الفَصْل الثَّالث: الاستنجاء والاستجمار والاستبراء

نوفمبر 07, 2021
الفَصْل الثَّالث: الاستنجاء والاستجمار والاستبراء
تحميل الكتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

الفَصْلُ الثَّالث: الاستِنْجَاء معناه، حكمه، وسائله، مندوباته، آداب قضاء الحاجة.

أولاً ـ معنى الاستنجاء والفرق بينه وبين غيره من الاستبراء والاستجمار ونحوهما:
الاستنجاء: لغة: إزالة النجو أي الغائط. واصطلاحاً: هو قلع النجاسة بنحو الماء، أو تقليلها بنحو الحجر، فهو استعمال الأحجار أو الماء. أو هو إزالة للنجاسة من كل خارج ملوّث ولو نادراً كدم ومذي وودي، لا على الفور، بل عند الحاجة إليه بماء أو حجر.
أو هو إزالة نجس عن سبيل: قبل أو دبر. فلا يطلب من ريح، وحصاة، ونوم، وفصد دم. والاستنجاء أو الاستطابة أعم من أن يكون بالماء وغيره.
والاستجمار: إزالة النجس بالأحجار ونحوها، مأخوذ من الجمرات أي الأحجار.
والاستبراء: طلب البراءة من الخارج، حتى يتيقن من زوال الأثر أو هو طلب براءة المخرج عن أثر الرشح من البول.

والاستنزاه: طلب البعد عن الأقذار. وهو بمعنى الاستبراء.

(1/344)

والاستنقاء: طلب النقاوة، وهو أن يدلك المقعدة بالأحجار أو بالأصابع حالة الاستنجاء بالماء (1).
وكل هذه الوسائل للتطهر من النجاسة، ولا يجوز الشروع في الوضوء حتى يطمئن المرء من زوال أثر رشح البول.

ثانياً ـ حكم الاستنجاء والاستجمار والاستبراء:
أما حكم الاستنجاء: قال الحنفية (2): إنه في الأحوال العادية، ما لم تتجاوز النجاسة المخرج، سنة مؤكدة للرجال والنساء، لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم، ولقوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» (3).
فإذا تجاوزت النجاسة المخرج، وكان المتجاوز قدر الدرهم فيجب إزالته بالماء.
وإن زاد المتجاوز على قدر الدرهم، افترض الغسل بالماء أو المائع.
وقال الجمهور غير الحنفية (4): يجب الاستنجاء أو الاستجمار من كل خارج معتاد من السبيلين، كالبول أوالمذي أو الغائط، لقوله تعالى: {والرجزَ فاهجر}

_________
(1) الدر المختار ورد المحتار:310/ 1،319، مراقي الفلاح: ص 7، كشاف القناع:62/ 1، الشرح الصغير:87/ 1، 94،96،100، مغني المحتاج:42/ 1 وما بعدها.
(2) فتح القدير:148/ 1، تبيين الحقائق:76/ 1، اللباب:57/ 1، الدر المختار:310/ 1، 313، مراقي الفلاح: ص 7.
(3) رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد والبيهقي وابن حبانٍ عن أبي هريرة (نصب الراية:217/ 1).
(4) الشرح الصغير:94/ 1،96، القوانين الفقهية: ص37، الشرح الكبير:109/ 1وما بعدها، مغني المحتاج:46/ 1، المهذب:27/ 1، المغني:149/ 1وما بعدها، كشاف القناع: 71/ 1، 77.

(1/345)

[المدثر:5/ 74]، وهو يعم كل مكان ومحل من ثوب أو بدن، ولأن الاستنجاء بالماء هو الأصل في إزالة النجاسة، ولقوله عليه السلام: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليذهب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» (1) وقوله: «لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار» رواه مسلم، وفي لفظ لمسلم: «لقد نهانا أن نستنجي بدون ثلاثة أحجار» وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وليس على من نام أو خرجت منه ريح استنجاء باتفاق العلماء، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «من استنجى من ريح فليس منا» (2)، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6/ 5]: «إذا قمتم من النوم، ولم يأمر بغيره» فدل على أنه لا يجب، ولأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة، ولا نجاسة ههنا. والأظهر عند الشافعية: ألا استنجاء لدود وبعر بلا لوث، إذ لا نجاسة باقية، ويندب عند الشافعية والحنابلة، ويجب عند الحنفية والمالكية، بعد قضاء الحاجة قبل الاستنجاء.

الاستبراء: أيضاً إما بالمشي أو التنحنح أو الاضطجاع على شقه الأيسر أو غيره بنقل أقدام وركض، وهو: أن يستخلص مجرى البول من ذكره، بمسح ذكره بيده اليسرى من حلقة دبره (بدايته) إلى رأسه ثلاثاً، لئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل، فيضع إصبعه الوسطى تحت الذكر، والإبهام فوقه، ثم يمرهما إلى رأس الذكر، ويستحب نتره ثلاثاً بلطف ليخرج ما بقي إن كان.
وعبارة المالكية والحنابلة والشافعية: يكون الاستبراء بنتر وسلت خفيفين

_________
(1) رواه أبو داود، وروى الشافعي والبيهقي: «وليستنج بثلاثة أحجار» وروى أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني وقال: إسناده صحيح حسن عن عائشة: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه (نصب الراية:214/ 1، نيل الأوطار:90/ 1).
(2) رواه الطبراني في معجمه الصغير.

(1/346)

ثلاثاً: بأن يجعل إصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله، والإبهام فوقه، ثم يسحبه برفق، حتى يخرج ما فيه من البول. والنتر: جذبه، وندب أن يكون كل منهما برفق، وذلك حتى يغلب الظن نقاوة المحل من البول، ولا يتتبع الأوهام، فإنه يورث الوسوسة، وهي تضر بالدين (1).
روى الإمام أحمد حديث: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات».
واستبراء المرأة: أن تضع أطراف أصابع يدها اليسرى على عانتها.
والاستبراء عموماً يختلف باختلاف الناس. والقصد أن يظن أنه لم يبق بمجرى البول شيء يخاف خروجه، فمنهم من يحصل هذا بأدنى عصر، ومنهم من يحتاج إلى تكرّره، ومنهم من يحتاج إلى تنحنح، ومنهم من لا يحتاج إلى شيء من هذا. ويكره حشو مخرج البول من الذكر بنحو قطن، وإطالة المكث في محل قضاء الحاجة، لأنه يورث وجعاً في الكبد.
ودليل طلب الاستبراء: حديث ابن عباس: أن النبي صلّى الله عليه وسلم مرّ بقبرين، فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير: أماأحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (2).
ودليل القائلين بندبه دون إيجاب: قوله صلّى الله عليه وسلم: «تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه» والظاهر من انقطاع البول عدم عوده، ويحمل الحديث على ماإذا تحقق أو غلب على ظنه بمقتضى عادته أنه إن لم يستبرئ خرج منه شيء.

ثالثاً ـ وسائل الاستنجاء وصفاته أو كيفيته: يكون الاستنجاء بالماء أوبالحجر ونحوه من كل جامد طاهر قالع غير محترم، كورق وخرق وخشب وخزف، لحصول الغرض به كالحجر.

_________
(1) قال العارفون: إن الوسواس سببه خبل في العقل، أو شك في الدين.
(2) رواه البخاري ومسلم.

(1/347)

والأفضل الجمع بين الجامد والماء، فيقدم الورق ونحوه، ثم يتبعه بالماء، لأن عين النجاسة تزول بالورق أو الحجر، والأثر يزول بالماء (1).
والاقتصار على الماء أفضل من الاقتصار على الحجر ونحوه، لأنه يزيل عين النجاسة وأثرها، بخلاف الحجر والورق ونحوه، روي عن أنس بن مالك أنه لما نزلت آية: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} [التوبة:108/ 9]، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم «: يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم؟ قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء، قال: هو ذاكم، فعليكموه» (2).

وشرط الاستنجاء بالحجر أو الورق ونحوه ما يأتي (3):
1ً - ألا يجف النجس الخارج، فإن جف تعين الماء.
2ً - ألا ينتقل عن المحل الذي أصابه عند خروجه واستقر فيه، أوألا يجاوز صفحته وحشفته، فإن انتقل عنه، بأن انفصل عنه، تعين الماء في المنفصل اتفاقاً.

_________
(1) اللباب:57/ 1وما بعدها، مراقي الفلاح: ص 7، القوانين الفقهية: ص36 - 37، الشرح الصغير: 96/ 1 ومابعدها،100، مغني المحتاج:43/ 1، المغني:151/ 1وما بعد ها، كشاف القناع:72/ 1،75، المهذب:27/ 1 وما بعدها.
(2) رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي، وسنده حسن. ويؤيده قول ابن عباس: «نزلت هذه الآية في أهل قُبا: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب المطهرين} [التوبة:108/ 9]، فسألهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء» (نصب الراية:218/ 1وما بعدها).
(3) مغني المحتاج:44/ 1وما بعدها، المهذب:28/ 1، كشاف القناع:72/ 1وما بعدها، المغني:152/ 1وما بعدها،159وما بعدها، الدر المختار:311/ 1وما بعدها، الشرح الصغير:97/ 1وما بعدها،100، بداية المجتهد:83/ 1، القوانين الفقهية: ص36، اللباب:58/ 1، فتح القدير:148/ 1، تبيين الحقائق:77/ 1.

(1/348)

3ً - ألا يطرأ عليه شيء رطب أجنبي عنه، نجساً كان، أو طاهراً، فإن طرأ عليه جاف طاهر فلا يؤثر.
4ً - أن يكون الخارج من فرج معتاد: فلا يجزئ في الخارج من غيره، كالخارج بالفصد، أو من منفذ منفتح تحت المعدة، ولو كان الأصلي منسداً انسداداً عارضاً، ولا يجزئ الورق ونحوه في بول خنثى مشكل، وإن كان الخارج من أحد قُبُليه، لاحتمال زيادته، ولا في بول الأقلف إذا وصل البول إلى الجلدة.
ويجزئ الورق ونحوه عند غير المالكية في مسح دم حيض أو نفاس، كما يجزئ الحجر في الأظهر عند الشافعية وعند الحنابلة والحنفية فيما ندر خروجه كالدم والودي والمذي، أو انتشر الخارج فوق عادة الناس، ولكن لم يجاوز في الغائط صفحته (ما انضم من الأليتين عند القيام) وحشفته (وهي ما فوق الختان أو قدرها من مقطوعها).
ولا يجوز الاستجمار بالأحجارعند المالكية من المني ولا من المذي ودم الحيض، وإنما يتعين الماء في إزالة مني، ودم حيض ونفاس، ودم استحاضة إن لم يلازم كل يوم ولو مرة، وإلا فهو معفو عنه كسلس البول الملازم لذكر أو أنثى، ولاتجب إزالته حينئذ.
كما يتعين الماء عند المالكية أيضاً في إزالة بول المرأة، بكراً كانت أو ثيباً، لتعديه المخرج إلى جهة المقعدة عادة.

وهل يشترط عدد ثلاثة أحجار في الاستنجاء؟
قال الحنفية والمالكية: يستحب ولا يجب عدد الثلاث، ويكفي ما دونه إن حصل الإنقاء أو التنظيف به، ومعنى الإنقاء: إزالة عين النجاسة وبلّتها، بحيث

(1/349)

يخرج الحجر نقياً، وليس عليه أثر، إلا شيئاً يسيراً فالواجب عند المالكية والسنة عند الحنفية الإنقاء دون العدد، للحديث السابق: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج». وقال الشافعية والحنابلة: الواجب الإنقاء وإكمال الثلاثة: ثلاثة أحجار، أو ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر، وإن لم ينق بالثلاث، وجب الإنقاء برابع فأكثر، إلى أن لا يبقى إلا أثر لا يزيله إلا الماء، أو صغار الحصى، لأنه المقصود من الاستنجاء. ودليلهم الأحاديث السابقة، منها: «وليستنج بثلاثة أحجار» وخبر مسلم عن سلمان: «نهانا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» وفي معناها: ثلاثة أطراف حجر. وإذا زاد عن الثلاثة: سن الإيتار، لما روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا استجمر أحدكم، فليستجمر وتراً» وصرفه عن الوجوب رواية أبي داود: «من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج».

وأما عدد الغسلات حالة الاستنجاء بالماء:
فالصحيح أنه مفوض إلى الرأي حتى يطمئن القلب بالطهارة بيقين أو غلبة الظن، وهو الأصح عن الإمام أحمد، قال أبو داود: سئل أحمد عن حد الاستنجاء بالماء؟ فقال: ينقي. ولم يصح عن النبي صلّى الله عليه وسلم في ذلك عدد ولا أمر به، ويروى عن أحمد عدد سبع غسلات (1). وعلى هذا فإن الواجب في الاستنجاء أن يغلب على الظن زوال النجاسة، ولا يضر شم ريحها باليد؛ لأن بقاء الرائحة يدل على بقائها على المحل، ويحكم على اليد بالنجاسة حينئذ.

_________
(1) مراقي الفلاح: ص 8، المغني: 1/ 161 وما بعدها، مغني المحتاج:46/ 1.

(1/350)

وصفة الاستنجاء: أن يفرغ على يده اليسرى قبل أن يلاقي بها الأذى، ثم يغسل القبل: المخرج خاصة في حالة البول، والذكر كله في حالة المذي، ثم يغسل الدبر، ويوالي صب الماء، ويدلكه بيده اليسرى، ويسترخي قليلاً، ويجيد العرك حتى ينقي. ولا يستنجي باليمين، ولا يمس به ذكره (1).
ويحترز الصائم من إدخال الإصبع المبتل في الدبر، لأنه يفسد الصوم.

وكيفية الاستجمار: أن يمسح بالحجر الأول من الأمام إلى الخلف، وبالثاني من الخلف إلى الأمام، وبالثالث كالأول من الأمام إلى الخلف إذا كانت الخصية مدلاة، خشية تلويثها، وكالثاني من الخلف إلى الأمام إن كانت الخصية غير مدلاة. والمرأة تبتدئ من الأمام إلى الخلف خشية تلويث فرجها (2).
وقال الشافعية (3): يسن استيعاب المحل بكل حجر من الثلاث، بأن يبدأ بالأول من مقدم الصفحة اليمنى ويديره إلى محل ابتدائه، وبالثاني من مقدم اليسرى ويديره كذلك، ويمر الثالث على صفحتيه ومُسرَبته جميعاً. والمسربة: مجرى الغائط.

رابعاً ـ مندوبات الاستنجاء: يسن في الاستنجاء ما يأتي (4):

_________
(1) القوانين الفقهية: ص36، تبيين الحقائق:78/ 1.
(2) مراقي الفلاح: ص 8.
(3) مغني المحتاج:45/ 1، المهذب:27/ 1.
(4) مراقي الفلاح: ص 7، الدر المختار:311/ 1 - 315، فتح القدير:50/ 1، تبيين الحقائق:78/ 1، اللباب:58/ 1، الشرح الصغير:96/ 1،100، وما بعدها، بداية المجتهد:80/ 1، القوانين الفقهية: ص37، مغني المحتاج:43/ 1،46، المهذب:28/ 1، المغني:154/ 1 - 158، كشاف القناع:75/ 1 - 77.

(1/351)

1ً - أن يستنجي بحجر أو ورق منق، بألا يكون خشناً كالآجر، ولا أملس كالعقيق، لأن الإنقاء هو المقصود. ويعد كالحجر: كل طاهر مزيل بلا ضرر، وليس متقوماً ولا شيئاً محترماً، فلا يستنجي بملوث كالفحم، ولا بما يضر كالزجاج، ولا بمال متقوم، كحرير وقطن ونحوهما، لأنه إتلاف للمال، ولا بشيء محترم لطعمه أو شرفه أو لحق الغير.
وهذا يعني أنه يجوز عند الحنفية الاستنجاء بالمائع غير الماء كماء الورد والخل، واشترط الجمهور غير الحنفية: أن يكون بجامد يابس، فلا يجوز بالمائع.
واتفقوا على أن الاستنجاء يكون بطاهر قالع غير محترم، فلا يجوز (أو يكره تحريماً عند الحنفية) الاستنجاء بالنجس كالبعر والروث، ولا بالعظم والطعام أو الخبز لآدمي أو بهيمة؛ لأنه إتلاف وإهانة، ولا بغير القالع نحو الزجاج والقصب الأملس والآجر والخزف ولا بالمتناثر كتراب أو مدر وفحم رخوين، بخلاف التراب والفحم الصلبين، ولا بالشيء المحترم لشرف ذاتي كالذهب والفضة والجواهر، أو لكونه حق الغير كالشيء المملوك للغير، ومنه جدار الغير ولو وقفاً.
واكتفى المالكية بالقول بأنه يكره الاستنجاء بعظم وروث طاهرين وبجدار مملوك له.
والخلاصة: أنه يشترط لجواز الاستجمار بالأحجار ونحوها شروط خمسة هي: كل جامد طاهر قالع غير مؤذ ولا محترم لطعمه أو شرفه أو حق الغير، وإلا فلا، وأجزأ إن أنقى ويجزئ الإنقاء باليد بدون الثلاث من الأحجار ونحوها. ولم يشترط الحنفية كونه جامداً. وقال المالكية والحنفية: إن استجمر بما لا يجوز أجزأه مع الكراهة.

(1/352)

وقد ثبت النهي عن الاستنجاء بالروث والعظم، روى مسلم وأحمد عن ابن مسعود: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنهما زاد إخوانكم من الجن» (1)، وروى الدارقطني: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى أن نستنجي بروث أو عظم، وقال: إنهما لا يُطهِّران» (2) وروى أبو داود عنه عليه السلام أنه قال لرويفع بن ثابت (أبي بكرة): «أخبر الناس أنه من استنجى برجيع (أي روث) أو عظم، فهو بريء من دين محمد» (3) وهذا عام في الطاهر منها، وإذا حرم طعام الجن حرم طعام الآدمي بالأولى، لكن أجاز الشافعية الاستنجاء بمطعوم البهائم الخاص بها كالحشيش، وقال الجمهور: لا يجوز. قال النووي: لكن النهي عن الاستنجاء بالفحم ضعيف، وإن صح حمل على الرخو.
2ً - تثليث الأحجار أو الورق ونحوه، مندوب عند الحنفية والمالكية، واجب عند الشافعية والحنابلة، فإنهم قالوا: يجب في الاستنجاء بالحجر أمران: أحدهما ـ ثلاث مسحات ولو بأطراف حجر، والإيتار بعد الثلاث إلى السبع إن لم ينق المحل، ويسن أن يكون كل حجر أو نحوه لكل محل الخارج، ودليلهم حديثان: الأول: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب بثلاثة أحجار، فإنها تجزئ عنه» والثاني: «من استجمر فليوتر» (4).

_________
(1) انظر نصب الراية:219/ 1، نيل الأوطار:97/ 1.
(2) إسناده صحيح (نيل الأوطار:96/ 1).
(3) وروى أحمد ومسلم وأبو داود عن جابر: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم أو بعرة» وروى الدارقطني والبيهقي عن ابن مسعود أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذهب لحاجته، فأمر ابن مسعود أن يأتيه بثلاثة أحجار، فأتاه بحجرين وروثة، فألقى الروثة، وقال: «إنها ركس، ائتني بحجر». وروى البخاري عن أبي هريرة قصة مماثلة: «ابغني أحجاراً أستنفضْ بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة» (نصب الراية:216/ 1، 219، نيل الأوطار:96/ 1،97).
(4) روى الحديث الأول: أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني وقال: إسناده صحيح حسن، ورواه أيضاً ابن ماجه عن عائشة. والثاني رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار:90/ 1،95).

(1/353)

3ً - ألا يستنجي باليد اليمنى إلا لعذر، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفَساً واحداً» (1) وإذاً يسن الاستنجاءُ باليسار. 4ً - الاستتار وعدم كشف العورة عمن يراه واجب أثناء الاستنجاء وقضاء الحاجة، لحرمته والفسق به، فلا يرتكبه لإقامة السنة، ويمسح المخرج من تحت الثياب بنحو حجر. وإن تركه صحت الصلاة بدونه لأن ما في المخرج ساقط الاعتبار. ودليل الاستتار أحاديث رواها أبو داود وابن ماجه، منه: «من أتى الغائط، فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من الرمل فليستدبره» ويبعد عن الناس في الصحراء ونحوها إلى حيث لا يسمع للخارج منه صوت ولا يشم له ريح.
5ً - للمستنجي بالماء أن يدلك يده بنحو أرض، ثم يغسلها بعد الاستنجاء بتراب أو صابون وأشنان ونحوه.
6ً - تنشيف المقعدة قبل القيام إذا كان صائماً لئلا تجذب المقعدة شيئاً من الماء.
7ً - يبدأ الرجل في الاستنجاء بالقبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر، والمرأة مخيرة في البداية بأيهما شاءت. ويستحب عند الشافعية والحنابلة: أن ينضح الماء على فرجه وإزاره ليزيل الوسواس عنه.

خامساً ـ آداب قضاء الحاجة: يندب لقاضي الحاجة من بول أو غائط ما يأتي (2):

_________
(1) رواه الأئمة الستة عن أبي قتادة (نصب الراية:220/ 1).
(2) رواه ابن ماجه وأبو داود وقال: هذا حديث منكر، ورواه النسائي والترمذي وصححه (نيل الأوطار:73/ 1).

(1/354)

1ً - ألا يحمل مكتوباً ذكر اسم الله عليه، أو كل اسم معظم كالملائكة، والعزيز والكريم ومحمد وأحمد، لما روى أنس «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه (1)» وكان فيه: محمد رسول الله. فإن احتفظ به، واحترز عليه من السقوط فلا بأس.
2ً - أن يلبس نعليه، ويستر رأسه، ويأخذ أحجار الاستنجاء أو يهيء ويعد المزيل للنجاسة من ماء ونحوه.
3ً - يدخل الخلاء برجله اليسرى، ويخرج برجله اليمنى؛ لأن كل ما كان من التكريم يبدأ فيه باليمين، وخلافه باليسار، لمناسبة اليمين للمكرم، واليسار للمستقذر، بعكس المسجد والمنزل، يقدم يمناه فيهما. ويقول عند إرادة الدخول: «باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائث» أي أتحصن من الشيطان، وأعتصم بك يا الله من ذكور الشياطين، وإناثهم، اتباعاً لما رواه الشيخان في السنة: «سترة ما بين أعين الجن وعورات بني آدم، إذا دخل أحدكم الخلاء أن يقول: بسم الله» «إن الحُشوش (2) محتضرة، فإذا أتى، فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث».
ويقول عند خروجه: «غفرانَك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» اتباعاً للسنة، رواه النسائي.
4ً - يعتمد في حال جلوسه على رجله اليسرى، لأنه أسهل لخروج الخارج، ولما رواه الطبراني عن سراقة بن مالك قال: «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن نتوكأ على

_________
(1) الدر المختار:316/ 1 - 318، الشرح الصغير:87/ 1 - 94، مغني المحتاج:39/ 1 - 34،
(2) الحشوش جمع الحش بالفتح والضم: بستان النخيل في الأصل، ثم استعمل في موضع قضاء الحاجة، واحتضارها: رصد بني آدم بالأذى. المهذب:5/ 1، المغني:162/ 1 - 168، كشاف القناع:62/ 1 - 75.

(1/355)

اليسرى، وأن ننصب اليمنى» ويوسع فيما بين رجليه، ولا يتكلم إلا لضرورة، ولايطيل المقام أكثر من قدر الحاجة؛ لأن ذلك يضره، بظهور الباسور أو إدماء الكبد ونحوه.
ويستحب ألا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض؛ لأن ذلك أستر له، ولما روى أبو داود عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «أنه كان إذا أراد الحاجة، لا يرفع ثوبه حتى يدنومن الأرض».
ويستحب أن يبول قاعداً لئلا يترشش عليه، ويكره البول قائماً إلا لعذر قال ابن مسعود: «من الجفاء أن تبول وأنت قائم» قالت عائشة: «من حدثكم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يبول قائماً، فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعداً» (1)، ورويت الرخصة في التبول قائماً عن جماعة من الصحابة كعمر وعلي وغيرهما. ويستحب أن يبول في مكان رخو غير صلب لئلا يترشش بالبول، ولما روى أحمد وأبو داود عن أبي موسى: «إذا بال أحدكم فليرتَدْ لبوله».
5ً - لا يبول في مهب الريح لئلا تعود النجاسة إليه، ولا في ماء راكد، وقليل جار، أو في كثير أيضاً عند الحنفية؛ للنهي عنه في حديث البخاري ومسلم (2)، ولا في المقابر احتراماً لها، ولا في الطرقات ومُتَحدَّث الناس، لقولهصلّى الله عليه وسلم: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» (3) «ولا يبول في شق أو ثقب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجُحر» (4).

_________
(1) قال الترمذي: هذا أصح شيء في الباب، رواه الخمسة إلا أبا داود (نيل الأوطار:88/ 1).
(2) نص الحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه».
(3) رواه أبو داود بإسناد جيد عن معاذ، والمورد: المياه وطرق الماء والحياض التي يردها الناس للشرب والاستقاء. وروى مسلم وأحمد وأبو داود عن أبي هريرة: «اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم» والملاعن: موضع اللعن، والتخلي: التغوط، والبراز، وقيس عليه البول.
(4) رواه أبو داود عن عبد الله بن سَرْجس (نيل الأوطار:84/ 1).

(1/356)

ولا يبول تحت شجرة مثمرة في حال كون الثمرة عليها، لئلا تسقط عليه الثمرة؛ لأن التبول في الماء القليل حرام عند الحنفية، ومكروه تحريماً في الماء الكثير، ومكروه تنزيهاً في الماء الجاري عندهم، فتتنجس به. قال الشافعية: وكذا في غير وقت الثمر، صيانة لها عن التلويث عند الوقوع، فتعافها النفس، ولم يحرموه، لأن التنجس غير متيقن. وأجازه الحنابلة في غير حال الثمر، فإن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان أحب ما استتر به لحاجته هدف أو حائش نخل» (1) أي جماعته. ويكره أن يستنجي بماء في موضعه بل ينتقل عنه إن لم يكن معداً لذلك، لئلا يعود عليه الرشاش، فينجسه. ويكره أن يبول في المغتسل، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في مُسْتَحمه، ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه» (2) وذلك إذا لم يكن ثَم منفذ ينفذ منه البول والماء.
6ً - يكره تحريماً عند الحنفية ولو في البنيان استقبال القبلة واستدبارها بالفرج حال قضاء الحاجة، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا» (3).
وقال الجمهور غير الحنفية: لا يكره ذلك في المكان المعد لقضاء الحاجة، لحديث جابر: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» (4) وهذا يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستتراً بشيء.
ويحرم استقبالها واستدبارها في البناء غير المعد لقضاء الحاجة، وفي الصحراء بدون ساتر مرتفع بقدر ثلثي ذراع تقريباً فأكثر، ولا يبعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع،

_________ (1) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه. (2) رواه أبو داود وابن ماجه عن عبد الله بن المغفل. (3) رواه أحمد والشيخان في صحيحهما عن أبي أيوب (نيل الأوطار:80/ 1). (4) رواه الترمذي وحسنه، فقال: هذا حديث حسن غريب. وروى الجماعة مثله عن ابن عمر (نيل الأوطار:80/ 1 - 81).

(1/357)

كما يحرم وطء الزوجة بدون ساتر في الفضاء، وإلا فلا حرمة، كأن كان في منزله، أو في الفضاء بساتر. ويكره استقبال عين الشمس والقمر بفرجه، لما فيهما من نور الله تعالى، ولكونهما آيتين عظيمتين، فإن استتر عنهما بشيء أو في المكان المعد فلا بأس، كما في القبلة. كما يكره استقبال الريح لئلا يرد عليه رشاش البول، فينجسه.
7ً - يستحب ألا ينظر إلى السماء، ولا إلى فرجه، ولا إلى ما يخرج منه، ولايعبث بيده، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يستاك؛ لأن ذلك كله لا يليق بحاله، ولا يطيل قعوده، لأنه يورث الباسور، وأن يسبل ثوبه شيئاً فشيئاً، قبل انتصابه.
ويحرم البول في المسجد ولو في إناء؛ لأن ذلك لا يصلح له، ويحرم أيضاً على القبر المحترم، ويكره عند القبر، احتراماً له.
وإذا عطس حمد الله بقلبه، ويقول بعد الاستنجاء عقب الخروج من الخلاء: (اللهم طهر قلبي من النفاق، وحصن فرجي من الفواحش) (الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى فِيَّ منفعته، وأخرج عني أذاه).

(1/358

0 التعليقات