الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

المبحث الثاني والثالث ـ سنن الصلاة الخارجة عنها وصفة الصلاة أو كيفيتها

المبحث الثاني ـ سنن الصلاة الخارجة عنها

 اسم الكتاب الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة وتخريجها
اسم المؤلف: د. وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ
المهنة:أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلاميّ وأصوله بجامعة دمشق - كلّيَّة الشَّريعة
الوفاة 8 أغسطس 2015 الموافق 23 شوال 1436 هـ
التصنيف: الفقه المقارن

المحتويات

  1. المبحث الثاني ـ سنن الصلاة الخارجة عنها       
  2. تعريف سترة المصلي
  3. حكم سترة المصلي
  4. حكمتها
  5. آراء الفقهاء في السترة
  6. صفة السترة وقدرها
  7. استقبال وجه الإنسان أو الصلاة إلى نار أو صورة أو امرأة تصلي
  8. مدى بعد السترة عن المصلي
  9. موقف المصلي من السترة
  10. المرور بين يدي المصلي
  11. المرور أمام المصلي في أثناء الطواف
  12. موضع حرمة المرور
  13. دفع المار بين يدي المصلي
  14. هل المرور بين يدي المصلي يقطع الصلاة؟
  15. تقديم العشاء على صلاة العشاء
  16. المبحث الثالث ـ صفة الصلاة أو كيفيتها
  17. صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم
  18. توضيح كيفية الصلاة
  19. العودة الي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي 

 

 المبحث الثاني - سنن الصلاة الخارجة عنها:
للصلاة سنن قبلها كالاستياك والأذان والإقامة، واتخاذ السترة، وهنا نبحث الأخير وقد سبق بحث ما قبله:

١ - تعريف سترة المصلي:
هي ما يجعله المصلي أمامه لمنع المرور بين يديه.

٢ - حكم سترة المصلي:
هي سنة مشروعة، لقوله ﷺ: «إذا صل أحدكم فليصل إلى سترة، ولْيَدْن منها، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمر، فليقاتله، فإنه شيطان» (١)
(١) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أب سعيد الخدري (نصب الراية: ٢/ ٨٠).
 
وليست واجبة باتفاق الفقهاء؛ لأن الأمر باتخاذها للندب، إذ لا يلزم من عدمها بطلان الصلاة وليست شرطًا في الصلاة، ولعدم التزام السلف اتخاذها، ولو كان واجبًا لالتزموه، ولأن الإثم على المار أمام المصلي، ولو كانت واجبة لأثم المصلي، ولأن «النبي ﷺ صلى في فضاء ليس بين يديه شيء» رواه البخاري.

٣ - وحكمتها:
منع المرور أمام المصلي بين يديه، مما يقطع خشوعه، وتمكين المصلي من حصر تفكيره في الصلاة، وعدم استرساله في النظر إلى الأشياء، وكف بصره عما وراء سترته لئلا يفوت خشوعه.

٤ - آراء الفقهاء في السترة:
للفقهاء رأيان في اتخاذها مطلقًا أو في حالة خشية مرور أحد: فقال المالكية والحنفية (١): السترة في الفرض أو النفل مندوبة للإمام والمنفرد إن خشيا مرور أحد بين يديهما في محل سجودهما فقط، وأما المأموم فسترة الإمام سترة له؛ لأنه ﵇ صلى ببطحاء مكة إلى عَنَزة (٢)، ولم يكن للقوم سترة (٣). ولا بأس بترك السترة إذا أمن المصلي المرور، ولم يواجه الطريق. فالمستحب لمن صلى بالصحراء أن ينصب بين يديه عودًا أو يضع شيئًا، ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط؛ لأن المقصود وهو الحيلولة بينه وبين المار لا يحصل به.
(١) فتح القدير:٢٨٨/ ١ ومابعدها، الدر المختار:٦١٠/ ١، البدائع:٣١٧/ ١، الشرح الصغير:٣٣٤/ ١، القوانين الفقهية: ص٥٦ هذا وقد ذكر الدردير أن المعتمد استحباب السترة. وذكر غيره أن المشهور السنية عند المالكية (الشرح الكبير:٢٤٤/ ١).
(٢) العنزة: أطول من العصا، وأقصر من الرُّمح.
(٣) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي جحيفة عن أبيه «أن النبي ﷺ صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عنزة، والمرأة والحمار يمرون من ورائها» (نصب الراية:٨٤/ ١).
 
وقال الشافعية والحنابلة (١): يستحب للمصلي أن يصلي إلى سترة، سواء أكان في مسجد أم بيت، فيصلي إلى حائط أو سارية (عمود)، أم في فضاء، فيصلي إلى شيء شاخص بين يديه كعصا مغروزة أو حربة، أو عرض البعير أو رحله عند الحنابلة، فإن لم يجد خطَّ خطًا قبالته، أو بسط مصلَّى كسجادة كما ذكر الشافعية.
ودليلهم حديث أبي جحيفة: «أن النبي ﷺ ركزت له العَنَزة، فتقدم وصلى الظهر ركعتين، يمر بين يديه الحمار والكلب، لا يمنع» (٢) وحديث طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤَخَّرة الرحل، فليصل، ولا يبال من مر وراء ذلك» (٣).
وسترة الإمام سترة لمن خلفه بالاتفاق؛ لأن النبي ﷺ صلى إلى سترة، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، كما ذكر في رأي المالكية والحنفية.
وفي حديث عن ابن عباس قال: «أقبلت راكبًا على حمار أتان، والنبي ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض أهل الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر علي أحد» (٤).
وذكر الحنابلة: أنه لا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة، فقد روي عن النبي ﷺ فيما ذكر أحمد - «أنه صلى ثَمَّ، ليس بينه وبين الطواف سترة» أي كأن مكة مخصوصة.
(١) مغني المحتاج:٢٠٠/ ١، المغني:٢٣٧/ ١ - ٢٤٤، شرح الحضرمية: ص٥٦ ومابعدها.
(٢) متفق عليه.
(٣) أخرجه مسلم.
(٤) متفق عليه.
 
٥ - صفة السترة وقدرها:
للفقهاء آراء متقاربة في ذلك فقال الحنفية: أدنى السترة طول ذراع (٢،٤٦سم) فصاعدًا وغلظ أصبع، لقوله ﷺ: «إذا جعلت بين يديك مثل مؤخرة الرحل، فلا يضر ك من مر بين يديك» (١) وقدرت العنزة التي كان يصلي إليها النبي ﷺ في الصحراء بذراع طولًا. ويعتبر الغرز دون الإلقاء والخط كما بينا. ويجوز عندهم الاستتار بظهر آدمي جالس أو قائم، أو بدابة لا إلى مصحف أو سيف، وحيلة الراكب: أن ينزل فيجعل الدابة بينه وبين المصلي، فتصير سترة، فيمر. ومن احتاج إلى المرور بين يدي المصلي، ألقى شيئًا بين يدي المصلي، ثم يمر من ورائه.
وقال المالكية أيضًا: أقلها طول الذراع في غلظ الرمح، بشرط أن تكون بشيء ثابت، طاهر، وكره النجس، لا يشوش القلب، فلا يستر بصبي لا يثبت، ولا بامرأة، ولا إلى حلقة المتكلمين، ولا بسوط وحبل ومنديل ودابة غير مربوطة، ويجوز الاستتار بالإبل والبقر والغنم المربوطة؛ لأنها عندهم طاهرة الفضلة، ولايجوز الاستتار بخط في الأرض ولا حفرة. بدليل ما روي عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يو م العيد، يأمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها الناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر» (٢) وعن أبي جحيفة قال: «وبين يديه عَنَزة» وهي عصا قصيرة فيها زُجّ (٣). وأما حديث أبي هريرة في الخط فهو ضعيف مضطرب (٤).
(١) أخرجه مسلم عن طلحة بن عبيد الله، وأخرج أيضًا عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل».
(٢) متفق عليه (نيل الأوطار:٢/ ٣).
(٣) الزج: الحديدة التي في أسفل الرمح.
(٤) انظر نيل الأوطار:٤/ ٣.
 
ويكره عندهم الاستتار بظهر امرأة أجنبية أو كافر، ويجوز من غير كراهة الاستتار برجل غير كافر، أو بامرأة محرم على الراجح.
وقال الشافعية: يستحب أن يصلي إلى شاخص قدر ثلثي ذراع طولًا وإن لم يكن له عرض كسهم، لخبر: «استتروا في صلاتكم ولو بسهم» (١)، ولا يستتر بدابة.
وقال الحنابلة كالحنفية والمالكية: قدر السترة في طولها ذراع أو نحوه، وأما قدرها في الغلظ والدقة فلا حد له عندهم، فيجوز أن تكون دقيقة كالسهم والحربة، وغليظة كالحائط، فإن النبي ﷺ كان يستتر بالعنزة.
واستدل الشافعية والحنابلة على إجزاء الخط بحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينْصِب عصًا، فإن لم يكن معه عصا، فليخط خطًا، ولا يضره ما مر بين يديه» (٢).
وصفة الخط عند الشافعية: أنه مستقيم طولًا. وعند الحنابلة: أنه مثل الهلال عرضًا كالقنطرة، وقال بعض الحنابلة: كيفما خطه أجزأه، إن شاء معترضًا وإن شاء طولًا.
وإن كان معه عصا، فلم يمكنه نصبها، ألقاها عند الجمهور عرضًا؛ لأن هذا في معنى الخط، فيقوم مقامه. وقال المالكية: لا بد من وضعها منصوبة.
وأجاز الحنابلة أن يستتر ببعير أو حيوان أو إنسان، وفعله ابن عمر وأنس،
(١) رواه الحاكم وقال: على شرط مسلم.
(٢) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان وصححه، والبيهقي، وصححه أحمد وابن المديني. وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والبغوي وغيرهم، وأورده ابن الصلاح مثالًا للمضطرب، قال ابن حجر: ونوزع في ذلك (نيل الأوطار:٤/ ٣).
 
