الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

مقدمة المحقق السيد أحمد صقر

مقدمة المحقق السيد أحمد صقر

 اسم الكتاب: مناقب الشافعي للبيهقي
اسم المؤلف: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (٣٨٤ - ٤٥٨ هـ)
اسم المحقق: السيد أحمد صقر
الناشر: مكتبة دار التراث - القاهرة
الطبعة: الأولى، ١٣٩٠ هـ - ١٩٧٠ م
عدد الأجزاء: ٢
أعده للمكتبة الشاملة: محمد المنصور (٢١/ ٧/ ١٤٣٦ هـ = ١٠/ ٥/ ٢٠١٥ م)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صفحة المؤلف: [أبو بكر البيهقي]
 الموضوع: سيرة وترجمة العالم النبيل الإسلامي

 

فهرس الموضوعات

  1. مقدمة المحقق
  2. البيهقي في سطور
  3.  العودة الي كتاب مناقب الشافعي للبيهقي

 

مقدمة المحقق السيد أحمد صقر

بسم الله الرحمن الرحيم

شغف البيهقي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنفق حياته في تحصيلها ودرسها وإيصالها نقية بيضاء إلى أبناء الإسلام الذين افترض عليهم ربهم أن يأخذوا ما آتاهم الرسول، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، والذين أمرهم رسولهم الكريم أن يبلغوا عنه مقالته إلى من بعدهم لتكون كلمة الله وكلمة رسوله باقية على وجه الزمان؛ تنير للمسلمين سبيلهم، وتدير على الحق أعمالهم وأقوالهم، وتجمع قلوبهم على عبادة من خلقهم ورضى لهم الاسلام دين عزة وسعادة في الدنيا والآخرة.* * *وقد دفعه هذا الشغف العظيم إلى العناية بآثار الشافعي: ناصر السنة، ومؤسس فقهها، وفاتح أقفالها، والذي شهد له أعلام العلماء بأنهم ما عرفوا فقه السنَّة إلا بعد أن استخرج مكنونها، واستنبط فنونها، وجلّى دقائقها ببيانه المشرق المتين، وأسلوبه الجزل الرصين.وما كانت عناية البيهقي بآثار الشافعي وليدة الخطرة العابرة، والفكرة السائرة، والنظرة الطائرة، بل كانت وليدة التأمل الوثيق، والتفكر العميق، والاعتبار الدقيق، والمقايسة بين ما كتبه أعلام الأئمة الذين قاموا بعلم الشريعة، وبنوا مذاهبهم على مبلغ علمهم من كتاب الله، وسنة رسول الله.وقد انتهت تلك المقايسة بالبيهقي إلى عرفانه أن الشافعي أكثر الأئمة اتباعا، وأقواهم احتجاجا، وأصحهم قياسا، وأبينهم بيانا، وأفصحهم لسانا،

وأوضحهم إرشادا فيما صنف من كتب في الأصول والفروع جميعا.ولما فرغ البيهقي من تصنيف مصنفاته في السنة ألَّف كتابا عن منشئ السنة وهو كتاب «دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم».ولما انتهى من ترتيب كتب الشافعي وتصنيفها وتخريج أحاديثها رأي كذلك أن يخص الشافعي بكتاب، وقوَّى من عزمه أن بعض أصحابه اقترح عليه تأليف هذا الكتاب، وفي ذلك يقول: «وقد سألني بعض أصحابنا من أهل العلم والبصيرة أن أجمع كتابا مشتملا على ذكر مولد الشافعي ونسبه، وتعلمه، وتعليمه، وتصرفه في العلم، وتصانيفه، واعتراف علماء دهره بفضله، وما يستدل به على كمال عقله، وزهده في الدنيا، وورعه، واشتهاره بخصال الخير ومكارم الأخلاق - في وقته وبعد وفاته - فأجبته إلى مسألته؛ اقتصاراً مني في ذكر معرفته بالفقه، وحسن مناظرته على تسمية تصانيفه، وطرف من حكاياته دون ذكر كيفية تصرفه؛ فإن العلم به إنما يقع بالنظر في كتبه المصنفة في أصول الفقه ثم في «المبسوط» المردود إلى ترتيب المختصر، ثم في «السنن» حتى خرجتها على مسائل «المبسوط» في مائتي جزء وأكثر، ثم بالنظر في كتاب «معرفة السنن والآثار» والذي أوردت فيه كلام الشافعي على الأخبار، بالجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل في سبعين جزءا، ثم في كتاب «المدخل» المخرج على أصوله.فيستدل بذلك على صحة أصول الشافعي، وحسن بنائه الفروع عليها، موافقا لشريعة المصطفى في اتباع الكتاب، والسنة، والإجماع، وآثار

الصحابة، والقياس على ما ثبت بأحد هذه الأصول.وقد اعترف البيهقي بأنه قد سبق إلى التأليف في هذا الموضوع حيث يقول:«وقد صنف جماعة من أهل العلم في فضل الشافعي، ومناقبه كتبا مشتمله على ذكر ما نقل إليهم من أحواله الجميلة، وأقواله الحسنة، وأفعاله المحمودة، وما خص به من الجمع بين علم الأصول والفروع في أحكام الشريعة، ومشاركة غيره في سائر أنواع العلوم».ولم يكن البيهقي في حديثه هذا بسبيل ذكرها وذكر أصحابها، ولكنه كان يريد الاستشهاد بما ذكره على صحة جواز أن يكون الشافعي هو المراد بحديث عالم قريش؛ لأن الشافعي كما قال: «قد صنَّف الكتب، وفتق العلم، وشرح الأصول والفروع، وعلا في الذكر بما ألف وشرح، وفتح الله على لسانه العلم الكثير، ومر في آذان السامعين، ووعته القلوب، فازداد على مر الأيام حسنا وبيانا».ولكن البيهقي قد ذكر في ثنايا الكتاب: الكتب المصنفة في فضائل الشافعي التي روى عنها أو قرأها، وهي:(١) كتاب أبي سليمان: داود بن علي الأصفهاني، إمام أهل الظاهر (٢٠١ - ٢٧٠)(٢) كتاب أبي عبد الله: محمد بن إبراهيم البوشنجي، الملكي (٢٠٤ - ٢٩٠)(٣) كتاب أبي يحيى: زكريا بن يحيى الساجي المتوفى سنة ٣٠٧(٤) كتاب أبي محمد: عبد الرحمن بن أبي حاتم (٢٤٠ - ٣٢٧)

(٥) كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين الآبري العاصمي المتوفى سنة ٣٦٣قال السبكي عنه: وهو كتاب حافل رتبه على أربعة وسبعين بابا.(٦) كتاب الصاحب بن عباد (٣٢٦ - ٣٨٠)(٧) كتاب أبي منصور: محمد بن عبد الله بن حمشاذ (٣١٦ - ٣٨٨)(٨) كتاب أبي بكر: محمد بن عبد الله بن محمد بن زكريا الشيباني المتوفى سنة ٣٨٨(٩) كتاب الحاكم النيسابوري أبي عبد الله محمد بن عبد الله، المعروف بابن البيِّع، قال عنه ابن السبكي: وهو مصنف جامع (٣٢١ - ٤٠٥)(١٠) كتاب أبي القاسم: حمزة بن يوسف السهمي المتوفى سنة ٤٢٧)(١١) كتاب أبي نعيم: أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠وقد ألّف في مناقب الشافعي قبل البيهقي أو في عصره كثير من العلماء - عدا هؤلاء، لكن لم يشر إليهم البيهقي في هذا الكتاب ومنهم:(١) أبو حاتم: محمد بن حبان البستي صاحب الصحيح (المتوفى سنة ٣٥٤)(٢) أبو علي: الحسن بن الحسين بن حمكان الأصبهاني (المتوفى سنة ٤٥٠)(٣) أبو عبد الله: محمد بن أحمد شاكر القطان (المتوفى سنة ٤٠٧)(٤) إسماعيل بن محمد السرخسي القراب (المتوفى سنة ٤١٤)(٥) أبو منصور: عبد القاهر بن طاهر البغدادي (المتوفى سنة ٤٢٨)(٦) أبو عبد الله: محمد بن سلامة المصري (المتوفى سنة ٤٥٤)وقد ألف أبو الحسين: محمد بن عبد الله الرازي (المتوفى سنة ٣٤٧) والد تمام الرازي (٣٣٠ - ٤١٤) كتابا مستقلا فيمن روى عن الشافعي،

ولكن البيهقي لم ينقل عنه، وإنما نقل عن كتاب «أسامي من روى عن الشافعي» للدارقطني.* * *بدأ البيهقي كتابه ببيان فضل أهل الحديث، وأنهم الطائفة القائمة على إحقاق الحق حتى تقوم الساعة، كما وعد رسول الله، صلى الله عليه وسلم.ثم تحدث عن فضل قريش وما جاء في تخصيصها بالتقديم والاتباع، وأن الشافعي هو المشار إليه بحديث النبي، صلى الله عليه وسلم: أن عالم قريش يملأ طبق الأرض علما.ثم تحدث عما جاء في تخصيص بني هاشم بالاصطفاء وبني عبد المطلب الذين ينتمي إليهم الشافعي، وتفضيل أهل اليمن بالإيمان، والفقه، والحكمة.ثم فصل القول في حديث: «يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» وتأويل بعض العلماء لهذا الحديث بأن الذي جاء على رأس المائة الثانية هو الشافعي.ثم نقد البيهقي العلماء الذين ظفروا بالوجاهة والثروة عند الرؤساء، ونالوا من الشافعي، ورمَوْه بأنه كان قليل العلم بالكتاب، وأنه لم يكن من أهل الاجتهاد، وأعقبه بالحديث عمن آذى قرابة الرسول أو أراد هوانهم، ثم بين سبب تأليفه للكتاب.وتحدث بعد ذلك عن مولد الشافعي، ومكان ولادته ونسبه، وأفاض القول في ذلك إضافة شافية مقنعة.ثم تحدث عن تعليم الشافعي، وما روي في اشتغاله بتعلم الأدب والشعر وعن رحلته وهو ابن ثلاث عشرة سنة إلى مالك بن أنس بالمدينة.ثم بين خروج الشافعي إلى اليمن وولايته بعض أعمالها، ومقامه فيها حتى

اتهم بالاشتراك في مؤامرة بعض العلويين بها، وحمله إلى الرشيد وحبسه ببغداد، وما كان بينهما من محاورات ومراجعات انتهت بعفو الرشيد عنه، وإكرامه له.ثم أسهب في بيان المناظرات الرائعة، والمحاورات العلمية الشائقة، التي جرت بين الشافعي وبين محمد بن الحسن الحنفي في مجلس الرشيد، وفي غيره من المجالس بمدينة بغداد ومدينة الرقة، وأن الرشيد كُتِبَ له بخبر تلك المناظرات التي ظهر فيها الشافعي على محمد، وقطع حجته، وطبع على فمه بخاتم الصمت، فأعجب الرشيد بموقف الشافعي الهاشمي، وقال: «وما يُنكَر لرجل من عبد مناف أن يقطع محمد بن الحسن؟» وأمر له بجائزة، ورغب إليه في أن يلازمه كما رغب إليه المأمون في ذلك.ثم بين مكانة الشافعي عند الرشيد والمأمون، وعودة الصفاء والإخاء بين الشافعي ومحمد بن الحسن، وكتابة الشافعي لكتب محمد، وتأليف الكتاب البغدادي للرد على الأحناف، ورأى الشافعي وغيره في أبي حنيفة وأصحابه.ثم تحدث عن صحة نية الشافعي، وقصده الجميل في تأليفه لكتبه، وحسن مناظرته لمن خالفه، وغلبته كُلَّ من ناظرة بالعلم والبيان، وذكر نماذج رائعة من تلك المناظرات.وخلص من هذا إلى الحديث عن دخول الشافعي العراق أيام المأمون للتدريس والتعليم. ثم تحدث عن سبب تصنيف الشافعي لكتاب «الرسالة القديمة» ثم في ذهاب الشافعي إلى مصر، وتصنيفه بها الكتب المصرية الجديدة. وذكر البيهقي في صدر هذا أن الربيع بن سليمان لقيه بمدينة «نصيبين» قبل أن

يدخل مصر، وقال عنه: كان الشافعي يعمل الباب من العلم ثم يقول: يا جارية قومي إلى القَدّاح فتقوم، فتسرج له، فيكتب ما يحتاج أن يكتبه ويرسمه في موضعه، ثم يطفئ السراج ويستقي على ظهره فيعمل الباب من العلم.. . . وهكذا، فقلت له: يا أبا عبد الله، لو تركت السراج يَقِدُ؛ فإن هذه الجارية منك في جهد، فقال: إن السراج يشغل قلبي.وقال لي يوما: كيف تركت أهل مصر؟فقلت: تركتهم على ضربين: فرقة منهم قد مالت إلى قول مالك، وأخذت به، واعتمدت عليه، وذبت عنه وناضلت. وفرقة قد مالت إلى قول أبي حنيفة، فأخذت به، وناضلت عنه.فقال الشافعي: أرجو أن أقدم مصر - إن شاء الله - وآتيهم بشيء وأشغلهم به عن القولين جميعا.قال الربيع: ففعل ذلك - والله - حين دخل مصر.ثم روى البيهقي عن بحر بن نصر الخولاني أنه قال:قدم الشافعي من الحجاز، فبقى بمصر أربع سنين، ووضع هذه الكتب في أربع سنين. . وكان يضع الكتب بين يديه ويصنّف، فإذا ارتفع له كتاب جاء صديق له يقال له: «ابن هرم» فيكتب، ويقرأ عليه «البويطي» وجميع من يحضر يسمع في «كتاب ابن هرم» ثم ينسخونه بعد. وكان «الربيع» على حوائج الناس فربما غاب في حاجة، فيعلّم له؛ فإذا رجع قرأ الربيع عليه ما فاته.ثم عقد بابا عظيما ذكر فيه عدد ما وصل إليه من مصنفات الشافعي؛ فذكر في الكتب التي تجمع الأصول وتدل على الفروع ثلاثة عشر كتابا، ثم قال:

«ومن الكتب التي هي مصنفة في الفروع وهي التي تعرف «بالأم» في الطهارات: كتاب الوضوء والتيمم. . إلخ وفي الصلوات والزكوات والصيام، والحج، والمعاملات، والإجارات، والعطايا، والوصايا، والفرائض وغيرها، والأنكحة، والجراح، والحدود، والسير والجهاد، والأطعمة والقضايا والعتق وغيره.وذكر تحت كل عنوان من هذه العناوين الكتب التي ألفها الشافعي فيها، ثم قال: «فذلك مائة ونيف وأربعون كتابا».وهذا الباب من أهم أبواب الكتاب؛ لأنه بين فيه الكتب الأخرى - عدا ما سبق - والتي أملاها على أصحابه ورواها عنه الربيع بن سليمان المرادي، وبين الكتب التي لم يسمعها الربيع من الشافعي، والتي يقول فيها: «قال الشافعي رحمه الله. كما بين فيه كتب الشافعي التي ألفها في القديم، ورواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني، والكتب التي أعاد تصنيفها في الجديد، والكتب التي أمر بتمزيقها، لتغير اجتهاده فيها، والكتب الأخرى التي رواها عنه الحسين الكرابيسي، وأحمد بن يحيى الشافعي البغدادي: أبو ثور، وأحمد ابن حنبل، والحميدي، ويونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وابن مقلاص، والربيع بن سليمان الجيزي - وهو غير المرادي - والحارث ابن سريج النقَّال، والحسين الفلاس، وبحر بن نصر، وغيرهم.ومن أجمل ما في هذا الباب قول الشافعي: «ألّفت هذه الكتب واستفرغت فيها مجهودي، ووددت أن يتعلّمها الناس ولا تُنْسَبَ إليّ».

ثم عقد بابا ذكر فيه ما يستدل به على رغبة العلماء في عصر الشافعي ومن بعد عصره في كتبه، والاقتباس من علمه، والانتفاع به، وحسن الثناء عليه. وصدره بقوله: «وذلك لانفراده من فقهاء الأمصار بحسن التأليف؛ فإن حسن التصنيف يكون بثلاثة أشياء:أحدها: حسن النظم والترتيب.والثاني: ذكر الحجج في المسائل مع مراعاة الأصول.والثالث: تحري الإيجاز والاختصار فيما يؤلفه.وكان قد خص بجميع ذلك، رحمة الله عليه ورضوانه»وذكر في هذا الباب قول الجاحظ: «نظرت في كتب هؤلاء النَّبَغَة الذين نبغوا، فلم أر أحسن تأليفا من المُطّلبي، كأَن فاه نظم دُرًّا إلى درّ».ثم ذكر ما يستدل به على حفظ الشافعي لكتاب الله، ومعرفته بالقراءات، وحسن صوته بالقراءة. وجعل الباب الذي يليه فيما يستدل به على معرفة الشافعي بتفسير القرآن، ومعانيه، وسبب نزوله.ثم أتبعه بباب ما يستدل به على معرفة الشافعي بمعاني أخبار رسول الله. وقد بدأه بقول أحمد بن حنبل: ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني حديث رسول الله حتى قدم الشافعي فبينها لهم.وهو باب عظيم أتى فيه البيهقي بمُثلٍ رائعة تدل على أن الشافعي كان - كما قال يونس بن عبد الأعلى - نسيج وحده في هذه المعاني.ثم أعقب ذلك بباب ما يستدل به على فقه الشافعي، وتقدمه فيه، وحسن

استنباطه. وقد أورد البيهقي في هذا الباب حديث النعمان بن بشير: أنه أتى رسول الله وقال له: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال صلى الله عليه وسلم: أكلَ ولدك نحلت مثل هذا؟ فقال: لا، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: فارجعه».وقول الشافعي فيه: «حديث النعمان حديث ثابت، وبه نأخذ، وفيه دلالة على أمور.ومن هذه الدلالات التي ذكرها الشافعي قوله: «وفيه دلالة على أن نُحْل الوالد بعض ولده دون بعض جائز، من قِبَل أنه لو كان لا يجوز كان أن يقال: إعطاؤك إياه وتركه سواء؛ لأنه غير جائز، وهو على أصل ملكك الأول - أشبه من أن يقال: ارجعه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «فارجعه» دليل على أن للوالد ردّ ما أعطى الولد، وأنه لا يَحْرجُ بارتجاعه. وقد رُوِي أن النبي قال: «أَشْهد غيري» وهذا يدل على أنه اختيار».وقد خالفت قول الشافعي هذا وعلقت عليه بقولي ١/ ٣٤٧ كيف يكون هذا على الاختيار وقد عدّه صلى الله عليه وسلم جوراً؟ الخثم ذكر البيهقي بابا يستدل به على معرفة الشافعي لأصول الفقه، وهو باب عظيم؛ لأن الشافعي أول من صنّف في أصول الفقه.ويعجبني من نصوصه قول الشافعي:«وضع الله نبيه من دينه وأهل دينه موضع الإبانة عن كتاب الله - معنى ما أراد، وفرض طاعته. . . فَعِلْمُ الحق كتابُ الله، ثم سنَّة نبيه؛

فليس لمفْتٍ ولا لحاكم أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالما بهما، ولا أن يخالفهما ولا واحداً منهما بحال، فإذا خالفهما فهو عاص لله به، وحكمه مردود».ثم ذكر باب ما يستدل به على معرفة الشافعي لأصول الكلام وصحة اعتقاده فيها. فذكر ما يؤثر عنه في الإيمان، وفي دلائل التوحيد، وفي أسماء الله، وصفات ذاته، وأن القرآن كلام الله، وكلامه من صفات ذاته، وإثبات المشيئة لله، وإثبات القدر، وخلق الأفعال، وعذاب القبر، وإثبات رؤية الله في الدار الآخرة.ثم لم يؤثر عن الشافعي في تفضيل النبي على جميع الخلق، وإثبات الشفاعة له صلى الله عليه وسلم.وما يؤثر عنه في الذنوب التي هي دون الكفر، وما يلحق الميت من فعل غيره.وما يؤثر عنه في الخلفاء الأربعة، وفي جملة الصحابة، وفي قتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أهل القبلة.ثم ما جاء عن الشافعي في مجانبة أهل الأهواء وبغضه إياهم، وذم كلامهم، وإزرائه بهم ودَقِّه عليهم في مناظرته إياهم:وهو فصل بالغ الأهمية.ثم عقد البيهقي بابا في الاستدلال على حسن اعتقاد الشافعي في متابعة السنة، ومجانبة البدعة.

ومما رواه البيهقي فيه من كلام الشافعي:«ما من أحد إلا ويذهب عليه سنة لرسول الله، وتعزُبُ عنه، فمهما قلتُ من قول، أو أَصَّلتُ من أصل - فيه عن رسول الله خلاف ما قلتُ - فالقول ما قال رسول الله! وهو قولي!».ثم عقد بابا عنوانه: ما يستدل به على معرفة الشافعي برجال الحديث.ذكر فيه ما يستدل به على معرفة الشافعي بأسامي الرواة، وأنسابهم، وتواريخهم، وجرحهم وتعديلهم.وهو باب جم المنافع، عظيم الفائدة؛ دل على سعة أفق الشافعي في هذا المضمار، ومدى تمكُّنِه منه، واقتداره عليه.ومن الفوائد التي تُجْتنى من هذا الباب: أن الشافعي وضع كتابه على مالك ابن أنس؛ لأنه بلغه أن بالأندلس قلنسوة لمالك يستسقى بها! وأنه كان يقال للأندلسيين: قال رسول الله. فيقولون: قال مالك!ومن أجل ذلك قال الشافعي: إن مالكا آدمي يخطئ ويغلط.ويلي ذلك بابٌ جليل القدر، عظيم الخطر، وهو باب ما يستدل به على معرفة الشافعي بصحة الحديث وعلته.وباب آخر فيما يستدل به على إتقان الشافعي في الرواية، ومذهبه في قبول الأخبار، واحتياطه فيها.ثم عقد بابا فيما يستدل به على فصاحة الشافعي، ومعرفته باللغة والشعر الذي هو ديوان العرب. أورد فيه قول أحمد بن حنبل:

«الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه».وقول الربيع: أقام الشافعي على قراءة العربية وأيام الناس عشرين سنة، وقال: ما أردت بذلك إلا الاستعانة على الفقه.وقول أبي عثمان المازني: «الشافعي عندنا حجة في النحو».وقول الأصمعي: «صححت أشعار الهُذَليين على شاب من قريش بمكة يقال له: محمد بن إدريس الشافعي».وقول الربيع: «كان الشافعي عربي النفس، عربي اللسان، ولو رأيته وحسن بيانه وفصاحته لتعجبت منه، ولو أنه ألف هذه الكتب - على عربيته التي كان يتكلم بها - لم يُقدر على قراءة كتبه».ثم ذكر بابا للشعر الذي أثر عن الشافعي أنه أنشده لنفسه أو لغيرهوأعقبه بباب ما يستدل به على معرفة الشافعي بالطب، أورد فيه قول حرملة ابن يحيى: كان الشافعي يتلهف على ما ضيع المسلمون من الطب، ويقول: ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى!!!وتلاه باب ما يستدل به على معرفة الشافعي بالنجوم، وما يؤثر عنه في الفراسة، وإصابته فيها. ثم معرفته بالرمي والفروسية وذكر فيه قول الربيع:كان الشافعي أفرس خلق الله وأشجعه، وكان يأَخذ بأذنه وأذن الفرس، والفرس يعدو، فيثب على ظهره وهو يعدو.* * *ثم ذكر باب ما يؤثر عنه في فضل العلم والترغيب في تعلمه وتعليمه والعمل به. ومن ألطف ما جاء في هذا الباب قول الشافعي:

لو أن أهل كوْرَةٍ اجتمعوا على ترك طلب العلم، لرأيت للحاكم أن يجبرهم على طلب العلم.وقوله: ليس بعد أداء الفرائض شيء أفضل من طلب العلم.وقوله: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم.وقوله: من تعلم علما فليدقِّق؛ لئلا يضيع دقيق العلم.وقد روى المزني أنه قيل للشافعي: كيف شهوتك للأدب؟قال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعاً تتنعم به مثلما تنعمت الأذنان!قيل: وكيف حرصك عليه؟قال: حرص الجموع المنوع على بلوغ لذته في المال.وقيل: وكيف طلبك له؟قال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره.وقوله: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري.وقوله: المراء في العلم يقسي القلب، ويورث الضغائن.وقوله: من إذَالّةِ العلم أن تناظر كل من ناظرك، وتقاوِلَ كلَّ من قاوَلَك.وقوله: كفى بالعلم فضيلة: أنه يدعيه من ليس فيه ويفرح إذا نسب إليه،. وكفى بالجهل شرا أنه يتبرأ منه من هو فيه ويغضب إذا نسب إليه.

وقال الشافعي لأبي علي بن مقلاص: تريد أن تحفظ الحديث وتكون فقيها؟!وإنما قال الشافعي ذلك لأن ابن مقلاص كان كسائر الحفاظ الذين يشغلون أنفسهم بحفظ أبواب الحديث وسردها سرداً، ولا يعملون عقولهم في استنباط ما فيها. ولقد قال الشافعي لإسحاق بن إبراهيم الحنظلي أثناء مذاكرة جرت بينهما: لو كنت أحفظ كما تحفظ لغلبت أهل الدنيا. وقال أحمد بن حنبل: قال لنا الشافعي رحمه الله: أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا صح عندكم الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، فقولوا لنا حتى نأخذ به. وقال الشافعي: ما رأيت أحفظ من الحميدي، كان يحفظ لسيان بن عيينة عشرة آلاف حديث. وقال الحميدي: صحبت الشافعي من مكة إلى مصر فكنت أستفيد منه «المسائل» وكان يستفيد مني «الحديث».ثم ذكر البيهقي ما يستدل به على اجتهاد الشافعي في طاعة ربه، وزهده في الدنيا، وحضه الناس على هذا الزهد.ومما جاء في ذلك قول الربيع: خرجت مع الشافعي من «الفسطاط» إلى «الإسكندرية» مرابطا، وكان يصلي الصلوات الخمس في المسجد الجامع، ثم يسير إلى المحرس فيستقبل البحر بوجهه جالساً يقرأ القرآن في الليل والنهار، حتى أحصيت عليه ستين ختمة في شهر رمضان.وحكى الربيع أن عبد الله بن عبد الحكم قال للشافعي: إن عزمت أن تسكن مصر فليكن لك قوت سنة، ومجلس من السلطان تتعزّز به. فقال له

الشافعي: يا أبا محمد، من لم تعزّه التقوى فلا عزّ له، ولقد ولدت بغزة، ورُبِّيتُ بالحجاز، وما عندنا قوت ليلة، وما بتنا جياعاً.وقال له المزني: مالك بد من إمساك العصا ولست بضعيف؟! فقال: لأذكر أني مسافر في الدنيا.وقال الشافعي: خير الدنيا والآخرة في خمس خصال: غنى النفس، وكف الأذى، وكسب الحلال، ولباس التقوى، والثقة بالله على كل حال.وقال للربيع: عليك بالزهد، فلَلزُّهد على الزاهد أحسن من الحلى على المرأة الناهد!.وذكر عند الشافعي فهم القلب فقال: من أحبّ أن يفتح الله له قلبه أو ينوِّره، فعليه بترك الكلام فيما لا يعنيه، وترك الذنوب، واجتناب المعاصي، ويكون له فيما بينه وبين الله خَبِيَّةُ من عمل؛ فإنه إذا فعل ذلك فتح الله عليه من العلم ما يشغله عن غيره، وإن في الموت وذكره لأكثر الشغل.وفي هذا المعنى يقول أيضاً: من أحبّ أن يفتح الله قلبه ويرزقه الحكمة - فعليه بالخلوة، وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء وبعض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب.وقال الشافعي للربيع: لا تتكلم فيما لا يعنيك؛ فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها.وقال ليونس بن عبد الأعلى: لو جهدت كل الجهد على أن ترضي الناس كلّهم فلا سبيل إليه، فإذا كان كذلك فأخلص عملك ونيتك لله عز وجل.* * *ثم ذكر البيهقي باب ما يستدل به على تمكن الشافعي من عقله، وما يؤثر عنه من الآداب.ذكر فيه من قول الشافعي هذه الكلمات

• طبع ابن آدم على اللؤم: فمن شأنه أن يتقرب ممن يتباعد منه، ويتباعد ممن يتقرب منه.• سياسة الناس أشد من سياسة الدواب.• إن للعقل حدا ينتهى إليه، كما أن للبصر حداً ينتهى إليه.• جوهر المرء في خلال ثلاث: كتمان الفقر حتى يظن الناس من عفتك أنك غنى، وكتمان الغضب حتى يظن الناس أنك راض، وكتمان الشدة حتى يظن الناس أنك متنعم.• أظلم الظالمين لنفسه: من تواضع لمن لا يكرمه، ورغب في مودة من لا ينفعه، وقبل مدح من لا يعرفه.• إن الله خلقك حرا فكن كما خلقك.• من سمع بأذنه صار حاكيا، ومن أصغى بقلبه كان واعيا، ومن وَعَظ بقلبه كان هاديا.• الكيِّس العاقل هو الفطن المتغافل.• لو أن رجلا سوّى نفسه حتى صار مثل القدح، لكان له في الناس من يعانده.• الحرية: هي الكرم والتقوى، فإذا اجتمعا في شخص فهو حر.• لو أن رجلا تصوف من أول النهار لم يأت عليه الظهر إلا وجدته أحمق.• لا يكون الصوفي صوفيا حتى يكون فيه خصال أربع: كسول، أكول، نئوم، كثير الفضول.• ما دخل قوم بلد قوم إلا أخذ كل واحد منهم سُنَّة صاحبه، حتى إن العراقي ليأخذ من سنة الشامي، والشامي من سنة العراقي.

• إنك لا تقدر أن ترضي الناس كلهم، فأصلح ما بينك وبين الله، فإذا أصلحت ما بينك وبين الله، فلا تبال بالناس.• تفقه قبل أن ترأس، فإذا ترأست لا سبيل إلى التفقه.• أصحاب المروءات في جهد.• التواضع من أخلاق الكرام، والتكبر من شيم اللئام.• من استغضب فلم يغضب فهو حمار، ومن استرضى فلم يرض فهو شيطان.• التطلف في الحيلة أجدى من الوسيلة.• ليس بعاقل من لم يأكل مع عدوه في غضارة ثلاثين سنة.• الشفاعات زكاة المروءات.• ترك العادة ذنب مستحدث.• لا تشاور من ليس في بيته دقيق، فإنه مدله العقل.• الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء، والانقباض عنهم مكسبة للعداوة، فكن بين المنقبض والمنبسط.• ما أكرمت أحداً فوق مقداره إلا اتضع من قدري عنده بمقدار ما أكرمته به.• عاشر كرام الناس تعش كريما، ولا تعاشر اللئام فتنسب إلى اللؤم.• أقمت أربعين سنة أسأل إخواني الذين تزوجوا: عن أحوالهم في تزويجهم؟ فما منهم أحد قال: إنه رأى خيراً!وقال سمعت بعض أصحابنا ممن أثق به قال:«تزوجت لأصون ديني فذهب ديني ودين أمي وديني جيراني!!!».

ثم ذكر البيهقي بابا فيما يستدل به على سخاوة الشافعي. ومما أورده فيه قول أبي ثور: كان الشافعي من أجود الناس وأسخاهم كفا: كان يشتري الجارية الصَّنَاع التي تطبخ وتعمل الحلوى، ويشترط عليها أن لا يقربها؛ لأنه كان عليلا لم يمكنه أن يقرب النساء في وقته ذلك، لباصور كان به. وكان يقول لنا: تشهوا، ما أحْبَبْتُم؛ فقد اشتريت جارية تحسن أن تعمل ما تريدون. فيقول لها بعض أصحابنا: اعملي اليوم كذا وكذا، فكنا نحن الذين نأمرها، وهو مسرور بذلك. وأورد البيهقي قول الربيع: قد سمعنا بالأسخياء، قد كان عندنا قوم من الأسخياء بمصر وأهل الفضل رأيناهم، ما رأينا مثل الشافعي. وكان الشافعي يقول: أهل اليمن فيهم السخاء، وقال الحميدي: فأين سخاء أهل اليمن من سخاء الشافعي؟ أولئك سخاؤهم من فَضْل معهم، والشافعي يسخو بكل ماله. وقول البويطي: قدم علينا الشافعي مصر، وكانت «زبيدة» ترسل إليه برزم الوشى والثياب؛ فيقسمها الشافعي بين الناس.ثم ذكر بابا في شهادة الأئمة للشافعي بالتقدم في العلم وثنائهم عليه، ودعائهم له. ومن الأقوال التي رواها في ذلك قول أحمد بن حنبل:ما أعلم أحداً أعظم منَّةً على الإسلام، في زمن الشافعي، من الشافعي.وما أحد مسّ بيده محبرة وقلما إلا وللشافعي في عنقه منّة. وما رأيت أحداً أفقه في كتاب الله من الشافعي. وكان الفقه قفلا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي وقيل لأحمد: إن «يحيى بن معين» و «أبا عبيد» لا يرضيان الشافعي وينسبانه إلى التشيع! فقال: والله ما رأينا معه إلا خيرا، ولا سمعنا إلا خيراً. واعلموا أن الرجل من أهل العلم إذا منحه الله شيئا من العلم وحُرِمَه قرناؤه وأشكاله

- حسدوه فرموه بما ليس فيه. وبئست الخصلة في أهل العلم!وقال أبو ثور: ما رأيت مثل الشافعي، ولا رأى الشافعي مثل نفسه.وقال الزعفراني: ما رأيت مثل الشافعي أفضل ولا أكرم ولا أسخى ولا أتقى ولا أعلم منه، وما رأيته لحن قط. وكان يُقْرَأ عليه من كل الشعر فيعرفه.وقال الحميدي: كان الشافعي سيد علماء أهل زمانه، وربما ألقى علي وعلى ابنه «أبي عتمان» المسألة فيقول: أيكما أصاب فله دينار!وقال سعيد بن عمرو البرذعي: سمعت «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم» يقول: ليس «أبو عبيد» عندنا بفقيه. فقلت له: ولم؟ قال: لأنه يجمع أقاويل الناس ويختار لنفسه منها قولا. قلت: فمن الفقيه؟ قال: الذي يستنبط أصلا من كتاب أو سنة لم يسبق إليه، ثم يُشَعِّبُ من ذلك الأصل مائة شعبة. قلت: ومن يقوى على هذا؟ قال: محمد بن إدريس الشافعي.ثم روى البيهقي ما أثر عن الشافعي من لباسه وهيئته وخضابه ونقش خاتمه ومما جاء في ذلك هذا النص الذي نقله من كتاب العاصمي عن الربيع قال:كان الشافعي يجلس في حلقته إذا صلى الصبح، فيجيئه أهل القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا، واستوت الحلقة للمذاكرة والنظر، فإذا ارتفع الضحى تفرقوا، وجاء أهل العربية، والعروض، والنحو، والشعر، فلا يزالون إلى أن يقرب انتصاف النهار، ثم ينصرف.وكان يجدر بالبيهقي أن لا يذكر هذا النص في هذا الباب، وإنما يذكره في باب آخر هو ألصق به كباب فضل العلم والترغيب في تعلمه وتعليمه.

وروى قول الربيع: كان الشافعي حسن الوجه، وحسن الخلْق، محبباً إلى من كان بمصر - في وقته - من الفقهاء، والأمراء والنبلاء؛ كلُّهم يجئ إلى الشافعي ويعظمه ويجله. ولو رأيته وحسن ثيابه، ونظافته، وفصاحته، أعجبت منه.وبعد أن ذكر وصية الشافعي ذكر مرضه، ووفاته، وتربته، ومقدار سِنّه، وأهله وأولاده، ومن روى عنه من علماء الحجاز، واليمن، ومصر، والعراق، وخراسان.ثم ذكر أصحابه الذين حملوا عنه علما، أو رَوَوْا عنه حديثا، أو حكوْا عنه حكاية.وجعل البيهقي «الباب الأخير» من كتابه في ذكر من قعد في مجلس الشافعي بعد وفاته، ومن قام من أصحابه بنشر علمه.ومن أهم الحقائق التي يحتويها هذا الباب، ما جاء فيه عن أبي عبد الله الهروى أنه قال: سمعت أبا زرعة الدمشقي، وقلت له: ما أكثر حمل «المزني» على الشافعي؟! فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: ما أكثر ظلمه للشافعي؟!وقد روى البيهقي هذا النص عن أستاذه: أبي عبد الرحمن السًّلَمى، ووثقه بأنه قال: وهكذا قرأته في كتاب العاصمي. ثم عقب عليه البيهقي بقوله: وما أحسن ما قال أبو زرعة. وظلم «المزني» للشافعي يتجلى في شيئين: أحدهما: أنه كان صبيا ضعيفا، فربما وجد في كتاب الشافعي مسألة قد سقط منها بعض شرائطها - وهي في رواية حرملة والربيع صحيحة - فنقلها على ما في كتابه، ثم أخذ في الطعن على الشافعي. وكان من سبيله أن ينظر كتب أصحاب الشافعي حتى يتبين له خطؤه في الكتابة، أو خطأ من كَتَب كتابه فيستغنى عن الاعتراض.

والآخر أنه وجد الشافعي ذكر مسألة في موضعين، اختصرها في أحدهما، وذكرها مستوفاة شرائطها في الموضع الآخر - فنقلها المزني مختصرة، ثم اشتغل بالاعتراض عليها، ولو نقلها من الموضع الآخر مقيدة بشرائطها استغنى عن الاعتراض.ومثال كل واحد من هذين النوعين عندي فيما رددته من كلام الشافعي إلى ترتيب المختصر، وإيراده هنا مما يطول به الكتاب.وعمل شيئا آخر وهو أن كل كتاب صنفه الشافعي ورتب له ترتيبا حسنا ترك «المزني» ترتيبه، وقدم وأخر، كالجمعة والجنائز وغيرهما.وقد يذكر الشافعي مسألة في موضعين بعبارتين، فينقل «المزني» تلك المسألة بعضها بعبارته في أحد الموضعين، والثاني بعبارته في الموضع الآخر؛ كيلا يهتدى إلى كيفية نقله! ولو نقلها - على ترتيبه فيما رتبه - وعلى عبارته في أحد الموضعين كان أحسن وأبين.فهذا وجه جواب أبي زرعة.والذي راعى «المزني» من حق الشافعي في جمع ما تفرق من كلامه، واختصاره ما بسط من قوله، وتقريبه على من أراده، وتسهيله على من قصده من أهل الشرق والغرب - أكثر، وفائدته أعم وأظهر، فلا أعلم كتابا صنف في الإسلام أعظم بركة، وأعم نفعا، وأكثر ثمرة من كتابه».والذي يلوح لي أن عذر «المزني» فيما كان منه من وهم في اختصاره لعلم الشافعي: أنه لم يكن من قوة الفهم، وسرعة الإدراك بحيث يدرك منازع الشافعي في كلامه

وقد اعترف «المزني» بذلك حيث يقول: «لو كنا نفهم عن الشافعي كل ما يقول لأتيناكم عنه بصنوف العلم، ولكن لم نكن نفهم، فقصرنا، وعاجله الموت».وقد مكث المزني - في تأليف مختصره هذا - عشرين سنة، وألفه ثلاث مرات، يغير فيه ويبدل.* * *وإن كتاب المناقب هذا يعد من أعظم كتب التراجم، وأحفلها بالفائدة، وأقربها سبيلا إلى الغاية من الترجمة، يقرؤه القارئ الواعي، فيخرج منه بصورة متكاملة للشافعي العالم المفسر، الفقيه المحدث، الأديب الشاعر، والإنسان العربي الأبي الذي يحرص على الكرامة والحرية والمروءة ومكارم الأخلاق، والجواد السخي الذي يبذل ماله، طيب النفس ببذله، والعالم الكريم الذي كان يود من سويداء قلبه أن يتعلم الخلق علمه، وأن لا ينسبوا إليه شيئا منه!وتلك مكانة سامية لا يرقى إليها إلا أفذاذ العلماء الذين قهروا أهواءهم، وقدعوا نفوسهم عن حب الشهرة، وآمنوا بأن نشرهم لعلمهم إنما هو الشكر لربهم الذي علمهم ما لم يكونوا يعملون.وما أريد أن أسترسل في ذكر ألوان عظمة الشافعي التي تجتلى من هذا الكتاب فإن فيما رواه البيهقي عن «داود بن علي الظاهري» غنية عن ذلك وأقوال داود - تلك - من أهم ما اشتمل عليه كتاب المناقب.قال داود:«اجتمع للشافعي من الفضائل ما لم يجتمع لغيره:

فأول ذلك: شرف نسبه ومنصبه، وأنه من رهط النبي، صلى الله عليه وسلم.ومنها: صحة الدين، وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع.ومنها: حفظه لكتاب ربه معرفته به، وجمعه لسنن النبي، ومعرفته بالواجب منها من الندب، ومعرفته بناسخ القرآن من منسوخه، والعام منه والخاص، ثم معرفته بسيرة هدى نبيه، صلى الله عليه وسلم، وأئمة الهدى بعده، ومغازي رسول الله أو خلفائه، وتركه تقليد أهل بلده، وإيثاره ما دل عليه كتاب ربه، وثبت عن نبيه.ثم ما كشف من تمويه المخالفين، وما أبطل من زخرفهم، بالحق الذي قذف به على باطلهم فيدمغه.ثم ما بين من الحق الذي سهل - بتوفيق خالقه - معرفته، حتى استطال به من لم يكن يميز بين ظلام وضياء، وألقوا الكتب، وناظروا المخالفين.ومنها: ما من الله عليه من منطقه الذي طبع عليه، وكان يعترف له بكل من شاهده ويقر بتقصيره عن بلوغ أدنى ما منَّ الله به عليه منه.ومنها: ما وقاه الله من شح النفس الموجب له الفلاح.وما علمت أحدا في عصره كان أَمَنَّ على أهل الإسلام منه، لما نشر من الحق، وقمع من الباطل وأظهر من الحجج، وعلّم من الخير».وقد تكفل كتاب المناقب - هذا - بتفصيل هذه الأوصاف الجليلة

المستطابة، التي تدل على إدراك حقيقي لفضائل الشافعي، وبصر دقيق بجوانبها الكثيرة.* * *وهناك أمر آخر تفرد به كتاب المناقب لا مناص من ذكره والإفاضة في تبيينه، لأهميته القصوى في دفع فرية افتريت على الشافعي قديما وحديثا، وهي أن الشافعي لم يؤلف كتاب الأم.وقد ألف الدكتور زكي مبارك كتابا في ذلك جعل عنوانه: «إصلاح أشنع خطأ في تاريخ التشريع الإسلامي: كتاب الأم لم يؤلفه الشافعي وإنما ألفه البويطي وتصرف فيه الربيع بن سليمان».وكان الذي هداه إلى تصحيح هذه الغلطة - كما يقول - كلمة قرأها في كتاب «الإحياء» للغزالي يقول فيها:«وآثر البويطي الزهد والخمول، ولم يعجبه الجمع والجلوس في الحلقة، فاشتغل بالعبادة، وصنف كتاب الأم الذي ينسب الآن إلى الربيع بن سليمان ويعرف به، وإنما صنفه البويطي، ولكن لم يذكر نفسه فيه، ولم ينسبه إلى نفسه فزاد الربيع فيه وتصرف» اهـ.وكلمة الغزالي - هذه - ليست من بنات فكره، ولا من ثمرات بحثه، وإنما نقلها نقلا عن كتاب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي المتوفى سنة ٣٨٦ فقد جاء في هذا الكتاب ٤/ ١٣٥:«وأخمل البويطي نفسه، واعتزل عن الناس بالبويطة، من سواد مصر

وصنف كتاب الأم الذي ينسب الآن إلى الربيع بن سليمان، ويعرف به، وإنما هو جمع البويطي، لم يذكر نفسه فيه، وأخرجه إلى الربيع فزاد فيه، وأظهره وسمعه منه» اهـوقد رجح الدكتور زكي مبارك أن الأم وضع بعد وفاة الشافعي، لأنه ليس له مقدمة (!!!).ولأنه لا تمضي فصوله على وتيرة واحدة، ففي أحيان كثيرة تجري عبارة: «قال الشافعي». وفي بعض الأحيان، حدثنا الربيع بن سليمان قال: أخبرنا الشافعي - إملاء - وفي بعضها: سألت الشافعي فقال.وتجئ في الأم أحيانا عبارة: قال الشافعي كذا، فقلت له كذا (!).وللربيع تعليقات كثيرة في التعقيب على كلام الشافعي (!).ويتفق المؤلف أحيانا أن يذكر المصدر الذي نقل عنه فيقول - مثلا (٧/ ١٤٦): «هذا مكتوب في كتاب الإيلاء» (!).وعرض المؤلف في باب الوصايا لوصية الشافعي فقال: هذا كتاب كتبه محمد بن إدريس الشافعي في شعبان سنة ثلاث ومائتين، وعنونه بعبارة: الوصية التي صدرت من الشافعي. وإذا تذكرنا أن الشافعي مات سنة أربع ومائتين، عرفنا أن كتاب وصيته أثبت في الكتاب بعد وفاته (!).وجاء في كتاب الأم (٢/ ٩٣) ما نصه: «أخبرنا الربيع بن سليمان المرادي بمصر سنة سبع ومائتين، قال: أخبرنا الشافعي»

«وكلمة «مصر» تدل على أن المؤلف كان مشغولا بجمع مواد الكتاب في مكان غير مصر - أعني غير العاصمة - وكلمة المكي والغزالي تعين أنه كان في بويط» (!!!).وقد وقع الدكتور هنا في خطأ طريف، غير الخطأ الأساسي في نفي الأم عن الشافعي، فكلمة «مصر» لا يراد بها العاصمة في هذا النص، لأن ذلك خطأ محض، وعاصمة مصر في تلك الحقبة من الزمان كانت «الفسطاط» ثم هي لا تدل على أن المؤلف كان مشغولا بجمع مواد كتابه في غير العاصمة، والمضحك حقا أن يقول الدكتور: وكلمة المكي والغزالي تعين أنه كان في بويط!!والعبارة - كما جاءت في الأم - لا تدل على أكثر من أن راوي الكتاب عن الربيع يقول: إن الربيع حدثه بمصر في تلك السنة، ولا مدخل للبويطي، ولا لجمعه مواد الكتاب، في هذا النص على الإطلاق. ورحم الله الشافعي إذ يقول: «وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه، لكان الإمساك أولى به، وأقرب إلى السلامة له».* * *وأما استدلاله بوجود وصية الشافعي في الأم على أنها أثبتت فيه بعد وفاة الشافعي - فغير مسلم له. ولست أدري كيف قال هذا وليس في النص ما يشير إليه من قريب أو بعيد. جاء في الأم ٤/ ٤٨ تحت عنوان: الوصية التي صدرت من الشافعي: «قال الربيع بن سليمان: هذا كتاب كتبه محمد بن إدريس الشافعي، في شعبان سنة ثلاث ومائتين، وأشهد الله عالم خائنة الأعين وما تخفي

الصدور - وكفى بالله ثناؤه شهيداً - ثم من سمعه: أنه شهد أن لا إله إلا الله. . إلى آخر الوصية.وأكبر ظني أن أصل الكلام: قال الربيع بن سليمان: قال الشافعي: هذا كتاب كتبه الخ لأن أول وصية للشافعي كلمة «هذا» ويؤيد ذلك ما رواه البيهقي في المناقب عن الربيع أنه قال: قرئ على محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، وأنا حاضر: هذا كتاب. . الخ.وهذا النص يدل على أن كتاب وصية الشافعي هو الذي قرئ عليه بحضور الربيع. ومعلوم أن كتاب «الوصايا» الذي سجل الشافعي فيه وصيته لم يسمعه الربيع ولا غيره من الشافعي، في حين أنه كان مكتوبا كله بخط الشافعي. وآية ذلك قول الربيع، كما جاء في الأم ٤/ ١٨ «كتبنا هذا الكتاب من نسخة الشافعي - من خطه بيده، ولم نسمعه منه» وقول المزني في مختصره بهامش الأم ٣/ ١٥٩ «كتاب الوصايا مما وضعه الشافعي بخطه، لا أعلمه سمع منه».وكتاب الوصايا قد ألفه الشافعي في العام الذي توفى فيه، لأنه كتب وصيته في شعبان سنة ٢٠٣ ومات في شعبان ٢٠٤. وما الذي يمنع عقلا من أن يكتب الشافعي وصيته في كتابه، حتى يقول الدكتور زكي مبارك: إنها أثبتت فيه بعد وفاة الشافعي، ليثبت بذلك أنه ليس من تأليف الشافعي؟!ولقد كتب الشافعي كتاب صدقته كذلك في العام التي توفى فيه. جاء في الأم ٦/ ١٧٩ تحت عنوان: «صدقة الشافعي»: هذا كتاب كتبه محمد بن إدريس الشافعي في صحة منه وجواز من أمره، وذلك في صفر سنة ثلاث ومائتين. . .»

أما قول الدكتور: «إن المؤلف يذكر أحيانا المصدر الذي نقل عنه، فيقول مثلا ٧/ ١٤٦: وهذا مكتوب في كتاب الإيلاء» فإنه خطأ محض من جهتين:الأولى: أن هذا القول المذكور في هذا الجزء وفي هذه الصفحة ليس من كتاب الأم وإنما هو من كتاب مستقل ألفه الشافعي، وهو «كتاب اختلاف العراقيين» فالاستشهاد بهذا النص لا يصح.والجهة الثانية: أن المؤلف المزعوم أو الحقيقي لم يقصد من هذه العبارة وأمثالها ذكر المصدر الذي نقل عنه، وإنما قصد بيان الكتاب الذي فصل فيه القول في الموضوع الذي أجمل ذكره قبل هذه العبارة. ولننظر كيف قال المؤلف العبارة التي مثل بها الدكتور: جاء في الأم ٧/ ١٤٦ «قال الشافعي، رحمه الله: وإذا حلف الرجل لا يطأ امرأته أربعة أشهر أو أقل - لم يقم عليه حكم الإيلاء يكون الزوج لا يمين عليه. وإذا لم يكن عليه يمين فليس عليه حكم الإيلاء. وهذا مكتوب في كتاب الإيلاء».ويريد الشافعي بالعبارة الأخيرة أن يرشد قارئ كتابه اختلاف العراقيين إلى الكتاب الذي فصل فيه القول من كتب الأم، وهو كتاب الإيلاء الذي يقع في الجزء الخامس، والمسألة التي يعنيها فيه ص ٢٥٤.وجاء في صفحة ١٤٦ أيضا هذا النص من كتاب اختلاف العرقيين. «قال الشافعي، رحمه الله: وإذا ارتد الرجل عن الإسلام، فنكاح امرأته موقوف. فإن رجع إلى الإسلام قبل أن تنقضي عدتها - فهما على النكاح

الأول. وإن انقضت عدتها قبل رجوعه إلى الإسلام - فقد بانت منه. والبينونة فسخ لا طلاق. وإن رجع إلى الإسلام فخطبها - لم يكن هذا طلاقا. وهذا مكتوب في كتاب المرتد».وكتاب المرتد من كتب الأم، والمشار إليه في ٦/ ١٤٩ - ١٥٠.وقد أشار الشافعي في كتاب «اختلاف العراقيين» هذا إلى تسعة كتب من كتب الأم نجتزئ منها بهاتين الإشارتين: قال في ص ١١٦: «وقد كتبنا هذا في كتاب الأقضية».وقال في ص ١٢٣: «وهذا مكتوب في كتاب العتق بحججه، إلا أنا وجدنا في هذا الكتاب زيادة حرف لم نسمع به في حججهم. .»* * *ونذر الدكتور «زكي مبارك» ونأتي إلى الدكتور «أحمد أمين» الذي قال في كتابه ضحى الإسلام ٢/ ٢٣٠: «وقد ثار الخلاف حديثا في مصر: هل الأم كتاب ألفه الشافعي، أو ألفه البويطي؟ وأظن أنه لو حدد موضع النزاع في دقة، لكان الأمر أسهل حلا؛ فليس يستطيع أحد أن يقول: إن ما بين دفتي الكتاب الذي بين أيدينا هو من تأليف الشافعي، وأنه عكف على كتابته وتأليفه في هذا الموضع النهائي (!!!)وأهم دليل على ذلك أن مطلع كثير من الفصول: العبارة الآتية: «أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي» وهي عبارة لا يمكن أن يكتبها الشافعي وهو يؤلف الكتاب (!!!)

وفي ثنايا الكتاب نجد أخباراً بعدول الشافعي عن هذا الرأي. كأن يجى في سير الكلام ٣/ ٢٣ «قال الربيع: قد رجع الشافعي عن خيار الرؤية، وقال: لا يجوز خيار الرؤية» ومحال أن تصدر من الشافعي هذه العبارة وأمثالها. كما لا يستطيع أحد أن ينكر أن في الأم مذهب الشافعي بقوله وعبارته، فالظاهر أنها أمال أملاها الشافعي في حلقته، كتبها عنه تلاميذه، وأدخلوا عليها تعليقات من عندهم، واختلفت روايتهم بعض الاختلاف. والذي بين أيدينا منها رواية الربيع المرادي عن الشافعي».* * *ماذا أقول في نقض هذا الكلام المدخول، الذي تزورّ عنه العقول؟ ولست أدري كيف طوعت للدكتور نفسه أن يقول: إنه لا يستطيع أحد أن يقول إن «الأم» من تأليف الشافعي؛ لأن في مطالع فصوله عبارة لا يمكن أن تخطها يمين الشافعي أثناء تأليفه له، وهي عبارة: «أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي» ولأنه تتردد في ثناياه عبارة أخرى، محال أن تصدر من الشافعي وهي عبارة: «قال الربيع»!!!ولست أرتاب في أن «أهم دليل» لدى الدكتور لا يقبله من له أدني إلمام بالكتب القديمة، وطريقة الأقدمين في روايتها، وكل من قرأ فيها يعلم علم اليقين أن وجود عبارة «أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي» في أول الكتاب أو في داخله مرة أو مرات - دليل ناصع على أنه من تأليف الشافعي، وأن هذه النسبة قد ازدادت وثاقة ومتانة برواية الربيع عن الشافعي، ثم برواية تلميذ الربيع عن الربيع. ثم برواية تلميذ التلميذ. إن وجدت، وهكذا إلى آخر سلسلة رواة الكتاب

عن مؤلفه. وهي أوثق طرق التوثيق والتأكد من نسبة الكتاب المروى إلى من وضعه.وهذه من الحقائق الأولية والمسائل البسيطة التي لا تخفى على أبسط القراء، فمن العجب العجاب أن تكون سببا للارتياب في الكتاب، ودليلاها على نفيه عن مؤلفه؛ لأنه «لا يمكن أن يكتبها الشافعي وهو يؤلف الكتاب»!!!ولو اتخذنا هذا الدليل الهام عند الدكتورين: زكي مبارك وأحمد أمين، وجعلناه معياراً في نظرنا إلى الكتب العربية في القرون الأولى لنفينا أكثرها عن أصحابها.ولو نظرنا كذلك في ضوء هذا الدليل إلى سائر كتب الشافعي التي أفردها عن مجموعة «الأم» لقلنا: إنها ليست من مؤلفات الشافعي» ولنأخذ منها مثالاً واحداً وهو كتاب «اختلاف الحديث» وهو كتاب كتبه الشافعي، وجعل له مقدمة طويلة، وقد سجل فيه أنه من تأليفه وكتابه، ومما قاله: «وقد وصفت في كتابي هذا - المواضع التي غلط فيها بعض من عجل بالكلام في العلم قبل خبرته» ومنها: «فحكيت ما كتبت في صدر كتابي هذا ...» ومنها: «وقد اختصرت من تمثيل ما يدل الكتاب على أنه نزل من الأحكام عاماً أريد به العام. وكتبته في كتاب غير هذا. . وكتبت في هذا الكتاب مما نزل عام الظاهر، ما دل الكتاب على أن الله أراد به الخاص. .»وإذا نظرنا في أوائل أبواب «اختلاف الحديث» رأينا أكثرها قد بدئ بعبارة: «حدثنا الربيع. . .» وباقيها القليل قد بدئ بعبارة «حدثنا الشافعي»

أو «قال الشافعي» فهل ننفي هذا الكتاب عن الشافعي، أو نتبع سبيل العلم ونقول: إنه من تأليفه ومن رواية الربيع عنه، ونبحث عن الراوي الأول الذي قال: حدثنا الربيع»؟ لنعلم أنه «أبو بكر: أحمد بن عبد الله السجستاني» تلميذ الربيع.وما أكثر تلاميذ الربيع من أهل المشرق والمغرب الذين شدوا رحالهم إلى مصر - وليست العاصمة - ليرووا عنه كتب الشافعي الذي قال له: «أنت راوية كتبي» وقد لبث الربيع بعد موت الشافعي ستا وستين سنة يدرس كتب الشافعي، ويمليها على تلاميذه، ويعقب على بعض أقوال الشافعي بما يعن له أثناء الإملاء. والطلاب من حوله يكتبون كل ما يقول من قول الشافعي ومن قول نفسه في التعقيب على بعض قول الشافعي.وهذا هو التفسير الصحيح لوجود: «قال الربيع» في ثنايا كتب الشافعي. ومنها عبارة «قال الربيع: قد رجع الشافعي عن خيار الرؤية، وقال لا يجوز خيار الرؤية» التي نقلها الدكتور أحمد أمين وعقب عليها بقوله: «ومحال أن تصدر من الشافعي هذه العبارة وأمثالها».وهل قال أحد ممن يثبتون الكتاب للشافعي: إن «حدثنا الربيع» في مطالع فصوله، و «قال الربيع» في ثناياه مما خطته يد الشافعي في الأم حتى يقول الدكتور: إنه من غير الممكن أن يكتب الجملة الأولى وهو يؤلف الكتاب، ومن المحال أن تصدر عنه كذلك الجملة الثانية، ثم يتخذ من هذه وتلك دليلا بالغ الأهمية على أن الشافعي لم يؤلف كتاب الأم؟!ومن قبل ذلك يقول في ثقة مطلقة وجرأة بالغة: ليس يستطيع أحد أن

يقول إن الشافعي قد عكف على كتابة الأم، وألفه في هذا الوضع النهائي لا لشيء إلا لأن في أوائل الكلام: «حدثنا الربيع» وفي خلاله: «قال الربيع»!!ولو قد قرأ الدكتور كتاب الأم حقا لألفى في أطوائه كثيراً من الأدلة على أنه له ومن وضعه، ولمنعته تلك الأدلة من تقليد الدكتور زكي مبارك، الذي تلقف كلمة الغزالي التي نقلها - دون تعقل أو إدراك - عن أبي طالب المكي، ذلك الصوفي السالمي الذي شطح ونطح وأخرج تلك الكلمة الخبيثة الخاملة التي قالها عن خمول البويطي وتأليفه للأم ومنحه للربيع الذي سارع إلى نسبته له دون أن يردعه عن ذلك الفعل الشائن رادع من حياء أو زاجر من ورع.وحاشا للربيع الثقة الأمين، ذي الدين الثخين والورع المكين - أن يقدم على ارتكاب تلك الحماقة التي تلوث شرفه، وتسمه بمسيم الضعة والهوان.ومن الجدير بالذكر أن قول أبي طالب المكي وقول الغزالي - إن صح تسميته قولا - قد ظل رهين كتابيهما، لم ينقله أحد ولم يعرض له عالم بتقريظ أو توهين إلى أن جاء الدكتور زكي مبارك فنفخ فيه من تمويهه وتلبيسه حتى غرّ به أقواماً فتبعوه وتقلدوه وفي مقدمتهم الدكتور أحمد أمين والمستشرق بروكلمان.وكان من قدر الله لإظهار الحق المبين في هذه المسألة: أن البيهقي قد نقل في مناقب الشافعي عن الربيع أنه قال: إن الشافعي قد ألف بمصر كتاب الأم في ألفي ورقة: وهو قول عظيم يلقف ما صنع المنكرون، ويدحض اقوالهم ويمحق باطلهم الذي جاؤا به من عند أنفسهم بغيا بغير الحق، أو تقليداً دون حجة قاطعة، أو برهان ناهض.

وإني مورد نص البيهقي بسنده؛ ليكون القارئ على بينة من أمره. قال البيهقي ٣/ ٢٩١: «قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، رحمه الله، عن الزبير بن عبد الواحد، قال: حدثني محمد بن سعيد، قال: حدثنا الفريابي - يعني أبا سعيد - قال:قال الربيع بن سليمان: أقام الشافعي ها هنا أربع سنين، فأملى ألفا وخمسمائة ورقة.وخرج كتاب «الأم» ألفي ورقة.وكتاب السنن، وأشياء كثيرة، كلها في أربع سنين».وما أظن المنكرين وتابعيهم بغير إحسان يجادلون البيهقي فيما قرأ وروى أو يمارون الربيع فيما شهد ورأى.وأي شهادة أكبر عند العقلاء من شهادة الربيع بأن الشافعي هو الذي ألف كتاب الأم كله، وأنه سطره في ألفي ورقة؟ولقد أحسن البيهقي صنعا في سرده لأسماء الكتب التي اشتمل عليها «الأم» ١/ ٥٤٧ - ٢٥٤ وصدر سرده بقوله: «ومن الكتب التي هي مصنفة في الفروع، وهي التي تعرف بالأم. . . .»وتسمية البيهقي لأسماء «كتب الأم» لها خطرها وقدرها، ولا مناص من تصديقه فيما قال؛ لأنه رجل جمع كتب الشافعي وأنفق حياته في درسها وترتيبها وتصنيفها، والانتصار لحديثها، ونشرها بين الناس، واتخاذها أساسا لمصنفاته حتى بالغ إمام الحرمين في قوله عنه: «ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة

إلا البيهقي؛ فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله».ولو لم يكن فينشر كتاب «مناقب الشافعي» إلا هذه الفائدة الخاصة بكتاب الأم - لكان ذلك مغنما عظيما يضع الصواب في نصابه، ويرد الحق لصحابه، فكيف وقد اشتمل على فوائد لا تحصى تتعلق بحياة الشافعي الخاصة والعامة، وحياة أهله وصحبه وتلاميذه، وتضمن فوق ذلك دقائق علم الشافعي في التفسير والحديث والفقه، واللغة والأدب، وغير ذلك.* * *ولقد كان «مناقب الشافعي» للبيهقي المصدر الأول لكل من أتى بعده، وترجم للشافعي بترجمة مفردة أو غير مفردة.وممن اعتمد عليه، وأكثر من النقل عنه: ياقوت الرومي في معجم الأدباء، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن كثير في كتابيه: طبقات الشافعيين، والبداية والنهاية، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات، وفخر الدين الرازي في مناقب الشافعي، والسبكي في طبقات الشافعي. وغيرهم كثير.وقد لخص ابن حجر أكثر فصوله في كتابه «توالي التأسيس، بمعالي ابن إدريس» وقال في مقدمة هذا الكتاب: «إن البيهقي صنع لكتاب المناقب ذيلا».ولم أر من ذكر ذيل المناقب هذا بأي لون من ألوان الذكر. ولا يتخالجني ريب في أن ابن حجر يقصد بهذا الذيل كتاب «نوادر الحكايات عن الشافعي» الذي ذكره البيهقي في المناقب حيث يقول ١/ ١٤٢ «. . . وقد أخرجته في «نوادر الحكايات» في آخر الكتاب».

وذكره أيضا بقوله ٢/ ٣٦٨ «وله حكايات لم يتفق إخراجها في كتاب «المناقب» وأخرجتها في جزء».و «نوادر الحكايات» هذا هو التالي في النشر لكتاب المناقب، إن شاء الله ذلك وقدّره.* * *وقد اعتمدت في نشر المناقب على ثلاث نسخ:النسخة الأولى ورمزها (ا) كتبها «أحمد بن عبد الخالق بن محمد بن عبد الله بن أبي هشام، القرشي، الشافعي، الدمشقي» وكان فراغه من كتابتها في اليوم الثامن والعشرين من شهر جمادى الأول، سنة أربع وتسعين وخمسمائة. وهي نسخة كبيرة الخط، حسنة النص، وعدد أوراقها ٢٣٤ ورقة.والنسخة الثانية، ورمزها (ح) كتبها «معمر بن يحي بن أبي الخير بن عبد الغني، المكي، المالكي» وقد أنهى كتابتها في عصر الجمعة الثالث من شهر ربيع الآخر، من شهور سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة.وقد قوبلت في تسعة وعشرين مجلسا.وجاء في هامش الورقة الأخيرة: «بلغ مقابلة في المجلس التاسع والعشرين، في شعبان عام ثلاثة وسبعين وثمانمائة، بالمسجد الحرام، على غير أصل» وعدد أوراقها ١٧٦ ورقة، وخطها دقيق، ولكنها في جملتها أصح من النسخة الأولى.والنسخة الثالثة، ورمزها (هـ) وليس فيها ما يدل على اسم ناسخها ولا على تاريخ ناسخها، بيد أنه جاء على الصفحة الأولى منها عبارتان: الأولى

فوق العنوان، والثانية تحته، ونص الأولى: «من كتب حجى الحسبانى» ونص الثانية: «من كتب يحيى بن حجي الشافعي».والأول هو: حجي بن موسى بن أحمد السعدي، الحسباني، الشافعي، فقيه الشام ومحدثها. ولد سنة ٧٢١ وتوفي سنة ٧٨٢والثاني هو: يحيى بن محمد بن عمر بن حجي بن موسى بن أحمد السعدي الحسباني، الدمشقي، المعروف بابن حجي.ولد بدمشق سنة ٨٣٨ وتوفي بالقاهرة سنة ٨٨٨ وصلى عليه بالأزهر ودفن بالقرب من ضريح الشافعي.وهذه النسخة جميلة الخط، حسنة التنسيق، ولكنها أقل النسخ شأنا، وأخفها وزنا؛ لكثرة ما فيها من تصحيف وتحريف، ولذلك لم أثبت فروقها، لأنه لا جدوى من إثباتها الا بزيادة حجم الكتابوهذه النسخ الثلاث مصورة عن أصولها المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث بتركيا. وأرقامها حسب توالي ذكرها ٢٧٠ حديث، ٨١٩، ٧١٨.وإنه ليطيب لي بهذه المناسبة أن أتوجه بالشكر الجزيل لجميع القائمين على شئون المكتبات في تركيا؛ لحسن عنايتهم بما أطلب تصويره.وأرجو أن تظل معونتهم شاملة لجميع الباحثين، وأن لا يصرفهم عنها ما يفعله بعض السفهاء هنا أو هناك، كما حدث أخيراً؛ فإن وضع العوائق أمام الراغبين في تصوير لكتب أمر يجافي سنن العلم، وينافي مواجب الأخوة، ولا ينبغي لكرامة الدولة. وما إخالهم إلا عادلين إلى ما كانوا عليه من معونة العلماء وتلبية طلباتهم

أنَّى كانوا من أرض الله. وفقنا الله جميعا لما فيه رضاه، وجمع قلوبنا على حب تراثنا والتعاون على نشره على أساس علمي قويم.* * *ولعل من طرائف الموافقات: أن أكتب مقدمة مناقب الشافعي في آخر شهر رجب من سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف من هجرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وقد كانت وفاة الشافعي في آخر يوم من شهر رجب سنة أربع ومائتين.فليكن عملي في هذا الكتاب تحية متواضعة للشافعي، في ذكرى مرور ألف ومائة وسبع وثمانين سنة على وفاته.طيب الله ثراه، وتقبل عنه أحسن ما عمل، كفاء ما بذل من وقت وجهد في فقه الكتاب، ونصر السنة، وتجليتهما للناس في أسلوب بارع، وحوار رائع، يبهر العقول، ويسحر النفوس، ويهدي إلى سواء الصراط.السيد أحمد صقرالقاهرة في يوم الاثنين ٣٠ من رجب ١٣٩١ هـ٢٠ من سبتمبر ١٩٧١ م


[البيهقي في سطور]•

 هو أبو بكر: أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي (١).• ولد في شعبان سنة ٣٨٤ في «خُسْرَوْجِرْد» إحدى قرى «بَيهَق» بنواحي «نَيْسَابُور».• مات في جمادى الأولى سنة ٤٥٨.• أول سماعه للعلم سنة ٣٩٩.• رحل إلى العراق والجبال والحجاز.• كان ورعا زاهداً تقيا، تابع الصيام مدة ثلاثين سنة.• تتلمذ على طائفة من العلماء من أشهرهم الحاكم (٣٢١ - ٤٠٥) مؤلف المستدرك على الصححين. وابن فورك الأصبهاني، المتوفى سنة ٤٠٦ وأبو عبد الرحمن السلمي (٣٠٣ - ٤١٢) وأبو منصور البغدادي المتوفى سنة ٤٢٩ وأبو محمد الجويني، المتوفى سنة ٤٣٨.• تتلمذ عليه جماعة من أشهرهم: أبو عبد الله الفراوي (٤٤١ - ٥٣٠)، وقد روى عنه كثيرا من كتبه ومنها «مناقب الشافعي»ومنهم ابنه: إسماعيل بن أحمد البيهقي، المتوفى سنة ٥٠٧. وحفيده: عبيد الله بن محمد بن أحمد البيهقي، المتوفى سنة ٥٢٣. وأبو المظفر القشيري (٤٤٥ - ٥٣٢) وهو من رواة كتاب المناقب.• ألف كتبا كثيرة، طبع منها: السنن الكبرى، وأحكام القرآن، والأسماء

(١) ترجمت له في مقدمة كتاب معرفة السنن والآثار.

والصفات، والاعتقاد، والقراءة خلف الإمام، وحياة الأنبياء في قبورهم، ودلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، صلى الله عليه وسلم، ومعرفة السنن والآثار.• قال عنه الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨): «قَلّ من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر البيهقي، فتصانيفه عظيمة القدر، فينبغي للعالم أن يعتني بها»• قال النووي: (٦٣١ - ٦٧٦): «المصنفات في مناقب البيهقي كثيرة، ومن أحسنها وأثبتها كتاب البيهقي، وهو مجلدان ضخمان، مشتملان على نفائس من كل فن، استوعب فيهما معظم أحواله ومناقبه، بالأسانيد الصحيحة، والدلائل الصريحة»

مناقب الشافعي للبيهقي٣٨٤ - ٤٥٨ تحقيق السيد أحمد صقر

عن الكاتب

Tanya Ustadz

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية