Friday, August 16, 2013

مقومات التصوف عند الغزالي

Tags

مقومات التصوف عند الغزالي



محتويات

المبحث الثالث: تجربة الغزالي الصوفية

لقد عزم الغزالي على السير في طريق مجاهدة النفس و تزكيتها و التحكم فيها، وهذا يقتضي البحث عن الحقيقة و الوصول إليها، وهذا ما سنراه من خلال دراستنا لكتاب " المنقذ من الضلال".

المطلب الاول: المنقذ من الضلال

من المناسب أن نعطي فكرة ولو موجزة عن كتاب " المنقذ من الضلال" و الذي يسميه الغربيون باعترافات الغزالي.
فهو على الرغم من صغر حجمه يعتبر من أغزر الكتب فائدة و تعريفا بحياة الغزالي و آرائه و تصوراته و الطريقة التي سار عليها للوصول إلى الحقيقة، فقد وصف في هذا الكتاب الذي الفه في أواخر أيامه ما أحاط به من الشك، و ما كابده من المشقة في استخلاص الحق و من اضطراب الفرق، وما ارتضاه لنفسه من طريق التصوف، وما صرفه عن نشر العلم ببغداد، ثم ما حمله على ترك عزلته لمعاودة نشر العلم في نيسابور، كل ذلك بأسلوب جميل تغلب فيه اللهجة الخطابية على الكلام البرهاني. وليس كتاب المنقذ من الضلال كتابا فلسفيا جافا ككتاب التهافت، و إنما هو حكاية حال الغزالي نفسه، كيف انحلت عنه رابطة التقليد، و كيف استولى عليه الشك، و كيف استشفى في النهاية بأدوية التصوف39.

و بالتالي فإننا سنقتصر في تحليل هذا الكتاب على الإلمام بثلاث مسائل وهي:

الشك، انتقاد الفرق، النبوة و الإصلاح الديني.

1. الشك:

إن أول ما يسترعي انتباهنا في حياة الغزالي تعطشه إلى إدراك الحقيقة، فهو يشبه اضطراب الفرق، واختلاف المذاهب في زمانه، وبحر عميق غرق فيه الأكثرون، و إذا كان قد عزم على اقتحام لجة هذا البحر العميق و التوغل في ظلماته، فمرد ذلك إلى ميل طبيعي في نفسه. قال:"ولم أزل في عنفوان شبابي، وريعان عمري، منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف العمر على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، و أخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، و اتوغل في كل مظلمة، و اتهجم على كل مشكلة، و أقتحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، و أستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيا إلا وأحب ان أطلع على باطنيته، و لا ظاهريا إلا و أريد ان أعلم حاصل ظاهريته، ولا فلسفيا إلا و أقصد الوقوف على كنه فلسفته، و لا متكلما إلا واجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته، و لا صوفيا إلى و أحرص على العثور على سر صوفيته، و لا متعبدا إلا و أترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، و لا زنديقا معطلا إلا و أتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته40".

ولقد تعطش الغزالي إلى إدراك الحقائق الكونية وهو لازال في ميعة الشباب لم يبلغ العشرين من عمره، وبقي هذا التعطش ملازما له طوال ثلاثين سنة، يدرس ويتدارس، يناقش ويجادل، يهجم على الأفكار و النظريات المختلفة فيقتلها بحثا محاولا استكشاف حقائقها، ويقصد مختلف المدراس الفسفية و الكلامية و الصوفية و الباطنية ليتعرف إلى الحقيقة عن طريقها41.

2. انتقاد الفرق:

انحصرت الفرق عند الغزالي في أربع: فرقة المتكلمين، وفرقة الباطنية، وفرقة الفلاسفة، وفرقة الصوفية.

1. فرقة المتكلمين: نرى أن علم الكلام غير واف بمقصوده، لان علماء الكلام يستندون في الرد على اهل البدع و إلى مقدمات يتسلمونها من خصومهم، وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات.

2. أمــا فرقة الفلاسفة فتنقسم في نظر الغزالــــي إلى ثلاثــة أقســــــام: و هم الدهريــــون، و الطبيعيون،و الإلهيون.

 أما الدهريون، فهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه بلا صانع، ويكون هؤلاء هم الزنادقة.

 و أما الطبيعيون، فهم قوم أكثروا البحث في عالم الطبيعة، فأروا فيه من عجائب صنع الله وبدائع حكمته ما اضطروا معه إلى الإعتراف بفاطر حكيم مطلع على غايات الأمور ومقاصدها، إلا أن كثرة بحثهم في الطبيعة و اعتدال المزاج و تأثيره، ظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه، وذهبوا إلى ان النفس تموت بموت البدن، وهكذا جحدوا الآخرة، و أنكروا الجنة و النار، و القيامة و الحساب، فلم يبق عندهم للطاعة ثواب، و لا للمعصية عقاب،وهؤلاء، أيضا زنادقة.

 وأما الإلهيون، فإنهم بجملتهم ردوا على الدهريين و الطبيعيين، ثم رد أرسطو على أفلاطون وسقراط ومن كان قبله، إلا أنه استبقى من رذائل كفرهم أشياء لم يوفق للنزوع عنها، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة الإسلاميين كالفـــــارابي وابن سينــــا و أترابهم، ولكن هذا التفكير لا يشمل كل ما نقل عن أرسطو، فإن ما نقله هذان الرجلان ينحصر في ثلاثة أقسام: قسم يجب التفكير به، وقسم يجب التبديع به، وقسم لا يجب إنكاره أصلا.

3. و أما أصحاب التعليم، فقد قرر الغزالي شبهتهم، و أظهر فسادها في عدة كتب، منها كتاب المستظهري وكتاب القسطاس المستقيم...، حتى لامه بعضهم على تقرير حجـــتهــــم و إسهامه في نشرها، فأجاب عن ذلك بقوله أن هذا الكلام حق ولكن فيه شبهة لم تنتشر، أما إذا انتشرت فالجواب عنها واجب، ولم يعمد الغزالي إلى تقرير حجته التعليمية لأن أصحاب التعليم يتهمون كل من يرد عليهم بالجهل، فأراد الغزالي أن يثبت لهم أنه يستطيع أن يقرر شبهتهم إلى أقصى حدود الإمكان، و أن يظهر فسادها بغاية البرهان.

4. و أما الصوفية، فهم في نظر الغزالي خواص الحضرة، و أهل المشاهدة، و المكاشفة وطريقتهم مؤلفة من علم وعمل، وهم أرباب أحوال لا أصحاب أقوال، من جالسهم استفاد منهم بالإيمان، فهم قوة لا يشقى جليسهم، وقال الغازالي:" ولو جمع عقل العقلاء وحكم الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم و اخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه، ولم يجدوا إليه سبيلا42".

3. النبوة و الإصلاح الديني:

نجد في كتاب المنقذ من الضلال فصل عنوانه"حقيقة النبوة واضطرار الخلق إليها"، يشير فيه الغزالي إلى أن درجات الإدراك متفاوتة. فجوهر الإنسان في الأصل خلق خاليا ساذجا جاهلا بما يحيط به من الموجودات، إلا أنه يطلع بعد ذلك على العوالم بواسطة الإدراك. وقد تنوعت الإدراكات بتنوع أجناس الموجودات، فقوة الحس تدرك عالم المحسوسات، وقوة التمييز تدرك أورا زائدة على عالم المحسوسات، وقوة العقل تدرك الواجبات و الجائزات و المستحيلات و أمور أخرى لا توجد في الأطوار التي قبلها. ووراء طور العقل قوة أخرى تدرك الغيب و أمورا أخرى لا يدركها العقل، فللإدراك إذن أربع مراتب أدناها مدركات الحس و أعلاها مدركات النبوة.

و البرهان على وجود مدركات النبوة وجود معارف لا يتصور أن تنال بالعقل كحقائق علم الطب والنجوم، فإن من يبحث عنها يعلم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي. و البرهان على وجود النبوة أيضا أن في الإنسان نموذجا من مدركاتها، وهو النوم، لأن النائم قد يدرك ما سيكون في الغيب، ويرى ويسمع، ويبصره ويسمعه في حال غفلة، فالرؤيا تدل إذن على أن في الإنسان نموذجا من خواص النبوة وهي تقرب مدركاتها من العقل،وما عادا ذلك من خواص النبوة فهو يدرك بالذوق من سلوك طريق التصوف .

فالغزالي يقرر إذن أن النبوة مسلم بها نقلا ومقبولة عقلا، ويكفي للتسليم بها من الناحية العقلية أن نلاحظ أنها تشبه ظاهرة نفسية نعترف بها جميعا، وهي الأحلام و الرؤى، و الدليل على ذلك قول الغزالي:"أن الله قد قرب ذلك على خلقه، بأن أعطاهم نموذجا من خاصية النبوة وهو النوم، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب إما صريحا و إما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير43".

و بالتالي هذا ما اشتمل عليه كتاب المنقذ من الضلال من شك، ويقين، ونقد وتحقيق، فهو قصة حياة فكرية مضطربة وصورة نفس متعطشة إلى الإيمان طامحة في إرجاع الإعتقاد الديني إلى أيام عزه، لا بل هو قصة نزاع عميق، بين العقل و القلب، بين مطالب الدنيا ودواعي الآخرة، كتبه الغزالي بأسلوب سهل يغلب عليه طــابع الصــدق و الأمـــــــانة و البســـاطة و الصفاء.

المطلب الثاني: مقومات التصوف عند الغزالي

تصوف الغزالي تصوف قريب من الإعتدال، آمن بالله، و بالنبوة، و باليوم الآخر وكف نفسه عن الهوى، و أعرض عن الجاه والمال، وهرب من الشواغل و العلائق، وأقبل بهمته على الله تعالى، لذلك كان التصوف عنده مبنيا على علم وعمل، أما العلم فقد حصله من مطالعة كتب المتصوفين، و اما العمل فقد حصله بالذوق و الحال وتبدل الصفات44.

وربما كان تصوف الغزالي أقل حرارة من تصوف كبار المتصوفين الذين فارقوا الأخلاق الطبيعية، و أخمدوا الصفات البشرية، بل ربما كان تحليله لأحوال المتصوفين أقل تعمقا من تحليل ابن سينا لمقامات العارفين، ولكن ما نجده في كتاب الإحياء من وصف لحالات التوبة و الورع و الزهد و الفقر و الصبر و التوكل و الرضا و المحبة يدل على أن الغزالي ذاق حقيقة التصوف، وتميز على غيره بالجمع بين علم المعاملة وعلم المكاشفة، لذلك نجده ينتقد الجهال الذين تناسوا العقيدة الدينية، واغتروا بالشطح و الطامات45.

ومن هنا سنقصر كلامنا في هذا المطلب على الإلمام ببعض مقومات التصوف عند الغزالي وهي: الإلهام، و الزهد، ومحبة الله.

1. الإلهام:

يرى الإمام الغزالي أن العلوم إنما تثبت في القلب بطريقيــن: أحدهمــــا طريق الإستدلال و التعلم، و الآخر طريق الوحي و الإلهام، فإذا سلك المرء الطريق الأول احتاج إلى الحيلة، و الإجتهاد، و الإعتبار، و الإستبصار، و إذا سلك الطريق الثاني احتاج إلى الإستغراق في التأمل الباطني. وفوق هذا التأمل الباطني درجة من المعرفة يدرك معها المرء كيف حصل له ذلك الإلهام، ومن أين حصل، وتسمى هذه المعرفة وحيا، وهي ما يختص به الأنبياء، أما الإلهام فيختص به الأولياء، و أما العلم الحاصل بطريق الإعتبار و الإستبصار و الإستدلال فيختص به العلماء46.

كما أن الغزالي يفضل العلم الذي يحصل في القلب بطريق الإلهام على العلم الذي يحصل فيه بطريق الإستدلال و التعلم. ومن أجمل ما في كتاب الإحياء من التشبيهات تشبيه القلب بحوض محفور أسفل الحوض،47 ويرفع منه التراب، إلى أن يقرب من مستقر الماء الصافي، فيتفجر من أسفل الحوض.

وهكذا قد عنى الغزالي في كتاب عجائب القلب وكتاب السماع و الوجد من "إحياء علوم الدين" بوصف العلم الحاصل في القلب بطريق الكشف و الإلهام، فقال الغزالي: "فإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة، و أشرق النور في القلب، وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة،... وفاض على صدورهم النور، لا بالتعلم و الدراسة و الكتابة للكتب، بل بالزهد في الدنيا، و التبرؤ من علائقها، وتفريغ القلب من شواغلها و الإقبال بكنه الهمة على الله تعالى".48

ومعنى هذا كله أن العلم المبني على الإلهـــــام إنمــــا يحصل في النفس بطــــريق الزهد، و تطهير القلب و التجافي عن دار الغرور. لأن المعرفة قسمان: معرفة حسية، و معرفة صوفية، الأولى تحصل بطريق الإحساس و الإدراك، و الثانية تحصل بطريق التأمل الباطني. و للقلب كما يقول الغزالي بابان: باب مفتوح على عالم الملكوت، وهو اللوح المحفوظ وعالم الملائكة، وباب مفتوح على الحواس الخمس المتمسكة بعالم الملك و الشهادة، و يكفي لإدراك عالم الملكوت أن يطهر الإنسان نفسه من العلائق الحسية، و أن يتحرر من الشواغل الجسمانية، وأن يفتح صدره للنور، و يتعرض للنفحات الإلهية49.

2-الزهد:

لقد أشرنا إلى أن العلم المبني على الإلهــــام لا يحصـــل في النفس إلا بتطهير القلب و تصفيته بالعزلة و الزهد، وهو العلم الحقيقي الذي يزيد صاحبه خشية، وخوفا، وتوبة، وصبرا، ورجاء.زز
ولكن ما هو الزهد؟ الزهد في اللغة هو الإعراض عن الشيء، وعند المتصوفين ترك ما يشغل عن الله، أو ترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا، بحيث لا يفرح الزاهد بشيء منها، و لا يحزن على فقده، و لا يأخذ منها إلا ما يعنيه على طاعة ربه. و أن بعض المتصوفين يعرف التصوف: إنه بذل المجهود في طلب المقصود، و الأنس بالمعبود، وترك الإشتغال بالمفقود.

ويعتبر الزهد من أهم أركان التصوف، وقد عرف الغزالي الزهد في الإحياء بقوله: "إنه انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، فكل من باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا وقوام هذا الزهد التقوى، و كف النفس عن الهوى، وقطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور و الإنابة إلى دار الخلود50".

و للزهد في نظر الغزالي ثلاث درجات: الأولى أن يزهد المرء في الدنيا وهو لها مشته وقلبه إليها مائل، ونفسه إليها ملتفتة، ولكنه يجاهدها و يكفها. و الثانية أن يترك الدنيا طوعا لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه، كالذي يترك درهما لأجل درهمين، فإنه لا يشق عليه ذلك، و إن كان يحتاج إلى انتظار، و الثالثة وهي العليا، أن يزهد طوعا و يزهد في زهده، فلا يرى زهده، ولا يرى أنه ترك شيئا لأن الدنيا في نظره لا شيء. و لكل درجة من هذه الدرجات الثلاث درجات فرعية، لأن الزهد يتفاوت في كل منها باختلاف قدر المشقة في الصبر.

و قد بين الغزالي أن للتصوف مقامات تسمى أحوالا وهي التوبة، و الصبر، والشكر، و الخوف، و الرجاء، و الفقر، و الزهد، و التوحيـــــــد، و التـــوكل، و المحبة، و الشــوق، و يضبطها كلها قانون عام، و هو القول أنها مؤلفة من علم وعمل. فالعلم هو المبدأ الذي يولد الحال، وثمرة الحال هو العمل. مثال ذلك أن العلم في مقام الشكر هو معرفة النعمة و المنعم، أما الحال فهو الفرح الحاصل بإنعامه، و أما العمل فهو القيام بمـــــا هو مقصود أي المنـــعم و محبوبه51.
و بالتالي يمكن أن نقول في مقام الزهد قولا واحدا، وهو أنه مقام شريف مبني على علم وحال وعمل. وقد قلنا أنه انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه. فحال المرء بالإضافة إلى الشيء المعدول عنه يسمى زهدا، و بالإضافة إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحبا. و الفرق بين الزهد و التوبة، أن التوبة ترك المحظورات، في حين أن الزهد ترك المباحات. و لذلك كان الزهد الحقيقي ترك جميع حظوظ الدنيا، و العدول عنها52.

3- محبة الله:

إن محبة الله غاية الزهد، فما بعد مقام المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها، ولا قبلها مقام إلا وهو مقدمة من مقدماتها. وقد قيل من عرف ربه أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيهــا. و إذا أحب الإنسان ربه شغل بذكره دون غيره، فكأن ذكر الله مفتاح السماوات، وكأن النفحات الإلهية لا تهب على الإنسان إلا بالتعرض لها.

وقد وصف الغزالي هذه المحبة في كتاب الإحياء وبين أسبابها و أقسامها، وقدم للبحث فيها عدة مقدمات: منها أنه لا يتصور محبة إلا بعد معرفة و إدراك، ومنها أن المحبة تنقسم بحسب أنواع المدركات، فلكل حاسة إدراك يخصها، و لكل إدراك لذة تخصه، و الطبع السليم يميل إلى ذلك الإدراك بسبب تلك اللذة53.

ونرى أن محبة الله في الدنيا تكتسب بقطع العلائق، و بتطهير القلب من كل ما يشغله عن الله، لأن قلب الإنسان أشبه بإناء ينقص الخمر المصبوب فيه بقدر ما يبقى فيه من الماء، فمعنى قولنا: لا إلاه إلا الله، أنه تعالى محبوب ومعبود، وانه لا محبوب ولا معبود سواه، ومعنى الإخلاص، إخلاص القلب لله بحيث يكون الله محبـــوب القلــــــب، ومعـــــبود القلب و مقصوده، ومن كانت هذه حاله كانت الدنيا سجنه، لأنها تمنعه من مشاهدة محبوبه، وكان موته خلاصا من السجن، وقدوما على المحبوب54.

و بالتالي إذا تحقق حب العارف لربه ورآه بقلبه أورثه حالة تسمى بالوجد، وهو رفع الحجاب وحضور الفهم، ومحادثة السر، و إيناس المفقود، لا بل هو فناء العارف عن ذاته في المحبوب الإلهي، ومعنى هذا الفناء تلاشي الأجسام و الأعراض. وزوالها بحيث لا يبقى في القلب التفات إلى غير الله، حتى لقد عبر الغزالي عن هذه الحالة بقــوله: أنـــها البقاء مع الله بالله. و أن العبودية الكاملة لله تسمو على الخوف من العقاب أو رجاء الثواب، وتتجاوزها إلى مقام تحب النفس فيه خالقا حبا خالصا تشعر معه بفنائها فيه، و الإنسان الصالح الذي لم يبلغ درجة الكمال مطالب بالصبر و الشكر، أما الكامل فهو في مقام فوق الصبر و الشكر، وهو يحب الله لذاته، ويشكره على ألطافه بنفس مطمئنة راضية مرضية55.

ومن بلغ هذه الدرجة من الفناء في الله، فليس له إلا أن يقول: من ذاق عرف، لأن العارف يعتريه في حال الوجد و الكشف فرح غير متكلف يطير به، وهذا ممـــا لا يدرك إلا بالـــذوق و الحال وتبدل الصفات، قال الغزالي:" إذا حصلت المشـــــاهدة الصوفيــة انمحقت الهــــموم و الشهوات كلها، وصار القلب مستغرقا في النعيم، فلو ألقي في النار لم يحس بها، ولو عرض عليه نعيم الجنة لم يلتفت إليه لكمال نعيمه، وبلوغه الغاية التي ليس فوقها غاية56."

وقال كذلك:" وعلى الجملة ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول، وطائفة الإتحاد، وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ، بل الذي لابسته هذه الحالة، لا ينبغي أن يزيد على أن يقول:

وكان ما كان مما لست أذكره *** فظن خيرا و لا تسأل عن الخير57.
__________________________

[39] د. جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، المصدر السابق، ص:393.
[40] المنقذ من الضلال، ص:62-63.
[41] ندوات أكاديمية المملكة المغربية،المرجع السابق،ص:
[42] المنقذ من الضلال، ص:106
[43] المنقذ من الضلال، ص:111.
[44] المنقذ من الضلال، ص:100.101.
[45] د. جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ط:I ،1970، ط:II، 1973، ص:380.
[46] د.جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، نفس المصدر، ص:381
[47] إحياء علوم الدين، ج3.ص:19.
[48] إحياء علوم الدين، نفس المصدر، ص:18.
[49] د.جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، نفس المصدر، ص:382.
[50] إحياء علوم الدين، ج4،ص:211،220.
[51] إحياء علوم الدين، نفس المصدر، ص:79.
[52] د.جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، نفس المصدر السابق، ص:387
[53] د.جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، نفس المصدر السابق، ص:388.
[54] د.جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، نفس المصدر السابق، ص:390.
[55] د.جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، نفس المصدر السابق، ص:391
[56] د.جميل صليبا، تاريخ الفلسفة العربية، نفس المصدر السابق، ص:392.
[57] المنقذ من الضلال، ص: 108.107


EmoticonEmoticon