Friday, July 5, 2013

كتاب الوصية والصيغة والموصى له والموصى به والإيصاء

Tags

كتاب الوصية والصيغة والموصى له والموصى به والإيصاء



كتاب بغية المسترشدين باعلوي الحضرمي علي المذهب الشافعي

محتويات

الوصية

[فائدة]: قال الدميري: رأيت بخط ابن الصلاح أن من مات بغير وصية لا يتكلم في البرزخ، وأن الأموات يتزاورون سواه، فيقول بعضهم لبعض: ما بال هذا؟ فيقال: مات على غير وصية، ويحمل ذلك على ما إذا كانت الوصية واجبة أو خرّج مخرج الزجر اهـ ع ش.
(مسألة: ب): أوصى بأن يقبر داخل السور بقرب الشيخ الفلاني، وجب قبره هناك لندب الوصية بذلك، وقد استثنوا من حرمة نقل الميت من بلد إلى أخرى مكة والمدينة وبيت المقدس وجوار الصالحين.

(مسألة: ب): كل تبرع صدر من المريض مرض الموت من نحو: نذر ووقف وهبة وإبراء وصدقة وعارية وعتق وتدبير يكون من الثلث، كما أن من الثلث أيضاً كل معلق بالموت ولو في حال الصحة من نحو: وصية ونذر ووقف، فإن كان ذلك لوارث فلا بد فيه من إجارزة بقية الورثة الكاملين، فحينئذ لو قال مريض: نذرت قبل موتي بثلاثة أيام بجميع ما هو بجهة كذا من كساء لابني فلان، وبجميع ما هو بتلك الجهة من أوان وفرش وحلي لأولادي وأمهم، وبجميع عبيدي بجهة كذا لأولادي، صح الكل بإجازة الورثة المطلقي التصرف لأولي محجور وغائب مع شرط مضي الثلاثة الأيام قبل موته في الكل، وإن قيد بها في الأولى فقط، إذ الصفة والشرط والاستثناء والحال في الجمل والمفردات المعطوفة بالواو تعتبر في الكل حيث لم يتخلل كلام طويل اهـ. قلت: وأفهم قوله المعطوفة بالواو أن العطف بالفاء وثم لا ترجع معه الصفة والاستثناء إلى الكل وهو المعتمد، قاله ابن حجر في الفتح والتحفة، واعتمد (م ر) والخطيب وأبو مخرمة أن الثلاثة الأحرف سواء بخلاف بل ولكن.

(مسألة: ب): حدّ المرض المخوف هو ما يكثر الموت عنه عاجلاً، ولا تتطاول معه الحياة، ولا تشترط غلبة حصول الموت به بل عدم ندرته، فحينئذ لا ينفذ تبرعه فيما زاد على الثلث أو للوارث مطلقاً، إلا إن أجاز الوارث الأهل بعد الموت، ومثله غير المخوف إن اتصل بالموت ولم يحمل موته على الفجأة، كما لو كان يتولد منه الموت كثيراً، فلو ادعى الوارث موته من مرض تبرعه والمتبرع عليه شفاء وموته من آخر أو فجأة، فإن كان مخوفاً صدق الوارث وإلا فالآخر، ولو اختلفا في وقوع التصرف في الصحة أو المرض صدق المتبرع عليه، فإن أقاما بينتين قدمت بينة المرض لأنها ناقلة.

(مسألة: ش): أبرأت زوجها في مرض موتها، فإن لم يرثها لمانع كان حكمه حكم الوصية، وإلا توقف على الإجارة من بقيتهم، فإن لم يجيزوا برىء من حصته فقط، نعم إن كان في مقابلة طلاق برىء من جميعه وإن لم تكن لها تركة سواه، ولو تزوّج مريض بمحاباة لا تحتمل فهي وصية لوارث، فلو ماتت قبله دارت المسألة لأنه يرثها فيزيد ماله، فيزيد ما ينفذ فيه التبرع، فيزيد ما يرثه، فلو أصدقها مائة هي ماله ومهر مثلها أربعون فلها اثنان وسبعون، أربعون مهر مثلها والباقي محاباة، ويبقى معه ثمانية وعشرون، ويرجع له بإرثه ستة وثلاثون، فيجتمع لورثته أربعة وستون وهي ضعف المحاباة، ولا يبطل هذا التبرع بموته قبلها، لأن هذه المحاباة في ضمن عقد، وهذا بخلاف الوصية فإنها تبطل بموت الموصي له قبل الوصي.

(مسألة: ش): ونحوه ب: الأظهر صحة الوصية لبعض الورثة بإجازة بقيتهم الكاملين بنحو: أقررت الوصية أو أجزتها أو أمضيتها، وقد لا تصح مطلقاً، كما إذا لم يكن له وارث سوى الموصى له لتعذر إجازته لنفسه وقد تصح مطلقاً، كما لو وقف المريض عيناً تخرج من الثلث على وارثه المتحد أو المعتمد بنسبة إرثهم فلا يبطلها الوارث، ولا تصح إجازة وليّ المحجور، لكن لا يضمن إلا بتسليم المال وينتظر كماله، كقدوم الغائب فلا يتصرف واليهما في الموصى به إذ لا تبطل في حقهما، خلافاً للأذرعي في الأول.

الصيغة

(مسألة: ب): مذهب الشافعي أن مجرد الكتابة في سائر العقود والإخبارات والإنشاءات ليس بحجة شرعية، فقد ذكر الأئمة أن الكتابة كناية فتنعقد بها، نحو الوصية مع النية ولو من ناطق، ولا بد من الاعتراف بها، يعني النية منه أو من وارثه، وحينئذ فمجرد خط الميت بنحو نذر وطلاق ووصية لا يترتب عليه حكم، وإن تحقق الورثة أنه قلم الموصي، بل وإن قال: هذا خطي وما فيه وصيتي، ولا يلزم الورثة الجري عليه قطعاً لأنه في حكم المعدوم، وليس بحجة شرعاً، وحينئذ لو فعل الوارث الحاضر يوم الموت وبعده ما يعتاد فعله من التركة بناء على خط الميت، فإن أجازه الغائب الكامل فذاك، وإلا فما عدا الواجب من التجهيز يختص به الفاعل.
(مسألة: ب): لا تثبت الوصية بقوله: مالي مثلث، إذ ليس ذلك من صيغها ولا قريبآ منها فيحمل عليها، نعم إن اطرد عرف جهة الموصي باستعمال هذا اللفظ وصية كان كناية، فإن علمت نيته صحت وصرفت للفقراء والمساكين وإلا بطلت، ومن اعتقل لسانه أو خرس فأوصى بالإشارة صح، ثم إن فهمها كل أحد فصريحة وإلا فكناية، ولو أوصى بوصايا على يد شخص ثم أوصى بوصايا أخرى على يد آخر، فإن لم يثبت رجوعه عن الأولى صحتا و عمل بمقتضاهما.

(مسألة): قال عند موته: جعلت أو بغيت ثلث مالي في وجوه أخي، فإن أراد بذلك مصرفاً من مصارف الخير مما ليس بحرام ولا مكروه كقراءة وضيافة أو شيئاً من المباحات بأن صرح بذلك، أو دلت قرينة أو عرف محلهم على ذلك صح، كما لو استعجم عن الكلام فقيل له: تريد أو مرادك ثلث مالك؟ فأشار برأسه أي نعم، وإن لم يعرف له مصرف بطلت، بخلاف ما لو قال: أوصيت بثلثي على يد فلان أو ثلثي وصية ولم يذكر مصرفاً فيصرف للفقراء.

(مسألة: ي): أوصى بلغة الملايو بأن أوصياءه يجمعون ثلثه ويبيعون العروض منه بدراهم، ثم يخرجون ما عينه منه للوصايا، والزائد يحفظونه ويمشونه ويجرونه بما يحصل المصلحة الدائمة لتكون صدقة باقية صحت الوصية واشترى بالزائد المذكور عقاراً وصرفت غلته لأقارب الموصى الفقراء غير الوارثين والأوصياء، ويلزم الوصي المبادرة بذلك، ولا عبرة بما لو كان عرف بلد الموصي أن هذا اللفظ إنما يراد به الاتجار في الدراهم الموصى بها وهو لا يصح، فاجتهاد الوصي، فالحاكم، ولا يعدل عن مرتبة حتى تفقد ما قبلها، فزعم البطلان في هذه للعرف المذكور باطل من ثلاثة أوجه، مخالفته لعرف الشرع فيها، إذ الصدقة الجارية الواردة في الحديث محمولة على كل ما ينتفع به مع بقاء عينه، كالوقف والوصية بالمنافع ومخالفته للعرف العام لو قدرنا أن الشارع لا عرف له هنا، لأن الصدقة للمصلحة الدائمة هي الصدقة الجارية ومخالفته للغة، إذ معنى ترجمة كلامه أن التمشية والإجراء هو الشراء، أي يشترون بها ما يحصل مصلحة دائمة أي متكررة فيقتضي شراء عقار، إذ التجارة لا يتكرر الربح فيها إلا بتكررها، فعلم أن اللغة مخالفة لعرف بلده، وقد مر أنها كسابقيها مقدمات على العرف الخاص، نعم يقدم عرف البلد على اللغة فيما إذا صار عاماً واتفق على عمومه ولم يكن ثم مخصص، ولم يكن له في اللغة معنى يحمل اللفظ عليه،

وكل هذه القيود منتفية في مسألتنا أيضاً، إذ ليس العرف المذكور متفقاً على عمومه عند أهل تلك اللغة كما أسمعنا الثقات منهم، ولأن في اللفظ مخصصاً يخرجه عن دائرة العموم لو قلنا به وهو قوله الدائمة، لأن ذلك مخصص لقوله: ويجرونه بما يحصل المصلحة العامة في الشراء للتجارة وللأعيان، فخص ذلك بشراء الأعيان فقط، بل ولو قدرنا عدم المخصص فلا يستدل به على البطلان إلا لو لم يكن له في اللغة معنى يصح حمل الوصية عليه، إذ يصان كلام المكلف عن الإلغاء ما أمكن، ومعناه أنه إذا نطق بكلام له معنيان: أحدهما يترتب عليه حكم والثاني لا فتحمله على الأوّل، ولا يمتري عاقل في شمول لفظ الموصي لشراء الأعيان المنتفع بها مع بقاء عينها شمولاً أظهر من الإتجار، وليس هذا، كمن نطق بكلام لا يعرف معناه، لأن الشرط معرفة ذلك إجمالاً، أي بأن ذلك مزيل لملكه مجاناً، إذ مدار الأحكام على معاني الألفاظ لا القرائن والمقاصد كما قالوه، فيما لو أوصى أو وقف لأولاد زيد وأولاد أولاده ومقصوده وعرف بلده إطلاقه على الذكور فقط أنه يعم الذكور والإناث وأولادهنّ الأجانب، وفيما لو كان العرف أن الواقف يأكل من الموقوف، وأن الموصى به يصرف للنائحات أنهما يصحان ويلغى العرف المذكور، بل يصرف الوقف في مصارفه الشرعية، والموصى به للفقراء إن لم يذكر له مصرفاً مباحاً.

(مسألة: ج): أوصى عند موته بأنه على حكم الله تعالى ورسوله وأوصى بدراهم تفرق، فإن أراد بحكم الله التوبة من الربا وله ديون عند الناس على حكم الربا فالتوبة مقبولة، وليس لوارثه إلا رأس المال فقط، بل لا يجوز أخذ شيء من الزائد بعمل الربا مطلقاً أوصى بذلك أم لا، والوصية بالدراهم تنفذ حالاً للفقراء والمساكين وهي على حسب نية الميت، فإن نواها زكاة وقعت وإلا فنافلة ولا يضيع أجره.

الموصى له

(مسألة: ش): أوصى للأشراف أو لأشرف الناس أو أشرف الأشراف حمل على ذرية رسول الله ، وهم الآن المنسوبون إلى الحسنين ريحانتيه عليه وعليهما أفضل الصلاة والسلام، باطراد العرف بذلك منذ أزمنة، لا يوصف بهذا الاسم غيرهم، فإن أوصى لأشرف ذرية الحسن والحسين اعتبر زيادة وصف معنوي من نحو علم وتقوى فيما يظهر.

(مسألة: ج): حد طلب العلم كما هو المتعارف بحضرموت فيما لو أوصى شخص لطلبة العلم من له ملكة يقتدر بها على استخراج المسائل المنصوصة والمفهومة، أو هو من يقتدر على تصوير المسألة ويستدل لها، ولا تكفي معرفته باباً أو بابين من الفقه، بل لا بد أن يكون طالباً وناظراً لجميع أبواب الفقه، وبهذا يظهر أن من ليس له إلا قراءة مختصر لا سيما المشتملة على فروض الأعيان لا يعد من طلبة العلم، وأما أهل العلم فالمراد بهم حيث أطلقوا الفقهاء والمفسرون والمحدثون، فمن هو طالب لواحد من هذه الثلاثة أعطي لا غيرها من العلوم على الأصح، فمن أخذ شيئاً من غير أهله فقد أكل السحت الحرام، ولا يجب استيعاب الطلبة ولا يختص بأهل بلد المال.

(مسألة: ب ي): أوصى لقرابته أو أرحامه دخل كل قريب من جهة الأب والأم غير الوارث، وضابطه كل جد ينسب إليه الموصي أو أمه، ويعد قبيلة واحدة سواء قال: أوصيت بها لأرحامي أو للأرحام، أو لقرابتي أو للقرابة، فيصرف لجميع ذرية جد الموصي وجد أمه الملقبين بذلك الاسم وإن بعد وارثاً وغيره ولو من غير قبيلته، كأولاد البنات والعمات والخالات وإن سفلوا، ويستوى الغني والمسلم وضدهما، فيجب استيعابهم والتسوية بينهم وإن كثروا وشق ذلك، نعم إن تعذر حصرهم أو كان قليلاً لا يقع موقعاً جاز الاقتصار على البعض ولو على ثلاثة منهم، ويجب الاستيعاب المذكور بقيده، وإن دلت القرائن أو قال قائل: إن الموصي أراد بذلك أناساً مخصوصين يعرفهم ويواسيهم لا كل القرابة المذكورين، لأن هذا أمر لا يعرفه ولا يخطر بباله فلا يلتفت إلى ذلك ولا يجوز التخصيص، إلا إن صرح هو ولو بعد الوصية بذلك فيعتمد قوله، كما لو أوصى لجيرانه وقال: أردت الملاصقين فقط، وقد أطلق الأصحاب اعتبار المعاني الشرعية في نحو الوقف على الأرحام والعشيرة والقرابة والموالي ونحوها، ولم يلتفتوا إلى اصطلاحات العوام في ذلك، ولا إلى ما يظنونه من تعميم الألفاظ وتخصيصها اكتفاء بمعرفتهم لأصل المعنى وإن لم يحيطوا بحقيقته، لأن المدار عند الشافعي على مدلولات اللفظ ما أمكن، وليس هذا كمن نطق بكلام وهو لا يعرف معناه، لأن الموصي يعلم أن هذا اللفظ يزيل الملك، وإنما يجهل أمراً آخر مثل هذا الجهل لا أثر له في صحة التصرف وكيفيته إذ هو جهل بالتفصيل، وقد صرح في التحفة بأن ماله معنى في الشرع مقدم على اللغة والعرف، ولو أعرضنا عن عرف أهل العلم واتبعنا عرف العوام لبدلنا الأحكام وغيرنا دين الإسلام، بل يلزم كل إنسان العمل بما حكم الشرع، وإن سخط الناس ورأى هو وغيره أن المصلحة في مخالفته،

زاد (ي): وكذا الحكم فيما أوصى شخص لقرابته أو رحمه آل فلان، أو قال: أوصيت لآل فلان أي فيشمل جميع ذرية ذلك الشخص الملقب بذلك الاسم على ما مر تفصيله، ولا يدخل في الوصية لنحو الأرحام إلا من كان موجوداً عند الوصية وبقي إلى موت الموصي، فلو مات قبله أو شك بطلت في حصته ورجعت لورثة الموصي لا لبقية الأرحام، ولا يستحق الحمل الموجود عند الوصية وإن انفصل قبل الموصي، إذ لا يسمى ولداً ورحماً وقريناً وآلاً، ولو قيد الموصي الأرحام بالمتوطنين ببلد كذا، صرف ذلك لمن توطن بنفسه، وإن خرج عنه بنية العود وطال زمن خروجه، ويصدق في نية العود بلا يمين، إذ لا يعرف ذلك إلا منه، وخرج به من ولد بغيرها من أولاد القاطنين ولم يأت إليها إلى الآن، وإن كان عازماً هو أو وليه على النقلة إليها، ومن لم ينو العود وإن قرب خروجه فلا يستحقان شيئاً، وزاد (ب): ثم المراد بالقبيلة في اصطلاح أهل النسب ما تحت الشعب وبعدها العمارة ثم البطن ثم الأفخاذ ثم الفصائل آخرها، مثاله خزيمة شعب كنانة قبيلة قريش عمارة بكسر العين، قصي بطن هاشم فخذ العباس فصيلة، فحينئذ لو كان الموصي المذكور من السادة آل جنيد باهرون جمل الليل، وكانت أمه من السادة آل شهاب الدين بن عبد الرحمن بن شهاب الدين بن عبد الرحمن ابن الشيخ علي كانت القبيلة من جهة أبي الموصي هو الشيخ محمد جمل الليل بأحسن من جهة أمه هو الشيخ علي بن أبي بكر السكران، إذ هما اللذان يعدّ أولادهما قبيلة شرعاً وعرفاً ولغة، فلو قيل: عدوا قبائل السادة إلى أبي علوي لأخذ العادة يقول: آل جمل الليل، آل العيدروس، آل الشيخ علي، آل عبد الله باعلوي، آل عم الفقيه وهكذا،

ولا يقول: آل باهرون، آل ابن سهل، آل شهاب الدين، آل منفر، لأن مثل هؤلاء بطون أفخاذ لا قبائل كما علم مما مر، نعم في تمثيل بعضهم كالإمام النووي في بعض كتبه للقبيلة ببني هاشم يفهم منه أن تكون القبيلة في مسألتنا آل باهرون لا آل جمل الليل الشامل لهم ولغيرهم، وآل شهاب الدين الأكبر لا آل الشيخ علي كذلك وهو محل تردد، إذ هما اللذان يعرف بهما الموصي وأمه، ويتميزان بهما عن غيرهما من أولاد أجدادهم الأقدمين، وما دون هذين من أجداد الموصي وأمه، فلا يعتبر في الضابط المذكور مطلقاً لأنه إما فخذ أو فصيلة اهـ. وفي (ي): الذي يظهر من نصوص العلماء أن من أوصى لأقارب شخص من آل أبي علوي أو لأقارب نفسه وهو منهم أنها تصرف وصيته لجميع آل أبي علوي لا لخصوص قبيلة ذلك الشخص المنسوب هو إليهم فقط، نعم قرابة الشخص المذكور أولى من غيرهم عند تعذر التعميم، ولو اقتضى لفظ الوصية الصرف للأقارب ولم يصرح به الموصي كان الصرف لهم أولى، بل قال الشيخان وابن حجر بلزوم الصرف إليهم حينئذ، وهذا إن لم يحكم حاكم الصرف لهم وإلا لزم قطعاً، لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف المذهبي وغيره، ويحنئذ فإذا أوصى شخص من السادة آل عيديد مثلاً بغلة مال تقسم في وقت معين بعضها على الفقراء عند قبره، وبعضها لقرابته بحضرموت، وبعضها لمن حضر منهم بجاوه، وبعضها على عمارة المال قدمت عمارة المال مطلقاً ولو من بقية الأسهم، كما يرد الفاضل من العمارة على الأسهم، ويرسل ما لأهل حضرموت إلى الثقات المأمونين يفرقونه على الفقراء من جميع آل أبي علوي هناك، ويخص طلبة العلم بزائد، ويفرق ما للسادة ببلد الموصي على من حضر منهم سواء الساكنين بها والمارين، ولكن لا يعطى غني الزكاة، ووارث الموصي والوصي نفسه، ولا من تلزمه نفقته، نعم إن انعزل أخذ له ولممونه، وما للفقراء يفرق كل ما حصل أو يبقى لوقت الاجتماع كيوم مولد الموصي.

(مسألة): أوصى لأرحامه بجهة العرب المنتسبين لوالده فلان، فالظاهر الذي تفهمه عبارة الفقهاء في نظير هذه المسألة أنهم ذرية والده الذين من قبيلته فقط، لا أولاد البنات ولا ذرية أجداد الموصي، لقول العلماء: لو وقف على ذريته المنسوبين إليه لم تدخل أولاد البنات والوصية كالوقف، فإذا لم يدخلوا في الذرية فالأرحام من باب أولى لقوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} وأما قوله عليه الصلاة والسلام في الحسن رضوان الله تعالى عليه: "ابني هذا سيد" الخ، فمن خصوصياته أن أولاد بناته ينسبون إليه نسبة شرعية كما هو مقرر في محله، وبقيد المنتسبين لوالده أعني الموصي خرج من فوقه من قبيلته من ذرية آبائه كهو أي الأب، إذ لا ينسبون إلى الوالد المذكور بل لأجداده، ثم رأيته في العباب قال:

(فرع): أوصى لمناسب شخص فلمن ينسب إليه من أولاده الخ. وقال في القلائد: ويدخل أولاد الأولاد وإن سفلوا في الذرية والعقب إلا أن يقول: من ينسب إليّ فلا يدخل أولاد البنات، قال الماوردي والروياني ومثله مناسبي ولا يدخل فيه من ينتسب هو إليه اهـ، وهو كالصريح فيما ذكرته، وحيث دخل ذرية والد الموصي كما ذكرنا لم يدخل فيهم أولاد الموصي ذكوراً وإناثاً كأبويه، إذ لا يسمون رحماً عرفاً. ويدخل أولادهم بالقيد المذكور، ولا يدخل أيضاً من ليس بجهة العرب من الموصى لهم مطلقاً
(مسألة): أوصى لأختانه صرف لأزواج بناته فقط لا أزواج حوافده إلا إن انفردن عن البنات، فيدخل أزواجهن حينئذ فقط، نظير ما لو أوصى لأولاده ولم يكن له إلا أحفاد فيصرف لهم، والمعتبر في كونهم أزواجهنّ حال الموت لا حال الوصية ولا حال القبول، نعم المعتدة الرجعية حال الموت كالزوجة في إعطاء زوجها، قاله في شرح الروض ونحوه العباب، ويؤخذ منه أنه لو أوصى لزوجات أولاده اعتبر ذلك بحالة الموت أيضاً فليراجع.

(مسألة: ي): أوصى بدراهم تفرق بمحل كذا على المحتاجين أقارب أو غيرهم وجب تفريقها هناك، لكن لا يجب استيعاب الأقارب وإن انحصروا لأن أو تقتضي التخيير، وينبغي مراعاة ما فيه فضل للميت أكثر.
[فائدة]: تصح الوصية لعبده المدبر والمعلق عتقه بالموت لأنه يصير حراً بموت السيد، ذكره في الروض وشرحه اهـ.
(مسألة: ي): أوصى لمستولدته صح وكان لها لأنها تعتق بالموت من رأس المال، نعم إن علق الوصية كأن قال: إن خدمت أولادي استحقتها بالخدمة، كما لو قال: إن لم تتزوّج فتعطي الموصى به فإن تزوّجت رد منها.

(مسألة: ش): أوصى لمن نصفه حر ونصفه لوارثه ولا مهايأة ولم تحز بقية الورثة بطل في الجميع، قاله في العباب وهو قضية كلام الروضة ونقل عن الأكثرين، ووجهه عدم تمييز ما للوارث فسرى الرد إلى الكل، وقال الإمام: كالروض وشرحه يبطل في حصة الوارث فقط.
(مسألة: ش): أوصى لزيد بعين قيمتها مائة ولعمرو بثلثه والثلث مائة، فإن لم تحز الورثة قسط الثلث على كليهما فللموصى له بالثلث خمسون وبالعين نصفها، هذا إن خص الثلث بغير العين الموصى له بها، وإلا فالثلث شائع في كل المال، فكأنه أوصى لزيد بكل العين، ولعمرو بثلثها مع ثلث بقية المال، فإن أجاز الورثة قسمت العين أرباعاً على المعتمد، لزيد ثلاثة أرباعها ولعمرو ربعها مع تمام المائة من بقية المال، وإن لم تجز قسط الثلث بنسبة الوصيتين، فنسبة ما للموصى له بالعين ثلاثة أسباع، فيستحق من العين ما يساوي اثنين وأربعين وستة أسباع، ونسبة ما للثاني أربعة أسباع، سبع في العين وهو يساوي أربعة عشر وسبعين، وثلاثة أسباع في بقية المال وهو اثنان وأربعون وستة أسباع، فجملة ماله سبعة وخمسون وسبع، اجمعها إلى اثنين وأربعين وستة أسباع التي لصاحب العين تصير مائة وهو ثلث المال.

الموصى به

(مسألة: ش): مات عن ابن وبنتين وزوجة، وأوصى لأولاد بنته الثلاثة بمثل نصيب ابنه الميت لو كان حياً، فيقدر حياة الابن الميت وكأنه خلف ابنين وبنتين، ويزاد للموصى لهم مثل نصيب ابن فأصلها ثمانية، للزوجة واحد ولهم سبعة منكسرة على ثمانية تضرب في أصلها تبلغ أربعة وستين، للموصى لهم ربع بعد الثمن 14، وللأولاد الباقي 42 وهو منكسر على الصنفين مع المباينة في الأوّل والموافقة في الثاني، فتضرب رؤوس الموصى لهم ثلاثة في أصل المسألة تبلغ 192، ووفق الأولاد اثنان في هذا المصحح تبلغ الجملة 384، للزوجة ثمن لكل 48 سهماً، وللموصى لهم 84 سهماً، وللأولاد 252 سهماً اهـ. قلت:وقوله للزوجة: ثمن الكل الخ يتأمل كلامه، إذ من المعلوم أن الموصى به ينقص على الجميع، فصواب العبارة والله أعلم أن تقول: أصل المسألة ثمانية، للزوجة ثمن واحد، تبقى سبعة منكسرة على ستة: الابن الحي والميت المقدر إرثه والبنتين، تضرب الرؤوس 6 في أصلها 8 تبلغ 48 لكل ابن 14، فيزاد للموصى لهم 14 تصير الجملة 62 وهي منكسرة عليهم أيضاً، تضرب رؤوسهم 3 في المصحح 62 تبلغ 186، للموصى له 42، وللزوجة ثمن الباقي 18، وما فضل للأولاد وهو منكسر عليهم أيضاً مع الموافقة، تضرب وفقهم 2 في المصحح 186 يبلغ الكل 372، للموصى لهم 84، وللزوجة 36، وللابن 126، وللبنت 63، فهذا وجه تصحيح القسمة في مثل هذه.

(مسألة: ش): خلف ابناً وزوجة وأوصى لها بمنفعة أرض مدة حياتها فباعها الابن، فإن كان قبل الإجازة صح في الكل إن أذنت الزوجة، وإلا ففيما عدا الثمن، وبطلت الوصية لدلالته على الإعراض كبيع الموصي قبل موته، بل أولى أو بعدها بطل مطلقاً لجهالة المستثنى من المنافع لتأقيتها بمدة الحياة، ومتى صح البيع كما مر ثم باعها ثانياً بعد موت أمه المذكورة بطل، ولا أثر لدعواه حينئذ الوصية لها من أبيه وإجازته ذلك قبل بيعه الأوّل لتكذيبه ذلك بالبيع الأوّل، نعم إن أقرّ المشتري الأوّل ببطلان البيع أو جحد فأقام الثاني بينة سلمت للثاني ورد الابن الثمن أو بدله إن تلف، أما تصادق الابن والمشتري الثاني على الإجازة قبل البيع الأوّل فلا أثر له، إلا أنه يغرم له القيمة للحيلولة، فإذا رجعت إليه الأرض سلمها للثاني واسترد القيمة.
(مسألة: ب): أوصى لعمتيه بمنافع نخلات مدة حياتهما فقبلتا ثم ماتت إحداهما رجع نصيبها لورثة الموصي، وبقي نصيب الأخرى على المعتمد الذي أفتى به أحمد بحير وأبو حويرث، كما لو قبلت إحداها وردت الأخرى، وأفتى أبو زرعة برجوع الكل للورثة بموت إحداهما، ولو أوصى لآخر بشيء وقال: إن مات قبل البلوغ عاد لوارثي، فأفتى ابن حجر بأنها تكون مؤبدة مطلقاً ولا ترجع للورثة نظير العمرى والرقبى.

(مسألة): أوصت امرأة لابن ابنها بمثل نصيب أو بنصيب أبيه الميت أو بحصة إرثه منها، أو قالت: جعلته على ميراث أبيه صح في الكل، وإن لم تقل لو كان حياً وكان كناية في الأخيرتين إلا إن قيدته ببعد الموت، ثم إذا صح فلو ماتت عن زوج وابن وبنتين كان للموصى له خمس التركة لا ربعها، كما حققه العلامة ابن حجر في القول الواضح المقر ورد على من خالفه، وذلك لأنا في المشبه به المقدر وجوده كابن الابن هنا نقدر وجوده وسهمه، ثم يزاد مثل سهمه على المسألة وفي الموجود، كما لو أوصت بمثل نصيب الابن الحي هنا يزاد مثل سهمه على المسألة فيكون له ربع، وحاصل مسألتنا أن تقول أصلها من أربعة: للزوج ربع سهم، وللابن الحي سهم، وللبنتين سهم، وللابن الميت المقدر وجوده سهم، ويزاد خامس للموصى له فيأخذ الخمس ثم تقسم التركة بين الكل بحسب إرثهم. قال ابن حجر: ولا عبرة بعرف البلد في تنزيله منزلة أبيه من غير زيادة، وما نقل عن ابن عبسين وابن مزدوع ومن سبقهما أو تبعهما مما يخالف ما ذكرنا فغلط لا يعوّل عليه، لأن ذلك لا يوافق إلا مذهب مالك، وليس من مذهب الشافعي في شيء، ولو أوصى له بنصيب ابنه بالإضافة وليس له ابن وارث بطلت أو بنصيب ابن بالتنوين صحت اهـ.

(مسألة: ب): أوصى بثلث ماله يخرج منه تجهيزه ووصايا معينة، ويؤخذ بالزائد مال يخرج منه وصايا وتهاليل، وما زاد يقسم أثلاثاً: ثلث للسادة المحتاجين حسبما يراه الوصي، وثلثان للأرحام، فقوله: يؤخذ مال الخ. يجب اتباع شرطه، ولا تجوز تفرقته دراهم وإن خيف ضياعه في المستقبل، بل الذي يظهر أنه يجب فوراً شراء ذلك وصرف غلاته في مصارفها التي عينها، نعم إن غلب على ظنه الضياع واستيلاء الظلمة عليه بعد الشراء جاز دفع بعضه لسلامة الباقي، فإن تحقق الضياع أو الاسيتلاء قبل شراء المشروط في الوصية وأراد تفرقته نقداً فربما يجد مندوحة ويبرأ ظاهراً وباطناً، هذا والمسلك الأولى والأوفق بشرط الموصي، وأحرى بالزمان هو أن يشتري الموصي من كل أحد من الموصى لهم من أموالهم بقدر ما يخصه في الوصية باعتبار النقد، ثم يأذن له في استقلاله على مقتضى الوصية، ويكون النظر في ذلك للوصي ولمن يستنيبه فيما يعجز عنه، إذ هي جائزة حينئذ للضرورة.

(مسألة: ك): أوصى لزوجته بعقار من ضمان لها عليه لم يكن ذلك وصية إلا بالنسبة لتعيين دفع ذلك العقار في الدين، إذ الوصية تبرع بحق مضاف ولو تقديراً لما بعد الموت، وبكونه ضماناً خرج عن كونه تبرعاً فهو إقرار لا تبرع، وهو صحيح حتى للوارث في مرض الموت، ثم إن صح الإقرار والضمان بشروطهما من التكليف والرشد، ومن معرفة صاحب الدين ولزوم المضمون والعلم به وثبوته في غير ضمان الدرك دفع ذلك العقار للزوجة إذا قبلته بعد الموت عن دينها، ولا يتوقف ملكها على القبض، ولا فرق في وجوب صرف العين الموصى بها للدين، بين أن تكون لوارث أو غيره ولا تبرع هنا، نعم إن زادت العين على قدر الدين فقدره يحسب من رأس المال، وما زاد من الثلث فلا بد حينئذ، فيما إذا كانت وارثة من إجازة بقية الورثة المطلق التصرف في الزائد، وقدم غرض الموصي في صرف العين لما ذكر، إذ ربما تكون أحل أمواله مثلاً ومنها لو باع المريض ما له لوارثه بثمن المثل أو بما يتسامح به نفذ قطعاً، فلو خالف الوارث فقضى الدين من غير المعين الموصى به نفذ تصرفه وإن أثم بإمساكها لرضا المستحق بما بذله الوارث ووصوله إلى حقه.
(مسألة ك): أوصى لزوجته بالبيت وما فيه دخل جميع ما في البيت من دراهم ونحاس وسلاح ودوابّ وغيرها، لكن لا بد من إجازة بقية الورثة الكاملين بعد موت الموصي، فإن أجاز بعضهم نفذت في نصيبه فقط ولا رجوع لهم بعد الإجازة، نعم إن ادعوا الجهل بقدر التركة بأن قالوا: نظن قلتها فبان كثرتها صدقوا بأيمانهم حيث لم تقم بينة بعلمهم ولم تكن الوصية شيئاً معيناً اهـ. قلت: وقوله دخل ما في البيت الخ. أي عند الموت وإن حدث بعد كما في فتاوى ابن حجر لا عند الوصية كما هو معلوم.

(مسألة: ك) أوصى بعتق عبيده ثم اشترى بعد الوصية عبيداً أخر ومات عتق الجميع، حيث لم يقيد بالموجودين حال الوصية وخرجوا من الثلث إذ العبرة في الوصية بالمال والعتق وغيرهما بحالة الموت دون الوصية على المعتمد، حتى لو أوصى له بعبد من عبيده ولا عبد عنده، ثم حدث له عبيد جاز إعطاؤه واحداً من الحادثين، وما نقل عن شيخنا سعيد سنبل مما يخالف ذلك فغير ظاهر.
[فائدة]: أوصى بماعون الدار دخل فيه صناديق وفراطل وجفان وأصحان صين وأباريق وطشوت نحاس ولو كباراً وحناجير وقعايد وسرر وميازين إلا نحو قبان ومراطبين كباراً تراد للتجارة كفؤوس وقداوم تراد للحرث فلا تدخل، بخلاف ما يراد لتكسير حطب وإصلاح سقوف اهـ فتاوى بامخرمة.

(مسألة: ي): أوصى بدراهم يؤخذ بها مال ويوقف على الأرحام، فروجع فرد الأمر إلى أبيه فقال الأب: مرادنا تفرقتها دراهم، فرده الأمر لأبيه توكيل في كيفية الصرف، وتقرير الأب الصرف دراهم وإبطاله الوصية بالوقف صحيح، فتفرق حينئذ دراهم.
(مسألة: ك): أوصى بثلاثين ديناراً يشتري بها نخل ويوقف على مسجد معين وأشهد على ذلك، ثم اشترى مالاً بأربعة وثلاثين ووقفه في حياته على ذلك المسجد، لم يكن شراؤه المذكور رجوعاً عن الوصية إلا إن عين الدنانير الموصى بها ثم اشترى بها، أو علم رجوعه عن الوصية، وحيث لم يكن شيء من ذلك، فيشتري النخل ويوقف كذلك إن وسعه الثلث، أو أجاز جميع الورثة المطلقي التصرف.
(مسألة: ب): أوصى بأنواع من القربات على يد شخص، ثم أوصى بأخرى على يد آخر، فإن ثبت رجوعه عن الأولى وإلا حكم بصحتهما فيخرجان من الثلث إن وسعه وإلا قسط.

[فائدة]: أوصى بكتبه دخلت الأجزاء والمصاحف أو بمصاحفه لم تدخل الكتب اهـ بامخرمة. ولو أوصى له بثلث ماله إلا كتبه، ثم أوصى له بالثلث وأطلق لم تدخل الكتب، قاله ابن حجر وأبو مخرمة خلافاً لبعض الأشراف، ولو أوصى له بمائة ثم أوصى له بخمسين فله خمسون لأن الثانية قاطعة للأولى اهـ تحفة. وقال في الروض وشرحه: ولو عكس بأن أوصى له بخمسين ثم بمائة فله مائة.
(مسألة: ش): أوصى أو أقرّ بمنافع نخلة أو دابة، فإن أراد به الثمرة والولد أو اطرد بهما العرف ملكهما الموصى له كما دلت قرينة، لكن بالنسبة للوصية لا الإقرار، لأن مبناه على اليقين، وإذا لم يدخل حملت المنافع في النخلة على ما يصح الاستئجار عليه من منافعها، كربط دابة ونشر ثياب عليها، وفي الدابة على ركوبها أو الحمل عليها، ودياسة نحو الحب وولدها حينئذ كهي، فلو قال بفوائدها أو غلتها حمل على الثمرة واللبن والصوف.

(مسألة): قال في الإمداد ونحوه التحفة: وكاعتبار الوصية بالمنافع مدة معلمة ما لو أوصى لزيد بدينار كل سنة من أجرة داره، ثم من بعده للفقراء مثلاً، والأجرة عشرة دنانير، فيعتبر من الثلث قدر التفاوت بين قيمة الدار مع إخراج الدينار منها وقيمتها سالمة عن ذلك، ثم إن خرجت من الثلث امتنع على الوارث بيعها وإن ترك ما يحصل منه دينار، لأن الأجرة قد تنقص عنه، وإن لم تخرج فالزائد على الثلث رقبة وأجرة تركة اهـ، ومثله فتاوى بامخرمة، وحينئذ فلو أوصى بعقار يخرج من غلته للقراءة كذا وما بقي لابنه فلان، فإن لم تجز الورثة للابن كان الزائد على أجرة القراءة تركة، وكذا إن أجازت ومات الابن كما اقتضته فتاوى ابن حجر، ولو أوصى أن يعطى فلان كل شهر كذا أعطيه إن عين الإعطاء من ريع ملكه، ولا أعطيه الشهر الأوّل فقط، كما لو أوصى لوصيه كل سنة بمائة دينار ما دام وصياً فيصح بالمائة الأولى فقط خلافاً لمن غلط فيه، قاله في التحفة.

(مسألة: ي): أوصى بثلث الجروب التي أحياها أن يصرف ريعه في تحصيل ماء للشرب بمحل كذا، لزم الوصي فعله في ذلك المحل، فلو تعذر فعله في بعض الأحيان حفظت الغلة إلى زوال العذر، فإن أيس من زواله في العادة أو خيف على الغلة قبل زواله، صرف للشرب بمحل آخر بقرب ذلك المحل، ولا يجوز صرفه لجهة أخرى كأرحام الميت، ولا بيع الثلث الموصى به من تلك الجروب كالوقف، ولو أوصى بثمر يقسم يوم موته فأخر وجب تفريقه بعده، ولو أوصت بثلث مالها على يد زوجها يخرجه بنظره، وجب تفريقه بعد تنضيضه دراهم على أقاربها غير الورثة.

(مسألة: ش): خلف كلب صيد وزقّ خمر ولحم ميتة فقط، وأوصى بأحدها اعتبر الثلث بفرض قيمتها، إذ لا تناسب بين رؤوسها حتى يعتبر العدد، ولا بين منفعتها حتى تعتبر، فإن أوصى بكلها نفذ في ثلث كل إن لم يجز الوارث.
(مسألة: ب): أوصى بأنواع من القربات ثم قال: وأوصى بأن عبده فلاناً معتوق عتقاً معلقاً قبل موته بثلاثة أيام وجعل له مائة قرش، والجارية المتزوّج بها، والجارية والعبد اللذين عند فلان بشرط أن يكونوا في طاعة أولاده، وكذلك عبده فلان معتوق قبل موته بثلاثة أيام صحت الوصايا بشرطها، وكذا العتق إن وجدت الصفة وهي مضي الثلاث مع الشرط وهو خدمة الأولاد، فإن لم يدوموا على الخدمة بعد لم يبطل العتق، لأن عدم الشرط يمنع إمضاء الوصية، ونفوذ العتق يمنع الرجوع فيه، فحينئذ يرجع الورثة على كل بقيمته وتكون تركة، لكن يتردد النظر في قول الموصي وأوصى بأن عبده فلاناً معتوق عتقاً معلقاً قبل مرض موته بثلاثة أيام، إذ في ذلك شبه تناف أو هو هو، فيحتمل إلغاء هذه الصيغة وإن قصدها المعتق، لأن المقاصد إذا لم يدل عليها الألفاظ لا تعتبر، وقاعدة ما كان صريحاً في بابه تؤيده، ويحتمل صحة العتق نظراً لتشوف الشارع إليه ما أمكن، ويكون معنى أوصيت أقررت أو أعلمت ونحوه، ويؤيد هذا قولهم: إعمال الكلام أولى من إهماله، وكلام المكلف يصان عن الإلغاء ما أمكن، والقلب إلى هذا أميل.

(مسألة: ك): أوصى بكفارة وأطلق واجتهد الوارث في بيانها، فإن عرفها بقرينة أو إخبار أخرجها، فلو لم يحج الموصي تبين أنها ليست من كفارته، وإن لم ينكح علم أنها ليست عن ظهار، وهكذا يستدل بالقرائن على خروج ما لا يتصور وجوده، فإن لم يظهر شيء اتجه وجوب سائر الكفارات، إذ لا يخرج من العهدة إلا بذلك، وحينئذ إن كفر عنه بالعتق مثلاً أغناه عن الجميع من حج ووقاع رمضان وظهار وقتل ويمين، وكذا إن كفر بصيام شهرين متتابعين حيث كفاه الصوم في كفارة اليمين، لأن الثلاثة بعض الستين، كما لو كفر بإطعام الستين فيكفيه لغير كفارة القتل إذ لا إطعام فيها، فينوي بذلك الواجب على مورثه، وينصرف لما هو عليه من ذلك، إذ التعيين في نية الكفارة غير لازم كما هو مصرّح به في المتون اهـ. قلت: وقوله: من حج يتأمل كلامه، إذ ليس في كفارات الحج عتق، وقوله: حيث كفاه الصوم في كفارات اليمين أي ومثلها غيرها إذ هو مؤخر عن العتق كما علم.
(مسألة: ك): أوصى بدراهم تنزع من تركته يشترى بها عقار تصرف غلته لمصرف مباح، فإن كانت التركة أعياناً حاضرة ناضاً وغيره أخذ الوصي الدراهم من الناض ما لم ينض على دراهم معينة وإلا تعينت، وإن كان بعضها غائباً أخذ قدر ثلث الحاضر، ثم إذا تمكن من الباقي أخذ ما بقي، هذا إن وفى الثلث بالموصى به وإلا أخذ قدر الثلث فقط.

(مسألة: ب): أوصى بثلث ماله يفعل منه قراءة وختم وصدقات معينات، وما يزيد بعد ذلك يكون بيد فلان يفعل ما يعود نفعه على الموصي من مصالح الخير، ففعل الوصي ما عينه وبقي نحو ثلاثمائة قرش، فالذي أراه من أفضل القربات إن لم يكن أفضلها، ومن أعلى شيء يعود نفعه على الميت أن يشتري بذلك مال وتكون غلته لطلبة العلم بمحل كذا، أو مدرسة كذا، ترغيباً لطلبة العلم، لا سيما في هذه الجهات التي ركدت فيها زيارته وخبت مصابيحه، وهو الذي ما عبد الله بشيء أفضل منه، وفضله في الدين معلوم بالضرورة بل هو الدين كله، وأهله الملوك في الدنيا والآخرة، ولو أوصى بثلثه فلم يعين له جهة أو عين وبقيت بقية صح وصرف الكل أو الباقي للفقراء، وإن قال: أوصيت بثلثي مالي لله يصرف منه كذا أو سكت، فالفاضل أو الكل يصرف في وجوه البرّ.

(مسألة: ب): أوصى ببيع ثلث أمواله غير البيت، يصرف في أبواب الخيرات من قراءة وتهليل وللمساجد، وله بيوت وأموال عقارية ومنقولة، فقوله في أبواب الخيرات أل فيها للعموم عند أكثر علماء الأصول ما لم يتحقق عهد، فيشمل جميع أنواع القرب، لكن ذكر بعضهم أن التقسيم مما يفيد الحصر فلا يتعدّى غيره، فحينئذ يكون مقصوراً على ما ذكره فقط، فعليه لا يجوز صرف شيء من ذلك لأرحام الميت وأهل العلم والدين المستحقين، والطريق الأقوم السالمة عن الاعتساف إرشاد الوصي إلى أن يؤجر من يريد صلته، وإعطاءه من أرحام الموصي أو من السادة أو أهل العلم أو الصلاح من يقرأ أو يهلل للموصي، ويفاضل في الأجرة بتفاضل الأشخاص، فهذا أنفع للميت مع صلة من ذكر، وأما فعل التهاليل على الوجه المعتاد في المساجد من اجتماع العوام والتسبب في إلجائهم إلى عدم احترامها من الكلام فيما لا يعني، بل ربما وقعوا في المحرم من نحو غيبة وعدم اجتناب نجاسة، واختلاط نساء ورجال، فلا أرى فيه مندوحة، فضلاً عن أن تراه أفضل مما أشرنا إليه، وله أن يفاضل بين أجرة القراءة والتهاليل وما للمساجد بحسب نظره إذ هو موكول إليه، بل الذي يظهر أنه يكفي ما يطلق عليه اسم المال لكل من ثلاثة مساجد من أي بلد كانت لعموم لفظ الموصي وعدم تقييده بمحل، وما يطلق عليه اسم القراءة والتهليل أيضاً، وقول الموصي غير البيت، فإن دلت قرينة على أنه البيت المعهود الذي يسكنه فذاك، وإلا فالراجح عند أئمة الأصول أن اسم المفرد المعرف بأل للعموم فيعم كل بيت ما لم يتحقق عهد وإلا صرف إليه جزماً، وقيل: يختص بالبيت الذي يسكنه مثلاً، لأنه المتحقق والقلب إلى هذا أميل، لأن العوام لا يقصدون بمثل هذه الألفاظ إلا دار السكنى فقط، ومع ذلك هو الأحوط للورثة والوصي، والأنفع للميت، فينبغي العمل به، فيبيع الوصي ثلثاً من جميع المنقول والعقار ما عدا تلك الدار ويصرفه بحسب نظره، وله أن يعين شيئاً من العقار لما يراه من نحو قراءة أو لمسجد.

(مسألة: ش): أوصى بتهاليل سبعين ألفاً في مسجد معين، وأوصى للمهللين بطعام معلوم، فالمذهب عدم حصول الثواب بالتهليل إلا إن كان عند القبر على المعتمد، وفي وجه حصوله مطلقاً، وهو مذهب الثلاثة، بل قال ابن الصلاح: ينبغي الجزم بنفع: اللهم أوصل ثواب ما قرأناه إلى روح فلان، لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس للداعي فماله أولى، ويتعين المسجد المذكور لاستحقاق الطعام الموصى به عملاً بشرط الموصي كالوقف اهـ، وعبارة (ك): قرأ شيئاً من القرآن ثم أهدى ثوابه إلى روح النبي ثم إلى روح فلان وفلان، أما النبي فالثواب حاصل له مطلقاً، بل هو مضاعف تضعيفاً تستحيل الإحاطة به، لأنه يثاب على أعمال أصحابه الضعف، وأما غيره ممن دعا له القارىء بوصول ثواب القراءة له أو جعله له أو كان بحضرته أو نواه بها، فالنفع حاصل للكل لا محالة، بل إحضار المستأجر له في القلب سبب لشمول الرحمة إذا نزلت على قلب القارىء، وأما ثواب نفس القراءة ففي حصوله له خلاف، والذي اعتمده ابن حجر و (م ر) حصوله إن دعا للميت عقب القراءة، أو جعل له ثوابها أو كان بحضرته، وكذا إن كان غائباً ونواه بالقراءة كما اعتمده (م ر) وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وقال ابن حجر: يحصل له ثواب النفع دون ثواب القراءة، ويحصل أيضاً للقارىء ثواب وإن قصد به غيره أو أهداه له كما مر، فلو بطل ثوابه كأن كان لغرض دنيوي لم يبطل ثواب المنوي له، ولا يظهر في هذا المقام فرق بين الواو وثم فيما إذا قال: إلى روح فلان ثم فلان، أو قال: إلى فلان خاصة ثم إلى المسلمين عامة، كما مال إليه في التحفة والنهاية، لكن يتفاوت الثواب، فأعلاه ما خصه، وأدناه ما عمه، نعم في النفس توقف من الإتيان بالترتيب، لأن فيه تحكماً، أو عدم تفويض الأمر لله تعالى، وينبغي أن تكون الصدقة عن الغير أفضل من القراءة، إذ لا خلاف في حصولها، والأفضل من الصدقة ما دعت إليه الحاجة في المحل المتصدّق فيه أكثر، فتارة يكون الماء، وتارة يكون الخبز، وتارة يكون غيرهما.

(مسألة: ك): من عمل عملاً فقال بعده: اللهم أوصل ثواب هذه العبادات للنبي صح ذلك بل يندب على المعتمد، وإن كان يضاعف له أجر كل من عمل خيراً من أمته من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن غير احتياج إلى افتتاح الأعمال بنية جعل ثوابها له عليه الصلاة والسلام، لأن كل عامل ومهتد إلى يوم القيامة يحصل له أجره، ويتجدد لشيخه مثل ذلك الأجر، ولشيخ شيخه مثلاه، وللثالث أربعة، وللرابع ثمانية، وهكذا تتضاعف المراتب بعدد الأجور الحاصلة بعده إلى النبي ، وبهذا يعلم تفضيل السلف على الخلف، فإذا فرضت المراتب عشراً بعده عليه السلام كان له صلوات الله عليه من الأجر ألف وأربعة وعشرون وهكذا، وأما نيَّة ثواب الأعمال له من غير دعاء، فإن كان صدقة أو دعاء صح وإلا فلا على الراجح. وفي فتاوى شيخنا سعيد سنبل: من عمل لنفسه ثم قال: اللهم اجعل ثوابه لفلان وصل له الثواب، سواء كان حياً أو ميتاً، أي وسواء كان بطريق التبعية أو الاستقلال، وأما ما يفعله بعض السالكين المستغرقين في محبته من افتتاح جميع أعماله بنية ثوابها له ، ثم إن تصدق عليه عليه الصلاة والسلام قبل منه على وجه الصدقة، وإن لم يعطه شيئاً فرح بذلك أشدّ الفرح، فيجوز لأمثالنا المخلطين الاقتداء بهؤلاء السادة، وإنما الممنوع منه أن يفعل تلك العبادة البدنية بدلاً عن فلان.

(مسألة: ج): أوصى بأن يقرأ يس وتبارك كل يوم ويهدي ثوابها إلى روحه، وأجرة من يقرأ في تركته صحت، وإن لم يخلف عقاراً فيؤخذ من التركة بقدر ما يؤخذ به نخل أو زبر وهو أولى تفي غلته بأجرة تلك القراءة، ولو أوصى بأن يقرأ عليه جزء من القرآن في مسجد معين لم يتعين كنذر الصلاة إلا المساجد الثلاثة.

الإيصاء

(مسألة: ش): من شروط الوصي العدالة الظاهرة، فإذا ادعى شخص الوصاية، فإن علم القاضي فسقه أو ثبت ببينة لم تسمع دعواه، وإلا سمعها وطلب إثباتها ونفذ ظاهراً، ثم إن فسق انعزل، أو ثبت فسقه قبل الإيصاء إليه بأن أن لا ولاية له، وإن كان قد نفذها الحاكم وحكم بصحتها اعتماداً على الظاهر، إذ المذهب أن حكم الحاكم لا يغير ما في الباطن إذا خالف الظاهر، وإن لم يثبت فسقه ولا عدالته وجب البحث عن حاله على الأصح، بخلاف الأب والجدّ إذ ثبوتها لهما أصلي فلا يرتفع حتى يتحقق خلافه.

(مسألة: ي): أوصى بأن فلاناً يتولى أمره ويعطي كل ذي حق حقه، ملك بهذه أداء ديون الميت والأمانات والحقوق التي عنده لآدمي أو لله تعالى، كالزكاة والكفارة وكالوصايا وغيرها كالوصاية على المحجور لا الكامل، بل إن غاب تولاه الحاكم الأمين ثم صلحاء البلد اهـ. وعبارة (ش): أوصى إلى زيد باستيفاء دينه وحفظ أمواله لورثته الغائبين صح وتولاه دون الحاكم، وليس ذلك ولاية في أمر الغائب الكامل، إذ لا تصح إلا من نحو الأب على المحجور، بل وصاية فيما يتعلق بالميت، لأن له غرضاً بعد موته في حفظ ماله، إذ ربما يظهر عليه دين، فإن لم يوص تولى الحاكم الثقة قبض العين مطلقاً، وكذا الدين إن خاف تلفه كأن طالت غيبة مستحقه.

(مسألة:): أوصى إلى آخر بتجهيزه والتصدق عنه من الثلث، أو أداء دينه وردّ ودائعه، لزم الوصي مطالبة الوارث الكامل وولي المحجور بتسليم الموصى به يفرقه، وبأداء الدين أو إعطائه قدره من التركة ليؤديه من ثمنه، وليس له الاستبداد بالبيع بغير إذنه أو إذن الحاكم عند غيبته أو امتناعه، بل لا يصح البيع، ولا تبرأ ذمة الميت فيرد المقبوض، إذ للوارث إمساك عين التركة وقضاء الدين من ماله ما لم يعين الموصي للأداء مالاً وإلا وجب الأداء منه، وهذا حيث لم يقل الموصي للوصي: بع عين كذا واقض ديني منها، وما لم يكن في التركة جنس الدين، وإلا استبد في الأولى وكفى أداء الدين في الثانية، لكن يأثم بعدم المراجعة فيها حيث سهلت في الأصح، وله رد الودائع من غير مراجعة، إذ لمالكها الاستقلال بأخذها، ولو دفع الوصي الوصية أو قضى الدين من مال نفسه لم يرجع على التركة ولا مال الوارث إلا إن أذن له في الأداء، وإن لم يشرط الرجوع على الأوجه، نعم إن كان وارثاً وأدى بنية الرجوع رجع ولو بلا إذن.

(مسألة:): أوصى إلى اثنين بأن قال: أوصيت إليكما أو إلى فلان، ثم قال: ولو بعد مدة:، أوصيت إلى فلان، أو قال لشخص: هذا وصيي، ثم قال لآخر: هذا وصيي، وعلم الأول أو نسيه لم ينفرد أحدهما، بخلاف ما لو قال: أوصيت إليه فيما أوصيت فيه لزيد فإنه رجوع كما في التحفة، وقال في الفتح: ولو اختلف الوصيان في المصرف ورجع القاضي أو في الحفظ قسم إن قبل القسمة، فإن لم يقبلها جعل بينهما هذا كله في وصيي تصرف اختلفا في الحفظ، أما وصيا الحفظ فلا ينفرد أحدهما بحال.

(مسألة: ب) ونحوه ي: أوصى إلى ثلاثة أشخاص وشرط اجتماعهم إن كانوا بالبلد، وجعل لكل الاستقلال عند غيبة صاحبه، أو قيام مانع شرعي به، وجعل أوصياء آخرين في حفظ تركته وقبضها وإخراج ما لا بد منه كتجهيز الميت إلى أن يصل أوصياؤه، ففعل هؤلاء ما أمرهم به، ثم قدم أوصياؤه الثلاثة، فعزل واحد نفسه، وغاب واحد من بلد المال أو مات، وبقي الثالث كان له الاستقلال بجميع التصرفات، لأن الموصي أثبت لكل من أوصيائه وصف الوصاية، فدل على أن كلاًّ وصيي، وإنما شرطوا اجتماع الأوصياء فيما إذا قال: أوصيت إليكما ونحوه، ولو لم تحصل الكفاية بغير الحاضر، أو خاف على المال استيلاء نحو ظالم، أو عزل نفسه، تعين عليه القيام بذلك لكن لا مجاناً بل بأجرة المثل، وله إن خاف من إعلام القاضي الاستقلال بأخذها بعد إخبار عدلين عارفين له بقدر أجرة المثل ولا يعتمد معرفة نفسه، والأوجه أنه يلزمه القبول في هذه الحالة، وأنه يمتنع حينئذ عزله ولو من الموصي لما فيه من ضياع ودائعه أو مال أولاده كما في التحفة، وليس للموصي توكيل غيره فيما تولاه حضر أو غاب إلا فيما لا يتولاه مثله أو عجز عنه ابتداء لكثرته، لا إن طرأ العجز لنحو سفر ومرض، زاد (ي): لكن رجح في التحفة جواز التوكيل مطلقاً كالولي والقيم بشرط أن يوكل أميناً.
[فائدة]: يجوز للولي شراء مال طفله من الحاكم وإن لم يعزل نفسه، كما لو أوصى إليه بتفريق شيء وهو مستحق فيجوز للقاضي إعطاؤه وإن لم يعزل نفسه اهـ، نقله أبو مخرمة عن ابن حجر وأقره.

(مسألة: ش): أوصى بعين تصرف في عمارة بركة تمسك الماء، طلب الوصي ثم أبو الميت بناء على الأوجه من تقدمه على الحاكم كما في الفتح ثم الحكم ثم الوارث تسليم العين ممن هي تحت يده للموصى له بإصلاحها إن أوصى بعينها، وحينئذ تدخل في ملكه إن كان معيناً بمجرد الإقباض، نعم إن قال: يستأجر بها فلا بد من استئجاره، فلو زادت العين على الأجرة فاز بها الموصى له إذ هي وصية على الأوجه، فإن أوصى بثمنها طلب من ذكر بيعها وتسليم ثمنها لمن ذكر، ولا يجوز إبدالها، إذ قد يكون للموصي غرض في تلك العين، وهذا إن وقت تلك العين بالإصلاح أو تبرع بالزائد وارث أو أجنبي، وإلا بطلت الوصية ورجعت للوارث على الأوجه، ولا يسلم الوصي شيئاً من الأجرة إلا بعد كمال الإصلاح، نعم لو لم يمكن الإصلاح إلا تدريجاً، ولم يرض العامل إلا بتسليم أجرته كل يوم، فالظاهر جواز تسليم ذلك إن غلب على الظن أن الموصى به يفي بالإصلاح، ولا يضمن نحو الوصي بعروض مانع من الإتمام كتلف المعين له، فلو استأجر من ماله أو في الذمة، ولم ينو تسليم الأجرة من العين في الثانية، أواستأجر أجنبي مطلقاً ولو وارثاً لزمه تسليم الأجرة من ماله.
[فائدة]: أخرج الوصي الوصية من ماله ليرجع رجع إن كان وارثاً وإلا فلا، كما لو اقترض ليرجع، وإن اقترض للميت شيئاً في الذمة كالكفن وغيره رجع إن نوى الشراء للميت اهـ عماد الرضا.

(مسألة: ب): أقر الموصي عند وصيه بأن لفلان كذا بذمته لم يجز للوصي إعطاء المقر له قبل ثبوته ببينة أو إقرار من الورثة كالوكيل، بل يضمن بأدائه ولا يرجع على الورثة لاعترافه، كما لو ادعي على الوصي بدين على الميت فأداه بلا بينة اهـ. قلت: وهذا من حيث الظاهر، ففي فتاوى ابن زياد وابن حجر: لو علم الوصي ديناً على الميت لزمه تسليمه باطناً وإن لم يأمره الميت وعبارة (ك): لا يصدق الوصي في قضاء الدين إلا ببينة، كما لا يصدق في إخراج الزكاة ودفع المال إلى مستحقه والبيع بغبطة أو حاجة وترك شفعة، إذ لا تعسر إقامة البينة على ذلك، ولا ينافيه تصديقه في عدم الخيانة وفي تلف المال بنحو سرقة وغصب لأنه أمين، والأصل عدم الخيانة بخلافه في قضاء الدين، فإنه يدّعي ثبوت الدين وقضاءه فعليه البينة، والحاصل أن كل ما ادعى الوصي الإتيان به مما يضر المحجور ولا تعسر إقامة البينة عليه لا يصدق فيه وما لا صدّق، نعم يجوز للوصي فيما إذا علم ديناً على الميت قضاؤه باطناً، ولا يضمن فيما بينه وبين الله تعالى، بل قد يجب كما قاله ابن زياد اهـ. وعبارة (ش): ليس للوصي أداء الدين وردّ العين لمستحقهما قبل ثبوتهما وإن علمهما هو، نعم له قبل الأداء أن يشهد للمدعي ويتم الحجة بآخر أو يمينه لا بعد أدائه للتهمة، كما لو شهد بهلال شوّال يوم الثلاثين بعد أن أفطر، وحيث لم يثبت المدعي بينة حلف الوارث علي نفي العلم ووجب رد الدين والعين ثم بدلهما وله مطالبة الوصي، فإن غرمه لم يرجع على من أقبضه لزعمه أن الظالم له الوارث،
نعم يجوز للوصي الدفع باطناً وله كالمدفوع له الحلف بعدم الإقباض والقبض ويكفران، وليس له المطالبة بالرد بعد الدفع لاعترافه بملكه ما لم تكن العين باقية وطلبها منه الوارث.

(مسألة: ي): رقم الولي على موليته حساباً لها وعليها، لزمه ما أقرّ به لها، وأما ما عليها فلا يثبت إلا بخمسة شروط: ثبوت ولايته عليها بعدلين، وكون المرقوم عليها من ثمن وخرج نحو الحلي والثياب يساوي ذلك بنظر العدلين من أهل الخبرة بعد مراعاة ما حصل فيه من زيادة ونقص من أخذه إلى الآن، وهذا كالمرقوم اللائق في نفقتها، وخرج المال بقول من ذكر، ويزيد ما اقترضه من الغير أو استدانه أو أخرجه من مال نفسه على ذينك بأن تفقد غلتها ودراهمها أو يتعسر الإخراج منهما وقت الحاجة، وأن يأذن الحاكم في ذلك بشاهدين، وأن يحلف الولي أن الاقتراض وما بعده بعد إذن الحاكم وتعسر الإخراج، ويحلف ثانياً يمين الاستظهار بأن ذلك باق بذمتها لم يتطرق إليه مسقط من إبراء أو وفاء أو فقد شرط مما ذكر، أما ما رقمه بعد بلوغها فلا يلزم إلا إن أثبت إذنها بعدلين ولم يشتر لها من نفسه ولا محجوره وحلف يمين الاستظهار أيضاً، هذا إن لم تصدقه أو وارثها الرشيد، وإلا لزم المصدق حصته اهـ. وعبارة (ش): أنفق الوصي أو القيم على المحجور من مال نفسه لم يرجع به عليه، بل يكون متبرعاً بذلك، إلا إن أنفق منه لمصلحة المحجور كانتظار غلته ولو بلا إذن حاكم في الإنفاق، ويصدق في القدر اللائق فيه بيمينه لعسر إقامة البينة،فإن ذكر قدراً غير لائق صدّق المحجور في الزائد، ولو أنكر الوصي الوصاية لغير عذر انعزل من الآن لا ما تقدم.

(مسألة: ي): عزل الوصي نفسه أو أراد سفراً لزمه رد المال للقاضي الأمين، فإن لم يكن كما هو الغالب الآن لزمه أن يجمع صلحاء البلد ويردّه إليهم ويلزمهم اختيار واحد منهم، كما لو خان الوصي أو فسق فيلزمهم عند فقد القاضي عزله وتولية غيره، وليس للوصي أن يوصي إلى غيره فيما وصي فيه إلا بإذن الموصي كالوكيل وناظر الوقف، ويلزم الوصي الإشهاد والمحاسبة كل سنة، وكذا كل أمين في هذا الزمان تلزمه المحاسبة لكثرة الخيانة كما قاله في التحفة والنهاية.


EmoticonEmoticon