأذان من باب أولى.
ويشترط في الخطبة اثنا عشر شرطًا هي ما يأتي: الشروط السابقة، والقيام لمن قدر، فإن قعد لعجز عن القيام أو لعذر من مرض، فلا بأس، كما تصح الصلاة من القاعد العاجز عن القيام، والراجح أن القيام سنة لا واجب.
والموالاة بين الخطبتين وبين أجزائها، وبين الصلاة، فلا يصح الفصل الطويل بين ما ذكر، فإن فصل بكلام طويل أو سكوت طويل نحوه، استؤنفت الخطبة.
والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة. وإن احتاج إلى الطهارة تطهر وبنى على خطبته ما لم يطل الفصل.
وتشترط النية، لحديث «إنما الأعمال بالنيات» فلو خطب بغير النية، لم يعتد بها عندهم وعند الحنفية، ولم يشترط المالكية النية، كما لم يشترطها الشافعية، وإنما اشترطوا عدم الصارف، فلو حمد الله للعطاس لم يكف للخطبة.
ورفع الصوت بحيث يسمع العدد المعتبر وهو أربعون، إن لم يعرض مانع من السماع، كنوم أوغفلة أو صمم بعضهم، فإن لم يسمعوا الخطبة لخفض صوت
 
الخطيب أوبُعده عنهم، لم تصح الخطبة لعدم حصول المقصود بها. فإن كان عدم السماع لنوم أو غفلة أو مطر ونحوه كصمم وطرش أو كان أعاجم والخطيب سميع عربي، صحت الخطبة والصلاة.
وأن تكون بالعربية، فلا تصح الخطبة بغير العربية مع القدرة عليها، كقراءة القرآن، فإنها لا تجزئ بغير العربية، وتصح الخطبة لا القراءة بغير العربية مع العجز عنها.
وإسماع العدد المعتبر للجمعة: وهو أربعون فأكثر، لسماع القدر الواجب؛ لأنه ذكْر اشترط للصلاة، فاشترط له العدد كتكبيرة الإحرام.
وأن تكون الخطبة في الوقت، وأن يكون الخطيب ممن تجب عليه الجمعة، فلا تجزئ خطبة عبد أو مسافر.
ولا تشترط للخطبتين الطهارة عن الحدثين: الأصغر والأكبر، ولا ستر العورة وإزالة النجاسة، وإنما السنة أن يخطب متطهرًا مزيلًا النجاسة ساتر العورة، وقال ابن قدامة: والأشبه بأصول المذهب اشتراط الطهارة من الجنابة.
ولا يشترط أن يتولى الخطبتين من يتولى الصلاة؛ لأن الخطبة منفصلة عن الصلاة، وإنما السنة أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة؛ لأن النبي ﷺ كان يتولاهما بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده. وإن خطب رجل، وصلى آخر لعذر، جاز.
كما لا يشترط أن يتولى الخطبتين رجل واحد، لأن كلًا منهما منفصلة عن الأخرى، بل يستحب ذلك، خروجًا من الخلاف في كل ما ذكر.
ويستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل
 
ذلك (١). فإن خطب جالسًا لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة.
ويسن أن يستقبل الخطيب الناس بوجهه؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ولأنه أبلغ في سماع الناس، وأعدل بينهم. ولو خالف هذا واستدبر الناس واستقبل القبلة، صحت الخطبة لحصول المقصود بدونه.

المطلب السادس - سنن الخطبة ومكروهاتها:
أما سنن الخطبة فهي عند الحنفية ثماني عشرة سنة، وهي ما يأتي، مع بيان آراء الفقهاء الآخرين (٢).
١ - الطهارة وستر العورة سنة عند الجمهور، شرط لصحة الخطبة عند الشافعية كما بينا، والطهارة من الجنابة شرط عند الحنابلة.
٢ - كونها على منبر، بالاتفاق، اتباعًا للسنة كما روى الشيخان، ويسن أن يكون المنبر على يمين المحراب (أي مصلى الإمام) إذ هكذا وضع منبره ﷺ، وينبغي أن يكون بين المنبر والقبلة قدر ذراع أو ذراعين.
فإن لم يتيسر المنبر فعلى موضع مرتفع، لأنه أبلغ في الإعلام، فإن تعذر استند إلى نحو خشبة كما كان يفعل ﷺ قبل إيجاد المنبر، وكان النبي قد خطب إلى جذع، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه النبي ﷺ فالتزمه أو مسحه.
(١) قال ابن عمر: «كان ﷺ يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس» متفق عليه.
(٢) مراقي الفلاح: ص٨٨ ومابعدها، البدائع: ٢٦٣/ ١ - ٢٦٥، فتح القدير: ٤٢١/ ١، الدر المختار: ٧٥٨/ ١ - ٧٦٠، ٧٦٩ - ٧٧٢، الشرح الصغير: ٥٠٣/ ١، ٥٠٥ - ٥١٠، القوانين الفقهية: ص٨١، بداية المجتهد: ١٥٢/ ١ ومابعدها، ١٥٨، المهذب: ١١٢/ ١، مغني المحتاج: ٢٨٨/ ١ - ٢٩٠، الحضرمية: ص٨١، كشاف القناع: ٣٨/ ٢ - ٤١، ٤٩ - ٥٥، المغني: ٢٩٥/ ٢ - ٣٠٠، حاشية الباجوري: ٢٣٠/ ١، المجموع: ٤٢٠/ ٤ - ٤٢٤.
 
وكان منبره ﷺ ثلاث درجات غير درجة المستراح. ويستحب أن يقف على الدرجة التي تليها، كما كان يفعل النبي ﵇.
٣ - الجلوس على المنبر قبل الشروع في الخطبة، عملًا بالسنة لحديث ابن عمر السابق عند أبي داود، وهو متفق عليه.
٤ - استقبال القوم بوجهه دون التفات يمينًا وشمالًا، سنة بالاتفاق، لما روى ابن ماجه عن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله الناس بوجوههم.
٥ - أن يسلم على الناس إذا صعد المنبر، اتباعًا للسنة، عند الشافعية والحنابلة، وحال خروجه للخطبة عند المالكية، لما روى ابن ماجه عن جابر قال: «كان النبي ﷺ إذا صعد المنبر سلم» (١)؛ لأنه استقبال للناس بعد استدبار في صعوده، أشبه من فارق قومًا، ثم عاد إليهم. ويجب رد السلام.
ولا يسلم على القوم عند الحنفية؛ لأنه يلجئهم إلى ما نهوا عنه من الكلام، والحديث الثاني غير مقبول.
٦ - أن يؤذن مؤذن واحد، لا جماعة، بين يدي الخطيب، إذا جلس على المنبر، وهذا هو الأذان الذي كان على عهد رسول الله ﷺ. وهذا متفق عليه، روى البخاري عن السائب بن يزيد أنه قال: «النداء يومَ الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثُر الناس زاد
(١) ورواه الأثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن الزبير، ورواه البخاري عن عثمان. لكن في إسناد حديث جابر: ابن لهيعة (نيل الأوطار: ٢٦١/ ٣).
 
النداء الثالث على الزَّوراء (١)، ولم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد» (٢).
٧ - البداءة بحمد الله والثناء عليه، والشهادتين، والصلاة على النبي ﷺ، والعظة والتذكير، وقراءة آية من القرآن، وخطبتان، والجلوس بين الخطبتين. وإعادة الحمد والثناء، والصلاة على النبي ﷺ في ابتداء الخطبة الثانية، والدعاء فيها للمؤمنين والمؤمنات بالمغفرة لهم وإجراء النعم ودفع النقم، والنصر على الأعداء، والمعافاة من الأمراض والأدواء، والاستغفار.
وهذا كله سنة عند الحنفية، مندوب عند المالكية، ومنها أركان خمسة عند الشافعية، وهي شروط أربعة ما عدا الدعاء عند الحنابلة، بيناها.
وروي أنه ﷺ كان يقرأ في الخطبة: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا ..﴾ [الأحزاب:٣٣/ ٧٠] إلى قوله تعالى ﴿فوزًا عظيمًا﴾ (٣) [الأحزاب:٣٣/ ٧١] ويندب عند المالكية ختم الخطبة الأولى بشيء من القرآن، وختم الثانية بقول: يغفر الله لنا ولكم. كما يندب الترضي على الصحابة، والدعاء لولي الأمر بالنصر على الأعداء وإعزاز الإسلام به.
وقال الشافعية: يسن أن يختم الخطبة الثانية بقوله: أستغفر الله لي ولكم.
٨ - إسماع القوم الخطبة، ورفع الصوت بها: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية؛ لأنه أبلغ في الإعلام، روى مسلم عن جابر، قال: «كان رسول الله
(١) الزوراء: موضع بسوق المدينة، على المعتمد، وهذا النداء الثالث: هو في الواقع الأذان الأول على المنابر، وسمي ثالثًا باعتبار كونه مزيدًا، ويسمى ثانيًا باعتبار الأذان الحقيقي، وعبر عنه بالنداء الثالث، لأن الإقامة هي النداء الثاني.
(٢) ورواه أيضًا النسائي وأبو داود (نيل الأوطار: ٢٦٢/ ٣).
(٣) الأحزاب: ٧٠.
 
ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول: أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله ...».
٩ - اعتماد الخطيب بيساره أثناء قيامه على نحو عصا أو سيف أو قوس: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لما روى الحكم بن حزن قال: «وفدت على النبي ﷺ، فشهدنا معه الجمعة، فقام متوكئًا على سيف أو قوس أو عصا، مختصرًا» (١)، ولأنه أمكن له، فالاستناد إلى شيء يعطي قوة للخطيب. كما أنه يجعل يمناه على المنبر.
١٠ - تقصير الخطبتين، وكون الثانية أقصر من الأولى: سنة عند الجمهور، مندوب عند المالكية، لما روى مسلم عن عمار مرفوعًا: «إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة فقهه، فأطيلوا الصلاة، وقصِّروا الخطبة» (٢).
ويسن أيضًا كون الخطبة بليغة مفهومة بلا تمطيط كالأذان، وأن يتعظ الخطيب بما يعظ به الناس، ليحصل الانتفاع بوعظه، ولقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، كبُر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ [الصف:٢/ ٦١ - ٣] (٣).
١١ - الإنصات أثناء الخطبة: سنة عند الشافعية (٤) للحاضرين، ويكره لهم الكلام فيها، وفي الجديد: لا يحرم عليهم الكلام، لقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ [الأعراف:٢٠٤/ ٧] ذكر كثير من المفسرين أنه ورد في الخطبة.
(١) رواه أبو داود، وحقق ابن المقيم في زاد المعاد أن ذلك كان قبل اتخاذ المنبر.
(٢) ورواه أحمد أيضًا. والمئنة: العلامة والمظنة (نيل الأوطار: ٢٦٩/ ٣).
(٣) وروي عنه ﷺ: «عرض علي قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقيل لي: هؤلاء خطباء من أمتك يقولون ما لا يفعلون».
(٤) مغني المحتاج: ٢٨٧/ ١ ومابعدها.
 
وكراهة الكلام، لقوله ﷺ: «إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت» (١) وقوله ﵇: «ومن قال: صَهْ، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له» (٢) قال العلماء: معناه لا جمعة له كاملة للإجماع على سقوط فرض الوقت عنه. وروى أحمد عن ابن عباس حديثًا: «من تكلم يوم الجمعة، والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت، ليست له جمعة».
وعدم حرمه الكلام في الخطبة: للأخبار الدالة على جوازه، كخبر الصحيحين عن أنس: «بينما النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقام أعرابي، فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا» فلم ينكر عليه الكلام، ولم يبين له وجوب السكوت، والحاضرون كلهم في ذلك سواء.
واستثنى الشافعية ومثلهم الحنابلة من الإنصات أمورًا: منها إنذار أعمى من الوقوع في بئر، أو من دب إليه عقرب مثلًا، ويستحب أن يقتصر على الإشارة إن أغنت، ومنها: تحية المسجد للداخل بركعتين خفيفتين يقتصر فيهما على الواجبات، ومنها تشميت العاطس إذا حمد الله تعالى، وحمد العاطس إذا عطس خفية، ومنها رد السلام، وإن كان البدء به للداخل مكروهًا، لأن رد السلام واجب، ومنها: الصلاة على النبي ﷺ عند سماع ذكره.
وأباح الحنابلة أيضًا: الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء؛ لأنه يكون قد فرغ من أركان الخطبة، والدعاء لا يجب الإنصات له، وأباحوا لمن بعد عن الخطيب ولم يسمعه الاشتغال بالقراءة والذكر والصلاة على النبي ﷺ خفية، وفعله أفضل من
(١) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: ٢٧١/ ٣).
(٢) رواه أحمد وأبو داود عن علي (المصدر السابق).
 
سكوته لتحصيل الأجر، ويسجد للتلاوة لعموم الأدلة، وليس له الجهر بصوته، ولا إقراء القرآن، ولا المذاكرة في الفقه، لئلا يشتغل غيره عن الاستماع، ولا أن يصلي؛ لأنه يحرم ابتداء غير تحية مسجد بعد خروج الإمام، ولا أن يجلس في حلقة؛ لأنه يكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة؛ لأن النبي ﷺ «نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة» (١).
ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة عند المالكية والحنابلة، وبمجرد صعود الإمام المنبر عند أبي حنيفة (٢)، ويحرم الكلام عند المالكية والحنابلة من غير الخطيب، ولا يسلم ولا يرد السلام ولا يشمِّت العاطس عند المالكية، ويكره تحريمًا عند الحنفية الكلام من قريب أو بعيد، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكل ما حرم في الصلاة حرم في الخطبة، فيحرم أكل وشرب وكلام ولو تسبيحًا أو أمرًا بمعروف، بل يجب عليه أن يستمع ويسكت. وإشارة الأخرس المفهومة ككلام لقيامها مقامه في البيع وغيره.
ويباح الكلام قبل البدء في الخطبة وبعد الفراغ منها اتفاقًا، وفي أثناء الجلوس بين الخطبتين عند الحنابلة والشافعية وأبي يوسف، ويحرم في أثناء الجلوس المذكور عند المالكية ومحمد بن الحسن.
ويندب عند المالكية حمد الله تعالى سرًا لعاطس حال الخطبة، ويجوز عندهم مع خلاف الأولى ذكر الله تعالى كتسبيح وتهليل سرًا إذا قل، حال الخطبة، ومنع الكثير جهرًا؛ لأنه يؤدي إلى ترك واجب، وهو الاستماع.
(١) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
(٢) البدائع: ٢٦٤/ ١، الكتاب مع اللباب: ١١٥/ ١، مراقي الفلاح: ص٨٨، الشرح الكبير: ٣٨٧/ ١، الشرح الصغير: ٥٠٩/ ١ ومابعدها، بداية المجتهد: ٣٢٠/ ٢ - ٣٢٥، كشاف القناع:٣٧/ ٢.
 
ولا يحرم الكلام على الخطيب، ولا على من سأله الخطيب، كأن يأمر إنسانًا لغا أو خالف السنة أو ينهاه، فيقول: أنصت، أو لا تتكلم، أو لا تتخط أعناق الناس ونحو ذلك، وجاز للمأمور إجابته إظهارًا لعذره؛ لأن النبي ﷺ «سأل سليكًا الداخل، وهو يخطب: أصليت؟ قال: لا» (١) وعن ابن عمر: «أن عمر بينا هو يخطب يوم الجمعة، إذ دخل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، فناداه عمر: أية ساعة هذه قال: إني شغلت اليوم، فلم أتقلب إلى أهلي، حتى سمعت النداء، فلم أزد على أن توضأت، قال عمر: الوضوء أيضًا؟! وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل» (٢)،ولأن تحريم الكلام علته الاشتغال عن الإنصات الواجب وسماع الخطبة، ولا يحصل ههنا. وكذلك من كلم الإمام لحاجة، أو سأله عن مسألة، بدليل الخبر المذكور.

الترقية بين يدي الخطيب:
وهي قراءة: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب:٥٦/ ٣٣] وإيراد الحديث المتفق عليه: «إذا قلت لصاحبك أنصت فقد لغوت». وحكمها أنها بدعة لحدوثها بعد الصدر الأول، قيل: لكنها حسنة لما فيها من التذكير بمضمون الحديث والآية، غير أنها مكروهة تحريمًا عند أبي حنيفة لحرمة أي كلام بعد صعود الإمام المنبر، وجائزة عند الصاحبين، وبدعة مكروهة عند المالكية إلا إذا شرطها الواقف في كتاب وقفه، وقال الشافعية: هي بدعة حسنة فيها تذكير بخير، وأجاز الحنابلة الكلام قبل الخطبة وفي الجلوس بين الخطبتين.
٢١ - تحية المسجد للداخل والإمام يخطب: سنة عند الشافعية والحنابلة (٣) لما
(١) رواه مسلم، وروي في موضوعه عن جابر (نيل الأوطار: ٢٥٦/ ٣).
(٢) متفق عليه.
(٣) المجموع: ٤٢٧/ ٤ ومابعدها، المهذب: ١١٥/ ١، المغني: ٣١٩/ ٢.
 
روى جابر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو يخطب الناس، فقال: «وصليت يا فلان؟» قال: لا، قال: «قم فاركع» وفي رواية: «فصل ركعتين» (١) وقال ﷺ في رواية: «إذا جاء أحدكم والإمام يخطب، فليصل ركعتين» (٢) وماعدا التحية تحرم الصلاة بمجرد صعود الخطيب المنبر، حتى وإن لم يباشر بالخطبة.
وقال أبو حنيفة ومالك (٣): إذا خرج الإمام إلى المنبر فلا صلاة ولا كلام، فلا تصلى تحية المسجد وتكره، وإنما يجلس الداخل ولا يركع؛ لأن النبي ﷺ قال للذي جاء يتخطى رقاب الناس: «اجلس، قد آذيت» (٤) وأجاز المالكية التحية لداخل يقتدى به من عالم أو سلطان أو إمام، لا لغيرهم.
١٣ - نزول الإمام عن المنبر: قال الشافعية: يبادر الخطيب بالنزول عن المنبر ليبلغ المحراب، مع فراغ المؤذن من الإقامة، مبالغة في تحقيق الموالاة ما أمكن بين الخطبة والصلاة.
وقال الحنابلة: إذا فرغ الإمام من الخطبة، نزل عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة، كما يقوم إلى الصلاة عندهم غير الخطيب حينئذ. ويستحب أن يكون حال صعود الخطيب على تؤدة، وإذا نزل يكون مسرعًا من غير عجلة، مبالغة في الموالاة بين الخطبتين والصلاة.
(١) متفق عليه، بل رواه الجماعة، وروى الخمسة إلا أبا داود عن أبي سعيد الخدري مثله (نيل الأوطار: ٢٥٥/ ٣).
(٢) رواه مسلم بلفظه، والبخاري بمعناه عن جابر، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما» (نيل الأوطار: ٢٥٦/ ٣).
(٣) اللباب: ١١٥/ ١، مراقي الفلاح: ص٨٨ ومابعدها، رد المحتار: ٧٦٩/ ١، القوانين الفقهية: ص٨١، بداية المجتهد: ١٥٨/ ١.
(٤) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وأحمد عن عبد الله بن بسر، وزاد أحمد: «وآنيت» أي أبطأت وتأخرت (نيل الأوطار: ٢٥٢/ ٣).
 
والجمهور غير الشافعية الذين لم يشترطوا الطهارة في الخطبتين، جعلوها سنة.

> مكروهات الخطبة:
مكروهات الخطبة عند الحنفية والمالكية: هي ترك سنة من السنن المتقدمة، ومن أهمها تطويل الخطبة وترك الطهارة، فكلاهما مكروه، ومنها عند الحنفية: أن يسلم الخطيب على القوم إذا استوى على المنبر.
ويكره باتفاق العلماء تخطي الرقاب (١) أثناء الخطبة لغير الإمام ولغير فرجة؛ لأنه يؤذي الجالسين، ولنهي النبي ﷺ عنه في حديث عبد الله بن بُسْر المتقدم: «اجلس فقد آذيت» (٢) والكراهة تحريمية عند الحنفية والشافعية على المختار، ويجوز إن كان هناك فُرْجة لتقصير القوم بإخلاء فرجة، مع كونه خلاف الأولى عند المالكية، وكراهة التخطي عند الشافعية والحنابلة مطلقة، سواء أكان قبل الخطبة أم أثناءها، لأن العلة هي إيذاء الجالسين، ويكره التخطي عند المالكية قبل جلوس الخطيب على المنبر لغير فرجة، لأنه يؤذي الجالسين، ولكنهم أجازوا التخطي بعد الخطبة للصلاة، وقبل الصلاة لفرجةأو غيرها، كما أجازوا مع غيرهم المشي بين الصفوف مطلقًا ولو حال الخطبة؛ لأنه ليس من التخطي.
وأجاز الحنابلة التخطي لفرجة لمن عادته الصلاة في موضع، كذلك أجاز الشافعية التخطي لفرجة، وأضافوا أنه يجوز التخطي إذا كان المتخطي ممن لا يتأذى به كرجل صالح أو عظيم، أو كانت الصفوف الأولى ممن لا تنعقد بهم الجمعة كالصبيان، فيجب التخطي في هذه الحالة.
(١) التخطي: أن يرفع رجله ويخطى بها كتف الجالس.
(٢) وروى أحمد أيضًا عن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي: «الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام، كالجارّ قُصْبه (أي أمعاءه) في النار» (نيل الأوطار: ٢٥٢/ ٣).
 
وقال الحنفية: لا بأس بالتخطي بشرطين: الأول - ألا يؤذي أحدًا به بأن يطأ ثوبه أو يمس جسده، والثاني - أن يكون ذلك قبل شروع الإمام في الخطبة، وإلا كره تحريمًا، إلا إذا كان التخطي لضرورة كأن لم يجد مكانًا إلا بالتخطي. فلا بأس بالتخطي عندهم ما لم يأخذ الإمام في الخطبة، ولم يؤذ أحدًا.
وليس ترك السنن المتقدمة عند الشافعية والحنابلة مكروهًا على إطلاقه، بل منه ما هو مكروه، ومنه ما هو خلاف الأولى.
فمن المكروه في الخطبة عند الشافعية: أن يتكلم سامعها أثناءها، وأن يؤذّن جماعة بين يدي الخطيب وهو مكروه أيضًا عند الحنابلة، وأن يلتفت الإمام في الخطبة الثانية، وأن يشير بيده أو غيرها، وأن يدق درج المنبر. ويكره الاحتباء (١) للحاضرين في الخطبة، لما صح من النهي عنه (٢)، ولأنه يجلب النوم.
ومن خلاف الأولى عند الشافعية: أن يغمض السامع والإمام عينيه لغير حاجة حال الخطبة. ومن نعس سن انتقاله من مكانه إن لم يتخط أحدًا في انتقاله، لحديث الترمذي وصححه وأبي داود: «إذا نعس أحدكم في مجلسه، فليتحول إلى غيره» فالسنة مطاردة النعاس ومغالبته.
ومن المكروه عند الحنابلة (٣): استدبار الخطيب القوم حال الخطبة، ورفع يديه حال الدعاء في الخطبة، وفاقًا للمالكية والشافعية وغيرهم.
وأجاز الحنابلة الاحتباء مع ستر العورة، لأنه فعله جماعة من الصحابة،
(١) الاحتباء: الجلوس على الأليتين، وضم الفخدين والساقين إلى البطن بالذراعين ليستند.
(٢) رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه عن سهل بن معاذ: «أن النبي ﷺ نهى عن الحبوة يوم الجمعة، والإمام يخطب».
(٣) المغني: ٣٢٦/ ٢، كشاف القناع: ٣٧٩/ ١، ٤٠/ ٢ ومابعدها.
 
وضعّفوا حديث النهي عنه، كما أجازوا القرفصاء: وهي الجلوس على أليتيه رافعًا ركبتيه إلى صدره، مفضيًا بأخمص قدميه إلى الأرض. وكان الإمام أحمد يقصد هذه الجلسة، ولا جلسة أخشع منها.
ويكره عند الحنابلة والشافعية التشبيك في المساجد، ومن حين يخرج المصلي من بيته قاصدًا المسجد، لخبر أبي سعيد أنه ﷺ: «إذا كان أحدكم في المسجد، فلا يشبكنَّ، فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ماكان في المسجد حتى يخرج منه» (١) قال بعض العلماء: إذا كان ينتظر الصلاة، جمعًا بين الأخبار، فإنه ورد أنه «لما انفتل ﷺ من الصلاة التي سلم قبل إتمامها، شبك بين أصابعه».
وأما كراهةالتشبيك أثناء الذهاب للمسجد: فلحديث كعب بن عُجرة أن النبي ﷺ قال: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه، ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فلا يشبِّك بين أصابعه، فإنه في صلاة» (٢).
ويكره العبث حال الخطبة، لقول النبي ﷺ: «من مس الحصى فقد لغا» (٣)، ويكره الشرب مالم يشتد عطشه.

التصدق وقت الخطبة:
قال الحنفية (٤): يكره تحريمًا التخطي للسؤال بكل حال. واختاربعض الحنفية: جواز السؤال والإعطاء إن كان لا يمر السائل بين يدي المصلي، ولا يتخطى الرقاب، ولا يسأل إلحافًا.
(١) رواه أحمد، ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة.
(٢) رواه أبو داود.
(٣) رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، وهو حديث حسن، وصححه الترمذي.
(٤) الدر المختار: ٧٧٢/ ١.
 
وكذلك قال الحنابلة (١) وغيرهم: ولا يتصدق على سائل وقت الخطبة؛ لأن السائل فعل ما لا يجوز له فعله، فلا يعينه المرء على مالا يجوز، قال أحمد: وإن حصب السائل كان أعجب إلي؛ لأن ابن عمر فعل ذلك لسائل سأل، والإمام يخطب يوم الجمعة، ولا ينال السائل الصدقة حال الخطبة؛ لأنه إعانة على محرم.
فإن سأل أحد الصدقة قبل الخطبة، ثم جلس للخطبة، جاز التصدق عليه ومناولته الصدقة.
وأجاز الحنابلة الصدقة حال الخطبة على من لم يسأل، وعلى من سألها الإمام له.
والصدقة على باب المسجد عند الدخول والخروج أولى من الصدقة حال الخطبة.

المطلب السابع - سنن الجمعة ومكروهاتها:

 
يسن لصلاة الجمعة ما يأتي (٢):
١ً - الاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب لمن يأتي الجمعة: سنة عند الجمهور، مستحب عند المالكية، لحديث أبي هريرة السابق في التبكير إلى الجمعة: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح، فكأنما قرب بَدَنة ..» ولخبر البيهقي بسند صحيح: «من أتى الجمعة من الرجال والنساء، فليغتسل، ومن لم يأتها فليس
(١) كشاف القناع: ٥٣/ ٢ ومابعدها، المغني: ٣٢٦/ ٢.
(٢) البدائع: ٢٦٩/ ١ ومابعدها، الدر المختار: ٧٧٢/ ١، الشرح الصغير: ٥٠٣/ ١ - ٥٠٩، بداية المجتهد: ١٥٨/ ١ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص٨١، مغني المحتاج: ٢٩٠/ ١ - ٢٩٥، حاشية الباجوري: ٢٢٨/ ١ - ٢٣٠، المهذب: ١١٣/ ١ ومابعدها، كشاف القناع: ٤٦/ ٢ - ٥٣، المغني:٣٥٠/ ٢ - ٣٥٥،٣٦٥ ومابعدها
 
عليه غسل». وقد سبق ذكر حديثين في الأغسال المسنونة وهما: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» والوجوب محمول على السنية، للحديث الثاني: «من توضأ يوم الجمعة، فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». وروى البخاري ومسلم: «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل».
ووقت الغسل من فجر الجمعة إلى الزوال، وتقريبه من ذهابه للصلاة أفضل؛ لأنه أبلغ في المقصود من انتفاء الرائحة الكريهة، ويشترط عند المالكية: اتصاله بالرواح إلى المسجد، ولا يضر الفصل اليسير، فإن فصل كثيرًا أو تغذى خارج المسجد، أو نام خارجه اختيارًا أو اضطرارًا، أعاده لبطلانه فلا يجزئ الغسل عندهم قبل الفجر، ولا غير متصل بالرواح. ويفتقر الغسل إلى النية؛ لأنه عبادة محضة، فاحتاج إلى النية كتجديد الوضوء، فإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلًا واحدًا، ونواهما، أجزأه بلا خلاف. والغسل سنة مؤكدة.
وأما التطيب ولبس أحسن الثياب أو التجمل فلحديث: «من اغتسل يوم الجمعة، ومسَّ من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن الثياب ثم خرج وعليه السكينة، حتى يأتي المسجد، فيركع إن بَدَا له ولم يؤذ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه، حتى يصلي، كانت له كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى» (١) والمندوب لبس الأبيض يوم الجمعة، فالثياب البيض أفضل الثياب لحديث «البسوا الثياب البيض، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم» (٢).
٢ً - التبكير للجمعة ماشيًا بسكينة ووقار والاقتراب من الإمام. والاشتغال في طريقه بقراءة أو ذكر؛ لما ثبت في السنة، كحديث أبي هريرة السابق، وخبر:
(١) رواه أحمد عن أبي أيوب ﵁ (نيل الأوطار: ٢٣٦/ ٣.
(٢) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم عن سمرة، وهو صحيح حسن.
 
«من غَسَل يوم الجمعة واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع، ولم يلغ، كان له بكل خطوة عمل سنة، أجر صيامها وقيامها» (١).
وقال المالكية: الذهاب للجمعة وقت الهاجرة، وتبتدئ بقدر ساعة قبل الزوال. وفي حديث آخر مفاده أن الاقتراب من الإمام مطلوب: «احضروا الذِّكْر، وادنوا من الإمام، فإن الرجل لا يزال يتباعد، حتى يؤخر في الجنة، وإن دخلها (٢)» والمشي بالسكينة، لحديث الصحيحين: «إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة يجوز الركوب لعذر في الذهاب والإياب.»
والاشتغال بالقراءة أو الذِّكر: لقوله ﷺ: «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مجلسه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يحدث، وإن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه» (٣) فدل أن شأن المصلي الاشتغال بالقراءة والذكر. والتبكير للجمعة سنة لغير الإمام، أما هو فلا يسن له التبكير ......
٣ً - تنظيف الجسد وتحسين الهيئة قبل الصلاة: بتقليم الأظفاروقص الشارب ونتف الإبط وحلق العانة ونحو ذلك كإزالة الرائحة الكريهة بالسواك للفم وغيره من مواطن الرائحة في الجسم. ويسن للإمام أن يزيد في حسن الهيئة والعِمَّة والارتداء، اتباعًا للسنة، ولأنه منظور إليه.
(١) رواه الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه وأبو داود وابن ماجه. وقوله غسل: يجوز بالتشديد والتخفيف أرجح، والمراد: غسل ثيابه ورأسه ثم اغتسل، أو غسل زوجته بأن جامعها فألجأها إلى الغسل ثم اغتسل، كما هو السنة عند الحنابلة في يوم الجمعة، أو غسل أعضاء الوضوء بأن توضأ ثم اغتسل.
(٢) رواه أبو داود، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.
(٣) رواه الشيخان.
 
وكما يسن أخذ الظفر إن طال يوم الجمعة، يسن أيضًا يوم الخميس، ويوم الاثنين، دون بقية الأيام.
ودليل كون التحسين يوم الجمعة ما روى البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن النبي ﷺ «كان يأخذ أظفاره وشاربه كل جمعة».
وقال الحنفية (١): الأفضل حلق الشعر وقلم الظفر بعدها أي بعد الجمعة، ويكره ذلك في يوم الجمعة قبل الصلاة، لما فيه من معنى الحج، والحلق ونحوه قبل الحج غير مشروع.
٤ً - قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلتها: لقوله ﷺ: «من قرأ الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (٢) وفي رواية: «من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أو ليلتها، وقي فتنة الدجال» وقراءتها نهارًاآكد، والحكمة من قراءتها: أن الساعة تقوم يوم الجمعة، كما ثبت في صحيح مسلم، والجمعة مشبهة بها لما فيها من اجتماع الخلق، وفي الكهف ذكر أهوال القيامة.
٥ً - الإكثار من الدعاء يومها وليلتها: أما يومها فلرجاء أن يصادف ساعة الإجابة؛ «لأنه ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها» (٣) وفي رواية لمسلم: «وهي ساعة خفيفة» والصواب في ساعة الإجابة - كما بينا - ما ثبت في صحيح مسلم: «أن النبي ﷺ قال: هي ما بين أن يجلس الإمام، إلى أن يقضي الصلاة».
(١) الدر المختار ورد المحتار: ٧٧٢/ ١،٧٨٨.
(٢) رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وروى الدرامي والبيهقي: «من قرأها ليلة الجمعة، أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق» وفي بعض الطرق: «غفر له إلى الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام، وصلى عليه ألف ملك، حتى يصبح وعوفي من الداء، وذات الجنب والبرص والجذام وفتنة الدجال».
(٣) رواه الشيخان، وذكر في رواية: وهو قائم يصلي، والمراد بالصلاة: انتظارها، وبالقيام: الملازمة.
 
٦ً -الإكثار من الصلاة على رسول الله ﷺ يومها وليلتها: لخبر: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي» (١) وخبر: «أكثروا علي من الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فمن صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا» (٢).
وصيغة الصلاة أن يقول: (اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي) أو (اللهم صل على محمد، كلما ذكرك الذاكرون، وصل على محمد وعلى آل محمد، كلما غفل عن ذكره الغافلون).
٧ً - يقرأ الإمام جهرًا بعد الفاتحة في الركعة الأولى «الجمعة» وفي الثانية «المنافقون» اتباعًا للسنة - رواه مسلم. وروي أيضًا أنه ﷺ كان يقرأ في الجمعة: سبح اسم ربك الأعلى، و: «هل أتاك حديث الغاشية».
٨ً - قراءة: الم. السجدة، و: هل أتى على الإنسان: سنة في صلاة الصبح يوم الجمعة: لما روى ابن عباس وأبو هريرة: «أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: الم. تنزيل و: هل أتى على الإنسان حين من الدهر» (٣) ولا تستحب المداومة عليها؛ لأن لفظ الخبر يدل عليها، وخشية ظن افتراضها.
٩ً - صلاة أربع ركعات قبل الجمعة، وأربع بعدها، كالظهر مستحب عند الجمهور: لأن النبي ﷺ «كان يركع من قبل الجمعة أربعًا» (٤) وكان الصحابة يصلون قبل الجمعة أربع ركعات، وكان ابن مسعود يصلي قبل الجمعة أربع ركعات، وبعدها أربع ركعات (٥).
(١) رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة.
(٢) رواه البيهقي بإسناد جيد.
(٣) رواه مسلم.
(٤) رواه ابن ماجه.
(٥) رواه سعيد بن منصور.
 
وروى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا صلى أحدكم ركعتين» (١). وأكثر السنة بعدها ست ركعات لقول ابن عمر: «كان ﷺ يفعله» (٢)، أو أربع ركعات لما رواه مسلم عن أبي هريرة. والتنفل قبل الجمعة ما لم يخرج الإمام إلى المنبر إلا تحية المسجد، لما رواه أحمد عن نبيشة الهذلي عن النبي ﷺ قال: «إن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة، ثم أقبل إلى المسجد، لا يؤذي أحدًا، فإن لم يجد الإمام خرج، صلى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد خرج، جلس، فاستمع وأنصت، حتى يقضي الإمام جمعته، إن لم يُغفر له في جمعته تلك ذنوبُه كلها: أن تكون كفارة للجمعة التي تليها».
وقال المالكية (٣): يكره التنفل عند الأذان الأول، لا قبله، لجالس في المسجد، لا داخل يقتدي به من عالم أو سلطان أو إمام، لا لغيرهم، خوف اعتقاد العامة وجوبه. ويكره التنفل بعد صلاة الجمعة أيضًا إلى أن ينصرف الناس.
ويسن لمن صلى السنة: أن يصليها عند الحنابلة في مكانه في المسجد، وأن يفصل عند الشافعية والحنابلة بينها وبين الجمعة بكلام أو انتقال من مكانه، أوخروج إلى منزله، لما روى السائب بن يزيد، قال: «صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة، فلما سلَّم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعُد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تصليها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك ألا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج» قال الشافعية (٤): يسن ألا يصل صلاة الجمعة بصلاة، للاتباع، ورواه مسلم، ويكفي الفصل بينهما بكلام أو تحول أو نحوه.
(١) رواه أبو داود من حديث ابن عمر. وروى الجماعة عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته (نيل الأوطار: ٢٨٠/ ٣).
(٢) رواه أبو داود.
(٣) الشرح الصغير: ٥١١/ ١.
(٤) مغني المحتاج: ٢٩٥/ ١.
 
١٠ً - قراءة الفاتحة والإخلاص والمعوذتين بعد الجمعة: روى ابن السني من حديث أنس مرفوعًا: «من قرأ إذا سلم الإمام يوم الجمعة قبل أن يثني رجليه فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، والمعوذتين سبعًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وأعطي من الأجر بعدد من آمن بالله ورسوله».
١١ً - يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول عن موضعه، لما روى ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه، فليتحول إلى غيره» (١).

مكروهات الجمعة:
يكره يوم الجمعة ما يأتي بالإضافة لمكروهات الخطبة السابقة:
١ً - قال الحنفية (٢): يكره تحريمًا صلاة الظهر يوم الجمعة بجماعة، في مكان إقامة الجمعة وهو المصر، في سجن أو غير سجن، كما روي عن علي ﵁.
٢ً - وقال الحنفية أيضًا: يكره تحريمًا البيع والشراء يوم الجمعة إذا صعد الإمام المنبر، وأذن المؤذنون بين يديه، لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله، وذروا البيع﴾ [الجمعة:٦٢/ ٩]، والأمر بترك البيع يكون نهيًا عن مباشرته، وأدنى درجات النهي الكراهة.
٣ً - يكره التخطي باتفاق العلماء، على التفصيل المذكور في مكروهات الخطبة.
(١) رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو مسعود أحمد بن الفرات في سننه.
(٢) البدائع: ٢٧٠/ ١.
 
٤ً - يحرم أن يقيم إنسانًا من مكانه، ويجلس فيه (١)، لما روى ابن عمر قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يقيم الرجل - يعني أخاه - من مقعده، ويجلس فيه» (٢)، ولأن المسجد بيت الله، والناس فيه سواء، قال الله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه، والباد﴾ [الحج:٢٥/ ٢٢]، فمن سبق إلى مكان فهو أحق به، لقول النبي ﷺ: «من سبق إلى ما لم يسبق إليه، فهو أحق به» (٣).
وإن وجد مصلىً مفروشًا في موضع، فليس لغيره عند الحنابلة على الراجح رفعه؛ لأنه كالنائب عنه، ولما فيه من الافتيات على صاحبه، والتصرف في غير ملكه بغير إذنه، ولأنه ربما أفضى إلى الخصومة، ولأنه سبق إليه، فكان كمتحجر الموات، وذلك ما لم تحضر الصلاة، فله حينئذ رفعه والصلاة مكانه؛ لأنه لا حرمة له بنفسه، وإنما الحرمة لصاحبه، ولم يحضر. ويكره الجلوس والصلاة عليه.
٥ً - قال المالكية (٤): يكره ترك العمل يوم الجمعة لأجله، لما فيه من التشبه باليهود والنصارى في السبت والأحد. ويحرم السلام من داخل أو جالس على أحد، ويحرم رد السلام ولو بالإشارة، وتشميت عاطس والرد عليه، ونهي لاغ أو إشارة له بأن ينكف عن اللغو.

السجود على الظهر ونحوه في الزحمة:
قال الحنفية والشافعية والحنابلة (٥): متى قدر المزحوم على السجود على ظهر
(١) كشاف القناع: ٤٩/ ٢ ومابعدها، المغني: ٣٥١/ ٢ ومابعدها.
(٢) متفق عليه، ولفظ مسلم: «لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم ليخالف إلى مقعده، فيقعد فيه، ولكن يقول: افسحوا».
(٣) رواه أبو داود.
(٤) الشرح الصغير: ٥١١/ ١ - ٥١٣.
(٥) مغني المحتاج: ٢٩٨/ ١ ومابعدها، المهذب: ١١٥/ ١، المغني: ٣١٣/ ٢ ومابعدها، كشاف القناع: ٣٢/ ٢.
 
إنسان أو قدميه، لزمه ذلك وأجزأه، لما روي عن عمر: «إذا اشتد الزحام، فليسجد على ظهر أخيه» (١)، ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز، فصح، كالمريض يسجد على المِرْفقة.
ولا يحتاج هنا إلى إذنه؛ لأن الأمر فيه يسير.
وقال المالكية: لا يفعل، وتبطل الصلاة، إن فعل، لقول النبي ﷺ «ومكِّن جبهتك من الأرض».

المطلب الثامن - مفسدات الجمعة:
تفسد الجمعة بما تفسد به سائر الصلوات الأخرى، ويضاف إليها مفسدات أخرى خاصة بها هي ما يلي (٢):
١ - خروج وقت الظهر في خلال الصلاة عند الجمهور، وقال المالكية لاتفسد؛ لأن الجمعة كغيرها فرض مؤقت بوقت، وهو وقت الظهر، وخروج الوقت لا يفسد.
وكذا تفسد عند أبي حنيفة بخروج الوقت بعدما قعد قدر التشهد، ولا تفسد عند الصاحبين.
٢ - فوت الجماعة الجمعة قبل أن يقيد الإمام الركعة بالسجدة، بأن نفر الناس عنه عند أبي حنيفة. وعند الصاحبين: لا تفسد. أما فوت الجماعة أي انفضاضها بعد تقييد الركعة بالسجدة، فلا تفسد باتفاق أبي حنيفة وصاحبيه.
(١) رواه البيهقي بإسناد صحيح، وسعيد بن منصور في سننه.
(٢) البدائع: ٢٦٩/ ١.
 
فإن فسدت الجمعة بسبب خروج الوقت أو بفوت الجماعة، تصلى ظهرًا.
وإن فسدت بما تفسد به عامة الصلوات من الحدث العمد والكلام وغير ذلك، تصلى جمعة عند وجود شرائطها.

المطلب التاسع - صلاة الظهر يوم الجمعة:
بالرغم من أن صلاة الجمعة هي الفريضة الأصلية، فإنه قد تصلى الظهر بدلًا عنها في حالات:
صلاتها بعد الجمعة، وصلاتها في المنزل قبل الجمعة بغير عذر، وصلاتها بجماعة من أصحاب الأعذار، وتعجيلها ممن لا تجب عليه الجمعة، وصلاة الظهر بسبب خروج الوقت، أو بسبب اختلال شرط من شرائط صحة الجمعة.

أولًا - صلاة الظهر بعد الجمعة:
إن كانت الجمعة في البلد موحدة، فهي صحيحة باتفاق الفقهاء، ولا تطلب الظهر من أحد، بل تحرم.
أما إن تعددت الجمع في أجزاء متعددة من كل بلد، كما هو المشاهد في عصرنا، فجمعة الجامع العتيق الذي صليت فيها أول جمعة هي الصحيحة عند المالكية، وعلى المصلين في الجوامع الأخرى أداء الظهر.
وجمعة الحاكم التي اشترك فيها هي الصحيحة عند الحنابلة، وعلى الجوامع الأخرى صلاة الظهر.
والجمعة السابقة براء تكبيرة الإحرام: هي المنعقدة عند الشافعية، وعلى أرباب الجمعات الأخرى صلاة الظهر، والظهر واجبة على من تأخر، أو في حال
 
العلم بسبق جمعة ولم تتعين، أو تعينت ونسيت، إن كان التعدد لغير حاجة، كما هو الغالب في المدن الإسلامية. وتستحب الظهر احتياطًا إن تعددت الجمع لحاجة. وهذا الافتراض يصعب ضبطه الآن بغير إحصاء شامل.
وتصح الجمعات كلها في البلد الواحد في المذهب الحنفي دفعًا للحرج، ويكره تحريمًا صلاة الظهر بعد الجمعة بجماعة.
وقد سبق بيان ذلك كله في شرط عدم تعدد الجمعة لغير حاجة. والحق أن الجمعة هي فرض الوقت الأصلي، وليس لمن اشترط عدم تعدد الجمع إلا الواقع العملي في صدر الإسلام، وهو لا يصلح دليلًا، وإن كان الأفضل وحدة الجمعة، ولمن شاء أن يصلي الظهر منفردًا فلا مانع، وينبغي العمل على منع الظهر بجماعة بعد الجمعة حفاظًا على وحدة المسلمين، ولا يصح قياس حالة البلدان الكبرى وكثرة سكانها على حالة (المدينة) في صدر الإسلام حيث كان المسلمون قلة، والخليفة خطيب المسلمين، ومنبره وسيلة إعلام لجميع المسلمين في شؤون الجهاد وعلاج أزمة القحط والوباء ونحو ذلك من الأحداث الكبرى. وبما أن الجمعة كانت واحدة في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين، فلم يكن هناك مجال لإعادة صلاة الظهر بعد الجمعة، ولا مجال أيضًا على سبيل الإيجاب إقامة صلاة الظهربجماعة بعد الجمعة بسبب كون تعدد الجمعة في المدن الكبرى والقرى المتسعة لحاجة واضحة، فيبقى الأمر القرآني بأداء صلاة الجمعة هو الواجب فعله فقط دون غيره.

ثانيًا - صلاة الظهر في المنزل يوم الجمعة بغير عذر: 

 قال الحنفية (١): من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة، قبل صلاة الإمام،
(١) الكتاب مع اللباب: ١١٣/ ١ ومابعدها، البدائع: ٢٥٧/ ١، الدر المختار: ٧٦٤/ ١ ومابعدها، فتح القدير: ٤١٧/ ١ ومابعدها، مراقي الفلاح: ص٨٩.
 
ولاعذر له، حرم ذلك، وجازت صلاته جوازًا موقوفًا: فإن بدا له، ولو بمعذرة على المذهب أن يحضر الجمعة، فتوجه إليها، والإمام إليها، والإمام فيها، ولم تُقَم بعد، بطلت صلاة الظهر، وصارت نفلًا عند أبي حنيفة بالسعي، وإن لم يدركها؛ لأن السعي إلى الجمعة من خصائص الجمعة، فينزل منزلتها في حق ارتفاض الظهر احتياطًا، بخلاف ما بعد الفراغ منها؛ لأنه ليس يسعى إليها.
وقال الصاحبان: لا تبطل حتى يدخل مع الإمام؛ لأن السعي دون الظهر، فلا ينقضه بعد تمامه، والجمعة فوق الظهر، فينقضها، وصار كما لو توجه إلى الجمعة بعد فراغ الإمام.
واتفق أبو حنيفة وصاحباه على أن السعي إذا كان بعدما فرغ الإمام من الجمعة، لم يبطل ظهره اتفاقًا.
وقال الجمهور (المالكية والشافعية في الجديد والحنابلة) (١): لا تصح للمرء صلاته الظهر قبل أن يصلي الإمام الجمعة، ويلزمه السعي إلى الجمعة إن ظن أنه يدركها؛ لأنها المفروضة عليه، فإن أدركها معه صلاها، وإن فاتته فعليه صلاة الظهر، وإن ظن أنه لا يدركها، انتظر حتى يتيقن أن الإمام قد صلى، ثم يصلي الظهر، والخلاصة: إنه إن صلى الظهر قبل الجمعة لا تصح وتجب عليه الجمعة، فإن كان بعد صلاة الجمعة أجزأه مع عصيانه.
ودليلهم: أنه صلى ما لم يخاطب به، وترك ما خوطب به، فلم تصح، كما لو صلى العصر مكان الظهر، ولا نزاع في أنه مخاطب بالجمعة، فسقطت عنه الظهر، كما لو كان بعيدًا، ولا خلاف في أنه يأثم بتركه، وترك السعي إليها.
(١) المغني: ٣٤٢/ ٢ ومابعدها، كشاف القناع:٢٥/ ٢ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص٨٠، الشرح الصغير: ٥٠٨/ ١
 
ثالثًا - صلاة الظهر جماعة من أصحاب الأعذار: 

قال الحنفية (١): يكره تحريمًا أن يصلي المعذورون من مسافر ومسجون ومريض وغيرهم الظهر بجماعة يوم الجمعة في موطن إقامة الجمعة (في المصر) قبل الجمعة وبعدها؛ لما فيه من الإخلال بالجمعة، إذ هي جامعة للجماعات، وربما يتطرق غير المعذور إلى الاقتداء بهم، ولما فيه من صورة معارضة الجمعة بإقامة غيرها. أما أهل القرى ممن لا جمعة عليهم فلهم صلاة الظهر بجماعة، ويكره أيضًا لمن فاتتهم الجمعة من أهل المصر صلاة الظهر جماعة، وإنما يصلونها فرادى بغير جماعة ولا أذان ولا إقامة، ويستحب للمريض تأخير الظهر إلى فراغ الإمام، وكره إن لم يؤخر على الصحيح.
وقال الجمهور غير الحنفية (٢): يجوز لمن فاتتهم الجمعة لعذر أو لمن لا تجب عليه الجمعة أن يصلوها ظهرًا في جماعة، تحصيلًا لثواب الجماعة المذكور في الحديث: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة» وروي عن ابن مسعود أنه فاتته الجمعة، فصلى بعلقمة والأسود.
لكن قال المالكية: تكره صلاة الظهر جماعة يوم الجمعة لغير أرباب الأعذار الكثيرة الوقوع، والأولى الجماعة لأرباب الأعذار الكثيرة الوقوع.
ورأى الحنابلة أنه: لا يستحب إعادتها جماعة في مسجد النبي ﷺ، ولا في مسجد تكره إعادة الجماعة فيه، وتكره أيضًا في المسجد الذي أقيمت فيه الجمعة؛ لأنه يؤدي إلى التهمة كالرغبة عن الجمعة، أو أنه لا يرى الصلاة خلف الإمام، أو
(١) فتح القدير: ٤١٩/ ١، الدر المختار: ٧٦٦/ ١ ومابعدها.
(٢) القوانين الفقهية: ص ٨٠، الشرح الصغير مع حاشية الصاوي: ٥٠٨/ ١، مغني المحتاج: ٢٧٩/ ١، المهذب: ١٠٩/ ١، المغني: ٣٤٤/ ٢ ومابعدها، كشاف القناع: ٢٦/ ٢.
 
يعيد الصلاة معه فيه، وربما أفضى إلى فتنة أو لحوق ضرر به وبغيره، وإنما يصليها في منزله أو في موضع لاتحصل هذه المفسدة بصلاتها فيه.
واتفق الجمهور مع الحنفية على أنه يستحب لمن يرجو زوال عذره أن يؤخر الظهر إلى اليأس عن إدراك الجمعة؛ لأنه قد يزول عذره، فإن زال عذره بعد الفراغ من الظهر كأن قدم من السفر، أو شفي من المرض، أو انفك من وثاقه، أعاد الجمعة إن أدركها. كذلك الصبي يعيد الجمعة إذا بلغ بعد أن صلى الظهر.

رابعًا - تعجيل صلاة الظهر ممن لا تجب عليه الجمعة: 

قال أكثر أهل العلم (١): من لا تجب عليه الجمعة كالمسافر والعبد والمرأة والمريض المزمن وسائر المعذورين، له أن يصلي الظهر قبل صلاة الإمام في الجمعة؛ لأنه لم يخاطب بالجمعة، فصحت منه الظهر، كما لو كان بعيدًا من موضع الجمعة.
فإن صلاها، ثم سعى إلى الجمعة، لم تبطل ظهره عند الجمهور، وكانت الجمعة نفلًا في حقه، سواء زال عذره، أو لم يزل. وقال أبو حنيفة كما قال في الحالة الأولى: تبطل ظهره بالسعي إليها.

خامسًا - صلاة الظهر بسبب خروج وقت الظهر:

  إذا انتهى وقت الظهر أو ضاق عن الجمعة بأن لم يبق منه ما يسع الخطبة والركعتين، سقطت الجمعة، فلا تقضى جمعة باتفاق العلماء (٢)، وإنما تصلى ظهرًا، لأن القضاء على حسب الأداء، والأداء فات بشرائط مخصوصة، يتعذر تحصيلها على فرد، فتسقط، بخلاف سائر المكتوبات إذا فاتت عن أوقاتها.
(١) المراجع السابقة.
(٢) البدائع: ٢٦٩/ ١، مغني المحتاج: ٢٧٩/ ١، المغني: ٣١٨/ ٢، حاشية الباجوري: ٢٢٣/ ١.
 
سادسًا - صلاة الظهر بسبب اختلال شرط من شرائط الجمعة: 

إذا لم يتوافر شرط من شرائط صحة الجمعة الأخرى غير دخول الوقت، كأن نقص عدد المصلين عن المطلوب، أو لم يدرك المسبوق ركعة مع الإمام عند الجمهور، أو أي جزء من الصلاة ولو سجود السهو عند الحنفية، أو لم يتوافر البنيان وغير ذلك، صلى الناس الظهر بدلًا عن الجمعة (١).
(١) البدائع: ٢٦٩/ ١، مغني المحتاج: ٢٧٩/ ١، المغني: ٣١٢/ ٢،٣١٦،٣٣٢ كشاف القناع: ٣١/ ٢.

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية