Wednesday, May 31, 2017

كتاب التبصرة يوسف السباتين

كتاب التبصرة يوسف السباتين

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير
التحميل: هنا

الفهرست


المقدمة

منذ قام حزب التحرير يدعو المسلمين لإقامة دولة الخلافة، ودخل مرحلة التفاعل في المجتمع بالكفاح السياسي والصراع الفكري؛ لم يترك عقيدة فاسدة في المجتمع إلا صرعها، ولا فكراً خاطئاً إلا هزّه وحطّمه، ولم يترك عميلاً إلا كشفه، ولا مخططاً استعمارياً إلا فضحه.

منذ ذلك الحين أدرك العملاء خطورة دعوته وجديته في العمل، لتحطيم كياناتهم وإقامة دولة الخلافة على أنقاض دويلاتهم، فبدأوا محاولاتهم لصرفه عن الخط المستقيم الذي سار عليه، ذلك الخط الذي لم يهادن فيه ظالماً، ولم يداهن فيه حاكماً، فقاموا بالدعاية ضدّه مرة، وبتجويع أعضائه وطردهم من أعمالهم مراراً، وأخيراً طبّقوا عليهم قاعدة ما يسمى بـ (تجريدهم من حقوقهم المدنية)، ومنعوهم من كل وظائف الدولة، وأخذوا جوازات سفر كل مَن تمكّنوا من أخذ جوازاتهم، ولاحقوهم في كل مكان، فلما فشلوا في الحد من نشاطهم، لجأوا إلى أساليب القمع والتعذيب، ولكنه خاب سعيهم، ورأوا أنه لا بد من اتفاق دوليّ على مقاومته والتعتيم على أخباره، ومنعه من نشاطه في كل بلد، ولكنه بالرغم من كل هذه العقبات شقّ طريقه ونشر آراءه وأفكاره، وصارت معروفة ومشهورة في مجاله الذي يعمل فيه. ولمّا لم يجدوا وسيلة ناجحة للحد من نشاطه لجأوا إلى أناس باعوا دينهم بدنياهم، واتخذوا الإسلام وسيلة للتكسّب، فأصدروا كتباً تتضمن في طياتها أحكاماً خاطئة، وآراء فاسدة، وأخباراً كاذبة، لتكون لهم سلاحاً يهاجمون بها الحزب، لكن سلاحهم رُدّ إلى نحورهم فخابوا وخسروا.

وفي هذا الكتاب سأوضح بعض الأفكار التي فات الكثيرين الاطلاع عليها لقلة النشرات التي صدرت فيها أو صودرت، ليتبينوا صدقها وصحة أدلتها.

كتاب الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية والدكتور صادق أمين

كتاب الدعوة الإسلامية كتاب يبيّن فيه مؤلفه ضرورة وجود تنظيم إسلامي يعمل على إقامة الخلافة أو الإمامة التي بدونها لا يتأتى للإسلام أن يكون منفّذاً في حياة المسلمين، ويرسم الطريق للحركة الإسلامية ويعيّن لها منهاج العمل، ويطلب من أعضائها خلع ولائهم للحكام القائمين على واقع البشرية الفاسد.

اسم الكتاب جميل ومُغْرٍ، ودعوة مؤلفه المؤمنين لأن يخلعوا ولاءهم للحكام دعوة رائعة، ولكنها كدعوة معاوية إلى التحكيم، وكخديعة عمرو بن العاص برفع المصاحف على السيوف، ومثلما انخدع الزُّهّاد من جماعة علي بن أبي طالب، انخدع السُّذّجُ من الناس بهذا الكتاب، ومثلما أذن معاوية أن تُرفع المصاحف لتُرى وتُشاهد؛ أذن الحكام الذين دعا الدكتورُ في كتابه أعضاء الجماعة المسلمة إلى خلعهم، أذنوا برواج هذا الكتاب في الجامعة الأردنية وخاصة في كلية الشريعة، ليطّلع المدرسون والطلاب على ما فيه، والسؤال الذي يرد الآن هو:

لماذا أذنت الحكومة برواج هذا الكتاب في أعلى معاهدها في الوقت الذي يدعو مؤلفه فيه أعضاء الجماعة المسلمة لأن يخلعوا ولاءهم منها ويعملوا على إقامة دولة الخلافة؟

هل تريد الدولة في الأردن أن يخلع الناس ولاءهم لها؟ والجواب على ذلك هو أن الدولة ما زالت حريصة على ولاء الناس لها، ولا زالت لا تطبّق الإسلام ولا تحمله لأحد، بل تزُجّ دعاة الإسلام في السجون، ولكنها أذنت به للآراء التي كتبها الدكتور ظنّاً منها أن هذه الآراء المتهافتة والمغالطات الكاذبة التي صاغها الدكتور وفقاً لرغبتها؛ أنها ستُسيء إلى سمعة الحزب وستكون سلاحاً ضده، وعلماً منها أن دعوة الدكتور أعضاء الجماعة المسلمة إلى خلع ولائهم من الدولة إنْ هي إلا خديعة للجماهير، إذ لو دعا إلى ذلك عضو من أعضاء حزب التحرير لكان جزاؤه السجن.

هذا الدكتور الذي خجل أن يذكر اسمه (يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله)، وادّعى أنه صادق أمين، أورد في كتابه وفي موضوع "تقييم آراء وأفكار حزب التحرير مجموعة من الآراء والأحكام معظمها آراء جديدة وأحكام جديدة لمشاكل عملية جديدة، وعلّق عليها تعليقات لا تتفق مع أسلوب الفقيه النزيه.

الفقيه النزيه إذا أراد أن ينقد رأياً لغيره يُورد أولاً الرأي الذي يُريد أن ينقده كما ورد عن صاحبه، فلا يبتر شيئاً من أوله ولا من آخره، ولا يصوغه صياغة جديدة لتوافق هواه، ثم يورد الأدلة التي استدل بها صاحبها على رأيه كما وردت، ولا ينقص منها شيئاً، ثم بعدئذ ينقضها بأدلة معارضة لها أقوى منها، ويُعطي الرأي الذي يريد مصحوباً بأدلته، هكذا كان يفعل العلماء الذين أخذنا عنهم وتعلمنا منهم، والذي يُطالع كتب حزب التحرير يجد هذا الأسلوب هو الأسلوب المعتمد لديه في النقد، فلا يلجأ إلى التجريح ولا إلى التهويش، وأما الدكتور فلم يفعل لا هذا ولا ذاك، بل نوّع أسلوب نقده حسب الآراء التي تعرّض لنقدها، فسلك فيها ثلاث طرق، ففي بعضها تعمد الكذب السافر حينما قال: (تجد من أشد دعاة الحزب حماساً من يترك الصلاة). وحينما قال: (ونصوا في كتاب العقوبات بأن من زنا بأحد محارمه المؤبدة يسجن عشر سنوات). وفي بعضها عرض الآراء مبتورة الأول والآخر وغير مستكملة الرأي، كالذي يقرأ (ويل للمصلين)، ولم يكمل (الذين هم عن صلاتهم ساهون)، ولم يورد ولا دليلاً واحداً من أدلة تلك الآراء، كالرأي القائل: (وعليه يصح أن يكون رئيس الدائرة وقائد الجيش والقائم مقام كافراً. ويحرم الانتفاع بروث الدوابّ وذرق الطيور ولا يجوز أن تطعم الدواب لا بل الكلاب في البيوت من لحوم الميتة، أما قبول الهدية والهبة من دولة كافرة فيجوز).
وفي البعض الآخر أورد أقوال بعض الفقهاء وساق بعض الأدلة التي لا تصلح دليلاً على المسألة وأخذ فيما بعد يعلّق بأسلوب تهكّميّ، ظانّاً أنه أصاب في تعليقه، أو أنه أفلح في فهمه، ولم يورد أدلة الحزب، لأنه يدرك تماماً أنه لو أوردها لما ظل لتعليقاته وآرائه معنى.

لذلك رأيت بصفتي الشخصية أن أوضّح هذه الآراء والأحكام لمن فاتهم الاطلاع على النشرات التي ذكرها الدكتور والتي تتضمن الآراء والأحكام التي علّق عليها سواء أورد لها أدلة أم لم يورد، وسأبدأ بالأهم منها فالمهم.

Sunday, May 28, 2017

أقامة الدولة والعقود الثلاثة

أقامة الدولة والعقود الثلاثة
سادس عشــــر أقامة الدولة والعقود الثلاثة

أما الفكرة فقد أثمرت في أمر ونضجت، ولكنها أثمرت ولم تنضج في أمر آخر، فقد أوجدت لدى الأمة اتجاها عاماً نحو الإسلام ورأيا عاماً منبثقاً عن وعي عام وهو أنه لا خلاص لها إلا بالإسلام وإلا بقيام دولة الإسلام، وأوجدت عدداً من أهل النصرة في عدة أقطار قامت بمحاولات لإقامة دولة الخلافة خلال هذه العقود الثلاثة، ولكنها لم تنجح بسبب ما اتخذته الدول المحلية والأجنبية من احتياطات، وما سلكته من أساليب خبيثة لمنع الحزب من الوصول إلى غايته.

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير

الفهرست


سادس عشــــر أقامة الدولة والعقود الثلاثة

ذكر الدكتور ثلاثة أمور لها علاقة وثيقة بالزمن وقال : بأن الحزب قد أخطأ في تصوره لها فقد مضت المدة ولم يتحقق شيء منها. وهذه الأمور الثلاثة هي :
1ـ قال الدكتور: يقول الحزب بأنه يأمل أن يصل إلى الحكم خلال ثلاثة عشر عاماً، وأنه يعتبر الحركات الإسلامية فاشلة لأنها لم تستطع أن تقيم الدولة الإسلامية خلال ثلاثة عشر عاماً. هذا القول من الدكتور هو مجرد افتراء على الحزب، وبالرجوع إلى كتاب التكتل وكتاب مفاهيم حزب التحرير تجد ما يقوله الحزب في أسباب فشل الحركات الإسلامية هو أنها أسباب فكرية من جهة وأسباب تكتلية من جهة أخرى وليس لها علاقة بالزمن.

2ـ قال الدكتور: يقول الحزب بأن التثقيف هذا سيؤدى إلى أن تكون تربة هذه الأمة منبتا طبيعيا لرجل الدولة، ويرى الحزب أن هذه لا يحتاج إلى عشرات السنين، بل لا بد أن ينتج حتماً على يد نفس الجيل الذي يقوم بهذا التثقيف. نعم فقد حصل هذا، وهناك من الشباب من يصلح لأن يكون رجل دولة لو أتيح له أن يمسك زمام الحكم.
3ـ قال الدكتور : يفترض حزب التحرير أن كل فكرة يجب أن تثمر خلال ثلاثة عقود. نعم هذا ورد في كتاب التفكير، ولكنه ليس حكماً شرعياً مستنبطاً من دليل شرعي، وإنما هو رأى مبني على دراسة واقع سياسي، يحتمل التغير فقد يصدق وقد لا يصدق.

أما الفكرة فقد أثمرت في أمر ونضجت، ولكنها أثمرت ولم تنضج في أمر آخر، فقد أوجدت لدى الأمة اتجاها عاماً نحو الإسلام ورأيا عاماً منبثقاً عن وعي عام وهو أنه لا خلاص لها إلا بالإسلام وإلا بقيام دولة الإسلام، وأوجدت عدداً من أهل النصرة في عدة أقطار قامت بمحاولات لإقامة دولة الخلافة خلال هذه العقود الثلاثة، ولكنها لم تنجح بسبب ما اتخذته الدول المحلية والأجنبية من احتياطات، وما سلكته من أساليب خبيثة لمنع الحزب من الوصول إلى غايته.

فقد قامت بعدة أساليب، منها: الدعاية المغرضة الكاذبة ضد الحزب، ومنها كتاب من يسمّى بالدكتور صادق أمين، ومنها تجويع أعضاء الحزب بطردهم من أعمالهم ومنعهم من العمل في دوائر هذه الدول وفي مؤسساتها، ومنها حظر نشاط الحزب في جميع البلاد الإسلامية، ومنها اعتقال أعضائه وزجهم في السجون والكتمان على اعتقالهم بحيث لا بعلم عنهم أهلهم شيئاً وخاصة في العراق وسوريا، وعدم السماح بزيارتهم. ومنها سحب جوازات سفرهم حتى لا يتمكنون من الخروج لطلب الرزق أو لطلب العلم، ومنها التعتيم على أخبار الحزب، فلا يذكرون عنه شيئاً، فقد أعدم من شبابه ثلاثة عشر شخصاً منهم أطباء ومعلمون على يد محرّف القرآن العميل القذافي، وأعدم واحد وعشرون ضابطاً من أهل النصرة على يد السفاح البعثي صدام حسين في العراق. ومات تحت التعذيب اثنان في سوريا، وحكم على خمسة عشر شاباً بالإعدام في الأردن، ولم ينفذ الحكم، فلم تذكر عن هؤلاء إذاعة محلية ولا أجنبية، ولم تجرؤ صحيفة ولا وكالة أنباء ولا مجلة أن تذكرهم. ومن الأساليب طرد الآلاف من السعودية والكويت والإمارات العربية والبحرين ودول أوربا الشرقية، ومنها سحب جوازات سفر المئات من الطلاب والموظفين في الخارج وعدم تجديدها لكي يطرد من هو في دولة أجنبية ليأتي إلى بلده لتصفّي المخابرات حسابها معه على نشاطه خارج بلده، ومنها إبقاء بعضهم في السجون لوقت غير محدد قد بلغ العشر سنوات ولمّا يحاكموا. ومنها اجتماعات وزراء الداخلية للدول العربية المتكررة لمقاومة نشاط الحزب الذي استعصى عليهم فلم يتمكنوا من احتوائه ليكون في أيديهم كما هي حال الدكتور وجماعته. هذه الملاحقات والمطاردات وما لحق الأمة من بطش وإرهاب كل ذلك أعاق الحزب عن الوصول إلى إقامة الدولة، ومع هذا فالحزب لا زال جاداً في سيره متحدياً الصعاب للوصول إلى هدفه، ولو كان المجال مفتوحاً لهم في الجامعات والمعاهد والمدارس والمساجد والكثير من المناسبات كجماعة الدكتور لما مضت العقود الثلاثة إلا وقد قامت دولة الخلافة.

مسألة تعريف الروح و دفع الدولة الإسلامية الجزية لــدولــة كــافـــرة

مسألة تعريف الروح و دفع الدولة الإسلامية الجزية لــدولــة كــافـــرة
مسألة تعريف الروح

أما الأعمال التي من شأنها إصلاح الفرد فهي التي تجعل من الفرد درويشاً ناسكاً همه الإكثار من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن، ولكنه لا يهتم بما يدور حوله من تآمر على أمته، وتجعل منه إنساناً حيياً ينفذ ما يقوله رئيسه، ويتجه حيث يوجهه ويغلق سمعه عن كل ما يخالف ما تلقّاه عنه، حتى ولو أتيته بدليل قطعي من الكتاب أو السنة يعارض ما هو عليه فلا يأخذ به، فهو معطّل التفكير

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير

الفهرست


رابــــــع عشر مسألة تعريف الروح

يعلق الدكتور على الحزب بأنه يعتمد الفكر في بناء الشخصية الإسلامية وفي إنهاض الأمة، ويعلق على تعريف الحزب لمعنى الروح المأخوذة من الروحانية والناحية الروحية ـ وليست الروح التي هي بمعنى سر الحياة ـ ويقلل من قيمة الفكر. و ينكر أن الروح هي إدراك الإنسان صلته بالله تعالى, ويعرفها تعريفاً خيالياً عاطفياً فيقول بأنها آلة تحقيق هذه الصلة بالله بتحويل الإيمان بالله إلى حقيقة ملموسة يشعر معها المرء برقابة الله في كل آن فيخافه ويتجه إليه, فهو يخلط بين التعريف للروح وبين تأثير هذه الروح. ونقول لمن أراد أن يطلع على تعريف الروح مفصلاً فليرجع على كتاب مفاهيم حزب التحرير.

مناقشة تعليق الدكتور

نقول للدكتور نعم إن الروح هي إدراك الإنسان صلته بالله تعالى, وإدراك الصلة هذا هو الذي يعين موقف الإنسان من العمل الذي تقتضيه هذه الصلة ولتفسير ذلك نقول:

إذا سألنا شخصاً عن قريب له, فقلنا له ما صلتك بفلان؟

فإنه يقول صلتي به صلة قرابة, وإذا سألته عن صلته بصاحب له فإنه يقول: صلة صداقة وحينما تواجه إنساناً وتتذكر صلتك به وأنها صلة رحم وقرابة، تجد نفسك تهشّ إليه وتحترمه وتكرمه وتحسن إليه، لماذا؟ لأن للرحم والقرابة حقهما في الإحسان والاحترام، ولكنك حينما تواجه إنساناً قريباً لك ومن رحمك، ولكنك لا تعرف صلته بك فإنك لا تهتم اهتمامك به لو كنت تعلم أنه قريبك ومن رحمك. فإدراك الصلة هو الذي يعين موقف الإنسان. وأما صلة الإنسان بالله تعالى فليست صلة قرابة ولا صلة رحم ولا صلة صداقة، وإنما هي صلة خَلْق، أي أن صلة الإنسان بالله هو أنه مخلوق لله الخالق. فالإنسان الذي يدرك هذه الصلة يقوم بما توجبه عليه هذه الصلة، فالمخلوق تجب عليه طاعة خالقه فيندفع لأدائها، أما الذي لا يدرك هذه الصلة، أي لا يعرف أنه مخلوق لله، فلا يندفع لأي عمال تجاه الخالق. ولهذا نفرق بين المؤمن والكافر فنقول بأن المؤمن فيه روح –أي يدرك أنه مخلوق لله، فيقوم بالأعمال التي يقتضيها الإيمان-. وأما الكافر فلا روح فيه– أي : لا يدرك أنه مخلوق لله ولذلك لا يقوم بالأعمال التي يطلبها الله منه-.

والروح بهذا المعنى ليست جزءاً من الإنسان وإلا لما كان هناك فرق بين المؤمن والكافر.

أما قول الدكتور بأن الروح هي آلة تحقيق هذه الصلة فيدل على عدم الدكتور، وعلى عدم تفكيره، وذلك لأمور:
أولاً: الدكتور ينكر أن الروح هي إدراك الصلة بالله، ويقول بأنها آلة تحقيق هذه الصلة، نقول للدكتور طالما أن صلة الإنسان بالله هي كون الإنسان مخلوق لله الخالق، فالصلة إذاً متحققة وحاصلة بالإدراك وغير الإدراك وبالآلة وبغير الآلة وفي المؤمن والكافر على السواء، لأن كلاً منهما مخلوق لله تعالى. ولكن المؤمن يختلف عن الكافر بأن المؤمن يدرك هذه الصلة والكافر غير مدرك لها.

ثانياً: اعتبر الدكتور تحقيق الصلة أمراً مؤثراً يحوّل الإيمان بالله إلى حقيقة ملموسة، ولو كان تحقّق الصلة أمراً مؤثراً يحوّل الإيمان إلى حقيقة ملموسة لحصل ذلك للكافر والمؤمن على حد سواء لأن صلة كل واحد منهما بالله حاصلة ومتحققة.

والذي يؤسف له أن الدكتور لم يفهم معنى الصلة الوارد في التعريف، وإنما فهم خطأ أن معنى الصلة هو الإيمان بالله مع أن إدراك الصلة هو الإيمان وليس تحقق الصلة، لأن تحقق الصلة حاصل في كل شيء، وصلة كل شيء بالله هو كون هذا الشيء مخلوقاً لله، سواء أكان هذا الشيء حياً كالإنسان والحيوان والنبات، أم كان جماداً كالتراب والحجارة وغيرها.

ثالثاً: أما آلة تحقيق ذلك فهي الدوافع التي تدفع الإنسان للعمل كالقيام بالصلاة والصيام وكالجهاد، وكالعمل لتغيير الواقع الفاسد أو العمل لإقامة دولة الخلافة، وهذه الدوافع هي أوامر الله ونواهيه، أي الأحكام الشرعية، والاستجابة تكون بحسب هذه الأحكام، فإن كان الحكم فرضاً وجب القيام بالفعل على وجه الفرضية، وإذا كان مندوباً وجب القيام به على وجه الندب، وإذا كان الحكم هو الإباحة خُيّر الإنسان بين الفعل والترك، وإذا كان الحكم هو الحظر أو الحرام لزم ترك الفعل وجوباً، وإذا كان الحكم هو الكراهة يترك الفعل على هذا الوجه.

أما زيادة الرغبة في القيام بأعمال دون غيرها فراجعٌ إلى الغاية التي يسعى لها الإنسان، فهي التي تجعله يوليها اهتمامه ويكثر منه، فالذي غايته إصلاح الفرد لكي يصلح المجتمع يكثر من الأعمال التي تحقق مقوّمات الفرد الصالح، كالصلاة والذكر وقراءة القرآن، والأخلاق الكريمة والمعاملة الحسنة. والذي غايته إصلاح المجتمع لإنهاض الأمة، يكثر من الأعمال التي تساعد على تحقيق المجتمع الصالح، كتحطيم العلاقات الفاسدة في المجتمع، والعمل على إزالة الأنظمة الفاسدة فيه، وذلك بوضع الأفكار التي تساهم في تحقيق النهضة.

أما الأعمال التي من شأنها إصلاح الفرد فهي التي تجعل من الفرد درويشاً ناسكاً همه الإكثار من الصلاة والصيام والذكر وقراءة القرآن، ولكنه لا يهتم بما يدور حوله من تآمر على أمته، وتجعل منه إنساناً حيياً ينفذ ما يقوله رئيسه، ويتجه حيث يوجهه ويغلق سمعه عن كل ما يخالف ما تلقّاه عنه، حتى ولو أتيته بدليل قطعي من الكتاب أو السنة يعارض ما هو عليه فلا يأخذ به، فهو معطّل التفكير. هذه الأعمال البعيدة عن الصراع والكفاح تُورثه الجبن والخوف فلا يجرؤ على إنكار المنكر ولا على قول الحق إذا كان يترتب عليه أذى، أو كان يؤثر على وظيفته إن كان موظفاً أو على مركزه أو جاهه إن كان ذا مركز أو جاه.

أما الأعمال التي من شأنها إصلاح المجتمع فهي التي تجعل من الفرد إنساناً سياسياً مفكراً مدركاً لقضية أمته، مبصراً لطريقته في العمل، متحدياً يقارع الحكام الظلمة ويكشف مؤامراتهم ويسعى جاهداً لإزالة سلطانهم ليقيم النظام الذي تسعد به الأمة في حياتها. هذه الأعمال ثوابها أكثر من ثواب أعمال الدروشة وهي الأعمال التي يقوم بها شباب حزب التحرير. أما كون الدكتور يرى أن هذا العمل لا ثواب عليه ويريد من شباب الحزب أن يتركوها ويتواجدون في المساجد لقراءة القرآن والقيام بالنوافل من العبادات فهو نفس الطلب الذي تطلبه المخابرات منهم أثناء التحقيق معهم. وهو الالتحاق بجماعة الإخوان المسلمين أو جماعة التبليغ والقيام بالصلاة والصيام وإعطاء الدروس في المساجد، ليتحول الشباب إلى دراويش، كأولئك الدراويش الذي حجر الدكتور على عقولهم فمنعهم من التفكير وسخرهم لخدمة أسياده، وأما شباب حزب التحرير فيصلون ويقرآ ون القرآن يحفظونه ويتدبرون معانيه ولكن في بيوتهم وليس في المساجد. والناس تعرف من هم شباب الحزب وتركن إلى رأيهم الفقهي والسياسي، فهي تعرف تماماً أنهم أوعى الناس في المجتمع على السياسة الدولية والمحلية وعلى الإسلام في عقائده وأحكامه ونظامه، وهم كذلك أوعى الناس على من يتخذ الإسلام وسيلة للكسب يشترون به ثمناً قليلاً كالدكتور فبئس ما يشترون.

خامس عشر دفع الدولة الإسلامية الجزية لــدولــة كــافـــرة

يعلق الدكتور على إفتاء الحزب بجواز دفع الدولة الإسلامية مالاً لدولة كافرة حال ضعفها لتتقي به شر تلك الدولة, ولا أظن أن الدكتور يجهل مثل هذا الحكم الذي هم الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله حينما أتفق مع زعيمي قبيلة غطفان في غزوة الخندق وهو أن يعطيها ثلث ثمار المدينة مقابل أن ينصرفا عن محاربته. ولكن الدكتور أراد أن يثير العواطف لدى السذج من جماعته ومن هو على شاكلتهم.

قال ابن إسحاق : فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهرى، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف أبن أبي حارثة المرى، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك، فلما أراد رسول الله أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما واستشارهما فيه، فقالا له : يا رسول الله أمرا تحبه فنضعه، أم شيئاً أمرك الله به، لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تضعه لنا؟ قال: بل شيء أضعه لكم والله ما أضع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعاً، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله مالنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنت وذاك.

لم يكن الرسول ليفعل فعلاً حراماً، وإنما يفعل الواجب والمندوب والمباح، ولا يفعل الحرام والمكروه وفعله دليل شرعي، أما كون الصلح لم يتم ولم يعطهم شيئاً فذلك أن المباح هو ما كان الإنسان مخيراً فيه بين الفعل والترك، ولقد هم بالفعل لولا ما لمس من معنوية الأنصار العالية.

العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين

العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين
العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين

إن العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين، وإنه يحرم أخذها عن طريق الدليل الظني، وهذا أمر يدعو الاعتزاز، ويشير إلى مدى الحرص على سلامة العقيدة إذ لم تدخل العقائد الفاسدة على المسلمين إلا يوم أن أخذوا بالأدلة الظنية وجعلوا العقيدة محل اجتهاد، لأن الاجتهاد يكون في الأحكام الشرعية العملية، وهذه يجوز الاستدلال عليها بالأدلة الظنية، والظن هو ترجيح أحد الاحتمالين

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير

الفهرست


ثـــــــالث عشر العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين

إن العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين، وإنه يحرم أخذها عن طريق الدليل الظني، وهذا أمر يدعو الاعتزاز، ويشير إلى مدى الحرص على سلامة العقيدة إذ لم تدخل العقائد الفاسدة على المسلمين إلا يوم أن أخذوا بالأدلة الظنية وجعلوا العقيدة محل اجتهاد، لأن الاجتهاد يكون في الأحكام الشرعية العملية، وهذه يجوز الاستدلال عليها بالأدلة الظنية، والظن هو ترجيح أحد الاحتمالين، فالمجتهد إن اجتهد بأن رجح أحد الاحتمالين فأخطأ فله أجر، وإن اجتهد فأصاب فله أجران، ولكن المجتهد في العقيدة لا يؤجر ولا يعذر، ويجوز تقليد المجتهدين في الأحكام، وكذلك الانتقال من الأحذ برأي مجتهد إلى الأخذ برأي غيره. ولا يجوز ذلك في العقيدة، بل يحرم لقول الله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين)، الأنبياء.

لما تسرّب البحث إلى الأمور الاعتقادية دخل البحث في الذات والصفات ويوم المعاد وبعض أحوال اليوم الآخر، فوجدت مسألة القضاء والقدر ومسألة خلق القرآن، ووجد مذهب المعتزلة فتأولوا واجتهدوا فاشتطوا وزاغوا، فكفر بعضهم وابتدع بعضهم، وهكذا وجدت الأضاليل والأباطيل عندما دخل الاجتهاد العقيدة واستدل عليها بالأدلة الظنية، وأصبحت محل بحث ونظر واجتهاد.

والعقائد التي وردت في حديث جبريل عليه السلام وطلب الإيمان بها، هي العقائد الأساسية وهي ستة:
1- الإيمان بالله
2- وملائكته
3- وكتبه
4- ورسله
5- واليوم الآخر
6- والقدر خيره وشره
وهذه أدلتها قطعية، ولم يختلف المسلمون فيها. وأما بقية العقائد فهي فرعية، فما ثبت منها بالدليل القطعي فهي عقيدة، ولم يختلف المسلمون فيها أيضاً، كالإيمان بأن الموت سببه انتهاء الأجل، وكالإيمان بأن الرزق بيد الله.

وأما المسائل المختلف في كونها عقيدة أو غير عقيدة، فهي التي أدلتها أخبار آحاد، فمن قال بأن خبر الآحاد يصلح دليلاً على العقيدة يعتبرها عقائد، ومن قال بأن خبر الآحاد لا يصلح دليلاً على العقيدة فلا يعتبرها عقائد.

هناك فرق بين العقيدة والحكم الشرعي، فالعقيدة طلب الشارع التصديق بها تصديقاً جازماً، وأما الحكم الشرعي فقد طلب الشارع القيام به ولم يطلب التصديق. فالإيمان بالملائكة، والإيمان بيوم القيامة، لا يتأتى القول بـ : هل يعمل بها أو لا يعمل، لأن المطلوب التصديق بها لا العمل، وإذا كان هناك عمل فهو ليس عملاً بها، وإنما هو عمل بما يترتب عليها، كالإيمان بيوم الحساب إذ يترتب عليه الخوف من عذاب الله، فيترك المعاصي. والقيام بالصلاة وبالبيع وبترك الربا لا يتأتى القول بهل يؤمن بهذه الأحكام أو لا يؤمن، لأن المطلوب فيها القيام بالعمل لا الإيمان. فالعقيدة غير الحكم الشرعي، ودليلها غير دليله، فدليلها يشترط فيه أن يكون قطعياً، ودليله لا يشترط فيه ذلك، لهذا يعمل بخبر الآحاد في الأحكام الشرعية ولا يعمل به في العقيدة.

إن من يلاحظ العقائد المختلف فيها؛ أي التي دليلها ظني، لا يجد للإيمان بها أو لعدم الإيمان بها نتائج ذات أهمية في الحياة العملية تقتضي نزاعاً بين المختلفين فيها، أو يمنعهم من السير جنباً إلى جنب في العمل بالأحكام الشرعية، فالذي يؤمن بعذاب القبر لا يتطلب منه إيمانه أي يفعل شيئاً أو يترك شيئاً، أي إنه لا يترتب على إيمانه أو عدم إيمانه شيء ما.

والذي يؤمن بنزول عيسى عليه السلام لا يتطلب منه إيمانه أ، يفعل شيئاً أو أن يترك شيئاً، وكذلك الذي لا يؤمن بنزوله، فلا إيمان الأول يكلفه القيام بعمل جديد، ولا عدم إيمان الثاني يعفيه من عمل قديم.

أما إيمان الإنسان بالحساب يوم القيامة وإن كان لا يطلب منه أن يعمل شيئاً، ولكنه يجعله يمتنع عن الكذب مثلاً أو الظلم لئلا يعذب عليه يوم القيامة، والذي لا يؤمن بحساب بوم القيامة، لا يمتنع عن الكذب أو ارتكاب الفواحش إذا كان يرغب في ذلك، لأنه لا يخشى معاقبة عليه، ولذلك فالاختلاف في العقائد التي أدلتها أخبار آحاد لا قيمة له من ناحية عملية ولا حاجة إلى كل هذه الضجة المفتعلة.

لماذا لم يضجوا على العلماء السابقين الذين قالوا بهذا الرأي، كالإمام العز بن عبد السلام، والإمام القرافي، والإمام النووي، والإمام الغزالي، والإمام السرخسي، والإمام البغدادي، وابن برهان، وابن عبد البر، وابن حجر العسقلاني؟ ولماذا لم يفتعلوا هذه الضجة على بعض العلماء المعاصرين كالإمام القاسمي، والشهيد سيد قطب –رحمه الله-؟ فهل كل هؤلاء الأئمة –على رأي الدكتور- لا قيمة لهم؛ أو هم من الضعفاء المغمورين؟ أو أنهم أئمة هذا العلم وجهابذة هذا الفن؛ ويشار إليهم بالبنان؟
ومن أراد الاطلاع على آراء هؤلاء الأئمة فليرجع إلى كتبهم، أو ليرجع إن شاء إلى كتاب (الاستدلال بالظني) لفتحي محمد سليم.

جاء في كتاب (التبصرة) للفيروز آبادي الشيرازي، صفحة 298 مسألة 6 ما نصه: أخبار الآحاد لا توجب العلم أي مطلقاً سواء حفت بها القرائن أم لم تحفّ، وهذا مذهب الأكثرين كما قال الغزالي والآمدي وابن الحاجب إلا أن الشيرازي يستثني من أخبار الآحاد ما تلقته الأمة بالقبول، ويذهب فيه إلى أنه يفيد علماً استدلالياً كما أشار إلى ذلك في اللمع صفحة 40 سواء عمل به الجميع أو عمل به البعض، وتأوله البعض، لأن تأويلهم له دليل على قبوله، وخالفه الجمهور في هذا وذهبوا إلى أنه لا يفيد العلم والقطع بالصدق، سواء عمل به الجمع أو البعض وتأوله البعض، انظر الإحكام 2/40، وجمع الجوامع 2/152-154 حاشية العطار، وانظر المستصفى 1/145 بولاق، المنخول صفحة 252، والمنتهى لابن الحاجب صفحة 05 وجاء في كتاب (المنخول من تعليقات الأصول للغزالي) صفحة 254 في إثبات الخبر الواحد مفيداً للعمل، وذهب بعض المحدثين إلى أنه يفيد العلم، وهذا محال إذ لا يجب صدقه عقلاً ولا نقلاً، وإذا جاز كذبه فلا علم بالصدق.

وجاء في كتاب (الإحكام في أصول الأحكام) للآمدي صفحة 224 "اختلفوا في الواحد العدل إذا أخبر بخبر هل يفيد خبره العلم؟ ذهب قوم إلى أنه يفيد العلم، واختلفوا؛ فقال بعضهم: يفيد العلم بمعنى الظن لا بمعنى اليقين، ومنهم من قال يفيد العلم اليقيني من غير قرينة (مذهب الإمام أحمد) في إحدى الروايتين عنه، ومنهم من اشترط اقتران قرينة به كالنظّام. وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد العلم اليقيني مطلقاً؛ لا بقرينة ولا بغير قرينة.

وورد في (ظلال القرآن) لسيد قطب، الجزء الثامن والعشرون، صفحة 710 قوله: وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة، والمرجع هو القرآن، والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد.

ولما كان الدكتور الصادق الأمين كما هي عادته لا يورد أدلة الحزب، وإنما يورد الأدلة المعارضة إن وجدت، لذلك رأيت أن أعرض أدلة الحزب التي اعتمد عليها في تحريم الأخذ بالدليل الظني في العقائد. ورد في القرآن عدد من العقائد لا عقيدة واحدة.

1- كان المشركون يسمون اللآت والعزى وغيرهما آلهة، ويعتقدون أنها تقربهم إلى الله، وتشفع لهم عنده، لذلك عبدوها من دونه، فقال تعالى في سورة النجم: (أفرأيتم اللآت والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذاً قسمة ضيزى، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن تتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى).

2- كان الجاهليون يعتقدون أن الملائكة بنات الله وهن إناث، فنعى الله عليهم هذا الاعتقاد المبنيّ على الظنّ، فقال تعالى في سورة النجم أيضاً: (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة لَيُسَمّون الملائكة تسمية الأنثى، وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن، وإن الظنّ لا يُغني من الحق شيئاً).

3-اعتقد الإنس والجن أن الله لن يبعث بعد عيسى عليه السلام رسولاً يقيم به الحجة على العباد، فوصف الله اعتقادهم هذا بأنه مجرد ظنّ، فقال في سورة الجن: (وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً).

4-اختلف اليهود في قتل عيسى عليه السلام، فمن قائل بأنه إله لا يصح قتله، ومن قائل بأنه قتل وصلب، ومن قائل بأنه إن كان هذا هو عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا هو صاحبنا فأين عيسى؟ فنعى الله عليهم هذا الاعتقاد، فقال في سورة النساء: (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّهَ لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه، ما لهم به من علم إلا إتباع الظنّ، وما قتلوه يقيناً).

5-كان الكثيرون ينكرون قيام الساعة، ويقولون لا ندري أحق هي أم باطل، فقال تعالى في سورة الجاثية: (وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظنّ إلا ظناً، وما نحن بمستيقنين).

6-كان الكفار يعتقدون أن خلق السماوات والأرض لم يكن لأمر صحيح، بل هو مجرد لعب وهزل، فقال تعالى:(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار).

7-كان بعض الناس يعتقدون أن الله يعلم كليات الأمور ولا يعلم تفصيلياتها، فذمّهم الله تعالى، فقال في سورة غافر: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون، وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين).

8- اعتقد النصارى أن عيسى ابن الله، فرد الله في سورة يونس عليهم بما يليق باعتقادهم الزائف، فقال تعالى:(قالوا اتخذ الله ولداً سبحانه هو الغني، له ما في السماوات وما في الأرض، إن عندكم من سلطان بهذا، أتقولون على الله ما لا تعلمون).

هذه الآيات صريحة في ذم من يتبع الظن، وفي ذم من يتبع بغير سلطان، (أي: دليل قاطع)، وذمهم والتنديد بهم دليل على النهي الجازم عن إتباع الظن، وعلى النهي الجازم عن إتباع ما لم يقم عليه الدليل القاطع في العقائد، فالدليل الشرعي يدل على أن الاستدلال بالدليل الظني لا يجوز، غير أن هذا خاص بالعقائد فحسب، ولا يشمل الأحكام الشرعية، وذلك لأن الأحكام الشرعية قد جاء الدليل الشرعي من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله على الاستدلال عليها بالدليل الظني. هذه الآيات وغيرها من أمثالها كثير، وكلها محصورة في العقائد وتدل عليها دلالة قاطعة لا مجال للظن فيها.
وكذلك الآيات التي جاءت تنعي على من لا سلطان له فأنها في موضع العقائد، وقد وردت كلمتا البرهان والسلطان في موضوع الاعتقاد والإيمان، وهما كلمتان تفيدان القطع والجزم، ولا يأتي أن يكون البرهان قد قام على أثبات شي4ء ألا إذا كان مقطوعاَ به، أما إذا كان الإثبات مظنوناً به لم يكن قد قام البرهان على الإثبات، وعليه فإن أقامة البرهان على الإثبات يحتم أن يكون برهاناً قطعياً.

على أن الدليل والبرهان لا يطلقان إلا على المقطوع به، والظن لا يكون دليلاً ولا برهاناً، وقد استعمل القرآن كلمتي برهان وسلطان.

ومن تتبع كل واحدة منهما في جميع آيات القرآن يتبين أن معناها الدليل المقطوع به، قال تعالى: (ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) وقال تعالى : (أم اتخذوا من دونه آلهةً قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وقال تعالى: (أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) وقال تعالى:(أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) وقال تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين) وقال تعالى: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه). إلى غير ذلك من الآيات كلها جاءت بمعنى الدليل القاطع، فالدليل من حيث هو لا يكون إلا قطعياً ولم يستعمله القرآن غلا بمعنى القطعي، وعلى هذا فإنه لما كان دليل العقيدة دليلاً على المسألة المعينة، فإن كونه دليلاً أو برهاناً أو سلطاناً يقضي بأن يكون قطعياً. بينت هذه الآيات بـأنه لا بد من العلم وهو القطع واليقين, ونددت عليهم بالظن فقط, والظن في مدلوله اللغوي هو إفادة الإجتمالين مع ترجيح أحدهما, فكيف يجوز الاستدلال بالاحتمال في الأصول. والأصول لا يجوز أن يتطرق إليها الاحتمال. والآيات القطعية تؤكد ذلك وقد قالوا: ما دخله الاحتمال بطل به الاستدلال. وأما من يقول بأن الآيات تضمنت اتباع الهوى فيكون هذا هو المقصود, وهو تفسير لاتباع الظن الوارد في الآية, تكون الآية ظنية الدلالة. نقول ان إتباع هوى الأنفس جاء معطوفاً على اتباع الظن بالواو وهي تفيد المغايرة, فاتباع الهوى غير الظن قطعاُ، وأمر زائد عليه وليس مفسراً له أو بدلاً منه. وأما من يقول بأن الآيات خوطب بها المشركون, فهي ليست للمسلمين, بل تخبر عن أقوام سابقين: نقول لهم إن خصوص السبب لا يسقط العموم, وهذه قاعدة أصولية, ومعظم الأحكام نزلت في مناسبات ولوقائع معينة, ولكنها عامة وإلى يوم القيامة, مثل آية حكم الظهار فإنها نزلت في حق أوس بن الصامت, وآية اللعان نزلت في حق هلال بن أمية وغير ذلك كثير.

ولو كان خبر الواحد يفيد العلم, أي اليقين لما كان الرسل في حاجة إلى معجزات يحتجون بها على أقوامهم. ولو كان خبر الواحد يفيد اليقين لكان ما نقل إلينا بطريق الخبر المشهور خبر الواحد كقراءة ابن مسعود قوله تعالى: وعلى الوارث ـ ذي الرحم المحرم ـ مثل ذلك لكانت كلمات (ذي الرحم المحرم) قرآناً, ولكانت جزءاً من الآية 33 من سورة البقرة و لكانت كلمة (متتابعات) في قراءة ابن مسعود في قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام ـ متتابعات قرآناً من سورة المائدة آية 89, تيسير التحرير الجزء3 صفحة 140، وذلك أن ابن مسعود صحابي جليل ومن أوائل الصحابة رضوان الله عليهم.

سبق وأن قلت أن الاختلاف في العقائد التي أدلتها ظنية لا قيمة له من ناحية عملية لأن إيمان المرء بتلك العقائد لا يجعله يترك عملا كان يفعله، فلا أرى ثمة فائدة في البحث أو الرد على المخالفين، إذ نحن أحوج إلى عمل سريع ومخلص لانتشال هذه الأمة من الواقع المرير الفاسد الذي تتردى فيه ولكسر الأغلال الثقال التي ترزح تحت عبئها.

رائد الفضاء ومن يوجد في القطبين

رائد الفضاء ومن يوجد في القطبين
رائد الفضاء ومن يوجد في القطبين

والأوقات بالنسبة لرائد الفضاء والمقيم في مركز القطب ليس طارئة عليهم، وإنما مجيئهم هم لها أمر طارئ تماماً كالشخص الذي ينتقل إلى بلد يختلف فيها الوقت في بلده الأول فيسير حسب توقيت البدل الجديد، ولا يجوز له أن يظل على توقيت بلده الأول، لأن العبرة ليست بالساعات وإنما العبرة بالأمارات الدالة على دخول الوقت

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير

الفهرست


ثـــــــاني عشر رائد الفضاء ومن يوجد في القطبين

يقول الدكتور بصدد الحديث عن الحزب: وهم يُسقطون الصوم والصلاة عن رائد الفضاء وعن سكان القطبين الذين يكون نهارهم ستة أشهر، وليلهم كذلك، ويعطي الدكتور رأيه فيقول: بأن عليهم أن يقدروا الوقت قياساً على تقدير الناس للوقت عند ظهور المسيح الدجال.

انتهى التعليق.

ولتوضيح ذلك نقول:
الحكم الشرعي هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. والخطاب هو توجيه ما أفاد إلى المستمع أو من في حكمه بحيث يقع خطاباً لموجود قابل للفهم، إلا أن الخطاب هو عين ما أفاد وليس توجيه ما أفاد، فنفس المعاني التي تضمنتها الألفاظ والتراكيب هي الخطاب.
والاقتضاء معناه الطلب، والطلب ينقسم إلى طلب فعل وطلب ترك، وطلب الفعل إن كان جازماً فهو الإيجاب أو الفرض، وإن كان غير جازم فهو المندوب أو السنة أو النافلة، وطلب الترك إن كان جازماً فهو التحريم أو الحظر، وإن كان غير جازم فهو الكراهة، وأما التخيير فهو الإباحة، أما خطاب الوضع فهو جعل الشيء سبباً أو مانعاً أو شرطاً أو صحيحاً أو باطلاً أو رخصة أو عزيمة. وبناء على هذا التعريف يكون خطاب الشارع قسمين: خطاب التكليف وخطاب الوضع.

خطاب التكليف

هو خطاب الشارع المتعلق بالاقتضاء أو التخيير، أي هو التعلق بطلب الفعل أو طلب الترك أو التخيير بين الفعل والترك، فإذا كان الخطاب متعلقاً بطلب الفعل طلباً جازماً فهو الواجب ويرادفه الفرض. والواجب هو الذي يُذمّ شرعاً تاركه قصداً مطلقاً. أما إذا كان خطاب الشارع متعلقاً بطلب الفعل طلباً غير جازم فهو المندوب، ويرادفه في العبادات السنة. والمندوب ما يُحمَد فاعله شرعاً ولا يُذمّ شرعاً تاركه، ويسمى أيضاً نافلة. وإذا كان خطاب الشارع متعلقاً بطلب ترك الفعل طلباً جازماً فهو الحرام، ويرادفه المحظور. والحرام هو الذي يُذمّ شرعاً فاعله. أما إذا كان خطاب الشارع متعلقاً بطلب الترك طلباً غير جازم فهو المكروه، وهو ما يُمدَح شرعاً تاركه ولا يُذمّ شرعاً فاعله. وإذا كان خطاب الشارع متعلقاً بالتخيير بين الفعل والترك سواء نص على التخيير صراحة أو كان يفهم منه التخيير من صيغة الطلب، كأن جاء بعد النهي في حكم واحد في حالتين مختلفتين فإنه يكون للإباحة ولو جاء بصيغة الأمر.

خطاب الوضع

إن الأفعال الواقعة في الوجود قد جاء خطاب الشارع وبيّن أحكامها من حيث الاقتضاء أو التخيير، وجاء خطاب الشارع ووضع لهذه الأحكام ما تقتضيه من أمور يتوقف عليها تحقق الحكم أو يتوقف عليها إكماله، أي إنها وضعت لما يقتضيه الحكم الشرعي فخطاب الشارع كما يرد بالاقتضاء والتخيير يرد بما يقتضيه الاقتضاء والتخيير، وذلك بجعل الشيء سبباً أو بجعله شرطاً أو بجعله مانعاً أو بجعله صحيحاً أو باطلاً أو بجعله عزيمة أو رخصة. وإذا كان خطاب الاقتضاء والتخيير أحكاماً تعالج فعل الإنسان فإن خطاب الوضع يعالج تلك الأحكام ومتعلقاتها. فخطاب كلٍّ من الاقتضاء والتخيير أحكام لفعل الإنسان، وخطاب الوضع أحكام لتلك الأحكام، فتكسبها أوصافاً معينة، وكونها كذلك لا يخرجها عن كونها متعلقة بأفعال الإنسان، لأن المتعلق بالمتعلق بالشيء متعلق بذلك الشيء أيضاً. فيكون الاضطرار سبباً في إباحة الميتة، وزوال الشمس أو غروبها أو طلوع الفجر سبباً في إيجاب تلك الصلوات وما أشبه ذلك، كل ذلك خطاب من الشارع متعلق بالحكم وهو إباحة الميتة وإيجاب الصلاة، ومن هنا كان السبب من خطاب الوضع. وكون الحول شرطاً في إيجاب الزكاة، والرشد شرطاً في دفع مال اليتيم إليه، كل ذلك خطاب من الشارع متعلق بالحكم، ومن هنا كان الشرط من خطاب الوضع، وهكذا. فخطاب الوضع يتعلق بأمور تقتضيها الأحكام المتعلقة بأفعال العباد، وهو خمسة أقسام:

1- السبب
2- الشرط
3- المانع
4- الصحة والبطلان
5- العزائم والرخص

وهذه الخمسة هي أحكام الوضع، وهي أحكام لمعالجة الأحكام المتعلقة مباشرة بأفعال العباد، وذلك بالحكم عليها بالصحة أو البطلان أو الرخصة أو العزيمة، أو بكونها واجبة الوجود أو ممنوعة الوجود.
ولما كانت المسألة التي نحن بصددها متعلقة بالسبب والمانع من أحكام الوضع، لذلك نعطي فكرة موجزة عن السب والمانع لنرى بعدئذ أثر هذين الحكمين على خطاب الاقتضاء المتعلق بالصوم والصلاة.

السبب

السبب هو كل وصف ظاهر منضبط دل الدليل السمعي على كونه معرفاً لوجود الحكم لا لتشريع الحكم، كجعل زوال الشمس أمارة معرفة لوجود الصلاة في قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس)، وقوله عليه الصلة والسلام: "إذا زالت الشمس فصلوا"، وليس هو أمارة لوجوب الصلاة، وكجعل طلوع هلال رمضان أمارة معرفة لوجود صوم رمضان، وفي قوله تعالى:(فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته". وهكذا فالسبب ما يلزم من وجوده وجود ويلزم من عدمه العدم، فطلوع هلال رمضان يلزم منه الصوم، وعدم طلوعه يلزم منه عدم الصوم.

المانع

المانع هو كل وصف منضبط دل الدليل السمعي على أن وجوده اقتضى علة تنافي الشيء الذي منعه، وذلك مثل الدين فإنه مانع من وجوب الزكاة مع اكتمال النصاب وحلول الحول. والموانع قسمان: أحدهما يمنع من الطلب والأداء، كزوال العقل بنوم أو جنون، فإنه يمنع طلب الصوم والصلاة والبيع ويمنع من أدائها. والثاني ما يمكن اجتماعه مع الطلب مثل الأنوثة فإنها تمنع من طلب صلاة الجمعة، ولا تمنع أداءها، وكذلك جميع أسباب الرخص هي موانع من الطلب لا من الأداء.

أثر السبب في خطاب الشارع المتعلق بالصوم والصلاة

حين طلب الشارع من العباد أداء الصوم والصلاة جعل لهما أوقاتاً محددة لا تتقدمانها ولا تتأخران عنها، فالصوم جعل له وقتاً يؤدى فيه وهو شهر رمضان، وجعل هلال رمضان أمارة دالة على وجود الصوم لا على وجوبه، فهو دائم الوجوب ولكنه لا يوجد، أي لا يؤدى إلا بدخول وقته لقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)، ولو أُدِّيَ فإنه لا يجزئ ولا يُبرئ، والصلاة جعل لها أوقاتا خمسة، وأداء الصلاة حسب هذه الأوقات عزيمة، أي حكم من أحكام الوضع، ولا يجوز أداء الصلاة المفروضة قبل دخول وقتها ولا بحال من الأحوال إلا أن يكون رخصة، كالجمع بين صلاتي الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء، وذلك في حالتي السفر والمرض، وهذا رخصة، والرخصة حكم من أحكام الوضع، وما عدا ذلك فيبقى الحكم فيه هو العزيمة وهو الحكم العام، وأوقات الصلاة تختلف في بلد عنها في بلد آخر حسب طول النهار وقصره، ولما لم تكن أوقات الصلاة محددة بالساعات المعينة، وإنما هي أوقات محددة بظواهر طبيعية متكررة توجد ما وجد ليل أو نهار يلزم بالعمل بحسبها كل من كان في الأرض التي تظهر فيها، أما من كانوا في مكان أو أمكنة لا تظهر فيها هذه الظواهر الطبيعية والتي هي أمارات دالة على وجوب وجود الصوم أو الصلاة، فلا يلزمون بأداء الصوم أو الصلاة لعدم وجود أسبابها التي هو الأوقات، والسبب ما يلزم من وجوده وجود ويلزم من عدمه العدم، وهو حكم شرعي من أحكام الوضع ويجب العمل به ولا تجوز مخالفته.

والأوقات بالنسبة لرائد الفضاء والمقيم في مركز القطب ليس طارئة عليهم، وإنما مجيئهم هم لها أمر طارئ تماماً كالشخص الذي ينتقل إلى بلد يختلف فيها الوقت في بلده الأول فيسير حسب توقيت البدل الجديد، ولا يجوز له أن يظل على توقيت بلده الأول، لأن العبرة ليست بالساعات وإنما العبرة بالأمارات الدالة على دخول الوقت، فما لم يدخل الوقت الذي يوجب وجود الصلاة ويكون سبباً في وجودها لا توجد الصلاة، أي لا تُؤدَّى إلا إذا كانت نفلاً، فلرائد الفضاء ولمن هو في مركز القطبين حينئذ أن يصلي ما شاء، لأن أوقات النوافل غير محددة.

أما طروء الوقت فقد ورد نص في تقديره وهو وقت ظهور المسيح الدجال، وخاصة في أيامه التي ليست كبقية الأيام، في يومه الذي كسنة، والذي كشهر والذي كأسبوع، والحديث الذي استدل به الدكتور لا يصلح للاستدلال، لأنه ليس عاماً في كل وقت، بل هو خاص في موضوع معين، ولمعالجة الوقت في زمن معين، فهو في موضوع ظهور المسيح الدجال، ولمعالجة الوقت في أيامه فلا تتعداه إلى غيره، وليست علاجاً لوقت الصلاة قبل ظهور الدجال ولا لما بعد زوال ظهوره، والنهار الذي يبلغ طوله أربعاً وعشرين ساعة مرة واحدة في السنة على جميع الدائرة القطبية، والنهار الذي يصل إلى ستة أشهر في مركز الدائرة القطبية، موجود قبل ظهور الدجال، وسيظل موجوداً بعد زوال ظهوره، ولم يضع الله لوقت الصلاة والصوم فيه علاجاً خاصاً به، بل جعل الأوقات التي عينها عامة في كل زمان وفي كل مكان.

قد يقال إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن طول النهار أيام المسيح الدجال سيكون حادثة جديدة والحديث الوارد فيه عام، فهو عام فيه وفي غيره؛ لا يقال ذلك لأن الحديث إنما هو نص معين جاء في موضوع معين، (وهو ظهور المسيح الدجال) ولمعالجة وقت معين (هو وقت ظهور المسيح الدجال) ولمعالجة وقت معين (هو وقت الصلاة في الأيام التي تكون غير عادية أثناء ظهور المسيح الدجال) وليس علاجاً لما قبل ظهور الدجال، لأن ما قبل الدجال عولج بما هو موجود، ولا لما بعد الدجال، فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما ذكر الدجال؛ وأن يوماً من أيامه كسنة، وآخر كشهر، وثالث كأسبوع، سأله الصحابة ماذا يفعلون، قال: (قدروا له)، فالتقدير للوقت وارد في موضوع معين، وجواب على سؤال خاص في موضوع معين هو ظهور المسيح الدجال. وجواب السؤال إنما هو في موضوع السؤال وليس عاماً في كل شيء، أي هو لذلك الموضوع في تلك الحادثة فقط. فقاعدة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لا تشمل موضوع السؤال، إذ إن عموم اللفظ في خصوص السبب إنما هو عموم في موضوع الحادثة أو السؤال وليس عموماً في كل شيء. ومثاله ما روي عنه عليه السلام أنه سئل عن الربا في مختلفي الجنس فقال: (لا ربا إلا في النسيئة)، فإنه خاص في الموضوع الذي سئل عنه، وهو الربا في مختلفي الجنس، وليس عاماً في جميع الربا، لأن الربا يحصل في متَّحِدَي الجنس في الحال وفي النسيئة، ومثاله عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول الله، أكنزٌ هو؟ فقال: (ما بلغ أن تُؤدَّى زكاته فليس بكنز)، والأوضاح معناه الحلي، والجواب خاص في الموضوع الذي سئل عنه وهو الحلي وليس عاماً في الذهب، إذ قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب، فالمسؤول عنه هو الأوضاح من الذهب وليس الذهب، فيكون الجواب خاصاً به، تماماً مثل سؤال الرسول عن الربا في مختلفي الجنس وليس عن الربا، فيكون الجواب خاصاً في موضوع السؤال وهو الأوضاح من الحلي.

وسؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن الوقت أثناء ظهور الدجال، هو خاص في الوقت عند ظهور الدجال وليس عاماً في كل وقت، بل هو عام في كل وقت في نفس الموضوع، سواء أكان الوقت في اليوم الذي كسنة أو اليوم الذي كشهر أو اليوم الذي كجمعة، وعند ظهور الدجال ليس غير.

والله تعالى جلت حكته حينما وضع الأمارات الدالة على دخول وقت الصلاة والصوم إنما وضعها أمارات ليهتدي بها الإنسان لهذه الأوقات على الأرض التي يعيش عليها عيشاً طبيعياً، وليست على الأرض التي ليست محل عيش للإنسان، ولا يستطيع أن يعيش عليها إلا بمقدار قضاء غرضه الذي جاء إليها من أجله، كرائد الفضاء الذي لا يستطيع أن يمكث على ظهر القمر ساعة لو لم يكن مجهزاً بمكيفات تمنعه من الحر والقر، وكذلك الذي يقيم في مركز الدائرة القطبية.

لبس الباروكة للمرأة

لبس الباروكة للمرأة
لبس الباروكة للمرأة

وأما لبس الباروكة أو البنطال أو الجلباب أو غير ذلك من الحياة العامة فإنها إذا لم تعطه لا تكون ناشزاً، لأن هذه الملابس تلبس خارج البيت وليست متعلقة بالحياة الخاصة. ولا يقال أنه إذا كان مخالفتها لأمره في عدم إغلاق النافذة يجعلها ناشزاً فإنه من باب أولى أن تكون ناشزاً حال مخالفتها لأمره بما هو أكبر كلبس الباروكة لا يقال ذلك

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير
الفهرست


حادي عشــــر البـــاروكــــة

أورد الدكتور نصاً من نشرة جواب سؤال 2 محرم لسنة 1392هـ. والنص هو ما يلي:

(وأما لبس الباروكة أو البنطال أو الجلباب أو غير ذلك من الحياة العامة وليس متعلقاً بالحياة الخاصة فإنها إن لم تطعه المرأة لم تكن ناشزاً) انتهى. (وكذلك إذا أمرها إلا تحضر مهرجاناً أو مؤتمراً عاماً فإن لم تطعه فإنها لم تكن ناشزاً) انتهى النص.

تعليق الدكتور

يعلق الدكتور فيقول: بينما ورد في نفس النشرة: لو أمرها أن تغلق النافذة فرفضت فإنها تعتبر ناشزاً. وينبغي أن نشير هنا أن لبس الباروكة محرم في الإسلام، فقد لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة، كما ثبت في صحيح البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والواصلة هي التي توصل شعرها بشعر غيرها، أو توصل شعر غيرها بشعر آخر كالتي تضع الباروكة. وروى البخاري بإسناد عن عائشة رضي الله عنها أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها، وأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لعن الله الواصلة والمستوصلة). وجاء في صحيح البخاري أن امرأة اسمها أم يعقوب جاءت إلى ابن مسعود بعد أن سمعته يقول: لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة فقالت له: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قالت: إني أرى أهلك يفعلونه، قال: اذهبي فانظري، فذهبت فنظرت، فلم تجد من حاجتها شيئاً، فقال: لو كانت كذلك لما جامعتها. ألا ترى أن ابن مسعود اعتبر زوجته ناشزاً بفعلها هذا تستحق عليه التأديب بالهجران لها في الفراش كما قال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً).
انتهى التعليق.

تناول تعليق الدكتور موضوع الباروكة من وجهين:

1- قارن بين أمر الرجل زوجته بعدم حضور مهرجان أو مؤتمر عام أو لبس الباروكة، وأن عدم إطاعتها له لا يجعلها ناشزاً، وبين أمره لها بإغلاق النافذة وأنها تكون ناشزاً حال عدم طاعتها له، فلسان حال الدكتور يقول: إذا كان مخالفة الزوجة له في عدم إغلاق النافذة يجعلها ناشزاً فإنه من باب أولى أن تكون ناشزاً حال مخالفتها لأمره بعدم حضور مهرجان أو مؤتمر عام أو بلبس الباروكة.

2- أنه اعتبر لبس الباروكة حراماً اندراجاً تحت حكم الواصلة، وكون الزوجة خالفت أمر زوجها في ارتكاب الحرام فيلزم من ذلك أن تكون ناشزاً.

ولتوضيح ذلك نقول:

إن حضور مهرجان أو مؤتمر عام وإغلاق نافذة بيت أو فتحها من المباحات شرعاً ولكل من الرجال والنساء أن يباشر وها. وطلب الرجل من زوجته عدم حضور مؤتمر عام أو مهرجان هو طلب امتناع عن فعل مباح، وطلبه منها إغلاق نافذة البيت هو طلب فعل مباح. ولكن لماذا تكون المرأة ناشزاً إذا عصته في عدم إغلاق نافذة البيت، ولا تكون ناشزاً إذا عصته بحضور مؤتمر عام أو بخروجها لابسة الباروكة، مع أن حضور المؤتمر وإغلاق النافذة من المباحات؟
للمرآة حياة خاصة وحياة عامة، أما الحياة الخاصة ففي داخل بيتها وفي المكان الذي يحتاج دخوله إلى إذن لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها)، وهي في حياتها الخاصة يباح لها أن تكون متبذلة، فتظهر بعض عورتها، كانكشاف رأسها أو ظهور عنقها أو فتحة قميصها، وقد تلبس فستاناً قصيراً أو شفافاً ما لم يكن في البيت من هو أجنبيّ بالنسبة لها.

وأما الحياة العامة ففي خارج بيتها وفي الأماكن التي لا يحتاج دخولها إلى إذن، كالأسواق والمساجد والساحات العامة، والطرقات والحقول والمحلات التجارية والحدائق العامة وغير ذلك من الأماكن.

وفي الأماكن العامة يجب أن يكون لباسها لباساً شرعياً، ولا يجوز لها التبدل.

أما الحياة الخاصة وكل ما هو من شؤون الزوجية فهو حق الزوج على زوجته، وتجب طاعته في كل ذلك بينما الحياة العامة وما ليس من شؤون الزوجية فهو حق من حقوقها، فلها أن تعمل في التعليم وفي الزراعة، ولها أن تتاجر أو أن تعمل طبيبة أو غير ذلك في حدود فكرة (مجتمع النساء منفصل عن مجتمع الرجال) إلا لحاجة يقرها الشرع.

والنشوز هو عصيان الزوجة لزوجها، وليس هو مخالفة أوامر الله ونواهيه، فإذا أمر الزوج زوجته ولم تطعه كانت ناشزاً، وله في هذه الحال معاقبتها ولا تجب عليه حينئذ نفقتها، فإذا رجعت عن النشوز يصبح لا حق له أن يعاقبها، وتجب حينئذ لها النفقة.

قلنا إن النشوز هو مخالفة الزوجة أوامر زوجها ونواهيه، ولكن هل يطّرد ذلك في كل أوامره ونواهيه؟
الحق أنه لا يطرد، لأن النشوز هو مخالفة أوامر الله ونواهيه فيما يتعلق بالحياة الخاصة وفيما يتعلق بأمور الزوجية. لأنها من حقوق الزوج على زوجته، أما ما عدا ذلك فلا يعتبر نشوزاً. فما هو من الحياة العامة وما ليس من الشؤون الزوجية لا يدخل في النشوز، فإذا أمرها بإحضار الطعام له، أو بستر عورتها أمام الرجال الأجانب أو بأن تلبس لباساً أنيقاً، أو أن لا تفتح نافذة البيت، أو أن لا تخرج من بيته أو غيره مما يتعلق بالحياة الخاصة أو ما يتعلق بأمور الزوجية فإن الشرع أوجب عليها طاعته في ذلك وإلا كانت ناشزاً.

أما ما لا يتعلق بالحياة الخاصة أو شؤون الزوجية فليس له إلا أن يأمرها، فإن أطاعته كان بها، وإن لم تطعه لا تعتبر ناشزاً، وليس له حق في عقوبتها، فإذا أمرها بالحج أو أمرها بإخراج زكاة أموالها، أو نهاها عن صلة رحمها أو أمرها بالجهاد أو نهاها عن أن تذهب إلى الصلاة في المسجد مع الجماعة، أن من أن تحضر محاضرة فلم تطعه لا تكون ناشزاً.

ولما كان فتح نافذة من نوافذ البيت أو إغلاقها من الحياة الخاصة كانت طاعة أمر الزوج واجبة فإذا عصته الزوجة في ذلك كانت ناشزاً ,وأما لبس الباروكة أو البنطال أو الجلباب أو غير ذلك من الحياة العامة فإنها إذا لم تعطه لا تكون ناشزاً، لأن هذه الملابس تلبس خارج البيت وليست متعلقة بالحياة الخاصة.
ولا يقال أنه إذا كان مخالفتها لأمره في عدم إغلاق النافذة يجعلها ناشزاً فإنه من باب أولى أن تكون ناشزاً حال مخالفتها لأمره بما هو أكبر كلبس الباروكة لا يقال ذلك لأن هذا يقال لو عصته في كشف عورتها أمام الرجال الأجانب أو رفضت أن تلبس له لباساً أنيقاً أو رفضت أن تحضر له طعاماً، لأن هذه الأمور من جنس أخلاق النافذة أي من الأمور التي من حق الزوج على زوجته أن تطيعه فيها، لأنه أما من الحياة الخاصة أو من الشؤون الزوجية. أما لبس الباروكة أو البنطال أو الجلباب فليست من الحياة الخاصة أو الشؤون الزوجية، وإنما هي من الحياة العامة التي هي من حق الزوجة، فهي من جنس آخر.

هذا من حيث الوجه الأول، وأما الوجه الثاني فقد اعتبر الدكتور لبس الباروكة حراماً اندراجاً تحت حكم الواصلة، واعتبر المرأة ناشزاً ًلكونها خالفت أمر زوجها في عملها الحرام بلبسها الباروكة.

أما أنها ناشز لأنها قامت بفعل محرم فليس ذلك سبباً كافياً لأن تكون المرأة ناشزاً، ولا حكماً مطّرداً، فالنشور هو عصيان الزوجة لزوجها، وليس مخالفة أوامر الله ونواهيه، فلبس المرأة البنطال والخروج به إلى السوق حرام، وامتناعها عن دفع زكاة مالها وعدم ذهابها للحج مع قدرته عليه حرام كذلك، ولكنها لا تكون ناشزاً بسبب ذلك. والشرع لم يجعل للزوج حق عقوبة الزوجة على ترك الفروض أو المحرمات. وإنما جعل ذلك للدولة وحدها، وما جعله للزوج من حق العقوبة هو أن يعاقبها على نشوزها بعقوبات معينة بينها فقال تعالى: (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطنعكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً) وقصر ذلك على الحياة الخاصة وما كان من الشؤون الزوجية.

أما أن لبس الباروكة حرام قياساً على الواصلة أو اندراجها تحت حكمها العام لتشابه الواقعين واقع توصيل الشعر , وواقع لبس الباروكة فرأى يحتاج نقاش.
أما أن لبس الباروكة حرام قياساً على الواصلة فهذا يحتاج إلى معرفة العلة في الأصل (أي نص الحديث)، ثم التأكد من [أن] نفس العلة موجودة في لبس الباروكة.
ذكر العلماء في شرحهم الحديث أن وصل الشعر لتزيين المرأة أو للزيادة في تزيينها حرام، وكذل وصل الشعر للتدليس، أي إيهام الرجال بجمال المرأة، فيكون وصل الشعر وصفاً مفهماً، أي يفهم منه أن وصل الشعر للتزيين، فتكون علة منع وصل هو كونه يزيد في جمال المرأة وفي تزيينها، ولكنها علة قاصرة، وليست مطّردة وإلا لكان كل من تجملت من النساء لزوجها بالرائحة الطيبة أو بأحمر الشفاه، أو بلبس الحلي أو بالاكتحال لكانت ملعونة. والعلة القاصرة لا يقاس عليها غيرها، ولذلك تبقى حرمة وصل الشعر مقصورة على ما ورد في الحديث.

وأما أن لبسها حرام اندراجاً تحت حكم الواصلة لتشابه الواقعين: واقع وصل الشعر وواقع لبس الباروكة، فهذا يحتاج إلى تحقيق المناط في الوصل وفي لبس الباروكة. أما وصل الشعر فيكون بربط الشعر المستعار بالشعر الأصلي، ويعمل منهما ضفائر للرأس يوهم بكثرة شعر المرأة. وأما الباروكة فهي مستقلة تماماً عن شعر الرأس، فهي كالقبعة، وتستعمل غطاء للرأس، سواء أكانت فوق شعر الرأس مباشرة أو فوق شيء يغطي شعر الرأس، فهي ليست مرتبطة بشعر الرأس، فواقعها غير واقع وصل الشعر، ولذلك لا تندرج تحت حكم الواصلة، فحرمة لبس الباروكة لا يكون بقياسها على الواصلة، ولا باندراجها تحت حكم الواصلة، ولكن المرأة المسلمة في الحياة العامة يجب أن تلبس جلبابها أو ملحفة غير شفافة تغطي جميع بدنها من منكبها إلى أطراف أصابع قدمها، وأن تلبس خماراً يغطي جميع رأسها وعنقها وفتحة قميصها، وأن لا يظهر عليها من زينتها غير الوجه والكفين، وأن لا تحاول أن تظهر ما يخفى من زينتها، وأن لا يكون لباسها هذا لافتاً للنظر، فإن خالفت شيئاً من ذلك كانت آثمة. والباروكة وإن كانت غير عورة –لأنها ليست من شعر المرأة- ولا تندرج تحت حكم الواصلة ولا تقاس عليها؛ ولكنها إظهار لزينة المرأة، فإذا كانت ملفتة للنظر فهي تبرج، لأن التبرج هو إظهار الزينة بشكل لافت للنظر، والتبرج حرام، أما وصل اشعر والذي قال فيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (لو أن زوجته فعلته لما جامعها) فهو من الحياة الخاصة، وفي الحياة الخاصة إذا أمر الزوج زوجته بشيء وخالفته كانت ناشزاً، وله الحق أن يعاقبها بالعقوبات التي وردت في الآية، من العظة والهجر في الفراش والضرب، بخلاف الباروكة؛ فهي من الحياة العامة والمخالفة في ذلك تتولاها الدولة.

ولكن ليس معنى ذلك أن يبقى الزوج ساكتاً وإنما ينهاها عن ذلك، وإلا كان مشاركاً لها في الإثم، لكنها إن أبت، فليس له أن يعاقبها عقوبة النشوز.

طلــــب النصـــرة و الزواج من المحارم

طلــــب النصـــرة و الزواج من المحارم
طلــــب النصـــرة و الزواج من المحارم

أما استشهاد حزب التحرير على طلب النصرة من قوى غير ذاتية يطلب الرسول النصرة من القبائل فهو استشهاد صحيح، لأن القبائل كانت قوى غير ذاتية للرسول. وذلك بدليل ما رواه إسحاق قال:

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير

الفهرست


تاسعــــــــاً طلــــب النصـــرة

يعلق الدكتور على الحزب بأنه أخطأ في اعتماده على القوى الذاتية للوصول إلى الحكم دون أن يشترط فيها غير الاقتناع الفعلي بالفكرة مستشهداً ـ أي الحزب ـ خطأ بأن الرسول صلى اله عليه وسلم كان يطلب النصرة من القبائل. ثم تابع يقول : فالرسول حينما بايع بيعة العقبة إنما بايع أناساً آمنوا بالإسلام أيماناً عميقاً واستعدوا لكل ما ينجم عن ذلك من تبعات وتكاليف، وأرسل معهم مصعب بن عمير يعلمهم أحكام الإسلام ويربيهم عليها ويأخذهم بها فأصبحوا بذلك قوة ذاتية لإسلام، وكوّنوا مع المهاجرين القاعدة الصلبة التي قام عليها الإسلام الشامخ. يضاف إلى أن الحزب باكتفائه بشرطه ذاك يمكن أن يكون التوريط من قبل تلك القوى، وربما الاحتواء أو التدمير فيما لو تمكنت من الحكم أو السلطة.
انتهى التعليق

والجواب على ذلك هو أن القوى غير الذاتية بالنسبة إلى الحزب قوتان: أحداهما من المسلمين أما الثانية فمن غير المسلمين. وأما بالنسبة للرسول فالقوة غير الذاتية غير الذاتية هي قوة القبائل في عهده وهي من غير المسلمين. أما الحزب فلم يطلب النصرة من غير المسلمين وإنما يطلبها من المسلمين فحسب والمسلمون وإن كانت قوتهم قوة ذاتية للإسلام، إلا أنها ليست قوة ذاتية خاصة للحزب، لأن الإسلام ليس وقفاً على الحزب، فهناك فئات كثيرة تحمل الإسلام وتدعو له، أما في عهد الرسول صلى الله عيه وسلم فكان الإسلام مقصوراً عليه لاختصاصه بنزول الوحي عيه ولأنه الرسول المختار لتبليغ الإسلام، وليس للحزب قوة ذاتية خاصة لأن المراد بالقوة هو القوة التي تستطيع أن تأخذ الحكم متى شاءت. ولو كانت له قوة ذاتية لأخذ الحكم من غير أن يطلب النصرة من أحد، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن له قوة ذاتية توصله إلى أخذ الحكم، وإلا لما طلب النصرة من القبائل.

أما استشهاد حزب التحرير على طلب النصرة من قوى غير ذاتية يطلب الرسول النصرة من القبائل فهو استشهاد صحيح، لأن القبائل كانت قوى غير ذاتية للرسول. وذلك بدليل ما رواه إسحاق قال:

لما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه (أبو طالب)، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يلتمس النصرة من ثقيف، والمنعة بهم من قومه، ورجاء أن يقبلوا منه ما جاء به من الله عز وجل، فخرج إليهم وحده. (سيرة ابن هشام)

قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذٍ سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، وعندهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى الله وكلمهم وعرض عليهم نفسه. بما جاءهم له من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه (سيرة ابن هشام)

قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله مكة وقومه أشد ما يكونون عليه من خلافه وفراق دينه إلا قليلاً مستضعفين ممن آمن به، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت، على قبائل العرب ويدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبي مرسل ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين لهم عن الله عز وجل ما بعثه به. (السيرة)

قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري انه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله تعالى وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بحيرة بن فراس بن صعصعة، والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: (الأمر لله يضعه حيث يشاء) فقال له: أفنهدم نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا. (السيرة)

من مجموع هذه الروايات عن ابن إسحاق يتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يطلب النصرة من قبائل العرب ولم يكونوا يومئذ من القوى الذاتية له. فهل كانت ثقيف من القوى الذاتية له حينما خرج إليهم يطلب النصرة منهم؟ وهل كان بنو عامر بن صعصعة من القوى الذاتية له حينما دعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه, واشترطوا عليه أن يكون لهم الأمر من بعده فرفض ؟

فالعبرة بأنهم قوة ذاتية له أو غير ذاتية, حين الطلب , ولو اسلموا في الحال. وأما بعد الموافقة على طلب النصرة, فأمر طبيعي أن يثقفهم ويعتني بهم كأصحابه , وكذلك الذين ياوفقون على نصرة الحزب، فإن الحزب يعتني بهم ويعلمهم الأحكام ويربي ناصريه على الإسلام. ولا يشترط عليهم غير الاقتناع بالفكرة التي هي تسليمه الحكم، بخلاف ما كان الحال عليه أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان يدعوهم أول ما يدعوهم إلى الإيمان بالله تعالى لأنهم كفار، أما الذين يطلب الحزب منهم النصرة فهم مسلمون.

وأما البيعة التي أشار إليها الدكتور، وأنه صلى الله عليه وسلم أرسل مع أهلها مصعب بن عمير يعلمهم الإسلام فلم تكن على النصرة، وإنما كانت على الإسلام، وتسمى في السيرة (بيعة النساء) ولكن البيعة على النصرة كانت بيعة العقبة الثانية، وهي بيعة حرب. وكذلك قول الدكتور بأنهم بعد تثقيفهم بالإسلام أصبحوا قوة ذاتية له، ليس صيحاً لأن الرسول لم يعتبرهم كذلك، وإلا لما بايعهم بيعة العقبة الثانية، ولما قال لهم: (اختاروا لي منكم اثني عشر نقيباً، يكونون على قومهم بما فيهم كفلاء). أي بما في قومهم من مخالفة للإسلام، لأنهم لم يكونوا جميعاً قد أسلموا، وإن كان أكثرهم مسلمين. ثم لِمَ يبايعهم؟ ولم يبايع المهاجرين؟ وليس من سبب إلا لأن المهاجرين هم فقط كانوا القوة الذاتية له. لذلك لم يبق لتعليق الدكتور من مبرر.

عــــــاشراً الزواج من المحارم

ورد في كتاب العقوبات لعبد الرحمن المالكي صفحة 205 عبارة تقول: (من تزوج بإحدى محارمه المؤبدة يسجن عشر سنوات)، ولكن الدكتور نقل هذه العبارة فحرف كلمة تزوج، ونقلها في كتابه (زنا) ثم قال في تعليقه: "ويقولون في كتاب العقوبات لعبد الرحمن المالكي ص 205 (بأن من زنا بإحدى محارمه المؤبدة كالأم والأخت يسجن عشر سنوات) بينما الحكم الإسلامي فيمن زنا بأجنبية معروف: الرجم للمحصن والجلد للعزب، فكيف بالزنا في المحارم؟ ".
انتهى التعليق.

والجواب على ذلك من شقين:

أولاً: أن هناك فرقاً بين العبارتين، العبارة الموجودة في كتاب العقوبات ونصها: (من تزوج بإحدى محارمه) والعبارة التي حرفها الدكتور في كتابه الطبعة الأولى ونصها: (من زنا بإحدى محارمه) فالزنا بالمحارم يختلف عن الزواج.

ثانياً: يختلف حكم الزاني بإحدى محارمه عن حكم المتزوج بإحدى محارمه، أما الأول فحكمه الرجم إن كان محصناً والجلد وتغريب عام إن كان غير محصن. وأما الثاني فحكمه التعزير فقط، ولا يُحَدّ، وذلك لأن عقد الزواج شبهة يدرأ بها الحد، لقوله صلى الله عليه وسلم: (ادرأوا الحدود بالشبهات)، والتعزير عقوبة موكولة إلى الخليفة فهو الذي يقدرها ويعينها بحيث تكون رادعة. وهذا الحكم ليس استنباطاً جديداً، بل هو رأي للإمام أبي حنيفة، فقد قال رحمه الله فيمن تزوج امرأة محرمة عليه وهو يعلم بأنه لا يُحَدّ، وإنما يُعاقب عقوبة تعزيرية، واستدل بالحديث التالي: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر لما استحل من فرجها)، فمع الحكم ببطلان النكاح أسقط الحد به، وقال أبو حنيفة رحمه الله: هذا دليل على ن صورة العقد مسقطة للحد وإن كان -أي العقد- باطلاً شرعاً. وهذا الرأي موجود في كتاب المبسوط، الجزء التاسع صفحة 85.

الملكية العامة

الملكية العامة
ثامنـــــــــاً الملكية العامة

إن الملكية العامة من المفاهيم الإسلامية وليست من المفاهيم الرأسمالية أو الاشتراكية التي هي بمعنى الدولية. بل هي ملكية عامة لأمة واحدة تحكمها دولة واحدة لا يفصل بين شعوبها حد ولا يحول دون لقائهم وتجوالهم في أقطارهم وضع، فكل واحد من الرعية له الحق في أن ينتفع بالملكية العامة كغيره من الناس

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير

الفهرست



ثامنـــــــــاً الملكية العامة

الملكية العامة هي إذن الشارع للجماعة بالاشتراك في الانتفاع بالعين، والأعيان التي تتحقق فيها الملكية العامة هي الأعيان التي نص الشارع على أنها للجماعة مشتركة بينهم، ومنع من أن يحوزها الفرد وحده، وهذه تتحقق في أنواع ثلاثة، هي:

1- ما هو من مرافق الجماعة بحيث إذا لم تتوفر لبلدة أو جماعة تفرقوا في طلبها.
2- المعادن التي لا تنقطع.
3- الأشياء التي طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد من حيازتها.

أما ما هو من مرافق الجماعة فهو كل شيء يعتبر من مرافق الناس عموماً، وقد بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث من حيث صفتها لا من حيث عددها، فعن أبي خراش عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)، رواه أنس من حديث ابن عباس فيه: (وثمنه حرام). وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمنع الماء والكلأ والنار). وفي هذا دليل على أن الناس شركة في الماء والكلأ والنار، وأن الفرد يمنع من ملكيتها.

والرسول صلى الله عليه وسلم أباح الماء في الطائف وخيبر للأفراد أن يمتلكوه، وامتلكوه بالفعل لسقي زروعهم وبساتينهم، فلو كانت الشركة للماء من حيث هو لا من حيث صفة الاحتياج إليه لما سمح للأفراد أن يمتلكوه. فمن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار) ومن إباحته للأفراد أن يمتلكوا الماء، تستنبط علة الشراكة في الماء والكلأ والنار، وهي كونه من مرافق الجماعة، وهي التي لا تستغني عنها الجماعة، فيكون الحديث ذكر الثلاث ولكنها معللة لكونها من مرافق الجماعة، وعلى ذلك فإن هذه العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً، فكل شيء يتحقق فيه كونه من مرافق الجماعة يعتبر ملكاً عاماً، سواء أكان الماء والكلأ والنار أم لا. وضابط ما هو من مرافق الجماعة هو أنه كل شيء إذا لم يتوفر للجماعة تفرقت في طلبه، كمنابع المياه، وأحراش الاحتطاب، ومراعي الماشية، وما شابه ذلك.

أما المعادن فهي قسمان: قسم محدود المقدار، وقسم غير محدود المقدار،
أما الأول فيملك ملكية فردية ويعامل معاملة الركاز وفيه الخمس، فعن عمرو بن شعيب المزني سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن اللقطة توجد في الطريق العامر أو قال الميثاء- أي طريق مسلوكة يأتيها الناس، فقال: عرّفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهي لك، قال: يا رسول الله فما يوجد في الخراب العادي؟ قال: فيه وفي الركاز الخمس.

وأما الثاني فهو في غير المحدود المقدار الذي لا يمكن أن ينفد، فإنه ملكية عامة، ولا يجوز ملكه فردياً، لما روي عن أبيض بن حمال أنه استقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم الملح بمأرب، فلما قيل: يا رسول الله؛ أتدري ما أقطعته له؟ إنما أقطعت له العِدّ. قال: فرجعه منه. وفي رواية عن عمرو بن قيس المأربي قال: استقطعت رسول الله صلى الله عليه وسلم معدن الملح بمأرب فأقطعنيه، فقيل: يا رسول الله؛ إنه بمنزلة الماء العِدّ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فلا إذن).
فلما كان الملح من المعادن فإن رجوع الرسول عن إقطاعه لأبيض يعتبر علة لعدم ملكية الفرد وهو كونه معدناً لا ينقطع، وليس كونه ملحاً لا ينقطع، ومن هذا الحديث يتبين أن علة المنع في عدم إقطاع معدن الملح كونه عِدّاً، أي لا ينقطع، ويتبين من رواية عمرو بن قيس أن الملح هنا معدن، حيث قال: (معدن الملح). ويتبين من استقراء كلام الفقهاء أنهم جعلوا الملح من المعادن، فيكون الحديث متعلقاً بالمعادن لا بالملح، فيشمل المعادن كلها، الظاهرة وغير الظاهرة، والسائلة والجامدة، كالملح والياقوت والكحل والذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص والنفط ومشاكلها.

أما الأشياء التي طبيعة تكوينها تمنع اختصاص الفرد بحيازتها فهي الأعيان التي تشتمل على المنافع العامة، وهي وإن كانت من المرافق العامة إلا أن طبيعتها أنه لا يتأتى فيها أن يملكها الفرد، بخلاف القسم الأول أي المرافق العامة، فإنه يتأتى أن يملكه الفرد، ولهذا فإن هذا القسم وإن كان دليله انطباق العلة الشرعية عليه، وهي كونه من مرافق الجماعة فإن حقيقة واقعه تدل على أنه ملكية عامة، وهذا يشمل الطرق والأنهار والبحار والبحيرات، والأقنية العامة، والخلجان والمضائق ونحوها، كما يشمل المساجد والمدارس للدولة ومستشفياتها والملاعب والملاجىء ونحوها.

ولما كانت قناة السويس من الممرات العامة فهي ملكية عامة، ينطبق عليها ما ينطبق على الملكية العامة، ولكن الدكتور يعلق على هذا الرأي ويقول: إن حزب التحرير يقول إن الممرات المائية بما فيها قناة السويس ممرات عامة، وأنه لا يجوز منع أية ناقلة من المرور فيها، ولكنه لم يُشِرْ إلى مكان هذا الرأي؛ إن كان موجوداً في كتاب أو نشرة كما هي عادته أن يذكر الكتاب والصفحة، ويذكر النشرة وتاريخ صدورها، وإنما ذكر هذه العبارة بصدد إنكاره على الحزب جواز دفع غرامة مادية لدولة كافرة، ففهم أنه يعتبر الرأي رأياً خاطئاً، ولكن ما ذنب الحزب إذا كان هو –أي الدكتور- يفهم الأمور على طريقته الخاصة، ويضيف لها ما ليس منها لتسعفه على الانتقاد الكاذب.

نعم إن الحزب يقول بأن قناة السويس من الممرات العامة، ولكنه لا يقول بعدم منع أية ناقلة من المرور بالقناة بحجة أن القناة ملكية عامة، لا يقول ذلك لأن الملكية العامة ليست كما فهمها الدكتور، بأنها ملكية عامة لجميع الشعوب والأمم.

إن الملكية العامة من المفاهيم الإسلامية وليست من المفاهيم الرأسمالية أو الاشتراكية التي هي بمعنى الدولية. بل هي ملكية عامة لأمة واحدة تحكمها دولة واحدة لا يفصل بين شعوبها حد ولا يحول دون لقائهم وتجوالهم في أقطارهم وضع، فكل واحد من الرعية له الحق في أن ينتفع بالملكية العامة كغيره من الناس الذين يحملون التابعية للدولة. أما من ليسوا من رعايا الدولة فينظر، فإن كانوا داخل بلاد المسلمين ودخلوا بإذن الدولة فيسمح لهم بالارتفاق بالمرافق العامة بالقدر الذي حُدّد لهم في إذن الدخول، وأما إن كانوا خارج بلاد المسلمين فيمنعون من الإرتفاق بها إلا إذا أذنت لهم الدولة بالدخول وبالقدر الذي حدّده الإذن. فإن دخلوا بغير إذن الدولة فليسوا آمنين على أرواحهم ولا على أموالهم، سواء أكانت الممرات مائية أم برية أم جوية، وإذن فمعنى الملكية العامة هي أنها ملكية عامة للأمة الإسلامية ضمن حدود الدولة الإسلامية الواحدة، وليست ملكية عامة لجميع الشعوب والأمم. فالبترول في بلاد المسلمين ملكية عامة فقط للمسلمين، ولا يعني أن كونه ملكية عامة للأمريكان أن ينتفعوا به ولا يمنعون لا هم ولا غيرهم من الانتفاع به، وقناة السويس جزء من بلاد المسلمين فهي ملكية عامة لجميع رعايا الدولة الإسلامية، فلا يمنع أحد من رعاياها من المرور بها، ولكن كونه ملكية عامة لا يعني أنه لا يمنع اليهود والفرنسيون من المرور بها، بل يمنع كل من ليس من رعايا الدولة من المرور بها إلا بإذن، والحزب حينما يقول: لا يجوز منع أية ناقلة من المرور بها، يعني أية ناقلة للمسلمين أو لمن هم رعية من رعايا الدولة الإسلامية، وليس أية ناقلة، بدليل أن الملكية العامة مفهوم إسلامي وليس مفهوماً بالمعنى الدولي، أي بمعنى أنها مياه دولية.

جواز المرأة عضوا في مجلس الشورى وكذلك غير المسلم

جواز المرأة عضوا في مجلس الشورى وكذلك غير المسلم
جواز المرأة عضوا في مجلس الشورى وكذلك غير المسلم

اسم الكتاب: التبصرة
اسم المؤلف: يوسف سباتين
التصنيف: رأي حزب التحرير
الفهرست


سادســـــــاً جواز قبول الهدية من دولة كافرة

قبول الهدية من دولة كافرة أو من فرد كافر جائز شرعاً، وهذا ليس رأياً اجتهادياً، ولا أظن أن أحداً على درجة من العلم بالأحكام الشرعية يخالف في ذلك لأن النص الوارد في هذا الحكم يدل بمنطوقه عليه، وليس من حاجة إلى الاجتهاد في فهم النص.

ورد عن علي رضي الله عنه قال: (أهدى كسرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منه، وأهدى له قيصر فقبل منه، وأهدت له الملوك فقبل منها).
وفي حديث عن بلال المؤذن قال: انطلقت حتى أتيته (يعني الرسول صلى الله عليه وسلم) وإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت فقال لي: (ألم تر الركائب المُناخات؟ فقلت: بلى، فقال: إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعاماً أهداهن إليّ عظيم فدك، فاقبضهن واقض دينك ففعلت).
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: قدمت قتيلة ابنة عبد العزى بن سعد على ابنتها أسماء بهدايا ضباب وإقط وسمن وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين...) الآية. فأمرها أن تقبل هديتها وأن تدخلها بيتها.

إن قيصراً وكسرى وعظيم فدك أهدوا للنبي صلى الله عليه وسلم وقبل منهم هداياهم، وكل واحد منهم رئيس دولة، فهو حينما يتصرف إنما يتصرف باسم الدولة، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، فقبول الرسول الهدية من قيصر أو كسرى أو من عظيم فدك، هو قبول لها من دولة كافرة، وقبول أسماء الهدية من أمها قتيلة المشركة بأمر من الرسول هو قبول لها من فرد كافر، فالهدية أو الهبة التي يراد منها التعبير عن الصداقة والمودة أو حسن الجوار تقبل ولا شيء في قبولها، وكما يجوز قبولها يجوز رفضها.

أما الهدية أو الهبة من دولة كافرة تريد من الهدية أن تحقق أمراً من الأمور التي تضر بالمسلمين فتمنع عملاً بالقاعدة القائلة: (كل فرد من أفراد المباح إذا أوصل إلى ضرر يمنع)، كما هي الحال في المنح والهبات التي تقدمها أمريكا والدول الكبرى للدول المتخلفة.

سابعاً جواز أن تكون المرأة عضوا في مجلس الشورى وكذلك غير المسلم

الشورى حق لجميع المسلمين على الخليفة، فلهم عليه أن يرجع إليهم في أمورهم التي تجب فيها المشورة، قال تعالى:(وأمرهم شورى بينهم)[5]، وقال أيضاً: (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله)[6]، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير المسلمين ويرجع إليهم في كثير من الأمور، وكان يختار سبعة من الأنصار وسبعة من المهاجرين على أساسين:

أولهما: أنهم نقباء عن جماعتهم بغض النظر عن كفايتهم ومقدرتهم.

وثانيهما: أنهم ممثلون عن المهاجرين والأنصار.

والغرض الذي وجد من أجله أهل الشورى هو التمثيل للناس، والتمثيل للأفراد وللجماعات وللناس غير المعروفين، وهذا لا يتحقق في المجتمعات الكبيرة إلا بالانتخاب، وعلى ذلك فإنه يستنبط من كون أعضاء مجلس الشورى وكلاء في الرأي، ومن كون العلة التي وجد من أجلها مجلس الشورى هو التمثيل للأفراد والجماعات هو الرأي، ومن عدم تحقق هذه العلة في الناس غير المعروفين إلا في الانتخاب العام، يستنبط من ذلك كله أن أعضاء مجلس الشورى ينتخبون انتخاباً، ولا يصح أن يعينوا تعييناً. ولما كان أعضاء مجلس الشورى وكلاء عن الناس في الرأي، لذلك يجوز لكل من تجوز وكالته أن يكون عضواً في مجلس الشورى، إذا وكله الناس في ذلك. ولما كان كل مسلم بالغ عاقل ذكراً كان أو أنثى يجوز له أن يكون وكيلاً جاز أ، يكون عضواً في مجلس الشورى، وتنطبق عليه أحكام الوكالة. وكما أن للمسلم حق الشورى، فإن لغير المسلم الحق في إبداء الرأي في تطبيق الإسلام عليه وفيما يلحقه من ظلم من الحاكم. والفرق بين المسلم وغير المسلم هو أن المسلم له حق الشورى على الخليفة، أي يجب على الخليفة أن يستشير المسلمين، أما غير المسلم فليس له حق الشورى، ولكن إذا رغب الخليفة في أن يستشير غير المسلمين فله ذلك لقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)[7]. ولكن لغير المسلمين الحق في أن يشتكوا من إساءة تطبيق الإسلام عليهم، أو مما يلحقهم من ظلم من الحاكم أو غيره، ولهم أن يوكلوا عنهم من يمثلهم في الرأي، ولكن تمثيله لهم يقتصر على إظهار الشكوى من ظلم الحاكم، أو من عدم تطبيق الإسلام عليهم تطبيقاً حسناً.

ولما كان غير المسلم يجوز له أن يكون وكيلاً عن المسلم وغير المسلم، وعضوية مجلس الشورى وكالة عن الناس في الرأي فيجوز أن ينتخب من المسلمين ومن غير المسلمين، وأن يبدي الرأي وكالة عنهم ولكن في الحد الذي ذكرناه.

وأما بالنسبة للمرأة فإنه علاوة على أن أحكام الوكالة تكفي للدلالة على أن لها أن تكون عضواً في مجلس الشورى إذا أحرزت شروط النجاح بنيلها أصوات المنتخبين، فإن هناك أدلة أخرى تجيز لها ذلك، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما التقى بأهل النصرة من أهل المدينة وبايعهم بيعة الحرب، كان معهم امرأتان بايعتا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما بايعه الرجال، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا لي اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم كفلاء)، وهذا أمر منه للجميع بأن ينتخبوا من الجميع اثني عشر شخصاً، ولم يخصّ الرجال ولم يستثنِ النساء، لا في من يَنتخب، ولا في من يُنتخب. والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد دليل التقييد، والعام يجري على عمومه ما لم يرد دليل التخصيص، وهنا جاء الكلام عاماً ومطلقاً، ولم يرد أي دليل للتخصيص أو التقييد، فدل على أن الرسول أمر المرأتين أن تنتخبا النقباء، وجعل للمرأتين حق انتخابهما من المسلمين نقيبتين.

وأما قول الرسول: (ما أفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة) فكان إشارة إلى تولية الفرس لابنة أحد ملوكهم. فالموضوع موضوع حكم، وأما مجلس الشورى فليس من الحكم وإنما هو من أجل إعطاء الرأي في المشاكل التي تعترض الخليفة أو تعترض المسلمين.