الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

طريقة المفسرين في عرض التفاسير المنقولة

طريقة المفسرين في عرض التفاسير المنقولة

الكتاب: فصول في أصول التفسير
المؤلف: د مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
تقديم: د. محمد بن صالح الفوزان
الناشر: دار ابن الجوزي
الطبعة: الثانية، ١٤٢٣هـ
عدد الصفحات: ١٧٦
الكتاب إهداء من مؤلفه - جزاه الله خيرا - للمكتبة الشاملة
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صفحة المؤلف: [مساعد الطيار]
 

فهرس الموضوعات

  1.  طريقة المفسرين في عرض التفاسير المنقولة
  2.     -طريقة ابن جرير في عرض القواعد
  3.     -ذكر بعض القواعد عند ابن جرير
  4.     القواعد الترجيحية
  5.         -١ ـ ما يتعلق بالعموم في القرآن
  6.         -٢ ـ ما يتعلق بالسياق القرآني
  7.         -٣ ـ ما يتعلق برسم المصحف
  8.         -٤ ـ ما يتعلق بالأغلب من لغة العرب
  9.         -٥ ـ ما يتعلق بالمعاني الشرعية في القرآن
  10.         -٦ ـ ما يتعلق بتصريف اللفظة
  11.         -٧ ـ ما يتعلق بالتقديم والتأخير
  12.         -٨ ـ ما يتعلق بظاهر القرآن
  13.         -٩ ـ ما يتعلق بطريقة القرآن وعاداته
  14.         -١٠ ـ ما يتعلق بإجماع الحجة
  15.         -١١ ـ ما يتعلق بالاستعمال العربي
  16.         -١٢ ـ ما يتعلق بالسنة النبوية
  17.         -١٣ ـ ما يتعلق بالتأسيس والتأكيد
  18.         -١٤ ـ ما يتعلق بعودة الضمير إلى أقرب مذكور
  19.         -١٥ ـ ما يتعلق بتوافق الضمائر
  20.         -١٦ ـ ما يتعلق بالتقدير وعدمه
  21. كليات القرآن
  22.     -كليات الألفاظ
  23.     -كليات الأسلوب
  24. توجيه القراءات وأثره في التفسير
  25.     -المراد بتوجيه القراءات
  26.     -كتب توجيه القراءات
  27.     أنواع الاختلاف في القراءات
  28.         -الأولى
  29.         -الثانية
  30.         -الثالثة
  31.     -أمثلة لتوجيه القراءات من كتب توجيه القراءات
  32. -المراجع
  33. -الفوائد
  34. العودة إلي كتاب  فصول في أصول التفسير
طريقة المفسرين في عرض التفاسير المنقولة:
لما كان الترجيح لا يأتي إلا في الاختلاف بنوعيه، فإن المفسرين لهم ثلاث طرق في حكاية هذا الاختلاف:
(١) انظر: «زاد المسير» (٨/ ٢١٦).
(٢) انظر: «تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ٢٣)؛ «النكت والعيون» (١/ ٦١).
 
١٢٦
 
الأولى: حكاية الاختلاف دون بيان الراجح من الأقوال؛ كتفسير الماوردي وابن الجوزي.
الثانية: حكاية الاختلاف مع بيان الراجح دون ذكر مستند الترجيح؛ كتفسير ابن عطية.
الثالثة: حكاية الاختلاف مع بيان الراجح والقاعدة الترجيحية التي هي سبب الترجيح، كتفسير الطبري والشنقيطي.
ومع أهمية هذا الموضوع، فإنك قلَّ أن تجد له مبحثًا خاصًّا في مقدمات المفسرين، وغيرها.
وقد أشار إليه العز بن عبد السلام (ت:٦٦٠هـ) في كتابه الموسوم بـ (الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز) حيث ذكر بعض القواعد الترجيحية دون ذكر أمثلة لها (١).
وذكر المفسر محمد بن أحمد بن جزي الكلبي (ت:٧٤١هـ) في مقدمة تفسيره اثني عشر وجهًا في الترجيح (٢).
أما استعمال القواعد الترجيحية في ثنايا التفسير فقد حاز قصب السبق فيها شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري، وقد كان له في الترجيح بالقواعد طريقان:
الأول: أن يذكر القاعدة الترجيحية بنصها عند ترجيحه لقول في التفسير.
الثاني: أن لا ينص على القاعدة بعينها ولكن يرجح بها؛ كقاعدة: «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب» (٣)، فهو يرجح بناء على هذه القاعدة، ولا ينص عليها. [٩٥]
ونظرًا إلى كون الإمام ابن جرير هو أول من أعمل هذه القواعد في
(١) انظر: (ص١٧٨، ٢٧٦).
(٢) انظر: (١/ ٩).
(٣) انظر على سبيل المثال (١/ ١٢٥، ١٨٣، ١٨٥).
 
١٢٧
 
تفسيره بكثرة واضحة جدًّا، فإني أرى أن أسرد لك عباراته في بعض القواعد:
١ - غير جائز ادعاء خصوص في آية عام ظاهرها إلا بحجة يجب التسليم لها (١)؛ أي: أن الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه (٢).
٢ - التأويل المجمع (٣) عليه أولى بتأويل القرآن (٤).
٣ - الكلمة إذا احتملت وجوهًا لم يكن لأحد صرف معناها إلى بعض وجوهها دون بعض إلا بحجة (٥).
٤ - إنما يوجه كلام كل متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه دون المجهول من معانيه (٦).
٥ - أولى التأويلات بالآية ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالة مما يصح مخرجه في المفهوم (٧).
٦ - غير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته (٨).
٧ - إلحاق بعض الكلام ببعض إذا كان له وجه صحيح أولى من القول بتفرقه واعتراض جملة بينه وبينه (٩). [٩٦]
(١) «تفسير الطبري» (١/ ٥٠٨).
(٢) انظر تطبيقات هذه القاعدة في: (١/ ١٠٠، ١٠١، ١٠٥، ٢٤٢، ٣٠٦، ٣٢٤، ٥١٠)، (٢/ ٧٠، ٧٢، ٨٨، ١٢١، ١٤٣، ١٧٠).
(٣) الإجماع عند ابن جرير يعني اتفاق الأكثر؛ فتأمل.
(٤) «تفسير الطبري» (١/ ٧٥، ١١٣، ١٢٦، ١٧٢، ٢٢٠، ٢٧٤، ٣٣٣)، (٢/ ١١٤، ١٩٣).
(٥) «تفسير الطبري» (١/ ١٣٨)، (٢/ ٤٥٠).
(٦) «تفسير الطبري» (١/ ١٧٢)، (٢/ ٤٦٨).
(٧) «تفسير الطبري» (١/ ٢٠٩، ٢١٦، ٢٤٧، ٣٣٥، ٥١٠).
(٨) «تفسير الطبري» (١/ ٢٦١، ٢٨٠، ٤٦٧، ٥١٦، ٥٣٧)، (٢/ ٧٥/ ٢٤١، ٢٦٣).
(٩) «تفسير الطبري» (١/ ٤٦٢).
 
١٢٨
 
٨ - الذي هو أولى بكتاب الله ﷿ أن يوجه إليه من اللغات الأفصح الأعرف من كلام العرب دون الأنكر الأجهل من منطقها (١).
٩ - غير جائز الاعتراض بالشاذ من القول على ما قد ثبت حجته بالنقل المستفيض (٢).
ومن القواعد التي استعملها ولم ينص عليها:
١ - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٣).
٢ - الترجيح بدلالة السياق (٤).
وبعد، فهذه بعض القواعد التي استعملها ابن جرير، وقد حاولت نقل عبارته وإن تكررت بعض القواعد، ولذا فإنك تستطيع أن تسبك هذه القواعد، وتضعها في جمل واضحة بعد جمعها وتنقيحها (٥).
والمراد في هذا المبحث بيان بعض القواعد المرجحة التي يستفاد منها في ترجيح الأقوال، ولذا فيكفي في أمثلة هذه القواعد مطلق المثال دون التحقيق في صحته (٦).
ثم إن المثال قد تتنازعه قاعدتان، ويصلح أن يكون مثالًا لهما.
وقد يترجح قول بإعمال قاعدة، ويترجح آخر بإعمال قاعدة أخرى.
وهذه القواعد تعتبر الأصل في الترجيح إلا إذا دل دليل على عدم استخدامها في هذا الموضع، فكل قاعدة يستثنى منها، فيقال: يكون الترجيح بالأغلب من لغة العرب، إلا إذا دلَّ الدليل على إرادة غيره ... وهكذا في بقية القواعد، فتنبه لهذه الملحوظات. [٩٧]
(١) «تفسير الطبري» (٢/ ٣٦).
(٢) «تفسير الطبري» (٢/ ٥٩).
(٣) «تفسير الطبري» (١/ ٢٥، ٨٣، ١٨٥)، (٢/ ٣١٨، ٣٢٢).
(٤) «تفسير الطبري» (١/ ١٣٨، ٢٥٣، ٤٦٧، ٤٩٩، ٥١٣)، (٢/ ٧٠، ٨٢، ٩٥، ١٧٠).
(٥) اعتمدت في ذكر هذه القواعد على الجزأين: الأول والثاني، ولم أذكر إلا بعض ما ورد فيها.
(٦) انظر: «أضواء البيان» (١/ ٧٢)، (٤/ ٣٧٣).
 
١٢٩
 
القواعد الترجيحية:
١ - ما يتعلق منها بالعموم في القرآن.
٢ - ما يتعلق منها بالسياق القرآني.
٣ - ما يتعلق منها برسم المصحف.
٤ - ما يتعلق منها بالأغلب من لغة العرب.
٥ - ما يتعلق منه بالمعاني الشرعية في القرآن.
٦ - ما يتعلق منها بتصريف اللفظ.
٧ - ما يتعلق منها بالتقديم والتأخير.
٨ - ما يتعلق منها بظاهر القرآن.
٩ - ما يتعلق منها بطريقة القرآن وعادته.
١٠ - ما يتعلق منها بإجماع الحجة أو قول الأكثر من الصحابة والتابعين.
١١ - ما يتعلق منها بالاستعمال العربي.
١٢ - ما يتعلق منها بالسنة النبوية.
١٣ - ما يتعلق منها بالتأسيس والتأكيد.
١٤ - ما يتعلق منها بعود الضمير إلى أقرب مذكور.
١٥ - ما يتعلق منها بتوافق الضمائر.
١٦ - ما يتعلق منها بالتقدير وعدمه.
* * *
 
١٣٠
 
١ - ما يتعلق بالعموم في القرآن
وفيه قاعدتان:
أـ الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه: [٩٨]
ب - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
شرح القاعدتين مع الأمثلة:
أـ الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصصه:
أخبار الله في القرآن تأتي في كثير من الأحيان عامة غير مخصَّصة، وقد يذكر بعض المفسرين أقوالًا هي في معناها مخصِّصة لهذا العموم، فيقال في مثل هذا: (الخبر على عمومه حتى يأتي ما يخصِّصه) (١).
مثال: قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد: ٣].
قيل: آدم وولده.
وقيل: إبراهيم وولده.
وقيل: عام في كل والد وما ولد.
قال ابن جرير الطبري: «والصواب من القول في ذلك ما قاله الذين قالوا: إن الله أقسم بكل والد وولده؛ لأن الله عمَّ كل والد وما ولد.
وغير جائز أن يخص ذلك إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر، أو
(١) تعمل هذه القاعدة عندما يُدّعى خصوص في آية عام ظاهرها، ولا يوجد دليل على هذا الخصوص، أما ما سبق من أن السلف يفسرون بالمثال فهو لا يعارض هذه القاعدة، بل ينبه عليها في ما فسَّر بالمثال.
 
١٣١
 
عقل، ولا خبر بخصوص ذلك، ولا برهان يجب التسليم له بخصوص، فهو على عمومه كما عمَّه» (١).
ب - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
إذا قيل في آية: إنها نزلت في كذا، فهذا لا يعني أنها تُقصر على هذا السبب، بل المراد هنا الألفاظ، ولذا تعمَّم هذه الألفاظ وإن كان السبب خاصًّا (٢). [٩٩]
مثال قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
قيل: نزلت في العاص بن وائل السهمي.
وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط.
وقيل: نزلت في جماعة من قريش.
قال ابن جرير الطبري: «وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذِكْرُه أخبر أن مبغض رسول الله ﷺ هو الأقل الأذل المنقطع عقبه، فذلك صفة كل من أبغضه من الناس، وإن كانت الآية نزلت في شخص بعينه» (٣).
مثال: قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ ... [البقرة: ١٩].
قال الشنقيطي: «والآية التي نحن بصددها وإن كانت في المنافقين، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص الأسباب» (٤). [١٠٠]
* * *
(١) «تفسير الطبري» (٣٠/ ١٩٦).
(٢) سبق ذِكْرُ قول المفسرين (نزلت هذه الآية في كذا) أنه من باب المثال، فقد يرد في الآية أكثر من سبب نزول، فيحتمل أن يكون أحدها هو السبب المباشر لنزول الآية، وما عداه فهو من باب المثال، أو يكون للآية أكثر من سبب مباشر لنزولها.
(٣) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٣٣٠).
(٤) «أضواء البيان» (١/ ١١٣).
 
١٣٢
 
٢ - ما يتعلق بالسياق القرآني
إن النظر في سياق الآية من حيث سباقها ولحاقها يعين على تعيين القول الراجح، وقد اهتم كثير من المفسرين بالسياق في ترجيح أحد الأقوال أو ردها لمخالفتها السياق، وقد يكون اللفظ عامًّا محتملًا لأكثر من معنى فيحدد بالسياق أحد هذه المعاني؛ لأنه أولى به وأقرب إليه، مع أن غيره من الأقوال محتمل.
مثال: قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ففي تأويل: ﴿مَا كَتَبَ اللَّهُ﴾ قيل: هو الولد.
وقيل: ليلة القدر.
وقيل: ما أحله الله لكم ورخص لكم.
قال ابن جرير الطبري:
«والصواب من القول في تأويل ذلك عندي أن يقال: إن الله تعالى ذِكْرُه قال: ﴿وَابْتَغُوا﴾ يعني: اطلبوا ما كتب الله لكم، يعني الذي قضى الله تعالى لكم، وإنما يريد الله تعالى ذِكْرُه: اطلبوا الذي كتبت لكم في اللوح المحفوظ أنه يباح فيطلق لكم، وطلب الولد إن طلبه الرجل بجماعه المرأة مما كتب الله له في اللوح المحفوظ، وكذلك إن طلب ليلة القدر، فهو مما كتب الله له، وكذلك إن طلب ما أحل الله وأباحه، فهو مما كتبه في اللوح المحفوظ.
وقد يدخل في قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ جميع معاني الخير المطلوبة، غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال معناه: وابتغوا ما
 
١٣٣
 
كتب الله لكم من الولد لأنه عقيب قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ بمعنى: جامعوهن، فلأن يكون قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الولد والنسل أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل، ولا خبر عن الرسول ﷺ» (١).
فأنت ترى في هذا المثال أن الإمام ابن جرير قد ذكر احتمال العموم في قوله: «جميع [١٠١] معاني الخير المطلوبة» ثم خصَّ أحدهما بدلالة السياق فقال: «غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال معناه: وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد لأنه عقيب قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾».
مثال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠]، قيل في السبيل قولان:
الأول: خروجه من بطن أمه.
الثاني: طريق الحق والباطل، بيَّناه له وأعلمناه، وسهَّلنا له العمل به.
قال ابن جرير الطبري: «وأولى التأويلين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: ثم الطريق، وهو الخروج من بطن أمه يسره. وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب؛ لأنه أشبههما بظاهر الآية، وذلك أن الخبر من الله قبلها وبعدها عن صفته خلقه، وتدبيره جسمه، وتصريفه إياه في الأحوال، فالأولى أن يكون أوسط ذلك نظير ما قبله وما بعده» (٢).
ومن أمثلة رد أحد الأقوال بالسياق؛ أي: أن في السياق ما يدل على رد هذا القول. تفسير الحسن لقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧] قال: هما رجلان من بني إسرائيل.
ويرد عليه بسياق الآية في قوله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ
(١) «تفسير الطبري» (٢/ ١٦٩، ١٧٠).
(٢) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٥٥).
 
١٣٤
 
كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]، ففيها دليل على أن ذلك وقع أول الأمر قبل أن يعلم الناس دفن الموتى، أما في زمن بني إسرائيل فلا يخفى دفن الموتى على أحد (١).
ولا يخفاك ما بين ترجيح أحد الأقوال بالسياق أو رد أحدهما من التلازم؛ فتنبه لذلك. [١٠٢]
* * *
(١) انظر: «أضواء البيان» (١/ ٧٥، ٧٧).
 
١٣٥
 
٣ - ما يتعلق برسم المصحف
المراد أن رسم المصحف يرجح أحد الأقوال المذكورة في الآية، ويرد الآخر لمخالفته الرسم.
مثال: قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦].
قيل في (لا) قولان:
الأول: أنها نافية.
الثاني: أنها ناهية.
ويترجح الأول؛ لأن رسم (تنسى) في المصحف بإثبات الألف المقصورة، والفعل المضارع إذا تقدمت عليه (لا) الناهية جزمته، فإذا جزم وفي نهايته حرف علة حُذِف، ولما كان حرف العلة هنا غير محذوف دل على أنّ (لا) هنا غير ناهية.
قال القرطبي: «والأول هو المختار - أي: كونها نافية ـ؛ إن الاستثناء من النهي لا يكاد يكون إلا مؤقتًا، وأيضًا فإن الياء مثبتة في جميع المصاحف، وعليها القرَّاء» (١).
ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣].
في الضمير (هم) في ﴿كَالُوهُمْ﴾ و﴿وَزَنُوهُمْ﴾ قولان:
الأول: أنه يعود على الناس، ويكون الضمير في موضع نصب.
ويكون المعنى: إذا كال المطففون الناس، أو وزن المطففون للناس ..
(١) «تفسير القرطبي» (٢٠/ ١٩)؛ وانظر: «روح المعاني» (٣٠/ ١٠٥).
 
١٣٦
 
الثاني: أنه يعود على واو الجماعة في كالوا ووزنوا، ويكون الضمير في موضع رفع مؤكد لواو الجماعة.
ويكون المعنى: إذا كال المطففون هم، وإذا وزن المطففون هم.
وقد رجح العلماء الأول؛ لأنه الموافق لرسم المصحف، والثاني مخالف له.
قال الزجاج: «والاختيار أن تكون (هم) في موضع نصب، بمعنى كالوا لهم، ولو [١٠٣] كانت على معنى كالوا، ثم جاءت (هم) توكيدًا لكان في المصحف ألف مثبتة قبل (هم)» (١).
وقال السيوطي - في معرض تنبيهاته على (إعراب القرآن) ـ: أن يراعي الرسم. وضرب لهذه أمثلة، وفيها دلالة على أن الرسم يدلّ على خطأ بعض الأقوال المذكورة في الآية:
قال السيوطي: «ومن ثمَّ خُطِّئ من قال في ﴿سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: ١٨]: إنها جملة أمرية؛ أي: سل طريقًا موصلة إليها؛ لأنها لو كانت كذلك لكتبت مفصولة.
ومن قال في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣] إنها: إنَّ واسمها؛ أي: إنَّ القصة، و(ذان) مبتدأ خبره (لساحران)، والجملة خبر إن، وهو باطل برسم (إن) منفصلة و(هذان) متصلة.
ومن قال في قوله: ﴿وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨] إن اللام للابتداء، والذين مبتدأ، والجملة بعد خبر، وهو باطل؛ فإن الرسم (ولا).
ومن قال في قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩]: إن (هم أشد) مبتدأ وخبره، و(أي)، مقطوعة الإضافة، وهو باطل برسم (أيهم) متصلة (٢). [١٠٤]
(١) «معاني القرآن وإعرابه» (٥/ ٩٢٨)؛ وانظر: «تفسير الطبري» (٣٠/ ٩١)؛ و«إعراب القرآن» للنحاس (٥/ ١٧٤)؛ «مشكل إعراب القرآن» لمكي بن أبي طالب (٢/ ٨٠٥، ٨٠٦).
(٢) «الإتقان» (٢/ ٢٦٦، ٢٦٧).
 
١٣٧
 
٤ - ما يتعلق بالأغلب من لغة العرب
إنما يحمل كلام الله على الأغلب المعروف من لغة العرب، دون الأنكر المجهول أو الشاذ.
وذلك أن يكون للكلمة في لغة العرب أكثر من معنى، فيختار المفسر المعروف الأغلب إلا أن يقع دليل على غير ذلك.
مثال: قوله تعالى: ﴿لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلاَ شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤].
قيل في البرد قولان:
الأول: هو برد الهواء الذي يبرد جسم الإنسان.
الثاني: النوم.
قال ابن جرير معلقًا على القول الثاني: «والنوم وإن كان يبرد غليل العطش، فقيل له من أجل ذلك: البرد، فليس هو باسمه المعروف، وتأويل كتاب الله على الأغلب من معروف كلام العرب دون غيره» (١).
وتابع النحاسُ أبا جعفر الطبري فقال: «وأصح هذه الأقوال القول الأول؛ لأن البرد ليس باسم من أسماء النوم، وإنما يحتال فيه فيقال للنوم: برد؛ لأنه يهدِّي العطش، والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله جل وعز على الظاهر والمعروف من المعاني إلا أن يقع دليل على غير ذلك» (٢). [١٠٥]
* * *
(١) «تفسير الطبري» (٣٠/ ١٣).
(٢) «إعراب القرآن» (٥/ ١٣٢)؛ وانظر: «القطع والائتناف» للنحاس (ص٧٥٨)؛ و«التحرير والتنوير» (٣٠/ ٣٧).
 
١٣٨
 
٥ - ما يتعلق بالمعنى الشرعي
لما كان القرآن نازلًا بلغة العرب، فإنه قد وقع فيه من الألفاظ ما لها دلالات خاصة في الشرع لم تكن معروفة قبل عند العرب، وهذه الألفاظ هي مصطلحات وأسماء شرعية، وقد أُلِّف فيها كتب؛ ككتاب «الزينة في الكلمات الإسلامية» لحمدان الرازي (ت:٣٢٢هـ).
ومن هذه الألفاظ الجنة والنار، الصلاة والزكاة، العمرة والحج، البعث والنشور، وغيرها من الكلمات التي صار لها مدلول خاص عند المسلم، فإذا سمع أحد هذه الألفاظ تبادر إلى ذهنه المعنى الشرعي لها.
والمقصود هنا أنه إذا اختلف المعنى الشرعي والمعنى اللغوي فإن المقدَّم المعنى الشرعي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة، إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي، فيؤخذ به.
مثال: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] ففي قوله: ﴿وَلاَ تُصَلِّ﴾ احتمالان:
الأول: الدعاء، وهذا هو المعنى اللغوي.
الثاني: الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة.
فيقدم هذا المعنى الشرعي؛ لأنه المقصود للمتكلم المعهود للمخاطب.
ومما دل الدليل فيه على إرادة المعنى اللغوي مع احتمال الشرعي قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].
 
١٣٩
 
فقوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم، ويدل على ذلك ما رواه مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان النبي ﷺ إذا أتي بصدقة قوم صلَّى عليهم، فأتاه أبي بصدقة فقال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى»» (١). [١٠٦]
* * *
(١) انظر: «البرهان في علوم القرآن» (٢/ ١٦٧)؛ و«أصول التفسير» لابن عثيمين (ص٢٩، ٣٠).
 
١٤٠
 
٦ - ما يتعلق بتصريف اللفظة
معرفة تصريف اللفظة وإرجاعها إلى أصلها يعين في بيان الراجح من الأقوال، ورد ما كان غير صواب.
ولا شك أن الألفاظ تختلف معانيها باختلاف تصريفها وإن كانت من مادة واحدة مثل (قسط وأقسط).
فقسط بمعنى جار، ولم يعدل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥].
وأقسط بمعنى عدل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].
مثال: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
ذكر الزمخشري معنى (بإمامهم): أي بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب ... ثم ذكر قولًا آخر قاله بعضهم، وهو: أن إمام جمع أمّ، ثم بدَّعه.
وعلق ابن المنيِّر على هذا القول الغريب بقوله: «قال أحمد: ولقد استبدع بدعًا لفظًا ومعنىً فإن جمع الأم المعروف أمهات» (١).
مثال: قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧].
قوله: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ أصله من قرض بمعنى: قطع، والمعنى: تقطع لهم من ضوئها شيئًا.
(١) «الإنصاف بحاشية الكشاف» (٢/ ٣٦٩)، وانظر: «الإتقان في علوم القرآن» (٤/ ١٨٦).
 
١٤١
 
وقيل: تعطيهم من ضوئها شيئًا ثم تزول سريعًا؛ كالقرض يُسْتَردُّ، وعلى هذا يكون أصل «تقرضهم» أقرض، ولو كان أصلها أقرض لكان الفعل مضموم التاء «تُقرضهم».
ولما كان الفعل مفتوحًا دل على أنه من الأول.
قال أبو حيان: «وقال أبو علي: معنى تقرضهم: تعطيهم من ضوئها شيئًا ثم تزول [١٠٧] سريعًا، كالقرض يُستردُّ، والمعنى عنده أن الشمس تميل بالغدوة، وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة انتهى.
ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعيًا، فكان يكون تُقرضهم بالتاء مضمومة، لكنه من القطع، وإنما التقدير تَقرض لهم؛ أي: تقطع لهم من ضوئها شيئًا» (١). [١٠٨]
* * *
(١) «البحر المحيط» (٦/ ١٠٨).
 
١٤٢
 
٧ - ما يتعلق بالتقديم والتأخير
الأصل في الكلام تقديم ما حقه التقديم، وتأخير ما حقه التأخير، ولا يعدل عن هذا الأصل إلا بحجة يجب التسليم لها.
قال أبو جعفر النحاس: «التقديم والتأخير إنما يكون إذا لم يجز غيرهما» (١).
وقال أبو عمرو الداني: «التقديم والتأخير لا يصح إلا بتوقيف أو بدليل قاطع» (٢).
وقال شيخ الإسلام: «والتقديم والتأخير على خلاف الأصل، فالأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه لا تغيير ترتيبه، ثم إنما يجوز فيه التقديم والتأخير مع القرينة، أما مع اللبس فلا يجوز؛ لأنه يلتبس على المخاطب» (٣).
مثال: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى *فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: ٤، ٥].
الأحوى: شديد السواد، أو الأخضر الضارب إلى السواد من شدة الخضرة.
والغثاء: الهشيم اليابس.
وفي معنى الآية قولان:
الأول: أن الله أخرج المرعى أخضر، ثم جعله من بعد الخضرة هشيمًا متكسرًا، مائلًا إلى السواد من القدم.
(١) «القطع والائتناف» (ص١٥٧).
(٢) «المكتفى في الوقف والابتدا» (ص٢٤٥، ٤٣٧).
(٣) «دقائق التفسير» (٦/ ١٢٣).
 
١٤٣
 
الثاني: أن الله أخرج المرعى أحوى؛ أي: أخضر شديد الخضرة، مائلًا بشدة خضرته إلى السواد، ثم جعله هشيمًا متكسرًا، ويكون على هذا القول (أحوى) مؤخرًا حقه التقديم.
قال ابن جرير الطبري معلقًا على هذا القول: «وهذا القول وإن كان غير مدفوع أن يكون ما اشتدت خضرته من النبات قد تسميه العرب أسود، غير صواب عندي، بخلاف تأويل أهل التأويل في أن الحرف إنما يحتال لمعناه المجرد بالتقديم والتأخير إذا لم يكن له وجه مفهوم إلا بتقديمه عن موضعه، أو تأخيره، فأمَّا وله في موضعه وجه صحيح فلا وجه لطلب الاحتيال لمعناه بالتقديم والتأخير» (١). [١٠٩]
* * *
(١) «تفسير الطبري» (٣٠/ ١٥٣)، وانظر: (١/ ٤٦٢).
 
١٤٤
 
٨ - ما يتعلق بظاهر القرآن
المراد من هذا أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، أو كما قال الإمام ابن جرير: «غير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن إلا بدليل» (١).
مثال: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].
قال ابن جرير: «يعني بقوله جل ثناءه: ﴿وَإِنَّهَا﴾ وإن الصلاة، فالهاء والألف في «إنها» عائدتان على الصلاة.
وقد قال بعضهم: إن قوله: ﴿وَإِنَّهَا﴾ بمعنى إجابة محمد ﷺ، ولم يَجْرِ ذلك بلفظ الإجابة ذكر، فتجعل الهاء والألف كناية عنه، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته» (٢).
مثال: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].
روى الإمام ابن جرير عن السدي أنه قال: «يعنيان العرب».
قال ابن جرير معلقًا على هذا القول: «وهذا قول يدل ظاهر الكتاب على خلافه؛ لأن ظاهره يدل على أنهما دعوا الله أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته والمستجيبين لأمره، وقد كان من ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب له والخاضع له بالطاعة من الفريقين، فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقًا من ولده بأعيانهم دون غيرهم إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد» (٣). [١١٠]
(١) و(٢) «تفسير الطبري» (١/ ٢٦١).
(٣) «تفسير الطبري» (١/ ٥٥٣).
 
١٤٥
 
مثال: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
قال الإمام الشنقيطي: «وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزان، وظاهر القرآن تعدد الموازين لكل شخص؛ لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]، وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٩]، فظاهر القرآن يدل على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله؛ كما قال الشاعر:
ملك تقوم الحادثات لعدله ... فلكل حادثة ميزان
والقاعدة المقررة في الأصول أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه» (١). [١١١]
* * *
(١) «أضواء البيان» (٤/ ٥٨٤، ٥٨٥، ٦٧٢، ٦٧٣).
 
١٤٦
 
٩ - ما يتعلق بطريقة القرآن
والمراد هنا أن اختيار التأويل الموافق لطريقة القرآن الكلية أو الأغلبية أولى من غيره.
وهذا يعني أن طريقة القرآنُ تُرجِّح إحدى التأويلات على غيرها، وقد تُرَدُّ بعض الأقوال لأنها على غير طريقة القرآن ومعهوده في الاستعمال.
مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٨].
في مرجع الضمير في ﴿رَجْعِهِ﴾ قولان:
الأول: أنه يعود إلى الإنسان، ويكون المعنى: قادر على رده للحياة بعد موته.
الثاني: أنه يعود إلى الماء، ويكون المعنى: قادر على رد الماء إلى الصلب - على قول - أو إلى الإحليل على قول آخر.
وقد صواب ابن القيم القول الأول، ومن أوجه استدلالاته أنه قال: «إنه المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد».
ورد الثاني: ومن أوجه استدلالاته في الرد أنه قال: «إنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد» (١).
مثال: قوله تعالى: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥].
قيل: هي آيات القرآن، ومواقعها: نزولها شيئًا بعد شيء.
وقيل: هي النجوم المعروفة في السماء.
(١) «التبيان في أقسام القرآن» (ص٦٦).
 
١٤٧
 
وقد علل ابن القيم لهذا القول فقال: «ويرجح هذا أن النجوم حيث وقعت في القرآن فالمراد منها الكواكب؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]، وقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ﴾ (١) [الأعراف: ٥٤]. [١١٢]
مثال: قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧].
قال الإمام الشنقيطي: «ومثال الإجمال بسبب الاشتراك في فعل قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧]، فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره، وقد جاءت آية تؤيد أن معناه في الآية أدبر، وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ *وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٣، ٣٤] فكون عسعس في الآية بمعنى: أدبر، يطابق معنى آية المدثر هذه كما ترى، ولكن الغالب في القرآن أنه تعالى يقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق؛ كقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١، ٢]، وقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا *وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس: ٣، ٤]، وقوله: ﴿وَالضُّحَى *وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١، ٢] ... إلى غير ذلك من الآيات، والحمل على الغالب أولى، وهذا هو اختيار ابن كثير، وهو الظاهر، خلافًا لابن جرير» (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ﴾ [الإسراء: ١١٠].
قال ابن القيم:
«وقيل: إن الدعاء ههنا بمعنى التسمية، كقولهم: دعوت ولدي سعيدًا.
وادعه بعبد الله ونحوه. والمعنى: سمُّوا ربكم: الله، أو سمُّوه: الرحمن؛ فالدعاء ههنا بمعنى التسمية. وهذا قول الزمخشري. والذي حمله على هذا قوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، فإن المراد بتعدُّده: معنى «أي» وعمومها هنا تعدد الأسماء ليس إلا. المعنى: أي اسم سمَّيتموه به من أسماء الله تعالى؛ إما الله وإما الرحمن فله الأسماء الحسنى؛
(١) «التبيان في أقسام القرآن» (ص١٣٦، ١٣٧).
(٢) «أضواء البيان» (١/ ٧٠).
 
١٤٨
 
أي: فللمسمى سبحانه الأسماء الحسنى. والضمير في «له» يعود إلى المسمى. فهذا الذي أوجب له أن يحمل الدعاء في هذه الآية على التسمية، وهذا الذي قاله هو من لوازم المعنى المراد بالدعاء في الآية وليس هو عين المراد، بل المراد بالدعاء معناه المعهود المطرد في القرآن، وهو دعاء السؤال، ودعاء الثناء، ولكنه متضمن معنى التسمية، فليس المراد مجرد التسمية الخالية من العبادة والطلب؛ بل التسمية الواقعة في دعاء الثناء والطلب.
فعلى هذا المعنى: يصح أن يكون في «تدعوا» معنى: تسمُّوا، فتأمله. والمعنى: أيًّا ما تسموا في ثنائكم ودعائكم وسؤالكم. والله أعلم» (١). [١١٣]
* * *
(١) «التفسير القيم» (ص٢٤٤).
 
١٤٩
 
١٠ - ما يتعلق بإجماع الحجة أو قول الأكثر من الصحابة والتابعين
استخدام ابن جرير في ترجيحاته إجماع الحجة - وهو قول الأكثر عنده - استخدمه في ترجيح أحد الأقوال أو في تخطئتها.
مثال: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
قيل: الأمر لقريش، والناس من عداهم.
وقيل: الأمر للمسلمين، والناس وإبراهيم ﵇، وهو قول الضحاك.
قال ابن جرير الطبري: «والذي نراه صوابًا من تأويل هذه الآية، أنه عنى بهذه الآية قريشًا ومن كان متحمسًا معها من سائر العرب؛ لإجماع الحجة من أهل التأويل على أن ذلك تأويله» (١).
مثال: قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩].
قال أبو الليث: «ويقال: أراد بها البقرة السوداء ...
ولكن هذا خلاف أقاويل المفسرين، وكلهم اتفقوا أنه أراد به اللون الأصفر، إلا قولًا روي عن الحسن البصري» (٢). [١١٤]
* * *
(١) «تفسير الطبري» (٢/ ٢٩٣)، وانظر: (١/ ١٢٦، ١٢٧، ٢٢٠، ٢٧٤، ٢/ ١١٤، ٣٠/ ١٦٩)؛ و«الإشارة إلى الإيجاز» (ص٢٧٦)؛ و«تفسير ابن جزي» (١/ ٩).
(٢) «تفسير القرآن الكريم» للسمرقندي (١/ ٣٨٦، ٣٨٧).
 
١٥٠
 
١١ - الترجيح بالاستعمال العربي
المراد بهذه القاعدة أن الاستعمال العربي للفظة أو الأسلوب يكون دليلًا في ترجيح أحد الأقوال على غيرها.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩].
رد ابن جرير قول من قال: فاقع: سوداء شديدة السواد.
وقال: «... العرب لا تصف السواد بالفقوع، وإنما تصف السواد - إذا وصفته بالشدة - بالحلوكة ونحوها، فتقول: هو أسود حالك، وحانك، وحلكوك، وأسود غربيب، ودجوجي، ولا تقول: هو أسود فاقع، وإنما تقول: هو أصفر فاقع. فوصْفُه إياه بالفقوع، من الدليل البين على خلاف التأويل الذي تأول قوله: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ﴾ المتأول بأن معناه سوداء شديدة السواد» (١).
وفي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥].
ذكر الطبري الأقوال في الأشد، وهي:
١ - ثلاثة وثلاثون سنة، وهو قول ابن عباس، وقتادة.
٢ - بلوغ الحلم، وهو قول الشعبي.
ثم قال معلقًا على القولين، ومرجحًا لأحدهما:
«وقد بينا فيما مضى أن الأشد جمع: شد، وأنه تناهي قوته واستوائه، وإذا كان ذلك كذلك، كان الثلاث والثلاثون به أشبه من الحلم؛ لأن المرء لا
(١) «تفسير الطبري» (١/ ٣٤٥).
 
١٥١
 
يبلغ في حال حلمه كمال قواه، ونهاية شدته، فإن العرب إذا ذكرت مثل هذا الكلام، فعطفت ببعض على بعض جعلت كلا الوقتين قريبًا أحدهما من صاحبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ولا تكاد تقول: أنا أعلم أنك تقوم قريبًا من ساعة الليل وكله، ولا أخذت قليلًا من مال أو كله، ولكن تقول: أخذت عامة مالي أو كله، فكذلك ذلك في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥] لا شك أن نسق الأربعين على الثلاثة والثلاثين أحسن وأشبه، إذ كان يراد بذلك تقريب أحدهما من الآخر من النسق على الخمس عشرة أو الثمان عشرة» (١). [١١٥]
* * *
(١) «تفسير الطبري» (٢٦/ ١٦، ١٧).
 
١٥٢
 
١٢ - الترجيح بالسنة النبوية
لا شك أن تفسير النبي ﷺ مقدم على تفسير غيره، ولكن قد يكون في النصوص احتمال؛ فيستند المفسر على السنة النبوية لبيان الأقوى منها، ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠].
أورد ابن جرير في معنى قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ قولين:
الأول: أنها بمعنى: النفي، بمعنى: ما من مزيد؛ لأنها قد امتلأت، وكأن قولها هذا من باب التأفف من هؤلاء الكفار الذي ألقوا فيها.
الثاني: أنها بمعنى: الاستزادة، وأنها تطلب مزيدًا إن كان هناك مزيدًا.
ورجح الطبري القول الثاني فقال:
«وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو بمعنى الاستزادة: هل من شيء أزداده؟ وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ بما حدثني أحمد بن مقدم العجلي، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، قال: ثنا أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة، لم يظلم الله أحدًا من خلقه شيئًا، ويلقى في النار، تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع عليها قدمه، فهنالك يملؤها، ويزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قطْ قطْ»».
ثم قال بعد أن سرد غير هذا الخبر: «ففي قول النبي ﷺ: «لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد؟»، دليل واضح على أن ذلك بمعنى الاستزادة لا بمعنى النفي؛ لأن قوله: «لا تزال» دليل على اتصال قول بعد قول» (١). [١١٦]
(١) «تفسير الطبري» (٢٦/ ١٧٠، ١٧١)، وانظر: «الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز» للعز بن عبد السلام (ص٢٧٦)؛ و«تفسير ابن جزي الكلبي» (١/ ٩).
 
١٥٣
 
١٣ - التأسيس أولى من التأكيد
المراد بهذه القاعدة أن الكلام إذا دار بين التأسيس والتأكيد حُمِل على التأسيس.
ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧].
للعلماء في المراد بالحياة الطيبة قولان:
الأول: أنها في الدنيا.
الثاني: أنها في الآخرة، بدخول الجنة.
فإذا قيل بالقول الأول كأن تأسيسًا، وإذا قيل بالثاني كان تكرارًا؛ لأنه جاء بعده قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ... أي: في الآخرة، وعلى هذا فالأول أرجح (١).
وفي قوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [النور: ٤١] للعلماء في ضمير الفاعل المحذوف في قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ قولان:
الأول: أنه يرجع إلى المصلي والمسبح.
الثاني: أنه يرجع إلى الله سبحانه.
والأول أرجح بناء على هذه القاعدة؛ لأن القول الثاني يكون من باب التكرار؛ فيكون قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ مؤكدًا للجملة السابقة (٢). [١١٧]
(١) «أضواء البيان» (٣/ ٣٥٥، ٣٥٦).
(٢) «أضواء البيان» (٦/ ٢٤٤، ٢٤٥)، وانظر: (٥/ ٧٥٩، ٦/ ٤١٤، ٦٩٢، ٨٢١).
 
١٥٤
 
١٤ - الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور
المراد بهذه القاعدة أن الضمائر - ويلحق بها ما يناسب قاعدة الضمير من أسماء الإشارة وما شابهها - إذا احتمل عودها إلى أكثر من مذكور، فالأصل عودها إلى أقرب مذكور.
من أمثلة رجوع الضمير لأقرب مذكور قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ *سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ * لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ... الآية [الرعد: ٩، ١١].
قال ابن جرير الطبري: «وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: الهاء في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ من ذكر (مَنْ) التي في قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ وأن المعقبات من بين يديه، ومن خلفه، هي حرسه وجلاوزته، كما قال ذلك من ذكرنا قوله.
وإنما قلنا ذلك أولى القولين بالصواب؛ لأن قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ أقرب إلى قوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ منه إلى ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾؛ فهي لقربها منه أولى بأن تكون من ذكره» (١).
ومن أمثلة اسم الإشارة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ [الأعلى: ١٨].
ذكر ابن عطية في مرجع اسم الإشارة ثلاثة أقوال، وهي:
(١) «تفسير الطبري» (١٣/ ١١٧).
 
١٥٥
 
١ - القرآن.
٢ - معاني السورة.
٣ - يرجع إلى الفلاح وإيثار الناس للدنيا.
ثم رجع الثالث بقوله: «وهذا هو الأرجح؛ لقرب المشار إليه» (١). [١١٨]
* * *
(١) «المحرر الوجيز» (١٥/ ٤١٥).
 
١٥٦
 
١٥ - الأصل توافق الضمائر في المرجع حذرًا من التشتت (١)
المراد بهذه القاعدة أن الضمائر التي يحتمل رجوعها إلى مرجع واحد، ويحتمل توزيعها على أكثر من مرجع، فإن الأولى رجوعها إلى مرجع واحد؛ لأن في توزيعها على أكثر من مرجع تفكيكًا للنظم.
ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: ٩]، اختلف العلماء في مرجع الضمائر في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ بعد إجماعهم على أن الضمير في ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ عائد إلى الله ﷾.
فقال بعض العلماء: مرجع الضمائر إلى الرسول ﷺ.
وقال آخرون: مرجعها إلى الله سبحانه.
وبناء على هذه القاعدة يكون الراجح القول الثاني، وقد اختاره الزمخشري بناء على هذه القاعدة (٢).
ومن أمثلة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣].
قيل: هو من كلام يوسف، وقيل: هو تمامٌ لكلام امرأة العزيز، وهذا هو الصواب، ومن أدلة ترجيح هذا القول ما قاله ابن القيم: «الصواب أنه من تمام كلامها، فإن الضمائر كلها في نسق واحد يدل عليه. وهو قول النسوة: ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١]، وقول امرأة العزيز: ﴿أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ
(١) «معترك الأقران» (٣/ ٥٧٨).
(٢) «الكشاف» (٢/ ٣٧٣)، وانظر: (٢/ ٢٤)؛ و«أضواء البيان» (٥/ ٧٥٠، ٧٥١، ٧/ ٢٦٥).
 
١٥٧
 
نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٥١]، فهذه خمس ضمائر بين بارز ومستتر، ثم اتصل بها قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ [يوسف: ٥٢] فهذا هو المذكور أولًا بعينه، فلا شيء يفصل الكلام من نظمه، ويُضْمَرُ فيه قول لا دليل عليه» (١). [١١٩]
* * *
(١) «روضة المحبين» (ص٣٢٠، ٣٢١).
 
١٥٨
 
١٦ - الأصل عدم التقدير ولا يلجأ إليه إلا بحجة يجب الرجوع إليها تثبت هذا المحذوف (١)
المراد بهذه القاعدة أن الخطاب إذا كان يفهم من غير حاجة إلى تقدير مقدر فلا معنى لهذا التقدير.
ومن أمثلة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
للعلماء في هذه الأحكام قولان:
الأول: أن الإمام مخير بينها، فيفعل بالمحارب أحد هذه العقوبات.
الثاني: أن هناك مضمرًا مقدرًا، وهي على التفصيل، فإن قَتَل قُتِلَ، وإن قَتَلَ وأخَذَ المال قُتِلَ وصُلِبَ، وإن أخَذَ المال ولم يقتل تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن أخافوا السبيل فقط، ينفوا من الأرض.
وبناء على هذه القاعدة فالأول أرجح؛ لأن الأصل عدم التقدير، وهذه التقديرات زيادة تحتاج إلى نص من كتاب أو سنة (٢).
ومن الأمثلة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
قال أبو حيان: «وقد ركبوا وجوهًا من الإعراب في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ والذي نختاره منها أن قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جملة مستقلة من
(١) انظر نص ابن جرير على هذه القاعدة (٢/ ٥٩٢).
(٢) «أضواء البيان» (٢/ ٨٦ - ٨٨)، وانظر: (٤/ ١٣٧، ٧/ ٢٦٥).
 
١٥٩
 
مبتدأ وخبر؛ لأنه متى حمل الكلام على غير إضمار ولا افتقار كان أولى من أن يسلك به الإضمار والافتقار» (١).
ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣].
قيل: هو من قول يوسف، وقيل: من قول امرأة العزيز، والثاني هو الصواب، ومن [١٢٠] الأدلة المرجحة لذلك؛ أنه متصل بكلام المرأة، وهو قولها: ﴿... الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَمَا أُبَرِّيءُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥١ - ٥٣]، ومن جعله من قوله فإنه يحتاج إلى إضمار قول لا دليل عليه في اللفظ بوجه ما. والقول في مثل هذا لا يحذف؛ لئلا يوقع في اللباس. فإن غايته: أن يحتمل الأمرين. فالكلام الأول أولى به قطعًا (٢). [١٢١]
* * *
(١) «البحر المحيط» (١/ ٣٦).
(٢) «التفسير القيم» (ص٣١٦).
 
١٦٠
 
كليات القرآن
المراد بكليات القرآن ما يطلقه بعض المفسرين على لفظ أو أسلوب بأنه يأتي في القرآن على معنى مطرد (١).
وهذه الإطلاقات الكُليّة تبيِّن مصطلحات القرآن في الألفاظ والأساليب، فيكون اللفظ الكلي مصطلحًا قرآنيًا خاصًّا.
ولا تكون هذه الإطلاقات إلا بعد استقراءٍ للقرآن، وهذه الأحكام بعد الاستقراء إما أن تكون كلية لا تنخرم، وعليه فهي قاعدة مرجحة عند الاختلاف؛ لأن الاستقراء التام حجة (٢)، أو تكون منخرمة بأمثلة فيبيِّن المفسِّر هذه الأمثلة، وعلى هذا تكون الأحكام أغلبية، ويمكن الاستفادة منها في الترجيح - كما سيأتي ـ.
وقد كان لمفسري الصحابة والتابعين ثم من جاء بعدهم عنايةٌ بهذه الكليات، وكان أول من ذُكِر عنه أنه جمعها في كتاب الإمام اللغوي أحمد بن فارس (ت:٣٩٥هـ)، في كتابه الموسوم «بالأفراد» (٣)، وقد بقي من هذا الكتاب نقولات نقلها الزركشي في «البرهان في علوم القرآن» (٤)، والسيوطي في «الإتقان» (٥)، و«معترك الأقران» (٦)، وقد زاد السيوطي عليها شيئًا قليلًا.
(١) كتب في هذا الموضوع الأخ بريك القرني رسالة علمية، ثم طبعها في كتاب، وانظر: استدراكه في «تعريف الكليات»، ثم اختياره (١/ ٢٦ - ٢٩).
(٢) انظر: «أضواء البيان» (٢/ ٥، ٥/ ٣٢٩، ٦/ ١٣٥).
(٣) «أحمد بن فارس وريادته في البحث اللغوي والتفسير القرآني والميدان الأدبي» لهادي حمودة (ص٥٧).
(٤) انظر: (١/ ١٠٥ - ١١٠).
(٥) انظر: (٣/ ٥٦، ٦١).
(٦) انظر: (٣/ ٥٦٢).
 
١٦١
 
وللراغب في «مفرداته» اهتمام بهذه الكليات، وقد جمعها في الفهرس محقق المفردات «صفوان داوودي» (١).
ولأبي البقاء في «كلياته» عناية بهذه الكليات، حيث ذكر تحت كل لفظة قرآنية كلياتها إن وجد (٢)، [١٢٢]
وقد خصَّها بمبحثٍ في مقدمة كتابه العلامة الطاهر بن عاشور وسماه: «عادات القرآن» (٣).
وإليك الآن سَوْقُ أمثلة لهذه الكليات كما ذُكِرت عن المفسرين.

أولًا: كليات الألفاظ:
١ - قال ابن عباس، وابن زيد: «كل شيء في القرآن رجز فهو عذاب» (٤).
٢ - قال مجاهد: «كل ظن في القرآن فهو علم» (٥).
٣ - قال سفيان بن عيينة: «ما سمَّى الله مطرًا في القرآن إلا عذابًا» (٦).
٤ - قال ابن زيد: «التزكي في القرآن كله الإسلام» (٧).
٥ - قال مجاهد: «كل ما في القرآن: قُتِل الإنسان، أو فُعِل بالإنسان، فإنما عني به الكافر» (٨).
٦ - قال الفراء: «كَتَبَ في القرآن بمعنى: فرض» (٩).
(١) انظر: (ص١١٨٨).
(٢) انظر: (١٩٩، ٢٠٣).
(٣) «التحرير والتنوير» (١/ ١٢٤).
(٤) «تفسير الطبري» (١/ ٣٠٥، ٣٠٦).
(٥) «تفسير الطبري» (١/ ٢٦٢).
(٦) «فتح الباري» (٨/ ١٥٨).
(٧) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٣٩، ٥٢).
(٨) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٥٤).
(٩) «القطع والائتناف» للنحاس (ص١٧٦).
 
١٦٢
 
٧ - قال ابن فارس: «ما في القرآن من ذكر البعل فهو الزوج؛ كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلا حرفًا واحدًا في الصافات: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] فإنه أراد صنمًا» (١).
٨ - قال الراغب: «التثويب في القرآن لم يجئ إلا في المكروه» (٢).
٩ - قال الراغب: «كل موضع مدح الله تعالى بفعل الصلاة أو حثَّ عليه ذُكِر بلفظ الإقامة» (٣). [١٢٣]
١٠ - قال الطاهر بن عاشور: «والنداء إلى الصلاة هو الأذان، وما عبر عنه في القرآن إلا النداء» (٤).
١١ - وقال: «وأريد بالكفار في قوله: «الكفار» المشركون، وهذا اصطلاح القرآن في إطلاق لفظ الكفار» (٥).
ومما عبِّر بأنه يكثر أو يغلب في القرآن قول الإمام الشنقيطي:
«ويكثر في القرآن ذكر إكرام أهل الجنة بكونهم مع نسائهم دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة» (٦).
وقال: «ويكثر في القرآن إطلاق مادة الزكاة على الطهارة» (٧).

ثانيًا: كليات الأسلوب:
١ - قال الشاطبي: «إذا ورد في القرآن الترغيب قارنه الترهيب في لواحقه أو سوابقه أو قرائنه، وبالعكس، وكذلك الترجية مع التخويف» (٨).
(١) «البرهان في علوم القرآن» (١/ ١٠٥).
(٢) «مفردات ألفاظ القرآن» (ص١٨٠).
(٣) «مفردات ألفاظ القرآن» (ص٤٩١).
(٤) «التحرير والتنوير» (٦/ ٢٤٢).
(٥) «التحرير والتنوير» (٦/ ٢٤١).
(٦) «أضواء البيان» (٧/ ٢٨٠).
(٧) «أضواء البيان» (٤/ ٤٥).
(٨) «الموافقات» (٣/ ٢٣٦).
 
١٦٣
 
٢ - قال ابن القيم: «وهذه طريقة القرآن يقرن بين أسماء الرجاء وأسماء المخافة، كقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾» (١) [المائدة: ٩٨].
٣ - وقال: «وهو سبحانه إذا ذكر الفلاح علَّقه بفعل المفلح؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾» (٢) [المؤمنون: ١، ٢].
٤ - قال الشنقيطي: «قوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الأحقاف: ٢] قد دلَّ استقراء القرآن العظيم على أن الله جل وعلا إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى [١٢٤] المتضمنة صفاته العليا» (٣).
٥ - قال الشاطبي: «كل حكاية وقعت في القرآن فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها - وهو الأكثر - ردٌّ لها، أولًا؛ فإن وقع فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها فذلك دليل على صحة المحكي وصدقه» (٤).
مثال الأول: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٦].
ومثال الثاني: قول العزيز - فيما حكاه الله عنه ـ: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨].
وقول الهدهد - فيما حكاه الله عنه ـ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣].
٦ - قال ابن عطية: «سبيلُ الواجبات الإتيانُ بالمصدر مرفوعًا؛ كقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨]. وسبيلُ المندوبات الإتيانُ به منصوبًا؛ كقوله: ﴿فَضَرْبَ
(١) «جلاء الأفهام» (ص١٧٤).
(٢) «التبيان في أقسام القرآن» (ص١٧).
(٣) «أضواء البيان» (٧/ ٤١)، وانظر: (٧/ ١٥٠).
(٤) «الموافقات» (٣/ ٢٦٣).
 
١٦٤
 
الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؛ ولهذا اختلفوا: هل كانت الوصية للزوجات واجبة لاختلاف القراءة في قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] بالرفع والنصب؟
قال أبو حيان: والأصلُ في هذه التفرقة قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: ٦٩]؛ فإنَّ الأول مندوب، والثاني واجب؛ والنكتةُ في ذلك أنّ الجملة الاسمية أوْكد وأثبت من الفعلية» (١). [١٢٥]
* * *
(١) «معترك الأقران» (٣/ ٦١٧).
 
١٦٥
 
توجيه القراءات وأثره في التفسير
من المعلوم أن القراءات قسمان: متواترة، وشاذة.
وقد دوَّن العلماء هذه القراءات المتواترة وحفظوا أسانيدها بحيث لا يمكن زيادة شيء على المتواتر أو النقص منه. وظهر علم يتعلق بهذه القراءات وهو: توجيه القراءات، ويسمى: علل القراءات، أو الاحتجاج للقراءات.
والمراد بهذا العلم: بيان وجه القراءة من حيث العربية، ومعرفة الفروق بين القراءات المختلفة. وليس يعني هذا أن القراءات محتاجة إلى توثيق، بل هي حجة، كما قال ابن جني: «والقرآن يُتخير له ولا يُتخير عليه» (١).
وقال الصفاقسي في «غيث النفع»: «القراءة لا تتبع العربية، بل العربية تتبع القراءة؛ لأنها مسموعة من أفصح العرب بإجماع، وهو نبينا ﷺ، ومن أصحابه ومن بعدهم» (٢). والتوجيه يكون للأداء، وللإعراب، وللصرف، وللغة، وللمعنى.
والمراد هنا ما يتعلق بالمعنى؛ لأنه هو المؤثِّر في التفسير، حيث يختلف المعنى باختلاف القراءة. ومن الكتب التي اعتنت بتوجيه القراءات: [١٢٦]
١ - «الحجة في القراءات السبع»، لابن خالويه (ت:٣٧٠هـ).
٢ - «معاني القراءات»، لأبي منصور الأزهري (ت:٣٧٠هـ).
٣ - «الحجة للقراءات السبعة»، لأبي علي الفارسي (ت:٣٧٧هـ).
(١) «المحتسب» (١/ ٥٣).
(٢) نقلًا عن: دراسات لأسلوب القرآن الكريم (ق١، ١/ ٢٧)، وانظر فيه أقوالًا أخر، وراجع كلامًا لابن المنير في تعليقه على: «الكشاف» (٢/ ٥٣، ٥٤).
 
١٦٦
 
٤ - «المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات، والإيضاح عنها»، لأبي الفتح عثمان بن جني (ت:٣٩٢هـ).
٥ - «الكشف عن وجوه القراءات السبعة وعللها وحججها»، لمكي ابن أبي طالب (ت:٤٣٧هـ).
٦ - «حجة القراءات»، لأبي زرعة عبد الرحمن بن زنجلة (القرن الخامس).
ومن كتب المتأخرين:
١ - «طلائع البشر في توجيه القراءات العشر»، لمحمد الصادق القمحاوي.
٢ - «القراءات الشاذة وتوجيهها في لغة العرب»، لعبد الفتاح القاضي.
٣ - «المغني في توجيه القراءات العشر المتواترة»، لمحمد سالم محيسن.
وأما كتب التفسير، فالمطوَّلات لا تخلو من توجيه القراءات؛ كتفسير ابن جرير الطبري، وتفسير ابن عطية، والقرطبي، وأبي حيان، والرازي، والشنقيطي، والطاهر بن عاشور ... إلخ.
أنواع الاختلاف في القراءات: الاختلاف في القراءات ثلاثة أنواع:
الأول: اختلاف اللفظ والمعنى واحد.
ومثال هذه النوع: اختلافهم في قراءة «الصراط» فمنهم من قرأ بالصاد، ومنهم من قرأ بالسين.
وكذا اختلافهم في: «عليهمُ، عليهِم»، و«القُدُس، القُدْس» وغيرها. [١٢٧]
الثاني: اختلاف اللفظ والمعنى، مع جواز اجتماعهما في شيء واحد.
ومثال ذلك: اختلافهم في قراءة: «ملك» و«مالك» وقراءة «بظنين» و«بضنين»، ففي مثل هذه الحالة يثبت للشيء الواحد معنيان.
ففي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] و«مالك يوم الدين» يكون وصف الله بأنه مالك وملك، وبين هذين اللفظين اختلاف في المعنى والمرجع واحد.
وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] و«بظنين» يكون وصفُ رسولِ الله ﷺ بعدم البخل، وبنفي الاتهام عنه.
 
١٦٧
 
الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى، مع امتناع اجتماعهما في شيء واحد، بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد. مثل قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ *وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر: ٢٥، ٢٦] فقرئ: «يعذِّب» و«يعذَّب» و«يوثِق» و«يوثَق»، ولكل قراءة توجيه يختلف عن الآخر.
ومثله ما يقرأ في لفظة: «يرجعون» و«ترجعون»، بالياء أو التاء، فالمعنى فيها يختلف (١). وهذا النوع يكون بمثابة التفسيرين - كما سيأتي ـ.
قواعد في القراءات:
١ - القراءتان في الآية - إذا ظهر تعارضهما - لهما حكم الآيتين، وصارت بمثابة اختلاف التنوع (٢).
ومثال هذا قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] برفع المجيد وجرِّه. فبالرفع يكون: «المجيدُ» صفة لذو. وبالجرّ يكون: «المجيدِ» صفة للعرش، وعلى هذا، فهاتان القراءتان لهما حكم الآيتين.
وهذه القاعدة تأتي في النوع الثالث الذي سبق ذكره. [١٢٨]

٢ - القراءات إذا لم يظهر تعارضها وعادت إلى ذات واحدة فهي زيادة في الحكم لهذه الذات بمعنى هذه القراءات.
ومثال هذه: قوله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]. قرئت: ﴿حَمِئَةٍ﴾ و«حامية»، فمن قرأ: «حامية» فهي بمعنى: حارة، ومن قرأ: ﴿حَمِئَةٍ﴾ فهي من الحمأة: الطين المنتن المتغير اللون، قال ابن زنجلة: وهذا القول؛ أي: اختيار ﴿حَمِئَةٍ﴾ لا ينفي قول من قرأها: «حامية» إذ كان جائزًا أن تكون العين التي تغرب الشمس فيها حارة، وقد تكون حارة وذات حمأة وطينة سوداء، فتكون موصوفة بالحرارة وهي ذات حمأة (٣). وهذه القاعدة تأتي في النوع الثاني الذي سبق ذكره.
(١) راجع: «النشر في القراءات العشر» (١/ ٤٩ - ٥١)؛ و«دقائق التفسير» (١/ ٦٩).
(٢) نص عليها الشنقيطي في «أضواء البيان» (٢/ ٨)، وانظر: «دقائق التفسير» (١/ ٦٩).
(٣) «حجة القراءات» (ص٤٢٩ - ٤٧٠)، وانظر: «تفسير الطبري» (١٦/ ١٢).
 
١٦٨
 
٣ - القراءات يبين بعضها بعضًا:
مثاله: قوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. قرأ حمزة والكسائي وشعبة وعاصم: «عَقَدتم» بالتخفيف بلا ألف، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر «عاقدتم» بألف بوزن فاعل. وقرأ الباقون: ﴿عَقَّدْتُّمُ﴾ بالتشديد من غير ألف.
والتضعيف والمفاعلة معناها مجرد الفعل، بدليل قراءة «عقدتم» بلا ألف ولا تضعيف، والقراءات يبين بعضها بعضًا (١).
• وأخيرًا - لا يخفى عليك - أيها القارئ ما بين هذه القواعد من التداخل، وإنما فصلتها قصدًا للتنويع، وإن كانت هي وما قبلها من باب واحد كذلك.
ولعله بعد هذا النقل يتبيَّن لك أن القراءات تثري التفسير وتزيده بالمعاني المختلفة التي قد لا تدل عليه قراءة واحدة. وإليك بعض الأمثلة التي تبين لك لطف هذا الباب وزينته من بعض كتب توجيه القراءات: [١٢٩]
• في قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] قرئ: «درجات» بالتنوين، و«درجاتِ» بالكسر على الإضافة.
فمن قرأ: ﴿دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ فالمرفوع هم أصحاب الدرجات.
ومن قرأ: «درجاتِ» فالمرفوع هي الدرجات.
قال مكي: «فالقراءتان متقاربتان؛ لأن من رُفعت درجاته فقد رُفع، ومن رُفع فقد رُفعت درجاته» (٢).
• وفي قوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: «ننشرها» بالراء.
وقرأ الباقون: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي.
(١) «أضواء البيان» (٢/ ١٢٠).
(٢) «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (١/ ٤٣٨).
 
١٦٩
 
قال أبو منصور: من قرأ: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي فالمعنى: نجعلها بعد بلاها وهمودها ناشزة، تنشز بعضها إلى بعض؛ أي: ترتفع، مأخوذة من نشز، والنشز: ما ارتفع من الأرض. ومن قرأ: «ننشرها» بالراء فمعناه: نحييها، يقال: أنشر الله الموتى؛ أي: أحياهم فنشروا؛ أي: حَيَوا» (١).
• وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢].
قرئ: «بل عجبتُ» بالضم، وحجته: أنه من إخبار الله عن نفسه.
وقرئ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ بالفتح، وحجته: أنه جعل التاء للنبي ﷺ (٢). [١٣٠]
* * *
(١) «معاني القراءات» للأزهري (١/ ٢٢٢).
(٢) انظر: «الحجة في القراءات السبع» لابن خالويه (ص٣٠١، ٣٠٢).
 
١٧٠
 
المراجع
١ - «الإتقان في علوم القرآن»: جلال الدين السيوطي (٩١١هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ١٤٠٧هـ.
٢ - «أحمد بن فارس، وريادته في البحث اللغوي»: هادي حسن حمودي، عالم الكتب، ط١، ١٤٠٧هـ.
٣ - «الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز»: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام (٦٦٠هـ)، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة.
٤ - «أصول في التفسير»: الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، دار ابن القيم، ط١، ١٤٠٩هـ.
٥ - «الأصول من علم الأصول»: محمد بن صالح بن عثيمين، مؤسسة الرسالة، مكتبة الرشد، ط٣، ١٤٠٦هـ.
٦ - «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن»: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٩٣هـ)، ط. الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية ... الرياض، ١٤٠٣هـ.
٧ - «إعراب القرآن»: أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس (٣٣٨هـ) تحقيق: زهير غازي زاهد، عالم الكتب، مكتبة النهضة العصرية ط٢، ١٤٠٥هـ.
٨ - «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم»: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية (٧٢٨هـ) تحقيق: د. ناصر بن عبد الكريم العقل، مكتبة الرشيد، الرياض، ط١، ١٤٠٤هـ.
٩ - «إنباه الرواة إلى أنباء النحاة»: الوزير جمال الدين أبو الحسن علي بن يوسف القفطي (٦٢٤هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي، القاهرة، مؤسسة الكتاب الثقافية، بيروت ط١، ١٤٠٦هـ.
 
١٧١
 
١٠ - «الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم»: ابن السيد البطليوسي (٥٢١هـ) تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر ط٣، ١٤٠٧هـ.
١١ - «الإنصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال» (بحاشية الكشاف): ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الإسكندري، دار المعرفة.
١٢ - «البحر المحيط»: محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسي، دار الفكر، ط٢، ١٤٠٣هـ.
١٣ - «البرهان في علوم القرآن»: بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة.
١٤ - «التبيان في أقسام القرآن»: ابن قيم الجوزية، تحقيق: طه يوسف شاهين، دار الكتب العلمية، ١٤٠٢هـ.
١٥ - «التحرير والتنوير»: الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية، ١٩٨٤م.
١٦ - «التسهيل لعلوم التنزيل»: محمد بن أحمد بن جزي الكلبي، دار الكتاب العربي ط٢، ١٣٩٣هـ.
١٧ - «تفسير آيات أشكلت»: مخطوط، شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن تيمية (٧٢٨هـ).
١٨ - «تفسير ابن أبي حاتم»: أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي حاتم الرازي (٣٢٧هـ) تحقيق: د. أحمد عبد الله العماري الزهراين، الدار المدنية.
١٩ - «تفسير القرآن الكريم»: أبو الليث نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي (٣٧٥هـ) تحقيق: د. عبد الرحيم أحمد الزقة، مطبعة الإرشاد، بغداد ط١، ١٤٠٥هـ.
٢٠ - «التفسير القيم للإمام ابن القيم»: جمع: محمد أويس الندوي تحقيق: محمد حامد الفقي، مكتبة السنة المحمدية.
٢١ - «التفسير الكبير»: تقي الدين أحمد بن عبد السلام بن تيمية (٧٢٨هـ)، عبد الرحمن عميرة دار الكتب العلمية، ١٤٠٨هـ.
٢٢ - «التمهيد في أصول الفقه»: محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني، تحقيق: محمد بن علي بن إبراهيم، مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى.
 
١٧٢
 
٢٣ - «تهذيب اللغة»: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (٣٧٠هـ) تحقيق: أ. علي حسن هلالي، الدار المصرية للتأليف والترجمة.
٢٤ - «الجامع لأحكام القرآن»: أبو عبد محمد بن أحمد القرطبي (٦٧١هـ) تحقيق: أ. علي حسن هلالي، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٨٧م.
٢٥ - «جامع البيان عن تأويل القرآن»: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠هـ)، شركة البابي الحلبي، ط٣.
٢٦ - «جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام»: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن القيم الجوزية (٧٥١هـ)، تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، دار العروبة للنشر والتوزيع ط٢، ١٤٠٧هـ.
٢٧ - «الحجة في القراءات السبع»: حسين بن أحمد بن خالويه (٣٧٠هـ)، تحقيق: عبد العال سالم مكرم، دار الشروق، ط٢، ١٣٩٧هـ.
٢٨ - «حجة القراءات»: أبو زرعة عبد الرحمن بن محمد بن زنجلة، تحقيق: مؤسسة الرسالة، ط٤، ١٤٠٤هـ.
٢٩ - «دراسات في التفسير الموضوعي للقصص القرآني»: أحمد جمال العمري، مكتبة الخاندي، ١٤٠٦هـ.
٣٠ - «دراسات لأسلوب القرآن الكريم»: محمد عبد الخالق عضيمة، دار الحديث، ط١، ١٣٩٢هـ.
٣١ - «الدر المنثور في التفسير بالمأثور»:: عبد الرحمن جلال الدين السيوطي، دار الفكر، ط١، ١٤٠٣هـ.
٣٢ - «دقائق التفسير الجامع لتفسير ابن تيمية»: تحقيق: د. محمد السيد الجليند، مؤسسة علوم القرآن، دمشق، ط٢، ١٤٠٤هـ.
٣٣ - «روح المعاني»: أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (١٢٧٠هـ)، إدارة الطباعة المنيرية.
٣٤ - «روضة المحبين ونزهة المشتاقين»: شمس الدين ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية، بيروت.
٣٥ - «زاد المسير في علم التفسير»: أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي الجوزي (٥٩٧هـ) تحقيق: محمد عبد الرحمن عبد الله، دار الفكر، ط١، ١٤٠٧هـ.
 
١٧٣
 
٣٦ - «السنّة»: محمد بن نصر المروزي، تحقيق: أبي محمد سالم بن أحمد السلفي، مؤسسة الكتب الثقافية، ط١، ١٤٠٨هـ.
٣٧ - «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة»: أبو القاسم هبة الله بن الحسن اللالكائي (٤١٨هـ) تحقيق: د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة.
٣٨ - «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل»: شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية (٧٥١هـ) دار الكتب العلمية، ط١، ١٤٠٧هـ.
٣٩ - «طبقات المفسرين»: الحافظ شمس الدين محمد الداودي (٩٤٥هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت.
٤٠ - «طبقات النحويين واللغويين»: أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي الأندلسي (٣٧٩هـ)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، ط٢.
٤١ - «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»: الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ)، محب الدين الخطيب وآخرون، دار الريان، القاهرة، ط١، ١٤٠٧هـ.
٤٢ - «فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير»: محمد بن علي الشوكاني، مطبعة البابي الحلبي، ط٢، ١٣٨٣هـ.
٤٣ - «القاموس المحيط»: مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (٨١٧هـ): تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٧هـ.
٤٤ - «القطع والائتناف»: أبو جعفر النحاس، تحقيق: أحمد خطاب العمر، مطبعة العاني، بغداد، ط١، ١٣٩٨هـ.
٤٥ - «الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»: أبو القاسم جار الله محمد بن عمر الزمخشري (٥٣٨هـ)، دار المعرفة، بيروت.
٤٦ - «الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها ووجوهها»: أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧هـ)، تحقيق: د. محيي الدين رمضان، مؤسسة الرسالة، ط٣، ١٤٠٤هـ.
 
١٧٤
 
٤٧ - «الكليات»: أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي (١٠٩٤هـ)، تحقيق: عدنان درويش، محمد المصري، مؤسسة الرسالة ط١، ١٤١٢هـ.
٤٨ - «القواعد الحسان لتفسير القرآن»: عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مكتبة المعارف، ١٤٠٠هـ.
٤٩ - «مجاز القرآن»: أبو عبيدة معمر بن المثنى البصري (٢١٠هـ)، تحقيق: د. محمد فؤاد سزكين، مكتبة الخانجي، دار الفكر، ط٢، ١٣٩٠هـ.
٥٠ - «مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية»: جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، تصوير الطبعة الأولى، ١٣٩٨هـ.
٥١ - «المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز»: أبو محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي (٥٤١هـ)، تحقيق: عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، السيد عبد العال إبراهيم، مؤسسة دار العلوم، ط١.
٥٢ - «مذكرة أصول الفقه»: محمد الأمين بن المختار الشنقيطي (١٣٩٣هـ)، دار القلم، بيروت.
٥٣ - «مشكل إعراب القرآن»: أبو محمد مكي بن أبي طالب القيسي (٤٣٧هـ)، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٥هـ.
٥٤ - «معاني القراءات»: أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري (٣٠٧هـ)، تحقيق: د. عيد مصطفى درويش، د. عوض حمد التوزي، دار المعارف، ط١، ١٤١٢هـ.
٥٥ - «معاني القرآن الكريم»: أبو جعفر النحاس، تحقيق: محمد بن علي الصابوني، مركز إحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، ط١.
٥٦ - «معاني القرآن وإعرابه»: أبو إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج (٣١١هـ)، تحقيق: د. عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب، ط١، ١٤٠٨هـ.
٥٧ - «معترك الأقران في إعجاز القرآن»: جلال الدين السيوطي، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الفكر العربي.
٥٨ - «معجم الأدباء»: ياقوت، دار الفكر، ١٤٠٠هـ.
٥٩ - «معجم مقاييس اللغة»: أبو الحسين أحمد بن فارس (٣٩٥هـ)، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الكتب العلمية.
 
١٧٥
 
الفوائد (*):
١ - لا يزال احتمال اكتشاف موضوعات جديدة في هذه العلم [علوم القرآن] قائمًا، ومن ذلك ظهور (علم التفسير والموضوعي)، و(علم مناهج المفسرين)، وغيرها. (١٧).
٢ - إن مما يعين في التحقيق، ويثري البحث، الرجوع إلى ما كتبه المتقدمون ممن نقل عنهم الزركشي والسيوطي؛ لأنهما في الغالب يلخَّصان مسائل الكتاب، وقد يكون فيما تركوا من مسائله علم يحتاج إليه في علوم القرآن. (١٩)
٣ - ومما يعين كذلك جرد مصنفات الحديث وكتب الآثار لتحصيل ما فيها من الأحاديث والآثار في موضوعات (علوم القرآن). (١٩)
٤ - يدور محور الدراسة في هذا العلم [أصول التفسير] بين أمرين: كيف فُسر القرآن؟ وكيف نفسِّر القرآن؟ (٢١).
٥ - في حديث عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران:٧] قالت: قال رسول الله ﷺ: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم»، وجدت أنه أصل في أصول التفسير؛ لأنه يتضمن الفائدة الكبرى من أصول التفسير:
الأولى: معرفة القول الصواب وتمييزه عن غيره.
الثانية: معرفة القول الخطأ بأنه خطأ، وإلا لما أمكن الحذر منه.
وغاية أصول التفسير تمييز الصواب من الخطأ، والبرهان على ذلك بالعلم الصحيح. (٢٢ - ح).
(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: هذه الفوائد ليست في المطبوع، ومصدرها الموقع الرسمي للمؤلف - حفظه الله -
 
 
٦ - ليس هناك تحديد دقيق لموضوعات هذا العلم [أصول التفسير]، وذلك لأن النظر إلى موضوع (أصول التفسير) يختلف من مؤلف إلى آخر. ٢٥
٧ - تعلم التفسير واجب على الأمة من حيث العموم، فلا يجوز أن تخلو الأمة من عالم بالتفسير يعلم الأمة معاني كلام ربها.
أما الأفراد فعلى كل منهم واجب منه، وهو ما يقيمون به فرائضهم، ويعرفون به ربهم. (٢٨)
٨ - اشتهر استعمال مصطلح «المقارن» في الدراسات المعاصرة، والصحيح لفظ (الموازن)، لأن المقارن من مادة (قرن) التي تعني القرن بين الشيئين، أي الربط بينهما، وما يقوم به من يعمل ما يسمى بالمقارنة إنما هو موازنة. (٣٢ - ح).
٩ - وقد اعتنى بهذا الطريق [تفسير القرآن بالقرآن] من السلف عبدالرحمن بن زيد بن أسلم ... وكان لابن كثير عناية بهذا الطريق في تفسيره. (٣٦).
١٠ - أفضل مؤلَّف موجود الآن في هذا النوع [تفسير القرآن بالقرآن] كتاب الإمام الشنقيطي (ت: ١٣٩٣ هـ) الذي أسماه «أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرأن». (٣٦).
١١ - الضحاك لم يأخذ التفسير عن أحد من الصحابة، وروايته عن ابن عباس منقطعة، قال في تهذيب الكمال (١٣/ ٢٩٥): «وقيل: لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة». (٥١)
١٢ - إذا صح عن الصحابي أو التابعي قولان مختلفان في التفسير ولا يمكن الجميع بينهما فهما كالقولين، إلا إذا دل الدليل على أنه رجع عن أحدهما. (٥٥).
١٣ - يعد بعض الباحثين أبا عبيدة معمر بن المثنى والفراء والزجاج أئمة التفسير اللغوي، ولا ينظرون إلى تفاسير الصحابة والتابعين اللغوي، ويعدونها من التفسير بالأثر، وسبب هذا الخطأ اعتماد مصطلح المأثور. (٦٠)
١٤ - الرأي الذي عمل به الصحابة هو الرأي المحمود، وهو المبني على علم أو غلبة ظن.
أما الرأي المذموم فهو الذي وقع عليه نهي السلف، وشنعوا على صاحبه، وهو ما كان على جهل وهوى.
 
 
والذين حكوا الخلاف في الرأي لم يبينوا نوع الرأي الذي وقع عليه النهي، ولو فعلوا لما احتاجوا إلى جعل قولين في هذه المسألة ثم ترجيح بينهما. (٦٣)
١٥ - المؤلفات في أسباب الاختلاف في التفسير نادرة، وقد سرد بعض هذه الأسباب ابن جزي في مقدمة تفسيره، وقد أُلف في أسباب الاختلاف رسالة علمية بعنوان: اختلاف المفسرين: أسبابه وآثاره. (٨٣)
١٦ - لابن عطية والطاهر بن عاشور اهتمام بتحرير معنى اللفظة في لغة العرب. (٩٧)
١٧ - مما يجدر التنبيه عليه أن الإجماع عند بعضهم هو اتفاق الأكثر؛ كابن جرير، ولذا ينتبه لمذهب حاكي الإجماع في الإجماع. (٩٥)
١٨ - قد يَرِدُ عن السلف تفسير لبعض صفات الله بلازمها، فيظنُّ القارئ لها أن السلف يؤوَّلون صفات الله سبحانه، وهذا ليس بصواب؛ وذلك لأن الأصل عند السلف هو أن صفات الله على الحقيقة ولا يجوز التأويل، فإذا رأيت مثل هذا فاعلم أنهم لا يؤولون؛ لأنه لم يرد عن أحدهم أنه أنكر الصفة، وفرقٌ بين إنكار الصفة والتفسير باللازم. (١٠٢)
١٩ - ومع أهمية هذا الموضوع (قواعد الترجيح) فإنك قلًّ أن تجد له مبحثًا خاصًا في مقدمات المفسرين وغيرها، وقد أشار إليه العز بن عبدالسلام في كتابه الموسوم بـ (الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز) ... وذكر المفسر محمد بن أحمد بن جزي الكلبي في مقدمة تفسيره اثني عشر وجهًا في الترجيح. (١١٩)
٢٠ - أما استعمال القواعد الترجيحية في ثنايا التفسير فقد حاز قصب السبق فيها شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري، وقد كان له في الترجيح بالقواعد طريقان:
...الأول: أن يذكر القاعدة الترجيحية بنصها عند ترجيحه لقول في التفسير.
...الثاني: أن لا ينص على القاعدة بعينها ولكن يرجح بها. (١١٩).
٢١ - الإجماع عند ابن جرير يعني اتفاق الأكثر. (١٢٠ - ح)
 
 
٢٢ - وهذه القواعد (قواعد الترجيح) تعتبر الأصل في الترجيح إلا إذا دل دليل على عدم استخدامها في هذا الموضع، فكل قاعدة يستثنى منها. (١٢١)
٢٣ - إنما يحمل كلام الله على الأغلب المعروف من لغة العرب، دون الأنكر المجهول أو الشاذ. (١٣٠)
٢٤ - كان لمفسري الصحابة والتابعين ثم من جاء بعدهم عنايةٌ بهذه الكليات [كليات القرآن]، وكان أول من ذُكر عنه أنه جمعها في كتاب الإمام اللغوي أحمد بن فارس، في كتابه الموسوم بالأفراد. (١٥٣)
 
 
٦٠ - «معرفة علوم الحديث»: الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الحافظ (٤٠٥هـ) تحقيق: السيد معظم حسين، دار الآفاق الجديد، بيروت، ط٤، ١٤٠٠هـ.
٦١ - «مفردات ألفاظ القرآن»: الراغب الأصفهاني، تحقيق: صفوان عدنان داودي، دار القلم - الدار الشامية، ط١، ١٤١٢هـ.
٦٢ - «مقدمة جامع التفاسير»: أبو القاسم الراغب الأصفهاني، تحقيق: د. أحمد حسن فرحات، دار الدعوة، ط١، ١٤٠٥هـ.
٦٣ - «مقدمة في أصول التفسير»: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (٧٢٨هـ)، تحقيق: د. عدنان زرزور، دار القرآن الكريم، ط٣، ١٣٩٩هـ.
٦٤ - «المكتفي في الوقف والابتداء»: أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (٤٤٤هـ)، تحقيق: د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي، مؤسسة الرسالة، ط١، ١٤٠٤هـ.
٦٥ - «الموافقات في أصول الأحكام»: أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (٨٩٠هـ)، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده.
٦٦ - الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم: أبو بكر بن العربي (٥٤٣هـ)، تحقيق: د. عبد الكبير العلوي المدغري، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط١، ١٤٠٨هـ.
٦٧ - «النشر في القراءات العشر»: محمد بن محمد بن الجزري (٨٣٣هـ)، دار الفكر.
٦٨ - «النكت على كتاب ابن الصلاح»: الحافظ ابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ)، تحقيق: د. ربيع بن هادي عمير، دار الراية، الرياض، ط٢، ١٤٠٨هـ.
٦٩ - «النكت والعيون، تفسير الماوردي»: تحقيق: خضر بن محمد خضر، مطابع مقهوي، الكويت، ط١، ١٤٠٢هـ.
٧٠ - «نواسخ القرآن»: أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي (٥٩٧هـ)، تحقيق: محمد أشرف علي الملباري، المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية، بالمدينة النبوية، ط١، ١٤٠٤هـ.
* * *
 
١٧٦

 

عن الكاتب

Tanya Ustadz

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية