Hot!

Other News

More news for your entertainment

كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين

كتاب تفسير الأحلام لابن سيرين


كتــــاب :- تفسير الأحلام
المــؤلف :- منسوب للإمام ابن سيرين أو عبد الملك بن محمد الخركوشي النيسابوري المعروف بـأبي سعد الواعظ
الكـــاتب :- وهو منتخب الكلام في تفسير الأحلام، للإمام محمد بن سيرين رحمه الله
الموضوع: تأويل الرؤيا في المنام
محتويات


تعريف المؤلف

هناك الأراء عمن ألف الكتاب تفسير الأحلام. قيل إنه ينسب إلي ابن سيرين وقيل إنه ينسب إلي أبي سعد الواعظ

محمد بن سيرين هو أبوبكر محمد بن سيرين البصري. التابعي الكبير والإمام القدير في التفسير، والحديث، والفقه، وتعبير الرؤيا، والمقدم في الزهد والورع وبر الوالدين، توفي 110 هـ بعد الحسن البصري بمائة يوم، وكان عمره نيفاً وثمانين سنة.
سمع أبا هريرة وابن عباس وكثيرًا من الصحابة وكان محدثًا فقيهًا إمامًا غزير العلم، علاَّمة في تفسير الأحلام

وقد تكلم مشهور بن حسن آل سلمان في كتابه: " كتب حذر منها العلماء " (2/275 - 284) كلاما عن صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن سيرين، وكذلك عن كتاب آخر منسوب إليه، وهو " منتخب الكلام في تفسير الأحلام "، خلُص إلى عدم صحة نسبة الكتاب إلى ابن سيرين. والصحيح ان كتاب تفسير الأحلام المشهور بين العامة حاليا هو للعالم الفقيه الشافعي عبد الملك بن محمد الخركوشي النيسابوري المعروف بـأبي سعد الواعظ، المتوفى سنة 407

ترجمة الكتاب تفسير الأحلام

تفسير الأحلام الكبير كتاب يعتبر من أهم كتب التعبير التي اعتمد عليها القدماء والمحدثون على حد سواء في تفسير أحلامهم وتعبير رؤاهم، حيث يقوم المصنف وهو ابن سيرين مقام الشيخ والطبيب واللغوية وعلم النفس إذ أنه يفسر الحلم أو الرؤية على ضوء الدين والحديث والحالة الصحية والنفسية للحالم، مبيناً لكل حالة رمزها في عالم الأحلام.

مقدمة عن الرؤيا

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على أجل المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه الكرام المنتخبين.
(اعلم) وفقك الله أن مما يحتاج إليه المبتدئ أن يعلم أن جميع ما يرى في المنام على قسمين، فقسم من الله تعالى وقسم من الشيطان، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الرؤيا من الله والحلم من الشيطان" والمضاف إلى الله تعالى من ذلك هو الصالح، وإن كان جميعه أي الصادقة وغيرها خلقا لله تعالى، وأن الصالح من ذلك هو الصادق الذي جاء بالبشارة والنذارة وهو الذي قدره النبي صلى الله عليه وسلم جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة

وأن الكافرين وفساق المؤمنين قد يرون الرؤيا الصادقة.
وأن المكروه من المنامات هو الذي يضاف إلى الشيطان الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بكتمانه والتفل عن يساره ووعد فاعل ذلك أنها لا تضره

وأن ذلك المكروه ما كان ترويعا أو تحزينا باطلا أو حلما يؤدي إلى الفتنة والخديعة والغيرة دون التحذير من الذنوب والتنبيه على الغفلات والزجر عن الأعمال المهلكات، إذ لا يليق ذلك بالشيطان الآمر بالفحشاء وإنما إضافة أباطيل الأحلام إلى الشيطان على أنه هو الداعي إليها وأن الله سبحانه هو الخالق لجميع ما يرى في المنام من خير أو شر وإن اختلاف الموجب للغسل مضاف إلى الشيطان، وكذلك ما تراءى من حديث النفس وآمالها وتخاويفها وأحزانها مما لا حكمة فيه، تدل على ما يؤول أمر رائيه إليه.
وكذلك ما يغشى قلب النائم الممتلئ من الطعام أو الخالي منه كالذي يصيبه عن ذلك في اليقظة إذ لا دلالة منه ولا فائدة فيه وليس للطبع فيه صنع ولا للطعام فيه حكم ولا للشيطان مع ما يضاف إليه منه خلق وإنما ذلك خلق الله سبحانه قد أجرى العادة أن يخلق الرؤيا الصادقة عند حضور الملك الموكل بها فتضاف بذلك إليه، وإن الله تعالى يخلق أباطيل الأحلام عند حضور الشيطان فتضاف بذلك إليه وأن الكاذب على منامه مفتر على الله عز وجل

وأن الرائي لا ينبغي له أن يقص رؤياه إلا على عالم أو ناصح أوذي رأي من أهله كما روي في الخبر.
وأن العابر يستحب له عند سماع الرؤيا من رائيها، وعند إمساكه عن تأويلها لكراهتها ولقصور معرفته عن معرفتها، أن يقول "خير لك وشر لأعدائك خير تؤتاه وشر تتوقاه"، هذا إذا ظن أن الرؤيا تخص الرائي، وإن ظن أن الرؤيا للعالِم قال "خير لنا وشر لعدونا، خير نؤتاه وشر نتوقاه، والخير لنا والشر لعدونا" وأن عبارة الرؤيا بالغدوات أحسن، لحضور فهم عابرها وتذكار رائيها، لأن الفهم أوجد ما يكون عند الغدوات من قبل افتراقه في همومه ومطالبه، مع قول النبي صلى الله عليه وسلم "اللهم بارك لأمتي في بكورها" وأن العبارة قياس واعتبار وتشبيه وظن لا يعتبر بها ولا يختلف على عينها، إلا أن يظهر في اليقظة صدقها أو يرى برهانها وأن التأويل بالمعنى أو باشتقاق الأسماء وأن العابر لا ينبغي له أن يستعين على عبارته بزاجر في اليقظة يزجره ولا يعول عند ذلك بسمعه ولا بحساب من حساب المنجمين يحسبه وأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتمثل به في المنام شيطان وأن من رآه فقد رآه حقا
وأن الميت في دار حق فما قاله في المنام فحق، ما سلم من الفتنة والعزة، وكذلك الطفل الذي لا يعرف الكذب وكذلك الدواب وسائر الحيوان الأعجم إذا تكلم فقوله حق وكلام ما لا يتكلم آية وأعجوبة وكل كذاب في اليقظة كالمنجم والكاهن، فكذلك قوله في المنام كذب وأن الجنب والسكران ومن غفل من الجواري والغلمان قد تصدق رؤيا هم في بعض الأحيان، وإن تسلط الشيطان عليهم بالأحلام في سائر الزمان وأن الكذاب في أحاديث اليقظة قد يكذب عامة رؤياه وأصدق الناس أصدقهم حديثا وأن العابر لا يضع يده من الرؤيا إلا على ما تعلقت أمثاله ببشارة أو نذارة أو تنبيه أو منفعة في الدنيا والآخرة ويطرح ما سوى ذلك لئلا يكون ضغثا أو حشوا مضافا إلى الشيطان.

المزيد من المقدمة

التنديد بمن عدد التوحيد حسن بن علي السقاف

التنديد بمن عدد التوحيد حسن بن علي السقاف

اسم الكتاب: كتاب التنديد بمن عدد التوحيد
تأليف: حسن بن علي السقاف
الناشر: دار الامام النووي

الهامش
  1. 1 التنديد بمن عدد التوحيد
  2. 2 التنديد بمن عدد التوحيد
  3. بيان أن من اعترف بوجود الله ولم يوحده فهو كافر إجماعا
  4. في إبطال تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية
  5. في إبطال القسم الثالث من التقسيم المزعوم وهو توحيد الأسماء والصفات
  6. التأويل من منهج السلف
  7. في ذكر مقالات الكرامية، وبيان أوصافها
  8. مسألة الجهة لله تعالي


مقدمة

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده المصطفى، سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه المنتخبين أهل الوفا، ومن لهم اقتفى. أما بعد: فهذا جزء لطيف، ومنار منيف، أثبت فيه إبطال التثليث في تقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد أسماء وصفات، حيث انتشر هذا التقسيم في هذا الزمان، وقد دعاني إلى ذلك ما رأيت من بعض من كتب في التوحيد والعقائد إثبات هذا الفرق واستساغته تقليدا من غير استبصار بحقيقة الأمر والحال، وخصوصا أن هذا التقسيم لا يعرف عند السلف البتة وإنما اخترع هذا التقسيم وانتشر بعد القرن السابع الهجري، فأردت التنبيه عليه لئلا يغتر بهذا التقسيم أحد من طلاب العلم، فنسأل الله تعالى لنا الإعانة، فيما توخينا من الإبانة. ولا بد أيضا من التنبيه على القسم الثالث للتوحيد وهو: (توحيد الأسماء والصفات) وبيان المراد منه عند من يقول به في هذه الرسالة المختصرة وبالله تعالى التوفيق. (فأعلم): أن تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاث تقسيم غير صحيح، تكلم به بعض متأخري المصنفين منهم صاحب شرح العقيدة

ص 6

الطحاوية ابن أبي العز المنسوب للحنفية خطأ الذي رد على صاحب الكتاب الأصلي الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى أثناء شرحه على كتابه - متن الطحاوية - في التوحيد فزيف ابن أبي العز بعض كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى، وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب السلف الصالح، فخالف حقيقة صريح الكتاب والسنة والإجماع وعقيدة أهل السنة والجماعة الوارد في كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي، وظن الساعون في نشر هذا الشرح للطحاوية والمروجون له أنهم يستطيعون أن يقنعوا الناس بأنه يمثل عقيدة الإسلام الحقة حيث ستروا وغطوا ما لم يعجبهم من عقيدة الطحاوي رحمه الله تعالى وهي العقيدة المتفق على قبولها وصحتها والتي تمثل عقيدة أهل الحق من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية بهذا الشرح المشحون بالأخطاء والمغالطات المختلفة المتنوعة!!، وكما قيل: لا يضر الفضل إقلال كما لا يضر الشمس إطباق الطفل وقد نص ابن أبي العز في شرحه المذكور على هذا التقسيم فقال (1): (فإن التوحيد يتضمن ثلاث أنواع: أحدهما الكلام في الصفات، والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء، والثالث: توحيد الإلهية وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له) ا ه‍. فلنبدأ بإثبات تحقيق عدم وجود هذا التقسيم وتفنيد هذه العبارة فنقول وبالله تعالى التوفيق.

(هامش)

(1) أنظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، بتخريج الألباني، وتوضيح الشاويش المقرين لما فيها جملة وتفصيلا، طبع المكتب الإسلامي، الطبعة السادسة ص (78). (*)

ص 7

تمهيد لقد أرسل الله تعالى سيدنا محمدا ص بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وحث عليها ووعد قائلها ومعتقدها الجنة، وقد وردت بذلك الآيات والأخبار الصحيحة، منها قول الله تعالى: *(فأعلم أنه لا إله إلا الله)* محمد: 19، ومنها قوله: *(ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا)* الفتح: 13، وقال النبي ص: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته (2) ألقاها إلى مريم وروح منه (3)، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل) رواه البخاري (6 / 474 فتح) ومسلم (1 / 57 برقم 46). وقال ص: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) رواه البخاري (1 / 75 فتح) ومسلم (1 / 53 برقم 36). فمن هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يتضح وضوحا جليا أن الله سبحانه بين لنا أن التوحيد هو (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ولم يذكر

(هامش)

(2) معنى (وكلمته ألقاها إلى مريم) أي: بشارته أرسلها بواسطة الملك إلى السيدة مريم. (3) معنى (وروح منه) أي: منه خلقا وتكوينا، لا جزءا كما تعتقد النصارى. (*)

ص 8

الله تعالى في كتابه، ولا النبي ص في سنته أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات، بل لم ينطق بهذا التقسيم أحد من الصحابة، بل ولا أحد من التابعين، بل ولا أحد من السلف الصالح رضي الله عن الجميع. بل إن هذا التقسيم بدعة خلفية مذمومة حدثت في القرن الثامن الهجري، أي بعد زمن النبي ص بنحو ثمانمائة سنة، ولم يقل بهذا التقسيم أحد من قبل، والهدف من هذا التقسيم عند من قال به هو تشبيه المؤمنين الذين لا يسيرون على منهج المتمسلفين بالكفار، بل تكفيرهم بدعوى أنهم وحدوا توحيد ربوبية كسائر الكفار بزعمهم!! ولم يوحدوا توحيد ألوهية - وهو توحيد العبادة الذين يدعونه - وبذلك كفروا المتوسلين بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو بالأولياء وكفروا أيضا كثيرا ممن يخالفهم في أمور كثيرة يرون الصواب أو الحق على خلافها، وكل ذلك سببه ذلك الحراني، وعلى ذلك سار شارح الطحاوية ابن أبي العز الملقب بالحنفي فخالف الإمام الحافظ الطحاوي الحنفي في عقيدته في مواضع عديدة! منها أن صاحب المتن الإمام الطحاوي ينفي الحد عن الله سبحانه والشارح يرد عليه فيثبت الحد! ومنها أن صاحب المتن ينفي الجهة وينزه الله سبحانه أن يوصف بها والشارح يرد عليه فيثبتها! حتى قال العلامة علي القاري الحنفي عن شارحها ابن أبي العز في شرح الفقه الأكبر ص (172) بأنه: (صاحب مذهب باطل، تابع لطائفة من المبتدعة). ولا بد أن نبطل هذا التقسيم للتوحيد في هذه المقدمة الصغيرة المتواضعة باختصار تلخيصا للبحث الذي تحويه هذه الرسالة التي سنسلك فيها طريقة:

ص 9

خير الكلام ما قل ودل، فنقول وبالله تعالى التوفيق: (أولا): لا يعرف في الشرع إطلاق اسم موحد على من كفر ولو بجزء من العقيدة الإسلامية وذلك بنص الكتاب والسنة، بل لا يجوز أن نقول الشرع ما لم يقل ولم يرد، فلا يحل لنا أن نطلق على من كان يقر بوجود الله ويدرك أنه هو الإله المستحق للعبادة دون أن يذعن ويدخل في هذا الدين بأنه موحد، بل نطلق عليه أنه كافر، بدليل قول الله تعالى: *(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)* الزمر: 3. فقد وصفهم الله تعالى بالكذب وبالكفر، بل وصفهم بصيغة مبالغة وهي: (كفار) كما تقول: ضارب وضراب. فكيف يقال إنهم موحدون توحيد ربوبية والله تعالى وصفهم بالكفر صراحة؟!! (ثانيا): هؤلاء الكفار الذين كانوا يقولون فيما وصفهم الله تعالى بقوله: *(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)* الزمر: 38 ولقمان: 25، والذين كانوا يقولون: *(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)* الزمر: 3، ما كانوا يقرون بتوحيد ربوبية لو سلمنا جدلا بقسم توحيد الربوبية، وما كانوا يقرون بوجود الله تعالى، ولذلك أدلة سأوردها الآن إن شاء الله تعالى، وإنما قالوا ذلك عند محاججة النبي ومجادلته إياهم وإفحامه لهم بالأدلة التي تثبت وجود الله تعالى وتبطل إلهية ما يعبدون من دون الله سبحانه.

ص 10

مسألة الجهة لله تعالي


الهامش


مسألة الجهة لله تعالي

4 - وأما مسألة الجهة فابن أبي العز ممن يقول بها ويقاتل من أجلها قتال مستميت، فانظر إلى الروغان حيث قال صحيفة (221) من شرح الطحاوية: (وأما لفظ الجهة، فقد يراد به ما هو موجود، وقد يراد به ما هو معدوم، ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق) ا ه‍. فانظر كيف قاس الخالق على المخلوق، ومعنى كلامه: أي كما أن المخلوق في جهة فكذا الخالق في جهة بجامع الوجود لكل منهما، ولا شك أن هذا قياس وثني فاسد قطعا. ثم قال ابن أبي العز في نفس الصحيفة ما نصه: (وإن أريد بالجهة أمر عدمي، وهو ما فوق العالم، فليس هناك إلا الله وحده، فإذا قيل إنه في جهة بهذا الاعتبار فهو صحيح) ا ه‍. فقد قرر بأن الله تعالى في جهة ما فوق العالم، وهذا المكان الذي عينه للمولى سبحانه وتعالى عن هذيانه، سماه بالمكان العدمي أو بالأمر العدمي، وإني أستغرب جدا كيف يكون لمعبوده مكان يشار إليه بالإصبع كما جاء في حديث الجارية الذي يتشدقون به ثم كيف يكون هذا المكان عدما؟ وهل يشار للعدم؟!. ولا يخفاك أخي المؤمن أن أهل السنة أجمعوا على تنزيه الله تعالى عن المكان لدلالة الكتاب والسنة المصرحة بذلك. وقد نص ابن أبي العز في سلسلة أغلاطه أيضا زيادة في نغمة طنبوره في

ص 63

رأس صحيفة (221): أن الجهات لا نهاية لها. ا ه‍ ومعنى ذلك أنه لا حد لها، فجعل للخالق حدا ونزه المخلوق عن الحد فسبحان قاسم العقول الوهاب!! مع أن أهل السنة كما قال الإمام البغدادي في الفرق ص (330): (أجمعوا على أن الأرض متناهية الأطراف من الجهات كلها، وكذلك السماء متناهية الأقطار من الجهات الست، خلاف قول الدهرية) ا ه‍. ثم اعترض!!! على الإمام الطحاوي في تنزيهه الله تعالى عن الجهات فقال (ص 221): (لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، هو حق، باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته) ا ه‍. فأول كلام الشيخ حسب مراده، لينفي أن الشيخ الطحاوي يقول بهذا!! فاعترض عليه لينفي ما تبقى من احتمال ذلك على زعمه فقال في نفس الصحيفة: (لكن بقي في كلامه شيئان أحدهما: إن إطلاق مثل هذا اللفظ مع ما فيه من الإجمال والاحتمال كان تركه أولى، وإلا تسلط عليه وألزم بالتناقض في إثبات الإحاطة والفوقية ونفي جهة العلو) ا ه‍!! وإليك بعض عقائد الكرامية أيضا المندرجة في كلام ابن أبي العز في شرح الطحاوية:

5 - قال صحيفة (282): (فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو سبحانه من بعض أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سمواته؟ أو يدني إليه من يشاء خلقه؟ فمن نفي ذلك لم يقدره حق قدره) ا ه‍.

ص 64

6 - قوله صحيفة (286): (الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل، الثالث عشر: الإشارة إليه حسا إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم بربه) ا ه‍. وذكر قبل ذلك وبعده أدلة بزعمه دالة على هذا العلو الحسي، والمعبر عنه أحيانا بفوق وبذاته وبجهة السماء.. الخ. ولا أدري أين ذهب بقول الله تعالى: *(وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني)* البقرة: 186، وبقوله تعالى: *(ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون)* الواقعة: 85، وقوله: *(وهو معكم أين ما كنتم)* الحديد: 4، وقوله: *(وهو الله في السماوات والأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون)* الأنعام: 3، وقوله: *(ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)* ق: 16، وغير ذلك من الآيات (33)، ومن الحديث قوله ص: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) رواه مسلم (1 / 350)، وقوله أيضا: (اللهم أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الأهل) رواه الترمذي (5 / 497) وقال: حديث حسن صحيح ا ه‍ وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة. وإذا كان يؤول هذه النصوص الموهمة للحلول فما أجدره أيضا أن يؤول تلك النصوص الموهمة للتجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه، عند المغفلين الذين

(هامش)

(33) وإذا كانت تلك الآيات التي أوردها قرآنا وهذه الآيات أيضا قرآنا فما الذي أوجب اعتقاد ظاهر تلك دون هذه؟! (*)

ص 65

لا يعرفون أصول عقيدة الإسلام التي منها تنزيه الله سبحانه عن مشابهة خلقه، المعبر عنها بقول العلماء: كل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك، المأخوذ من قوله سبحانه: *(ليس كمثله شيء)* الشورى: 11، ومن قوله: *(ولم يكن له كفوا أحد)* الإخلاص: 4، ومن قوله: *(أفمن يخلق كمن لا يخلق)* النحل: 17.

7 - والقول بالجهة والفوقية الحسية يفضي إلى القول بأنه خارج العالم على العرش بذاته كما يقول أهل التجسيم، أو داخل العالم في السماء حسا لا معنى كما يقول الحلوليون وكلا القولين باطل، فقد أجمع أهل السنة على أن الله تعالى منزه عن المكان يعني أنه لا تعين له جهة كالمخلوق فيقال إنه مستقر فيها وحال بها فقول الحلولية: إنه في كل مكان باطل، وقول المجسمة: إنه فوق العالم خارج عنه فوق العرش باطل أيضا، لأن هذا يلزم منه وصفه سبحانه بالاتصال أو الانفصال ووصفه بأنه خارج أو داخل العالم، وكل ذلك باطل لأنهم بنوا ذلك على ما أصلوه وهو الجسمية، فوصفوه بأنه خارج العالم، لتثبيت عقيدة الزيغ وإقناع الناس بها ولذلك صرح أهل السنة والجماعة بأن الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله لأن هذا نوع من إدراك الخالق والله سبحانه لا يحيط به أو يدركه أحد من خلقه، وهؤلاء يريدون أن يدركوه وأن يعينوا له مكانا ف‍ *(سبحان ربك رب العزة عما يصفون)* لذلك قال ابن أبي العز في شرحه (ص 222): (ولا نظن بالشيخ - يعني الطحاوي - رحمه الله أنه ممن يقول إن الله تعالى ليس داخل العالم ولا خارجه بنفي التعيينين) ا ه‍. وإليك بعض أقوال علماء الإسلام في ذلك:

ص 66

. قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (الله تعالى مقدس عن المكان، ومنزه عن الأقطار والجهات، وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا هو متصل بالعالم ولا هو منفصل عنه، قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته) ا هـ‍ الإحياء (4 / 434) (34).. وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري) (1 / 220 - 221): (فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر فلا يتوجه على حكمه لم ولا كيف، كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث) ا ه‍.. وقال إمام الحرمين في (الإرشاد) ص (61): (ثم نقول: إن سميتم الباري تعالى جسما وأثبتم له حقائق الأجسام، فقد تعرضتم لأمرين: إما نقض دلالة حدث الجواهر، فإن مبناها على قبولها للتأليف والمماسة والمباينة - أي الانفصال - وإما تطردوها وتقضوا بقيام دلالة الحدث في وجود الصانع، وكلاهما خروج عن الدين، وانسلال عن ربقة المسلمين) ا ه‍.. وقال الإمام الحافظ البيهقي في (الأسماء والصفات) ص 410: (والقديم سبحانه عال على عرشه لا قاعد ولا قائم ولا مماس ولا مباين عن العرش، يريد به مباينة الذات التي هي بمعنى الاعتزال أو التباعد، لأن المماسة والمباينة التي هي ضدها والقيام والقعود من أوصاف الأجسام، والله عز وجل أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد فلا يجوز عليه ما يجوز على الأجسام تبارك وتعالى) ا ه‍.

(هامش)

(34) وانظر أيضا شرح الإحياء للزبيدي 10 / 181. (*)

ص 67

وقال الإمام أبو المظفر الاسفراييني في التبصير (97 بتحقيق الإمام الكوثري): (وأن تعلم أن الحركة والسكون، والذهاب والمجيء، والكون في المكان، والاجتماع والافتراق، والقرب والبعد من طريق المسافة والاتصال والانفصال، والحجم والجرم، والجثة والصورة والحيز والمقدار والنواحي والأقطار والجوانب والجهات كلها لا تجوز عليه تعالى لأن جميعها يوجب الحد والنهاية) ا ه‍. وقال الإمام النووي في الروضة (10 / 64) ما نصه: (من اعتقد قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع، أو حدوث الصانع، أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع، ككونه عالما قادرا، أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرا) ا ه‍. وقال الإمام المحدث ملا علي القاري في (شرح الفقه الأكبر) مشنعا على ابن أبي العز هذا، شارح الطحاوية ومشوهها ما نصه (ص 172): (والحاصل أن الشارح يقول بعلو المكان مع نفي التشبيه وتبع فيه طائفة من أهل البدع).. الخ ا ه‍. فأنظره. وقال العلامة القاري أيضا صحيفة 172: (ومن الغريب أنه استدل على مذهبه الباطل برفع الأيدي في الدعاء إلى السماء) ا ه‍. وقد عرضنا البعض اليسير مما في شرح الطحاوية من أخطاء مستشنعة مرفوضة في عقيدة الإسلام، محذرين لطلاب العلم والمدرسين في شتى المجالات من تدريسها ودراستها وتقريرها على الطلاب وموافقة ما فيها من

ص 68

الخطأ من باب قول النبي ص: (الدين النصيحة) وأرجو أن يعرف أهل العلم وطلابه ما هو المراد من توحيد الأسماء والصفات عند من يدعو إليه، وأن المراد منه عند، هؤلاء المتمسلفين ما رأينا من التجسيم وإقامة الوثنية التي حاربها الإسلام وجاء بهدمها. وأن يدركوا ما كتبناه وقررناه من الأدلة الواضحة في إبطال تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية وليكن هذا آخر كتابنا (التنديد بمن عدد التوحيد) فنسأله سبحانه حسن الختام والحمد لله رب العالمين، وكان الفراغ من تصنيف أصل هذه الرسالة غير ما ألحقته بها

5 / ربيع الأول / 1407 ه‍.



ص 69




آثار المؤلف



1 - شرح لعمدة السالك وعدة الناسك على طريقة المحدثين (5) مجلدات لباب الحج (مخطوط).

2 - احتجاج الخائب بعبارة من ادعى الإجماع فهو كاذب (طبع).

3 - الإمتاع والاستتصاء لأدلة تحريم نقل الأعضاء (مطبوع).

4 - عقيدة أهل السنة والجماعة. مع تعليقات على رسالة الإمام النووي في التصوف (مطبوع) مرتين.

5 - بهجة الناظر في التوسل بالنبي الطاهر (مطبوع).

6 - تعليقات على كتاب المحدث الغماري (إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي) (مطبوع).

7 - الإغاثة بأدلة الاستغاثة (مطبوع).

8 - وهم سيء البخت الذي حرم صيام السبت (مخطوط).

9 - حكم المصافحة والمس والرد على من به مس (مطبوع).

10 - إمتاع الالحاظ بتوثيق الحفاظ (مخطوط).

11 - التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد (مطبوع) (مرتين).

12 - الجام المفتري العنود المتمسلف عمر محمود (مخطوط).

13 - القول العطر في نبوة سيدنا الخضر (مخطوط).

14 - تحذير العبد الأواه من تحريك الإصبع في الصلاة (مطبوع).

15 - الأدلة الجلية لسنة الجمعة القبلية (مطبوع).

16 - إرشاد العاثر إلى وضع حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر (مطبوع).

ص 70

17 - التنديد بمن عدد التوحيد (مطبوع).

18 - رسالة في نجاسة الاسبيرتو والكحول واستعمالهما (مطبوعة) سميناها: الدلائل والنقول في تحريم الكولونيا والاسبيرتو لنجاسة الكحول..

19 - الرد لمنيف على إمام التزييف (مخطوط).

20 - تعليقات على رسالة الإمام الكوثري (اللامذهبية قنطرة اللادينية) (مخطوط).

21 - تطهير الصديد النازف من فم الدكتور مروان المجازف (مخطوط).

22 - التنكيت على التوضيح وبيان صحة صلاة التسابيح (مخطوط).

23 - الباهر (مخطوط).

24 - شرح سلم التوفيق إلى محبة الله على التحقيق (شرح في التوحيد والفقه والتصوف) يقع في مجلدين. (مخطوط).

25 - شرح أبيات العزيزي في مسائل تخلف المأموم عن الإمام (مخطوط).

26 - إعمال المبارد في الحديد البارد (مخطوط).

27 - حكم الإسلام في صرف العملة وبيان جوازها (مخطوط).

28 - اللجيف الذعاف للمتلاعب بأحكام الاعتكاف (مخطوط).

29 - كشف الهابط من ضبط الضابط (مخطوط) رسالة في ثلاث ورقات.

30 - إبطال التصحيح الواهن لحديث العاجن (مخطوط).

31 - إلقام الحجر للمتطاول على الأشاعرة من البشر (مطبوع).

32 - الأدلة المقومة لاعوجاجات المجسمة (مخطوط).

33 - الإتحاف بأسانيد وشيوخ حسن بن علي السقاف (مخطوط).

34 - تعليقات وتكملة على كتاب المحدث الغماري (فتح المعين بنقد كتاب الأربعين للهروي المجسم) (مطبوع).

35 - مقالة في رثاء العلامة محمد عبدو هاشم رحمه الله تعالى.

36 - مجموعة فتاوي ومسائل علمية وأبيات شعرية علمية في جزئين (مخطوط).

37 - إعلام المبيح الخائض بتحريم مس القرآن وقراءته على الجنب والحائض (مطبوع).

ص 71

38 - القول المبتوت بصحة حديث صلاة الصبح بالقنوت (مطبوع).

39 - تعليقات على رسالة المحدث الغماري بيني وبين الشيخ بكر (مطبوع).

40 - برد الأكباد في الانتصار للعلامة الصابوني من افتراء متعصبي العباد (مخطوط).

41 - الشهاب الناري المنقض على عدو المحدث الغماري (مطبوع).

42 - إرشاد الحيران لفساد قولهم في المسألة قولان (مخطوط).

43 - تناقضات الألباني الواضحات، الجزء الأول في مجلد (مطبوع) فيه ذكر (300) تناقض وخطأ للألباني طبع سبع مرات.

44 - إمعان النظر في مسألتي المسح على الخفين والجمع بين الصلاتين في المطر (مطبوع).

45 - تعليقات على (دفع شبه التشبيه) (مجلد) مطبوع.

46 - قاموس شتائم الألباني (مطبوع).

7 4 - البراهين الناسفة للأنوار الزائفة (مطبوع).

48 - الشهاب الحارق المنقض على إيقاف المتناقض!! المارق (مطبوع).

49 - أقوال الحفاظ المنثورة في وضع حديث رأيت ربي في أحسن صورة (مطبوع).

50 - تناقضات الألباني الواضحات (الجزء الثاني) فيه (652) ممسك ومأخذ ما بين تناقض وخطأ (مطبوع).

51 - شرح جوهرة التوحيد على طريقة المحدثين المسمى (عقد الزبرجد النضيد في شرح جوهرة التوحيد) تحت الطبع.

52 - رسالة في عدم جواز قول (عدد كمال الله) مخطوط.

53 - البيان الكافي بعدم صحة نسبة كتاب الرؤية للدارقطني بالدليل الوافي (طبع).

54 - الشماطيط في بيان ما يهذي به الألباني في مقدماته من تخبطات وتخليط (مطبوع). وهناك مؤلفات ورسائل لم تكمل بعد نذكر أسماءها في المطبوعات الجديدة إن شاء الله تعالى.

مقالات الكرامية وبيان أوصافها


الهامش


فصل في ذكر مقالات الكرامية، وبيان أوصافها

الكرامية بخراسان ثلاثة أصناف، وهذه الفرق الثلاث لا يكفر بعضها بعضا وإن أكفرها سائر

(هامش)

= (كما قال ذلك من قال من الكرامية وغيرهم من نظار المسلمين) ا ه‍. فكأنه يقول: كما قال ذلك من قال من الشافعية وغيرهم من فقهاء المسلمين، فتأمل!! وهل يعتبر من نظار المسلمين من يقول: بأن الله له حد وأنه جسم جالس على العرش مماس له وأن الحوادث تقوم بذاته؟ فتدبروا يا أولي الأبصار! (22) أنظر كتاب (الفرق بين الفرق) لعبد القاهر البغدادي (ص 337) بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد. (*)

ص 53

الفرق، فلهذا عددناها فرقة واحدة، وزعيمها المعروف محمد بن كرام.. وضلالات أتباعه.. نذكر منها المشهور، الذي هو بالقبح مذكور، فمنها: أن ابن كرام دعا أتباعه إلى تجسيم معبوده، وزعم أنه جسم له حد ونهاية من تحته والجهة التي منها يلاقي عرشه، وقد ذكر ابن كرام في كتابه - أيضا - أن الله تعالى مماس لعرشه، وأن العرش مكان له، وأبدل أصحابه لفظة المماسة بلفظ الملاقاة منه للعرش.. واختلف أصحابه في معنى الاستواء المذكور في قوله تعالى: *(الرحمن على العرش استوى)* طه: 5، فمنهم من زعم: أن كل العرش مكان له، وأنه لو خلق بإزاء العرش عروشا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانا له، ومنهم من قال: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة، ولا يفضل منه شيء على العرش، وزعم ابن كرام وأتباعه أن معبودهم محل للحوادث) ا ه‍. وقد نقل أيضا الشيخ علي القاري في شرح المشكاة (2 / 137): إجماع السلف والخلف على أن من اعتقد أن الله تعالى في جهة فهو كافر كما صرح به العراقي وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأبو الحسن الأشعري والباقلاني. ا ه‍ ولا يخفى أن اعتقاد الجهة نوع من التجسيم. وقال الإمام القرطبي في التذكار صحيفة (208): ا (والصحيح القول بتكفيرهم - المجسمة - إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور) ا ه‍. وجزم الإمام النووي في المجموع (4 / 253) بتكفير المجسمة وهو مذهب الشافعي رحمه الله. وأما رد الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه على المجسمة والمشبهة فمنقول في

ص 54

(دفع شبه التشبيه) لابن الجوزي الحنبلي، وكتاب (مرهم العلل المعضلة) لليافعي بتوسع. والإمام الطحاوي الذي أرادوا أن يشوهوا عقيدته يقول في أولها: (اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن) وهؤلاء من أئمة السلف كما لا يخفى ثم قال فيها: (وتعالى الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبدعات) ا ه‍ (23). أقول: وقد اتضح بهذا كله مذهب أهل السنة والجماعة واتضح أيضا حكمهم على أهل الزيغ من المشبهة والمجسمة، وأن أصل التشبيه والتجسيم أسسه في هذه الأمة ابن كرام السجستاني صاحب العقائد الزائغة، وأن الأمة أكفرته وكفرت من قال بمقالاته المنحرفة، وأن من جملة مقالاته الكفرية: قوله بالحد في حق الله تعالى، وقوله بالجسمية لله تعالى، وأن الله تعالى يماس عرشه من جهة السفل لأنه فوق العرش، ويجدر التنبيه هنا على أن أهل السنة يقولون بأن الله تعالى فوق العرش لكن فوقية من جهة المعنى لا من جهة الحس (24)، أي أن الله تعالى فوق خلقه فوقية قهر وربوبية على عبودية، *(وهو القاهر فوق عباده)* الأنعام: 61، وقد أجمع أهل السنة على تنزيه الباري سبحانه عن المكان كما هو معلوم، لكن ابن كرام قال بالفوقية الحسية والمكانية، فأكفره أهل السنة

(هامش)

(23) أنظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، بتخريج الألباني، وتوضيح الشاويش (ص 238) الطبعة الثامنة. (24) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح 6 / 136: (لأن وصفه تعالى بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس) ا ه‍ فانظره. (*)

ص 55

ومن تبعه على ذلك، ثم قال: إن الله تعالى محل للحوادث، أي جوز قيام الحوادث بذات الله سبحانه، تعالى الله عن هذا الكفر الصريح *(سبحان ربك رب العزة عما يصفون)* ومرادنا من ذلك كله بيان أن أدعياء توحيد الأسماء والصفات قائلون بذلك ومنهم فضيلة العلامة ابن أبي العز صاحب شرح الطحاوية، وإليك إثبات ذلك:

1 - أما قول شارح الطحاوية المشار إليه بحوادث لا أول لها، أو بقدم نوع الحوادث والمخلوقات ففي صحيفة (129 من الطبعة الثامنة): (فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا؟ أو في المستقبل فقط؟ أو الماضي فقط؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم: أضعفها قول من يقول: لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل، كقول جهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف. وثانيها قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي، كقول كثير من أهل الكلام ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم. والثالث: قول من يقول: يمكن دوامها في الماضي والمستقبل كما يقوله أئمة الحديث) ا ه‍. فانظر كيف نسب الكفر الصريح إلى أهل الحديث فقال إنهم يقولون إن الحوادث وهي المخلوقات يمكن أن تكون دائمة في الماضي، معناه قديمة النوع حادثة الأفراد وأهل الحديث براء من ذلك بلا شك، وقد نص القرآن الكريم على بطلان ذلك في آيات كثيرة كما لا يخفى، وكذا السنة المطهرة نص

ص 56

فيها سيدنا رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم على بطلان ذلك، ففي البخاري: (كان الله ولم يكن شيء غيره) (25) وأجمعت الأمة على أن الحوادث قبل حدوثها لم تكن أشياء ولا أعيان، كما نقل ذلك الأستاذ أبو منصور البغدادي في الفرق (26) وقال الأستاذ أبو منصور أيضا: (وقد زعم البصريون من القدرية أن الجواهر والأعراض كانت قبل حدوثها جواهر وأعراضا، وقول هؤلاء يؤدي إلى القول بقدم العالم، والقول الذي يؤدي إلى الكفر كفر في نفسه) ا هـ‍ يعني أن القول بقدم الحوادث لا شك أنه كفر. وكذلك نص على هذا الإجماع المؤيد بقول الله تعالى *(هو الأول)* ابن حزم في كتابه مراتب الإجماع، حيث قال في آخره: (باب من الإجماع في الاعتقادات، يكفر من خالفه بإجماع: اتفقوا أن الله عز وجل وحده لا شريك له خالق كل شيء غيره، وأنه تعالى لم يزل وحده ولا شيء غيره معه، ثم خلق الأشياء كلها كما شاء، وأن النفس مخلوقة، والعرش مخلوق، والعالم كله مخلوق) ا ه‍ (27). ثم بعد هذا كله أحكم على ابن أبي العز المنسوب لأهل الإثبات ولأهل الحديث غلطا ولمن تبعه وقال بمقالته ونشر كتابه بين العامة وخرج أحاديثه مادحا كتابه بما تراه مناسبا، ولا سيما إذا عرفت أيضا أنه قال صحيفة 133 من

(هامش)

(25) أنظر فتح الباري (13 / 410). (26) أنظر الفرق بين الفرق (ص 332) وانظر أيضا: (ص 328). (27) أنظر مراتب الإجماع المطبوع مع نقد مراتب الإجماع (ص 167). (*)

ص 57

شرح الطحاوية الطبعة الثامنة بتخريج الألباني وتوضيح الشاويش: (والقول بأن الحوادث لها أول، يلزم منه التعطيل قبل ذلك وأن الله سبحانه وتعالى لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا) ا ه‍. نعوذ بالله تعالى من هذا الهذيان ما أشنعه، ومن هذا الرجل ما أجرأه، وكيف يشنع على المتكلمين ثم يأتي بأصول الشناعات!!!. ثم هو رد صريح الكتاب والسنة والإجماع، وتأول لذلك بالباطل كما ترى، فأين ذهب ذمه للتأويل وللمتكلمين ولعلم الكلام الذي تشدق به أول ما يقرب من عشرين صحيفة من كتابه وحيثما سنحت الفرص، لكن كما قالوا: رمتني بدائها وانسلت. ثم انظر إلى قوله صحيفة (135) من الطبعة الثامنة مبرهنا على حوادث لا أول لها، رادا رواية (كان الله ولم يكن شيء معه) ورواية (ولم يكن شيء غيره) مثبتا رواية (ولم يكن شيء قبله) ليستدل بها على حوادث لا أول لها حيث قال: (وقد أجابهم النبي ص - أي الأشعريين - عن بدء هذا العالم الموجود لا عن جنس المخلوقات، لأنهم لم يسألوه عنه) ا ه‍ يعني أنه قبل هذا العالم الموجود الآن كان هناك عالم آخر، يعني أن العالم قديم النوع أزلي، حادث الأفراد، وهي مقالة متأخري الفلاسفة، وقد قال العلماء سابقا: بثلاثة كفر الفلاسفة العدا * في نفيها وهي حقيقا مثبته علم بجزئي حدوث عوالم * حشر لأجساد وكانت ميته ونكتفي بهذا القدر الذي ذكرناه من الكلام على نقطة حوادث لا أول لها، ولنعرض أمرا آخر من تلك الطامات فنقول:

ص 58

2 - قال ابن أبي العز في شرحه مثبتا أن كلام الله تعالى حروف وأصوات، وأن الله تعالى يتكلم إذا شاء ويسكت متى شاء وهو المفهوم من كلام فضيلة الشارح، ومن اللازم القريب لكلامه (28): (إن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وهو يتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم وإن لم يكن الصوت المعين قديما، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة) ا ه‍ (29) وفي هذا الكلام الخطير والفلسفة الزائدة في الخوض في ذات الله تعالى وصفاته التي يذم بها هؤلاء علماء الكلام، إثبات قيام الحوادث بذات الله تعالى عما يقولون، وقد تقرر عند أهل العلم أن ما قام به الحادث فهو حادث، وقد كفرت علماء الإسلام الكرامية لأمور منها هذا القول كما نقلناه فيما مضى أول هذه العجالة، وقد أثبت ذلك ابن أبي العز وحاول الدفاع عنه، فقال صحيفة 177 منها: (فإذا قالوا لنا: فهذا يلزم أن تكون الحوادث قامت به، قلنا: هذا القول مجمل، ومن أنكر قبلكم قيام الحوادث بهذا المعنى به تعالى من الأئمة؟ ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك، ونصوص الأئمة أيضا مع صريح العقل). ا ه‍ ويكفي في رد ذلك عرضه للقارئ (30).

(هامش)

(28) بل صرح بذلك - أي بصفة السكوت - ابن تيمية إمامه، أنظر الموافقة على هامش منهاجه (2 / 38). (29) أنظر شرح الطحاوية (ص 169) وأعلم أن أئمة الحديث والسنة براء من هذا كالذي قبله، وهو رميهم وتهمتهم بأنهم يقولون بحوادث لا أول لها. (30) علما بأن هذا النص منقول من منهاج السنة (1 / 224) فشرح العقيدة الطحاوية هي تلخيص ل‍ (منهاج السنة) ول‍ (موافقة مريح المعقول) للشيخ الحراني!! ولذلك يركزون عليها ويحرصون على نشرها!! (*)

ص 59

واستدل لهذه العقيدة الفاسدة بحديث موضوع فقال صحيفة (170): (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع نور، فرفعوا أبصارهم، فإذا الرب جل جلاله قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة، وهو قول الله تعالى: *(سلام قولا من رب رحيم)* فلا يلتفتون إلى شيء مما هم فيه من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، وتبقى بركته ونوره) رواه ابن ماجة) ا ه‍. قلت: في إسناده أبو عاصم العباداني واسمه عبد الله بن عبيد الله، قال عنه الذهبي في الميزان 2 / 458 / 4437: (واه). وهو واعظ زاهد إلا أنه قدري ا ه‍. وقال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (3 / 314): (وأورد له العقيلي عن روايته عن الفضل الرقاشي عن ابن المنكدر عن جابر: (بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع نور) الحديث، وقال لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به) ا ه‍، وانظر الضعفاء الكبير للعقيلي (2 / 274)، وأما الفضل الرقاشي الذي يروي عنه أبو عاصم فهو منكر الحديث كما قال الحافظ في التقريب: (برقم 5413)، وفي الكامل في الضعفاء لابن عدي (6 / 2039): (قال البخاري عن ابن عيينه ليس أهلا أن يروى عنه) ا ه‍، ولذلك أورد هذا الحديث ابن الجوزي في الموضوعات وقال: (الفضل رجل سوء) ا ه‍، فانظر كيف استدل ابن أبي العز على عقيدته بهذا الحديث والله تعالى المستعان، ولم أذكر جميع بلياته في هذا الباب وإنما أشرت إلى بعضها وإن سنح الوقت مستقبلا سأذكرها جميعا وأرد عليها إن شاء سبحانه، وفيما ذكرنا الآن كفاية.

ص 60

3 - قال ابن أبي العز مثبتا الحد لذات الله سبحانه وتعالى عن هذا الهذيان صحيفة (219) ما نصه: (فالحد بهذا المعنى لا يجوز أن يكون فيه منازعة في الأمر أصلا، فإنه ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ونفي حقيقته (31) ا ه‍. فإنه بهذه العبارة أثبت الحد لذات الله تعالى، فقال بما قال أهل الزيغ من قبل: (من نفى الحد عن الله تعالى أخبر بعدم الرب سبحانه)، وهؤلاء الأصل عندهم الجسمية، فلما تخيلوا أن المولى سبحانه عما يتخيلون جسما أجروا عليه أحكام الأجسام، فالجسم متى لم يكن له حد كان عدما وكذلك تخيلوا الباري سبحانه. وقولهم لأهل السنة: (إنكم إذا نفيتم الحد ساويتم ربكم بالشيء المعدوم)، تكفل برده الحافظ ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان (5 / 114) حيث بين أن قول المجسمة هذا قول نازل ساقط لا عبرة به فقال: (وقوله (قال له النافي ساويت ربك بالشيء المعدوم إذ المعدوم لا حد له) نازل، فإنا لا نسلم أن القول بعدم الحد يفضي إلى مساواته بالمعدوم بعد تحقق وجوده) ا ه‍. وقدمنا في أول هذه الرسالة تكفير الأمة للمجسمة ولابن كرام في قوله

(هامش)

(31) علما بأن الطحاوي في المتن يقول: (وتعالى عن الحدود والغايات) والألباني يحاول أن يشكك في كلام الطحاوي هذا في تعليقاته على الطحاوية ص (29) نقلا عن ابن مانع فيقول بأنه لا يستبعد أن يكون هذا مدسوسا على الطحاوي. وهذا تشكيك فارغ باطل لا التفات إليه، وإذا كان هذا حقا فمتن الطحاوية وشرحه لا يستبعد أيضا أن يكون بجملته مدسوسا من أعداء الإسلام.. الخ. (*)

ص 61

بالحد، وقال الإمام أبو منصور البغدادي في كتابه الفرق 332: (إن أهل السنة اتفقوا على نفي النهاية والحد عن صانع العالم خلافا للهشامية والكرامية المجسمة) ا ه‍. وكلام ابن أبي العز قبل العبارة التي نقلناها وبعدها كله تمويه على الناس لترويج بضاعته وإقناع المغفلين بها، فهو تارة يكذب على الإمام عبد الله بن المبارك: فينقل عنه زورا أنه قال بالحد، ولو قال به فهو مردود عليه (32)، لأن الكفر كفر كائنا من كان الناطق به والزيغ زيغ كائنا ما كان مصدره، وليس في الإسلام دين يختلف باختلاف الأشخاص فالإيمان إيمان مطلقا والكفر كفر مطلقا، فما جاء في الكتاب والسنة ثبوته مجملا أو مفصلا أثبتناه وما نفاه الكتاب أو السنة مجملا أو مفصلا نفيناه، والمعصوم هو السنة والإجماع كما هو مقرر عند أهل السنة، وتارة ينفي ابن أبي العز الحد، محتجا بأن للحد معاني كثيرة، كقوله (ص 219): (وأما الحد بمعنى العلم والقول، وهو أن يحده العباد، فهذا منتف بلا منازعة بين أهل السنة) ا ه‍. فانظر إلى هذا الروغان ما أشنعه وأقبحه، فلم هذا التخبط وهذه الفلسفة التي لا معنى لها؟! لا شك أن ذلك كله لقلب الحقائق، ولترويج عقيدة الزيغ وإقناع الناس بها، وأهل السنة والجماعة عندما أجمعوا على نفي الحد عن الباري سبحانه وأكفروا من قال به لم يقل أحد منهم من أثبت الحد بمعنى كذا جاز، ومن أثبته بمعنى كذا لم يجز، وإنما قالوا: (وأما جسمية

(هامش)

(32) أو هو مؤول كما ذكره البيهقي في الأسماء والصفات ص 427 بتحقيق الإمام المحدث الكوثري ا ه‍. وقد بينت ذلك بوضوح في رسالتي (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد). (*)

ص 62

خراسان من الكرامية فتكفيرهم واجب، لقولهم بأن الله تعالى له حد ونهاية..) الخ كما قدمناه أول هذه الرسالة فأنظره.

التأويل من منهج السلف



الهامش


فرع التأويل من منهج السلف
ص 46

فرع التأويل من منهج السلف يشيع المجسمة والمشبهة أن مذهب السلف عدم التأويل وإمرار النصوص واعتقاد حقيقة ظواهرها، وأن مذهب الخلف وعلى رأسهم الأشاعرة هو تأويل الصفات والتعطيل. وهذه إشاعة لا أصل لها من الصحة البتة، وقد انغر بها كثير من الناس، بل كثير من أهل العلم فظنوا صحتها، والصواب أن السلف بما فيهم الصحابة والتابعون كانوا يؤولون كثيرا من الألفاظ التي لا يراد منها إثبات صفات لله تعالى، وتفسير الإمام الحافظ ابن جرير السلفي (توفي 310 ه‍) أكبر برهان على ذلك فقد أورد الحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره وروى بأسانيده عن سيدنا ابن عباس تأويل (الساق) الواردة في قول الله تعالى: *(يوم يكشف عن ساق)* القلم: 42، بالشدة، لأن العرب تقول كشفت الحرب عن ساقها أي اشتدت. كما نقل الحافظ ابن جرير تأويل النسيان بالترك، انظر تفسير الطبري (مجلد 5 / جزء 8 ص 201 - 202) ونقل تأويل قوله تعالى: *(والسماء بنيناها بأيد)* الذاريات: 47، أي بنيناها بقوة انظر (27 / 7) من تفسيره (18).

(هامش)

(18) (الأيد): في اللغة جمع يد وهي الكف، وليس كما يشيع بعضهم باطلا بتلبيس = (*)

ص 47

وهذه التأويلات منقولة عن سيدنا ابن عباس وعن مجاهد وقتادة والحسن ومنصور وابن زيد وغيرهم من أعلام السلف الصالح رضي الله عنهم، وكلها تشهد بكذب من قال إن السلف لم يؤول أحد منهم ولم يكن التأويل من منهجهم وإنما هو عند الخلف والأشاعرة المعطلة الجهميين، كبرت كلمة تخرج من أفواههم يطمسون بها الحق والحقائق، وينصرون بها آرائهم الخاطئة المغلوطة. والتأويل أيضا ثابت عن الإمام أحمد ثبوت الشمس في رابعة النهار وهو من أعلام السلف وأئمة المحدثين، وإليه تظهر المجسمة الانتساب وهو مؤول وقد بينا ذلك في مقدمتنا لكتاب الحافظ ابن الجوزي (دفع شبه التشبيه). أول الإمام أحمد قوله تعالى: *(وجاء ربك)* الفجر: 22، أنه جاء ثوابه، كما ثبت عنه بإسناد صحيح، انظر البداية والنهاية لابن كثير (10 / 327). وهناك تأويلات أخرى كثيرة وردت عن الإمام أحمد لا أريد الإطالة بذكرها، ذكرت بعضها في كتابي (الأدلة المقومة لاعوجاجات المجسمة) فلتراجع وكل ذلك يثبت بطلان وتهافت قول من قال: إن الأشاعرة والخلف معطلة لأنهم أولوا، والسلف لم يؤولوا بل أثبتوا لله تعالى ما أثبت لنفسه.

(هامش)

= غريب أن (الأيد) في اللغة لا تطلق إلا على القوة، ليصلوا إلى أن ابن عباس لم يؤول في هذه الآية، فهؤلاء تكذبهم قواميس اللغة، ففي القاموس المحيط للمجدد الفيروزآبادي في مادة (يدي) يقول: اليد: الكف، أو من أطراف الأصابع إلى الكتف، جمعها: أيد ويدي. ا ه‍. فتأمل. ويكذبهم قبل ذلك القرآن الكريم فإن الله سبحانه يقول في كتابه: *(أم لهم أيد يبطشون بها)* الأعراف: 195. (*)

ص 48

فرح كشف حقيقة قول من قال لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه، ونثبت لله ما أثبت لنفسه إن ابن تيمية إمام هذه الطائفة، يقول بهذا الكلام ويدعو إلى توحيد الأسماء والصفات ثم نراه يثبت لله ما لم يثبته الله لنفسه ويصف الله بما لا يليق به سبحانه، ويسير معه تلامذته وأتباعه على ذلك. نرى ابن تيمية يثبت لله الحركة والجلوس والاستقرار على ظهر بعوضة والحد و....، ويثبت لله سبحانه صفات بأحاديث موضوعة أو إسرائيليات من ذلك أنه أثبت أن الله سبحانه يتكلم بصوت يشبه صوت الرعد (19) بل يقول بجواز إطلاق أن الله جسم (20)، بل يقول بأن التجسيم والتشبيه غير مذمومين، لا في الكتاب ولا في السنة، ولا عند السلف الصالح كما تقدم، وهو غير صادق في ذلك، فيقول في كتابه (بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية) (1 / 109) ما نصه:

(هامش)

(19) أنظر كتابه موافقة صريح المعقول المطبوع على هامش منهاج السنة (2 / 151). (20) منهاج السنة (1 / 180) والتأسيس (1 / 101). (*)

ص 49

(فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين). ا ه‍. ويقول في كتابه التأسيس (1 / 101) ما نصه: (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم). ا ه‍. ويقول في كتابه التأسيس أيضا (1 / 568): (ولو قد شاء - الله - لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم). ا ه‍. ويثبت ابن تيمية في التأسيس والموافقة (2 / 29): الحد لله تعالى والحد لمكان الله تعالى، علما بأن لفظة (حد) لم ترد في الكتاب ولا في السنة، فأين قوله: لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه؟! بل يقول هناك في الموافقة (2 / 29) بكفر من لا يقول بالحد لله تعالى وهو بنظره جاحد بآيات الله كافر بالتنزيل فيقول ما نصه: (فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد، ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله). ا ه‍. فالمسلمين جميعا الذين لا يعتقدون بعقيدته هذه التي لم ترد بالكتاب والسنة كفار بنظره، حتى تلميذه الحافظ الذهبي الذي يقول في كتابه (ميزان الاعتدال) (3 / 507) إن الاشتغال بمسألة الحد اشتغال بفضول الكلام والذي يقول في (سير أعلام النبلاء) (16 / 27): (وتعالى الله أن يحد أو يوصف إلا بما وصف به نفسه...)، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي نفى الحد

ص 50

عن الله تعالى في (لسان الميزان) (5 / 114) يكون كافرا على قاعدة ابن تيمية هذه!! ومعاذ الله، والمسلمون قبل ابن تيمية بقرون اتفقوا على تنزيه الله تعالى عن الحد ونقل ذلك الاتفاق جماعة من الأئمة والعلماء، قال الإمام الأستاذ أبو منصور البغدادي الذي يعول على كلامه الحافظ ابن حجر وأمثاله من العلماء في كتابه (الفرق بين الفرق) (ص 332 بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد) ما نصه: (وقالوا - أي أهل السنة مجمعين - بنفي النهاية والحد عن صانع العالم..) ا ه‍. فمما قدمته ووضحته ودللت عليه يتضح ما هو توحيد الأسماء والصفات عند من يدعو إليه، وأن ذلك مجرد الدعوة إلى تجسيم الله تعالى وتشبيهه بخلقه ووصفه بما لم يصف به نفسه، أو إطلاق بعض الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة والتي لم يقصد منها أنها صفات على الله وحملها على أنها صفات حقيقية لله تعالى، وإشاعة أن التأويل بدعة مذمومة وأن الأشاعرة وغيرهم فرق ضالة لأنهم عطلوا صفات الله تعالى بزعمهم، وكل ذلك باطل لا أصل له. وتتميما للبحث لا بد من أن نتكلم عن أصل أكبر فرقة قديمة من فرق المجسمة هي الكرامية وبيان بعض آرائها في الصفات التي توافق ما يدعو إليه ابن تيمية وأتباعه، وخصوصا أن ابن تيمية يثني عليها في منهاج السنة (1 / 181) ويعتبرها من أكابر نظار المسلمين (21)، ثم نعرض نماذج من كتاب (شرح

(هامش)

(21) لا يقال عن شخص من نظار المسلمين إلا إذا كان صحيح العقيدة مستقيما غير مطعون فيه، فإذا كان كذلك وكان مبرزا في التأليف والتصنيف قوي الحجة شجى في حلوق أعداء الإسلام والفرق الإسلامية الضالة فيقال عنه حينئذ إنه = (*)

ص 51

= من نظار المسلمين، وأجلب لك على هذا مثال واضح محسوس: ذكر الحافظ الذهبي في ترجمة أبو محمد بن كلاب في (سير أعلام النبلاء) (11 / 175) ما نصه: (وقال بعض من لا يعلم: إنه ابتدع ما ابتدعه ليدس دين النصارى في ملتنا وإنه أرضى أخته بذلك، وهذا باطل، والرجل أقرب المتكلمين إلى السنة، بل هو في مناظريهم) ا ه‍. وقال المعلق على كلام الذهبي هذا في (سير أعلام النبلاء) (11 / 175): (كان إمام أهل السنة في عصره، وإليه مرجعها، وقد وصفه إمام الحرمين ت 478 ه‍ في كتابه (الإرشاد) ص (119): بأنه من أصحابنا. وقال السبكي في (طبقاته): أحد أئمة المتكلمين. وابن تيمية يمدحه في غير ما موضع في كتابه (منهاج السنة) وفي مجموعة رسائله ومسائله، ويعده من حذاق المثبتة وأئمتهم، ويرى أنه شارك الإمام أحمد وغيره من أئمة السلف في الرد على مقالات الجهمية، وحين تكلم أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين) 1 / 189، 299 عن أصحابه، ذكر أنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن أهل السنة) ا ه‍ كلام المعلق. قلت: بل ذكر الحافظ أن الإمام البخاري كان على مذهبه في علم الكلام حيث قال في الفتح (1 / 423): (مع أن البخاري في جميع ما يورده من تفسير الغريب إنما ينقله عن أهل ذلك الفن كأبي عبيد والنضر بن شميل والفراء وغيرهم، وأما المباحث الفقهية فغالبها مستمدة له من الشافعي وأبي عبيد وأمثالهما، وأما المسائل الكلامية فأكثرها من الكرابيسي وابن كلاب ونحوهما) ا ه‍. ولنعد إلى ما بدأنا به ولنتذكر أن النظار أو نظار المسلمين هم أكابر العلماء المتخصصين في الرد على المبتدعة، وهم: أهل التأمل وتقليب البصر والبصيرة وأهل التفحص في مسائل العلم، وابن تيمية الحراني يعطي هذا اللقب للكرامية الجهلاء الذين أجمعت الأمة على كفرهم كما نص على ذلك الإمام البغدادي في كتابه (الفرق) (ص 215 بتحقيق محمد محي الدين) فيقول ابن تيمية في (منهاج سنته) (1 / 181). = (*)

ص 52

العقيدة الطحاوية) لابن أبي العز المنسوب للحنفية خطأ والحنفية منه براء، لأن ذلك الكتاب كتاب خطير يحوي على كثير من العقائد الفاسدة التي سأذكر بعضها إن شاء الله تعالى، والذي ينبغي أن يحذره المدرسون وطلاب العلم ويعلموا بأن ابن أبي العز شارحها يرد على صاحب العقيدة الطحاوية الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى، فأقول: إمام الكرامية الذين يثني عليهم ابن تيمية هو محمد بن كرام السجزي المجسم صاحب العقائد الوثنية المشهورة في كتب الفرق، وإليك نبذة عن هذا الإمام المقتفى!! لتكون على بينة منه ومن ضلالات عقائده: قال الإمام عبد القاهر البغدادي في أصول الدين ص (337): (وأما جسمية خراسان من الكرامية فتكفيرهم واجب لقولهم: بأن الله تعالى له حد ونهاية من جهة السفل ومنها يماس عرشه، ولقولهم: بأن الله تعالى محل للحوادث). ا ه‍. وقال الإمام البغدادي أيضا في الفرق بين الفرق (22):

في إبطال القسم الثالث من التقسيم المزعوم وهو توحيد الأسماء والصفات




الهامش


فصل في إبطال القسم الثالث من التقسيم المزعوم وهو توحيد الأسماء والصفات

أعلم يرحمك الله تعالى أن أهل السنة والجماعة بما فيهم الأشاعرة والماتريدية يثبتون لله من الصفات ما أثبت لنفسه، وما يشوشه المجسمة عليهم من أنهم معطلة وجهمية تشويش فارغ لا قيمة له بعد التمحيص العلمي والتدقيق (16). فأهل السنة يثبتون لله العلم والقدرة والإرادة والمشيئة والرحمة والحياة والسمع والبصر والكلام وغير ذلك من الصفات، وينزهون الله سبحانه عما لا يليق به، ولا يطلقون بعض الألفاظ والإضافات الواردة في الكتاب والسنة والتي لا يراد منها حقيقتها صفات لله تعالى، لأن نفس القواعد التي أسستها آيات القرآن المحكمة وأحاديث النبي ص ترفض ذلك، فمثلا لا يثبتون صفة النسيان مع أن لفظ النسيان ورد مضافا لله تعالى في القرآن، قال تعالى:

(هامش)

(16) والمؤمن لا ينغر بالشعارات ولا بالإشاعات، وإنما يتثبت من كل أمر يسمعه ويمحص ويبحث بنفسه، وأسأل الله أن لا ينطبق فينا نحن الأمة الإسلامية قول أحد أعدائنا فينا: هذه أمة تسمع ولا تقرأ! (*)

ص 44

*(نسوا الله فنسيهم)* التوبة: 67، فلم يصفوا الله بذلك - أعني النسيان - لأن الله تعالى يقول أيضا: *(وما كان ربك نسيا)* مريم: 64، وكذلك لفظ الهرولة والضحك والمرض والجوع وردت في أحاديث لا يجوز لأي عاقل أن يطلقها صفات على الله سبحانه، فالحديث الصحيح الذي فيه: (ومن أتاني ماشيا أتيته هرولة) لا نثبت به صفة الهرولة لله سبحانه التي معناها الحقيقي في اللغة المشي السريع، بل يعرف جميع العقلاء ويدركون بأن المراد بذلك هو المعنى المجازي في اللغة وهو: (من أطاعني وتقرب إلى تقربت إليه بإكرامه والإنعام عليه أكثر وأسرع). وكذلك ما جاء في الحديث القدسي الصحيح: (عبدي مرضت فلم تعدني..) الحديث رواه مسلم (4 / 1990 برقم 2569)، لا نقول أن الله أثبت لنفسه مرضا وأضافه إليه فنحن نثبت له صفة المرض، بل لا يقول بهذا عاقل، وقد أرشد الحديث أن الصفة هي للعبد، وإنما صرفنا تلك الصفة من أن نعدها من صفات الله، قواعد التنزيه المأخوذة من الكتاب والسنة الناصة على أنه سبحانه *(ليس كمثله شيء)*. والضحك كذلك لا يليق أن يطلق حقيقة على الله وإنما يطلق على سبيل المجاز، وتأويله عند أهل العلم الرضا أو الرحمة، فإذا ورد في حديث أن الله يضحك إلى فلان فالمراد به أنه يرضى عنه ويرحمه وهكذا، فهناك قواعد وأصول لا بد أن نرجع إليها ضبطها أهل العلم من الأئمة الراسخين الربانيين وقد عرضناها وبيناها في التعليق على (دفع شبه التشبيه). روى الإمام البيهقي في كتاب (الأسماء والصفات) (ص 298) (17) أن الإمام

(هامش)

(17) بتحقيق الإمام المحدث الكوثري عليه الرحمة والرضوان، طبعة دار إحياء = (*)

ص 45

البخاري رحمه الله تعالى أول الضحك بالرحمة، وهذا هو نهج السلف والمحدثين والبخاري بلا شك من أئمة المحدثين ومن أهل القرون الثلاث، قرون السلف المشهود لها بالخيرية.

(هامش)

= التراث. (تنبيه): لقد طبع كتاب (الأسماء والصفات) للحافظ البيهقي الذي قدم له وعلق عليه الإمام المحدث الكوثري رحمه الله تعالى طبعتين جديدتين، إحداهما: قد حذف منها كتاب (فرقان القرآن) للشيخ العزامي رحمه الله تعالى كما حذف منها مقدمة العلامة الكوثري، والثانية: طبعة بصف جديد لم يكتب عليها أن التعليقات التي عليها هي للعلامة الكوثري، ثم رأيت طبعة ثالثة: بصف وتنضيد جديد أيضا حذفت منها تعليقات المحدث الكوثري، ثم رأيت من يحيك هذا التلاعب من تجار الكتب قد طبعوا كتابا آخر سموه (الأسماء والصفات) بشكل وبحجم كتاب (الأسماء والصفات) للحافظ البيهقي، ولكنه باسم ابن تيمية الحراني، ليضللوا القارئ المبتدئ عن كتاب الحافظ البيهقي بشكل عام!! ويبعدوه عن تعليقات ومقدمه العلامة المحدث محمد زاهد الكوثري بشكل خاص!! فلتكونوا جميعا على علم تام بهذا التلاعب المشين!! وهذه المؤامرات الخبيثة. ثم أعلموا أنه ليس لابن تيمية كتاب يسمى (الأسماء والصفات) كما أنه ليس له كتاب يسمى (دقائق التفسير) (6 مجلدات نفخ طباعي) كما بينا ذلك في تعليقنا على (دفع شبه التشبيه) (ص 51) وإنما ذهب المفتونون بالشيخ الحراني وعشاقه والمروجون لأقواله الخاطئة إلى - فتاواه - المباركة!! فاستخرجوا منها الكلام على مسائل الصفات!! فجمعوها وطبعوها باسم جديد!! خداعا!! وتمويها!! وليكثروا مصنفات الشيخ الحراني في أعين المغفلين من السذج أو القراء البسطاء!! فالله تعالى حسيبهم!! (*)

في إبطال تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية


الهامش


في إبطال تقسيم التوحيد إلى ربوبية وألوهية

أعلم أن العبادة شرعا هي غاية الخضوع والتذلل لمن يعتقد الخاضع فيه أوصاف الربوبية، وأما في اللغة فالعبادة هي الطاعة، والعبودية هي الخضوع والذل، فالعبادة شرعا غير العبادة لغة، فلا يقال لمن خضع وذل لإنسان إنه عبده شرعا وهذا شيء لا يختلف فيه اثنان، فمن تذلل عند قبر نبي أو ولي وتوسل به لا يقال إنه عبده من دون الله تعالى، لأن مجرد النداء والاستغاثة والخوف والرجاء لا يسمى عبادة شرعا ولو سمي عبادة لغة ودليل ذلك أمور منها: الصلاة، فالصلاة في اللغة هي التضرع والدعاء، وأما شرعا واصطلاحا فهي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، فليس كل دعاء صلاة، ولا يقال لمن دعا فلانا بمعنى أنه طلب من فلان شيئا أنه صلى له فكذلك العبادة. وأما الدعاء فليس جميعه عبادة إلا إذا دعونا من نعتقد فيه صفات الربوبية أو صفة واحدة منها، فقول النبي ص: (الدعاء هو العبادة) كما رواه الحاكم وغيره بأسانيد صحيحة (15) ليس معناه أن كل دعاء عبادة، كما سيتضح بعد قليل إن شاء الله تعالى، وإنما يكون الدعاء عبادة إذا كان لله أو لمن يعتقد الداعي إن للمدعو صفة من صفات الربوبية، وقال بعض العلماء كما نقل المناوي في الفيض (3 / 540): (إن معنى حديث (الدعاء هو العبادة) أي أن الدعاء هو من أعظم العبادة، فهو كخبر (الحج عرفة) أي ركنه الأكبر، فالدعاء له عدة معان منها النداء، والنداء ليس عبادة وهذا المعنى موجود بكثرة في كلام العرب وفي القرآن الكريم فمن شواهده في كلام العرب قول الشاعر وهو: دثار بن شيبان النمري: فقلت ادعي وأدعو إن * أندى لصوت أن ينادي داعيان وهذا البيت من شواهد النحاة على نصب المضارع بعد الواو بعد الأمر، كما صرح به الأشموني وغيره عند قول صاحب الألفية: والواو كألفا إن تفد مفهوم مع كلا تكن جلدا وتظهر الجزع ومعنى قوله ادعي نادي فهو خطاب لأنثى وهي حليلة لدثار ومعنى أدعو أنادي أنا، ومعنى إن أندى أي أن أبعد وأرفع للصوت أن ينادي داعيان أي

(هامش)

(15) رواه الإمام أحمد (4 / 271) وابن أبي شيبة (7 / 23 الفكر) وأبو داود (2 / 77 برقم 1479) والترمذي (5 / 375 برقم 3247) وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى (6 / 450) وابن ماجة (2 / 1258) وأبو نعيم في الحلية (8 / 120) والطبراني في (معجمه الصغير (2 / 208 الروض الداني) والطبري في تفسيره (مجلد 12 / جزء 24 / ص 78) وابن حبان في صحيحه (2 / 124 دار الفكر) والحاكم في (المستدرك) (1 / 491) وصححه وأقره الذهبي وهو كما قالا. (*)

ص 32

مناديان فظهر من هذا البيت أن الدعاء عند العرب يأتي بمعنى النداء. وأما في القرآن فمنه قوله تعالى: *(لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا)* النور: 63، أي لا تجعلوا نداءه بينكم كما ينادي بعضكم بعضا، باسمه الذي سماه به أبوه، فلا تقولوا يا محمد ولكن قولوا يا نبي الله، ويا رسول الله، مع التوقير والتعظيم والصوت المخفوض لقوله تعالى: *(ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)* الحجرات: 2. ويأتي الدعاء بمعنى العبادة وهو موجود في كلام العرب وفي القرآن الذي نزل بلغتهم الفصيحة، ومنه قوله تعالى: *(والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير)* فاطر: 13، أي والذين تعبدون من دونه، وكقوله تعالى أيضا: *(ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك)* يونس: 106، أي ولا تعبد من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك. وللدعاء معنى آخر أيضا وهو الاستعانة نحو قوله تعالى: *(وادعوا شهداءكم)* البقرة: 23، ومن معانيه أيضا السؤال كقوله تعالى: *(أدعوني أستجب لكم)* غافر: 60، ومن معانيه أيضا الثناء كقوله تعالى: *(ادعوا الله أو ادعوا الرحمن)* الإسراء: 110، ومن معانيه أيضا التسمية كقوله تعالى: *(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)* الأعراف: 180، أي سموه بها، إلى غير ذلك من المعاني. فاتضح أن مجرد النداء أو الاستغاثة أو الاستعانة أو الخوف أو الرجاء أو التوسل أو التذلل لا يسمى عبادة، فقد يتذلل الولد لأبيه والجندي لقائده ويخافه ويرجو منه أشياء فلا يسمى ذلك عبادة له باتفاق العقلاء، وليس مجرد

ص 33

النداء عبادة، ولو كان هذا النداء لأموات، ففي الصحيحين: (أن النبي ص قال لأهل البئر واسمها القليب، التي ألقي فيها جماعة من الكفار في بدر: (هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا فإني قد وجدت ما وعدني الله حقا)، خاطب النبي كفار قليب بدر، قال عمر: يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها، قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا على شيئا) رواه البخاري (7 / 301 فتح) ومسلم (4 / 2203). وليس التوسل عبادة للمتوسل به إلى الله، فقد علم رسول الله ص الأعمى أن يقول: (اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى..) الحديث وهو صحيح مشهور بين أهل العلم، رواه الترمذي (5 / 569) والبيهقي في (دلائل النبوة) (6 / 166 - 168) والحاكم (1 / 313) وصححه على شرطهما وأقره الذهبي وغيرهم بأسانيد صحيحة. كما أن الاستغاثة أيضا بمخلوق ليست عبادة له كما ثبت في الصحيحين (أن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد ص فيشفع ليقضى بين الخلق) انظر فتح الباري (3 / 338)، فما زعمه الجهلة أن كل نداء للميت عبادة له فهو من التخبط في الجهل القبيح. وملخص ما مر أن العبادة في اللغة هي مطلق الطاعة والخضوع لأي أحد كان بخلاف العبادة في اصطلاح الشرع فهي غاية التذلل والخضوع لمن يعتقد الخاضع له بعض صفات الربوبية، فإذا فهمت ذلك علمت يقينا أن من أطاع أحدا وخضع له لا لاعتقاده أن له بعض صفات الربوبية لا يسمى

ص 34

عابدا له شرعا وإن كان الخضوع والتذلل لغير الله تعالى قد يحرم في بعض صوره كما إذا كان لغني لأجل غناه، لكنه لا يسمى عبادة شرعا، ولا يكون صاحبه مشركا، كما أفاد ذلك العلامة محمد حبيب الله الشنقيطي في زاد المسلم. ويوضح ذلك أيضا أن نقول: إن العبادة شرعا معناها الإتيان بأقصى الخضوع قلبا وقالبا، فهي إذن نوعان قلبية وقالبية، (فالقلبية): هي اعتقاد الربوبية أو خصيصة من خصائصها كالاستقلال بالنفع أو الضر ونفوذ المشيئة لمن اعتقد فيه ذلك، (والقالبية): هي الإتيان بأنواع الخضوع الظاهرية من قيام وركوع وسجود وغيرها مع ذلك الاعتقاد القلبي، فإن أتى بواحد منها بدون ذلك الاعتقاد لم يكن ذلك الخضوع عبادة شرعا ولو كان سجودا، وإنما قال العلماء بكفر من سجد للصنم لأنه أمارة وعلامة على ذلك الاعتقاد، لا لأنه كفر من حيث ذاته، إذ لو كان كفرا لذاته - السجود - لما حل في شريعة قط، وقد حل كما هو معلوم في آيات كثيرة، فكيف حل وهو كفر، والله لا يأمر بالفحشاء، قال تعالى: *(إن الله لا يأمر بالفحشاء)* الأعراف: 27. فقد كان كما هو معلوم السجود لغير الله عز وجل على وجه التحية والتكريم مشروعا في الشرائع السابقة وإنما حرم في هذه الشريعة، فمن فعله لأحد تحية وإعظاما من غير أن يعتقد فيه ربوبية كان آثما بذلك السجود، ولا يكون به كافرا إلا إذا قارنه اعتقاد الربوبية للمسجود له، ويرشدك إلى ذلك قوله عز وجل في سيدنا يعقوب نبي الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وامرأته وبنيه حين دخلوا على سيدنا يوسف *(وخروا له سجدا)* يوسف: 100، قال ابن كثير في تفسيرها:

ص 35

(أي سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلا، وقد كان هذا سائغا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، لم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام، فحرم هذا في هذه الملة) ا ه‍ المقصود منه. ويوضح ذلك أيضا أمره عز وجل الملائكة بالسجود لآدم، فكان سجودهم له عليه الصلاة والسلام عبادة للآمر عز وجل، وإكراما لآدم عليه الصلاة والسلام. ومن هنا نعلم أن تعظيم الكعبة بالطواف حولها وتعظيم الحجر الأسود باستلامه وتقبيله والسجود عليه ليس عبادة شرعا للبيت ولا للحجر، وإنما هو عبادة للآمر بذلك سبحانه وتعالى، الذي اعتقد الطائف بالبيت ربوبيته سبحانه، فليس كل تعظيم لشيء عبادة له شرعا، حتى يكون شركا، بل منه ما يكون واجبا أو مندوبا إذا كان مأمورا به أو مرغبا فيه، ومنه ما يكون مكروها أو محرما، ومنه ما يكون مباحا، ولا يكون التعظيم لشيء شركا حتى يقترن معه اعتقاد ربوبية ذلك الشيء، أو خصيصة من خصائصها، فكل من عظم شيئا فلا يعتبر في الشرع عابدا له إلا إذا اعتقد فيه ذلك الاعتقاد، وقد استقر في عقول بني آدم ما داموا على سلامة الفطرة أن من ثبتت له الربوبية فهو للعبادة مستحق، ومن انتفت عنه الربوبية فهو غير مستحق للعبادة، فثبوت الربوبية واستحقاق العبادة متلازمان فيما شرع الله في شرائعه وفيما وضع في عقول الناس، وعلى أساس اعتقاد الشركة في الربوبية بنى المشركون استحقاق العبادة لمن اعتقدوهم أربابا من دون الله تعالى، ومتى انهدم هذا الأساس من نفوسهم تبعه ما بني عليه من استحقاق غير الله للعبادة، ولا

ص 36

يسلم المشرك بانفراد الله تعالى باستحقاق العبادة حتى يسلم بانفراده عز وجل بالربوبية، وما دام في نفسه اعتقاد الربوبية لغيره عز وجل استتبع ذلك الاعتقاد في هذا الغير الاستحقاق للعبادة ولذلك كان من الواضح عند أولي الألباب أن توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية شيء واحد ولا فرق بينهما وهما متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر في الوجود وفي الاعتقاد، وتقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وربوبية باطل، كما سيتبين الآن إن شاء الله تعالى، فمن اعترف أنه لا رب إلا الله كان معترفا بأنه لا يستحق العبادة غيره، ومن أقر بأنه لا يستحق العبادة غيره كان مذعنا بأنه لا رب سواه، وهذا هو معنى لا إله إلا الله في قلوب جميع المسلمين، ولذلك نرى القرآن في كثير من المواضع يكتفي بأحدهما عن الآخر، ويرتب اللوازم المستحيلة على انتفاء أي واحد منهما ليستدل بانتفائها على ثبوته فانظر إلى قوله تعالى: *(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)* الأنبياء: 22، وقوله تعالى: *(وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)* المؤمنون: 91، حيث عبر بالإله ولم يعبر بالرب. وكذلك في الميثاق الأول، قال سبحانه: *(ألست بربكم)* الأعراف: 172، ولم يقل بإلهكم، واستفاض عن رسول الله ص: أن الملكين يقولان للميت في قبره: (من ربك؟) ويكتفيان بالسؤال عن توحيد الربوبية، ويكون جوابه بقوله: (الله ربي)، كافيا، ولا يقولان له إنما عرفت توحيد الربوبية واعترفت به فقط، ولم تعترف بتوحيد الألوهية، ولا يقولان له ليس توحيد الربوبية كافيا في الإيمان. وهذا خليل الله سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول لذلك الجبار:

ص 37

*(ربي الذي يحيي ويميت)* البقرة: 258، فيجادله بأنه كذلك يحيي ويميت، إلى أن حاجه خليل الله بما يكذب دعوى ربوبيته فتندحض دعوى استحقاقه للعبادة. ويثبت أنه لا فرق بين توحيد الألوهية والربوبية أيضا أن الله تعالى حكى عن فرعون أنه قال مرة: *(ما علمت لكم من إله غيري)* القصص: 38، ومرة أخرى: *(أنا ربكم الأعلى)* النازعات: 24، فاتضح أن الإله هو الرب، والرب هو الإله ولا فرق. وبالجملة فقد أومأ القرآن الكريم والسنة المستفيضة إلى تلازم توحيد الربوبية والألوهية وأن ذلك مما قرره رب العالمين، واكتفى سبحانه من عبده بأحدهما عن صاحبه، لوجود هذا التلازم، وكذلك اكتفى به الملائكة المقربون عند السؤال، وفهم الناس هذا التلازم حتى الفراعنة الكافرون بداهة، ولم يقل أحد من السلف ولا من الصحابة ولا من التابعين بالفرق، وأن هناك توحيد ألوهية يغاير توحيد الربوبية، ولم ينقل ذلك التفريق عن واحد منهم فضلا عن نقله من الكتاب أو السنة، حتى ابتدع وتكلم بذلك بعض أهل القرن الثامن الهجري، ولا عبرة بذلك قطعا، فما هذا الهذيان بهذا التقسيم الذي يفتريه أولئك المبتدعة الخراصون، فيرمون المسلمين بأنهم قائلون بتوحيد الربوبية دون توحيد العبادة - أي الألوهية - وأنه لا يكفي المسلمين توحيد الربوبية في إخراجهم من الكفر وإدخالهم في الإسلام. وينبغي لفت النظر أيضا إلى قوله تعالى: *(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا..)* فصلت: 30، وهي في موضعين من كتاب الله تعالى، ولم يقل إلهنا بل قال - ربنا الله -، وقول رسول الله ص لمن سأله عن وصية جامعة: (قل

ص 38

ربي الله ثم استقم)، ولم يقل له: قل إلهي الله ثم استقم، فاكتفى بتوحيد الربوبية في النجاة والفوز لاستلزامه وعدم تغايره لتوحيد الألوهية، وهذا بشهادة الله ورسوله كما ترى، فمن رافقه التوفيق وفارقه الخذلان ونظر في المسألة نظر الباحث المنصف علم يقينا علما لا تخالطه ريبة أن مسمى العبادة شرعا لا يدخل فيه شيء مما عداه، كالتوسل والاستغاثة وغيرهما، بل لا يشتبه بالعبادة أصلا، فإن كل ما يدل على التعظيم لا يكون من العبادة إلا إذا اقترن به اعتقاد الربوبية لذلك المعظم أو صفة من صفاتها الخاصة بها. ألا ترى الجندي يقوم بين يدي رئيسه ساعة وساعات احتراما له وتأدبا معه، فلا يكون هذا القيام عبادة لرئيسه لا شرعا ولا لغة، ويقوم المصلي بين يدي ربه في صلاته بضع دقائق قدر قراءة الفاتحة ونحوها، فيكون هذا القيام عبادة شرعا، وسر ذلك أن هذا القيام وإن قلت مسافته مقترنا باعتقاد القائم ربوبية من قام له. ولم يأت عن واحد من الأئمة الأربعة أو غيرهم من أئمة السلف، ولا عن أتباع التابعين، ولا عن التابعين ولا عن الصحابة، ولا عن رسول الله ص في سنته الواسعة في الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم وغيرها أن التوحيد ينقسم إلى توحيد ربوبية وإلى توحيد ألوهية، وأن من لم يعرف توحيد الألوهية لا يعتد بمعرفته لتوحيد الربوبية. وأما قوله تعالى: *(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)* الزمر: 38 وقوله تعالى: *(قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله)*.. المؤمنون: 86 - 87، معناه أنهم يقولون ذلك إذا سألتهم عند ظهور الحجج القاطعات عليهم والآيات البينات، وذلك مجرد

ص 39

قول بألسنتهم وليس ذلك في قلوبهم، لأنهم ما كانوا يقرون بوجود الخالق خلافا لمن زعم أنهم كانوا موحدين توحيد ربوبية، وخلافا لمن زعم أن الرسل لم يبعثوا إلا لتوحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة وأن توحيد الربوبية يعرفه المشركون والمسلمون مستدلا بقوله تعالى: *(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)* لقمان: 25، فهذا الزعم لا شك أنه باطل لأن هذا الزاعم لبس على البسطاء معنى الآية أو لم يفهمها هو!! وقد بينا معناها،: أنهم أقروا بألسنتهم فقط، لذلك قال الله تعالى: *(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون)* العنكبوت: 61، معناه كما قال القرطبي في التفسير (13 / 161): (أي كيف يكفرون بتوحيدي وينقلبون عن عبادتي، معناه: أنهم يقولون ذلك بألسنتهم فقط عند إقامة الحجج عليهم وهم في الحقيقة لا يقولون بذلك). وأيضا قال الله تعالى: *(ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها)* العنكبوت: 63، قال الإمام القرطبي: أي جدبها وقحط أهلها *(ليقولن الله)* أي فإذا أقررتم بذلك فلم تشركون به وتنكرون الإعادة *(قل الحمد لله)* أي على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته *(بل أكثرهم لا يعقلون)* انتهى من القرطبي. فإذا تنبهت لمعنى هذه الآيات وأمثالها عرفت بأنها ليست دليلا على أنهم كانوا يقرون بتوحيد الربوبية كما يتوهم بعض الناس، لأن القرآن وواقع هؤلاء الكفار يبين أنهم كانوا ينكرون الخالق وينكرون السجود له، كما سيأتي الآن إن شاء الله تعالى في ذكر الآيات الموضحة لذلك، وكانوا ينكرون البعث

ص 40

ويعتقدون التأثير والتدبير لغير الله فيقولون: (أمطرنا بنوء كذا ونوء كذا) ولو كانوا يقرون بتوحيد الربوبية كما زعم الخراصون لما قال لهم المولى سبحانه: *(يا أيها الناس أعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم)* البقرة: 21، بل كان اللازم أن يقول لهم: - أعبدوا إلهكم -، وقال تعالى: *(ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه)*.. الآية البقرة: 258، وكان اللازم على زعم من قال: إن النمرود كان يعرف توحيد الربوبية ويجهل توحيد الألوهية، أن يقول الله تعالى - ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في إلهه - وكان اللازم على زعمهم أن يقول الله تعالى بدل قوله: *(ثم الذين كفروا بربهم يعدلون)* الأنعام: 1، أن يقول: - بإلههم يعدلون - ولكن ذلك فاسد لأنهم لم يكونوا مقرين، ودليل ذلك قوله تعالى: *(وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة)* يس 78 - 79، وقوله تعالى: *(ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبأ في السماوات والأرض)* النمل: 25، وقوله تعالى: *(وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي)* الرعد: 30، فأما هم فلم يجعلوه ربا، وقال تعالى: *(أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)* يوسف: 39، وقال تعالى: *(ولا تسبوا الذين يدعون)* - أي يعبدون - *(من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم)* الأنعام: 108، وقد اشتهر إنكارهم للبعث أشد الإنكار، وأنهم ما يهلكهم إلا الدهر، وقد اشتهر ذلك في أقوالهم وأشعارهم، حتى قال أحدهم: أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي واشتهر عنهم أنهم كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع،

ص 41

فهل يقول عاقل في هؤلاء مع هذا الكفر الصريح أنهم موحدون توحيد الربوبية؟! ولو كانوا يقرون بتوحيد الربوبية عند إقامة الحجة عليهم، فإن مجرد الإقرار به لا يسمى توحيدا عند علماء المسلمين، ولو كان الإقرار بالربوبية توحيدا كما زعم الخراصون لكان تصديق عتاة قريش النبي ص وتكذيبهم بآيات الله تعالى توحيدا، ولا يقول بهذا عاقل، قال تعالى: *(فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)* الأنعام: 33، ولو كان الإقرار بالربوبية توحيدا كما زعموا لكان علم عاد بالخالق مع تكذيبهم آياته ورسوله هودا عليه السلام لما هددهم بالعذاب توحيدا زاجرا لهم عن قولهم، كما أخبر الله عنهم: *(من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون)* فصلت: 15، ولا يقول بهذا عاقل، أيقول عاقل في فرعون الذي قال *(أنا ربكم الأعلى)* النازعات: 24، وقال *(يا أيها الملأ ما علمت لكم من آله غيري)* القصص: 38، وقوله *(لئن اتخذت إله غيري لأجعلنك من المسجونين)* الشعراء: 29، مع قوله: *(إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون)* الشعراء: 27، لما أجابه سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام عن سؤاله عن حقيقة رب العالمين قائلا له: *(قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين)* الشعراء: 24، وقوله له أيضا: *(ربكم ورب آبائكم الأولين)* الشعراء: 26، فهل يقال بعد هذا: إن فرعون كان يعرف توحيد الربوبية ويجهل توحيد الألوهية؟! فهذا التقسيم للتوحيد باطل غير صحيح، وكل من قال به مخطئ.

ص 42

وأما معنى قوله تعالى: *(وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)* يوسف: 106، فمعناه وما يؤمن أكثرهم بالله في إقرارهم بوجود الخالق عند إقامة الحجة والبراهين عليهم تكذبه قلوبهم ويكذبه واقعهم، فإيمانهم أمامكم عند إقامة الحجة والبرهان على وجود الله تعالى بألسنتهم غير معتبر ولا مقبول عند الله تعالى *(يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم)* التوبة: 8، فهم كاذبون باتخاذهم آلهة يعبدونها غير الله، أو باتخاذهم الأحبار والرهبان أربابا، أو اعتقادهم الولد له سبحانه والتعبير في هذه الآية في جانب شركهم بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والدوام الواقعة حالا لازمة، والتعبير في جانب إيمانهم أي إقرارهم بالجملة الفعلية الدالة على التجدد دليل لغوي على أن شركهم دائم مستمر، وأن إقرارهم بوجود الخالق الرازق المحي المميت مع ارتكابهم ما ينافي ذلك الإقرار من أقوالهم وأفعالهم وعبادتهم لغير الله تعالى كما قال تعالى: *(واتخذوا من دون الله آلهة)* يس: 74، لا يكون توحيدا ولا إيمانا لغة ولا شرعا، لأن الإيمان في اللغة هو التصديق بالقلب مطلقا، وفي الشرع تصديق النبي ص فيما علم مجيئه به بالضرورة، فقولهم عند إقامة الحجة عليهم: *(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)* الزمر: 3، كذب منهم ليبرئوا أنفسهم، والله تعالى بين أنهم كاذبون إذ قال كما في آخر هذه الآية: *(إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)* الزمر: 3.

ص 43


بيان أن من اعترف بوجود الله ولم يوحده فهو كافر إجماعا


الهامش


بيان أن من اعترف بوجود الله ولم يوحده فهو كافر إجماعا

ولا يسمى موحدا توحيد ربوبية بنص القرآن الكريم وتنزلا مع بعض أصحاب العقول ذات التفكير السطحي الضحل وعلى سبيل الجدل المنصوص على جوازه في القرآن الكريم بقوله تعالى: *(وجادلهم بالتي هي أحسن)* أقول: هب أن هناك قسما من الجاهليين أو من أي طائفة من طوائف الكفار فيها أشخاص يقرون ويعترفون في غير مجال المضايقة في المناظرة، بأن الله هو الخالق المحي المميت، فإن هذا الإقرار منهم أو هذه المعرفة لا تجعل صاحبها يسمى أو يطلق عليه مؤمنا أو موحدا لا شرعا ولا لغة ولا عرفا البتة، أما شرعا فلأدلة منها قوله تعالى: *(ألا لله الدين الخالص، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)* الزمر: 3، فقد صرح هذا النص لنا بأن الواحد من أولئك مع قوله: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) وتسليمنا جدلا بأنه مقر بقلبه بأنه معترف بوجود الله!! وهو ما يسميه الخصم

ص 17

(توحيد الربوبية) ومع ذلك كله أطلق عليه الله تعالى في كتابه كما ترون بأنه *(كاذب كفار)*. وأما اللغة والعرف فلم يرد عن سيدنا رسول الله ص في سنته الواسعة أنه سماهم موحدين للربوبية، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه قال في حقهم أو عنهم (إيمان دون إيمان) مثل ما نقل عن بعضهم كابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره أنه قال في بعض الأمور (كفر دون كفر) وهذا مما يؤكد لنا ويدل بأن اللغة التي كان ص وأصحابه ينطقون بها والعرف الذي كان سائدا بينهم يمنعان إطلاق موحد أو توحيد ربوبية على ذلك الإنسان. ثم إن الإيمان والتوحيد والعقيدة هو (ما وقر في القلب وصدقه العمل) وتعريف الإيمان والتوحيد واضح من حديث سيدنا جبريل في السؤال عنه الذي رواه مسلم، وظاهر في كتب التوحيد التي نصت على أن الإيمان أو الدخول في التوحيد هو (الإتيان بالشهادتين لسانا مع الإقرار القلبي بكل ما جاء عن الله تعالى ورسوله مع الإذعان) فأين ذلك من ذا، وبذلك اتضح جليا بطلان ما ذهب إليه المخالف وادعاه، والله الموفق.

ص 18

وأما القسم الثالث من التوحيد وهو ما سموه بتوحيد الأسماء والصفات فقد أشار إليه وذكره ابن تيمية في منهاج سنته (2 / 62) باسم (إثبات حقائق أسماء الله وصفاته) والمراد من هذا القسم إثبات التشبيه والتجسيم وبيان أنه غير مذموم، ولا تستعجب أخي القارئ من ذلك، واصبر فإنني سأنقل لك ذلك من كتب ابن تيمية مثبتا رقم المجلد والصحيفة. قال ابن تيمية في كتابه التأسيس (1 / 101): (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم وأن صفاته ليست أجساما وأعراضا؟! فنفي المعاني الثابتة بالشرع والعقل بنفي ألفاظ لم ينف معناها شرع ولا عقل، جهل وضلال) ا ه‍. وابن تيمية يقول كما هو ثابت عنه في كتبه وكما هو مشهور: (لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه)!! فنقول له: إذا كنت لا تصف الله إلا بما وصف به نفسه فلماذا تثبت استقرار الله تعالى عما تقول على ظهر بعوضة وتجوزه، هل هذا هو توحيد الأسماء والصفات أيها الشيخ الحراني؟! وهل هذا مما وصف الله به نفسه؟!

ص 19

قال ابن تيمية في كتابه (التأسيس في رد أساس التقديس) (1 / 568): (ولو قد شاء - الله - لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته فكيف على عرش عظيم) ا ه‍. فهل من التوحيد الخالص أيها الشيخ الحراني ويا من تتعصبون لآرائه الشاذة أن تجوزوا استقرار رب العالمين سبحانه وتعالى عما تصفون على ظهر ذبابة أو بعوضة؟! ولقد استحى عباد الأوثان والمشركون أن يصفوا آلهتهم بذلك!! وهل من توحيد الأسماء والصفات إثبات الحركة لله تعالى كما يقول ابن تيمية في كتابه (موافقة صريح المعقول) (2 / 4) على هامش منهاج سنته وقد نسب ذلك لأهل الحديث والسلف زورا؟!! وأين وصف الله تعالى نفسه في كتابه بلفظ الحركة؟! وابن تيمية يقول في كتابه التأسيس (1 / 101): (وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه ليس بجسم وأن صفاته ليست أجساما وأعراضا) ا ه‍. ونقول له: بل في كتاب الله وفي سنة رسول الله وفي كلام السلف نفي لذلك، قال تعالى: *(ليس كمثله شيء)* الشورى: 11، وقال *(ولم يكن له كفوا أحد)* الإخلاص: 4، وهذا نص صريح في القرآن في تنزيه الله عن الجسمية والتركيب لأن الجسم له مكافئ ومماثل، ولا يصح أن يقال فيه *(ولم يكن له كفوا أحد)*.

ص 20

وأما السنة: فقد روى الإمام الحاكم في المستدرك (2 / 540) عن أبي بن كعب رضي الله عنه: (أن المشركين قالوا: يا محمد أنسب لنا ربك. فأنزل الله عز وجل: *(قل هو الله أحد * الله الصمد)* قال: الصمد الذي: *(لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)*، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث وإن الله لا يموت ولا يورث، *(ولم يكن له كفوا أحد)* قال: لم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء). قال الحاكم: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) وقال الذهبي: (صحيح) وسكت عليه الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (13 / 356). قلت: وهو صحيح. وسيأتي بعد صحيفة إن شاء الله تعالى عن الإمام أبي حنيفة ذم التشبيه، وذكر الحافظ البيهقي في كتابه مناقب الإمام أحمد الذي هو من أئمة السلف ورؤساء المحدثين رضي الله عنه ما نصه: (أنكر أحمد على من قال بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة، وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسمك وتركيب وصورة وتأليف والله سبحانه خارج عن ذلك كله، فلم يجز أن يسمى جسما لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل). انتهى بحروفه. وهذا الكلام من الإمام أحمد ينسف كلام ابن تيمية نسفا، وابن القيم تلميذ ابن تيمية يثبت في كتاب (بدائع الفوائد) (4 / 39) أن الله يجلس على

ص 21

العرش، ويجلس بجنبه سيدنا محمد ص وهذا هو المقام المحمود (10)! ويثبت في كتابه (الصواعق المرسلة) أن لله ساقين، وأنه إذا لم يذكر الله في كتابه إلا ساقا واحدة فهذا لا ينفي أنه ليس له ساق أخرى فيقول ما نصه: (هب أنه سبحانه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة هي صفة، فمن أين في ظاهر القرآن أنه ليس له سبحانه إلا تلك الصفة الواحدة؟ (11) وأنت لو سمعت قائلا يقول: كشفت عن عيني وأبديت عن ركبتي وعن ساقي هل يفهم منه أنه ليس له إلا ذلك الواحد فقط؟) ا ه‍. فانظر إلى هذا التجسيم الصريح وإلى هذا الهراء والهذيان ص (31 - 32) من (مختصر الصواعق المرسلة) (طبع مكتبة الرياض الحديثة) وانظر كتاب (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة) لابن القيم (1 / 245 طبع دار العاصمة الرياض) وابن القيم متعصب لذلك وسائر على قاعدة شيخه الحراني التي أسسها له في كتابه التأسيس (1 / 109) حيث قال هناك: (وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين) ا ه‍!!. قلت: ليس كذلك!! وأبسط مثال لهدم هذا الكلام غير ما تقدم قبل قليل أن الحافظ الذهبي. ذكر في (سير أعلام النبلاء) (7 / 202) نقلا عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال:

(هامش)

(10) مع أنه ثبت في الصحيحين تفسير المقام المحمود بالشفاعة وارجع إلى تعليقنا على كتاب الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه) ص 127 التعليق رقم (53). (11) أعوذ بالله تعالى من هذا الهذيان!!! (*)

ص 22

(أتانا من المشرق رأيان خبيثان: جهم معطل، ومقاتل مشبه) ا ه‍. فخذ مجدك في التجسيم يا ابن القيم!! ولا يهمنك المعارضون من أهل السنة!! الذين تلقبهم بالجهمية والمعطلة!! وقد أثبت ابن القيم أيضا جنبا لله تعالى عما يقول!! واستنبط ذلك من قوله تعالى *(يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله)* الزمر: 56، ففي (الصواعق المرسلة) (1 / 250) و(مختصر الصواعق) للموصلي (1 / 33) ما نصه: (هب أن القرآن دل على إثبات جنب هو صفة، فمن أين لك ظاهره أو باطنه على أنه جنب واحد وشق واحد؟ ومعلوم أن إطلاق مثل هذا لا يدل على أنه شق واحد، كما قال النبي ص لعمران بن حصين: (صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب) وهذا لا يدل على أنه ليس للمرء إلا جنب واحد). ا ه‍!!! قلت: وهل يصح قياس الله سبحانه وتعالى بعمران بن حصين وتشبيهه به؟! وهل يقول أحد من الموحدين أن لله جنبا؟!. والله ما الإتيان بمثل هذا الكلام في الصفات إلا رجوع للوثنية الأولى ف‍ *(سبحان ربك رب العزة عما يصفون)* الصافات: 180!!!! وإمام ابن تيمية وقدوته في هذه الطامات هو أبو يعلى الحنبلي (12) الذي كان يقول: (ألزموني ما شئتم إلا اللحية والعورة) أي في صفات الله تعالى!! كما

(هامش)

(12) وقد رد على أبي يعلى هذا الحافظ ابن الجوزي في كتابه المشهور (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه) وقد حققناه وعلقنا عليه وقدمنا له ما يشفي غليل طالب الحق. (*)

ص 23

نقل ذلك ابن العربي المالكي في كتابه (العواصم) (2 / 283) وهذا هو توحيد الأسماء والصفات الذي يريدونه والذي يحاولون إثباته وقد أثبتوا هذا التقسيم ليقولوا للناس: إن هذه الصفات التي أثبتناها من أنكر منها شيئا فتوحيده ناقص وغير صحيح، ويلزم من ذلك أن يكون كافرا، ليهاب الناس من إنكار هذه الصفات التي ابتدعوها وأطلقوها على الله تعالى خشية أن لا يكونوا قد وحدوا توحيد الأسماء والصفات. فتأمل. وكتاب أبي يعلى في الصفات المسمى ب‍ (إبطال التأويل) فيه من الطامات والعجائب ما يكفي لأي لبيب أن يحكم على مصنفه أنه ليس معه من الإسلام خبر كما قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه)، ولا معه من تنزيه الله شيء معتبر، وقد طبع حديثا جزء منه، بتحقيق أحد البسطاء، وهو دليل قاطع عند أي قارئ لبيب على الوثنية التي يدعو إليها هؤلاء باسم: توحيد الأسماء والصفات. [تنبيه مهم جدا]: ومما يدل على أن هؤلاء المتمسلفين أتباع ابن تيمية وابن القيم مجسمة أيضا يسيرون على نفس نهج شيخيهما، مؤلفاتهم المطبوعة والتي تثبت ذلك، منها كتاب طبع حديثا لمتمسلف وهابي يدعى (عبد الله بن محمد الدويش) اسم الكتاب (المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال) يسفه فيه الشيخ (سيد قطب) ويصفه بالابتداع وأنه جهمي أشعري معتزلي وإليك بعض ما يقول هذا المتمسلف:

ص 24

1 - يقول ص (10) ما نصه: (فقد عاب - سيد قطب - قول أهل السنة والجماعة وهذا هو مسلك أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وسيجيء من كلامه ما يبين أنه سلك مسلكهم). ا ه‍. 2 - ويقول ص (19) ما نصه: (وأقول قوله - سيد قطب - في التوجه إلى الله الذي لا يتحيز في مكان، هذا قول أهل البدع كالجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وأما أهل السنة والجماعة فلا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه..). ثم قال بعد ذلك بخمسة أسطر في نفس الصحيفة ذاما أهل البدع بنظره ما نصه: (ومقصودهم بها نفي الصفات كالجسم والتحيز..). ا ه‍ فهو يرى تبعا لابن تيمية وابن القيم أن من صفات الله تعالى الجسم والتحيز، وأن كلام سيد قطب والأشاعرة الذين ينزهون الله عن التحيز والمكان ويقولون *(ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)* الشورى: 11، مبتدعة جهميون، فالله حسيبه وحسيب هذه الطائفة. وقد قال الإمام الحافظ القرطبي في كتابه (التذكار) في شأن المجسمة ص (208): (والصحيح القول بتكفيرهم إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور) ا ه‍. وكذلك قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في (المجموع) شرح المهذب

ص 25

(4 / 253). بل أجمعت الأمة على تكفير المجسمة كما هو معلوم. 3 - صاحب كتاب (المورد الزلال في التنبيه على أخطاء الظلال) متمسلف وهابي يرى تضليل كل من خالف مشربهم، يدل على ذلك أنه يقول ص (13): (وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام هذه الدعوة قدس الله روحه..)!!! وأنه حيثما ذكر ابن تيمية وصفه بشيخ الإسلام دون باقي العلماء، فليتدبر أولو الأبصار وليستيقظ النائمون. [تكميل]: يجدر بنا في هذا المقام أن نلفت نظر أهل العلم إلى أن ابن أبي العز المنسوب للحنفية، صاحب شرح الطحاوية الذي خالف عقيدة الإمام الحافظ الطحاوي ونصوصه قائل بالتفريق بين توحيد الألوهية والربوبية، وأن المكتب الإسلامي الذي طبع ذلك الشرح بتوضيح الشاويش مديره، وتخريج الألباني إمامه وشيخه سابقا!! قد وضعوا صورة بعض صفحات مخطوطة شرح الطحاوية (الباطل) وتعمدوا أن تكون تلك الصفحات هي التي ذكر فيها توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية (انظر ص 64 من الطبعة الثامنة)، ثم إن موضحها الشاويش، ومحققها!! ومخرج أحاديثها!! الألباني وضع على الغلاف الداخلي كلام الإمام الحافظ السبكي في قوله عن عقيدة الطحاوي: (جمهور المذاهب الأربعة على الحق يقرون عقيدة الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول) ليوهما البسطاء أن هذا الثناء من الإمام الحافظ السبكي يشمل أيضا شرحها الذي صنفه ابن أبي العز المنسوب للحنفية، والحق خلاف ذلك وهذا منهما تدليس وقلب للحقائق من أوجه:

ص 26

(الأول): أن هذا الشرح كتب بعد وفاة الإمام السبكي.

(الثاني): أن الإمام السبكي رحمه الله تعالى لا قيمة لكلامه عند هؤلاء المتمسلفين لأنه أشعري العقيدة، ولأنه لا يحب ابن تيمية ويعرف حقيقة أمره وفداحة غلطه وهو محذر منه. فإيرادهما لكلام الإمام الحافظ السبكي هنا هو لإيهام البسطاء والمبتدئين وأنصاف المتعلمين أن الإمام السبكي يثني على هذا الشرح الذي صنفه ابن أبي العز المليء بمخالفات عقيدة الإسلام، كقدم العالم بالنوع، وإثبات حوادث لا أول لها، وقيام الحوادث بذات الله تعالى وإثبات الحد له تعالى والجهة وغير ذلك، وفعلا انطلى هذا التمويه على كثير من الناس وراج الكتاب بسبب ذلك وخصوصا:

(الثالث): أن الناشر - الشاويش - قام بأمر شيخه! وإمامه! سابقا!! الألباني بالتلاعب في ص (5) من الطبعة الثامنة في الحاشية حيث لم ينقل كلام الإمام الحافظ السبكي بتمامه وبحروفه بل حرفه وحذف منه ما سيكون وبالا عليه عند الله تعالى، ولننقل ما ذكره الناشر هناك، ثم نردفه بكلام الإمام السبكي من كتابه معيد النعم: قال الناشر (13): كلمة العلامة السبكي في كتابه (معيد النعم) هي: (وهذه المذاهب الأربعة - ولله تعالى الحمد - في العقائد واحدة، إلا من لحق منها بأهل الاعتزال والتجسيم، وإلا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول) ا ه‍.

(هامش)

(13) وبصراحة لا يحمل إثم هذا العمل الناشر فحسب إنما يحمل إثم ذلك شيخه المتناقض! الذي كان يملي على الناشر هذه الأفكار. (*)

ص 27

والإمام السبكي يقول حقيقة في كتابه (معيد النعم) ص (62) من طبعة مؤسسة الكتب الثقافية الطبعة الأولى (1986) ما نصه: (وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة - ولله الحمد - في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية، لحقوا بأهل الاعتزال ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرأ الله المالكية فلم نر مالكيا إلا أشعريا عقيدة، وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة...) ا ه‍. فتأمل بالله عليك كلام الناشر الذي زور كلام الإمام الحافظ السبكي وحرفه، ثم انظر وتأمل في كلام الإمام السبكي الحقيقي الذي نقلته لك من كتابه (معيد النعم) لتدرك أن هؤلاء المتمسلفين محرفون محترفون عاثوا في كتب التراث وعبارات علماء الإسلام فسادا وإفسادا (!).

(الرابع): والذي يؤكد أنهم محرفون محترفون وخصوصا ناشر الطحاوية وكذلك مخرج أحاديثها!! المتناقض!! أن الناشر الشاويش حقق بزعمه كتاب (الرد الوافر) لابن ناصر الدين الدمشقي الذي رد فيه على الإمام العلامة العلاء البخاري رحمه الله تعالى، ونقل الشاويش في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور ترجمة العلاء البخاري وأفرط في ذمه! ونقل جزءا من ترجمته من كتاب (الضوء اللامع) للحافظ السخاوي فحرف في النقل حيث قال واصفا العلامة العلاء البخاري بقوله: (وكان شديد الالتصاق بالحكام)!!!

ص 28

علما بأن الكلام الأصلي في كتاب (الضوء اللامع) (9 / 291) للسخاوي هو: (وإذا حضر عنده أعيان الدولة بالغ في وعظهم والإغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو أشد في الاغلاظ ويحضه على إزالة أشياء من المظالم) ا ه‍ فتأمل كيف قلب (وكان شديد الإغلاظ على الحكام) 180 درجة رأسا على عقب فقال: (كان شديد الالتصاق بهم) فالله تعالى المستعان!!. وقد راجعت الشاويش بهذه المسألة وأثبت له أن هذا العمل دال على الخيانة وفقدان الأمانة العلمية فوعد بالتراجع وتصحيح عبارة (كان شديد الالتصاق بالحكام) في الطبعة الجديدة ونحن بالانتظار (14). وسنعقد الآن إن شاء الله تعالى فصلين: الأول: في إبطال تقسيم

(هامش)

(14) وقد رأيت حديثا الطبعة الجديدة ولم أر فيها تراجعا إلى الحق وهذا مما يدل على إصرار أهل هذه النحلة على الباطل!! ومن تحريف المتمسلفين أيضا وعياثهم في كتب العلماء وتراث الأمة فسادا أنهم قاموا بطباعة كتاب (الأذكار) للإمام النووي طبعة جديدة وهي طبعة (دار الهدى!) الرياض، بإشراف (إدارة هيئة البحوث والدعوة والإرشاد) 1409 ه‍، فبدلوا في كلام الإمام النووي، وحرفوا منه قسما كما حذفوا منه ما لم يمكنهم تحريفه مما لا يوافق أهواءهم ومشربهم! وذلك في كتاب الحج من (الأذكار) في فصل ما يتعلق بزيارة سيدنا محمد ص والذي يتحمل جل المسؤولية في ذلك أمام الله تعالى هو عبد القادر الأرناؤوط الذي حقق الكتاب وخرج أحاديثه وعلق عليه كما هو ثابت على غلاف الكتاب وقد انغر بهذا الشخص (الألباني المشرب) الوهابي العقيدة بعض المغفلين لما يظهر لهم من حلاوة لسان كما جاء *(يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم)* ومثله مضارعة الآخر. (*)

ص 29

التوحيد إلى ربوبية وألوهية، والثاني: في إبطال القسم الثالث وهو توحيد الأسماء والصفات منبهين على المحاذير والأخطار من هذا التقسيم فنقول:

ص 30

التنديد بمن عدد التوحيد 2



اسم الكتاب: كتاب التنديد بمن عدد التوحيد
تأليف: حسن بن علي السقاف
الناشر: دار الامام النووي

الهامش


المقدمة الثانية

فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه ص أن يجادلهم ويناقشهم في عقيدتهم وباقي أمورهم الفاسدة ليثبت لهم الحق قائلا له: *(وجادلهم بالتي هي أحسن)* النحل: 125، فلما كان ص يثبت لهم وجود الله ووحدانيته وأن لا إله إلا هو سبحانه ويلزمهم بترك عبادة هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها ويسجدون لها من دون الله، كانوا يتحرجون ولا يعرفون بماذا سيجيبون فكانوا يقولون عند سؤال النبي ص لهم: من خلق السماوات والأرض؟: الله. وكانوا يتحججون قائلين *(ما نعبدهم)* أي هذه الأوثان *(إلا ليقربونا إلى الله زلفى)*. وهذا كذب صريح منهم لأنهم ما كانوا يعتقدون بوجود الله الذي خلق السماوات والأرض البتة بدليل أن الله أمرهم في القرآن الكريم أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض ليعرفوا أن لها إلها خلقها وأوجدها فيؤمنوا به، قال تعالى: *(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر)* الغاشية: 17 - 22، وقال تعالى: *(وإلهكم إله واحد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)* البقرة: 163 - 164. فكانوا يردون ما جاء في صدر هذه الآيات الشريفة قائلين: *(أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب)* ص: 5، ولو كانوا مقرين بأن الله سبحانه هو خالق السماوات والأرض وما فيهن، لما ذكر الله لهم تلك الآيات الآمرة

ص 11

بالتفكر في الإبل كيف خلقت وفي الجبال كيف نصبت وفي الأرض كيف سطحت وفي السماء كيف رفعت. فقولهم عند سؤال النبي لهم وقت إلزامهم الحجة في المناظرة: من خلق السماوات والأرض؟! فيقولون: الله. وقولهم *(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)* ما هو إلا كذب وكفر بنص القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في آخر الآية: *(إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)* الزمر: 3، كما قال سبحانه *(يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم)* التوبة: 8. فلا يحل ولا يجوز لإنسان أن يستنبط بعد هذا البيان من الآيتين *(ما نعبدهم..)* و*(ولئن سألتهم..)* أنهم كانوا موحدين توحيدا يسمى توحيد ربوبية، بل هذا استنباط معارض لنص القرآن الذي حكم عليهم بالكفر بل بالمبالغة بالكفر، ومنه يتبين أنه استنباط سطحي سخيف لا يقول به إلا من لم يتعمق في فهم آيات القرآن الكريم وسنة النبي ص وقواعد علم التوحيد المبنية على الكتاب والسنة الصحيحة، والذي يؤكد ذلك: (ثالثا): أن أولئك الكفار اشتهر عنهم أنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام ويحجون لها ويتقربون إليها *(واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون)* يس: 74، *(أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى)* النجم: 19 - 20. بل واشتهر عنهم أنهم كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر. قال الله تعالى مخبرا لنا عنهم *(وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا

ص 12

وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون)*(4) الجاثية: 24. بل قال للنبي ص أحدهم: *(من يحيي العظام وهي رميم)* يس: 78، فرد الله عليه *(قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)* يس: 79. فهل يجوز لنا بعد هذا أن نصف من لا يقر بأن الله خالق ومحيي بأنه موحد توحيد ربوبية والله تعالى يقول عنه: *(إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)*؟! الزمر: 3. بل بلغ من كفرهم ما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه العزيز إذ قال *(وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا)* الفرقان: 60، فهل هؤلاء يقولون بوجود الرحمن الرحيم؟!! ولو كانوا يقرون أن الله هو الخالق لما قال الله لهم: *(وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)* المؤمنون: 91، وعبر بالإله أيضا ولم يعبر بالرب إشارة إلى أنهم لا يوحدون لا الرب ولا الإله ولأن الرب هو الإله، والإله هو الرب. (رابعا): ابن تيمية الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية يقول إن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية وأن المسلمين

(هامش)

(4) والحق والواقع أن من ثلث التوحيد وقسمه إلى ثلاثة أقسام أبطل - سواء قصد أم لا - وألغى مثل هذه الآيات الثابتة كالجبال في كتاب الله تعالى زيادة على قصده الباطل من هذا التقسيم الذي فيه عدة مخالفات ومحظورات شرعية!! فالله تعالى المستعان!! (*)

ص 13

الذين يخالفونه في آرائه كذلك وحدوا ربوبية ولم يوحدوا ألوهية، فهو يكفرهم بذلك، وهذا مراده من هذا التقسيم. قال في كتابه (منهاج السنة) (2 / 62) بعد أن دمج وخلط بعض أئمة الإسلام كالسهروردي (5) وأبي حامد الرازي والآمدي وغيرهم بمن يخالفهم في آرائهم من الفلاسفة كأرسطو طاليس والفارابي وابن سينا ما نصه: (دخلوا في بعض الباطل المبدع، وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية وإثبات حقائق أسماء الله ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم: *(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)*..). وهذه مغالطة منه وتلبيس، وهو كلام غلط كما بينا. وهل يعقل عاقل أو يقول إنسان بأن فرعون الذي كان من جملة المشركين كان يوحد ربوبية ولا يوحد ألوهية؟!. وهو الذي يقول *(ما علمت لكم من إله غيري)* القصص: 38، كما أنه هو القائل *(أنا ربكم الأعلى)* النازعات: 24 ولو كان يقر بالربوبية لما قال: *(أنا ربكم الأعلى)*، بل لقال: (أنا إلهكم الأعلى).

(هامش)

(5) علما بأن السهروردي من علماء أهل السنة والجماعة، وعنه ينقل أكابر الأئمة وعلماء الإسلام العقيدة، فالإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني ينقل عنه في الفتح (13 / 390 سلفية دار المعرفة) مذهب السلف الصالح في الصفات ويقول عقب ذلك: قال الطيبي: هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح ا ه‍. (*)

ص 14

ولو تذكر ابن تيمية قول الله تعالى في سورة الأعراف: *(قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون)* الأعراف: 76، وقول سيدنا يوسف عليه السلام *(أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)* يوسف: 39، وقول سيدنا إبراهيم عليه السلام *(أإفكا آلهة دون الله تريدون)* الصافات: 86، مع قول الله عز وجل *(واتخذوا من دون الله آلهة)* يس: 74، وقول الكفار حينما دعاهم الرسول ص إلى كلمة التوحيد *(أجعل الآلهة إلها واحدا)* ص: 5 لاستحى أن يفوه بذلك! ومن هذا الإيضاح والبيان يتبين بطلان تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام، بل يتضح أن هذا التقسيم يعارض القرآن وعقيدة الإسلام، فلا يصح أن يقال: هذا تقسيم تعليمي، بل يجب أن يقال هذا تقسيم مغلوط معارض للقرآن الكريم. ويجب أن يعلم كل أحد أن شرح الطحاوية يحوي هذا الخطأ وهذه الأغلاط المتناقضة، وأن التعويل على مثل هذا الكتاب واعتماد تدريسه ما هو إلا خطأ جسيم لم يتنبه له كثير من المدرسين والطلاب فاحذروه واتقوه وإني لكم منه نذير مبين. [تنبيه]: أعلم أن متن الطحاوية وهو الكتاب الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى، كتاب صحيح مستقيم من أحسن كتب العقيدة التي تمثل اعتقاد السلف الصالح، ولأنه أيضا - أعني الطحاوي - ذكر في مقدمة ذلك الكتاب أنه عقيدة الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه وصاحبيه محمد بن الحسن والقاضي أبو يوسف رحمهما الله تعالى.

ص 15

وأما شرحه المنتشر في الأسواق لابن أبي العز ففيه أمور كثيرة مخالفة للكتاب الأصلي - متن الطحاوية -، وفيه أيضا عقائد فاسدة كإثبات قدم العالم بالنوع وتسلسل الحوادث إلى غير أول (6)، وإثبات الحد لذات الله تعالى (7)، وإثبات الحرف والصوت لكلامه سبحانه (8) وقيام الحوادث بذات الله سبحانه (9) إلى غير ذلك من أخطاء جسيمة، وأغلاط أليمة، فتنبهوا.

(هامش)

(6) وذلك صفحة (129) من الطبعة الثامنة / المكتب الإسلامي. (7) أنظر ص (219) من شرح الطحاوية، وقد رددنا هذا وأبطلناه في رسالتنا (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) فارجع إليها. (8) أنظر ص (169) من شرح الطحاوية. (9) أنظر ص (177) من شرح الطحاوية. (*)