بدليل ماروى ابن عمر: «أن النبي ﷺ صلَّى إلى بعير» (١) وفي لفظ: «كان رسول الله ﷺ يعرض راحلته، ويصلي إليها» قال: قلت: فإذا ذهب الركاب؟ قال: يعرض الرحل، ويصلي إلى آخرته، فإن استتر بإنسان، فلا بأس، فإنه يقوم مقام غيره من السترة. وعن نافع قال: «كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلًا إلى سارية من سواري المسجد، قال: ولّني ظهرك».
وروي عن حميد بن هلال قال: «رأى عمر بن الخطاب رجلًا يصلي، والناس يمرون بين يديه، فولاه ظهره، وقال بثوبه هكذا، وبسط يديه هكذا، وقال: صل ولاتعجل» (٢).
والخلاصة: يصح الاستتار بظهر آدمي أو امرأة عند الحنفية والمالكية، وقال الحنابلة: يصح الاستتار بالآدمي مطلقًا بظهره أو غيره، وقال الشافعية: لا يصح الاستتار بالآدمي مطلقًا، ويصح عند الجمهور الاستتار بسترة مغصوبة ولا يصح بها وتكره الصلاة إليها عند الحنابلة، ويصح الاستتار عند الجمهور بالسترة النجسة، ولا يصح ذلك عند المالكية، ويصح بالاتفاق الاستتار بجدار.

٦ - استقبال وجه الإنسان أو الصلاة إلى نار أو صورة أو امرأة تصلي (٣):
اتفق الفقهاء على أنه يكره أن يصلي مستقبلًا وجه إنسان؛ لأن عمر ﵁ أدَّب على ذلك، وفي حديث عائشة: «أن النبي ﷺ كان يصلي حذاء وسط السرير، وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة، فأكره أن أقوم، فاستقبله، فأنسل انسلالًا» (٤)، وأنه شبه السجود لذلك الشخص. والكراهة فيه عند الحنفية تحريمية.
(١) رواه البخاري ومسلم.
(٢) رواهما البخاري بإسناده.
(٣) المغني:٢٤٢/ ١ ومابعدها، المهذب:٦٩/ ١.
(٤) متفق عليه.
 
ويكره اتفاقًا أن يصلي إلى نار من تنور، وسراج وقنديل وشمع ومصباح ونحوها؛ لأن النار تعبد من دون الله، فالصلاة إليها تشبه الصلاة لها.
وتكره الصلاة إلى صورة منصوبة في وجهك؛ لأن الصورة تعبد من دون الله، وقد روي عن عائشة قالت: «كان لنا ثوب فيه تصاوير، فجعلته بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، فنهاني: أو قالت: كره ذلك» (١) ولأن التصاوير تشغل المصلي بالنظر إليها، وتذهله عن صلاته، قال أحمد: يكره أن يكون في القبلة شيء معلق، مصحف أو غيره، ولا بأس أن يكون موضوعًا على الأرض. وقال الحنفية: لا بأس بأن يصلي وبين يديه مصحف معلق أو سيف معلق؛ لأنهما لا يعبدان. ولا بأس أن يصلي على بساط فيه تصاوير، لاستهانته بها.
ويكره أن يصلي، وأمامه امرأة تصلي، لقول النبي ﷺ: «أخروهن من حيث أخرهن الله» (٢). أما في غير الصلاة، فلا يكره لخبر عائشة المتقدم. وروى أبو حفص بإسناده عن أم سلمة قالت: «كان فراشي حيال مصلَّى النبي ﷺ».

٧ - مدى بُعْد السترة عن المصلي: 

يستحب عند الجمهور أن يقرب من سترته قدر ثلاثة أذرع فأقل من ابتداء قدميه، لحديث بلال: «أن النبي ﷺ دخل الكعبة، فصلى وبينه وبين الجدار نحوٌ من ثلاثة أذرع» (٣) وروى الاسماعيلي عن سلمة: «كان المنبر على عهد رسول الله ﷺ ليس بينه وبين حائط القبلة إلا قدر ما تمر العنز» وممر العنز: ثلاثة أذرع.
(١) رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده.
(٢) أخرجه رزين (كنوز الحقائق للمناوي بهامش الجامع الصغير:١٢/ ١).
(٣) رواه أحمد والنسائي، ومعناه للبخاري من حديث ابن عمر (نيل الأوطار: ٣/ ٣).
 
وقال المالكية: يجعل بينه وبينها قدر ممر الهر أو الشاة، وقيل: ثلاثة أذرع. للحديث المتفق عليه عن سهل بن سعد: «كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر شاة».

٨ - موقف المصلي من السترة:
السنة باتفاق المذاهب الأربعة: أن يميل المصلي عن السترة يمينًا أو يسارًا، بحيث لا يقابلها، ولا يصمُد لها صمدًا (أي لا يجعلها تلقاء وجهه)، لما روى أبو داود عن المقداد بن الأسود، قال: «ما رأيت رسول الله ﷺ صلَّى إلى عود أو إلى عمود، ولا شجرة، إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمُد له صَمْدًا» (١).

٩ - المرور بين يدي المصلي:
قال الحنفية (٢): يكره تحريمًا المرور بين يدي المصلي، ويأثم المار في موضع سجود المصلي، إذا اتخذ سترة، دون أن يكون بينهما حائل كعمود أو جدار، وتحاذت بعض أعضاء المار أعضاء المصلي كمحاذاة رأس المار قدمي المصلي، وذلك إذا كان يصلي في الصحراء. ولو مر رجلان، فالإثم على من يلي المصلي.
فإن مر إنسان فيما بعد موضع سجود المصلي، أو لم يكن المصلي متخذًا سترة، أو وجد حائل ولو ستارة، أو لم تتحاذ كل أعضاء المار مع أعضاء المصلي بأن مشى جانبه، أو مر في المسجد وراء السترة، لم يحرم المرور ولم يأثم المار؛ لأن المؤثم المرور بين يدي المصلي، ولأن المسجد كبقعة واحدة، ويجوز المرور بين يدي المصلي لسدّ فرجة في الصف.
(١) الصمد: القصد (نيل الأوطار:٥/ ٣).
(٢) فتح القدير:٢٨٧/ ١ ومابعدها، البدائع:٢١٧/ ١، رد المحتار:٥٩٤/ ١.
 
كذلك يكره للمصلي أن يتعرض بصلاته لمرور الناس بين يديه، بأن يصلي بدون سترة في طريق مثلًا، فيأثم بمرور الناس بين يديه بالفعل، لا بترك السترة، فلو لم يمر أحد لا يأثم؛ لأن اتخاذ السترة في ذاته ليس واجبًا.
ومن الذي يأثم؟ المصلي أم المار؟ هناك صور أربع: الأولى: إثم المار وحده: أن يكون للمار مندوحة عن المرور بين يدي المصلي، ولم يتعرض المصلي لذلك، فيختص المار بالإثم إن مر. الثانية: إثم المصلي وحده: وهي عكس الأولى: أن يكون المصلي تعرض للمرور وليس للمار مندوحة عن المرور، فيختص المصلي بالإثم دون المار. الثالثة: أن يتعرض المصلي للمرور ويكون للمار مندوحة، فيأثمان. الرابعة: ألا يتعرض المصلي ولا يكون للمار مندوحة، فلا يأثم واحد منهما.
وقال المالكية (١): يأثم المار بين يدي المصلي فيما يستحقه من محل صلاته، سواء صلى لسترة أم لا، ما لم يكن محرمًا بصلاة، فيجوز له المرور لسد فرجة بصف أو لغسل رعاف، وما لم يكن طائفًا بالبيت الحرام، فلا حرمة على الطائف والمصلي إذا مرّا بين يدي المصلي، ولو كان لهما مندوحة، أي سعة وطريق يمران فيهما. وحرمة المرور هذه إذا كان للمار مندوحة أي سعة وطريق آخر يمر فيه. فإن لم يكن له طريق إلا ما بين يدي المصلي، فلا إثم عليه إن احتاج للمرور، وإلا أثم.
ويأثم مصل تعرَّض بصلاته من غير سترة في محل يظن به المرور، ومرَّ بين يديه أحد.
وقد يأثمان معًا إن تعرض بغير سترة، وكان للمار مندوحة.
(١) الشرح الصغير:٣٣٦/ ١.
 
وقد يأثم أحدهما، فيأثم المصلي إن تعرض، ولا مندوحة للمار، ويأثم المار إن كان له مندوحة ولم يتعرض المصلي، أي إن قصر أحدهما دون الآخر أثم وحده.
وقد لا يأثم واحد منهما إن اضطر المار، ولم يتعرض المصلي.
وقال الشافعية (١): الصحيح تحريم المرور إن اتخذ المصلي سترة، ولو لم يجد المار سبيلًا آخر، لخبر أبي جهم الأنصاري: «لو يعلم المار بين يدي المصلي (أي إلى السترة) ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خريفًا، خيرًا له من أن يمر بين يديه» (٢).
ويكره تعرض المصلي بصلاته في موضع يحتاج للمرور فيه.
وقال الحنابلة (٣): يأثم المار بين يدي المصلي، ولو لم يكن له سترة، لحديث أبي جهم الأنصاري السابق. ويكره تعرض المصلي لمكان فيه مرور، كما قال الشافعية.

المرور أمام المصلي في أثناء الطواف: 

 اتفق الفقهاء على أنه يجوز المرور بين يدي المصلي للطائف بالبيت أو داخل الكعبة أوخلف مقام إبراهيم ﵇، وإن وجدت سترة، وأضاف الحنابلة أنه لا يحرم المرور بين يدي المصلي في مكة كلها وحرمها.
(١) مغني المحتاج:٢٠٠/ ١.
(٢) رواه الشيخان إلا (من الإثم) فالبخاري، وإلا (خريفًا) فالبزار، وانظر أحاديث السترة في (شرح مسلم:٢١٦/ ٤ - ٢٢٨).
(٣) المغني:٢٤٥/ ١ ومابعدها.
 
١٠ - موضع حرمة المرور:
قال الحنفية (١): إ ن كان يصلي في الصحراء أو في مسجد كبير، فيحرم المرور في الأصح بين يديه، من موضع قدمه إلى موضع سجوده. وإن كان يصلي في بيت أو مسجد صغير (وهو ما كان أقل من أربعين ذراعًا على المختار)، فإنه يحرم المرور من موضع قدميه إلى حائط القبلة؛ لأنه كبقعة واحدة، إن لم يكن له سترة.
فلو كانت له سترة لا يضر المرور وراءها.
ولا يجعل المسجد الكبير أو الصحراء كمكان واحد؛ لأنه لو جعل كذلك، لزم الحرج على المارة، فاقتصر على موضع السجود.
وقال المالكية (٢): إن صلى لسترة حرم المرور بينه وبين سترته، ولا يحرم المرور من ورائها، وإن صلى لغير سترة، حرم المرور في موضع قيامه وركوعه وسجوده فقط.
وقال الشافعية (٣): يحرم المرور فيما بين المصلي وسترته بقدر ثلاثة أذرع فأقل.
وقال الحنابلة (٤): إن اتخذ المصلي سترة حرم المرور بينه وبينها ولو بعدت، وإن لم يتخذ سترة حرم المرور في مسافة بقدر ثلاثة أذرع من قدمه.
(١) الدر المختار ورد المحتار:٥٩٣/ ١.
(٢) الشرح الكبير:٢٤٦/ ١، حاشية الصاوي على الشرح الصغير:٣٣٥/ ١.
(٣) مغني المحتاج:٢٠٠/ ١، المهذب:٦٩/ ١، المجموع:٢٣٠/ ٣.
(٤) المغني:٢٣٩/ ٢، كشاف القناع:٤٣٩/ ١.
 
١١ - دفع المار بين يدي المصلي:
يرى أكثر العلماء أن للمصلي منع المار بين يديه ودفعه، لما ثبت في السنة من الأحاديث الصحيحة، منها ما رواه ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: «إذا كان أحدكم يصلي، فلا يدع أحدًا يمرّ بين يديه، فإن أبى فلْيقاتلْه، فإن معه القَرين» (١).
ومنها حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا صلَّى أحدكم إلى شيء يستُره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان» (٢).
ولكن اختلف الفقهاء في أفضلية دفع المار:
فقال الحنفية (٣): هو رخصة، والأولى تركه، والعزيمة ترك التعرض له. أما الأمر بمقاتلة المار، فكان في بدء الإسلام حين كان العمل في الصلاة مباحًا، فهو منسوخ.
وإذا أراد الرجل الدفع عملًا بالرخصة: دفع بالإشارة، أو التسبيح، أو الجهر بالقراءة، ولا يزاد عليها، ويكره الجمع بينهما. وتدفع المرأة بالإشارة أو بالتصفيق لابباطن الكفين، وإنما ببطن اليمنى على ظهر اليسرى.
ودليل الدفع بالإشارة: ما فعله الرسول ﷺ بولدي أم سلمة ﵂ (٤). ودليل الدفع بالتسبيح حديث: «من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا
(١) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه. والقرين: الشيطان المقرون بالإنسان لا يفارقه (نيل الأوطار:٥/ ٣).
(٢) رواه الجماعة إلا الترمذي وابن ماجه. وإطلاق الشيطان على المار من الإنس ذائع شائع، والسبب هنا أنه فعل فعل الشيطان (المصدر السابق).
(٣) الدر المختار:٥٩٦/ ١ ومابعدها، البدائع:٢١٧/ ١، فتح القدير:٢٨٩/ ١ ومابعدها.
(٤) رواه ابن ماجه وابن أبي شيبة عن أم سلمة (نصب الراية:٨٥/ ٢).
 
سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء» (١).
وقال المالكية (٢): يندب للمصلي أن يدفع المار بين يديه دفعًا خفيفًا فإن كثر أبطل صلاته، ولو دفعه فأتلف له شيئًا، كما لو خرق ثوبه أو سقط منه مال، ضمن على المعتمد، ولو دفعه دفعًا مأذونًا فيه.
وقال الشافعية والحنابلة (٣): يسن للمصلي أن يدفع المار بينه وبين سترته، عملًا بالأحاديث الثابتة المتقدمة، ويضمن المصلي المار إن قتله أو آذاه، هذا ولا يرد المار بين يدي المصلي في مكة والحرم، بدليل ماروى أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي عن المُطّلِب بن وَدَاعة: «أنه رأى النبي ﷺ يصلِّي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه، وليس بينهما سُترة».

١٢ - هل المرور بين يدي المصلي يقطع الصلاة؟

  اتفق أئمة المذاهب الأربعة على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطعها ولا يبطلها، وإنما ينقص الصلاة إذا لم يرده (٤)، لقول ﷺ: «لا يقطع صلاة المرء شيء، وادرؤوا ما استطعتم» (٥).
وروي عن ابن مسعود: «أن ممر الرجل يضع نصف الصلاة، وكان عبد الله إذا مر بين يديه رجل التزمه حتى يرده» (٦). قال القاضي أبو يعلى الحنبلي: ينبغي
(١) أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد (نصب الراية:٧٥/ ٢ ومابعدها).
(٢) القوانين الفقهية: ص٥٦، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير:٢٤٦/ ١.
(٣) مغني المحتاج:٢٠٠/ ١، المغني:٢٤٥/ ٢ ومابعدها، كشاف القناع:٤٣٨/ ١ ومابعدها.
(٤) رد المحتار:٥٩٣/ ١، القوانين الفقهية: ص٥٦، المهذب:٦٩/ ١، المغني:٢٣١/ ٢، كشاف القناع:٤٣٩/ ١.
(٥) رواه أبو داود بإسناد ضعيف من رواية أبي سعيد الخدري (المجموع:٢٢٧/ ٣، نصب الراية:٧٦/ ٣).
(٦) رواه البخاري بإسناده.
 
أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد، فلم يفعله، أما إذا رد فلم يمكنه الرد، فصلاته تامة، لأنه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة، فلا يؤثر فيها ذنب غيره.
وقال الإمام أحمد: لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود البهيم (١)، قال معاذ ومجاهد: الكلب الأسود شيطان، وهو يقطع الصلاة.
وقال الظاهرية: يقطع الصلاة مرور المرأة والكلب والحمار، لحديث أبي هريرة: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل» (٢) وحديث أبي ذر: «إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود، قال عبد الله بن الصامت: يا أبا ذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟ قال: يابن أخي، سألت رسول الله ﷺ كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان» (٣)
واقتصر الحنابلة على بطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود، لمعارضة هذين الحديثين بحديث الفضل بن عباس عند أبي داود المتضمن صلاة النبي ﷺ أمام حمار، وحديث عائشة السابق المتضمن صلاة الرسول ﵇ وهي معترضة بينه وبين القبلة، وحديث ابن عباس المتفق عليه الذي مر راكبًا على حمار، ثم نزل وترك الأتان ترتع بين الصفوف، فبقي الكلب الأسود خاليًا عن معارض، فيجب القول به لثبوته، وخلوه عن معارض.
ورد النووي على هذه الأحاديث الصحيحة لدى الحنابلة والظاهرية بما أجاب
(١) البهيم: الذي ليس في لونه شيء سوى السواد.
(٢) رواه أحمد ومسلم واللفظ له، وابن ماجه.
(٣) رواه الجماعة إلا البخاري، يعني أحمد ومسلمًا وأصحاب السنن كلهم.
 
به الشافعي والخطابي والمحققون من الفقهاء والمحدثين: بأن المراد بالقطع القطع عن الخشوع والذكر، للشغل بها والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة (١).

تقديم العَشَاء على صلاة العشاء: 

إذا حضر العشاء في وقت الصلاة، فالمستحب عند الشافعية والحنابلة أن يبدأ بالعَشَاء قبل الصلاة إذا كانت نفسه تتوق إلى الطعام كثيرًا، ليكون أفرغ لقلبه، وأحضر لباله، ولا يستحب أن يعجل عن عشائه أو غدائه. روى مسلم وغيره عن أنس أن النبي ﷺ قال: «إذا قُرِّب العَشَاء، وحضرت الصلاة فابدؤوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم» وقالت عائشة: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا صلاة بحضور طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» أي البول والغائط. ولا فرق بين كون الصلاة جماعة أو غير جماعة، لما رواه مسلم عن ابن عمر: «إذا قرِّب عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعَشَاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه» أي وأقيمت الجماعة.
وقال مالك: تبدأ الجماعة بالصلاة إلا أن يكون طعامًا خفيفًا (٢).

 

 المبحث الثالث - صفة الصلاة أو كيفيتها:

 
صفة صلاة رسول الله ﷺ:  

عن أبي حميد الساعدي أنه قال وهو في عَشَرة من أصحاب رسول الله ﷺ، أحدُهم أبو قتادة: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ، قالوا: ماكنتَ أقدم منا له صُحبة، ولا أكثَرنا له إتيانًا؟ قال: بلى، قالوا: فاعرض (٣)، فقال:
(١) المجموع:٢٣٢/ ٣.
(٢) المغني:٦٢٩/ ١.
(٣) عرض الكتاب: قرأه عن ظهر قلب.
 
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه، حتى يحاذي بهما مَنْكبيه، ثمَ يكبر، فإذا أراد أن يركع، رفع يديه، حتى يحاذي بهما مَنْكبيه، ثم قال: الله أكبر، وركع.
ثمّ اعتدل، فلم يُّصوِّب رأسه ولم يُقْنِع (١)، ووضع يديه على ركبتيه، ثمّ قال: سمع الله لمن حمِدَه، ورفع يديه واعتدل، حتى يرجِع كل عظم في موضعه معتدلًا (٢).
ثم هوى (٣) إلى الأرض ساجدًا، ثم قال: الله أكبر، ثم ثنى رجله وقعد عليها (٤)، واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثم نهض.
ثم صتع في الركعة الثانية مثل ذلك، حتى إذا قام من السجدتين، كبّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكبيه، كما صنع حين افتتح الصلاة، ثم صنع كذلك، حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته، أخَّر رجله اليسرى، وقعد على شقه متورِّكًا (٥)، ثمَّ سلَّم.
قالوا: صدقت، هكذا صلى رسول الله ﷺ (٦).
ويقول النبي ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصّلي» (٧).
(١) أي لم يبالغ في خفضه وتنكيسه، ولم يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره.
(٢) أي حتى يقر كل عظم في موضعه. وفي رواية البخاري: «حتى يعود كل فقار».
(٣) الهويّ: السقوط من علو إلى أسفل.
(٤) هذه تسمى قعدة الاستراحة.
(٥) التورك في الصلاة: القعود على الورك اليسرى، والوركان: فوق الفخذين، كالكعبين فوق العضدين.
(٦) رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي، ورواه البخاري مختصرًا (نيل الأوطار: ١/ ١٨٤)
(٧) رواه البخاري عن مالك بن الحويرث (سب السلام: ١/ ٢٠٠).
 
توضيح كيفية الصلاة:
يتبين من هذا الحديث ومما ذكرناه من شروط الصلاة وأركانها وسننها وآدابها ومندوباتها في المذاهب المختلفة أن صفة الصلاة على النحو التالي (١):
يراعي المصلي شروط الصلاة من ستر العورة وطهارة البدن والثوب والمكان وغيرهما، ثم يتوضأ للصلاة، ثم يؤذن لها ويقيم بعد دخول وقتها، ثم يستقبل القبلة، ثم يشرع في الصلاة ناويًا بقلبه، مكبرًا للافتتاح، ويسن التلفظ بالنية عند الجمهور (غير المالكية)، قائلًا وجوبًا بلا مد: «الله أكبر» جاهرًا بها عند المالكية، رافعًا يديه مع ابتداء التكبير، مخرجًا كفيه من كميه، بخلاف المرأة، مفرجًا أصابعه عند الجمهور (غير الحنابلة)، مستقبلًا بها القبلة، محاذيًا بإبهاميه شحمتي أذنيه عند الحنفية، وحذو منكبيه عند غيرهم وعند الحنفية للمرأة، كماثبت في السنة، ثم يضع عند الجمهور (غير المالكية) كفَّه اليمنى على اليسرى تحت سرته عند الحنفية والحنابلة، وتحت صدره عند الشافعية، ويرسلهما عند المالكية.
وينظر المصلي إلى موضع سجوده، ثم يقرأ الثناء (٢) عند الحنفية والحنابلة، والتوجه (٣) عند الشافعية، ولا يقرؤهما عند المالكية، ثم يتعوذ سرًا للقراءة بالاتفاق، ويسمي سرًا عند الحنفية والحنابلة، ويجهر بالبسملة عند الشافعية، ولايسمي عند المالكية، ثم يقرأ الفاتحة، ويؤمِّن المصلي بعد ﴿ولا الضالين﴾ [الفاتحة:٧/ ١] سرًا عند المالكية والحنفية، جهرًا عند الشافعية والحنابلة، ثم يقرأ
(١) انظر اللباب شرح الكتاب:٦٨/ ١ - ٧٧، القوانين الفقهية: ص٥٧ - ٦٦، المهذب:٧٠/ ١ - ٨٠، كشاف القناع:٣٨١/ ١ - ٤٥٩، مغني المحتاج:١٤٨/ ١ - ١٨٤، مراقي الفلاح: ص٤٤ - ٤٦.
(٢) وهو أن يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك).
(٣) وهو (وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين).
 
سورة أو آيات بعد الفاتحة من طوال المفصل في الفجر والظهر، ومن أوساطه في العصر والعشاء، وكذا في الظهر عند الحنابلة، ومن قصاره في المغرب، وكذا في العصر عند المالكية، ويجهر بالقراءة ليلًا، ويسر بها نهارًا.
ثم يكبر للركوع مع ابتداء الانحناء وينهيه بانتهائه، رافعًا يديه عند الجمهور غير الحنفية، آخذًا ركبتيه بيديه، مطمئنًا، مفرجًا أصابعه، باسطًا ظهره مستقيمًا، مسويًا رأسه بعجزه، غير رافع رأسه ولا خافضه، ناصبًا ساقيه، مجافيًا مرفقيه عن جنبيه، قائلًا ثلاثًا: (سبحان ربي العظيم) مع إضافة (وبحمده) عند غير الحنفية.
ثم يرفع رأسه من الركوع قائلًا: (سمع الله لمن حمده)، ويقول المقتدي فقط سرًا عند الجمهور غير الشافعية: (ربنا لك الحمد)، ويجمع بينهما عند الشافعية كالإمام ولا يجهر بالتحميد، كما يجمع بينهما المنفرد عند المالكية. ويجمع بينهما الإمام عند الحنفية والحنابلة، ولا يحمد الإمام عند المالكية، رافعًا يديه عند غير الحنفية، مطمئنًا بالاتفاق حال الاعتدال، ولا يرفع يديه عند الحنفية إلا في التكبيرة الأولى.
ثم يهوي للسجود واضعًا عند غير المالكية ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، ويقدم اليدين عند المالكية، ناصبًا قدميه، موجهًا أصابعها نحو القبلة، واضعًا عند الحنفية وجهه بين كفيه، مجافيًا بطنه عن فخذيه، وعضديه عن جنبيه، والمرأة لاتجافي؛ لأنه أستر لها، واضعًا عند غير الحنفية كفيه حذو منكبيه، ناشرًا أصابعهما مضمومة للقبلة، معتمدًا عليهما، مطمئنًا في سجوده، ويقول ثلاثًا: (سبحان ربي الأعلى) ويضيف عند غير المالكية: (وبحمده).
ثم يرفع رأسه مكبرًا، ويجلس بين السجدتين مطمئنًا، مفترشًا رجله اليسرى ويجلس عليها، ناصبًا رجله اليمنى، واضعًا يديه على فخذيه، ويقول عند
 
غيرالحنفية: (رب اغفر لي). ثم يكبر للسجود، ويسجد السجدة الثانية، كالأولى.
ثم يكبر للنهوض إلى الركعة الثانية، ويقوم عند الحنفية على صدور قدميه (١)، ولا يقعد، ولا يعتمد بيديه على الأرض، وإنما يعتمد عندهم على ركبتيه إلا أن يشق عليه فيعتمد على الأرض، ولا يجلس للاستراحة عند غير الشافعية. ويعتمد بيديه على الأرض عند الشافعية والحنابلة، ويجلس للاستراحة ويرفع يديه حالة النهوض عند الشافعية.
فإذا استوى قائمًا لم يقرأ الاستفتاح بالاتفاق، وإنما يتعوذ سرًا عند الشافعية والحنابلة، ولا يتعوذ عند الحنفية والمالكية، ولا يبسمل عند المالكية، وكذا عند الحنفية إذا كان إمامًا، ويبسمل عند الجمهور، ويقرأ الفاتحة وسورة، ويقصر قراءة الركعة الثانية عن الأولى.
ثم يركع ويسجد كما فعل في الركعة الأولى، ويقنت في صلاة الصبح قبل الركوع عند المالكية وهو أفضل، ويجوز بعده، وبعده عند الشافعية، وبعده في الوتر في جميع السنة عند الحنابلة، كما سنبين.
فإذا أتم السجدة الثانية من الركعة الثانية، جلس للتشهد الأول مفترشًا عند الجمهور (غير المالكية) متوركًا عند المالكية، كما بينا، موجهًا أصابعه نحو القبلة، واضعًا يديه على فخذيه، باسطًا أصابعه عند الحنفية، باسطًا اليسرى، قابضًا ما عدا السبابة والإبهام عند المالكية، وما عدا السبابة فقط عند الشافعية، ويحلِّق الإبهام مع الوسطى عند الحنابلة. ويشير بالسبابة عند الحنفية عند قوله: (لا إله)
(١) وذلك بأن يقوم وأصابع القدمين على هيئتها في السجود.
 
ثم يضعها عندهم عند (إلا الله)، ويشير في رأي الشافعية والحنابلة عند قوله: (إلا الله) بلا تحريك، ومع التحريك والإشارة بها من أول التشهد عند المالكية.
ثم يقرأ التشهد بإحدى الصيغ الثلاث السابقة إلى قوله «عبده ورسوله» (١)، دون أن يضم إليه عند الجمهور (غير الشافعية) أي زيادة في القعدة الأولى، ويضم إليه عند الشافعية الصلاة على النبي ﷺ فقط. أما في التشهد الأخير فيضم إليه الصلاة الإبراهيمة.
ويتورك عند غير الحنفية في التشهد الأخير، ثم يدعو عند الحنفية بالمأثور من القرآن والسنة، أو بما شاء عند الجمهور.
ثم يسلم عن يمينه وشماله في الصلاة الثنائية، قائلًا: (السلام عليكم ورحمة الله) ويضيف عند المالكية (وبركاته) دون أن يمده مدًا أي لا يطيله ويسرع فيه، لقوله ﷺ: «حذف التسليم سنة» (٢) قال ابن المبارك: معناه ألا يمد مدًا.
فإن كانت الصلاة ثلاثية، أتى بركعة ثالثة، ثم يتشهد ويسلم، وإن كانت الصلاة رباعية، أتى بركعتين، ثم يتشهد ويسلم. ولا يقرأ غير الفاتحة في الفريضة في الركعتين الثالثة والرابعة، ويقرأ فيهما سورة عند الحنفية في النافلة وجميع ركعات الوتر، ولا يقرأ فيهما كالفرض سورة عند الشافعية.
(١) صيغة التشهد عند الحنفية والحنابلة: (التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) وعند المالكية: (التحيات لله، الزكيات لله، الطيبات الصلوات لله .. الخ ما سبق). وعند الشافعية: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله).
(٢) رواه أحمد وأبو داود، ورواه الترمذي موقوفًا وصححه (نيل الأوطار:٢٩٥/ ٢).

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية