الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

أنواع الوحى ومراتبه

أنواع الوحى ومراتبه

 الكتاب: الموسوعة القرآنية المتخصصة
المؤلف: مجموعة من الأساتذة والعلماء المتخصصين
رئيس التحرير: أ.د. علي جمعة
الناشر: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مصر
عام النشر: ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م
عدد الصفحات: ٨٨٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
الموضوع: علوم القرأن
 

فهرس الموضوعات 

  1. مقدمة
    1. كلمة التحرير
    2. السادة العلماء المشاركون فى تحرير الموسوعة
  2. الوحى
    1. أنواع الوحى ومراتبه
    2. صور الوحى إلى النبى صلى الله عليه وسلم وكيفياته:
    3. الوحى القرآنى:
    4. كيف بدا الوحى
  3. كتاب الوحى
    1. اقسام كتاب الوحى
    2. فالقسم الأول: كتاب الوحى فى العهد المكى ومن أبرزهم:
    3. القسم الثانى: من كتب له صلى الله عليه وسلم فى الجملة
    4. القسم الثالث: فهم كتاب الوحى للنبى صلى الله عليه وسلم فى العهد المدنى،
  4. أسباب النزول
    1. حقيقة سبب النزول (تعريف سبب النزول)
    2. الأمر الأول: معاصرة السبب لما نزل فى شأنه من الآيات:
    3. الأمر الثانى: مجىء سبب النزول فى إحدى صورتين:
    4. أبرز المؤلفات فى سبب النزول
    5. طريق معرفة سبب النزول
    6. الصيغ التى يرد بها سبب النزول
    7. الصيغة الأولى:
    8. الصيغة الثانية:
    9. تنوع أسباب النزول
    10. فوائد معرفة أسباب النزول
  5. عموم اللفظ وخصوص السبب
    1. أولا: أدلة الجمهور:
    2. ثانيا: أدلة المخالفين:
    3. تعدد الروايات فى سبب النزول
    4. تعدد المنزل من القرآن والسبب واحد
    5. أثر الجهل بسبب النزول
    6. الفور أو التراخى فى سبب النزول
  6. من نزل فيهم القرآن
    1. أولا: أمثلة ممن أنزل الله تعالى فيهم قرآنا من المؤمنين:
    2. ثانيا: أمثلة ممن أنزل الله تعالى فى شأنهم قرآنا من الكافرين: 
  7. العودة إلي كتاب الموسوعة القرآنية المتخصصة

 مقدمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم
أ. د. محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف

فى إطار مشروع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية لإصدار موسوعات إسلامية متخصصة في مجالات الفكر الإسلامى المتنوعة، قدم المجلس منذ عام مضى المجلد التمهيدى الأول بعنوان: (الموسوعة الإسلامية العامة). والمشروع- كما بينا في مقدمة المجلد المشار إليه- مشروع طموح يشتمل على ستة عشر مجلدا تغطى جميع مجالات الفكر الإسلامي.
واليوم يسعدنا أن نقدم للقارئ الكريم مجلدا آخر من هذه السلسلة بعنوان: (الموسوعة القرآنية المتخصصة) يشتمل على خمسة عشر مدخلا، وتحت كل منها العديد من الموضوعات التى شملت كل ما يتعلق بالقرآن الكريم، ليس فقط ما يتصل منها بعلوم القرآن التى أخذت حيزا كبيرا في هذا المجلد، وإنما امتد البحث إلى موضوعات أخرى مثل: الإنسان فى القرآن، والسنن الإلهية فى القرآن، والمبادئ العامة والقيم فى القرآن، والإعجاز العلمى والبياني، وغير ذلك من موضوعات لا يجدها القارئ إلا فى العديد من المراجع المختلفة المتخصصة.
ولكننا أردنا أن نجمع كل ذلك فى مجلد واحد تيسيرا على الباحثين والمهتمين بالتعرف على كل ما يتعلق بالقرآن الكريم. وقد
 
المقدمة ‏/ ٣
 
- ب -

اشترك فى كتابه مواد هذه الموسوعة صفوة مختارة من الأساتذة والعلماء المتخصصين، كل فى مجاله، ممن أمضوا الشطر الأكبر من حياتهم فى خدمة القرآن الكريم وعلومه.
وحقيقة الأمر أن القرآن كان ولا يزال، وسيظل إلى آخر الزمان نبعا فياضا لشتى العلوم الدينية والدنيوية، لا ينقطع مدده، ولا يتوقف عطاؤه، ولا تنقضى عجائبه، ويكشف لكل من يتعمق فى بحثه، ويتوفر على دراسته بإخلاص وتجرد الأسرار تلو الأسرار. ومن هنا كانت عناية المسلمين به على مر الزمان عناية لم يحظ بها كتاب سماوى آخر فى أى دين من الأديان. ولا عجب فى ذلك، فقد تكفل الله- ﷾ بحفظه حين قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.
ومن أجل ذلك ظل النص القرآنى منذ نزل بعيدا عن التحريف مبرأ من التبديل والتغيير. ويجد المرء النص القرآنى ذاته دون تغيير حرف أو حركة لدى جميع الفرق الإسلامية مهما تباعدت مسافات الخلاف بينها. فهذه الفرق قد تختلف ربما فى كل شىء إلا فى الإجماع على النص القرآنى الذى يجده الإنسان كما هو حتى لدى الفرق المنشقة.
وقد أردنا، فى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بهذا المجلد ألّا نحرم من شرف خدمة القرآن الكريم فكانت هذه الموسوعة التى تقدم خدمة علمية جليلة للباحثين والمتخصصين يجدون فيها ضالتهم، كما يجد فيها القارئ غير المتخصص المعلومات التى تزيده معرفة بالقرآن الكريم.
وإذا كنا، فى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، نشعر بسعادة غامرة للتوفيق الربانى الذى صاحب إعداد هذه الموسوعة والذى تم
 
المقدمة ‏/ ٤
 
- جـ -

فى يسر وسهولة، فإننا نود أن نقدم خالص الشكر والتقدير للأساتذة الذين قدموا لنا فى هذه الموسوعة القرآنية خلاصة فكرهم، وما أفاء الله به عليهم من علم خدمة للقرآن الكريم، وخدمة لكل من يريد التعرف على شىء يتعلق بهذا القرآن العظيم.
ولا يفوتنا أن نقدم خالص الشكر أيضا للعديد ممن أسهموا إسهاما بارزا فى إخراج هذا المجلد، ونخص بالذكر الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق، والأخ الكريم الأستاذ الدكتور على جمعة محمد الذى قام بمهمة الإعداد والتحرير، والأستاذ أبو سليمان صالح الذى أشرف على طباعة هذه الموسوعة، ولكثيرين غيرهم ممن أسهموا بشكل أو بآخر فى العمل على إخراج هذا المجلد، فلهم جميعا منا كل الشكر والتقدير، ومن الله الأجر والثواب الجزيل.
وبالله التوفيق ..،،
 
المقدمة ‏/ ٥
 
- هـ -

كلمة التحرير
هذه هى الموسوعة القرآنية المتخصصة، وهى الكتاب الثانى بعد المجلد التمهيدى الذى صدر تحت عنوان (الموسوعة الإسلامية العامة)، وبذلك يعد أول الموسوعات المتخصصة، والتى ستصدر تباعا إن شاء الله تعالى، وفى هذا المجلد سيجد القارئ الكريم أننا عالجنا فى صورة مقالات مطولة مستفيضة خمسة عشر موضوعا تتعلق كلها بالقرآن الكريم بدأناها بالوحى، ثم أسباب النزول، ثم المبادئ العامة والقيم فى القرآن الكريم، ثم القرآن وما يكتب فيه، ثم السور القرآنية، ثم التفسير والمفسرون ثم القراءات والقراء، ثم علم التجويد، ثم بلاغة القرآن، ثم علوم القرآن، ثم الإعجاز البيانى، ثم الإعجاز المعاصر، ثم الإعجاز العلمى، ثم مفردات قرآنية، ثم الإنسان فى القرآن، ثم السنن الإلهية فى القرآن، ثم ترجمة معانى القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى غير العربية، وقام أساتذة كرام من كبار العلماء بكتابة هذه الموضوعات، وفى نهاية الموسوعة كتبنا فهرسا بالمحتويات، ثم فهرسا هجائيا بمفردات ما ورد فى الموسوعة من مواد، يستطيع القارئ بيسر مراجعة أى موضوع يريده بالبحث فى هذا الفهرس التفصيلى، كما أنه يستطيع أن يراجع أى مقالة بحالها، وهذه الموسوعة تغيّت جمهور خطابها فى المثقفين الذين يريدون أن ينهلوا المعرفة الدقيقة الصافية مع الإحالة إلى المراجع الموثقة بشأن كل جزئية من الجزئيات.
والله نسأل أن ينفع بها وأن يجعلها تسد حاجة طال انتظارها.
أ. د. على جمعة محمد
 
المقدمة ‏/ ٧
 
- و-

 
السادة العلماء المشاركون فى تحرير الموسوعة (١)
١ - أ. د. إبراهيم عبد الرحمن خليفة. أستاذ بجامعة الأزهر
٢ - أ. د. أحمد فؤاد باشا. نائب رئيس جامعة القاهرة
٣ - أ. د. جمال مصطفى المجار. أستاذ بجامعة الأزهر
٤ - أ. د. جودة محمد أبو اليزيد المهدى. أستاذ بجامعة الأزهر
٥ - أ. د. السيد إسماعيل على سليمان. أستاذ بجامعة الأزهر
٦ - أ. د. عبد الحى الفرماوى. أستاذ بجامعة الأزهر
٧ - أ. د. عبد السميع هاشم. أستاذ بجامعة الأزهر
٨ - أ. د. عبد العظيم المطعنى. أستاذ بجامعة الأزهر
٩ - أ. د. عبد الغفور محمود مصطفى. أستاذ بجامعة الأزهر
١٠ - أ. د. على جمعة محمد. أستاذ بجامعة الأزهر
١١ - أ. د. محمد بكر إسماعيل. أستاذ بجامعة الأزهر
١٢ - أ. د. محمد رجب البيومى. أستاذ بجامعة الأزهر
١٣ - أ. د. محمد السيد جبريل. أستاذ بجامعة الأزهر
١٤ - أ. د. مصطفى الشكعة. أستاذ بجامعة عين شمس
 
الإعداد والتحرير:
أ. د. على جمعة محمد
الإشراف الفنى:
أ. أبو سليمان محمد صالح
(١) رتبت الأسماء طبقا للترتيب الهجائى.
 
المقدمة ‏/ ٨
 
الوحى
الإيمان بالوحى الإلهى ضرورة حتمية للإيمان بالقرآن وبالرسالة؛ لأن الوحى هو وسيلة إنزال القرآن على قلب النبى ﷺ كما صرح بذلك فى قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها (١) ومن ثم كانت قضية الوحى بأبعادها المختلفة لها عظيم الأهمية فى مجال البحث القرآنى مما يستلزم إلقاء الضوء عليها وإزالة اللبس المكتنف لها.
ويعرّف الوحى لغة: بأنه الإعلام فى خفاء، وأصله كما قال الراغب: الإشارة السريعة. ومجمع القول فى معناه اللغوى: أنه الإعلام الخفى السريع الخاص بمن يوجّه إليه بحيث يخفى على غيره (٢). ويتفرع عن هذا المدلول اللغوى عدة معان للوحى كالإشارة والكتاب والرسالة والأمر والتفهيم (٣).
أما الوحى بمعناه الشرعى: فهو إعلام الله تعالى لنبىّ من أنبيائه بحكم شرعى ونحوه بطريقة خفية غير معتادة للبشر (٤).
وللوحى إطلاقات عديدة ورد بها فى القرآن الكريم مفرعة عن المدلول اللغوى الأصلى لمادة «الوحى» و«الإيحاء»:
فمن ذلك: إطلاق الوحى بمعنى الإلهام الفطرى للإنسان كما فى قوله تعالى:
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ (٥) وقوله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي (٦).
ومن ذلك: إطلاق الوحى بمعنى الإلهام الغريزى للحيوان؛ كما فى قوله تعالى:
وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٧).
ومن ذلك: إطلاق الوحى مرادا به الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيماء كما فى قوله تعالى فى حق نبى الله زكريا- ﵇: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٨).
ومن ذلك: إطلاق الوحى بمعنى وسوسة الشيطان وتزيينه الشر للإنسان؛ كما فى قوله تعالى: وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ
(١) سورة الشورى: الآية ٧.
(٢) محمد رشيد رضا: الوحى المحمدى ص ٧ ط الزهراء للإعلام العربى ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٨ م.
(٣) د/ جودة محمد أبو اليزيد المهدى: فتح الجليل فى علوم التنزيل: ص ١٩١ - ١٩٢، ط/ دار الفاتح للتراث الإسلامى.
(٤) محمد رشيد رضا: الوحى المحمدى ص ٨ ط/ الزهراء ١٤٠٨ هـ، وعبد العظيم الزرقانى: مناهل العرفان ١/ ٥٦ ط/ الحلبى.
(٥) سورة القصص: الآية ٧.
(٦) سورة المائدة: الآية ١١١.
(٧) سورة النحل: الآية ٦٨.
(٨) سورة مريم: الآية ١١.
 
١ ‏/ ١
 
لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (٩).
وبنفس المعنى يأتى التعبير بالوحى لدلالة وسوسة شياطين الجن إلى شياطين الإنس أو بعض الجن إلى بعض، أو بعض الإنس إلى بعض، كما فى قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٠) (١١).
وكذلك ورد الوحى- فى التنزيل- بمعنى الإلهام أو الرؤيا المنامية، كما فى قوله تعالى:
إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ (١٢) (١٣).
كما جاء إطلاق الوحى- فى التنزيل.
بمعنى الأمر والتعليم، كما فى قوله تعالى:
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا (١٤) (١٥).
وجاء إطلاق الوحى مرادا به إلقاء الله إلى الملائكة من أمره، وإجراء له مجرى القول، وذلك فى قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا (١٦) (١٧).
ثم لقد جاء إطلاق الوحى بمعناه الشرعى إلى النبى ﷺ وإلى غيره من الأنبياء فى آيات عديدة كما فى قوله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٨).
كما جاء إطلاق الوحى إلى جميع الرسل السابقين فى قوله عز شأنه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (١٩).
****** ونتوقف عند وحى الله تعالى إلى الملائكة لنتعرف حقيقته:
فقد جاء وحى الله إلى الملائكة فى قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا (٢٠).
كما صرح القرآن العزيز بأنه تعالى يوحى إلى ملك الوحى ما يوحيه الملك إلى الرسول ﷺ، وذلك فى قوله سبحانه: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (٢١) أى: أوحى الله تعالى إلى عبده جبريل- ﵇ ما أوحاه جبريل إلى نبيّه سيدنا محمد ﷺ (٢٢).
* ولأن وحى الله تعالى إلى ملائكته من الأمور الغيبية التى لا نعلم كيفيتها إلا
(٩) سورة الأنعام: الآية ١٢١.
(١٠) سورة الأنعام: الآية ١١٢.
(١١) انظر تفسير البيضاوى (أنوار التنزيل) ١/ ٢٧٤ ط/ الحلبى ١٣٥٨ هـ ١٩٣٩ م.
(١٢) سورة طه- ﵊ الآية ٣٨، وبعض الآية ٣٩.
(١٣) انظر (أنوار التنزيل) للبيضاوى ٢/ ٣٩ ط/ الحلبى ١٣٥٨ هـ ١٩٣٩ م.
(١٤) سورة المؤمنون: الآية ٢٧.
(١٥) انظر (أنوار التنزيل) للبيضاوى ٢/ ٨٣ ط/ الحلبى ١٣٥٨ هـ.
(١٦) سورة الأنفال صدر الآية الكريمة ١٢.
(١٧) انظر (أنوار التنزيل) للبيضاوى ١/ ٣٢٣ ط/ الحلبى ١٣٥٨ هـ.
(١٨) سورة النساء: الآية ١٦٣.
(١٩) سورة الأنبياء: الآية ٢٥.
(٢٠) سورة الأنفال: صدر الآية الكريمة ١٢.
(٢١) سورة النجم: الآية ١٠، وانظر (أنوار التنزيل) للبيضاوى ١/ ٣٤٠.
(٢٢) انظر (أنوار التنزيل) للبيضاوى ١/ ٣٤٠ ط/ الحلبى، والوحى المحمدى لمحمد رشيد رضا ص ٧ ط/ الزهراء.
 
١ ‏/ ٢
 
بالتوقيف والنقل عن صحيح السنة ومقبولها، فإننا نعمد إلى ما روى من السنة الصحيحة فى هذا الصدد:
فيروى البخارى عن عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- أنه قال: «إذا تكلم الله بالوحى سمع أهل السماوات شيئا، فإذا فزّع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق، ونادوا ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق» (٢٣). ولا مرية فى أن أهل السماوات هم الملائكة.
كما أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبى معاوية أن النبي ﷺ قال: «إنّ الله- ﷿ إذا تكلم بالوحى سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجرّ السلسلة على الصفاء، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاء جبريل فزّع عن قلوبهم.
قال: ويقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟
قال: فيقول: الحق. قال فينادون: الحقّ، الحقّ» (٢٤).
هذا مع الأخذ فى الاعتبار أن الملائكة ذواتهم نورانية علوية، ويعتريهم من أثر الوحى هذا الصعق، كما يعترى السماء ذاتها تلك الصلصلة، ولا عجب فإنه تجلى الحق تعالى بصفة الكلام القديم وأنّى للمحدثات بالصمود لسطوتها!! إنهم من فزعهم يحسبون أن الساعة قد حان مرساها.
فقد أخرج ابن مردويه من حديث ابن مسعود مرفوعا: «إذا تكلم الله بالوحى سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان، فيفزعون، ويرون أنه من أمر الساعة» (٢٥)!!
وسيأتى مزيد تبيان لتلقى الملك الوحى سماعا من الله تعالى فى تناولنا للوحى القرآنى خلال هذا البحث بإذن الله تعالى.

****** 
 
أنواع الوحى ومراتبه:
 
فنجد الأصل فى معرفة ذلك- قرآنيا- قوله تعالى شأنه: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٢٦). فقد استنبط أساطين المفسرين منها جملة أنواع للوحى الإلهى إلى من اصطفاهم الله تعالى من البشر:
النوع الأول: ما كان الوحى فيه إلقاء فى القلب مناما، وهو ما يعرف بوحى الرؤيا الصادقة، كرؤيا خليل الرحمن- ﵇ التى قصّها القرآن فى قوله تعالى: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (٢٧).
وكرؤيا النبى ﷺ أنه يدخل المسجد
(٢٣)،
(٢٤) فتح البارى بشرح صحيح البخارى لابن حجر ١٣/ ٣٨٩ ط/ الهيئة المصرية ١٣٤٨ هـ.
(٢٥) انظر تخريجه فى (الإتقان) للإمام السيوطى بتحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم ١/ ١٢٧ ط/ المشهد الحسينى ١٣٨٧ هـ.
(٢٦) سورة الشورى: الآية ٥١.
(٢٧) سورة الصافات: الآية ١٠٢.
 
١ ‏/ ٣
 
الحرام، حيث قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٢٨).
النوع الثانى: ما كان الوحى فيه إلقاء فى القلب يقظة، بالإلهام الذى يقذفه الله تعالى فى قلب مصطفاه، على وجه من العلم الضرورى الذى لا يستطيع له دفعا ولا يجد فيه شكا ولا إشكالا، ومن هذا النوع: ما رواه أبو نعيم عن أبى أمامة والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبى ﷺ أنه قال: «إن روح القدس نفث فى روعى: أنه لن
تموت نفس حتى تستوفى رزقها» (٢٩).
النوع الثالث: ما كان الإيحاء فيه يقظة من غير طريق الإلهام. وذلك كإيحاء الزبور لنبى الله داود- ﵇ فقد روى عن مجاهد ﵁ أن الزبور أوحى إليه فى صدره إلقاء فى اليقظة وليس بإلهام، والفرق فى ذلك: أن الإلهام لا يستدعى صورة كلام نفسى حتما فقد وقد، وأما اللفظى: فلا.
وأما إيحاء الزبور فإنه يستدعيه (٣٠).
النوع الرابع: ما كان الوحى فيه بالتكليم مشافهة ومكافحة عيانا بغير حجاب ولا واسطة، كما وقع لنبينا ﷺ ليلة المعراج، فقد استشهد الأئمة من المفسرين لرؤية النبى ﷺ ربه عند تفسير قوله تعالى:
وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (٣١) بما فى حديث أنس عند البخارى من قوله: «... ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبّار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه فيما أوحى خمسين صلاة ....». (٣٢)
ومناط هذا الاستدلال: إرجاع الضمائر فى:
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى وكذا الضمير المنصوب فى وَلَقَدْ رَآهُ لله تعالى، ومن ثم يتقرر ثبوت الوحى المباشر مع الرؤية عيانا وهو أرفع أنواع الوحى.
النوع الخامس: ما كان الوحى فيه من وراء حجاب، بغير واسطة ولكن لا بالمشافهة، بأن يسمع كلاما من الله من غير رؤية السامع من يكلمه، كما سمع سيدنا موسى- ﵇ من الشجرة، ومن الفضاء فى جبل الطور، قال تعالى: فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٣) وليس المراد بالحجاب فى قوله تعالى: أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ: حجاب الله تعالى عن عبده حسّا، إذ لا حجاب بينه وبين خلقه حسا، وإنما المراد: المنع من رؤية الذات الأقدس بلا واسطة (٣٤).
النوع السادس: هو ما كان الوحى فيه
(٢٨) سورة الفتح: الآية ٢٧.
(٢٩) انظر (الجامع الكبير) للحافظ السيوطى ١/ ٢٤٣، وانظر (فتح البارى) لابن حجر ١/ ١٦، و(مناهل العرفان) للزرقانى ١/ ٥٧.
(٣٠) انظر (روح المعانى) للإمام الآلوسي ٢٥/ ٥٤ ط/ المنيرية، و(مفاتيح الغيب) للفخر الرازى ٢٧/ ١٨٧ ط/ دار الفكر ١٤٠١ هـ ١٩٨١ م.
(٣١) سورة النجم: الآية ١٣.
(٣٢) أخرجه البخارى فى كتاب التوحيد من صحيحه ٤/ ١٩٩، ط/ حجازى، وانظر (روح المعانى) للآلوسى ٢٨/ ٥٢.
(٣٣) سورة القصص: الآية ٣٠.
(٣٤) انظر (البحر المديد فى تفسير القرآن المجيد) لابن عجيبة الحسنى ٥/ ٣٣٠، ط/ الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م.
 
١ ‏/ ٤
 
بواسطة ملك يرسله الله تعالى إلى مصطفاه من البشر، وهذا النوع هو المعروف بالوحى الجلىّ، وهو المذكور فى قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ.
هذا: ووجه انحصار هذه الأنواع الستة فى الأقسام الثلاثة المذكورة فى الآية الكريمة- التى صدرنا بها هذا المبحث- أن القسم الأول- المستنبط من قوله سبحانه: إِلَّا وَحْيًا ينتظم الأنواع الأربعة الأولى، وهى:
الوحى المنامى، والإلهامى- بالنفث فى الروع-، والإلقائى فى الصدر بصورة الكلام النفسى، والتكليم مشافهة مع الرؤية.
والقسم الثانى: المذكور فى قوله تعالى:
أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ يختص بالنوع الخامس. وكذلك القسم الثالث- المأخوذ من قوله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا يختص بالنوع السادس الأخير.
* تلك هى الأنواع الرئيسية للوحى، على أن الإمام الحليمى قد ذكر أن الوحى كان يأتى النبى ﷺ على ستة وأربعين نوعا، فذكرها، وغالبها من صفات حامل الوحى، ومجموعها يدخل فيما ذكر (٣٥).
* وبناء على ما تقدم، فإن مراتب الوحى يمكن أن تصنّف باعتبارين:
فباعتبار المشافهة والتلقى من المصدر دون حجاب أو واسطة يكون ترتيب الأقسام فى الآية الكريمة أولوية، حيث ذكر أولا: الكلام بلا واسطة بل مشافهة، ويندرج تحته- أولويا-: النوع الرابع- فى تصنيفنا الآنف- ثم النوع الثالث، ثم النوع الثانى، ثم الأول.
ثم ذكر ما كان بغير واسطة ولكن لا بالمشافهة، بل من وراء الغيب، وهو النوع الخامس. ثم ذكر ثالثا: الكلام بواسطة الإرسال.
وأما بالاعتبار الثانى- وهو باعتبار الجلاء والخفاء- فإن النوع السادس هاهنا وهو المصطلح على تسميته ب (الوحى الجلى) له الصدارة، إذ هو أشهر الأنواع وأكثرها.
ولذلك كان وحى القرآن الكريم جلّه- على المعتمد الراجح- من هذا النوع. ووجه تفضيله: أنه مخصوص بالأنبياء- ﵈ وليس لأنه أشرف من وحى المشافهة.
ثم يليه الوحى فى اليقظة بدون حجاب سواء كان إيحاء مع استدعاء صورة الكلام النفسى، أم إلهاما بالنفث فى الروع، ثم الإلقاء المنامى فى القلب- الذى أخرج فيه الشيخان- عن النبى ﷺ: «رؤيا الأنبياء وحى» (٣٦). ثم التكليم من وراء حجاب.
(٣٥) انظر (فتح البارى) لابن حجر ١/ ١٦، ط/ الهيئة المصرية.
(٣٦) أخرجه البخارى فى باب (التخفيف فى الوضوء) حديث ١٣٨، وخرجه الحافظ فى فتح البارى عن مسلم (١/ ٢٨٩).
 
١ ‏/ ٥
 
صور الوحى إلى النبى ﷺ وكيفياته:
فنجد العلماء قد ذكروا له تسع صور تجسد كيفياته وصفاته:
فالصورة الأولى: أن يأتى ملك الوحى إلى النبى ﷺ فى مثل صلصلة الجرس، فقد روى البخارى فى صحيحه بسنده عن السيدة عائشة- رضى الله تعالى عنها- أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحى؟
فقال رسول الله ﷺ: «أحيانا يأتينى مثل صلصلة الجرس- وهو أشده علىّ- فيفصم عنى وقد وعيت ما قال ..». (٣٧)
لقد شبّه النبى ﷺ صوت الملك لدى مجيئه بالوحى بصوت صلصلة الجرس.
والصلصلة فى الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض، ثم أطلق على كل صوت له طنين. وقيل: هو صوت متدارك لا يدرك فى أول وهلة، ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد.
والجرس- بفتح الراء- مشتق من الجرس- بسكون الراء- وهو الحسّ، ويطلق على ناقوس صغير أو سطل فى داخله قطعة نحاس يعلق منكوسا على البعير، فإذا تحرك تحركت النحاسة فأصابت السطل فحدثت الصلصلة (٣٨).
وقال بعض العلماء: إن الصلصلة صوت خفق أجنحة الملك، والحكمة فى تقدمه للوحى أن يقرع سمعه ﷺ الوحى فلا يبقى مكان لغيره، ولما كان الجرس لا يحصل صلصلة إلا متداركة، وقع التشبيه به دون غيره من الآلات.
فإن الكلام العظيم له مقدمات تأذن بتعظيمه للاهتمام به، وإنما كان شديدا عليه ليستجمع قلبه فيكون أوعى لما سمع (٣٩).
كذلك أخرج الإمام أحمد فى مسنده عن سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص- رضى الله عنهما- أنه قال: سألت النبى ﷺ: هل تحس بالوحى؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم.
أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إلىّ إلا ظننت أن نفسى تفيض» (٤٠). وهذا الحديث يفسر قوله ﷺ فى حديث البخارى المتقدم- عن هذه الكيفية للوحى: «وهو أشده علىّ»!!
ومع هذه الحالة المذكورة يكون النفث من الملك فى روع النبى ﷺ كما تقدم، إذ يقول الحافظ ابن حجر: (وأما النفث فى الروع فيحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين- أى الصلصلة والتمثل رجلا- فإذا أتاه الملك فى مثل صلصلة الجرس نفث حينئذ فى روعه) (٤١). وظاهر ذلك خفاء ذات الملك لدى الصلصلة.
(٣٧) انظر (فتح البارى) لابن حجر ١/ ١٥ - ١٦ ط/ الهيئة المصرية.
(٣٨)،
(٣٩) نفس المصدر السابق.
(٤٠) انظر مسند الإمام أحمد ٢/ ٢٢٢، نشر دار صادر.
(٤١)،
 
١ ‏/ ٦
 
وأما الصورة الثانية للوحى: فهى أن يأتى الملك للنبى ﷺ فى صورة رجل، فيكلمه بالوحى، كما قال النبى ﷺ فى تتمة حديث البخارى الذى أوردنا صدره فى بيان الصورة الأولى-: «وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا فيكلمنى، فأعي ما يقول» ولقد رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد عرقا!!. وقد زاد أبو عوانة فى صحيحه: «وهو أهونه علىّ». كما ذكر فى «الإتقان».
وفى توضيح تمثّل الملك النبى ﷺ رجلا.
قال إمام الحرمين: معناه: أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه ثم يعيده إليه بعد.
وقال شيخ الإسلام سراج الدين البلقينى:
إن ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتى هو جبريل بشكله الأصلى، إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك: عاد إلى هيئته.
ثم قال الحافظ ابن حجر معقّبا: والحق أن تمثيل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا، بل معناه: أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه. والظاهر أيضا:
أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى، بل يخفى على الرائى فقط. والله أعلم (٤٢).
ونستحضر هنا: أن النفث فى الروع يحتمل أن يكون مع هذه الحالة أيضا كما تقدم.
والصورة الثالثة: هى المقابلة للثانية- وهى أن ينخلع النبى ﷺ عن صورته البشرية، ويدخل فى الصورة الملكية بتمكين الله- تعالى- له ذلك، ويتلقى الوحى من الملك. وهذه- كما ذكر العلماء- أصعب الحالتين (٤٣).
ثم الصورة الرابعة: أن يوحي رب العزة إلى النبى ﷺ فى المنام بلا واسطة، كما جاء فى سنن الترمذي مرفوعا: «أتانى الليلة ربى ﵎ فى أحسن صورة فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ....» (٤٤) الحديث.
ومما يجب التنبيه إليه هنا أن الحق- تعالى- منزه عن الصورة الحسية، فإذا رئى- سبحانه- على وصف يتعالى عنه كان لتلك الرؤيا ضرب من التأويل، كما نقل الحافظ ابن حجر عن الواسطى: أن من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرأى، وغير ذلك (٤٥).
والصورة الخامسة: أن يأتى ملك الوحى جبريل إلى النبى ﷺ فى النوم فيوحى إليه بما أمره الله تعالى به. وقد عدّ بعض العلماء من هذا القبيل سورة (الكوثر)، بيد أن التحقيق أنها نزلت فى اليقظة (٤٦)، كما سيأتى فى تناول الوحى القرآنى فى محله.
والصورة السادسة: أن يأتى الملك
(٤٢) انظر (فتح البارى) لابن حجر ١/ ٨٥، ١٧ ط/ الهيئة المصرية.
(٤٣) انظر (الإتقان) للإمام السيوطى بتحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم ١/ ١٢٥، ط/ المشهد الحسينى.
(٤٤) انظر (عمدة القارى) للإمام العينى ١/ ٤٤، ط/ الحلبى، الأولى ١٣٩٢ هـ- ١٩٧٢ م.
(٤٥) انظر (فتح البارى) لابن حجر العسقلانى ١٢/ ٣٣٦، ط/ الهيئة المصرية.
(٤٦) انظر (الإتقان) للحافظ السيوطى بتحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم ١/ ١٢٩، ط/ المشهد الحسينى.
 
١ ‏/ ٧
 
جبريل- ﵇ إلى النبى ﷺ يقظة على صورته الأصلية تماما بلا تمثل ولا تغير بانضمام ونحوه، فيراه بستمائة جناح ينتشر منها اللؤلؤ والياقوت، ويوحى إليه على تلك الهيئة الملكية الأصلية كما نقله الإمام العينى عن السهيلى فى بيان صورة الوحى من (عمدة القارى) (٤٧).
ويؤيده ما رواه الإمام مسلم عن السيدة عائشة- رضى الله عنها- مرفوعا: «لم أره- يعنى جبريل- على الصورة التى خلق عليها إلا مرتين ..». وفى رواية الترمذى عن السيدة عائشة: «لم ير محمد جبريل فى صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة فى أجياد». كما نقل الحافظ ابن حجر عن سيرة (سليمان التيمى): «أن جبريل أتى النبى ﷺ فى حراء، وأقرأه: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ثم انصرف، فبقى مترددا، فأتاه من أمامه فى صورته فرأى أمرا عظيما» (٤٨)!!
ثم الصورة السابعة: هى وحى الملك إسرافيل إلى النبى ﷺ فقد جاء فى «مسند أحمد» - بإسناد صحيح- عن الشعبى: «أن رسول الله ﷺ نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل- ﵇ ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته
جبريل، فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة ...» (٤٩)
وقد نقل الإمام السيوطى- عقب هذه الرواية- قول ابن عساكر: والحكمة فى توكيل إسرافيل: أنه الموكل بالصور الذى فيه هلاك الخلق وقيام الساعة، ونبوته ﷺ مؤذنة بقرب الساعة وانقطاع الوحى (٥٠).
والصورة الثامنة للوحى: أن يكلم الله تعالى رسوله ﷺ فى اليقظة كفاحا بلا واسطة ويسمعه كلامه، كما حدث فى ليلة الإسراء والمعراج حيث أوحى إلى الرسول ﷺ خواتيم سورة البقرة، وقد استدل الإمام السيوطى لذلك بما أخرجه الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال:
«لما أسرى برسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى ...». إلى أن قال: «فأعطى رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطى الصلوات الخمس، وأعطى خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا «المقحمات» أى: الكبائر التى تقحم أهلها فى النار» (٥١).
ثم الصورة التاسعة: هى النفث فى الرّوع، بأن ينفث فى روع النبى ﷺ الكلام نفثا، أى ينفخ فى قلبه الوحى كما قال ﷺ:
«إن روح القدس نفث فى روعى ...». وقد مرّ بتخريجه متفرعا عن النوع الثانى من أنواع الوحى وهو الإلقاء الإلهامى فى اليقظة.
ومن ثم: كانت الكيفيات والصور الوصفية
(٤٧) انظر (عمدة القارى شرح صحيح البخارى) للإمام بدر الدين العينى ١/ ٤٤.
(٤٨) انظر (فتح البارى) لابن حجر ١/ ١٩، ط/ الهيئة المصرية.
(٤٩)،
(٥٠) انظر (عمدة القارى شرح البخارى) للإمام العينى ١/ ٤٤، ط/ الحلبى، وانظر (الإتقان) للإمام السيوطى ١/ ١٢٩.
(٥١) أخرجه الإمام مسلم فى كتاب الإيمان: باب ذكر سدرة المنتهى: ١/ ١٥٧، ط/ دار الفكر- ببيروت ١٣٩٨ هـ.
 
١ ‏/ ٨
 
أخص من الأنواع لا مطابقة لها. وقد عده الإمام السيوطى فى كيفيات الوحى- وكذا الحافظ فى «الفتح» عدّه فى فنون الوحى الذى يأتى بحامل، وذكرا أنه يحتمل أن يرجع إلى إحدى الحالتين (أى الصلصلة وتمثل الملك رجلا). ولا يخفى أن التعبير بالاحتمال ونحوه لا يحصل النفث فيهما، بل يحتمل أن يكون فى حالة ثالثة مغايرة للحالتين.
وقد صرح الحافظ ابن حجر بأن للوحى حالات مغايرة لها، وهى: إما من صفة الوحى، كمجيئه كدويّ النحل، والنفث فى الروع، والإلهام، والرؤيا الصالحة، والتكليم ليلة الإسراء بلا واسطة. وإما من صفة حامل الوحى كمجيئه فى صورته التى خلقه الله عليها له ستمائة جناح، ورؤيته على كرسى بين السماء والأرض، وقد سدّ الأفق. (٥٢)

الوحى القرآنى:
أما عن (الوحى القرآنى) بخصوصه، فإن له خصائص فى نوعيته وكيفية تلقيه والحالة التى يتنزل بها على النبى ﷺ.
فالخصيصة الأولى: أن جميع القرآن قد تلقاه النبى ﷺ فى اليقظة، ولم يكن شىء منه فى المنام- على وجه الاستقلال- على القول الراجح والمعتمد لدى أساطين علماء التنزيل.
ولئن ذهب قوم إلى أن بعض الوحى القرآنى كان مناميا احتجاجا بما رواه مسلم عن سيدنا أنس أنه قال: «بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟
فقال: أنزل علىّ آنفا سورة، فقرأ: «بسم الله الرحمن الرحيم. إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)».
فإن هذا مردود عليه: بما نقله الإمام السيوطى (٥٣) عن الإمام الرافعى فى «أماليه» إذ قال: فهم فاهمون من الحديث أن السورة نزلت فى تلك الإغفاءة، وقالوا: من الوحى ما كان يأتيه فى النوم؛ لأن رؤيا الأنبياء وحى.
قال: وهذا (أى أن رؤيا الأنبياء وحى) صحيح، لكن الأشبه أن يقال: إن القرآن كله نزل فى اليقظة، وكأنه خطر له فى النوم سورة الكوثر المنزلة فى اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذى نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم وفسّرها لهم.
ثم قال: وورد فى بعض الروايات أنه أغمى عليه، وقد يحمل ذلك على الحالة التى كانت تعتريه عند نزول الوحى، ويقال لها برحاء الوحى. انتهى.
(ثم عقّب الإمام السيوطى بقوله): قلت:
الذى قاله الرافعى فى غاية الاتجاه، وهو الذى كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه،
(٥٢) انظر (فتح البارى) لابن حجر ١/ ١٥، ط/ الهيئة المصرية.
(٥٣)،
 
١ ‏/ ٩
 
والتأويل الأخير أصح من الأول؛ لأن قوله:
«أنزل علىّ آنفا». يدفع كونها نزلت قبل ذلك.
بل نقول: نزلت تلك الحالة، وليس الإغفاءة إغفاءة نوم، بل الحالة التى كانت تعتريه عند الوحى، فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا (٥٣). وكذلك قال الإمام السيوطى عند ذكر الوحى المنامى: (وليس فى القرآن من هذا النوع شىء فيما أعلم) (٥٤).
ومن ثم: يترجح أن القرآن الكريم قد نزل كله على النبى ﷺ فى حالة اليقظة ولم يكن شىء من الوحى القرآنى مناما.
والخصيصة الثانية: أن القرآن الكريم كله من قبيل ما اصطلح عليه علماء التنزيل ب (الوحى الجلى)، فكما أنه لم يقع شىء من الوحى القرآنى مناما كذلك لم يكن شىء منه من قبيل الإلقاء الإلهامى الذى يقذف فى القلب، مع أنه يكون على وجه من العلم الضرورى الذى لا يداخله الشك أو الاشتباه، ولكن الحق- تعالى- جعله من قبيل التكليم الظاهر؛ للمبالغة فى توثيقه على أكمل وجه وأوضحه (٥٥).
ولسنا- من هذا المنطلق- مع قول من زعم أن الوحى القرآنى لم يكن شىء منه من قبيل التكليم الشفاهى من الحق- تعالى- لرسوله ﷺ كفاحا من غير حجاب ولا واسطة ملك، فقد ذكر الإمام السيوطى أن الآيتين من آخر سورة البقرة نزلتا ليلة المعراج، كما عدّ من هذا النوع أيضا: بعض سورة (الضحى)، وأَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ؛ واستدل بحديث ابن مسعود- الذى أوردناه فى الصورة الثامنة للوحى، وبما أخرجه ابن أبى حاتم من حديث عدى بن ثابت عن النبى ﷺ أنه قال:
«سألت ربى مسألة؛ وددت أنى لم أكن سألته؛ قلت: أى ربّ، اتخذت إبراهيم خليلا، وكلّمت موسى تكليما؟ فقال: يا محمد، ألم أجدك يتيما فآويت؟ وضالا فهديت؟ وعائلا فأغنيت؟ وشرحت لك صدرك، وحططت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معى؟» (٥٦).
كما نقل عن الهذلى أنه قال فى «الكامل»:
«نزلت آمَنَ الرَّسُولُ إلى آخرها بقاب قوسين» (٥٧)!!
وقد قدّمنا أن هذا النوع هو أشرف أنواع الوحى، فلا غرو أن يكون للوحى القرآنى منه حظ معلوم.
بيد أن فريقا من العلماء قد قرر- بعد التسليم بهذا الوحى القرآنى الشفاهى لما مر من الأدلة- أنه يجوز أن يكون جبريل ﵇ قد نزل بهذه الآيات التى أوحى بها مشافهة مرة أخرى على سبيل التأكيد والتقرير، فتكون مما تكرر نزوله، ومن ثم تتقرر:
(٥٤) انظر (الإتقان) للإمام السيوطى بتحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم ١/ ٦٥ - ٦٦، ١٢٩، ط/ المشهد الحسينى.
(٥٥) انظر (مناهل العرفان) للزرقانى ١/ ٥٧، ط/ الحلبى.
(٥٦)،
(٥٧) انظر الإتقان للإمام السيوطى بتحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم ١/ ٦٧، ١٢٩.
 
١ ‏/ ١٠
 
الخصيصة الثالثة للوحى القرآنى:
وهى أن الله تعالى قد وكل به جميعه أمين الوحى جبريل- ﵇ خاصة دون ملك سواه، لقوله تعالى شأنه: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (٥٨).
فالروح الأمين هو سيدنا جبريل- ﵇ بإجماع المفسرين، وقد سماه الله تعالى روحا لأنه جسم لطيف روحانى خلق من الرّوح، أو لأنه روح كله لا كالناس الذين فى أبدانهم روح، أو لأنه لمجيئه بالوحى والدين بمثابة الروح الذى تثبت معه الحياة (٥٩).
وقد نعت بالأمين: لأنه الحفيظ المؤتمن على وحى الله، ومبلغه لأنبيائه.
كذلك سماه الله تعالى (روح القدس) فى قوله تعالى: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا (٦٠).
وذلك لأنه الروح المطهرة من أدناس البشرية، فالقدس: هو الطهر والنقاء، والإضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة.
وقد نقل عن النحاس أن القدس: هو الله تعالى، والمعنى: أن جبريل روح الله تعالى- والإضافة للملكية- لأنه كان بتكوين الله تعالى له من غير ولادة (٦١)، وفى كل هاتيك المعانى كان لجبريل مزيد اختصاص بها من بين سائر الملائكة، إذ هو منهم كالرسول ﷺ من أفراد أمته، ولذلك اختاره الله- سبحانه- لأشرف المهام، فوكله بالكتب والوحى إلى الأنبياء، وبالنصر عند الحروب، وبالمهلكات إذا أراد أن يهلك قوما، وقد أخرج ابن أبى حاتم عن عطاء: «أول ما يحاسب جبريل؛ لأنه كان أمين الله على رسله» (٦٢).
* وإذا ما تساءلنا عن كيفية تلقى الأمين جبريل- ﵇ وحى القرآن من الله تعالى، وهل تلقاه مباشرة أو بواسطة؟ فإننا نجد للعلماء أقوالا أربعة فى هذا الصدد:
أولها: أن جبريل- ﵇ قد تلقف التنزيل من الله تعالى تلقفا روحانيا، قال بذلك العلامة الطيبى، والقطب الرازى فى حواشيه على «الكشاف»، حيث قال:
(والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تعالى تلقفا روحانيا ....) (٦٣).
وثانيها: أن جبريل- ﵇ قد أخذ القرآن من اللوح المحفوظ ونزل به على النبى ﷺ. وهذا هو المعنى الثانى لإنزال الكتب على الرسل، حيث قال الطيبى: (لعل نزول القرآن على الملك: أن يتلقفه تلقفا روحانيا أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به على النبى ﷺ فيلقيه إليه) (٦٤).
(٥٨) سورة الشعراء: الآيات ١٩٣ - ١٩٥.
(٥٩) انظر (مفاتيح الغيب) ٢٤/ ١٦٦، و(روح البيان) ٦/ ٣٠٦ وتفسير الشوكانى ٣/ ١٩٤.
(٦٠) سورة النحل: الآية ١٠٢.
(٦١) انظر (تفسير الشوكانى) ٣/ ١٩٤.
(٦٢) انظر (الإتقان) للإمام السيوطى بتحقيق محمد أبى الفضل إبراهيم ١/ ١٣٠.
(٦٣)،
(٦٤) نفس المصدر ١/ ١٢٥ - ١٢٦ و(مناهل العرفان) للزرقانى ١/ ٤٠، ط/ الحلبى.
 
١ ‏/ ١١
 
وثالثها: ما نقل عن الماوردى من أن الحفظة نجّمت القرآن على جبريل فى عشرين ليلة، وأن جبريل نجّمه على النبى ﷺ فى عشرين سنة (٦٥).
ورابعها: أن جبريل- ﵇ قد أخذ القرآن عن الله تعالى سماعا، فقد قال البيهقى فى معنى قوله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: (يريد والله أعلم: إنا أسمعنا الملك، وأفهمناه إياه، وأنزلناه بما سمع ...) (٦٦).
وقد رجح الحافظ السيوطى هذا القول الأخير بقوله: (ويؤيد أن جبريل تلقفه سماعا من الله تعالى: ما أخرجه الطبرانى- من حديث النواس بن سمعان مرفوعا- «إذا تكلم الله بالوحى أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله، فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخروا سجّدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهى به على الملائكة، فكلما مرّ بسماء سأله أهلها: ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهى به حيث أمر» (٦٧).
ولا شك أن هذا القول أحرى بالقبول، لقوة دليله من جهة، ولاقتضائه عدم الوساطة بين الله تعالى وبين جبريل فى التلقى من جهة أخرى، والتحرّز به من دعوى إنزال معناه دون لفظه بما تقضى إليه من موهمات من جهة ثالثة.
* فلقد رصد الإمام السيوطى لعلماء التنزيل فى بيان ما نزل به جبريل على النبى ﷺ من الوحى القرآنى ثلاثة أقوال؛ نثبتها بمزيد تبيان وتحليل على النحو التالى:
القول الأول: أنه نزل بلفظ القرآن ومعناه، حيث إنه من المرجح أن جبريل قد تلقف القرآن سماعا من الله تعالى، وتكليما نفسيا بالصفة القديمة مع إلهامه بالألفاظ الدالة على المعانى القائمة بذاته تعالى، كما هو محصل تقريرى الأصفهانى- فى مقدمة تفسيره- والقطب الرازى.
أو أن جبريل- ﵇ قد حفظ القرآن- بلفظه ومعناه- من اللوح المحفوظ، الذى أوجد الله تعالى فيه الكلمات والحروف الدالة على معنى القرآن القائم بذات الله ﵎، فنزل به لفظا ومعنى على النبى ﷺ (٦٨).
والقول الثانى: أن جبريل- ﵇ قد ألقى إليه المعنى فقط، وأنه عبر عنها بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك على النبى صلوات الله وسلامه عليه. ولم يثبت لأصحاب هذا الزعم الفاسد دليل عليه!!
والقول الثالث: أن جبريل قد نزل على النبى ﷺ بالمعانى خاصة، وأنه ﷺ علم تلك المعانى وعبر عنها بلغة العرب!!
(٦٥) انظر (مناهل العرفان) للزرقانى ١/ ٤٠ - ٤١.
(٦٦) انظر الإتقان للإمام السيوطى ١/ ١٢٦.
(٦٧)،
(٦٨) نفس المصدر ١/ ١٢٥ - ١٢٧.
 
١ ‏/ ١٢
 
وقد استدل الذاهبون إلى هذا الرأى المتهافت بظاهر قوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ (٦٩). حيث إن تخصيص النزول بالقلب- على أن المراد به العضو المخصوص- موجه بأن المعانى الروحية تنزل على الروح ثم تنتقل به إلى القلب، لما بينهما من التعلق، ثم تتصعد منه إلى الدماغ، فينتقش بها لوح المتخيلة.
بيد أن هذا خلاف القول الصحيح عند المفسرين والمحدثين، الذين وجّهوا لتخصيص القلب بالنزول: بأنه المدرك والمكلف دون سائر الجسد، وهو المخاطب فى الحقيقة لأنه موضع التمييز.
وقد يقال: إنه لما كان له ﷺ جهتان: جهة ملكية يستفيض بها، وجهة بشرية يفيض بها، جعل الإنزال على روحه ﷺ المعبر عنها بالقلب، حيث قال الراغب: إنها أحد إطلاقاته؛ لأنها المتصفة بالصفات الملكية التى يفيض بها من الروح الأمين. وقد أشار إلى ذلك تعبير القرآن ب (على قلبك) دون (عليك).
وكذلك وجّه تخصيص الإنزال بالقلب؛ بأنه إشارة إلى كمال تعلقه ﷺ وفهمه ذلك المنزل، حيث لم تعتبر واسطة فى وصوله إلى القلب الذى هو محل العقل كما يقتضيه ظاهر كثير من الآيات والأحاديث (٧٠).
ومن ثم يترجح القول الحق: وهو أن القرآن الكريم بلفظه ومعناه من عند الله تعالى لا مدخل لجبريل ولا لغيره فى ألفاظه، فالله- سبحانه- هو الذى أبرز ألفاظ القرآن وكلماته مرتبة على وفق ترتيب كلماته النفسية لأجل التفهيم والتّفهّم، كما نبرز نحن كلامنا اللفظى- ولله المثل الأعلى- على وفق كلامنا النفسى لأجل التفهيم والتفهم، ولا ينسب الكلام بحال إلا إلى من رتبه فى نفسه أولا دون من اقتصر على حكايته وقراءته، وإننا لنؤازر العلامة الزرقانى فى حكمه على زعم أن ألفاظ القرآن من عند جبريل أو النبى ﷺ بقوله: (وعقيدتى أنه مدسوس على المسلمين فى كتبهم؛ وإلا فكيف يكون القرآن حينئذ معجزا واللفظ لمحمد أو لجبريل؟ ثم كيف تصح نسبته إلى الله واللفظ ليس لله؟ مع أن الله يقول: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ (٧١).
وللإمام الجوينى تقرير فى قضية الوحى القرآنى يؤكد فيه صدوره عن الله لفظا ومعنى؛ يقول فيه: (كلام الله المنزل قسمان:
قسم قال لجبريل: قل للنبى الذى أنت مرسل إليه: إن الله يقول: افعل كذا وكذا .... ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبى، وقال له ما قاله ربه، ولم تكن العبارة تلك العبارة؛ كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان:
(٦٩) سورة الشعراء: الآية ١٩٤.
(٧٠) انظر (مفاتيح الغيب) للفخر الرازى ٢٤/ ١٦٦ - ١٦٧، ط/ دار الفكر ببيروت، وروح المعانى للآلوسى ١٩/ ١٢٠ - ١٢١، ط/ المنيرية.
(٧١) سورة التوبة: الآية ٦، وانظر (مناهل العرفان) للزرقانى ١/ ٤٢، ط/ الحلبى.
 
١ ‏/ ١٣
 
يقول لك الملك: اجتهد فى الخدمة، واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول: يقول الملك:
لا تتهاون فى خدمتى، ولا تترك الجند تتفرق، وحثّهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير فى أداء الرسالة.
وقسم آخر: قال الله لجبريل: اقرأ على النبى هذا الكتاب، فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير، كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغيّر منه كلمة ولا حرفا) (٧٢).
وقد عقب على ذلك الإمام الحجة السيوطى شارحا وموضحا وموجها ومدللا فقال: (قلت: القرآن هو القسم الثانى، والقسم الأول: هو السنة كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن، ومن هنا جاز رواية السنة بالمعنى لأن جبريل أداه بالمعنى ولم تجز بالقراءة (أى فى القرآن) بالمعنى؛ لأن جبريل أداه باللفظ، ولم يبح له إيحاءه بالمعنى. والسر فى ذلك: أن المقصود منه التعبد بلفظه والإعجاز به، فلا يقدر أحد أن يأتى بلفظ يقوم مقامه، وإن تحت كل حرف منه معانى لا يحاط بها كثرة، فلا يقدر أحد أن يأتى بدله بما يشتمل عليه، والتخفيف على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين، قسم يروونه بلفظ الموحى به، وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروى باللفظ لشقّ، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل والتحريف. فتأمل) (٧٣).
ولست أرى ما ارتآه العلامة الزرقانى فى نقده لكلام الإمام الجوينى المتقدم من أنه لا يوجد أمامنا دليل على أن جبريل كان يتصرف فى الألفاظ الموحاة إليه فى غير القرآن، كيف وقد قال الإمام السيوطى عقب تعقيبه السابق مباشرة: (وقد رأيت عن السلف ما يعضد كلام الجوينى، وأخرج ابن أبى حاتم من طريق عقيل عن الزهرى، أنه سأل عن الوحى فقال: الوحى ما يوحى الله إلى نبى من الأنبياء، فيثبته فى قلبه، فيتكلم به ويكتبه، وهو كلام الله، ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ولا يأمر بكتابته، ولكنه يحدّث به الناس حديثا، ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه) (٧٤).
ومن ثم نقف على حقيقة الوحى القرآنى ونستيقن نزوله بلفظه ومعناه وبما حفل به من العظمة وقوة التأثير وجلال التنزيل، وتبارك منزّله- جل وعلا- إذ يقول: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (٧٥). قال بعض المفسرين فى تفسيرها: (لو كانت الجبال مقام الإنسان فى الخطاب (أى القرآنى) لتدكدكت الجبال وتزررت، وانفلقت الصخور
(٧٢)،
(٧٣)،
(٧٤) انظر (الإتقان) للإمام السيوطى ١/ ١٢٧ - ١٢٨، ط/ المنيرية.
(٧٥) سورة الحشر: الآية ٢١.
 
١ ‏/ ١٤
 
الصّمّ، وانهدمت الشامخات العاليات فى سطوات أنواره ووجوم سنا أقداره)!! (٧٦).
ولعلنا نتصور حالة العالم قبل الوحى الشرعى ومدى احتياجه إليه، ولا سيما فى بداية النصف الثانى من القرن السادس الميلادى حيث كان العالم مترديا فى حضيض
الظلمة والضياع، واستبدت به أسباب الفساد من كل جانب، وعصفت به رياح الشرك والكفران، فتداعى بناؤه العقدى والخلقى، وسادته جاهلية عمياء، وصار يترقب الهدم الذى يعقبه البناء، إذ عمه الفساد فى كل الأرجاء كما قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٧)، لقد فسر الإمام قتادة ﵁ الفساد فى الآية الكريمة: بالضلالة والظلم (٧٨)، وهذا تفسير محكم، لأن الضلالة تعنى فساد القوة النظرية، لفقدان نور الوحى الإلهى، والظلم:
يعنى فساد القوة العملية والجانب السلوكى، لفقدان استرشادهما بالإشعاع المعرفى اليقينى الذى يضيء القوة النظرية، فصلاح القوتين إذن متوقف على الوحى الذى هو هدى الله لعباده.
* من ثم: كان العالم قبل البعثة المحمدية متعطشا مستشرفا للوحى الذى يتوقف عليه رشده وصلاحه، أو بالأحرى: روحه ونوره، كما ينبئ عنه قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٩).
فالتعبير عن الوحى القرآنى- فى الآية الكريمة- بالروح يشير إلى أن العالم قبل هذا الوحى كان جثة هامدة بلا روح، وكذا التعبير عن هذا الوحى بأنه نور يشير إلى الظلمة الحالكة التى كان يرزح العالم فيها فى الجاهلية، ثم يشير قوله تعالى: نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا من الضلال الذى كان سائدا قبل الوحى المحمدى فى شتى الجوانب العقدية والسلوكية.
* وتتجسد حالة العالم قبل الوحى إليه جليا فى افتقاد مصدر الهداية فيما لا سبيل للعقل الوصول إليه من الجانب الغيبى فى أمور العقيدة، وأعلاها معرفة الله تعالى وصفاته القدسية وما يجب له وما يستحيل عليه وما يجوز فى حقه تعالى.
كما تتجسد تلك الحاجة- فى توقف إدراك ما وراء الطبيعة من عالم ما بعد الموت من البرزخ والبعث والحساب والجزاء- على الأدلة السمعية التى تأتى بطريق الوحى.
وكذلك الهداية التشريعية التى تنظم
(٧٦) انظر (البحر المديد) للإمام ابن عجيبة ٦/ ١١٩، ط/ الهيئة العامة للكتاب.
(٧٧) سورة الروم: الآية ٤١.
(٧٨) انظر (أعظم المرسلين ﷺ من المولد إلى المبعث) للدكتور جودة محمد أبو اليزيد المهدى ج ١ ص ٤٣، ط/ دار غريب للطباعة والنشر بالقاهرة سنة ١٩٩٧ م.
(٧٩) سورة الشورى: الآية ٥٢.
 
١ ‏/ ١٥
 
العلاقة مع الله- تعالى- بالعبادات ومع الخلق بالمعاملات، ومع النفس بتزكيتها بالأخلاق الصالحة واقتلاع الأخلاق السيئة، كل ذلك عجزت عنه عقول البشر، لأن حقائق الأشياء وسبل إصلاحها لا يحيط بها- على الحقيقة- إلا موجدها، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟ (٨٠)
إن منطق العقل والتجربة يقضى بالرجوع- فى صيانة كل صنعة وإصلاحها- إلى صانعها لتظل فى وضعها الأمثل، وقد أودع الخالق- جل وعلا- منهج إصلاح الخليقة فى دستوره العظيم (القرآن المجيد) الذى هو مصدر الهداية والكمال الأعلى، وقد صرح بذلك- سبحانه- فى قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٨١).
ولقد اتفقت كلمة ذوى العقول الصحيحة على أن العقل والعلم البشرى لا يغنيان إطلاقا عن هداية الرسل بما أوحاه الله إليهم، مهما ارتقت مدارك الحكماء والمفكرين فى معارفهم العقلية، فإن حكمتهم وآراءهم وعلومهم إنما هى آراء بشرية ناقصة، وظنون لا تبلغ من عالم الغيب إلا أنه موجود مجهول (٨٢)!! وهى عرضة للخطأ والتخطئة والخلاف فيها على أية حال. وأحكامها نسبية، فإلام التحاكم إذا عند الاختلاف الذى هو من سنن الأحكام الاجتهادية؟
هنا تتجسد ضرورة الوحى والبيان النبوى لحسم النزاع والخلاف، كما نطق التنزيل فى قوله تعالى: وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٣).
وإذا تحصل لنا من جملة ما سبق: أن صلاح البشر بالدين مبنى على الإيمان بالغيب والوقوف فيه عند خبر الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- ولا يمكن إصلاحهم بالعلوم المادية الكسبية وحدها، فإنه يقع فى دائرة اليقين أنه لا سبيل إلى إنقاذ البشرية فى هذا العصر إلا بإثبات الوحى المحمدى الموحد لإنسانيتهم، المزكى لأنفسهم واتباع هديه الذى هو مناط السعادتين الدنيوية والأخروية (٨٤)، وهو المخرج الوحيد لكل ما تعانيه الإنسانية من شقاء وظلم وعناء وجموح واستبداد، وقد أوضح التنزيل منهج الهداية والنجاة بقوله تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٥).
*****
(٨٠) سورة الملك: الآية ١٤.
(٨١) سورة الإسراء: الآية ٩.
(٨٢) انظر: (الوحى المحمدى) لمحمد رشيد رضا ص ١٤، ط الزهراء ١٤٠٨ هـ.
(٨٣) سورة النحل: الآية ٦٤.
(٨٤) انظر (الوحى المحمدى) لمحمد رشيد رضا ص ١٢ - ١٧ بتصرف.
(٨٥) سورة المائدة: الآيتان ١٥ - ١٦.
 
١ ‏/ ١٦
 
[كيف بدا الوحى]
ولعلنا نتساءل عن (بدء الوحى): متى وكيف بدأ؟؟
ولقد تكفلت السنة الصحيحة فى الجواب عن ذلك، فيروى الشيخان والترمذي والنسائى وغيرهم بإسنادهم عن السيدة عائشة أم المؤمنين- رضى الله تعالى عنها- أنها قالت:
«أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرؤيا الصالحة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالى ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو فى غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة، ثم أرسلنى فقال:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد- رضى
الله عنها- فقال: زمّلوني ... زملونى ... فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسى، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر فى الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانى فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة: يا ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا ابن أخى، ماذا ترى؟
فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذى نزّل الله على موسى، يا ليتنى فيها جذع، ليتنى أكون حيا إذ يخرجك قومك! فقال رسول الله ﷺ: أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزّرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفى وفتر الوحى» (٨٦).
* ولنا فى هذا الحديث الجامع وقفات عدة:-
فالوقفة الأولى: عند توقيت أوّليّة الوحى وسرّ نوعيّته فى هذا البدء: فقد روى ابن سعد بإسناده أن نزول الملك على النبى ﷺ بغار حراء كان يوم الاثنين لسبع عشرة خلت
(٨٦) انظر الحديث بتخريجه فى (عمدة القارى) للإمام العينى ١/ ٥١ - ٥٣، ط/ الحلبى.
 
١ ‏/ ١٧
 
من رمضان، ورسول الله ﷺ يومئذ ابن أربعين سنة. ونقل الحافظ ابن حجر عن البيهقى أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر. وعلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول بعد إكماله أربعين سنة، وابتداء وحى اليقظة وقع فى رمضان (٨٧).
* أما عن حكمة بدء الوحى بالرؤيا الصادقة، فقد ذكر الإمام العينى أن النبى ﷺ ابتدأ بها لئلا يفجأه الملك، ويأتيه بصريح النبوة ولا تحتملها القوى البشرية، فبدأ بأول خصال النبوة وتباشير الكرامة من صدق الرؤيا مع سماع الصوت، وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، ورؤية الضوء، ثم أكمل الله له النبوة بإرسال الملك إليه فى اليقظة وكشف له عن الحقيقة كرامة له (٨٨).
* والوقفة الثانية: عند سر تحبيب الخلوة إليه ﷺ فى غار حراء خلال فترة الوحى المنامى وقبل ظهور الملك بالوحى الجلى، يقول العلماء: إن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له، ومن ثم: فهى معينة له ﷺ على التفكر والتأمل إذ بها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه، فإن البشر لا ينتقل عن طبعه إلا بالرياضة البليغة، ثم إن الخلوة مبعث الصفاء الروحى الذى تستقبل الروح به فيوضات الأنوار الإلهية. وإنما كانت الخلوة والتعبد بجبل حراء بالذات؛ لأنه كان يرى منه بيت ربه وهذه الرؤية عبادة! (٨٩)
* والوقفة الثالثة: عند حكمة غطّه ﷺ ثلاث مرات، فقد قيل: إنها التهيئة لتلقى الوحى القرآنى، ليظهر فى ذلك الشدة والاجتهاد فى الأمور، وإنما تكرر ثلاثا للمبالغة فى التثبت (٩٠).
* والوقفة الرابعة: للجواب عن تساؤل:
من أين علم رسول الله ﷺ أن الجائى إليه هو جبريل- ﵇؟ وبما عرف أنه حق لا باطل؟
فقد أجيب عن ذلك: بأن الحق- تعالى- قد أقام للنبى ﷺ دليلا يقينيا على أن الجائى إليه ملك لا شيطان، كما أقام المعجزة دليلا لنا على صدق الرسول ﷺ (٩١).
وأقول أيضا: إن الله تعالى أوجد فى قلب النبى ﷺ علما ضروريا بأنه ملك الوحى جبريل، وهذا العلم مستغنى عن الدليل.
* ثم الوقفة الخامسة: عند قول الملك له ﷺ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حيث استدل الجمهور على أن سورة (اقرأ) هى أول ما نزل من القرآن الكريم، وفيها دليل فقهى على وجوب استفتاح القراءة ببسم الله.
عند بعض العلماء كما قال السهيلى، وإن كان محل خلاف.
(٨٧) انظر المصدر السابق ١/ ٦٨، وانظر (فتح البارى) لابن حجر ١/ ٢٢ ط/ الهيئة المصرية.
(٨٨) انظر (عمدة القارى) للإمام العينى ١/ ٦٧.
(٨٩)،
(٩٠)،
(٩١) المصدر نفسه ١/ ٦٨ وفتح البارى ١/ ١٨.
 
١ ‏/ ١٨
 
* والوقفة السادسة: عند قول ورقة:
(هذا الناموس الذى نزّل الله على موسى) فإن الناموس فى اللغة: هو صاحب سر الخير وهو هنا جبريل ﵇، وقد سمى به لخصوصه بالوحى والغيب. وإنما خصص بالناموس الذى أنزله الله على موسى ﵇ دون غيره من الأنبياء مع أن لكل نبى ناموسا؛ لأنه أنزل عليه كتاب التوراة الذى هو أكبر كتب الأنبياء قبل القرآن، بخلاف سائر الأنبياء فإن منهم من نزل عليه صحف، ومنهم من نبئ بإخبار جبريل- ﵇.
* وأما الوقفة السابعة: فهى مع أول من آمن بالوحى المحمدى وبالرسول ﷺ؛ وعايشه مع أول شعاع الإسلام!
إنها السيدة خديجة- رضوان الله عليها- التى شهد حديث بدء الوحى بكمالها وجزالة رأيها وقوة نفسها، وعظم فقهها؛ حيث جمعت للرسول الأعظم ﷺ جميع أنواع أصول المكارم وأمهاتها فى وصفها له وهى تهدئ روعه.
وإنه الصدّيق الأعظم سيدنا أبو بكر ﵁ الذى جاء فى السيرة عن عمرو بن شرحبيل أنه دخل على السيدة خديجة إبان بدء الوحى القرآنى فذكرت له ما رآه النبى
ﷺ قالت له:
«يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة» - وذلك فى مرة أخرى غير التى ذهبت فيها معه إلى ورقة- وإنه للحبر الجليل ورقة الذى شهد للنبى ﷺ بالوحى وبالرسالة، وقال فيه النبى ﷺ فيما روى الحاكم فى «مستدركه» عن السيدة عائشة- رضى الله عنها-: «لا تسبوا ورقة فإنه كان له جنة أو جنتان».!! (٩٢)
ثم كانت (فترة الوحى) التى صرح بها حديث بدء الوحى فى نهايته، حيث قال النبى ﷺ: «ثم لم ينشب ورقة- أى لم يلبث- أن توفى وفتر الوحى». فما المقصود بفترة الوحى؟ وما مدتها؟ وما حكمتها؟.
* أما من حيث المعنى اللغوى: فالفترة مرة من الفتور، وفى مفردات الراغب: الفتور سكون بعد حدة، ولين بعد شدة، وضعف بعد قوة (٩٣).
وأما المقصود بفترة الوحى: فقد ذكر العلامة ابن حجر وغيره أنه ليس المراد بفترة الوحى عدم مجىء جبريل إليه؛ بل تأخر نزول القرآن فقط (٩٤).
* ومن ذلك يعلم: أن فترة الوحى القرآنى لا تعنى إطلاقا انقطاع اتصال النبى ﷺ بربه أو بملك الوحى جبريل ﵇، ولذلك لما تأخر الوحى عن الرسول ﷺ وفهم
(٩٢) انظر (عمدة القارى) للإمام العينى ١/ ١٧.
(٩٣) انظر (المفردات) للراغب الأصفهانى ص ٣٧٣ ط/ دار المعارف.
(٩٤) انظر (فتح البارى) لابن حجر ١/ ٢٢ ط الهيئة المصرية.
 
١ ‏/ ١٩
 
المشركون من ذلك أن الله ودّعه وقلاه أنزل الله تعالى قوله: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى، وذلك ردا على زعمهم الخاطئ، وثمة مرويات أخرى تعاضد ذلك فى سبب النزول، منها ما أخرجه الشيخان عن جندب أنه قال: «قالت امرأة من قريش للنبى ﷺ ما أرى شيطانك إلا قد ودعك، فنزل: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى» (٩٥).
* وأما عن مدة فترة الوحى: فقد قال الحافظ ابن حجر: (وقع فى تاريخ أحمد بن حنبل عن الشعبى: أن مدة فترة الوحى كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، ثم قال:
(وليس المراد بفترة الوحى المقدرة بثلاث سنين- وهى ما بين نزول (اقرأ) و(يا أيها المدثر) عدم مجىء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط) (٩٦).
ثم نقل عن السهيلى أنه قال: (جاء فى بعض الروايات المسندة أن مدة الفترة كانت سنتين ونصفا).
ثم عقب عليه بقوله: (وهذا الذى اعتمده السهيلى من الاحتجاج بمرسل الشعبى لا يثبت، وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس أن مدة الفترة المذكورة كانت أياما) (٩٧)، وهو يشير بهذا إلى رواية ابن سعد عن الإمام ابن عباس حيث قال: (......... مكث أياما بعد مجىء الوحى لا يرى جبريل) (٩٨).
ثم حسم الحافظ الأمر بقوله- عند شرح أحاديث سبب نزول سورة (والضحى):
(والحق أن الفترة المذكورة فى سبب نزول سورة (والضحى) - غير الفترة المذكورة فى ابتداء الوحى؛ فإن تلك دامت أياما، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثا) (٩٩).
* وأما عن حكمة فترة الوحى: فقد ذكر العلماء فيها وجوها عدة:
فمنها: ما ذكره الحافظ ابن حجر: (أن هذه الفترة كانت من مقدمات تأسيس أمر النبوة، ليتدرج فيه وليمرن عليه، وقد شق عليه فتوره حيث لم يكن خوطب عن الله بعد:
أنك رسوله ومبعوثه إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمرا بدئ به ثم لم يرد استمراره.
فحزن لذلك، حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه، فتح الله له من أمره بما فتح) (١٠٠).
ومنها: ما ذكره شيخ الإسلام العينى: من أن فتور الوحى مدة إنما كان كذلك ليذهب ما كان- ﵊ وجده من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود).
ومنها كذلك: دلالة قاطعة على أن هذا الوحى من عند الله- تعالى- وأن التنزيل
(٩٥) انظر (أسباب النزول) للواحدى، بتحقيق السيد صقر ص ٤٨٩، ط/ الأولى، و(مفاتيح الغيب) للفخر الرازى ٣٢/ ٢١٠، ط/ دار الفكر.
(٩٦)
(٩٧) انظر (فتح البارى) لابن حجر ١/ ٢٢ - ٢٣.
(٩٨) نفس المصدر ١٢/ ٣٠٣.
(٩٩) نفس المصدر ٨/ ٥٧٧.
(١٠٠) نفس المصدر ١٢/ ٣٠٣.
 
١ ‏/ ٢٠
 
القرآنى مصحوب بانمحاء الإرادة الشخصية للرسول ﷺ وانسلاخه من الطبيعة البشرية حتى ما بقى له- صلوات الله وسلامه عليه- اختيار فيما ينزل عليه أو ينقطع عنه، فقد يتتابع الوحى ويحمى حتى يكثر عليه، وقد يفتر عنه وهو أحوج ما يكون إليه، فهو وحى الله تعالى لا ريب فيه (١٠١).
وإننا لنلمس- فى دهشة- مدى حب النبى ﷺ للوحى التنزيلى، وشوقه إليه فى فترته، إلى ذلك الحد الذى صوره حديث السيدة عائشة إذ تقول- رضى الله عنها- فى تتمة الحديث المار فى بدء الوحى: «........ وفتر الوحى فترة حتى حزن النبى ﷺ فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد؛ إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك» (١٠٢).
وقد يقال هاهنا: كيف عزم النبى ﷺ على إلقاء نفسه من الجبل مع أن ذلك يوجب قتلها، والعزم عليه من الكبائر، والأنبياء جميعا ولا سيما حضرته ﷺ معصومون من جميع المعاصى قبل البعثة وبعدها؟؟
والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذا الخبر من بلاغات الزهرى كما جزم بذلك ابن حجر، وأنه لو صح لكان مجرد تصوير مجازى لشوق النبى ﷺ للوحى، وحزنه العميق على تأخره.

***** 
 
[كتاب الوحى]
ثم نتعرف على (كتّاب الوحى للنبى ﷺ:
فنجد من عناية الله بكتابه المجيد أن وجه الهمم ووفر الدواعى على تدوينه فى السطور، كما وجه عناية النبى ﷺ وأصحابه إلى حفظه واستظهاره فى
الصدور، فتحقق بالأمرين وعد الله- تعالى- بحفظه فى قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٠٣)، فقد تضافرت الصورتان، وعاضدت كل منهما الأخرى فى الصحة والتوثيق، حيث كان النبى ﷺ ينزل عليه القرآن شيئا فشيئا، وكان كلما نزل منه شىء بادر بتبليغه لأصحابه وحث على تعلمه وتعليمه، وكان يأمر كتّاب الوحى بكتابة كل شىء ينزل من القرآن عقب نزوله مباشرة، فتمت كتابة القرآن كله فى عهده ﷺ، وقد استنبط علماء التنزيل ما يدل على أن الكتابة من الصفات اللازمة للقرآن فى ذلك العهد من
(١٠١) انظر: (مباحث فى علوم القرآن) للدكتور صبحى الصالح ص ٣٥ - ٣٦، ط/ دار العلم للملايين سنة ١٩٩٦ م.
(١٠٢) انظر (فتح البارى بشرح صحيح البخارى) ١٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣، ط/ الهيئة المصرية.
(١٠٣) سورة الحجر: الآية ٩.
 
١ ‏/ ٢١
 
قوله تعالى: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (١٠٤).
كما سجلت السنة الصحيحة أمر النبى ﷺ بكتابة القرآن: فيما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث الإمام ابن عباس عن سيدنا عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: «كان رسول الله ﷺ مما يأتى عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا فى السورة التى يذكر فيها كذا» (١٠٥).
* هذا: وقد تعددت أقوال العلماء فى عدد كتّاب الوحى لسيدنا رسول الله ﷺ، فالعلامة الدكتور محمد عبد الله دراز يذكر أن العلماء الثقات قد ذكروا أن عدد كتاب الوحى قد بلغ تسعة وعشرين كاتبا (١٠٦).
وقام المستشرق (بلاشير) باستطلاع كتّاب الوحى فى عديد من المصادر العربية والغربية ومن تلك المصادر: ما ورد فى طبقات ابن سعد وما كتبه الطبرى والنووى والحلبى، وكذا شفالى وبهل وكازانوفا، واستطاع أن يبلغ بكتّاب الوحى إلى أربعين كاتبا (١٠٧).

[اقسام كتاب الوحى]
ولقد قسم العلماء وأصحاب السير كتاب الوحى إلى ثلاثة أقسام:

فالقسم الأول: كتّاب الوحى فى العهد المكى ومن أبرزهم:
١ - الصحابى الجليل شرحبيل بن حسنة السهمى أو الكندى المتوفى سنة ١٨ هـ وله سبع وستون سنة، وقد نص الحافظ الشامى فى سيرته على أنه أول من كتب لرسول الله ﷺ (١٠٨).
٢ - الصحابى الجليل خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ابن قصى المتوفى يوم موقعة أجنادين سنة ١٣ هـ كما ذكره الذهبى فى السير (١٠٩). وكان خامسا فى الإسلام وأول من كتب (بسم الله الرحمن الرحيم)، كما رواه الذهبى عن ابنته أم خالد (١١٠).
٣ - الصحابى الجليل أمير مصر عبد الله ابن سعد أبى السرح (ت ٣٦ هـ) وهو من السابقين الأوّلين- كما ذكر ابن العماد فى ترجمته- وقد نص الحافظ ابن حجر على أنه أول من كتب للنبى ﷺ بمكة من قريش، ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح وحسن إسلامه، وفتح الله على يديه شمال إفريقية وبعض بلاد السودان (١١١).
(١٠٤) سورة البينة: الآية ٢.
(١٠٥) انظر (فتح البارى بشرح صحيح البخارى) للحافظ ابن حجر ٩/ ١٨ - وانظر (البيان فى مباحث من علوم القرآن) للشيخ عبد الوهاب غزلان ص ١٦٠، ط/ دار التأليف.
(١٠٦) انظر (مدخل إلى القرآن الكريم) للدكتور محمد عبد الله دراز ص ١٣٤، ط/ دار القرآن الكريم بالكويت سنة ١٣٩١ هـ.
(١٠٧) انظر (مباحث فى علوم القرآن) للدكتور صبحى الصالح ص ٦٩، ط/ دار العلم للملايين (السادسة).
(١٠٨) انظر (سبل الهدى والرشاد فى سيرة خير العباد) للعلامة محمد بن يوسف الصالحى الشامى ١٢/ ٣٩٨.
(١٠٩)،
(١١٠) انظر (سير أعلام النبلاء) للذهبى ١/ ٢٦٠.
(١١١) انظر (فتح البارى) لابن حجر ٩/ ١٨، ط/ الهيئة المصرية، و(سبل الهدى والرشاد) للشامى ١٢/ ٤٠٢، ط/ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، و(شذرات الذهب) لابن العماد ١/ ٤٤، ط/ المكتب التجارى بلبنان.
 
١ ‏/ ٢٢
 
٤ - الصحابى الجليل حنظلة بن الربيع بن صيفى بن رباح الأسيدى. قال صاحب (أسد الغابة) فى ترجمته: (ويقال له حنظلة الأسيدى والكاتب؛ لأنه كان يكتب للنبى ﷺ، وهو ابن أخى أكثم بن صيفى) (١١٢)، وهو الذى أرسله النبى ﷺ إلى أهل الطائف قائلا لهم:
(أتريدون صلحا أم لا؟ فلما توجه إليهم قال رسول الله ﷺ: ائتموا بهذا وأشباهه!!)، ثم انتقل إلى قرقيسيا- وهى بلد على الفرات فمات بها (١١٣)، وقد رجح قدم إسلامه بمكة بناء على تلك القرائن بالإضافة إلى كونه ليس أنصاريا (١١٤).

والقسم الثانى: من كتب له ﷺ فى الجملة- 
على حد تعبير الحافظ ابن حجر- وترجح اشتراك كل منهم فى كتابة الوحى للنبى ﷺ بمكة:
وهم سادتنا الصحابة الأجلاء: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والأرقم بن أبى الأرقم، وحاطب بن عمرو، وعامر بن فهيرة، وأبو سلمة بن عبد الأسد، ومعيقيب الدوسى (١١٥) - رضى الله عنهم أجمعين.

وأما القسم الثالث: فهم كتّاب الوحى للنبى ﷺ فى العهد المدنى، 
ومن أبرزهم:
١ - سيدنا أبىّ بن كعب بن قيس الأنصارى النجارى ﵁ (ت سنة ٣٠ هـ) - وهو الملقب بسيد القراء، وقد نص الحافظ ابن حجر وغيره على أنه أول من كتب للنبى ﷺ بالمدينة، ونص أيضا على أنه كتب له قبل زيد بن ثابت (١١٦) - رضى الله تعالى عنهما.
٢ - سيدنا زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد الخزرجى النجارى الأنصارى ﵁ (ت ٤٥ هـ) عن ست وخمسين سنة كما حكاه الذهبى عن الواقدى (١١٧)، وذكر أيضا أنه لما هاجر النبى ﷺ إلى المدينة أسلم زيد وهو ابن إحدى عشرة سنة، فأمره النبى ﷺ أن يتعلم خط اليهود ليقرأ له كتبهم وقال: «فإنى لا آمنهم» (١١٨).
وروى الطبرانى بإسناد حسن إليه أنه قال:
«كان رسول الله ﷺ إذا نزل الوحى بعث إلىّ فكتبته» (١١٩).
كما روى البخارى بإسناده أن ابن السباق قال: «إن زيد بن ثابت قال: أرسل إلىّ أبو بكر ﵁ قال: إنك كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ فاتبع القرآن، فتتبعت القرآن حتى وجدت آخر سورة التوبة- آيتين- مع أبى خزيمة الأنصارى لم أجدهما مع غيره» (١٢٠)، ومن ثم كان هو الذى جمع القرآن فى صحف فى
عهد الصديق ﵁ كما ندبه سيدنا
(١١٢)،
(١١٣) أنظر (أسد الغابة) لابن الأثير ٢/ ٦٥، ط/ الشعب، و(فتح البارى) لابن حجر ٩/ ١٨.
(١١٤) انظر (وثاقة نقل النص القرآنى من رسول الله ﷺ إلى أمته) للأستاذ الدكتور محمد حسن جبل ص ١٦٢، ط/ التركى بطنطا.
(١١٥) انظر (فتح البارى) لابن حجر ٩/ ١٨. ط/ الهيئة المصرية.
(١١٦) نفس المصدر، وانظر (سير أعلام النبلاء) للذهبى ١/ ٣٨٩.
(١١٧) سير أعلام النبلاء ٢/ ٤٤١، ط/ الرسالة.
(١١٨) نفس المصدر ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩.
(١١٩) نفس المصدر ٢/ ٤٢٩.
(١٢٠) انظر (فتح البارى بشرح صحيح البخارى) ٩/ ١٨، ط/ الهيئة المصرية.
 
١ ‏/ ٢٣
 
عثمان ﵁ إلى كتابة المصحف العثمانى أيضا (١٢١).
هذا وقد حقق الأثبات أن سيدنا عثمان ابن عفان- رضى الله تعالى عنه- كان من أوثق مصادر التسجيل الفورى للوحى القرآنى ولا سيما فى العهد المدنى أيضا، حيث قالت السيدة عائشة- رضى الله عنها-: «كان عثمان قاعدا عند رسول الله ﷺ ورسول الله مسند ظهره إلىّ وجبريل يوحى إليه القرآن، وهو يقول: «اكتب يا عثيم».!! (١٢٢)
ثم هنالك ثلة من الصحابة الأجلاء الذين اشتركوا فى كتابة الوحى للنبى ﷺ بالمدينة المنورة، ومن أبرزهم السادة الأجلاء:
أبان بن سعيد بن العاص (ت سنة ١٣ هـ)، وبريدة بن الحصيب الأسلمى، وثابت بن قيس، ومعاوية بن أبى سفيان، وخالد بن الوليد، وحذيفة بن اليمان، وحويطب بن عبد العزى، وعبد الله بن الأرقم، وعبد الله بن رواحة، وسعيد بن سعيد بن العاص، وعبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول وغيرهم- رضى الله تعالى عنهم أجمعين- وبعض هؤلاء وصفتهم المصادر بالكتابة للنبى ﷺ دون تقييد بعهود أو رسائل، ولم يكونوا قديمى الإسلام بمكة المكرمة (١٢٣).
***** ونتوقف أخيرا عند نقطة: إثبات الوحى وإبطال دعوى منكريه بالاستدلال العقلى بعد أن قدمنا نصوص الإثبات نقلا من الكتاب والسنة، فنقول: قد أخبر بثبوت وقوع الوحى الصادق المعصوم سيدنا محمد ﷺ المؤيد بالمعجزة، وكل ما أخبر بوقوعه الصادق المعصوم فهو حق ثابت.
فإن المعجزة- وهى الأمر الخارق للعادة الخارج عن حدود الأسباب المعروفة يظهره الله على يد مدعى النبوة عند دعواه إياها شاهدا على صدقه- إنما هى بمثابة قول الله تعالى: (صدق عبدى فى كل ما يبلغه عنى، ومن ذلك أنه يوحى إليه منى)!!
ومن ثم: نستطيع أن نقرر بوثوق: أن الوحى القرآنى بإعجازه هو بنفسه دليل عقلى على مصداقيته، وذلك بما توافر له من براهين إعجازه بعد التحدى به وإعلان عجز الثقلين عن الإتيان بمثله، وصدق الله القائل فى كتابه المعجز: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا!! (١٢٤)
* ثم لقد قدم العلماء- لإثبات الوحى بالعلم التجريبى والفكر الفلسفى- دلائل
(١٢١) انظر (سير أعلام النبلاء) ٢/ ٤٤١.
(١٢٢) انظر (وثاقة نقل النص القرآنى) للأستاذ الدكتور محمد حسن جبل ص ١٦٦ والأثر فيه معزو إلى (الرياض النضرة) للمحب الطبرى ج ٢ ص ٨٢ - ص ١٥٢.
(١٢٣) المصدر السابق، والعزو فيه إلى (سبل الهدى والرشاد) للصالحى ١٢/ ٣٨٢ - ٤٤١.
(١٢٤) سورة الإسراء: الآية ٨٨.
 
١ ‏/ ٢٤
 
ساطعة على جوازه وإمكانه فى مواجهة من ينكرون أدلة الشرع.
ومنها التنويم المغناطيسى الذى كشفه الدكتور (مسمر) فى القرن الثامن عشر، واعترف به العلماء، وأثبتوا بواسطته أن للإنسان عقلا باطنا أرقى وأسمى من عقله المعتاد، وأنه فى حالة التنويم يرى ويسمع من بعد شاسع، ويقرأ من وراء حجب، ويخبر عما سيحدث مما لا يوجد فى عالم الحس علامة لحدوثه.
ثم إننا فى عصرنا الحديث وقد أصبح أمامنا التلفاز والراديو واللاسلكى وغير ذلك مما نشاهد ونتخاطب به عبر المسافات البعيدة، أنستبعد بعد ذلك على قدرة الله- تعالى- إعلام الله- تعالى- لخواص عباده بما شاء من وحيه؟؟
ثم كيف نذعن لقول كبار الفلاسفة كأفلاطون أن هناك عبقرية، وقد عرفها بأنها إلهية مولدة للإلهامات العلوية للبشر، ويقرر الفلاسفة أنها لا شأن للعقل فيها، ثم نستبعد على خلّاق القوى والقدر أن يمد بوحيه الإلهى من شاء من عباده؟ (١٢٥)
وهناك الكثير والكثير من الأدلة التى بسطها العلماء للاستدلال لصحة وقوع الوحى والجواب عن الشبهات الواردة عليه فى العديد من المصادر القرآنية؛ «كالنبإ العظيم» للدكتور محمد عبد الله دراز، و«الوحى المحمدى» للشيخ محمد رشيد رضا، و«مناهل العرفان» للعلامة الزرقانى وغيرها، فضلا عن أمهات التفاسير؛ للفخر الرازى والقرطبى والآلوسي وغير ذلك، والله تعالى أعلم.
أ. د./ جودة محمد أبو اليزيد المهدى هوامش موضوع الوحى
(١٢٥) انظر (النبأ العظيم) للدكتور محمد عبد الله دراز ص ٦٧، و(مناهل العرفان) للزرقانى ١/ ٦٦ - ٨٤.
 
١ ‏/ ٢٥
 
أسباب النزول
 
حقيقة سبب النزول (تعريف سبب النزول)
من خصائص نزول القرآن الكريم أنه لم ينزل جملة واحدة على رسول الله ﷺ ولكنه نزل مفرقا فى مدة الرسالة النبوية، سواء كان ذلك فى آياته أو سوره، وقد أشار القرآن الكريم إلى الحكمة من هذا التفريق فى النزول، وهى تتمثل فى تيسير قراءته وحفظه، وفهمه والعمل به، وذلك فى قول الله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا الإسراء/ ١٠٦.
كذلك فإن من خصائص نزول القرآن الكريم: أن منه ما نزل فى مواجهة الوقائع والأحداث والمناسبات ولكن ليس معناه أن نلتمس لكل آية فى القرآن سببا لنزولها، أو قصة تلابس هذا النزول، بل إن منه ما كان كذلك، ومنه ما نزل ابتداء من غير سبب، وقد نبه العلماء فى عبارة واضحة إلى هذا التقسيم، قال الإمام برهان الدين ابن عمر الجعبرى (ت سنة ٧٣٢ هـ): «نزل القرآن على قسمين: قسم نزل ابتداء، وقسم نزل عقب واقعة أو سؤال» (١).
وهذا القسم الأخير فى مقولة الجعبرى هو مدار البحث فى سبب النزول.
وبداية فإنه لا يتسنى بحث تفاصيل هذا الموضوع ما لم يتحدد مفهوم سبب النزول بطريقة واضحة، ومن ثمّ فإن أول ما ينبغى معالجته فى هذا الصدد هو: تعريف سبب النزول، فما هو؟
جماع ما قاله العلماء فى تعريفه أنه: «ما نزلت الآية أو الآيات فى شأنه أيام وقوعه:
بيانا لحكمه إذا كان حادثة أو نحوها، أو جوابا عنه إذا كان سؤالا موجها إلى النبى ﷺ» (٢).
وفى التعريف أمران يحتاج كل منهما إلى بيان:

الأمر الأول: معاصرة السبب لما نزل فى شأنه من الآيات:
وهو ما عبر عنه فى التعريف بأنه: «ما نزلت الآية أو الآيات فى شأنه أيام وقوعه».
فالحادثة التى تعتبر فى اصطلاح العلماء سببا لنزول آية أو آيات من القرآن هى تلك الحادثة التى تكون قد وقعت فى عهد النبى ﷺ
(١) ٤.
(٢) انظر فى ذلك: (الإتقان فى علوم القرآن): مصدر سابق (١/ ١٠١) و(منهج الفرقان فى علوم القرآن) للشيخ محمد على سلامة- مطبعة شبرا/ ١٩٣٧ م، ص: ٣٥ و(البيان فى مباحث من علوم القرآن) للشيخ عبد الوهاب غزلان مطبعة دار التأليف/ ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٥ م، ص: ٩١.
 
١ ‏/ ٢٩
 
سواء نزل القرآن عقب حدوثها مباشرة، أو تراخى عن ذلك الحدوث زمنا لحكمة، ما دام الحدث قد وقع فى عهد النبى ﷺ.
وعليه فإنه من التوسع الذى لا يتفق وهذا التحديد فى التعريف ما فعله بعض العلماء، أو ذهب إليه بعض المفسرين من اعتبار الحوادث الماضية، والوقائع الغابرة التى نزل بها القرآن، وساقها فى مجال العظة والعبرة من قبيل أسباب نزول ما جاء فى حكايتها وفى تفصيلها من الآيات، فما حدث بين الأنبياء السابقين وأقوامهم من اتّباع هؤلاء الأقوام لهم، أو صدّهم عن رسلهم، ومن تصديقهم أو تكذيبهم إياهم، وما تخلل ذلك من إيذاء للرسل، لا يعتبر شىء من ذلك سببا لما نزل بحكايته من آيات القرآن الكريم، بل إذا كان هناك من سبب للنزول فى أمثال هذه القصص فإنه بالقطع ليس تلك الأحداث فى ذاتها، وإنما ما سيقت لأجله من العظة والعبرة للمؤمنين من جهة، ولتهديد الكافرين من جهة أخرى، ولتثبيت قلب النبى ﷺ من جهة ثالثة، وكثيرا ما نرى هذه الأسباب مصرحا بها فى القرآن الكريم نفسه.
وذلك كما جاء فى قول الله تعالى عقب حديث عن المشركين من قريش فيه تعريض بهم، وتهديد لهم: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يوسف/ ١٠٩ - ١١١.
ومن هذا القبيل: ما جاء عقب حديث القرآن الكريم عن أطراف من قصص نوح وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، من قول الحق ﵎:
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ هود/ ١٢٠.
ومنه كذلك ما جاء تسلية لرسول الله ﷺ وهو قول الله سبحانه: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)
 
١ ‏/ ٣٠
 
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ الأنعام/ ٣٣، ٣٤.
فهذه الآيات- كما تقدم- تصرح بأسباب نزول هذه القصص التى تتعلق بالوقائع الماضية، وليست تلك الوقائع فى ذاتها سببا لنزول هذه الآيات، قال السيوطى ﵀
تعالى: «والذى يتحرر فى سبب النزول: أنه ما نزلت الآية أيام وقوعه، ليخرج ما ذكره الواحدى فى تفسيره فى سورة الفيل من أن سببها قصة قدوم الحبشة به، فإن ذلك ليس من أسباب النزول فى شىء، بل هو من باب الإخبار عن الوقائع الماضية كذكر قصة قوم نوح وعاد وثمود وبناء البيت ونحو ذلك، وكذلك فى قوله: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا النساء/ ١٢٥ - سبب اتخاذه خليلا، فليس ذلك من أسباب نزول القرآن كما لا يخفى» (٣).
كما أنه لا يعد من قبيل سبب النزول ما اشتملت عليه بعض آيات القرآن من الأمور المستقبلة كأحوال اليوم الآخر، وما يكون فيه من ثواب أو عقاب (٤) نحو ما جاء فى قول الله سبحانه: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا الفرقان/ ٢٥ - ٢٩.
من أجل هذا كان النص فى التعريف على معاصرة السبب لما نزل فى شأنه من الآيات، والذى عبر عنه بأنه: «ما نزلت الآية أو الآيات فى شأنه أيام وقوعه» قيدا يحترز به عن مثل هذه الآيات التى وردت فيما سبق.

الأمر الثانى: مجىء سبب النزول فى إحدى صورتين:
الصورة الأولى: مجيئه فى صورة حادثة تحدث فينزل القرآن ببيان الحكم، ومن هذا القبيل ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ الآية- الأحزاب/ ٥٣.
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: «بنى رسول
(٣) / ٦٢٢).
(٤) راجع: (البيان فى مباحث من علوم القرآن)، ص: ٩٢.
 
١ ‏/ ٣١
 
الله ﷺ بامرأة من نسائه- فى رواية البخارى: هى أم المؤمنين زينب بنت جحش رضى الله عنها- فأرسلنى فدعوت قوما إلى الطعام، فلما أكلوا وخرجوا قام رسول الله ﷺ منطلقا قبل بيت عائشة رضى الله عنها، فرأى رجلين جالسين فانصرف راجعا، وقام الرجلان فخرجا، فأنزل الله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ (٥) (الأحزاب/ ٥٣)». وفى الحديث قصة.
الصورة الثانية: مجىء السبب فى صورة سؤال يوجه إلى النبى ﷺ فى مسألة ما، فينزل القرآن بجواب هذا السؤال، ومن هذا القبيل ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ البقرة/ ٢٢٢.
فعن أنس ﵁: «أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن فى البيوت- أى ولم يخالطوهن ولم يساكنوهن فى بيت واحد- فسأل أصحاب النبىّ ﷺ النبىّ ﷺ فأنزل الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ: «اصنعوا كل شىء إلا النكاح». فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أنه قد وجد عليهما- أى غضب عليهما- فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبى ﷺ فأرسل فى آثارهما فسقاهما، فعرفنا أن لم يجد عليهما (٦)».
وهذه الصورة وما قبلها هى ما عبر عنها فى التعريف بأن الآيات تنزل: «بيانا لحكمه إذا كان حادثة أو نحوها، أو جوابا عنه إذا كان سؤالا موجها إلى النبى ﷺ».
(٥) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: التفسير، ب: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ حديث/ ٤٧٩١ والترمذى فى سننه: ك:
التفسير، ب: ومن سورة الأحزاب، حديث/ ٣٢١٩ واللفظ للترمذى، الذى قال عقب ذكره للحديث: هذا حديث حسن غريب من حديث بيان، وروى ثابت عن أنس هذا الحديث بطوله.
(٦) الحديث أخرجه مسلم فى صحيحه: ك: الحيض، ب: جواز غسل الحائض رأس زوجها، حديث/ ٣٠٢.
 
١ ‏/ ٣٢
 
أبرز المؤلفات فى سبب النزول
اهتم علماء المسلمين اهتماما بالغا بأسباب النزول، وبرغم أن موضوع هذا الفن يعتبر مبحثا من مباحث علوم القرآن، وقد عولج بالفعل فيما ألف فيها، إلا أنه لأهميته قد أفرده العلماء بالتصنيف، وألفوا فيه مؤلفات استقصت الآيات التى نزلت على سبب، وذكروا هذه الآيات معزوة إلى مصادرها، ولنفس الأهمية توفر العلماء على هذه المؤلفات يحققون مروياتها، ويميزون صحيحها من سقيمها.
فقد أفرده بالتصنيف جماعة من العلماء منهم:
١ - على بن المدينى (ت ٢٣٤ هـ) رحمه الله تعالى، ولكن كتابه غير موجود، بل أشار إليه السيوطى- رحمه الله تعالى- عند عده لأبرز المصنفات فى أسباب النزول.
٢ - أبو الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدى النيسابورى (ت ٤٦٨ هـ) رحمه الله تعالى، وكتابه (أسباب النزول) من أشهر ما صنف فى هذا الباب وهو مرجع مهم للعلماء ولطلاب العلم.
٣ - شيخ الإسلام أبو الفضل أحمد بن حجر بن على العسقلانى (ت ٨٥٢ هـ) رحمه الله تعالى، ألف كتابا فى أسباب النزول ولكنه مات عنه وهو مسودة لم يكتمل.
٤ - الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر بن محمد المعروف بالسيوطى (ت ٩١١ هـ) ألف فى أسباب النزول كتابا سماه: (لباب النقول فى أسباب النزول) وهو من
أشهر الكتب المسندة فى هذا الفن.
يقول السيوطى- ﵀ عن المصنفات فى أسباب النزول، وتطور الكتابة فيها: «أفرده بالتصنيف جماعة أقدمهم على بن المدينى شيخ البخارى، ومن أشهرها: كتاب الواحدى على ما فيه من إعواز، وقد اختصره الجعبرى، فحذف أسانيده ولم يزد عليه شيئا، وألف فيه شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر كتابا مات عنه مسودة فلم نقف عليه كاملا، وقد ألفت فيه كتابا حافلا موجزا محررا لم يؤلف مثله فى هذا النوع، سميته: (لباب النقول فى أسباب النزول» (٧).
وإضافة إلى ذلك فهناك من اهتم بأسباب
(٧) الإتقان فى علوم القرآن: (١/ ٩٢).
 
١ ‏/ ٣٣
 
النزول فيما كتب ولكن ليس على استقلال، وإنما جاء ذلك ضمن ما كتبوا فى علوم القرآن أو التفسير، ومن هؤلاء:
٥ - الإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشى (ت ٧٩٤ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (البرهان فى علوم القرآن) فقد عنون لأول مباحث هذا الكتاب ب: (معرفة أسباب النزول).
٦ - الإمام أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن على بن الجوزى (ت ٥٩٧ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (زاد المسير فى علم التفسير).
٧ - الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن فرح القرطبى (ت ٦٧١ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (الجامع لأحكام القرآن).
٨ - الإمام الحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن كثير (ت ٧٧٤ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه: (تفسير القرآن العظيم).
٩ - شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ) رحمه الله تعالى فى كتابه (روح المعانى) وغير هؤلاء كثير.
 
١ ‏/ ٣٤
 
طريق معرفة سبب النزول
معرفة سبب النزول من الأمور التى لا تقبل اجتهادا بحال من الأحوال، لأن ما ترتبط به هذه الأسباب من ملابسات ليس افتراضا عقليا يقوم على ضرب الأمثال، بل هى أحداث ووقائع حدثت بالفعل فى أوقات محدودة وفى ظروف معينة وملابسات معروفة، وفى مثل هذه الأحوال لا مجال للوقوف على معرفتها إلا بنقل واضح عمن عاصر هذه الأحداث، وشاهد تلك الملابسات.
ومن ثم فإن العلماء قد قرروا أن المرجع فى معرفة أسباب النزول يتحتم أن يكون عن طريق النقل الصحيح عن صحابة رسول الله ﷺ لأنهم هم الذين عاصروا الوحى، وعايشوا التنزيل، ووقفوا على الأحداث والوقائع التى أحاطت بما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب، كما أنهم سمعوا من الرسول الكريم ﷺ ما لم يسمعه غيرهم.
من أجل ذلك تعين أن ينفرد هؤلاء بكونهم المرجع فى معرفة أسباب النزول، وعليه فإنه لا مجال لعمل العقل فى هذا الأمر، اللهم إلا أن يكون فى إطار ما ورد من أسباب النزول، ونقل عن الصحابة وتعدد فى الحادثة الواحدة، فإن عمل العقل عندئذ يتمثل فى محاولة الترجيح بين الروايات، أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها.
ولأن معرفة أسباب النزول يترتب عليها فى مجال التشريع أمور هامة تعميما، أو تخصيصا، أو إثباتا، أو نفيا، فإن أصحاب رسول الله ﷺ قد احتاطوا لهذا الأمر أشد الحيطة، فلم يقولوا فى شىء مما قالوه برأى أو اجتهاد، ولكنهم قرروا أسباب النزول وأخبروا بها، مستندين إلى قرائن تحتف بقضايا هذه الأسباب وأحداثها. ومع هذا فإنهم ضاعفوا هذه الحيطة عند ما حددوا الألفاظ التى عبروا بها عما أخبروا من أسباب النزول تحديدا واضحا، فإذا كان الصحابى لا يقطع- بناء على ملابسات وقرائن تعيّن ما يخبر به- بأن سبب آية ما هو هذا الحدث بعينه، فإن تعبيره عن سبب النزول يتضح فيه ذلك، فنراه لا يجزم بما قال، بل يقول: أحسب أن هذه الآية نزلت فى كذا، ونحو ذلك.
مثال ذلك: ما أورده العلماء فى سبب النزول
 
١ ‏/ ٣٥
 
قول الله ﵎: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا النساء/ ٦٥.
فقد ورد فى الحديث عن الزبير بن العوام ﵁، أنه خاصم رجلا من الأنصار فى شراج الحرة (٨) كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصارى: سرّح الماء يمر عليه، فأبى عليه، فقال رسول الله ﷺ (٩): «اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك». فغضب الأنصارى وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك! فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر». فاستوفى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأى فيه سعة له وللأنصارى، فلما أحفظ رسول الله ﷺ الأنصارىّ استوفى للزبير حقه فى صريح الحكم، قال الزبير: لا أحسب هذه الآية إلا أنزلت فى ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (١٠).
ولقد توارثت أجيال العلماء هذا الاهتمام بأسباب النزول، فإذا كان الصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- قد احتاطوا للإخبار به هذه الحيطة، فإن العلماء قد احتاطوا أيضا فى التنبيه على أن النقل الصحيح عن هؤلاء الصحابة الأبرار هو المرجع الوحيد فى معرفة أسباب النزول، وحذروا من سلوك غير هذا السبيل فى طلبها.
قال الواحدى رحمه الله تعالى: «ولا يحل القول فى أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها وجدّوا فى الطّلاب- أى الطلب» ثم روى عن سعيد بن جبير ﵀ عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الحديث إلا ما علمتم، فإن من كذب
علىّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن كذب على القرآن من غير علم فليتبوأ مقعده من النار» (١١) ثم قال: «والسلف الماضون كانوا من أبعد الغاية احترازا عن القول فى نزول الآية .. وذكر عن محمد بن سيرين قوله: «سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال: اتق الله وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيما أنزل القرآن، وأما اليوم فكل أحد يخترع شيئا، ويخلق إفكا وكذبا، ملقيا زمامه إلى الجهالة، غير مفكر فى الوعيد للجاهل بسبب الآية» (١٢).
قال الشيخ مناع القطان رحمه الله تعالى بعد أن نقل قول الواحدى السابق معقبا:
«وإذا كان هذا قول ابن سيرين وهو من أعلام
(٨) / ٢٣٨) واللفظ هنا للنسائى.
(٩) أى: عند ما اختلف الزبير مع الأنصارى لهذا السبب، وذهبا إلى النبى ﷺ يختصمان كما صرحت بعض الروايات فعند الترمذى: (فأبى عليه، فاختصموا عند رسول الله ﷺ فقال للزبير: اسق يا زبير ...).
(١٠) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: التفسير، ب: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ حديث/ ٤٥٨٥، ومسلم فى صحيحه: ك: الفضائل، ب: وجوب اتباعه ﷺ حديث/ ٢٣٥٧ والترمذى فى سننه: ك الأحكام، ب: ما جاء فى الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر فى الماء، حديث/ ١٣٦٣ والنسائى فى سننه: ك: آداب القضاة، ب: الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان:
(١١) هذا الحديث أخرجه الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنهما، عن رسول الله ﷺ بلفظ: (اتقوا الحديث عنى إلا ما علمتم، فمن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، ومن قال فى القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار) سنن الترمذى: ك: تفسير القرآن، ب: ما جاء فى الذى يفسر القرآن برأيه، حديث/ ٢٩٥١.
(١٢) أسباب النزول: لأبى الحسن على بن أحمد الواحدى، طبع عالم الكتب بيروت: ص ٣، ٤.
 
١ ‏/ ٣٦
 
علماء التابعين تحريا للرواية، ودقة فى الفصل، فإنه يدل على وجوب الوقوف عند أسباب النزول الصحيحة، ولهذا فإن المعتمد من ذلك فيما روى من أقوال الصحابة ما كانت صيغته جارية مجرى المسند، بحيث تكون هذه الصيغة جازمة بأنها سبب النزول» (١٣).
أما قول التابعى فإنه إذا كان صريحا فى سبب النزول، فقد قرر السيوطى رحمه الله تعالى أنه إذا صح سنده يقبل ويكون من قبيل المرفوع أيضا مثل قول الصحابى، لكنه مرسل، خاصة إذا كان القائل من أئمة التفسير الآخذين عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم: كمجاهد بن جبر المفسر رحمه الله تعالى (ت ١٠٤ هـ)، وأبى عبد الله عكرمة المدنى مولى ابن عباس رضى الله عنهما وأحد أوعية العلم رحمه الله تعالى (ت ١٠٥ هـ)، وأبو عبد الله سعيد بن هشام الأسدي رحمه الله تعالى (ت ٩٥ هـ)، أو اعتضد بمرسل آخر (١٤) إن لم يكن من هؤلاء الأئمة الأعلام.
(١٣) مباحث فى علوم القرآن: للشيخ مناع القطان، مؤسسة الرسالة، الطبعة الرابعة ١٣٩٦ هـ، ص: ٧٦، ٧٧.
(١٤) راجع: الإتقان فى علوم القرآن: (١/ ١٠١).
 
١ ‏/ ٣٧
 
ا لصيغ التى يرد بها سبب النزول
أهمية بحث هذه المسألة مبعثها أن صيغة سبب النزول هى التى يتوقف عليها كيفية الجمع أو الترجيح بين الروايات المختلفة عند تعدد أسباب النزول للآية أو الآيات، كما سيأتى بحثه فيما بعد.
ولقد قرر العلماء انطلاقا من تتبع أسباب النزول فى القرآن الكريم أن العبارات الدالة على أسباب النزول تأتى على وجهين، لأنها إما أن تكون صريحة فى كون الحادثة أو نحوها سببا فى نزول الآية، فعندئذ تكون تلك الصيغة نصا فى السببية لا يقبل التأويل أو الاحتمال، وإما أن تكون العبارة غير صريحة فى السببية فتكون عندئذ محتملة، فيجوز أن تكون تعبيرا عن السبب، كما يصلح أن تكون تعبيرا عن تفسير الآيات، وبيان معناها وما تضمنته من أحكام، وفيما يلى بيان كل من الصيغتين فى التعبير عن سبب النزول:

الصيغة الأولى:
هى التى يقول الصحابى مثلا: سبب نزول هذه الآية كذا. فهذه العبارة صيغة صريحة فى السببية، وكذلك إذا أتى بفاء التعقيب، وقرنها بعبارة الإنزال بعد ذكر حادثة أو سؤال، كأن يقول: حدث كذا وكذا، فأنزل الله تعالى آية كذا، أو فنزلت آية كذا، أو يقول:
سئل رسول الله ﷺ عن كذا فنزلت آية كذا، فهذه الصيغة كذلك صريحة فى السببية، لأن قائلها أوضح فيها أن نزول الآية أو الآيات ترتب على وقوع تلك الحادثة، أو توجيه هذا السؤال، ومعنى ذلك أن سبب النزول هو هذه الحادثة، أو ذلك السؤال.
مثال قول الصحابى: «حدث كذا فنزلت آية كذا». ما ثبت فى الصحيح (١٥) عن مسروق قال: سمعت خباب بن الأرت يقول: جئت العاص بن وائل السهمى أتقاضاه حقا لى عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا، حتى تموت ثم تبعث، قال: إنى لميت ثم مبعوث؟ فقلت: نعم، فقال: إن لى هناك مالا وولدا فنزلت: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا مريم/ ٧٧.
وأما قول الصحابى: «سئل رسول الله ﷺ عن كذا فأنزل الله آية كذا» فمثاله ما جاء
(١٥) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: التفسير، ب: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا حديث/ ٤٧٣٢، والترمذى فى سننه: ك: التفسير، ب: ومن سورة مريم حديث/ ٣١٦٢ واللفظ للترمذى.
 
١ ‏/ ٣٨
 
عن أنس بن مالك ﵁: «أن اليهود كانت إذا حاضت منهم امرأة أخرجوها من البيت، ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوهن فى البيوت، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فأنزل الله ﷾: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ إلى آخر الآية، فقال رسول الله ﷺ: «جامعوهن فى البيوت، واصنعوا كل شىء غير النكاح» (١٦).
وفى مقابل هذه الدلالة الصريحة على سببية النزول هناك من العبارات ما هو صريح فى التفسير، لا يحتمل السببية بوجه، كأن يقول الصحابى مثلا: المراد من هذه الآية كذا، أو تدل هذه الآية على كذا، أو يؤخذ منها كذا.
فهذه العبارات وأمثالها غير صريحة فى السببية.
مثال ذلك، ما أورده ابن كثير رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضى الله عنهما فى تفسير قول الله تعالى: وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ السجدة/ ٢١.
قال: «قال ابن عباس: يعنى بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وآفاتها وأسقامها، وما يحل بأهلها مما يبتلى الله به عباده ليتوبوا إليه .. وفى رواية عنه: يعنى إقامة الحدود عليهم» (١٧).

الصيغة الثانية:
هى التى تكون العبارة فيها محتملة، فتصلح لأن يراد بها سبب النزول، كما تصلح أن يراد بها التفسير، كأن يقول الصحابى ﵁: «نزلت هذه الآية فى كذا» لكن لا ينبغى أن يفهم احتمال هذه العبارة للأمرين معا دفعة واحدة فى الموضع الواحد، بل المراد أنها إما أن يراد بها سبب النزول، أو يراد بها التفسير، فتارة يراد منها السبب، وتارة يراد منها بيان ما تشتمل عليه الآية، وعندئذ يتوقف فهم المراد منها على دليل أو قرينة توضح هذا المراد.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قولهم:
نزلت هذه الآية فى كذا. يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل فى الآية وإن لم يكن السبب، كما تقول: عنى بهذه الآية كذا، وقد تنازع العلماء فى قول الصحابى:
نزلت هذه الآية فى كذا، هل يجرى مجرى المسند، كما لو ذكر السبب الذى أنزلت من أجله، أو يجرى مجرى التفسير منه الذى ليس بمسند؟ فالبخارى ﵀ يدخله فى المسند، وغيره لا يدخله فى المسند، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببا نزلت عقبه فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا فى المسند» (١٨).
(١٦) الحديث أخرجه مسلم فى صحيحه: ك: الحيض، ب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وطهارة سؤرها، والاتكاء فى حجرها، وقراءة القرآن فيه، حديث/ ٣٠٢ وأبو داود فى سننه: ك: النكاح، ب: إتيان الحائض ومباشرتها حديث/ ٢١٦٥ لأبى داود.
(١٧) تفسير القرآن العظيم: لأبى الفداء إسماعيل بن كثير، دار المعرفة- بيروت- ١٤٠٣ هـ: (٣/ ٤٦٢).
(١٨) مقدمة التفسير: ضمن (الفتاوى الكبرى) لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) طبع: ١٤٠٤ هـ بإشراف الرئاسة العامة لشئون الحرمين الشريفين بالسعودية: (١٣/ ٣٣٩).
 
١ ‏/ ٣٩
 
ونعود إلى بيان القرينة التى تحدد المراد، فإذا ذكر الصحابى فى عبارته بعد حرف الجر (فى) شخصا أو حادثة، أو ما يماثل ذلك، كأن يقول: نزلت هذه الآية فى فلان، أو فى قوم مثلا، أو فى حادثة، كان المقصود بها ذكر سبب النزول. أما إذا ذكر بعد حرف الجر معنى تشتمل عليه الآية، أو حكما شرعيا مأخوذا منها، فالمقصود بعبارته التفسير فى هذه الحالة.
مثال ذلك، قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ المائدة/ ١٠١.
فإنه إذا قيل: هذه الآية نزلت فى رجل (١٩) قال: يا رسول الله، من أبى؟ فقال: أبوك فلان. كان ذلك بيانا لسبب نزولها، وإذا قيل:
هذه الآية نزلت فى النهى عن كثرة مسائلتهم لرسول الله ﷺ لأن السؤال عما لا يعنى ولا تدعو إليه الحاجة قد يكون سببا فى عنت السائل والمشقة عليه، كان ذلك تفسيرا لها وبيانا لما تشتمل عليه.
والظاهر غلبة استعمال هذه العبارة فى المعنى الثانى المراد به التفسير، ومن أجل ذلك يقول بدر الدين الزركشى رحمه الله تعالى:
«وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية فى كذا، فإنه يريد أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب فى نزولها» (٢٠).
وقد سبق ذكر ما قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى عن حكم هذا التفسير من جهة اعتباره مسندا أو غير مسند.
(١٩) إشارة إلى ما أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: التفسير باب: لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ حديث/ ٤٦٢٢ ومسلم فى صحيحه: ك: الفضل، ب: توقيره ﷺ حديث/ ٢٣٦٠ والترمذى فى سننه: ك: التفسير ب: ومن سورة المائدة حديث/ ٣٠٥٦ عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه قال: قال رجل: يا رسول الله من أبى؟ قال: أبوك فلان، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ والرجل السائل فى هذه المناسبة صرحت به رواية مسلم، وهو: عبد الله بن حذافة السهمى القرشى، وتوفى بمصر فى خلافة عثمان رضى الله تعالى عنه.
(٢٠) البرهان فى علوم القرآن: لبدر الدين الزركشى، تقديم وتعليق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية ببيروت، ط أولى: ١٤٠٨ - ١٩٨٨ (١/ ٥٦).
 
١ ‏/ ٤٠
 
تنوع أسباب النزول
تنقسم أسباب النزول من حيث ما نزل القرآن فى شأنه إلى قسمين:
الأول: أسباب عامة على مستوى السور.
الثانى: أسباب خاصة على مستوى الآيات.
وفيما يلى بيان المقصود بكل قسم مع ذكر أمثلة توضح المراد منه:
أما القسم الأول: وهو المتعلق بالأسباب العامة: فالمراد به الأسباب أو الحوادث التى نزلت فيها سور بتمامها (٢١) وذلك موجود فى القرآن الكريم فى أكثر من سورة، ولما كان المجال ليس مجال حصر لهذه السور فسوف نكتفى بذكر أمثله لهذا النوع مما صح النقل فيه تبين المراد منه، وهى كما يلى:
١ - سورة الأنفال: فقد ذكر العلماء أن هذه السورة نزلت فى شأن غزوة بدر الكبرى، التى حدثت فى شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة.
قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى (ت ١٥١ هـ) عقب ذكره لأحداث تلك الغزوة، وذكر من شهدها من المسلمين والكفار: «فلما انقضى أمر بدر أنزل الله فيه من القرآن الأنفال بأسرها» (٢٢).
وأخرج البخارى رحمه الله تعالى عن سعيد بن جبير ﵀ قلت لابن عباس رضى الله عنهما: «سورة الأنفال (٢٣)؟ قال:
نزلت فى بدر» (٢٤).
٢ - سورة الفتح: أورد العلماء أنها نزلت فى شأن الحديبية.
فعن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: «أنزلت سورة الفتح بين مكة والمدينة فى شأن الحديبية من أولها إلى آخرها» (٢٥).
٣ - سورة الحشر: ذكر المفسرون أنها نزلت فى بنى النضير.
فعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال:
«... قلت لابن عباس رضى الله عنهما: ...
سورة الحشر؟ قال: نزلت فى بنى النضير» (٢٦).
وأما القسم الثانى: وهو المتعلق بالأسباب الخاصة، فالمراد به الأسباب أو الحوادث التى نزلت فيها آية أو جملة من الآيات، وهذا هو
(٢١) لا نعنى بقولنا: (نزلت فيها سورة بتمامها) أن السورة نزلت فى هذا الحدث، أو لهذا السبب كلها آية آية، بل المراد: أن السورة فى مجملها نزلت فى هذا الموضوع، أو ذلك الحدث، ولا يعكر على ذلك أن تتطرق بعض آياتها إلى قضايا أخرى يقتضيها السياق القرآنى.
(٢٢) السيرة النبوية: لأبى عبد الملك بن هشام، مكتبة النهضة ١٩٧٤ م: (٢/ ٢٢٤).
(٢٣) جاء ذلك فى سياق حديث سأله فيه عن سورة التوبة، والمراد بقوله: (سورة الأنفال) أى: فى أى شىء نزلت؟
(٢٤) صحيح البخارى: ك: التفسير، ب: سورة الحشر، حديث/ ٤٨٨٢.
(٢٥) أخرجه الحاكم فى المستدرك: ك: التفسير ب: تفسير سورة الفتح: (٢/ ٤٥٩) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبى على صحته فى التلخيص.
(٢٦) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: التفسير، ب: سورة الحشر، حديث/ ٤٨٨٢.
 
١ ‏/ ٤١
 
الأعم الأغلب فى أسباب النزول، وفيما يلى أمثلة لهذا النوع:
١ - ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا الأحزاب/ ٢٣.
فقد أخرج مسلم- رحمه الله تعالى- عن ثابت قال: «قال أنس: عمّى الذى سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدرا، قال: فشق عليه، قال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غيبت عنه، وإن أرانى الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرانى الله ما أصنع. قال:
فهاب أن يقول غيرها، قال: فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال: فاستقبل سعد ابن معاذ، فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟
فقال: واها لريح الجنة أجده دون أحد. قال:
فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد فى جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية قال: فقالت أخته عمتى الرّبيع بنت النضر:
فما عرفت أخى إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية:
رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفى أصحابه» (٢٧).
٢ - ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحشر/ ٩.
فقد أخرج البخارى- ﵀ عن أبى هريرة ﵁: «أن رجلا أتى النبى ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ: من يضم- أو يضيف- هذا؟
فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمى ضيف رسول الله ﷺ فقالت: ما عندنا إلا قوت صبيانى، فقال:
هيئى طعامك، وأصبحى سراجك، ونومى صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: ضحك الله الليلة- أو عجب- من فعالكما، فأنزل الله: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٨).
(٢٧) الحديث أخرجه مسلم فى صحيحه: ك: الإمارة، ب: ثبوت الجنة للشهيد، حديث/ ١٩٠٣.
(٢٨) صحيح البخارى: ك: مناقب الأنصار، ب: قول الله ﷿: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ حديث/ ٣٧٩٨.
 
١ ‏/ ٤٢
 
فوائد معرفة أسباب النزول
قد عرفنا فيما سبق ما هو سبب النزول، وما الذى يرجع إليه فى معرفته، وما صيغته التى يرد بها، وقد آن لنا أن نعرف ما هى الثمرة المرجوة، والفائدة المأمولة من وراء هذا البحث.
الحق أن البحث فى سبب النزول وفوائد معرفته بحث مهم، ولهذا نرى أن علماء الأمة قد أولوه عنايتهم كما سبقت الإشارة إليه فى كلام السيوطى- رحمه الله تعالى- فى بيان من أفرد هذا الموضوع بالبحث، كما نرى واحدا من أعلام هؤلاء العلماء، وهو بدر الدين الزركشى- رحمه الله تعالى- قد بدأ مصنفه القيم فى علوم القرآن الذى يعتبر عمدة فى هذا الفن، وهو كتاب (البرهان فى علوم القرآن) (٢٩) ببحث هذا الموضوع، فجعل النوع الأول مما بحثه فى كتابه من موضوعات: (معرفة أسباب النزول).
وإنه لمخطئ من يظن أنه ليس من وراء البحث فى أسباب النزول من فائدة؛ إذ يبنى ظنه على أن هذا الموضوع من قبيل ما يجرى مجرى التاريخ الذى مرت أحداثه، وانتهت ملابساته، وعليه فإن معرفة سبب النزول لا تزيد عن كونها نوعا من الاطلاع والعلم المجرد بما وقع من أحداث، وكان سببا فى نزول بعض الآيات.
ولا شك أن هذا الظن خاطئ، بل لمعرفة أسباب النزول فى القرآن الكريم فوائد جليلة، منها ما يلى:
أولا: بيان الحكمة الباعثة على تشريع كثير من الأحكام، ومن ثم إدراك أن روح التشريع الإسلامى وجوهره يقوم على مراعاة هذا التشريع الحكيم لمصالح العباد فى معالجة ما يعرض لهم من أحداث ووقائع، وأن مراعاة هذه المصالح أمر ينطلق من رحمة الله ﵎ بعباده، ورأفته بهم، وتيسيره عليهم.
ولقد تجلت هذه الحكمة واضحة فيما ورد فى حادثة سبب نزول آية التيمم من جهة، وفى النص عليها فى نفس الآية من جهة أخرى، وهذه الآية هى قول الله ﷿:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
(٢٩) يعتبر (البرهان) أول كتاب جامع يوضع فى هذا الفن، يقول مؤلفه: (ولما كانت علوم القرآن لا تنحصر ومعانيه لا تنقضى، وجبت العناية بالقدر الممكن، ومما فات المتقدمين وضع كتاب يشتمل على أنواع علومه، كما وضع الناس ذلك بالنسبة لعلم الحديث، فاستخرت الله تعالى- وله الحمد- فى وضع كتاب فى ذلك، جامع لما تكلم
الناس فى فنونه، وخاضوا فى نكته وعيونه) البرهان فى علوم القرآن: (١/ ٣٠).
وعلى هذا الكتاب بنى السيوطى سفره المشهور: (الإتقان فى علوم القرآن) قال رحمه الله تعالى بعد أن استعرض خطبة كتاب الزركشى، وكذلك موضوعات هذا الكتاب: (ولما وقفت على هذا الكتاب ازددت به سرورا، وحمدت الله كثيرا وقوى العزم على ما أضمرته، وشددت الحزم فى إنشاء التصنيف الذى قصدته، فوضعت هذا الكتاب، العلى الشأن، الجلى البرهان، الكثير الفوائد والإتقان، ورتبت أنواعه ترتيبا أحسن من ترتيب البرهان .. إلى أن يقول: وسميته الإتقان فى علوم القرآن) الإتقان: (١/ ١٦).
 
١ ‏/ ٤٣
 
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ المائدة/ ٦.
فعن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة- رضى الله عنها- زوج النبى ﷺ قالت: «خرجنا مع رسول الله ﷺ فى بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لى، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبى بكر الصديق ﵁ فقالوا: أترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر ﵁ ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذى قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء، وليس معهم ماء! قالت عائشة- رضى الله عنها-: فعاتبنى أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول وجعل يطعننى بيده فى خاصرتى، ولا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول الله ﷺ على
فخذى، فقام رسول الله ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل الله آية التيمم، فقال أسيد بن حضير ﵁: ما هى بأول بركتكم يا آل أبى بكر قالت: فبعثنا البعير الذى كنت عليه فإذا العقد تحته» (٣٠).
والمقصود بآية التيمم هنا: هى آية المائدة التى مر ذكرها قبل قليل، لأنه قد ورد فى نفس الباب عند البخارى رواية من طريق ابن وهب: عن عمرو عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه فى نفس القصة جاء فى نهايتها قول أم المؤمنين- رضى الله عنها-: «ثم إن النبى ﷺ استيقظ وحضرت الصبح- أى صلاة الصبح- فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية فقال أسيد بن حضير: لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبى بكر، ما أنتم إلا بركة لهم».
وقد أشكل على العلماء المقصود بآية التيمم فى قول أم المؤمنين عائشة- رضى الله عنها- وقد ساق ابن حجر- رحمه الله تعالى- هذا الإشكال من خلال مقولات العلماء فى المقصود بالآية، ثم حقق أنها آية المائدة، قال رحمه الله تعالى: «قال ابن العربى: هى معضلة ما وجدت لدائها من دواء، لأنا لا نعلم أى الآيتين عنت عائشة- رضى الله عنها- قال ابن بطال: هى آية النساء (٣١) أو آية المائدة. وقال القرطبى: هى آية النساء، ووجهه بأن آية المائدة تسمى آية الوضوء،
(٣٠) صحيح البخارى: ك: التفسير، ب: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا حديث/ ٤٦٠٧.
(٣١) وهى قول الله ﵎: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا النساء/ ٤٣.
 
١ ‏/ ٤٤
 
وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء، فيتجه تخصيصها بآية التيمم. وأورد الواحدى فى (أسباب النزول) (٣٢) هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا، وخفى على الجميع ما ظهر للبخارى من أن المراد بها آية المائدة بغير تردد، لرواية عمرو بن الحارث، إذ صرح فيها بقوله: فنزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية» (٣٣).
ثانيا: تخصيص الحكم- فيما نزل بصيغة العموم- بصورة السبب التى نزل فيها- أى بالحادثة التى كان وقوعها سببا فى نزول الحكم- وذلك عند من يرى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
ومعنى هذا الكلام: أن النص العام الوارد على سبب خاص لا يبقى على عمومه بعد نزوله على سببه الخاص، بل يكون مقصورا على حالة هذا السبب، بمعنى أن استفادة الحكم فى هذا السبب بذاته مما نزل تكون بطريق النص، فإذا عمل بهذا الحكم فى حادثة أو حوادث تشابه حادثة صورة السبب كان استفادة الحكم فى هذه الحوادث المشابهة بطريق القياس لا بطريق النص، ولكن هذا التخصيص مسألة خلافية سوف نعرض لها بالتفصيل عند بحث مسألة عموم اللفظ وخصوص السبب.
ثالثا: إذا كان اللفظ النازل فى سبب ما عاما، وقام الدليل على تخصيصه، فإن معرفة سبب النزول تجعل التخصيص الوارد قاصرا على ما عدا الحادثة التى كانت صورة السبب، ذلك لأن صورة حادثة السبب لا يجوز إخراجها بالاجتهاد قياسا على صورة أخرى لا يجرى فيها الحكم الوارد فى ذلك النص، ذلك أن دخول الحادثة التى هى صورة السبب فى اللفظ العام قطعى، فلا يجوز إخراجها بالاجتهاد وهو ظنى.
مثال ذلك: ما ذكره المفسرون فى سبب نزول قول الله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ النور/ ٢٣.
فقد أوردوا عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى، وابن عباس رضى الله عنهما: أن هذه الآية نزلت فى رماة عائشة رضى الله عنها خاصة، أو فيها وسائر أزواج النبى ﷺ عامة (٣٤) وهو وعيد لهؤلاء الرماة، عام فى عذابهم فى الدنيا والآخرة، مما يفيد عدم قبول توبتهم، ولكن هذا العموم قد خصص بقبول توبة من يقذف غيرهن من المؤمنات إذا تاب بدليل قول الله تعالى:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا
(٣٢) أسباب النزول: ص ١١٣.
(٣٣) فتح البارى: للحافظ ابن حجر العسقلانى: دار المعرفة- بيروت، بدون تاريخ: (١/ ٤٣٤).
(٣٤) راجع تفسير القرطبى: طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٧ (١٢/ ٢٠٩)، وفتح القدير: للشوكانى: دار الوفاء، الطبعة الأولى: ١٤١٥ هـ ١٩٩٤ م (٤/ ١٩).
 
١ ‏/ ٤٥
 
بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ النور/ ٤، ٥.
فهذه الآية مخصّصة لعموم الآية السابقة، ولكن لا ينبغى أن يقاس فى هذا التخصيص قبول توبة من يقذف عائشة رضى الله عنها أو إحدى أمهات المؤمنين على قبول توبة قاذف غيرهن، لأن قذف أزواج النبى ﷺ هو صورة السبب التى نزل عليها الحكم فى قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ الآية، وعليه فيمتنع أن تخرج صورة السبب من النص العام النازل عليها بالتخصيص الوارد فى الآية الثانية، بل يقتصر هذا التخصيص على ما عدا صورة السبب، فلا يكون لقاذف أزواج النبى ﷺ توبة.
قال السيوطى رحمه الله تعالى: «إن اللفظ قد يكون عاما ويقوم الدليل على تخصيصه، فإذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته، فإن دخول صورة السبب قطعى، وإخراجها بالاجتهاد ممنوع، كما حكى الإجماع عليه القاضى أبو بكر فى التقريب، ولا التفات إلى من شذ فجوّز ذلك» (٣٥).
لكن الآية التى معنا قد تخرّج على اعتبار أن الوعيد الوارد فيها إنما هو لمن أصرّ على القذف ولم يتب، وأن ذلك يكون فى حق القاذف المصرّ عموما سواء كان قذفه لأزواج النبى ﷺ أو لغيرهن.
كما يمكن تخريجها على اعتبار أن الوعيد الوارد فيها خاص بمن قذف عائشة رضى الله عنها، أو احدى أمهات المؤمنين رضى الله عنهن جميعا، بعد نزول ما نزل فى شأن عائشة رضى الله عنها من القرآن.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «وقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبّها- يعنى بذلك عائشة رضى الله عنها- بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذى ذكر فى هذه الآية فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن وفى بقية أمهات المؤمنين قولان، أصحهما:
أنهن كهى، والله أعلم» (٣٦).
رابعا: من أهم فوائد معرفة أسباب النزول، بل من دواعى هذه المعرفة والحاجة إليها: أنها تعين فى كثير من المواطن على فهم معنى الآيات، وإزالة ما قد يبدو فيها من إشكال، وبدون معرفة سبب النزول يمكن أن يخطئ المفسر فى فهم معنى الآية فيحمله على غير المراد، وقد لا يعرفه على الإطلاق، وفى هذا من الخطورة ما فيه، لأن الجهل فى هذا الصدد يفتح الباب على مصراعيه أمام
(٣٥) الإتقان: (١/ ٩٢، ٩٣).
(٣٦) تفسير القرآن العظيم: دار المعرفة- بيروت ١٤٠٣ هـ ١٩٨٣ م (٣/ ٢٧٦).
 
١ ‏/ ٤٦
 
الفتاوى الخاطئة، ويلبس على المؤمنين أمر دينهم، ولهذا نبه العلماء على أهمية معرفة سبب النزول من هذه الحيثية.
فقد أشار الواحدى- رحمه الله تعالى- إلى امتناع معرفة تفسير الآية، ومعرفة ما تعنيه، دون الوقوف على قصتها والعلم بسبب النزول (٣٧).
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى:
«بيان سبب النزول طريق قوى فى فهم معانى القرآن» (٣٨).
وقال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-:
«معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب» (٣٩).
وهناك أمثلة كثيرة من أسباب النزول توضح كيفية إزالة الإشكال فى فهم كثير من آيات القرآن الكريم، التى لم يكن يتأتى فهم معناها بدون معرفة هذه الأسباب.
ومن بين الآيات التى يتضح فيها ذلك ما يلي:
١ - قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ البقرة/ ١٥٨.
فإن ظاهر هذه الآية لم ينص على فرضية السعى بين الصفا والمروة، مما يفهم منه أن السعى بينهما مباح، من شاء فعله، ومن شاء تركه ولا حرج عليه، لأن رفع الجناح يفيد الإباحة لا الإلزام، وهذا الفهم قد تبادر إلى عروة بن الزبير بن العوام (ت ٩٤ هـ) رحمه الله تعالى، وصرّح به لخالته أم المؤمنين الصديقة عائشة- رضى الله عنها-، فلما سمعت منه ذلك بينت له ما تفيده الآية الكريمة على الوجه الصحيح، وكان ذلك ببيان سبب نزولها. وقد أوردت الصحاح قصة طويلة فى بيان ذلك نوردها بتمامها لما فيها من الفائدة.
فعن ابن شهاب الزهرى رحمه الله تعالى:
قال عروة: «سألت عائشة رضى الله عنها، فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما فو الله ما على أحد جناح ألّا يطّوف بالصفا والمروة؟
قالت: بئس ما قلت يا ابن أختى، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت: لا جناح عليه ألّا يتطوف بهما، ولكنها أنزلت فى الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية، التى كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلّ يتحرج أن يطّوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطّوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، قالت عائشة رضى الله
(٣٧) راجع أسباب النزول: ص ٣.
(٣٨) انظر الإتقان: (١/ ٩٣).
(٣٩) مقدمة التفسير: (ضمن مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية: (١٣/ ٣٣٩).
 
١ ‏/ ٤٧
 
عنها: وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا لعلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس- إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهلّ بمناة- كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة فى القرآن قالوا: يا رسول الله، كنّا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطّوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله تعالى:
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت فى الفريقين كليهما: فى الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا فى الجاهلية بالصفا والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما فى الإسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعد ما ذكر الطواف بالبيت» (٤٠).
٢ - قول الله سبحانه: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الآية، الطلاق/ ٤.
فقد أشكل معنى هذا الشرط (إن ارتبتم) على البعض، حتى قال الظاهرية (٤١) بأن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب (٤٢) وسبب ذلك أنهم فهموا أن الشرط مرتبط بالحيض، فحسبوا أن المعنى: إن ارتبتم فى حيضهن.
ولكن ما ورد فى سبب نزول هذه الآية يزيل هذا الإشكال، لأنه يجعل الارتياب فى حكم عدة الآيسة وليس فى حيضها.
فقد أخرج الحاكم (٤٣) وصححه عن أبىّ ابن كعب ﵁ قال: «لما نزلت الآية التى فى سورة البقرة فى عدد من عدد النساء، قالوا:
قد بقى من عدد النساء لم يذكرن، الصغار والكبار، ولا من انقطعت عنهن الحيض، وذوات الأحمال، فأنزل الله ﷿:
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ».
٣ - قول الله ﷿: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ آل عمران/ ١٨٨.
فقد أشكل أمر هذه الآية على مروان بن الحكم، فأرسل إلى عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما، فأجابه فيها ببيان سبب النزول، الذى أزال الإشكال واللبس.
(٤٠) هذا الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: الحج، ب: وجوب الصفا والمروة، وجعل من شعائر الله حديث/ ١٦٤٣ ومسلم فى صحيحه:
ك: الحج، ب: بيان أن السعى بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به حديث/ ١٢٧٧.
(٤١) الظاهرية: هم أصحاب المذهب الظاهرى الذى أسسه داود بن على الأصبهانى ﵀ (ت ٢٧٠ هـ) الذى عرف بالظاهرى لانتحاله القول بظاهر الشريعة، فالمذهب الظاهرى يقرر أن المصدر الفقهى هو النصوص، فلا رأى فى حكم من أحكام الشرع، وقد نفى المعتنقون لهذا المذهب الرأى بكل أنواعه، فلم يأخذوا بالقياس ولا بالاستحسان، ولا بالمصالح المرسلة ولا الذرائع، بل يأخذون بالنصوص وحدها، وإذا لم يكن النص أخذوا بحكم الاستصحاب، الذى هو الإباحة الأصلية الثابتة بقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا البقرة/ ٢٩، ومن فرسان هذا المذهب كذلك: على بن أحمد بن سعيد بن حزم (ت ٤٥٦ هـ) رحمه الله تعالى، راجع فى ذلك: (تاريخ المذاهب الإسلامية) للإمام محمد أبى زهرة، طبع: دار الفكر العربى، بدون تاريخ: ص ٥٤٤.
(٤٢) الإتقان: (١/ ٩٤).
(٤٣) فى المستدرك: (دار الباز للنشر والتوزيع- بدون تاريخ) ك: التفسير، ب: تفسير سورة الطلاق (٢/ ٤٩٢) وأقره الذهبى على تصحيحه فى التلخيص.
 
١ ‏/ ٤٨
 
فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁: أن مروان ابن الحكم قال: «اذهب يا رافع- لبوّابه- إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتى- فى رواية مسلم: فرح بما أتى- وأحب أن يحمد بما لم يفعل لنعذبن أجمعون، قال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما أنزلت هذه فى أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ وتلا:
لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا ثم قال ابن عباس: سألهم النبى ﷺ عن شىء فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنهم أخبروه بما قد سألهم عنه فاستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه» (٤٤).
٤ - قول الله ﵎: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ البقرة/ ١٨٩.
فإن هذه الآية يصعب التوصل إلى المقصود فيها من قول الله تعالى: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها إلا بمعرفة سبب نزولها، أو فى أى شىء نزلت.
وبالفعل فإنه قد ورد سبب يوضح المعنى المراد، أخرج البخارى (٤٥) عن أبى إسحاق السبيعى قال: سمعت البراء ﵁ يقول: نزلت هذه الآية فينا، كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها (٤٦) فجاء رجل من الأنصار، فدخل من قبل بابه، فكأنه عيّر بذلك فنزلت:
وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها.
خامسا: ومن الفوائد المترتبة على معرفة سبب النزول: ما ذكره الزركشى من دفع توهم الحصر المتبادر من بعض الآيات، وقد فصل ذلك بقوله: (قال الشافعى ما معناه فى معنى قوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ- الآية ١٤٥ من سورة الأنعام: إن الكفار لما حرموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرم الله، وكانوا على المضادة
(٤٤) الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: التفسير، باب: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا حديث/ ٤٥٦٨ ومسلم فى صحيحه: ك:
صفات المنافقين، حديث/ ٢٧٧٨ والترمذى فى سننه: ك: تفسير القرآن ب: ومن سورة آل عمران حديث/ ٣٠١٤ واللفظ للترمذى، ولا ينبغى أن يفهم من كلام ابن عباس رضى الله عنهما تخصيص الوعيد الوارد فى الآية بفعل اليهود، فليس هذا التخصيص من مقصودها، بل هى عامة فى كل من فعل فعل اليهود من ارتكاب الشر وإيهام فعل الخير، وطلب الحمد عليه، والفرح بكل هذه الآثام.
(٤٥) فى صحيحه: ك: العمرة، ب: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها حديث/ ١٨٠٣.
(٤٦) وذلك حتى لا يحول بينهم وبين السماء حائل من سقف أو نحوه، كما ذكر ابن حجر عن الزهرى فى شرح الحديث، انظر كتاب فتح البارى:
 
١ ‏/ ٤٩
 
والمحادة، جاءت الآية مناقضة لغرضهم، فكأنه قال: لا حلال إلا ما حرمتموه، ولا حرام إلا ما أحللتموه، نازلا منزلة من يقول:
لا تأكل اليوم حلاوة، فتقول لا آكل اليوم إلا الحلاوة، والغرض المضادة، لا النفى والإثبات على الحقيقة، فكأنه قال: لا حرام إلا ما حللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، ولم يقصد حل ما وراءه، إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل.
قال إمام الحرمين: و«هذا فى غاية الحسن، ولولا سبق الشافعى إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك فى حصر المحرمات فيما ذكر فى الآية» أ. هـ. ما قاله الزركشى (٤٧).
قلت: وهذا يتوقف على ورود سبب صحيح فى نزول الآية، يقضى بأن الكفار أحلوا ما حرمته تلك الآية فجاءت الآية ردا عليهم، ولكن الزركشى لم يورد مثل هذا السبب صريحا، كما أن السيوطى فى نقله ذلك عنه لم يصرح بهذا السبب كذلك، بل نقل عبارة الزركشى بنصها كما ذكرها صاحبها فى البرهان.
(٤٧) البرهان فى علوم القرآن: (١/ ٤٦، ٤٧).
 
١ ‏/ ٥٠
 
عموم اللفظ وخصوص السبب
عنى بتحقيق هذه المسألة كثير من العلماء، ومن أشدهم عناية بذلك الأصوليون والمفسرون، أما الأولون فلأن بحثهم فى مجالهم يقوم على الاستدلال بألفاظ القرآن الكريم على الأحكام الشرعية، وأما الآخرون فلأن البحث فى ذلك يساعدهم على فهم المعنى المراد من الآيات القرآنية.
واستقراء ما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب فى ضوء مطابقة ألفاظ النازل لأفراد السبب من حيث التعميم أو التخصيص ينكشف عن أربع صور عقلية، لأن اللفظ النازل إما عام وإما خاص، والسبب الذى نزل عليه اللفظ إما عام وإما خاص كذلك، فتنتج هذه الصور التى نذكرها فيما يلى:
أولا: قد يكون سبب النزول عاما، واللفظ الذى نزل عاما كذلك، ولا إشكال فى هذه الصورة، لأن الحكم الوارد فى الآية عام، وهو ثابت لكل أفراد السبب العام بطريق النص، وهذا محل اتفاق بين العلماء نظرا للتطابق بين اللفظ والسبب.
مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله ﵎: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة/ ٢٢٠.
فعن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال:
«لما أنزل الله ﷿: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ- الإسراء/ ٣٤ - وإِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا الآية- النساء/ ١٠ - انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿:
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم» (٤٨).
ثانيا: قد يكون سبب النزول خاصا واللفظ الذى نزل فى شأنه خاصا كذلك، وهذا مثل سابقه لا إشكال فيه كذلك، لأن الحكم الخاص الوارد فى الآية ثابت للفرد الخاص الذى نزل فى شأنه، وذلك للتطبيق
(٤٨) هذا الحديث أخرجه أبو داود فى سننه: ك: الوصايا، ب: مخالطة اليتيم، حديث/ ٢٨٧١.
 
١ ‏/ ٥١
 
بينهما فى جهة الخصوص ولا خلاف بين العلماء فى ذلك.
مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ إلى آخر سورة المسد.
فقد أخرج البخارى (٤٩) عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ صعد النبى ﷺ الصفا، فجعل ينادى: يا بنى فهر، يا بنى عدى- لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقىّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ.
ثالثا: قد يكون السبب عاما واللفظ خاصا: «وتلك صورة فرضية غير واقعة فى القرآن، لأنها تتنافى وبلاغته، لعدم وفاء اللفظ للسبب، إذ السبب بمنزلة السؤال، واللفظ المنزل بمنزلة الجواب، وقصور الجواب عن مطلوب السؤال مخل بالبلاغة» (٥٠).
رابعا: قد يكون سبب النزول خاصا، واللفظ الذى نزل فى شأنه عاما، وهذه الصورة هى موضع خلاف العلماء، وقد تكررت هذه الصورة فى القرآن الكريم فى أكثر من سورة.
واختلاف العلماء فى شأن هذه الصورة يدور حول ما يعتبر عندهم، ويعتد به من الأمرين:
هل تكون العبرة بعموم اللفظ؟ وعندئذ يكون اللفظ العام باقيا على عمومه، فيتناول أفراد السبب الخاص وكل ما يكون مشابها له من أفراد غيره، أو تكون العبرة بخصوص السبب؟ فلا يكون اللفظ باقيا على عمومه بل يكون مقصورا على أفراد السبب الخاص، ولا يدخل ما سوى ذلك فى الحكم إلا بدليل آخر غير النص.
ولنذكر أولا مثالا تتضح فيه صورة هذا الخلاف، ثم نذكر ما قاله العلماء فى هذا الصدد مقرونا بالأدلة، ثم نبين أى القولين أولى بالاعتبار.
ففي الصحيح: عن ابن عباس- رضى الله عنهما: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبى ﷺ بشريك بن السحماء، فقال رسول الله
(٤٩) فى صحيحه: ك: التفسير، ب: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ حديث/ ٤٧٧٠.
(٥٠) انظر: اللآلئ الحسان فى علوم القرآن: أ. د./ موسى شاهين، مطبعة دار التأليف ١٣٨٨ هـ ص: ١٦٥.
 
١ ‏/ ٥٢
 
ﷺ: «البينة وإلا حدّ فى ظهرك». قال:
فقال هلال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا رجلا على امرأته، أيلتمس البينة؟ فجعل رسول الله ﷺ يقول: «البينة وإلا فحد فى ظهرك» قال: فقال هلال: والذى بعثك بالحق إنى لصادق، ولينزلن الله فى أمرى ما يبرئ ظهرى من الحد، فنزل: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فقرأ حتى بلغ: وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ النور/ من الآية: ٦ - ٩ قال: فانصرف النبى ﷺ فأرسل إليهما فجاءا، فقام هلال بن أمية فشهد، والنبى ﷺ يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالوا لها: إنها موجبة فقال ابن عباس: فتلكأت ونكست حتى ظننا أنها سترجع، فقالت: لا أفضح قومى سائر اليوم، فقال النبى ﷺ: «أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين (٥١) سابغ الأليتين (٥٢) خدلج الساقين (٥٣) فهو لشريك بن السحماء». فجاءت به كذلك، فقال النبى ﷺ:
«لولا ما مضى من كتاب الله ﷿ لكان لنا ولها شأن» (٥٤).
فالحديث كما هو واضح يصرح بأن سبب النزول هنا خاص، وهو قذف هلال بن أمية زوجته بشريك بن السحماء، والآيات المذكورة نزلت بحكم اللعان بلفظ عام، لأنها مبدوءة بقول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، واسم الموصول من صيغ العموم وموضوع خلاف العلماء هنا هو:
هل لفظ الآية العام يتناول بنصه كل قاذف لزوجته من غير شهود يشهدون معه؟ ولا حاجة مع هذا النص إلى أدلة أخرى من اجتهاد أو قياس فى تعميم هذا الحكم على غير هلال بن أمية، أى أن العبرة بعموم اللفظ فى الآيات، لا بخصوص السبب النازلة عليه، أو أن لفظ الآيات العام قاصر فى حكمه على سببه الخاص، وهو قذف هلال بن أمية امرأته، وأما من عداه ممن يفعل فعله فلا ينطبق عليه الحكم من خلال لفظ الآيات، وإنما ينطبق عليه بدليل آخر هو القياس، والعبرة عندئذ تكون بخصوص السبب لا بعموم اللفظ؟ رأيان للعلماء: ذهب إلى الأول منهما جمهور العلماء، وذهب إلى الثانى فريق منهم.
وقبل أن نستعرض أدلة كل فريق ينبغى التأكيد على أن الجميع متفقون على تعميم أحكام الآيات التى نزلت بألفاظ العموم، وإن كان سببها خاصا، ما دامت قد خلت عن قرينة تمنع من هذا التعميم، بمعنى أن اللفظ العام
(٥١) أكحل العينين: هو الذى يعلو جفن عينيه سواد مثل الكحل.
(٥٢) سابغ الأليتين: الأليتين تثنية الألية بفتح الهمزة، وسكون اللام هى: العجيزة أو ما ركب من شحم أو لحم: أى تام الأليتين وعظيمهما.
(٥٣) خدلج الساقين: بخاء ودال مهملة ولام مشددة مفتوحة: أى عظيم الساقين.
(٥٤) هذا الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: التفسير، ب: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ حديث/ ٤٧٤٧ وأبو داود فى سننه: ك: الطلاق، باب فى اللعان، حديث/ ٢٢٥٤ والترمذى فى سننه: ك: التفسير، ب: ومن سورة النور، حديث/ ٣١٧٩ واللفظ هنا للترمذى.
 
١ ‏/ ٥٣
 
الذى نزل بحكم ما على سبب خاص لا خلاف فى تعميم حكمه على كل الحالات التى يتناولها، من أفراد السبب وغيرها، لكن الخلاف فى كيفية استفادة الحكم بالنسبة لأفراد غير السبب (٥٥): فالجمهور يرى أن استفادة الحكم فيها بطريق النص كما فى أفراد السبب، أما غيرهم فيرون أن الحكم فى صورة غير السبب يكون بطريق القياس وليس بالنص، بمعنى أنهم لا يقولون بامتناع ثبوت الحكم فى غير صورة السبب مما هو من نوعه بل يقولون بتعديته إليه بطريق القياس، أما أدلتهم فهى كما يلى:

أولا: أدلة الجمهور:
(أ) أن المعوّل فى الاحتجاج على لفظ الشارع وحده- أى النص القرآنى- لا على السؤال أو السبب الذى نزلت الآيات فى شأنه؛ لهذا نرى أن اللفظ القرآنى فى بعض الأحوال قد يعدل بالجواب عن سنن السؤال وذلك لحكمة وفائدة فى مجال التوجيه والتربية، كأن يرد السؤال عن شىء بذاته، فيوجه الجواب السائل إلى شىء آخر هو أولى بالاهتمام وهو الذى كان من المفروض أن تتحرّى معرفته، وذلك كما فى قول الله سبحانه: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ البقرة/ ٢١٥.
فالسؤال فى الآية قد توخى معرفة ما ينبغى أن ينفق، والجواب توخى الإعلام بالجهات التى ينبغى أن توجه إليها النفقة لأنه أنسب فى هذا الموضع.
(ب) أن اللفظ القرآنى عام فيجب بقاؤه على عمومه، لأن الأصل فى الألفاظ حملها على معانيها الأصلية المتبادرة، ولا يجوز صرف اللفظ عن معناه الذى وضع له إلا لقرينة تمنع بقاءه على هذا الأصل، وكون اللفظ القرآنى قد نزل على سبب خاص، فذلك ليس قرينة على التخصيص، لأنه لا مانع أن يكون السبب الخاص وسيلة لبيان حكمه، وحكم كل ما هو على شاكلته، بل إن العدول- فى ذاته- عن ربط الحكم بالخاص إلى ربطه بالعام دليل على قصد العموم.
(ج) أن الصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- ومن بعدهم قد تمسكوا- فيما نزل على أسباب خاصة- بما أفادته ألفاظ القرآن النازل من العموم، واحتجوا بذلك على وقائع لم تكن أسبابا لنزول الآيات، بل شابهتها، وذلك من غير حاجة إلى دليل آخر كالقياس ونحوه.
فنراهم قد استدلوا على حكم الظهار، وما
(٥٥) لأن الجميع متفقون على أن استفادة الحكم بالنسبة لأفراد السبب بطريق النص.
 
١ ‏/ ٥٤
 
ينبغى أن يفعله من يظاهر من زوجته- عند العود- من الإتيان بالكفارة: من تحرير الرقبة، أو الصيام، أو الإطعام، وأن ذلك لكل مظاهر. أقول: استدلوا على ذلك بعموم ما ورد فى قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ المجادلة/ ٣، ٤. مع أن السبب فى نزول هذه الآيات هو فعل أوس بن الصامت ﵁، لما ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة كما سيأتى بيانه فى موضع قادم إن شاء الله تعالى.
والصحابة- رضوان الله تعالى عليهم- من العرب الخلّص، الذين يعرفون بسليقتهم ما تفيده الألفاظ العربية، ولو كان ورود العام على سبب خاص يستلزم قصره عليه- فيما عهدوه من لغتهم- لما ذهبوا إلى هذا التعميم ولوقفوا عند مقتضى التخصيص، ولكن ذلك لم ينقل عنهم.
بل أصرح من هذا: أنه قد ورد عنهم ما ينص على هذا التعميم، قال ابن جرير الطبرى رحمه الله تعالى: «حدثنى محمد بن أبى معشر، قال: أخبرنى أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدا المقبرى يذاكر محمد بن كعب، فقال: إن فى بعض الكتب: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، لبسوا منسوك الضأن من اللين، يشترون الدنيا بالدين، قال الله ﵎:
أعلى يجترئون، وبى يغترون؟ وعزتى لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا فى كتاب الله جل ثناؤه، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال:
قول الله ﷿: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ البقرة/ ٢٠٤، ٢٠٥ فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل فى الرجل ثم تكون عامة بعد» (٥٦).
وشبيه بذلك ما صرح فيه عقب نزول بعض الآيات باعتبار عموم لفظه، على الرغم من خصوص سببه كما جاء فى الحديث التالى:
عن ابن مسعود ﵁: أن رجلا أصاب من امرأة قبلة حرام، فأتى النبى ﷺ فسأله عن كفارتها فنزلت: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ
(٥٦) جامع البيان عن تأويل آى القرآن: لمحمد بن جرير الطبرى: دار الفكر بيروت، ١٤٠٨ هـ ١٩٨٨، (٢/ ٣٢٣).
 
١ ‏/ ٥٥
 
وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ- سورة هود/ ١١٤ فقال الرجل:
ألى هذه يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ:
«لك ولمن عمل بها من أمتى». وفى بعض الروايات: فقال أصحابه: يا رسول الله، ألهذا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال: «بل للناس عامة» (٥٧).

ثانيا: أدلة المخالفين:
أما المخالفون: فليس لهم أدلة سوى بعض المحاذير التى يرون أنها تترتب على القول بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهى محاذير يمكن الرد عليها جميعا، ومن بين هذه المحاذير:
(أ) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ: ألا يكون هناك فائدة لأسباب النزول، أو لبيانها على الرغم من اجتهاد العلماء فى نقل هذه الأسباب، واهتمام علماء التفسير بها، ولا تظهر الفائدة من ذلك إلا بالقول بأن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
ويمكن الرد على ذلك: بأن لمعرفة أسباب النزول كثيرا من الفوائد الهامة غير هذه الفائدة التى أوردها هؤلاء مثل معرفة حكمة التشريع، وإزالة ما قد يكون فى الآيات من إشكال، وغير ذلك مما عالجناه فى موضع آخر.
(ب) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ:
أنه يحنث من قال: والله لا آكل، جوابا لمن قال: كل فاكهة. إذا حدث وأكل خبزا، لأن قوله: لا آكل. يعم كل أكل، مع أن الفقهاء على أنه لا يحنث، فثبت أن العبرة بخصوص السبب، لا بعموم اللفظ.
والرد على ذلك: أن التخصيص فى هذا المثال إنما جاء من العرف، الذى يقضى بأن الحالف فى مثل هذه الحالة لا يقصد نفى الأكل مطلقا، وإنما يقصد نفى أكل الفاكهة، فالتخصيص جاء من قرينة قضت به، لا من خصوص السبب، ولا نزاع فى ذلك، إنما النزاع عند عدم القرينة.
(ج) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ:
أن لا يكون لربط نزول الآية بسببها فائدة، لأن هذا الربط دليل على أن العبرة بخصوص السبب، ولولا ذلك كانت الآيات تنزل إما قبل حدوث هذه الأسباب، أو بعدها بوقت طويل، حتى ينفك هذا الارتباط، فدل ذلك التعاقب على أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
والرد على ذلك: أن هذا التعاقب بين السبب والآيات النازلة فى شأنه يؤدى إلى تثبيت الحكم الشرعى وإظهار حكمة التشريع، وتوضيح المراد من الآيات عند ما يشكل
(٥٧) هذا الحديث أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: التفسير، ب: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ حديث/ ٤٦٨٧ ومسلم فى صحيحه: ك: التوبة، باب قوله: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ حديث/ ٢٧٦٣ والترمذى فى سننه: ك: التفسير، ب: ومن سورة هود، حديث/ ٣١١٤ واللفظ للترمذى الذى قال: هذا حديث حسن صحيح.
 
١ ‏/ ٥٦
 
معناها، وليس المراد منه قصر الحكم على سببه الخاص.
(د) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ:
جواز إخراج صورة السبب من اللفظ العام إذا ورد ما يخصصه لأنه حينئذ كأى فرد من أفراده، وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز إخراج صورة السبب من العام فى هذه الحالة فدل ذلك على أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ.
ويجاب عن ذلك: بأن عدم جواز إخراج صورة السبب بما ورد من التخصيص إنما هو لمزية فى صورة السبب ليست فى سائر الأفراد، وهى مع ذلك تدخل دخولا أوليا، وقد عولج ذلك بالتفصيل فى بيان فوائد معرفة أسباب النزول.
(هـ) أنه يترتب على القول بعموم اللفظ:
عدم مطابقة اللفظ العام الذى هو بمنزلة الجواب للسبب الذى هو بمنزلة السؤال، لأن السبب خاص واللفظ عام، فلا تطابق بينهما، مع أن التطابق فى مثل ذلك ضرورى، انطلاقا من قواعد البلاغة، وإذا لم يتحقق هذا التطابق يكون مخلا ببلاغة القرآن، وهو عندئذ نقص يتنزه عنه القرآن الكريم.
والجواب على ذلك: أن التطابق المنشود يتحقق فى حالة عموم اللفظ، لأنه يتضمن بيان حكم السبب الخاص، وهذا قدر متيقن، ويزيد عليه بيان حكم ما يشابهه، ولا يخل بأعلى مراتب البلاغة أن يكون اللفظ العام جوابا شاملا للسبب ولغيره، بل إن هذه مزية، لأنها فائدة زائدة ترفع من شأن الكلام، وتزيد من قيمته.
وحيث زالت هذه المحاذير بما لا تكلف فيه: فإنه لا يبقى لهؤلاء دليل على رأيهم، وتبقى أدلة الجمهور سالمة ناطقة بصواب ما ذهبوا إليه، وهو أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وإذا كان لهذا الخلاف من ثمرة: فإن الثمرة تنحصر فى تحديد مأخذ الحكم فى غير صورة السبب الخاص وهى- كما قدمنا- مندرجة تحت الحكم قطعا، ولكن جماهير العلماء يرون مأخذ الحكم فيها بطريق النص نفسه بينما يرى البعض مأخذه بطريق القياس، فالحكم فى غير صورة السبب قائم فى كلتا الحالتين على دليل شرعى (٥٨).
(٥٨) راجع فى أدلة الفريقين: الإتقان: (١/ ٩٦، ٩٧) والبيان فى مباحث من علوم القرآن: ص ١١٥ - ١٢٠ واللآلئ الحسان فى علوم القرآن: ص ١٦٦ - ١٦٩.
 
١ ‏/ ٥٧
 
تعدد الروايات فى سبب النزول
كثيرا ما يجد المفسر نفسه- فيما يتعلق بمعانى الآيات، أو بملابسات نزولها- فى مواجهة روايات بأسباب متعددة لنزول الآية الواحدة، وسبيله عندئذ أن ينظر فى الصيغ التى وردت بها تلك الروايات والقرائن التى تصاحبها، وهذه الصيغ أو تلك القرائن هى التى تحدد إمكان الجمع أو الترجيح بين هذه الروايات المتعددة، وقد تتبع العلماء أوجه هذا التعدد فوجدوها تأتى على النحو التالى:
(أ) أن تكون الصيغ الواردة ليست نصا فى سبب النزول: بأن يقول بعضهم: (نزلت هذه الآية فى كذا) ويذكر شيئا من مضمونها، ويقول الآخر: (نزلت هذه الآية فى كذا) ويذكر شيئا آخر مما يحتمله مضمون الآية.
فهاتان الصيغتان تقبلان معا على أنهما للتفسير والبيان، وليس لبيان سبب النزول، وذلك ما لم تقم قرينة على صيغة منهما تعينها سببا لنزول الآية، فلو قامت هذه القرينة تعينت تلك الصيغة سببا للنزول دون غيرها.
مثال ذلك: قول الله ﵎:
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة البقرة/ ٢٧٤.
فقد ورد فيها بيان لكل من ابن عباس رضى الله عنهما، وقتادة بن دعامة السدوسى (ت ١١٧ هـ) رحمه الله تعالى، فلو تأملنا فيها قول ابن عباس رضى الله عنهما: إنها فى الذين يعلفون الخيل فى سبيل الله تعالى.
وكذلك قول قتادة: إنها فيمن أنفقوا فى سبيل الله الذى افترض عليهم فى غير سرف ولا إملاق ولا تبذير (٥٩)؛ لكان كل من القولين صحيحا، لأن الآية تتضمن هذا وذاك، ولا منافاة بينهما.
ومن هذا القبيل: ما يمكن أن يقال عند تدبر قول الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ آل عمران/ ١٦٩، ١٧٠.
(٥٩) فتح القدير للشوكانى: (/ ٣٧٠).
 
١ ‏/ ٥٨
 
فلو قال قائل: إن هذه الآية نزلت فى بيان منزلة الشهداء عند الله تعالى، وأنها من أعلى المنازل فى الجنة اعتبارا بما فى أول الآيات، وقال آخر: نزلت هذه الآيات فى الترغيب فى الجهاد لنيل الشهادة اعتبارا بما فى آخرها.
لكان كل من القولين صحيحا، لأن الآيات تتضمن هذا وذاك، ولا تعارض بينهما.
(ب) أن تكون إحدى الصيغتين نصا فى سبب النزول: بمعنى أن يكون فيها ما يدل على ذلك مثل فاء التعقيب، وتكون الأخرى ليست نصا فى السببية، بل جاءت بعبارة:
نزلت الآية فى كذا، فإن الصيغة الأولى عندئذ تعتمد سببا لنزول الآية، أما الثانية فتحمل على أنها نوع من التفسير أو الاستنباط من الآية حسب فهم من سيقت عنه.
مثال ذلك: قول الله ﵎:
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ البقرة/ ١٩٧.
فقد أخرج البخارى رحمه الله تعالى (٦٠) عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون:
نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى».
كما ورد فى الآية كذلك أنها: فى الأمر بأخذ الزاد عند السفر، والإخبار والإعلام بأن خير ما يتزود به هو تقوى الله تعالى، حكاه الإمام عبد الرحمن بن الجوزى (ت ٥٩٧ هـ) عن أبى إسحاق الزجاج (ت ٣١١) رحمه الله تعالى (٦١).
فحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما يعتبر سببا فى نزول الآية لصراحة عبارته فى ذلك، وأما قول الزجاج فإنه يحمل على تفسير الآية.
(ج) أن يأتى فى الآية روايتان: وتكون كل منهما نصا فى سبب نزولها، ولكن إحداهما إسنادها صحيح دون الأخرى، فالمعتمد عندئذ فى سبب النزول هو الرواية التى صح إسنادها.
مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى سورة الضحى/ ١ - ٥.
فقد أخرج البخارى رحمه الله تعالى (٦٢) عن جندب بن سفيان ﵁، قال: «اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فجاءت امرأة- أى من الكفار- فقالت: يا محمد إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره
(٦٠) فى صحيحه: ك: الحج، ب: قول الله تعالى وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى حديث/ ١٥٢٣.
(٦١) زاد المسير فى علم التفسير: لأبى الفرج ابن الجوزى- المكتب الإسلامى- ط: رابعة ١٤٠٧ هـ (١/ ٢١٢).
(٦٢) فى صحيحه: ك: التفسير، ب: ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى حديث/ ٤٩٥٠.
 
١ ‏/ ٥٩
 
قربك منذ ليلتين أو ثلاثا، فأنزل الله ﷿: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى».
وروى الواحدى (٦٣) عن حفص بن سعيد القرشى، قال: حدثتنى أمى عن أمها خولة، وكانت خادمة رسول الله ﷺ. «أن جروا دخل البيت، فدخل تحت السرير فمات، فمكث نبى الله ﷺ أياما لا ينزل عليه الوحى، فقال: يا خولة ما حدث فى بيتى؟ جبريل ﵇ لا يأتينى، قالت خولة، لو هيأت البيت وكنسبته فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فإذا شىء ثقيل، فلم أزل حتى أخرجته فإذا جرو ميت، فأخذته فألقيته خلف الجدار، فجاء نبى الله ﷺ ترعد لحياه، وكان إذا نزل عليه الوحى استقبلته الرعدة، فقال: يا خولة دثرينى.
فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى».
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى أن هذه القصة رواها الطبرانى بإسناد فيه من لا يعرف، ثم قال: «وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت السرير مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، بل شاذ مردود بما فى الصحيح، والله أعلم» (٦٤).
(د) أن يأتى فى الآية روايتان صحيحتان:
وكل منهما نص فى سبب نزولها، لكن فى إحداهما ما يرجحها على الأخرى مثل كونها أصح من الأخرى، أو أن راويها كان حاضرا مشاهدا للقصة بخلاف الآخر، فعندئذ يؤخذ فى سبب النزول بالرواية الراجحة دون الرواية المرجوحة.
مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء/ ٨٥.
فقد أخرج البخارى (٦٥) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «بينا أنا مع النبى ﷺ فى حرث، وهو متكئ على عسيب (٦٦) - إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه؟ - وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه- فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبى ﷺ فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى، فلما نزل الوحى قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».
وأخرج الترمذى (٦٧) وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: «قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، قال: فسألوه عن
(٦٣) أسباب النزول: ص ٣٣٨.
(٦٤) فتح البارى: (٨/ ٧١٠).
(٦٥) فى صحيحه: ك: التفسير، ب: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ حديث/ ٤٧٢١.
(٦٦) العسيب هو: الجريد الذى لا خوص فيه.
(٦٧) فى سننه: ك: التفسير، ب: ومن سورة بنى إسرائيل، حديث/ ٣١٤١.
 
١ ‏/ ٦٠
 
الروح، فأنزل الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا». قال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
فالرواية الأولى تقتضى أن الآية نزلت بالمدينة، والثانية تقتضى أنها نزلت بمكة.
وقد رجح العلماء الأولى لكونها من رواية البخارى، وما رواه أصح، وبأن ابن مسعود كان حاضرا مشاهدا للقصة.
(هـ) أن يأتى فى الآية روايتان كل منهما نص فى سبب النزول: وكل منهما مساوية للأخرى فى الصحة ولا مرجح عندئذ لإحداهما، لكن يمكن الجمع بينهما، لتقارب الزمن بين القصتين، فتكون الآية نازلة فى السببين أو الأسباب معا على هذا الوجه وذلك الاعتبار.
مثال ذلك: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ
الآيات سورة النور/ ٦ - ١٠.
فقد أخرج البخارى وغيره عن ابن عباس رضى الله عنهما أنها نزلت فى هلال بن أمية لما قذف زوجته عند النبى ﷺ بشريك بن سحماء، وقد مرت هذه الرواية بالتفصيل من قبل عند بحث مسألة: عموم اللفظ وخصوص السبب.
كما أخرج البخارى ومسلم (٦٨) من رواية سهل بن سعد الساعدى: أنها نزلت فى عويمر العجلانى، لما سأل رسول الله ﷺ قائلا: يا رسول الله، رجل وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم كيف يصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: «قد أنزل الله فيك وفى صاحبتك».
فأمرها رسول الله ﷺ بالملاعنة بما سمى الله فى كتابه. إلى آخر الحديث.
فيمكن الجمع بين الحادثتين: بالقول بأن حادثة هلال بن أمية وقعت أولا، وصادف مجىء عويمر كذلك فنزلت الآية فى شأنهما معا بعد حادثتيهما، إذ لا يجوز أن نرد الروايتين معا لصحتهما، كما لا يجوز أن نرد إحداهما ونأخذ بالأخرى، لأنه لا مرجح بينهما، فبقى أن نأخذ بهما معا كما قرر العلماء، سيما مع قرب زمانيهما.
(٦٨) البخارى فى صحيحه: ك: التفسير، ب وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ حديث/ ٤٧٤٥ ومسلم فى صحيحه: ك:
اللعان، حديث/ ١٤٩٢.
 
١ ‏/ ٦١
 
(و) أن يأتى فى الآية روايتان صحيحتان:
كل منهما نص فى سبب النزول، ولا مرجح لإحداهما على الأخرى، ولا يمكن الجمع بينهما على اعتبار قرب الزمان، لأن زمانهما متباعد، وعندئذ يحمل العلماء مثل هذه الصورة على تكرر النزول.
وقد مثل الزركشى لذلك- فى البرهان- بما ورد فى سبب النزول لقول الله تعالى:
وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ هود/ ١١٤، من أنها نزلت- كما فى الصحيحين (٦٩) فى رجل أصاب من امرأة قبلة، فسأل النبى ﷺ عن كفارتها، فنزلت الآية.
قال الزركشى معلقا: «والرجل قد ذكر الترمذى أو غيره (٧٠) أنه أبو اليسر، وسورة هود مكية باتفاق، ولهذا أشكل على بعضهم هذا الحديث مع ما ذكرنا، ولا إشكال لأنها نزلت مرة بعد مرة» (٧١).
والحق أن هذا الإشكال لا يحتم القول بتكرر النزول كما قال الزركشى، لأن كون السورة مكية لا يمنع أن تكون بعض آياتها مدنية، لأن الاعتبار فى تصنيف السور إلى مكى ومدنى بالأعم الأغلب، والقرآن نزل منجما فى مكة والمدينة، والراجح أن هذه الآية مدنية، وهذا ما قرره السيوطى ﵀ ونص عليه فى بيان أن بعض السور التى نزلت بمكة فيها آيات نزلت بالمدينة، ذكر منها سورة هود، فقال: «هود: استثنى منها ثلاث آيات: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ قلت:
دليل الثالثة ما صح من عدة طرق أنها نزلت فى المدينة فى حق أبى اليسر» (٧٢).
كما ساق الزركشى مثالا آخر لتكرر النزول فقال: «وكذلك ما ورد فى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أنها جواب للمشركين بمكة، وأنها جواب لأهل الكتاب بالمدينة» (٧٣). وعلل لتكرار النزول بقوله: «وقد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه، وتذكيرا به عند حدوث سببه خوف نسيانه، وهذا كما قيل فى الفاتحة نزلت مرتين: مرة بمكة وأخرى بالمدينة» (٧٤).
وعلى كل ففي القول بتكرار النزول أقوال للعلماء، ولم يتفقوا جميعا على القول به، بل منهم من أنكر وقوعه (٧٥).
هذه هى الأوجه التى تتأتى فى تعدد الروايات فى أسباب النزول، وهذه هى أمثلتها مقرونة بما يتأتى فيها من الجمع بينها، أو ترجيح بعضها على بعض، مع بيان دواعى هذا الترجيح.
(٦٩) سبق ذكر هذا الحديث عند بحث العبرة فى سبب النزول: هل هى بعموم اللفظ، أو بخصوص السبب.
(٧٠) هو الترمذى: فى رواية له عن أبى اليسر قال: (أتتنى امرأة تبتاع تمرا ...) الحديث، سنن الترمذى: ك: التفسير باب: ومن سورة هود، حديث/ ٣١١٥.
(٧١) البرهان فى علوم القرآن.
(٧٢) الإتقان فى علوم القرآن: (١/ ٤٥).
(٧٣) البرهان فى علوم القرآن: (١/ ٥٤).
(٧٤) نفس المصدر: (١/ ٥٤).
(٧٥) انظر الإتقان: (١/ ١٠٨).
 
١ ‏/ ٦٢
 
تعدد المنزّل من القرآن والسبب واحد
وكما تتعدد الروايات فى أسباب الآية الواحدة، فإنه قد تتعدد الآيات النازلة على سبب واحد.
مثال ذلك: ما أخرجه الحاكم (٧٦) وصححه عن مجاهد، عن أم سلمة رضى الله عنها، قالت: «قلت يا رسول الله: يذكر الرجال، ولا يذكر النساء؟ فأنزل الله ﷿: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الآية- الأحزاب/ ٣٥ - وأنزل: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ آل عمران/ ١٩٥».
ومن هذا القبيل: ما ورد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضى الله عنهما (٧٧) قال: كان رسول الله ﷺ فى ظل حجرة، وقد كاد الظل أن يتقلص، فقال رسول الله ﷺ:
«إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق أعور، فقال حين رآه دعاه رسول الله ﷺ فقال: علام تشتمنى أنت وأصحابك؟ فقال: ذرنى آتك بهم، فانطلق فدعاهم، فحلفوا ما قالوا وما فعلوا ...
فأنزل الله ﷿: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ المجادلة/ ١٨».
وفى القصة نفسها أورد ابن جرير: عن ابن عباس رضى الله عنهما قوله: «كان رسول الله ﷺ جالسا فى ظل شجرة، فقال: «إنه سيأتيكم إنسان، فينظر
إليكم بعينى شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه». فلم يلبث أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ فقال: «علام تشتمنى أنت وأصحابك؟» فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما فعلوا، حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله ﷿: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا التوبة/ ٧٤» ثم نعتهم جميعا إلى آخر الآية (٧٨).
(٧٦) فى المستدرك: ك: التفسير، ب: تفسير سورة الأحزاب: (٢/ ٤١٦) وأقره الذهبى على تصحيحه فى التلخيص.
(٧٧) هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد فى مسنده، بإسناد حسن: ط: مؤسسة الرسالة ضمن الموسوعة الحديثية، تحقيق شعيب الأرناءوط وآخرين، ط: أولى ١٤١٤ هـ ١٩٩٤ م: (٤/ ٢٣١) حديث/ ٢٤٠٧ والحاكم فى المستدرك وصححه: (٢/ ٤٨٢) واللفظ للحاكم.
(٧٨) جامع البيان عن تأويل آى القرآن للطبرى: (١٠/ ١٨٥).
 
١ ‏/ ٦٣
 
أثر الجهل بسبب النزول
سبق فى بحث مسألة العبرة فى سبب النزول هل هى بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ بيان اتفاق الجميع على شمول الحكم فى اللفظ العام لسبب النزول وغيره، وأن القائلين بقصر العام على سببه لا يقولون بقصر الحكم على ذلك السبب وانتفاء شموله لما عداه، لأن اللفظ العام الوارد فى الآية وإن ارتبط عند هؤلاء بمعين، وهو السبب الذى نزل عليه، إلا أن الحكم لا يرتبط عندهم بعمل ذلك المعين بذاته بل بنوعه، كل ما فى الأمر: هو التفريق فيما يتعلق باستفادة الحكم للسبب المعين وغيره.
فالقائلون بعموم اللفظ: يرون أن استفادة الحكم فى الجميع بطريق النص، والقائلون بخصوص السبب: يرون أن استفادة الحكم فى السبب بطريق النص، وفى غيره بطريق القياس.
ويتفرع عن ذلك: أنه إذا كان المعتبر فى تطبيق الحكم نوع العمل فى أفراده، لا صورة السبب بذاتها- وذلك لما بين صورة السبب وغيرها من التشابه- فإن الجهل بسبب النزول لا يتأتى أن يترتب عليه تعطيل العمل بالحكم الوارد فى الآية، فليس معنى عدم الوقوف على أن هذه الآية قد نزلت فى هذا الشخص بذاته، أو هذه الحادثة بعينها ألا يطبق الحكم الذى تضمنته على من وجدت فيه علة تطبيق هذا الحكم، وذلك يشبه أن يكون مسلّمة فى مجال الاستدلال الشرعى.
لكن البعض ذهب إلى أن عدم معرفة سبب نزول الآية يترتب على الجهل بمن نزلت فيه أولا، وبما أن صورة السبب هى الأصل الذى يقاس عليه، فإن العمل يتعذر فيمن نزلت فيه من جهة لعدم معرفته، ويتعذر فى غيره لتعذر إمكان القياس على المجهول من جهة أخرى، وبذلك يؤدى الجهل بسبب النزول على التحديد إلى تعطيل العمل بما تضمنته الآيات من أحكام.
وممن ذهب إلى ذلك: الشيخ محمد عبد العظيم الزرقانى رحمه الله تعالى، فنراه يقول فى معرض حديثه عن رأى من يقول بخصوص السبب لا بعموم اللفظ: «فآيات الظهار فى مفتتح سورة المجادلة سببها أن
 
١ ‏/ ٦٤
 
أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت حكيم بن ثعلبة، والحكم الذى تضمنته هذه الآيات خاص بهما وحدهما- على هذا الرأى- أما غيرهما فيعلم بدليل آخر: قياسا أو سواه، وبدهى أنه لا يمكن معرفة المقصود بالحكم، ولا القياس عليه إلا إذا علم السبب، وبدون معرفة السبب تصير الآية معطلة خالية عن الفائدة» (٧٩).
والحق أن الشيخ رحمه الله تعالى قد أسرف فى هذا الحكم، كما أن المثال الذى ساقه لا يساعده فى تقرير ما ذهب إليه، لأنه كما سبق مرارا: الحكم فى الآية منوط بأمر معين، إذا وقع هذا الأمر طبق الحكم، وذلك فى الجميع (صورة السبب وغيرها) إلا أنه فى صورة السبب بالنص، وفى غيرها بالقياس، وما دام الأمر كذلك فمن التجاوز القول بإهمال العمل بحكم الآية، لأن ما يجرى الحكم فيه نصا لم يتميز عما يجرى الحكم فيه قياسا، ما دام الاتفاق على ثبوت الحكم فى الجميع بدليل شرعى هو: النص أو القياس.
وبعبارة أخرى: فبالنسبة للمثال الذى ساقه الشيخ (٨٠): هل من المقبول: القول بإهمال العمل بما تضمنته الآية من حكم الظهار، وما جاء فيها من وصفه بأنه منكر من القول وزور، وما ينبغى على المظاهر من الكفارة المبينة قبل أن يمس امرأته .. إلى آخر ما فى الآية. أقول: هل من المقبول إهمال العمل بهذا الحكم رأسا إذا لم نعرف أن من نزلت فيه هذه الآية اسمه أوس بن الصامت، وأن زوجته اسمها خولة بنت ثعلبة، مع أن الحكم فى الآية ليس منوطا بمعرفة من نزلت فيه، بل بمن يظاهر من زوجته بالصيغة المعروفة.
وهل من المعقول كذلك: أن نهمل مثلا العمل بحكم اللعان الوارد فى قول الله سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ النور/ ٦ - ٩، ما لم نعرف أن من نزلت فيه الآيات اسمه هلال بن أمية، أو عويمر العجلانى، أو هما معا كما سبق ..
اللهم لا.
لكن .. لعله يكون لما قاله الشيخ الزرقانى، ومن قال برأيه وجه فيما قدمناه عند الكلام عن فوائد معرفة أسباب النزول من أنه: قد يتوقف فهم الآية ذاتها على معرفة سبب
(٧٩) مناهل العرفان فى علوم القرآن: ط دار الفكر- بيروت ١٤٠٨ هـ- ١٩٨٨ م: (١/ ١١٢، ١١٣).
(٨٠) أعنى آية الظهار وهى: قول الله: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ الآيات: سورة المجادلة:
 
١ ‏/ ٦٥
 
نزولها، أو يشكل أمرها ما لم يعرف هذا السبب، كما ذكرنا من قبل على سبيل المثال، فى قول الله سبحانه: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ البقرة/ ١٨٩.
وكذلك فى قول الله ﵎: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ البقرة/ ١٥٨.
فالصحيح إذن: أن الجهل بسبب نزول الآية- أى آية- لا ينبغى أن يؤدى إلى تعطيل العمل بمقتضى هذه الآية، وما تضمنته من أحكام عند القائلين بخصوص السبب لا بعموم اللفظ .. فضلا عن غيرهم.
 
١ ‏/ ٦٦
 
الفور أو التراخى فى سبب النزول
قد عرفنا- فى أول هذا البحث- مما قاله العلماء فى تعريف سبب النزول أنه: (ما نزلت الآية أو الآيات فى شأنه أيام وقوعه ..) إلى آخر التعريف، وبينا أنه لكى تعتبر الحادثة سببا للنزول لا بدّ من مزامنتها لعصر نزول القرآن، أو بعبارة أخرى: وقوعها فى عهد النبى ﷺ وقد اكتفى فى التعريف بهذا القيد.
أما السؤال المطروح هنا فهو: هل ينبغى أن تقوم هذه المعاصرة على تقارب زمنى واضح بين السبب ونزول الآيات فيه؟ أو بتعبير آخر:
هل يشترط نزول الآيات فور حدوث سببها؟
أو يجوز أن يتراخى النزول عن الحدوث زمنا، وهل يتحتم تقدم السبب على النزول؟ أو يجوز تقدم النزول على حدوث السبب، وهل هناك فى أسباب النزول المروية ما يدل لهذه الصور عند وجودها؟
إن الجواب على هذه الأسئلة يتطلب نوعا من التتبع لأسباب النزول، وهذا التتبع يسفر عن عدم التلازم بين وقوع الحادث وفورية النزول، بل قد تنزل الآية أو الآيات فور حدوث السبب، وقد يتأخر النزول زمنا، وكل ذلك يعرف بالقرينة أو بالنص وقد لا يصرح بالفورية أو بالتراخى، ولا تقوم على أى منهما قرينة.
وعليه: فإنه يمكن تقسيم أسباب النزول باعتبار الفورية أو التراخى إلى أقسام:
الأول: ما صرح فيه بنزول الآيات فور حدوث السبب، ومثاله: ما ورد فى سبب نزول قول الله ﵎: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
 
١ ‏/ ٦٧
 
فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ المجادلة/ ١ - ٤.
فقد أخرج ابن ماجة (٨١) عن عروة بن الزبير: قال: «قالت لى عائشة رضى الله تعالى عنها: تبارك الذى وسع سمعه كل شىء، إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علىّ بعضه، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله ﷺ وهى تقول: يا رسول الله أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبرت سنى، وانقطع ولدى ظاهر منى، اللهم إنى أشكو إليك، فما برحت حتى نزل جبرائيل بهذه الآيات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ».
ومن أمثلة هذا القسم أيضا: ما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء/ ٨٥.
فقد أخرج البخارى (٨٢) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «بينا أنا مع النبى ﷺ فى حرث وهو متكئ على عسيب، إذ مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح: فقال:
ما رابكم إليه- وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشيء تكرهونه- فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبى ﷺ فلم يردّ عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى، فلما نزل الوحى قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا».
فقد ورد فى سياق هذا الحديث، وحديث عائشة رضى الله تعالى عنها الذى قبله: ما يدل على نزول الآيات فى نفس الموقف أثناء حدوث أسباب النزول ودواعيها.
الثانى: ما صرح فيه بتراخى نزول الآيات عن حدوث سببها، بل وأكثر من ذلك حددت مدة هذا التراخى وذلك كما ورد فى سبب نزول قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ سورة النور/ ١١ - ٢٠.
فقد أخرج البخارى (٨٣) عن عائشة زوج النبى ﷺ ورضى الله عنها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه». والحديث طويل مفصل، ذكرت فيه أم المؤمنين رضى الله عنها قصة خروجها مع النبى ﷺ فى غزوة بنى المصطلق، وقصت ما
(٨١) فى سننه: ك: الطلاق، ب: الظهار، حديث/ ٢٠٦٣.
(٨٢) سبق تخريج هذا الحديث عند الكلام فى (تعدد أسباب النزول والمنزل واحد) فليراجع.
(٨٣) فى صحيحه: ك: التفسير، باب: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا حديث/ ٤٧٥٠.
 
١ ‏/ ٦٨
 
ذكره المنافقون فى شأنها، وما رموها به من حديث الإفك وإشاعة ذلك بين الناس، وأنها لما عرفت الأمر بعد فترة بكت بكاء شديدا، حتى ظن أبواها أن البكاء يفلق كبدها ... إلى أن قالت: «فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول الله ﷺ، فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندى منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه فى شأنى» وذكرت ما قاله رسول الله ﷺ وما أجابت به، حتى قالت:
«ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ فى النوم رؤيا يبرؤنى الله بها، قالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ ولا خرج أحد من البيت حتى أنزل عليه ...» إلى أن قالت: «وأنزل الله: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ العشر الآيات كلها».
فقول أم المؤمنين رضى الله عنها: (وقد لبث شهرا لا يوحى إليه فى شأنى) صريح فى تراخى نزول الآيات عن حدوث السبب، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: «حكى السهيلى أن بعض المفسرين ذكر أن المدة كانت سبعة وثلاثين يوما، فألغى الكسر فى هذه الرواية.
وعن ابن حزم: أن المدة كانت خمسين يوما أو يزيد، ويجمع بأنها المدة التى كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن فى قصة الإفك، وأما التقييد بالشهر: فهو المدة التى أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر» (٨٤).
ولعل تأخر النزول فى هذه الحادثة- والله أعلم- كان نوعا من الابتلاء لمجتمع المؤمنين، ليمحّص إيمان المؤمنين، ويظهر نفاق الذين فى قلوبهم مرض، وليتم إعداد المؤمنين لتلقى الدرس الذى نزلت به الآيات فى شأن الأعراض وحرمتها، والتشنيع على من ينتهك تلك الحرمة وبيان قبح فعله، وعظيم عقوبته، وذلك يتمثل فى قول الله تعالى ضمن الآيات النازلة: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.
كما أن فيه تكريما لأم المؤمنين رضى الله عنها، بنزول براءتها فى القرآن الكريم، مع زيادة أجرها ومثوبتها لما عانته من الأذى فى هذه الفترة العصيبة.
أما نزول آيات الظهار فور وقوع الحدث:
فلعل من حكمته- والله تعالى أعلم- تلبية دواعى التشريع فى هذا الأمر الطارئ، الذى بدت فيه حاجة المرأة الماسة، وظروفها المتمثلة فى: كبر سنها، وضعف ذريتها، وقد تبدى ذلك كله فى مراجعتها لرسول الله ﷺ كما تذكر بعض الروايات، وكما جاء فى نص الآية الكريمة: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما الآيات.
(٨٤) فتح البارى: (٨/ ٤٧٥).
 
١ ‏/ ٦٩
 
الثالث: ما لم يصرح فيه بنزول الآيات فور حدوث السبب أو بتراخى هذا النزول، فهو يحتمل الأمرين معا.
ومثال ذلك: ما ورد فى شأن نزول قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا الفتح/ ٢٤.
فقد أخرج مسلم (٨٥) عن أنس بن مالك ﵁: «أن ثمانين رجلا من أهل مكة هبطوا على رسول الله ﷺ من جبل التنعيم متسلحين، يريدون غرّة النبى ﷺ، فأخذهم سلما فاستحياهم، فأنزل الله ﷿:
وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا».
فليس فى لفظ الحديث ما يدل على فورية النزول أو تراخيه، ولكنه على كل حال تم بعد وقوع السبب، هذا هو الشأن فيما نزل من آيات القرآن الكريم على سبب: أن يتقدم السبب على ما ينزل فيه من الآيات.
ولكن الزركشى رحمه الله تعالى ذكر أنه:
قد يتقدم نزول الآيات على ما نزلت فى شأنه، وذكر أمثلة لذلك فقال: «واعلم أنه قد يكون النزول سابقا على الحكم» وهذا كقوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى الأعلى/ ١٤.
فإنه يستدل بها على زكاة الفطر، روى البيهقى بسنده: أنها فى زكاة رمضان، ثم أسند مرفوعا نحوه، وقال بعضهم: لا أدرى ما وجه هذا التأويل؟ لأن السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة.
(وأجاب البغوى فى تفسيره: بأنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما قال لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ سورة البلد/ ١، ٢. فالسورة مكية وظهر أثر الحل يوم فتح مكة حتى قال ﵇:
«أحلت لى ساعة من نهار» (٨٦).
وكذلك نزل بمكة: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ القمر/ ٤٥. قال عمر بن الخطاب: «كنت لا أدرى أى الجمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يقول:
سيهزم الجمع ويولون الدبر» أ. هـ. كلام الزركشى رحمه الله تعالى (٨٧).
وما ساقه الزركشى هنا- فيما عدا الآية الأولى التى قالوا إنها فى شأن زكاة الفطر- يمكن حمله على أنه من باب الإخبار بالمغيبات التى وقعت كما أخبر القرآن عنها تماما، وذلك من أوجه إعجاز القرآن الكريم.
(٨٥) فى صحيحه: ك: الجهاد، باب قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ حديث ١٨٠٨.
(٨٦) المعنى الذى ذكره البغوى فى تفسيره لقول الله تعالى: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ذكره ابن كثير كذلك فى تفسيره فقال: (وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ يعنى: مكة وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ قال أنت يا محمد: يحل لك أن تقاتل به) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٥١١) والحديث الذى نقله الزركشى: صحيح أخرجه البخارى فى صحيحه: ك: العلم، ب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، حديث/ ١٠٤ ومسلم فى صحيحه: ك: الحج، باب تحريم القتال فى مكة، حديث/ ١٣٥٣ واللفظ له عن ابن عباس رضى الله عنهما: عن النبى صلى الله عليه
(٨٧) البرهان فى علوم القرآن: (١/ ٥٧، ٥٨).
 
١ ‏/ ٧٠
 
من نزل فيهم القرآن
المتتبع لأسباب النزول فى القرآن الكريم، يجد أنها تتنوع من جهة من نزلت فيهم آيات من القرآن، ويمكن تقسيم أسباب النزول بهذا الاعتبار إلى قسمين:
الأول: ما يتعلق بالمؤمنين.
الثانى: ما يتعلق بالكافرين: (من المشركين، والمنافقين، واليهود، والنصارى).
ولما كان المجال ليس مجال تفصيل لقصص النزول وأسبابه فى جميع من أنزل الله تعالى فيهم قرآنا، فإنا سوف نكتفى بذكر مثالين ممن ذكرنا تفصيلا، ثم نشير إجمالا إلى أكثر من أنزل الله فيهم قرآنا من هؤلاء، ذاكرين أسماءهم، وأرقام الآيات التى قال المفسرون إن الله تعالى أنزلها فيهم، وأسماء سورها، وفيما يلى بيان ذلك كله:

أولا: أمثلة ممن أنزل الله تعالى فيهم قرآنا من المؤمنين:
١ - أبو بكر الصديق: ﵁.
وهو عبد الله بن أبى قحافة، أول السابقين إلى الإسلام من الرجال، خليفة رسول الله ﷺ وصاحبه فى الغار ورفيقه فى الهجرة (ت ١٣ هـ).
مما أنزل الله تعالى من القرآن فى شأن أبى بكر ﵁: قول الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
النور/ ٢٢.
أما قصة نزول هذه الآية: فإن المنافقين لما رموا الصديقة عائشة بنت أبى بكر رضى الله عنها بما رموها به من حديث الإفك، كان ممن وقع من المسلمين فى هذا الأمر، وتكلم فيه: قريب لأبى بكر يسمى (مسطح بن أثاثة ابن عبّاد) وأمه بنت خالة أبى بكر الصديق (٨٨)، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره، فلما أنزل الله تعالى براءة عائشة، أخذ أبا بكر ﵁ من الألم النفسى والغضب البشرى ما حمله على أن يحلف على قطع النفقة عن مسطح.
فقد أخرج البخارى رحمه الله تعالى (٨٩) فى سياق حديث قصة الإفك، عن عائشة رضى الله تعالى عنها قولها: «... فلما أنزل
(٨٨) الإصابة فى تمييز الصحابة: لابن حجر العسقلانى، ط: دار صادر، ط أولى، ١٣٢٨ هـ: (٣/ ٤٠٨).
(٨٩) فى صحيحه: ك: التفسير، ب: وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا حديث/ ٤٧٥٠.
 
١ ‏/ ٧١
 
الله فى براءتى، قال أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره-:
والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذى قال لعائشة ما قال. فأنزل الله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ قال أبو بكر: بلى والله إنى أحب أن يغفر الله لى، فرجع إلى النفقة التى كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا».
٢ - قيس بن صرمة الأنصارى: ﵁ أحد صحابة رسول الله ﷺ نزل فى شأنه قول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ البقرة/ ١٨٧.
فقد أخرج الترمذى (٩٠) عن البراء ﵁، قال: «كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا كان الرجل صائما فحضر الإفطار، فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسى، وإن قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق اطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه وجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشى عليه فذكر ذلك للنبى ﷺ فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ففرحوا بها فرحا شديدا وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ».

ثانيا: أمثلة ممن أنزل الله تعالى فى شأنهم قرآنا من الكافرين:
(أ) المشركون:
١ - أبو جهل: أبو الحكم عمرو بن هشام.
كان من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ وللمسلمين، واستمر على ذلك حتى قتل فى غزوة بدر الكبرى سنة ٢ هـ وقذف فى قليبها مع بقية القتلى من المشركين.
مما نزل فى شأنه من القرآن قول الله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ الأنفال/ ١٩.
(٩٠) فى سننه: ك: التفسير، ب: ومن سورة البقرة، حديث/ ٢٩٦٨ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
 
١ ‏/ ٧٢
 
فقد أخرج الحاكم (٩١) وصححه عن أبى صعير العذرى، قال: «كان المستفتح أبا جهل، فإنه قال حين التقى القوم: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وأتانا بما لا نعرف فأحنه- أى أهلكه- الغداة. فكان ذلك استفتاحه فأنزل الله: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ إلى قوله: وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ».
٢ - العاص بن وائل السهمى: من عتاة قريش ومن الذين آذوا المسلمين إيذاء شديدا.
مما نزل فى شأنه من القرآن قول الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ سورة يس/ ٧٧ - ٨٣.
فقد أخرج الحاكم (٩٢) وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: «جاء العاص ابن وائل إلى رسول الله ﷺ بعظم حائل- أى متغير بالبلى- ففتّه، فقال: يا محمد، أيبعث الله هذا بعد ما أرمّ؟ قال: «نعم يبعث الله هذا، يميتك ثم يحييك، ثم يدخلك النار».
قال: فنزلت الآيات: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ إلى آخر السورة».
(ب) المنافقون:
١ - عبد الله بن أبى بن سلول: رأس المنافقين فى المدينة.
مما نزل فى شأنه أكثر آيات- سورة المنافقون-
فقد أخرج البخارى (٩٣) عن زيد بن أرقم ﵁ قال: «كنت مع عمى (٩٤) فسمعت عبد الله بن أبى بن سلول يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقال أيضا:
لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمى، فذكر عمى لرسول الله ﷺ فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبى وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فصدقهم رسول الله ﷺ وكذبنى، فأصابنى هم لم يصبنى مثله، فجلست فى بيتى فأنزل الله ﷿: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ إلى قوله:
(٩١) فى مستدركه: ك: التفسير، ب: شأن نزول إِنْ تَسْتَفْتِحُوا الآية: (٢/ ٣٢٨).
(٩٢) فى مستدركة: ك: التفسير، ب: تفسير سورة يونس: (٢/ ٤٢٩).
(٩٣) فى صحيحه: ك: التفسير، ب: اتخذوا أيمانهم جنة يجتنون بها، حديث/ ٤٩٠١.
(٩٤) كان ذلك فى غزوة بنى المصطلق التي وقعت فى شعبان: سنة ٦ للهجرة.
 
١ ‏/ ٧٣
 
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا إلى قوله لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ فأرسل إلىّ رسول الله ﷺ فقرأها علىّ، ثم قال: «إن الله قد صدّقك».
٢ - ما نزل من القرآن فى شأن المنافقين الذين كانوا يسخرون من صدقة الفقراء من المسلمين:
فقد أخرج البخارى (٩٥) رحمه الله تعالى عن أبى مسعود، قال: «لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغنى عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ سورة التوبة/ ٧٩.
(ج) اليهود والنصارى:
١ - النبّاش بن قيس:
نزل فى شأنه من القرآن قول الله تعالى:
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ الآية- المائدة/ ٦٤.
فقد ذكر الحافظ أبو بكر الهيثمى (٩٦) رحمه الله تعالى: ما رواه الطبرانى بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: «قال رجل من اليهود- يقال له: النبّاش ابن قيس-: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله ﷿: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ».
٢ - ما نزل فى اليهود والنصارى: الذين قال كل منهما للآخر: إنه ليس على شىء.
فقد أخرج محمد بن جرير الطبرى رحمه الله تعالى (٩٧) عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: «لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ فقال رافع ابن حريملة: ما أنتم على شىء، وكفر بعيسى ابن مريم وبالإنجيل: فقال رجل من أهل نجران من النصارى: ما أنتم على شىء وجحد نبوة موسى، وكفر بالتوراة، فأنزل الله ﷿ فى ذلك من قولهما: وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ إلى قوله: فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ البقرة/ ١١٣».
وكما سبق التنبيه إليه: فإنه إذا كان المجال لم يتسع لذكر أسباب النزول فى كل من أنزل
(٩٥) فى صحيحه: ك: التفسير، ب: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ الآية، حديث/ ٤٦٦٨.
(٩٦) فى مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ك: التفسير، ب: سورة المائدة، حديث/ ١٠٩٧٩.
(٩٧) جامع البيان عن تأويل آى القرآن: (١/ ٤٩٥).
 
١ ‏/ ٧٤
 
الله تعالى فيهم قرآنا على وجه التفصيل، فإننا نشير فى إجمال بعد هذه الأمثلة- كما وعدنا- إلى العديد ممن نزل فيهم القرآن- حسب ما ذكره المفسرون فى تفاسيرهم، وأصحاب كتب أسباب النزول فى كتبهم- إضافة إلى من سبق ذكرهم فى ثنايا البحث فى جوانبه المتعددة.
فمن هؤلاء: ١ - قتادة بن النعمان: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ١١٠ - ١١٢ من سورة النساء.
٢ - مرثد بن أبى مرثد: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٣ من سورة النور.
٣ - الأشعث بن قيس: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٧٧ من سورة آل عمران.
٤ - صهيب بن سنان الرومى: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٢٠٧ من سورة البقرة.
٥ - عثمان بن مظعون: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ٨٧، ٨٨ من سورة المائدة.
٦ - عياش بن ربيعة: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ٥٣، ٥٤ من سورة الزمر.
٧ - عثمان بن طلحة: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٥٨ من سورة النساء.
٨ - معقل بن يسار: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٢٣٢ من سورة البقرة.
٩ - جابر بن عبد الله: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٧٦ من سورة النساء.
١٠ - كعب بن مالك: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ١١٨ من سورة التوبة.
١١ - النجاشى (ملك الحبشة): أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ٨٢ - ٨٤ من سورة المائدة.
١٢ - عبد الله بن سلام: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ١٤٦ من سورة البقرة.
١٣ - عمار بن ياسر: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ١٠٦ من سورة النحل.
١٤ - سعد بن أبى وقاص: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ١٤، ١٥ من سورة لقمان.
١٥ - ثابت بن قيس: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ٢ من سورة الحجرات.
١٦ - عمر بن الخطاب: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ١٤، ١٥ من سورة الجاثية.
١٧ - على بن أبى طالب: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ١٨ - ٢٠ من سورة السجدة.
 
١ ‏/ ٧٥
 
١٨ - أبو لبابة بن عبد المنذر: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ٢٧، ٢٨ من سورة الأنفال.
١٩ - حاطب بن أبى بلتعة: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآية: ١ من سورة الممتحنة.
هؤلاء جميعا من المؤمنين من صحابة رسول الله ﷺ ورضى الله عنهم أجمعين، الذين أبلوا فى سبيل الله أحسن البلاء.
وهناك من الكفار من نزلت فيهم كذلك آيات من القرآن: تهديدا ووعيدا لهم، وتنديدا بأفعالهم.
من هؤلاء: ١ - الوليد بن المغيرة: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ١١ - ٢٦ من سورة المدثر.
٢ - أبو لهب (عبد العزى بن عبد المطلب) وامرأته: أنزل الله تعالى فيه من القرآن سورة المسد.
٣ - كعب بن الأشرف: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيتين: ٥١، ٥٢ من سورة النساء.
٤ - عقبة بن أبى معيط: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ٢٧ - ٢٩ من سورة الفرقان.
٥ - عامر بن الطفيل: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ١٠ - ١٣ من سورة الرعد.
٦ - أمية بن خلف: أنزل الله تعالى فيه من القرآن: سورة الهمزة.
٧ - النضر بن الحارث: أنزل الله تعالى فيه من القرآن الآيات: ٣١ - ٣٣ من سورة الأنفال.
هذا وهناك كثير غير هؤلاء ذكر المفسرون: أنه قد أنزل الله تعالى فيهم آيات من القرآن، ولكن عند تأمل ما قالوه تبين أن أقوالهم مبنية على تكلف واضح، أو أن هناك احتمالا لنزول هذه الآيات فى من ذكروهم أو فى غيرهم، لذلك ضربنا عنها صفحا، ولم نذكر إلا من كانت سببية النزول فيه واضحة، لا تكلف فيها، ولا لبس فيها ولا احتمال.
وبالله التوفيق.
أ. د/ محمد السيد جبريل
 
١ ‏/ ٧٦
 
مراجع للاستزادة:
(١) لباب النقول فى أسباب النزول: جلال الدين أبو بكر عبد الرحمن بن محمد السيوطى، تحقيق: أ. د/ حمزة النشرتى وآخرين، دون طبعة أو تاريخ.
(٢) الدر المنثور فى التفسير بالمأثور: جلال الدين أبو بكر عبد الرحمن بن محمد السيوطى، دار الفكر بيروت: ١٤١٤ هـ/ ١٩٩٣ م.
(٣) زاد المسير فى علم التفسير: أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزى، المكتب الإسلامى، الطبعة الرابعة: ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧.
(٤) مباحث فى علوم القرآن: أ. د/ القصبى محمود زلط، دار القلم- الإمارات، الطبعة الثانية: ١٤٠٧ هـ/ ١٩٨٧ م.
(٥) رجال أنزل الله فيهم قرآنا: أ. د/ عبد الرحمن عميرة: دار اللواء- الطبعة الخامسة: ١٤٠٤ هـ/ ١٩٨٤ م.
وسلم قال: (إن هذا البلد حرام، حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل لأحد قبلى، ولم يحل لى إلا ساعة من نهار ..) الحديث.
 
١ ‏/ ٧٧
 

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية