الفَصْلُ الرَّابع: الوضُوء وما يتبعه من كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي

نوفمبر 08, 2021
الفَصْلُ الرَّابع: الوضُوء وما يتبعه من كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي
الفهرس
  1. الفَصْلُ الرَّابع: الوضُوء وما يتبعه
    1. المبحث الأول ـ الوضوء تعريفه وأنواعه، فرائضه، شروطه، سننه، آدابه، مكروهاته، نواقضه، وضوء المعذور، ما يمنع منه غير المتوضئ
    2. المبحث الثاني ـ السواك: تعريفه، حكمه، كيفيته، فوائده
    3. المبحث الثالث ـ المسح على الخفين
  2. العودة الي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي
الفَصْلُ الرَّابع: الوضُوء وما يتبعه وفيه مباحث ثلاثة: المبحث الأول ـ الوضوء تعريفه وأنواعه، فرائضه، شروطه، سننه، آدابه، مكروهاته، نواقضه، وضوء المعذور، ما يمنع منه غير المتوضئ.
تقدم بحث الطهارة عن الخبث وهي الطهارة الحقيقية، أما الطهارة عن الحدث فهي طهارة حُكْمية، وهي ثلاثة أنواع: الوضوء، الغسل، التيمم. وأبدأ بالوضوء، لأن الموجب له الحدث الأصغر، أما الغسل فالموجب له هو الحدث الأكبر. وأما التيمم فهو بديل يخلف كلاً من الوضوء والغسل في حالات معينة، وقد عرفنا سابقاً أن الطهارة الحكمية: هي وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل الطهارة، وأن الطهارة الحقيقية: هي إزالة الخبث وهو عين مستقذرة شرعاً.
وفيه مطالب تسعة:

المطلب الأول ـ تعريف الوضوء، وحكمه (أنواعه أو أوصافه):
الوضوء في اللغة بضم الواو: هو اسم للفعل أي استعمال الماء في أعضاء مخصوصة، وهو المراد هنا، مأخوذ من الوضاءة والحسن والنظافة، يقال: وضؤ الرجل: أي صار وضيئاً.

(1/359)

وأما بفتح الواو فيطلق على الماء الذي يتوضأ به.
والوضوء شرعاً: نظافة مخصوصة (1)، أو هو أفعال مخصوصة مفتتحة بالنية (2). وهو غسل الوجه واليدين والرجلين، ومسح الرأس. وأوضح تعريف له هو: أنه استعمال ماء طهور في الأعضاء الأربعة (أي السابقة) على صفة مخصوصة في الشرع (3). وحكمه الأصلي أي المقصود أصالة للصلاة: هو الفرضية، لأنه شرط لصحة الصلاة، بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ، وامسحوا برؤوسكم، وأرجلَكم إلى الكعبين} [المائدة:6/ 5]، وبقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (4) وبإجماع الأمة على وجوبه.
وشُرع الوضوء بمكة وآيته في المدينة كما أوضح المحققون. والحكمة من غسل هذه الأعضاء هو كثرة تعرضها للأقذار والغبار والنُّفايات وغيرها.
وقد يعرض للوضوء أوصاف أخرى، فتجعله مندوباً، أو واجباً بتعبيرالحنفية (5)، أو ممنوعاً، لهذا قسمه الفقهاء أنواعاً، وذكروا له أوصافاً.

انقسام الوضوء عند الحنفية إلى خمسة أنواع فقال الحنفية (6): الوضوء خمسة أنواع:
الأول ـ فرض:
أـ على المحدث إذا أراد القيام للصلاة فرضاً كانت أو نفلاً، كاملة، أو غير
_________
(1) مراقي الفلاح: ص 9.
(2) مغني المحتاج:47/ 1.
(3) كشاف القناع:91/ 1.
(4) رواه الشيخان.
(5) الفرض عند الحنفية: هو الثابت بالدليل القطعي. والواجب: هو الثابت بدليل ظني فيه شبهة.
(6) مراقي الفلاح: ص13وما بعدها.

(1/360)

كاملة كصلاة الجنازة وسجدة التلاوة (1)، للآية السابقة: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... } [المائدة:6/ 5]، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (2) «لا يقبل الله صلاة بغير طُهور، ولا صدقة من غُلُول» (3).
ب ـ ولأجل لمس القرآن، ولو آية مكتوبة على ورق أو حائط، أو نقود، لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79/ 56]، ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (4).
الثاني ـ واجب:
للطواف حول الكعبة، وقال الجمهور غير الحنفية. إنه فرض، ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه، فلا ينطق إلا بخير» (5).
قال الحنفية: ولما لم يكن الطواف صلاة حقيقية، لم تتوقف صحته على الطهارة، فيجب بتركه دم في الواجب، وبَدَنة في الفرض للجنابة، وصدقة في النفل بترك الوضوء
_________
(1) هناك آيات في القرآن تسمى آيات السجدة، وعددها أربع عشرة آية عند الشافعية والحنابلة، إذا قرأها المؤمن سجد سجدة بنية وطهارة واستقبال القبلة، والسجدة واجبة عند الحنفية، سنة عند الجمهور.
(2) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة (سبل السلام:40/ 1).
(3) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر، والغلول: الخيانة، وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة (نيل الأوطار:204/ 1).
(4) رواه الأثرم والدارقطني، والحاكم والبيهقي والطبراني، ومالك في الموطأ مرسلاً، وهو حديث ضعيف، وقال ابن حجر: لا بأس به (نيل الأوطار:205/ 1).
(5) رواه ابن حبان والحاكم والترمذي عن ابن عباس (نصب الراية:57/ 3).

(1/361)

الثالث ـ مندوب: في أحوال كثيرة منها ما يأتي (1):
أـ التوضؤ لكل صلاة، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك» (2) ويندب تجديد الوضوء إذا كان قد أدى بالسابق صلاة: فرضاً أو نفلاً، لأنه نور على نور، وإن لم يؤد به عملاً مقصوداً شرعاً، كان إسرافاً (3)، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات» (4) كما يندب المداومة على الوضوء، لما روى ابن ماجه والحاكم وأحمد والبيهقي عن ثوبان: «استقيموا ولن تُحصْوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».
ب ـ مس الكتب الشرعية من تفسير وحديث واعتقاد وفقه ونحوها، لكن إذا كان القرآن أكثر من التفسير، حرم المس.
جـ ـ للنوم على طهارة وعقب الاستيقاظ من النوم مبادرة للطهارة، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت» (5).
_________
(1) انظر أيضاً مغني المحتاج:63/ 1.
(2) رواه أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة (نيل الأوطار:210/ 1).
(3) رد المحتار لابن عابدين: 1/ 111.
(4) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عمر، لكنه حديث ضعيف.
(5) رواه أحمد والبخاري والترمذي عن البراء بن عازب. ويشير حديث الأمر بغسل اليد بعد اليقظة إلى المبادرة إلى الوضوء، روى ابن ماجه عن جابر مرفوعاً: «إذا قام أحدكم من النوم، فأراد أن يتوضاً، فلا يدخل يده في وضوئه، حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده، ولا على ما وضعها» (نصب الراية: 1/ 2).

(1/362)

د ـ قبل غسل الجنابة، وللجنب عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء، لورود السنة به، قالت عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا كان جنباً، فأراد أن يأكل أو ينام، توضأ» (1) وقالت أيضاً: «إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة» (2) وقال أبو سعيد الخدري: «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ» (3).
هـ ـ بعد ثورة الغضب، لأن الوضوء يطفئه، روى أحمد في مسنده: «فإذا غضب أحدكم فليتوضأ».
وـ لقراءة القرآن، ودراسة الحديث وروايته، ومطالعة كتب العلم الشرعي، عنايةً بشأنها، وكان مالك يتوضأ ويتطهر عند إملاء الحديث عن رسول الله، تعظيماً له.
ز ـ للأذان والإقامة وإلقاء خطبة ولو خطبة زواج، وزيارة النبي صلّى الله عليه وسلم، وللوقوف بعرفة، وللسعي بين الصفا والمروة، لأنها في أماكن عبادة.
ح ـ بعد ارتكاب خطيئة، من غيبة وكذب ونميمة ونحوها، لأن الحسنات تمحو السيئات، قال صلّى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار صلاة بعد صلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (4).
_________
(1) رواه أحمد ومسلم، وهناك رواية أخرى للنسائي بمعناها.
(2) رواه الجماعة.
(3) رواه الجماعة إلا البخاري.
(4) رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي، وابن ماجه بمعناه عن أبي هريره، ورواه ابن ماجه أيضاً وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري (الترغيب والترهيب:158/ 1).

(1/363)

ط ـ بعد قهقهة خارج الصلاة، لأنها حدث صورة.
ي ـ بعد غسل ميت وحمله، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (1).
ك ـ للخروج من خلاف العلماء، كما إذا لمس امرأة، أو لمس فرجه ببطن كفه، أو بعد أكل لحم الجزور، لقول بعضهم بالوضوء منه، ولتكون عبادته صحيحة بالاتفاق عليها، استبراء لدينه.
الرابع ـ مكروه:
كإعادة الوضوء قبل أداء صلاة بالوضوء الأول، أي أن الوضوء على الوضوء مكروه، وإن تبدل المجلس (2) ما لم يؤد به صلاة أو نحوها.
الخامس ـ حرام:
كالوضوء بماء مغصوب، أو بماء يتيم. وقال الحنابلة: لا يصح الوضوء بمغصوب ونحوه لحديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (3).

انقسام الوضوء عند المالكية إلى خمسة أنواع وقال المالكية (4) أيضاً: الوضوء خمسة أنواع:
واجب، ومستحب، وسنة، ومباح، وممنوع.
فالواجب: هو الوضوء لصلاة الفرض، والتطوع، وسجود القرآن، ولصلاة
_________
(1) رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان عن أبي هريرة، وهو حديث حسن.
(2) هذا ما حققه ابن عابدين (رد المحتار: 1/ 111) وإن قال في مراقي الفلاح بأن الوضوء على الوضوء يستحب إذا تبدل مجلس المتوضئ.
(3) رواه مسلم عن عائشة، وللبخاري ومسلم عنها بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
(4) القوانين الفقهية: ص20.

(1/364)

الجنازة، ولمس المصحف، وللطواف. ولا يصلى عندهم إلا بالواجب، ومن توضأ لشيء من هذه الأشياء، جاز له فعل جميعها.
والسنة: وضوء الجنب للنوم.
والمستحب: الوضوء لكل صلاة، ووضوء المستحاضة وصاحب السلس لكل صلاة، وأوجبه غير المالكية لهما، والوضوء للقربات كالتلاوة والذكر والدعاء والعلم، وللمخاوف كركوب البحر، والدخول على السلطان والقوم.
والمباح: للتنظيف والتبرد.
والممنوع: التجديد قبل أن تقع به عبادة.
واتفق الشافعية والحنابلة (1) مع الحنفية والمالكية على الحالات السابقة ونحوها التي يندب لها الوضوء، من قراءة قرآن أو حديث، ودراسة العلم، ودخول مسجد وجلوس أو مرور فيه، وذكر وأذان ونوم ورفع شك في حدث أصغر، وغضب (2) وكلام محرم كغيبة ونحوها، وفعل مناسك الحج كوقوف ورمي جمار، وزيارة قبر النبي صلّى الله عليه وسلم، وأكل، ولكل صلاة، لحديث أبي هريرة يرفعه: «لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة» (3)
كما يستحب الوضوء عند الشافعية من بعد الفصد والحجامة والرعاف والنعاس والنوم قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض، والقهقهة في الصلاة، وأكل مامسته النار، ولحم الجزور، والشك في الحدث، وزيارة القبور، ومن حمل الميت ومسه.
_________
(1) مغني المحتاج:49/ 1، كشاف القناع:98/ 1 وما بعدها.
(2) لأنه من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، كما ورد في الخبر.
(3) رواه أحمد بإسناد صحيح.

(1/365)

المطلب الثاني ـ فرائض الوضوء:
نص القرآن الكريم على أركان أو فرائض أربعة للوضوء: وهي غسل الوجه، واليدين، والرجلين، ومسح الرأس، في قوله تعالى: {يا آيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤوسكم، وأرجلَكم إلى الكعبين} [المائدة:6/ 5].
وأضاف جمهور الفقهاء غير الحنفية بأدلة من السنة فرائض أخرى، اتفقوا فيها على النية، وأوجب المالكية والحنابلة الموالاة، كما أوجب الشافعية والحنابلة الترتيب، وأوجب المالكية أيضاً الدلك.
فتكون أركان الوضوء أربعة عند الحنفية هي المنصوص عليها، وسبعة عند المالكية بإضافة النية والدلك والموالاة، وستة عند الشافعية بإضافة النية والترتيب.
وسبعة عند الحنابلة والشيعة الإمامية بإضافة النية والترتيب والموالاة.

وبه يتبين أن أركان أو الفرائض نوعان: متفق عليها، ومختلف فيها.
النَّوعُ الأوَّل ـ فرائِضُ الوضوء المتَّفق عليها: هي أربعة منصوص عليها في القرآن العظيم وهي:
أولاً ـ غسل الوجه: لقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6/ 5]، أي غسل ظاهر وجميع الوجه مرة (1)، وللإجماع (2).
_________
(1) روى الجماعة إلا مسلماً عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: توضأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم مرة مرة (نيل الأوطار:172/ 1).
(2) الدر المختار: 1/ 88، فتح القدير: 1/ 8 وما بعدها، البدائع: 1/ 3 وما بعدها، تبيين الحقائق:2/ 1، الشرح الصغير:104/ 1وما بعدها، الشرح الكبير:85/ 1، مغني المحتاج:50/ 1 وما بعدها، المهذب: 1/ 16، كشاف القناع: 1/ 92،106، المغني:114/ 1 - 120، بداية المجتهد: 1/ 10، القوانين الفقهية: ص 10.

(1/366)

والغسل: إسالة الماء على العضو بحيث يتقاطر، وأقله قطرتان في الأصح، ولا تكفي الإسالة بدون التقاطر، والمراد بالغسل، الانغسال، سواء أكان بفعل المتوضئ أم بغيره. والفرض هو الغسل مرة، أما تكرار الغسل ثلاث مرات فهو سنة وليس بفرض.
والوجه: ما يواجه به الإنسان. وحده طولاً: ما بين منابت شعر الرأس المعتاد، إلى منتهى الذقن، أو من مبدأ سطح الجبهة إلى أسفل الذقن. والذقن: منبت اللحية فوق الفك السفلي أو اللَّحْيين: أي العظمين اللذين تنبت عليها الأسنان السفلى. ومن الوجه: موضع الغمم: وهو ما ينبت عليه الشعر من الجبهة، وليس منه النزعتان (1): وهما بياضان يكتنفان الناصية: وهي مقدم الرأس من أعلى الجبين، وإنما النزعتان من الرأس؛ لأنهما في حد تدوير الرأس.
وحد الوجه عرضاً: ما بين شحمتي الأذنين. ويدخل في الوجه في الراجح عند الحنفية والشافعية البياض الذي بين العذار والأذن. وقال المالكية والحنابلة: إنه من الرأس. كما يدخل في الوجه في الأصح عند الحنابلة كما في المغني موضع التحذيف: وهو ما ينبت عليه الشعر الخفيف من طرفي الجبين بين ابتداء العذار والنزعة (2) لأن محله من الوجه. ولكن قال النووي: صحح الجمهور أي من الشافعية أن موضع التحذيف من الرأس، لاتصال شعره بشعر الرأس. وقال صاحب كشاف القناع الحنبلي: لا يدخل في الوجه تحذيف، وإنما هو من الرأس.
_________
(1) يقال: رجل أنزع، ولا يقال: امرأة نزعاء، بل يقال: زعراء، والعرب تمدح بالنزع، وتذم بالغمم لأن الغمم يدل على البلادة والجبن والبخل، والنزع بضد ذلك.
(2) وسمي بذلك لأن النساء والأشراف يحذفون الشعر عنه ليتسع الوجه وضابطه: أن تضع طرف خيط على رأس الأذن، والطرف الثاني على أعلى الجبهة، وتفرض هذا الخيط مستقيماً، فما نزل عنه إلى جانب الوجه، فهو موضع التحذيف.

(1/367)

والصدغان من الرأس: وهما فوق الأذنين، متصلان بالعذارين، لدخولهما في تدوير الرأس، ولا بد من إدخال جزء يسير من الرأس؛ لأنه مما لا يتم الواجب إلا به. وقال الحنابلة: يستحب تعاهد موضع المفصل (وهو ما بين اللحية والأذن) بالغسل، لأنه مما يغفل الناس عنه، وقال الشافعية: ويسن غسل موضع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مع الوجه، خروجاً من الخلاف في وجوب غسلها. ويجب غسل جزء من الرأس ومن الحلق ومن تحت الحنك ومن الأذنين، كما يجب أدنى زيادة في غسل اليدين والرجلين، على الواجب فيهما؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.
ومن الوجه: ظاهر الشفتين (1) ومارن الأنف (مالان منه) وموضع الجدع من الأنف ونحوه، ولا يغسل المنضم من باطن الشفتين، ولا باطن العينين.
ويجب غسل الحاجب والهُدْب (الشعر النابت على أجفان العين) والعذار (الشعر النابت على العظم الناتئ المحاذي للأذن بين الصدغ والعارض) (2) والشارب وشعر الخد، والعنفقة (الشعر النابت على الشفة السفلى) واللِّحية (الشعر النابت على الذقن خاصة، وهي مجمع اللِّحْيين) الخفيفة، ظاهراً وباطناً، خفيفاً كان الشعر أو كثيفاً (3) لما روى مسلم من قوله صلّى الله عليه وسلم لرجل ترك موضع ظفر على قدمه: «ارجع فأحسن وضوءك».
فإن كانت اللحية كثيفة لا ترى بشرتها، فيجب فقط غسل ظاهرها، ويسن تخليل باطنها، ولا يجب إيصال الماء إلى بشرة الجلد، لعسر إيصال الماء إليه، ولما
_________
(1) وهو ما ظهر عند انطباقهما بلا تكلف.
(2) العارض: صفحة الخد، أو هو القدر المحاذي للأذن من الوجه، أو ما نزل عن حد العذار.
(3) الشعر الكثيف: ما يستر البشرة عن المخاطب، بخلاف الخفيف.

(1/368)

روى البخاري أنه صلّى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة غسل بها وجهه (1) وكانت لحيته الكريمة كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالباً.
وأما المسترسل من اللحية الخارج عن دائرة الوجه فيجب غسله عند الشافعية على المعتمد، وعند الحنابلة، لأنه نابت في محل الفرض، ويدخل في اسمه ظاهراً، ويفارق ذلك شعر الرأس، فإن النازل عنه لا يدخل في اسمه، ولما رواه مسلم عن عمرو بن عَبْسة: « ... ثم إذا غسل وجهه كما أمره الله، إلا خَرَّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء».
ولم يوجب الحنفية والمالكية غسل المسترسل؛ لأنه شعر خارج عن محل الفرض، وليس من مسمى الوجه.
وأضاف الحنابلة: أن الفم والأنف من الوجه يعني أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الوضوء، لما روى أبو داود وغيره: «إذا توضأت فمضمض» ولما روى الترمذي من حديث سلمة بن قيس: «إذا توضأت فانتثر» ولحديث أبي هريرة المتفق عليه: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينتثر» كما أوجب الحنابلة التسمية في الوضوء لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لاصلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (2).

ثانياً ـ غسل اليدين إلى المرفقين مرة واحدة: لقوله تعالى: {وأيديكم إلى المرافق} [المائدة:6/ 5]، وللإجماع (3).
_________
(1) رواه البخاري عن ابن عباس (نيل الأوطار: 1/ 147).
(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة، ولأحمد وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد وأبي سعيد مثله.
(3) المراجع السابقة: البدائع: ص 4، فتح القدير: ص 10، تبيين الحقائق: ص 3، الدر المختار: ص 90 وما بعدها، الشرح الصغير: ص107 وما بعدها، الشرح الكبير: ص87 وما بعدها، بداية المجتهد: 1/ 10، القوانين الفقهية: ص 10، مغني المحتاج: ص52، المهذب: ص16 وما بعدها، المغني: ص 122وما بعدها، كشاف القناع: ص 108وما بعدها.

(1/369)

والمرفق: ملتقى عظم العضد والذراع.
ويجب عند جمهور العلماء ومنهم أئمة المذاهب الأربعة إدخال المرفقين في الغسل، لأن حرف «إلى» لانتهاء الغاية، وهي هنا بمعنى «مع» كما في قوله تعالى: {ويزدكم قوة إلى قوتكم} [هود:52/ 11]، {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء:2/ 4]، ولأن الأصل في اليد شمولها الكف إلى الذراع، لكن التحديد بالمرافق أسقط ما وراءها، وقد أوضحت السنة النبوية المطلوب وبينت المجمل، روى مسلم عن أبي هريرة في صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى حتى أشرع في العضد .. » (1) وروى الدارقطني عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: «هلمَّ أتوضأ لكم وُضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فغسل وجهه ويديه حتى مسَّ أطراف العضدين ... » (2) وروى الدارقطني أيضاً عن جابر، قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا توضأ أمرَّ الماء على مرفقيه».
ويجب غسل تكاميش الأنامل، وغسل ما تحت الأظافر الطويلة التي تستر رؤوس الأنامل، كما يجب عند غير الحنفية إزالة أوساخ الأظافر إن منعت وصول الماء، بأن كانت كثيرة، ويعفى عن القليل منها، ويعفى عند الحنفية عن تلك الأوساخ، سواء أكانت كثيرة أم يسيرة دفعاً للحرج. لكن يجب بالاتفاق إزالة ما يحجب الماء عن الأظافر غيرها كدهن وطلاء.
ويجب عند المالكية تخليل أصابع اليدين، ويندب تخليل أصابع الرجلين.
ويجب غسل الإصبع الزائدة في محل الفرض مع الأصلية؛ لأنها نابتة فيه،
_________
(1) نيل الأوطار: 1/ 152.
(2) نيل الأوطار: 1/ 152.

(1/370)

كما يجب عند الحنابلة والمالكية غسل جلدة متعلقة في غير محل الفرض وتدلت إلى محل الفرض. وقال الشافعية: إن تدلت جلدة العضد منه، لم يجب غسل شيء منها، لا المحاذي ولا غيره؛ لأن اسم اليد لا يقع عليها، مع خروجها عن محل الفرض.
فإن قطع بعض ما يجب غسله من اليدين، وجب بالاتفاق غسل ما بقي منه؛ لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم».
أما من قطعت يده من المرفق فيجب عليه غسل رأس عظم العضد، لأنه من المرفق.
فإن قطع ما فوق المرفق، ندب غسل باقي العضد، لئلا يخلو العضد عن طهارة.
ويجب عند الجمهور تحريك الخاتم الضيق، ولا يجب عند المالكية تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل وامرأة، ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً.

ثالثاً ـ مسح الرأس: لقوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} [المائدة:6/ 5]، وروى مسلم «أنه (صلّى الله عليه وسلم) مسح بناصيته وعلى العمامة».
والمسح: هو إمرار اليد المبتلة على العضو.
والرأس: منبت الشعر المعتاد من المقدم فوق الجبهة إلى نقرة القفا. ويدخل فيه الصُدْغان ما فوق العظم الناتئ في الوجه.

(1/371)

واختلف الفقهاء في القدر المجزئ منه (1):
فقال الحنفية على المشهور المعتمد: الواجب مسح ربع الرأس مرة، بمقدار الناصية، فوق الأذنين لا على طرف ذؤابة (ضفيرة)، ولو بإصابة مطر أو بلل باق بعد غسل لم يؤخذ من عضو آخر.
ودليلهم: أنه لا بد من تحقيق معنى المسح عرفاً، فيحمل على مقدار يسمى المسح عليه مسحاً في المتعارف، وبما أن الباء للإلصاق، فيكون معنى الآية وامسحوا أيديكم ملصقة برؤوسكم، والقاعدة: أن الباء إذا دخلت على الممسوح اقتضت استيعاب الآلة، وإذا دخلت على الآلة اقتضت استيعاب الممسوح، فتفيد المسح بمقدار اليد؛ لأن استيعاب اليد ملصقة بالرأس لا يستغرق غالباً سوى الربع، فيكون هو المطلوب من الآية.
ويوضحه مارواه البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة، والخفين» وما رواه أبو داود عن أنس قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عِمامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة» (2)، فكان ذلك بياناً لمجمل الآية القرآنية، لأن الناصية أو مقدم الرأس مقدرة بالربع؛ لأنها أحد جوانب الرأس الأربعة، ولعل أرجح الآراء وجوب مسح مقدار يسمى مسحاً باليد في العرف.
وقال المالكية: والحنابلة في أرجح الروايتين عندهم: يجب مسح جميع
_________
(1) تبيين الحقائق: 1/ 3، البدائع: 1/ 4، فتح القدير: 1/ 10 وما بعدها، الدر المختار:92/ 1، بداية المجتهد: 1/ 11، القوانين الفقهية: ص21، الشرح الصغير: 1/ 108 وما بعدها، الشرح الكبير: 1/ 88، المهذب: 1/ 17، مغني المحتاج: 1/ 53،المغني:125/ 1 وما بعدها، كشاف القناع: 1/ 109 وما بعدها.
(2) نيل الأوطار: 1/ 157،167، نصب الراية: 1/ 1 - 2.

(1/372)

الرأس، وليس على الماسح نقض ضفائر شعره، ولا مسح ما نزل عن الرأس من الشعر، ولا يجزئ مسحه عن الرأس، ويجزئ المسح على الشعر الذي لم ينزل عن محل الفرض. فإن فقد شعره مسح بشرته؛ لأنها ظاهر رأسه بالنسبة إليه.
والظاهر عند الحنابلة: وجوب الاستيعاب للرجل، أما المرأة فيجزئها مسح مقدم رأسها؛ لأن عائشة كانت تمسح مقدم رأسها. ويجب أيضاً عند الحنابلة مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما؛ لأنهما من الرأس، لما رواه ابن ماجه: «الأذنان من الرأس» (1).
ويكفي المسح عندهم مرة واحدة، ولا يستحب تكرار مسح رأس وأذن، قال الترمذي وأبو داود: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ لأن أكثر من وصف وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذكر أنه مسح رأسه واحدة، لأنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً ثلاثاً، وقالوا فيها: (ومسح برأسه) ولم يذكروا عدداً، كما ذكروا في غيره.
ودليلهم: أن الباء للإلصاق أي إلصاق الفعل بالمفعول، فكأنه تعالى قال: ألصقوا المسح برؤوسكم أي المسح بالماء.
ولأنه صلّى الله عليه وسلم مسح جميع الرأس، روى عبد الله بن زيد «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر، بدأ بمقدِّم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قَفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه» (2) وهو يدل على مشروعية مسح جميع الرأس، وهو مستحب باتفاق العلماء، كما قال النووي.
_________
(1) وعن ابن عباس «أن النبي صلّى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» رواه الترمذي وصححه (نيل الأوطار: 1/ 162).
(2) رواه الجماعة، وروى أبو داود وأحمد حديثاً حسناً عن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ عندها، ومسح برأسه، فمسح الرأس كله من فوق الشعر، كلَّ ناحية لمُنصَبِّ الشعر، لا يحرك الشعر عن هيئته» (نيل الأوطار: 1/ 154،156).

(1/373)

وقال الشافعية: الواجب مسح بعض الرأس، ولو شعرة واحدة في حدِّ الرأس، بأن لا يخرج بالمدِّ عنه من جهة نزوله.
والأصح عند الشافعية جواز غسله لأنه مسح وزيادة، وجواز وضع اليد على الرأس بلا مَدّ، لحصول المقصود من وصول البلل إليه.
والأصح عند الحنابلة: أنه لا يكفي غسل الرأس من غير إمرار اليد على الرأس، فيجزئه الغسل مع الكراهة إن أمرّ يده.
ودليل الشافعية حديث المغيرة السابق عند الشيخين: «أنه صلّى الله عليه وسلم مسح بناصيته، وعلى العمامة» فاكتفى بمسح البعض فيما ذكر، لأن المطلوب مطلقاً وهو المسح في الآية يتحقق بالبعض، والباء إذا دخلت على متعدد، كما في الآية، تكون للتبعيض، فيكفي القليل كالكثير.
والحق: أن الآية من قبيل المطلق، وأنها لا تدل على أكثر من إيقاع المسح بالرأس، وذلك يتحقق بمسح الكل، وبمسح أي جزء قل أم كثر، ما دام في دائرة ما يصدق عليه اسم المسح، وأن مسح شعرة أو ثلاث شعرات لا يصدق عليه ذلك (1).

رابعاً ـ غسل الرجلين إلى الكعبين: لقوله تعالى: {وأرجلكم (2) إلى الكعبين} [المائدة:5/ 6]، ولإجماع العلماء، ولحديث عمرو بن عَبْسة عند أحمد: « ... ثم يمسح رأسه كما أمر الله، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله» ولحديث عثمان عند أبي داود
_________
(1) مقارنة المذاهب في الفقه للأستاذين الشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد علي السايس: ص 11.
(2) قراءة السبع بالنصب، وقراءة غيرها بالجر للمجاورة، عطفاً على الوجوه، لفظاً في الأول، ومعنى في الثاني.

(1/374)

والدارقطني بعد أن غسل رجليه قال: «هكذا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ» ولغيرهما من الأحاديث كحديث عبد الله بن زيد وحديث أبي هريرة.
والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مفصل القدم.
والواجب عند جمهور الفقهاء غسل الكعبين أو قدرهما عند فقدهما مع الرجلين مرة واحدة، كغسل المرفقين، لدخول الغاية في المُغَيَّا أي لدخول ما بعد «إلى» فيما قبلها (1)،ولحديث أبي هريرة السابق: « ... ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ» (2).
ويلزم عند الجمهور أيضاً غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما لقوله صلّى الله عليه وسلم: «ويل للأعقاب من النار» (3) فقد توعد على المسح، ولمداومته صلّى الله عليه وسلم على غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح، ولأمره بالغسل، كما ثبت في حديث جابر عند الدارقطني بلفظ «أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا توضأنا للصلاة أن نغسل أرجلنا» ولثبوت ذلك من قوله وفعله صلّى الله عليه وسلم، كما في حديث عمرو بن عَبْسة وأبي هريرة وعبد الله بن زيد وعثمان السابقة التي فيها حكاية وضوء رسول الله وفيها: (فغسل قدميه)، ولقوله صلّى الله عليه وسلم بعد أن توضأ وضوءاً غسل قدميه: «فمن
_________
(1) البدائع: 1/ 5، الشرح الصغير: 1/ 109، مغني المحتاج: 1/ 53، المغني: 1/ 132 وما بعدها.
(2) رواه مسلم (نيل الأوطار: 1/ 152).
(3) رواه أحمد والشيخان عن عبد الله بن عمر، قال: «تخلف عنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفرة، فأدرَكنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، قال: فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا» (نيل الأوطار: 1/ 167).

(1/375)

زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» (1) ولا شك أن المسح بالنسبة إلى الغسل نقص، ولقوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي: «توضأ كما أمرك الله» (2) ثم ذكر له صفة الوضوء، ولإجماع الصحابة على الغسل، فكانت هذه الأمور موجبة لحمل قراءة (وأرجلِكم) بالكسر على حالة نادرة مخالفة للظاهر، لا يجوز حمل المتنازع فيه عليها. وعطفها على (برؤوسكم) بالجر للمجاورة. وأما قراءة النصب فهي عطف على اليدين في الغسل.
ثم إن أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بتخليل أصابع اليدين والرجلين يدل على وجوب الغسل (3).
وأوجب الشيعة الإمامية (4) مسح الرجلين، لما أخرج أبو داود من حديث أوس بن أبي أوس الثقفي: «أنه رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أتى كِظَامة (5) قوم بالطائف، فتوضأ، ومسح على نعليه وقدميه» (6)، وعملاً بقراءة الجر «وأرجلكم» وبما روي عن علي وابن عباس وأنس، لكن قد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك. قال الشوكاني: وأما الموجبون للمسح، وهم الإمامية، فلم يأتوا مع مخالفتهم الكتاب
_________
(1) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة من طرق صحيحة، وصححه ابن خزيمة (نيل الأوطار: 1/ 146،152، 168،173).
(2) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني عن أنس بن مالك، ورواه أحمد ومسلم عن عمر بن الخطاب (نيل الأوطار: 1/ 170،175).
(3) روى أحمد وابن ماجه والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك» (نيل الأوطار: 1/ 153).
(4) المختصر النافع في فقه الإمامية: ص 30.
(5) الكظامة: القناة، أو فم الوادي.
(6) حديث معلول بجهالة بعض رواته، وعلى تقدير ثبوته ذهب بعضهم إلى نسخه، قال هيثم: كان هذا في أول الإسلام: (نيل الأوطار: 1/ 169).

(1/376)

والسنة المتواترة قولاً وفعلاً بحجة نيرة، وجعلوا قراءة النصب عطفاً على محل قوله: {برؤوسكم} [المائدة:6/ 5] (1).
والسبب في ذكر الغسل والمسح في الأرجل بحسب قراءتي النصب والجر ـ كما ذكر الزمخشري ـ هو توقي الإسراف؛ لأن الأرجل مظنة لذلك.
والخلاصة: أن أركان الوضوء المتفق عليها أربعة: غسل الوجه واليدين والرجلين مرة واحدة، والمسح بالرأس مرة واحدة، وأما التثليث فهو سنة، كما سيأتي بيانه.

النَّوع الثَّاني ـ فرائِضُ الوضوء المختلف فيها: اختلف الفقهاء في إيجاب النية والترتيب والموالاة والدلك. فقال غير الحنفية بفرضية النية، وقال المالكية والحنابلة والإمامية بوجوب الموالاة، وقال الشافعية والحنابلة والإمامية بوجوب الترتيب، وانفرد المالكية بإيجاب الدلك. وأبحث الخلاف في هذه الأمور:
أولاً ـ النية: النية لغة: القصد بالقلب، لا علاقة للسان بها، وشرعاً: هي أن ينوي المتطهر أداء الفرض، أو رفع حكم الحدث، أو استباحة ما تجب الطهارة له، كأن يقول المتوضئ: نويت فرائض الوضوء، أو يقول من دام حدثه كمستحاضة وسلس بول أو ريح: نويت استباحة فرض الصلاة، أو الطواف أو مس المصحف. أو يقول المتطهر مطلقاً: نويت رفع الحدث، أي إزالة المانع بين كل فعل يفتقر إلى الطهارة. وعرف الحنفية النية اصطلاحاً بأنها توجه القلب لإيجاد الفعل جزماً.
_________
(1) نيل الأوطار: المكان السابق.

(1/377)

وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النية للطهارة:
فقال الحنفية (1): يسن للمتوضئ البداية بالنية لتحصيل الثواب، ووقتها: قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة. وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث، أو إقامة الصلاة، أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر. ومحلها القلب، فإن نطق بها ليجمع بين فعل القلب واللسان، فهو مستحب عند المشايخ.
ويترتب على قولهم بعدم فرضية النية: صحة وضوء المتبرد، والمنغمس في الماء للسباحة أو للنظافة أو لإنقاذ غريق، ونحو ذلك.
واستدلوا على رأيهم بما يأتي:
1ً - عدم النص عليها في القرآن: إن آية الوضوء لم تأمر إلا بغسل الأعضاء الثلاثة والمسح بالرأس، والقول باشتراط النية بحديث آحاد زيادة على نص الكتاب، والزيادة على الكتاب عندهم نسخ، لا يصح بالآحاد.
2ً - عدم النص عليها في السنة: لم يعلمها النبي صلّى الله عليه وسلم للأعرابي مع جهله. وفرضت النية في التيمم لأنه بالتراب، وليس هو مزيلاً للحدث بالأصالة، وإنما هو بدل عن الماء.
3ً - القياس على سائر أنواع الطهارة وغيرها: إن الوضوء طهارة بماء، فلا تشترط لها النية كإزالة النجاسة، كما لا تجب النية في شروط الصلاة الأخرى كستر العورة، ولا تجب أيضاً بغسل الذمية من حيضها لتحل لزوجها المسلم.
4ً - إن الوضوء وسيلة للصلاة، وليس مقصوداً لذاته، والنية شرط مطلوب في المقاصد، لا في الوسائل.
_________
(1) الدر المختار: 1/ 98 - 100، اللباب: 1/ 16، مراقي الفلاح: ص 12، البدائع:17/ 1، مقارنة المذاهب في الفقه: ص14.

(1/378)

وقال المالكية والشافعية: النية فرض في الوضوء، وعند الحنابلة شرط، لتحقيق العبادة أو قصد القربة لله عز وجل (1)،فلا تصح الصلاة بالوضوء لغير العبادة كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك. واستدلوا بما يأتي:
1ً - السنة: قوله صلّى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (2) أي إن الأعمال المعتدّ بها شرعاً تكون بالنية، والوضوء عمل، فلا يوجد شرعاً إلا بنية.
2ً - تحقيق الإخلاص في العبادة: لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة:5/ 98]، والوضوء عبادة مأمور بها، لا يتحقق إلا بإخلاص النية فيه لله تعالى، لأن الإخلاص عمل القلب وهو النية.
3ً - القياس: تشترط النية في الوضوء كما تشترط في الصلاة، وكما تشترط في التيمم لا ستباحة الصلاة.
4ً - الوضوء وسيلة للمقصود، فله حكم ذلك المقصود، لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6/ 5]، فهذا يدل على أن الوضوء مأمور به عند القيام للصلاة، ومن أجل هذه العبادة، فالمطلوب غسل الأعضاء لأجل الصلاة، وهو معنى النية.
والحق: القول بفرضية النية؛ لأن أحاديث الآحاد كثيراً ما أثبتت أحكاماً
_________
(1) المجموع للنووي: 1/ 361 وما بعدها، المهذب: 1/ 14 وما بعدها، بداية المجتهد: 1/ 7 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص21، الشرح الصغير: 1/ 114 وما بعدها، الشرح الكبير: 1/ 93وما بعدها، مغني المحتاج: 1/ 47وما بعدها، المغني: 1/ 110 وما بعدها، كشاف القناع: 1/ 94 - 101.
(2) متفق على صحته، رواه الجماعة عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه (نيل الأوطار: 1/ 131).

(1/379)

ليست في القرآن، ولأن عموم الماء للأعضاء بدون قصد أصلاً، أو بقصد التبرد، ليس غسلاً للوضوء، حتى يؤد ي مهمته الشرعية، ويحقق المأمور به كما أمر به (1).

ما يتعلق بالنية: يتلخص مما سبق أمور تتعلق بالنية هي ما يأتي (2):
أـ حقيقتها: لغة: القصد، وشرعاً: قصد الشيء مقترناً بفعله.
ب ـ حكمها: عند الجمهور: الوجوب، وعند الحنفية: الاستحباب.
جـ ـ المقصود بها: تمييز العبادة عن العادة، أو تمييز رتبتها أي تمييز بعض العبادات عن بعض، كالصلاة تكون فرضاً تارة، ونفلاً أخرى.
د ـ شرطها: إسلام الناوي وتمييزه وعلمه بالمنوي، وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكماً، فلا ينصرف عن الوضوء مثلاً لغيره، وألا تكون معلقة، فلو قال: إن شاء الله تعالى: فإن قصد التعليق أوأطلق، لم تصح، وإن قصد التبرك صحت.
واشترط غير الحنفية دخول وقت الصلاة لدائم الحدث كسلس بول ومستحاضة؛ لأن طهارته طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم.
هـ ـ محلها: القلب، إذ هي عبارة عن القصد، ومحل القصد: القلب، فمتى اعتقد بقلبه أجزأه، وإن لم يتلفظ بلسانه، أما إن لم تخطر النية بقلبه، فلم يجزئه الفعل الحاصل، والأولى عند المالكية ترك التلفظ بالنية، ويسن عند الشافعية والحنابلة: التلفظ بها، إلا أن المذهب عند الحنابلة أنه يستحب التلفظ بها سراً، ويكره الجهر بها وتكرارها.
_________
(1) مقارنة الفقه في المذاهب: ص 17.
(2) مغني المحتاج: 1/ 47 والمراجع السابقة: المغني: 1/ 142.

(1/380)

وـ صفتها: أن يقصد بطهارته استباحة شيء لا يستباح إلا بها، كالصلاة والطواف ومس المصحف، وينوي رفع الحدث الأصغر، أي المنع المترتب على الأعضاء، أي أن صفة النية أن ينوي رفع الحدث أو الطهارة من الحدث، وأيهما نواه أجزأه، لأنه نوى المقصود وهو رفع الحدث.
فإن نوى بالطهارة: ما لا تشرع له الطهارة، كالتبرد والأكل والبيع والزواج ونحوه، ولم ينو الطهارة الشرعية، لم يرتفع حدثه؛ لأنه لم ينو الطهارة ولامايتضمن نيتها، فلم يحصل له شيء، كالذي لم يقصد شيئاً.
وإن نوى بالوضوء الصلاة وغيرها كالتبرد أو النظافة أو التعليم أو إزالة النجاسة، صحت النية وأجزأته. لكن لو أطلق النية أي لمجرد الطهارة الشاملة للحدث والخبث مثلاً، لم تصح ولم تجزئ، حتى يتحقق تمييز العبادة عن العادة، ولا يتم التمييز إلا بالنية، والطهارة قد تكون عن حدث وقد تكون عن نجس، فلم تصح بنية مطلقة.
وإن نوى المتوضئ بوضوئه ما تسن له الطهارة، كأن نوى الوضوء لقراءة وذكر وأذان ونوم وجلوس بمسجد أو تعليم علم وتعلمه أو زيارة عالم ونحو ذلك، ارتفع حدثه وله أن يصلي ما شاء عند الحنابلة، لأنه نوى شيئاً من ضرورة صحة الطهارة.
ولا يجزئه للصلاة عند المالكية من غير أن ينوي رفع الحدث، لأن ما نواه يصح فعله مع بقاء الحدث.
كما لا يجزئه في الأصح عند الشافعية؛ لأنه مباح مع الحدث، فلا يتضمن قصده رفع الحدث.
ولا خلاف في أنه إذا توضأ لنافلة أو لما يفتقر إلى الطهارة كمس المصحف والطواف، صلى بوضوئه الفريضة؛ لأنه ارتفع حدثه (1).
_________
(1) المغني:142/ 1.

(1/381)

وإن شك في النية في أثناء الطهارة لزمه استئنافها؛ لأنها عبادة شك في شرطها، وهو فيها، فلم تصح كالصلاة.
ولا يضر شكه في النية بعد فراغ الطهارة، كسائر العبادات.
وإذا وضّأه غيره، اعتبرت النية من المتوضئ دون الموضئ؛ لأن المتوضئ هو المخاطب بالوضوء، والوضوء يحصل له بخلاف الموضئ فإنه آلة لا يخاطب ولا يحصل له.
وينوي من حدثه دائم كالمستحاضة وسلس البول ونحوه استباحة الصلاة دون رفع الحدث، لعدم إمكان رفعه.
ز ـ وقت النية: قال الحنفية: وقتها قبل الاستنجاء ليكون جميع فعله قربة، وقال الحنابلة: وقتها عند أول واجب وهو التسمية في الوضوء، وقال المالكية: محلها الوجه، وقيل: أول الطهارة.
وقال الشافعية: عند أول غسل جزء من الوجه، ويجب عند الشافعية قرنها بأول غسل الوجه لتقترن بأول الفرض كالصلاة. ويستحب أن ينوي قبل غسل الكفين لتشمل النية مسنون الطهارة ومفروضها، فيثاب على كل منهما. ويجوز تقديم النية على الطهارة بزمن يسير، فإن طال الزمن لم يُجزه ذلك.
ويستحب استصحاب ذكر النية إلى آخر الطهارة، لتكون أفعاله مقترنة بالنية، وإن استصحب حكمها أجزأه، ومعناه: ألا ينوي قطعها.
ولا يضر عزوب النية: أي ذهابها عن خاطره وذهوله عنها، بعد أن أتى بها في أول الوضوء؛ لأن ما اشترطت له النية لا يبطل بعزوبها والذهول عنها كالصلاة والصيام. وذلك بخلاف الرفض: أي الإبطال في أثناء الوضوء بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه: أبطلت وضوئي، فإنه يبطل.

(1/382)

وللمتوضئ عند الشافعية والحنابلة تفريق النية على أعضاء الوضوء، بأن ينوي عند كل عضو رفع الحدث عنه، لأنه يجوز تفريق أفعال الوضوء، فكذلك يجوز تفريق النية على أفعاله.
والمعتمد عند المالكية خلافاً للأظهر عند ابن رشد: أنه لا يجزئ تفريق النية على الأعضاء، بأن يخص كل عضو بنية، من غير قصد إتمام الوضوء، ثم يبدو له فيغسل ما بعده، وهكذا، فإن فرق النية على الأعضاء مع قصده إتمام الوضوء على الفور، أجزأه ذلك. وبه يلتقي المالكية مع الشافعية والحنابلة.
والخلاصة: اتفق العلماء على وجوب النية في التيمم، واختلفوا في وجوبها في الطهارة عن الحدث الأكبر والأصغر على قولين.

ثانياً ـ الترتيب: الترتيب: تطهير أعضاء الوضوء واحداً بعد الآخر كما ورد في النص القرآني: أي غسل الوجه أولاً ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين. واختلف الفقهاء في وجوبه (1).
فقال الحنفية والمالكية: إنه سنة مؤكدة لا فرض، فيبدأ بما بدأ الله بذكره وبالميامن؛ لأن النص القرآني الوارد في تعداد فرائض الوضوء عطف المفروضات بالواو، التي لا تفيد إلا مطلق الجمع، وهو لا يقتضي الترتيب، ولو كان الترتيب مطلوباً لعطفه بالفاء أو (ثم)، والفاء التي في قوله تعالى: {فاغسلوا} [المائدة:6/ 5]، لتعقيب جملة الأعضاء.
_________
(1) الدر المختار: 1/ 113، مراقي الفلاح: ص12، فتح القدير: 1/ 23، البدائع: 1/ 17 وما بعدها، الشرح الصغير: 1/ 120، الشرح الكبير: 1/ 102، مغني المحتاج:54/ 1، المهذب:19/ 1، المغني: 1/ 136 - 138، كشاف القناع: 1/ 116، بداية المجتهد: 1/ 16، القوانين الفقهية: ص 22، المجموع: 1/ 480 - 486.

(1/383)

وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود ما يدل على عدم وجوب الترتيب، قال علي رضي الله عنه: «ما أبالي بأي أعضائي بدأت» وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «لابأس بالبداية بالرجلين قبل اليدين» وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «لابأس أن تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء» (1).
وقال الشافعية والحنابلة: الترتيب فرض في الوضوء لا في الغسل. لفعل النبي صلّى الله عليه وسلم المبين للوضوء المأمور به (2)، ولقوله صلّى الله عليه وسلم في حجته: «ابدؤوا بما بدأ الله به» (3)، والعبرة بعموم اللفظ، ولأن في آية الوضوء قرينة تدل على أنه أريد بها الترتيب، فإنه تعالى ذكر ممسوحاً بين مغسولات، والعرب لا تفرق بين المتجانسين ولا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، وهي هنا الترتيب، ولأن الآية بيان للوضوء الواجب، بدليل أنه لم يذكر فيها شيء من السنن. وقياساً على الترتيب الواجب في أركان الصلاة.
فلو نكس (4) الترتيب المطلوب، فبدأ برجليه، وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، ثم يكمل ما بعده على الترتيب الشرعي. ويمكن تصحيح الوضوء غير المرتب بأن يغسل أعضاءه أربع مرات، لأنه يحصل له في كل مرة غسل كل عضو، فيحصل له من المرة الأولى غسل الوجه، ومن الثانية غسل اليدين، ومن الثالثة مسح الرأس، ومن الرابعة غسل الرجلين.
وإن غسل أعضاءه دفعة واحدة، لم يصح وضوءه، وكذا لو وضأه أربعة في حالة واحدة؛ لأن الواجب الترتيب، لا عدم التنكيس، ولم يوجد الترتيب.
_________
(1) روى الدارقطني الأثرين الأولين، وأما الأثر الثالث فلا يعرف له أصل.
(2) رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 1/ 152).
(3) رواه النسائي بإسناد صحيح.
(4) نكس ـ كنصر ـ الشيء: فانتكس: قلبه على رأسه، ونكَّسه بالتشديد تنكيساً.

(1/384)

ولو اغتسل محدث حدثاً أصغر فقط بنية رفع الحدث أو نحوه، فالأصح عن الشافعية: أنه إن أمكن تقدير ترتيب بأن غطس مثلاً صح، ولو بلا مُكْث؛ لأنه يكفي ذلك لرفع أعلى الحدثين، فللأصغر أولى، ولتقدير الترتيب في لحظات معينة.
ولا يكفي ذلك عند الحنابلة، إلا إذا مكث في الماء قدراً يسع الترتيب، فيخرج وجهه ثم يديه، ثم يمسح رأسه، ثم يخرج من الماء، سواء أكان الماءراكداً أم جارياً.
والترتيب مطلوب بين الفرائض، ولا يجب الترتيب بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، وإنما هو مندوب، لأن مخرجهما في القرآن واحد، قال تعالى: {وأيديكم} .... {وأرجلكم} [المائدة:6/ 5]، والفقهاء يعدون اليدين عضواً، والرجلين عضواً، ولا يجب الترتيب في العضو الواحد. وهذا هو المقصود من قول علي وابن مسعود، قال أحمد: إنما عنيا به اليسرى قبل اليمنى؛ لأن مخرجهما من الكتاب واحد.
وفي تقديري: أن رأي القائلين بالترتيب أولى، لمواظبة النبي صلّى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً عليه، واستمر الصحابة على ذلك، لا يعرفون غير الترتيب في الوضوء، ولايتوضؤون إلا مرتبين، ودرج المسلمون على الترتيب في كل العصور. وكون الواو لا يقتضي الترتيب صحيح مسلّم به، لكن ذلك عند عدم القرائن الدالة على إرادة الترتيب، والقرائن الدالة عليه كثيرة، وهي المواظبة من النبي وصحبه (1).

ثالثاً ـ الموالاة أو الوِلاء: هي متابعة أفعال الوضوء بحيث لا يقع بينها ما يعد فاصلاً في العرف، أو هي
_________
(1) مقارنة المذاهب: ص21 - 23.

(1/385)

المتابعة بغسل الأعضاء قبل جفاف السابق، مع الاعتدال مزاجاً وزماناً ومكاناً ومناخاً. واختلف الفقهاء في وجوبها (1).
فقال الحنفية الشافعية: الموالاة سنة لا واجب، فإن فرق بين أعضائه تفريقاً يسيراً لم يضر؛ لأنه لا يمكن الاحتراز عنه. وإن فرق تفريقاً كثيراً، وهو بقدر ما يجف الماء على العضو في زمان معتدل، أجزأه؛ لأن الوضوء عبادة لايبطلها التفريق القليل والكثير كتفرقة الزكاة والحج.
واستدلوا على رأيهم بالآتي:
1ً - «إنه صلّى الله عليه وسلم توضأ في السوق، فغسل وجهه ويديه، ومسح رأسه، فدعي إلى جنازة، فأتى المسجد يمسح على خفيه وصلى عليها» (2) قال الإمام الشافعي: وبينهما تفريق كثير.
2ً - صح عن ابن عمر رضي الله عنهما التفريق أيضاً، ولم ينكر عليه أحد.
وقال المالكية والحنابلة: الموالاة في الوضوء لا في الغسل فرض، بدليل مايأتي:
1ً - «إنه صلّى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي، وفي ظهر قدمه لُمْعة (بقعة) قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة» (3) ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة.
_________
(1) بداية المجتهد: 1/ 17، القوانين الفقهية: ص21، المجموع:489/ 1 - 493، الدر المختار: 1/ 113، الشرح الصغير: 1/ 111، الشرح الكبير: 1/ 90، مغني المحتاج: 1/ 61، كشاف القناع: 1/ 117، المغني: 1/ 138، المهذب: 1/ 19.
(2) الواقع أنه أثر صحيح رواه مالك عن نافع: «أن ابن عمر توضأ في السوق ... » الخ (المجموع:493/ 1).
(3) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلم، لكن قال عنه النووي: إنه ضعيف الإسناد، وقال عنه أحمد: إسناده جيد.

(1/386)

2ً - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: ارجع فأحسن وضوءك، فرجع ثم صلى» (1).
3ً - مواظبته صلّى الله عليه وسلم على الوِلاء في أفعال الوضوء، فإنه لم يتوضأ إلا متوالياً، وأمر تارك الموالاة بإعادة الوضوء.
4ً - القياس على الصلاة، الوضوء عبادة يفسدها الحدث، فاشترطت الموالاة كالصلاة.
وفي تقديري أن القول بضرورة الموالاة إلا لعجز أمر يتفق مع ضرورة الجدية في العبادات وعدم العبث واللعب فيها، ومع وحدة العبادات، والسنة الفعلية، ولزوم الانصراف الكلي بالنية والتطبيق لتنفيذ مطلب الشرع على نحو متتابع منسجم بعضه مع بعض، دون تخلل أمر صارف عن موضوعية الفعل.

رابعاً ـ الدلك الخفيف باليد: الدلك: هو إمرار اليد على العضو بعد صب الماء قبل جفافه، والمراد باليد: باطن الكف، فلا يكفي دلك الرِجل بالأخرى.
واختلف الفقهاء في إيجابه (2).
فقال الجمهور (غير المالكية): الدلك سنة لا واجب، لأن آية الوضوء لم تأمر
_________
(1) رواه أحمد ومسلم (انظر الحديثين في نيل الأوطار:174/ 1 وما بعدها) لكن قال عنه النووي: لا دلالة فيه على الموالاة.
(2) فتح القدير: 1/ 9، الدر المختار: 1/ 114، مراقي الفلاح: ص12، الشرح الصغير: 1/ 110 وما بعدها، الشرح الكبير: 1/ 90، نيل الأوطار:220/ 1،245.

(1/387)

به، والسنة لم تثبته، فلم يذكر في صفة وضوء النبي صلّى الله عليه وسلم. والثابت في صفة غسله عليه الصلاة والسلام مجرد إفاضة الماء مع تخلل أصول الشعر (1).
وقال المالكية: الدلك واجب، ويكون في الوضوء بباطن الكف، لا بظاهر اليد، ويكفي الدلك بالرجل في الغسل، والدلك فيه: هو إمرار العضو على العضو إمراراً متوسطاً، ويندب أن يكون خفيفاً مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة.
وهو واجب بنفسه، ولو وصل الماء للبشرة على المشهور.
واستدلوا بما يأتي:
1ً - إن الغسل المأمور به في آية الوضوء {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة:6/ 5]، لا يتحقق معناه إلا بالدلك، فإن مجرد إصابة الماء للعضو لا يعتبر غسلاً، إلا إذا صاحبه الإمرار بشيء آخر على الجسم، وهو معنى الدلك.
2ً - حديث «بُلُّوا الشعر، وأنقوا البشر» (2) على فرض صحته مشعر بوجوب الدلك؛ لأن الإنقاء لا يحصل بمجرد الإفاضة.
3ً - القياس: قاسوا طهارة الحدث الأصغر على إزالة النجاسة التي لا تحصل إلا بالدلك والعرك، كما قاسوها على غسل الجنابة في آية: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/ 5]، فالصيغة للمبالغة، والمبالغة تكون بالدلك. ويظهر لي أن الدلك وسيلة تنظيف وتحسين هيئة الأعضاء الظاهرة، ويكفي لتحقيق هذا
_________
(1) عبرت ميمونة عن كيفية الغسل بالغسل، وعبرت عائشة بالإفاضة والمعنى واحد، وقد استدل بذلك على عدم وجوب الدلك، وعلى أن مسمى (غسل) لا يدخل فيه الدلك (نيل الأوطار: 1/ 244 وما بعدها).
(2) نيل الأوطار: 1/ 220.

(1/388)

المقصود القول بسنية الدلك لا بوجوبه، لأن الأحاديث التي وصفت غسل النبي صلّى الله عليه وسلم لا تدل حقاً على الدلك، وليس في كتب اللغة ما يشعر بأن الدلك داخل في مسمى الغسل، فالواجب ما صدق عليه اسم الغسل المأمور به لغة.

حكم ناسي أحد الفروض: قال ابن جزي المالكي (1): من نسي شيئاً من فرائض الوضوء، فإن ذكر بعد أن جف وضوءه، فعل ما ترك خاصة، وإن ذكر قبل أن يجف وضوءه ابتدأ الوضوء، قال الطُّليطلي: إنه يعيد الذي نسي وما بعده ولايبتدئ الوضوء، وهو الصحيح.
المطلب الثالث ـ شروط الوضوء:
سبب وجوب الوضوء: هو الحدث، ودخول وقت الصلاة، والقيام إليها ونحوها، والأصح عند الشافعية: الاثنان معاً أي الحدث والقيام إلى الصلاة ونحوها.
وأما شروط الوضوء فنوعان: شروط وجوب، وشروط صحة (2).
وشرائط الوجوب: هي ما إذا اجتمعت وجبت الطهارة على الشخص. وشرائط الصحة: ما لا تصح الطهارة إلا بها.

أولاً ـ شروط الوجوب: يشترط لوجوب الوضوء على الشخص، أي التكليف به وافتراضه عليه شروط ثمانية هي ما يأتي:
_________
(1) القوانين الفقهية: ص23.
(2) البدائع: 1/ 15، الدر المختار ورد المحتار: 1/ 80، مراقي الفلاح: ص10، الشرح الصغير: 1/ 131 - 134، الشرح الكبير: 1/ 84 وما بعدها، مغني المحتاج: 1/ 47، كشاف القناع: 1/ 95.

(1/389)

1ً - العقل: فلا يجب ولا يصح من مجنون حال جنونه، ولا من مصروع حال صرعه، ولا يجب على النائم والغافل ولا يصح منهما لعدم النية عند الجمهور غير الحنفية؛ إذ لا نية لنائم أو غافل حال النوم أو الغفلة.
2ً - البلوغ: فلا يجب على صبي، لكن لا يصح الوضوء إلا من مميز، فالتمييز شرط لصحة الوضوء.
3ً - الإسلام: شرط وجوب عند الحنفية بناء على المشهور عندهم من أن الكفار غير مخاطبين بالعبادات وغيرها من فروع الشريعة، فلا يجب على كافر إذ لايخاطب كافر بفروع الشريعة. وهو شرط صحة عند الجمهور بناء على أن المقرر لديهم مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، فلا يصح من كافر، إذ يشترط لصحة أدائه منه وجود الإسلام (1). وهذا شرط في جميع العبادات من طهارة وصلاة وزكاة وصوم وحج.
4ً - القدرة على استعمال الماء الطهور الكافي، فلا يجب على عاجز عن استعمال المطهر، ولا على فاقد الماء، والتراب أيضاً، ولا على واجد ماء لا يكفي لجميع الأعضاء مرة مرة. ولا على عاجز يضره الماء، فالمراد بالقادر: هو الواجد الماء الذي لا يضره استعماله. هذا عند الحنفية والمالكية، والأظهر عند الشافعية والحنابلة أنه يجب استعمال الماء الذي لا يكفيه ثم يتيمم.
5ً - وجود الحدث: فلا يلزم المتوضئ إعادة الوضوء أي الوضوء على الوضوء.
6ً، 7ً - عدم الحيض والنفاس بانقطاعهما شرعاً، فلا يجب على الحائض والنفساء.
_________
(1) انظر كتابي أصول الفقه الإسلامي146/ 1، ط دار الفكر، ط ثانية.

(1/390)

8ً - ضيق الوقت: لأن الخطاب الشرعي يتوجه للمكلف حينئذ توجهاً مضيقاً، وموسعاً في ابتداء الوقت، فلا يجب الوضوء حال سعة الوقت، ويجب إذا ضاق الوقت.
ويمكن اختصار هذه الشروط في أمر واحد: هو قدرة المكلف بالطهارة عليها بالماء.

ثانياً ـ شروط الصحة: يشترط لصحة الوضوء شروط ثلاثة عند الحنفية، وأربعة عند الجمهور:
1ً - عموم البشرة بالماء الطهور: أي أن يعم الماء جميع أجزاء العضو المغسول، بحيث لا يبقى منه شيء، إلا وقد غسل، لكي يغمر الماء جميع أجزاء البشرة، حتى لو بقي مقدار مغرز إبرة لم يصبه الماء من المفروض غسله، لم يصح الوضوء.
وبناء عليه يجب تحريك الخاتم الضيق عند الجمهور غير المالكية: أما المالكية فقالوا: لا يجب تحريك الخاتم المأذون فيه لرجل أو امرأة ولو ضيقاً لا يدخل الماء تحته، ولا يعد حائلاً بخلاف غير المأذون فيه، كالذهب للرجل أو المتعدد أكثر من واحد، فلا بد من نزعه ما لم يكن واسعاً يدخل الماء تحته، فيكفي تحريكه؛ لأنه بمنزلة الدلك بالخرقة.
ولا يصح الوضوء باتفاق الفقهاء بغير الماء من المائعات كالخل والعصير واللبن ونحو ذلك، كما لا يصح التوضؤ بالماء النجس، إذ لا صلاة إلا بطهور أو لا صلاة إلا بطهارة.
2ً - إزالة ما يمنع وصول الماء إلى العضو: أي ألا يكون على العضو الواجب

(1/391)

غسله حائل يمنع وصول الماء إلى البشرة، كشمع وشحم ودهن ودهان، ومنه عماص العين، والحبر الصيني المتجسم، وطلاء الأظافر للنساء. أما الزيت ونحوه فلا يمنع نفوذ الماء للبشرة.
3ً - عدم المنافي للوضوء أو انقطاع الناقض من خارج أو غيره: أي انقطاع كل ما ينقض الوضوء قبل البدء به، لغير المعذور، من دم حيض ونفاس وبول ونحوهما، وانقطاع حدث حال التوضؤ؛ لأنه بظهور بول وسيلان ناقض، لا يصح الوضوء.
والخلاصة: أنه لا يصح الوضوء لغير المعذور حال خروج الحدث أو وجود ناقض للوضوء.
4ً - دخول الوقت للتيمم عند الجمهور غير الحنفية، ولمن حدثه دائم كسلس البول عند الشافعية والحنابلة، لأن طهارته طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت.
والإسلام كما عرفنا شرط لصحة أداء العبادات عند غير الحنفية، وعندهم: شرط وجوب. وأما التمييز فهو شرط لصحة الوضوء وغيره من العبادات بالاتفاق.
وقال الشافعية: شروط الوضوء والغسل ثلاثة عشر: الإسلام، والتمييز، والنقاء من الحيض والنفاس، وعما يمنع وصول الماء إلى البشرة، والعلم بفرضيته، وألا يعتقد فرضاً معيناً من فروضه سنة، والماء الطهور، وإزالة النجاسة العينية، وألا يكون على العضو ما يغير الماء، وألا يعلق نيته، وأن يجري الماء على العضو، ودخول الوقت لدائم الحدث، والموالاة (أي فقد الصارف).

(1/392)

المطلب الرابع ـ سنن الوضوء:
ميز الحنفية بين السنة والمندوب، فقالوا: السنة: هي المؤكدة وهي الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم، على سبيل المواظبة، أي أنها التي واظب عليها النبي ـ صلّى الله عليه وسلم وتركها أحياناً بلا عذر. وحكمها الثواب على الفعل والعتاب على الترك.
وأما المندوب أو المستحب: فهو مالم يواظب عليه النبي صلّى الله عليه وسلم. ويعرف هنا بآداب الوضوء. وحكمه الثواب على فعله وعدم اللوم على تركه.
وأهم سنن الوضوء عند الحنفية: ثمانية عشر شيئاً، وعند المالكية ثمان، وعند الشافعية حوالي ثلاثين، إذ لم يفرقوا بين السنة والمندوب، وعند الحنابلة: حوالي عشرين مطلوباً (1).

1 ً - النية سنة عند الحنفية، ووقتها قبل الاستنجاء، وكيفيتها: أن ينوي رفع الحدث أو إقامة الصلاة أو ينوي الوضوء أو امتثال الأمر. ومحلها القلب، واستحب المشايخ النطق بها. وهي فرض عند الجمهور غير الحنفية، كما بينت في بحث فرائض الوضوء.
2 ً - غسل اليدين إلى الرسغين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء، سواء قام من النوم أم لم يقم؛ لأنهما آلة التطهير، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه،
_________
(1) البدائع:18 - 23، فتح القدير:13 - 23، الدر المختار: 1/ 101 - 114، مراقي الفلاح: ص10 - 13، الشرح الصغير: 1/ 117 - 121، الشرح الكبير:96/ 1 - 104، بداية المجتهد: 1/ 8 - 12، القوانين الفقهية: ص 22، المهذب:15/ 1 - 19، كشاف القناع: 1/ 118 - 122، المغني:96/ 1 - 143.

(1/393)

فليغسل يده، قبل أن يدخلها في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» (1) وفي لفظ: «حتى يغسلها ثلاثاً» والأرجح الاكتفاء بمرة كبقية أفعال الوضوء، والتثليث مستحب. وقال الحنابلة: يكون الغسل ثلاثاً، سنة لغير المستيقظ من النوم ليلاً، وواجباً على المستيقظ من نومه ليلاً.

3 ً - التسمية في بدء الوضوء: بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه: بسم الله، والوارد عنه عليه السلام ـ فيما رواه الطبراني عن أبي هريرة بإسناد حسن ـ باسم الله العظيم، والحمد لله على دين الإسلام. وقيل: الأفضل: (باسم الله الرحمن الرحيم) عملاً بحديث «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم: أقطع» (2).
وقد اعتبر المالكية التسمية من فضائل (آداب) الوضوء. وأوجب الحنابلة التسمية عند الوضوء.
ودليلهم: قوله صلّى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (3) وقوله عليه السلام من حديث سعيد بن زيد مثله (4)، وحديث أبي سعيد: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (5).
_________
(1) أخرجه الأئمة الستة في كتبهم عن أبي هريرة (نصب الراية: 1/ 2) والرسغ: المفصل الذي بين الساعد والكف، وبين الساق والقدم، أو أنه مفصل الكف بين الكوع (ما يلي الإبهام) والكرسوع (ما يلي الخنصر) وأما البوع فهو العظم الذي يلي إبهام الرجل.
(2) ذكره عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أبي هريرة، وهو حديث ضعيف.
(3) رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد، عن أبي هريرة (نصب الراية:3/ 1).
(4) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي والحاكم، قال الإمام أحمد: حديث أبي سعيد أحسن حديث في هذا الباب، وقال الترمذي والبخاري: حديث سعيد بن زيد أحسن. والجميع في أسانيدها مقال قريب (نصب الراية: 1/ 4، نيل الأوطار: 1/ 134).
(5) رواه الحاكم في المستدرك وصححه، وضعفه غيره (نصب الراية: 1/ 4).

(1/394)

استدل الحنابلة على وجوب التسمية بهذه الأحاديث. وتأول الجمهور هذه الأحاديث بأنها واردة لنفي الكمال، لا نفي الصحة، كحديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (1) وحديث «ذكر الله على قلب المؤمن، سمى أو لم يسمِّ» (2) بقرينة حديث مرفوع عن ابن عمر (3): «من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه، كان طهوراً لأعضاء وضوئه» (4) ولخبر النسائي وابن خزيمة بإسناد جيد عن أنس: «توضؤوا بسم الله» أي قائلين ذلك، وأكملها كمالها، ثم الحمد لله على الإسلام ونعمته، الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً. وإنما تجب التسمية لآية الوضوء المبينة لواجباتها.

4 ً - المضمضة والاستنشاق: والمضمضة: هي إدخال الماء في الفم وخضخضته وطرحه، أو استيعاب جميع الفم بالماء. والاستنشاق: إدخال الماء في الأنف وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه.
ويلحق بهما سنة الاستنثار: وهو دفع الماء بنفسه مع وضع أصبعيه (السبابة والإبهام من يده اليسرى) على أنفه، كما يفعل في امتخاطه. وهي كلها سنة مؤكدة عند الجمهور غير الحنابلة لحديث مسلم: «ما منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر، إلا خرَّت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء» (5). وأما خبر (تمضمضوا واستنشقوا) فضعيف. وإنما لم يجبا فلآية الوضوء المبينة لواجباته.
_________
(1) رواه الدارقطني عن جابر وعن أبي هريرة، وهو ضعيف (الجامع الصغير: نيل الأوطار: 1/ 136).
(2) أخرجه الدارقطني، وفيه ضعيف (نصب الراية: 4/ 183، نيل الأوطار: المكان السابق).
(3) وصرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي بأنه قد روي في بعض الروايات: «لا وضوء كاملاً» وقد استدل به الرافعي، قال ابن حجر: لم أره هكذا (نيل الأوطار، المكان السابق).
(4) أخرجه الدارقطني والبيهقي، وفيه متروك ومنسوب إلى الوضع، ورواه الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة وفيه ضعيفان، ورواه الدارقطني والبيهقي أيضاً، وفيه متروك (نيل الأوطار: 1/ 135).
(5) معنى: خرت: سقطت وذهبت و (فيه) فمه.

(1/395)

صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم في المضمضة والاستنشاق: وتسن المضمضة والاستنشاق ثلاثاً للحديث المتفق عليه عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: أنه دعا بإناء، فأفرغ على كفيه ثلاث مرات، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رِجليه ثلاث مرات إلى الكعبين. ثم قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ نحو وُضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وُضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يُحدِّث فيهما نفسه، غفَر الله له ما تقدم من ذنبه» (1) ولقوله عليه السلام فيما روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن عائشة: «عشر من الفطرة» وذكر منها (المضمضة والاستنشاق) والفطرة: السنة، ولأن الفم والأنف عضوان باطنان، فلا يجب غسلهما كباطن اللحية وداخل العينين، ولأن الوجه: ماتحصل به المواجهة ولا تحصل المواجهة بهما.
واتفق الفقهاء على أنه تسن المبالغة فيهما للمفطر غير الصائم، لقوله صلّى الله عليه وسلم ـ في رواية صحح ابن القطان إسنادها ـ: «إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق ما لم تكن صائماً» ولحديث لَقِيط بن صَبْرة: «أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً» (2) ولا تسن المبالغة للصائم، بل تكره لخوف الإفطار.
والمبالغة في المضمضة: أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللثات. ويسن إمرار أصبع يده اليسرى على ذلك، وفي الاستنشاق: أن يصعد الماء بالنَّفَس إلى الخيشوم. ويسن إدارة الماء في الفم ومجه.
_________
(1) نيل الأوطار: (1/ 139)، ويؤيده حديث ضعيف رواه الدارقطني عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ «المضمضة والاستنشاق سنة».
(2) صححه الترمذي وغيره، ورواه الخمسة (نيل الأوطار: 1/ 145).

(1/396)

ويسن الاستنثار للأمر به في خبر ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «استنثروا مرتين بالغتين، أو ثلاثاً» (1).
وعبارة الحنفية في المضمضة والاستنشاق: وهما سنتان مؤكدتان مشتملتان على سنن خمس: الترتيب، والتثليث، وتجديد الماء، وفعلهما باليمنى، والمبالغة فيهما بالغرغرة ومجاوزة المارن (أرنبة الأنف) لغير الصائم، لاحتمال الفساد أي الإفطار (2).
وقال المالكية: يندب فعل المضمضة والاستنشاق، بثلاث غرفات لكل منهما، ومبالغة مفطر.
ويرى الشافعية في الأصح أن الترتيب فيهما مستحق لا مستحب، بعكس تقديم اليمنى على اليسرى. والأظهر كما قال النووي في المنهاج: تفضيل الجمع على الفصل بين المضمضة والاستنشاق، بثلاث غرف، يتمضمض من كلٍ، ثم يستنشق، أي أن الجمع بغرفة لكليهما أفضل من فصلهما للأخبار الصحيحة في ذلك (3).
والمشهور في مذهب الحنابلة: أن المضمضة والاستنشاق واجبان في الطهارتين جميعاً: الوضوء والغسل، لأن غسل الوجه واجب فيهما، والفم والأنف من الوجه، ولحديث عائشة: «المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه» (4)، ولمداومته صلّى الله عليه وسلم عليهما في كل حديث ذكر فيه صفة وضوء رسول الله
_________
(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وابن الجارود وصححه ابن القطان، وذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص ولم يذكره بضعف، وكذلك المنذري (نيل الأوطار: 1/ 146).
(2) الدر المختار: 1/ 108.
(3) مغني المحتاج: 1/ 58.
(4) رواه أبو بكر في الشافي بإسناده، والدارقطني في سننه.

(1/397)

صلّى الله عليه وسلم، مثل
حديث عثمان السابق، وحديث علي: «أنه دعا بوَضُوء (أي ماء)، فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، ففعل هذا ثلاثاً، ثم قال: هذا طَهُور نبي الله صلّى الله عليه وسلم» (1) وحديثي أبي هريرة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ أحدكم، فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثر» «أمر رسول الله صلّى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق» (2).
والحق: أن هذه الأحاديث ظاهرة في إيجاب المضمضة والاستنشاق. وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق، مع صحة الأمر به، إلا بكونه لا يعلم خلافاً في أن تاركه لا يعيد. وهذا دليل فقهي، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عن عطاء (3).

5 ً - السواك سنة باتفاق الفقهاء ما عدا المالكية الذين عدوه من الفضائل، وسأخصص له مبحثاً مستقلاً.
6 ً - تخليل اللحية الكثة والأصابع: يسن تخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها (4)، وتخليل أصابع اليدين والرجلين باتفاق الفقهاء، لما روى ابن ماجه والترمذي وصححه: أنه صلّى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته، ولما روى أبو داود: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان إذا توضأ، أخذ كفاً من ماء، فأدخله تحت حنكه، فخلل به لحيته، وقال: هكذا
_________
(1) رواه أحمد والنسائي عن علي رضي الله عنه (نيل الأوطار: 1/ 143).
(2) الحديث الأول متفق عليه، والثاني رواه الدارقطني (نيل الأوطار، المكان السابق).
(3) نيل الأوطار: 1/ 141.
(4) أما اللحية الخفيفة، والكثيفة في حد الوجه من لحية غير الرجل وعارضيه، فيجب إيصال الماء إلى ظاهره وباطنه ومنابته بتخليل أو غيره (مغني المحتاج: 1/ 60).

(1/398)

أمرني ربي» (1).
ولحديث لَقيط بن صَبْرَة في المبالغة في الاستنشاق السابق: «أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» (2) وحديث ابن عباس: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: إذا توضأت فخلِّل أصابع يديك ورجليك» (3) وحديث المُسْتَورِد بن شدَّاد قال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره» (4).

7 ً - تثليث الغسل: اتفق الفقهاء على أنه يسن تثليث الغسل واعتبره المالكية من فضائل الوضوء، لما ثبت في السنة كحديث عمرو بن شعيب من تثليث غسل الكفين والوجه والذراعين (5). وإنما لم يجب؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وقال: «هذا الذي لايقبل الله العمل إلا به»، وتوضأ مرتين مرتين، وقال: «هذا يضاعف الله به الأجر مرتين» وتوضأ ثلاثا صلّى الله عليه وسلم ثلاثاً، وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي» (6).
وأما المسح فلا يسن تكراره عند الجمهور وأكثر أهل العلم من الصحابة، لحديث عبد الله بن زيد في وصف وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، قال: «ومسح برأسه مرة
_________
(1) انظر الحديثين في (نيل الأوطار: 1/ 148)، وحديث ابن عباس عند البخاري في صفة وضوء رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يوجب إيصال الماء إلى باطن اللحية الكثة (نيل الأوطار: 1/ 147) وانظر الأحاديث الواردة في تخليل اللحية في (نصب الراية: 1/ 23).
(2) رواه الخمسة وصححه الترمذي (نيل الأوطار: 1/ 145).
(3) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي (نيل الأوطار: 1/ 135).
(4) رواه الخمسة إلا أحمد (المرجع السابق) وانظر أحاديث تخليل الأصابع في (نصب الراية: 1/ 27).
(5) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه. وفي آخره: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء» (نصب الراية: 1/ 29).
(6) رواه الدارقطني عن زيد بن ثابت وأبي هريرة، ولكن فيه راو ضعيف (المرجع السابق).

(1/399)

واحدة» (1)، ولما روي عن علي رضي الله عنه «أنه توضأ ومسح برأسه مرة واحدة»، ثم قال: «هذا وضوء النبي صلّى الله عليه وسلم، من أحب أن ينظر إلى طهور رسول الله صلّى الله عليه وسلم فلينظر إلى هذا» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وكذلك وصف عبد الله بن أبي أوفى، وابن عباس، وسلمة بن الأكوع والرُّبَيِّع، كلهم قالوا: (ومسح برأسه مرة واحدة) وحكايتهم لوضوء النبي صلّى الله عليه وسلم إخبار عن الدوام، ولا يداوم إلا على الأفضل الأكمل.
ولأنه مسح في طهارة، فلا يسن تكراره، كالمسح في التيمم والمسح على الجبيرة، وسائر المسح.
وقال الشافعية: ويسن أيضاً تثليث المسح، لما روي عن أنس: «الثلاث أفضل» ولحديث شقيق بن سلمة عند أبي داود قال: «رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعل مثل هذا، وروي مثل ذلك عن غير واحد من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وروى عثمان وعلي وابن عمر وأبو هريرة وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو مالك والرُّبيع، وأبي بن كعب: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً».
لكن رد الجمهور على الشافعية بأنه لم يصح من أحاديثهم شيء صريح، ويظهر أن رأي الجمهور أقوى دليلاً من السنة الصحيحة.

8 ً - استيعاب كل الرأس بالمسح: يسن الاستيعاب بالمسح عند الحنفية والشافعية اتباعاً للسنة فيما رواه الشيخان، مرة واحدة عند الحنفية، وثلاثاً عند الشافعية، وخروجاً من خلاف من أوجبه؛ لأن مسح الرأس كله واجب عند المالكية والحنابلة كما بينا.
_________
(1) متفق عليه.

(1/400)

والسنة في كيفيته: أن يضع يديه على مقدمة رأسه ويلصق سبابته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه، ثم يذهب بهما إلى قفاه، ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب منه إذا كان له شعر ينقلب (1)، فإن لم يقلب شعره لقصره أو عدمه لم يردّ لعدم الفائدة.
وقال المالكية: يسن رد مسح الرأس وإن لم يكن له شعر بأن يعمه بالمسح ثانياً إن بقي بيده بلل من المسح الواجب، وإلا سقطت سنة الرد.
ودليل الحنفية: حديث عمرو بن شعيب وحديث عثمان السابقان وفيهما: «ثم مسح برأسه» ولم يذكرا عدداً. ومثله حديث أبي حَبَّة في صفة وضوء علي وفيه: «ومسح برأسه مرة» (2) ودليل الشافعية: حديث عثمان السابق فيما رواه أبو داود بإسناد حسن: أنه توضأ، فمسح رأسه ثلاثاً، وقال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ هكذا. وحديث علي عند البيهقي: «توضأ، فمسح رأسه ثلاثاً، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم فعل».
وأجاز الشافعية والحنابلة مسح بعض الرأس والإكمال على العمامة إن عسر رفعها، لأنه صلّى الله عليه وسلم «مسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين» (3).

9 ً - مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بماء جديد: يسن مسح الأذنين ظاهراً وباطناً بماء جديد عند الجمهور؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم مسح في وضوئه برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه، يأخذ لصماخيه أيضاً ماء جديداً.
روي عن عبد الله بن زيد: «أنه رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ، فأخذ لأذنيه ماءً
_________
(1) هكذا رواه الجماعة عن عبد الله بن زيد (نيل الأوطار: 1/ 154).
(2) رواه الترمذي وصححه (المرجع السابق: ص158).
(3) رواه مسلم والترمذي وصححه عن المغيرة بن شعبة (المرجع السابق: ص164).

(1/401)

خلاف الماء الذي أخذه لرأسه» (1)، وكان ابن عمر إذا توضأ يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه (2).
وقال الحنابلة: يجب مسح الأذنين؛ لأن الأذنين من الرأس لحديث «الأذنان من الرأس» (3)،ولأن النبي صلّى الله عليه وسلم مسحهما مع رأسه، كما هو الثابت في أحاديث متعددة (4).
والراجح لدي القول بسنية مسح الأذنين فقط، لأن حديث «الأذنان من الرأس» لم يثبت، وإنما هو ضعيف، حتى قال ابن الصلاح: إن ضعفه كثيرلا ينجبر بكثرة الطرق. وقال الشوكاني: الحق عدم انتهاض الأحاديث الواردة لذلك، والمتيقن الاستحباب، فلا يصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض، وإلا كان من التقول على الله بما لم يقل (5).
ومسح الأذنين: ثلاث مرات عند الشافعية ومرة عند الجمهور.

10 ً - البداءة بالميامن في غسل اليدين والرجلين: واعتبره المالكية من الفضائل. ودليل السنية: حديث عائشة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يحب التيامُن في تنعله وترجُّله وطَهوره، وفي شأنه كله» (6) وهو دليل على مشروعية الابتداء
_________
(1) رواه الحاكم والبيهقي وقال: إسناده صحيح (نصب الراية: 1/ 22).
(2) رواه مالك في الموطأ (المرجع السابق).
(3) رواه ابن ماجه من غير وجه، لكن فيه راو تكلم فيه (نيل الأوطار: 1/ 160).
(4) منها حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود، وحديث ابن عباس عند الترمذي والنسائي، وحديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ عند أبي داود والترمذي، وقالا: حديث حسن (انظر نيل الأوطار: 1/ 160 - 162).
(5) نيل الأوطار: 1/ 161.
(6) متفق عليه، وصححه ابن حبان وابن منده (نيل الأوطار: 1/ 170).

(1/402)

باليمين في لبس النعال، وفي ترجيل الشعر (أي تسريحه) وفي الطهور، فيبدأ بيده اليمنى قبل اليسرى، وبالجانب الأيمن من سائر البدن في الغسل قبل الأيسر، والتيامن سنة في جميع الأشياء.
ويؤيده حديث أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا لبستم، وإذا توضأتم فابدءوا بأيامنكم» (1).
وأضاف الحنفية والشافعية لهذه السنة: البداءة برؤوس الأصابع ومقدم الرأس، كما أن الشافعية أضافوا: البدء بأعلى الوجه. وقال المالكية: يندب البدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو، أي في الوجه واليدين والرأس والرجلين.

11 ً- الترتيب والموالاة والدلك عند من لا يرى فرضيتها، كما قدمنا في بحث فرائض الوضوء.
المطلب الخامس ـ آداب الوضوء أو فضائله:
عبر الحنفية عن ذلك بالآدا ب جمع أدب: وهو ما فعله النبي صلّى الله عليه وسلم مرة أو مرتين ولم يواظب عليه.
وحكمه: الثواب بفعله وعدم اللوم على تركه. وآداب الوضوء عندهم أربعة عشر شيئاً.
وعبر عنها المالكية بالفضائل أي الخصال والأفعال المستحبة، وهي عندهم عشر، والفرق بينها وبين السنة: أن السنة: ما أكد الشارع أمرها، وعظم قدرها، وأما المندوب أو المستحب: فهو ما طلبه الشارع طلباً غير جازم، وخفف أمره، وكل منهما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه.
_________
(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي، قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصح (نيل الأوطار: 1/ 170).

(1/403)

وأهم هذه الآداب ما يأتي:
1ً- استقبال القبلة؛ لأنها أشرف الجهات ولأنها حالة أرجى لقبول الدعاء، واعتبره الحنابلة والشافعية سنة، إذ لم يفرقوا بين السنة والأدب.
2ً - الجلوس في مكان مرتفع؛ تحرزاً عن الغسالة.
وقال المالكية: يستحب إيقاع الوضوء في محل طاهر بالفعل، وشأنه الطهارة، فيكره الوضوء في بيت الخلاء أو الكنيف (دورة المياه) قبل استعماله (1)، كما يكره الوضوءفي غيره من المواضع المتنجسة بالفعل.
3ً - عدم التكلم بكلام الناس، بلا ضرورة؛ لأنه يشغله عن الدعاء المأثور.
4ً - عدم الاستعانة بغيره إلا لعذر؛ كالصب ونحوه (2)، لأنه الأكثر من فعله صلّى الله عليه وسلم (3)، ولأنها نوع من الترفه والتكبر، وذلك لا يليق بالمتعبد، والأجر على قدر النَّصَب، وهي خلاف الأولى، وقيل: تكره. فإن كان ذلك لعذر كمرض فلا بأس، وقد أجازها النبي، بدليل حديث المغيرة بن شعبة: «أنه كان مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفر، وأنه ذهب لحاجة له، وأن مُغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ، فغسل وجهه ويديه، ومسح برأسه، ومسح الخفين» (4)،وقال صفوان بن عَسَّال:
_________
(1) لأنه يصير مأوى الشياطين بمجرد إعداده، ففيه تعرض للوسواس، وإن لم يكن تنجس برشاش. والخلاصة: أنه يكره الوضوء في مكان نجس: لأنه طهارة، أو فيما شأنه النجاسة، لئلا يتطاير عليه شيء مما يتقاطر من أعضائه ويتعلق به النجاسة.
(2) أما الاستعانة بإحضار الماء فلا بأس بها وتركها أفضل، والاستعانة بغسل الأعضاء مكروهة (مغني المحتاج: 1/ 61).
(3) روى ابن ماجه من حديث ابن عباس «كان النبي صلّى الله عليه وسلم لايكل طهوره إلى أحد، ولاصدقته التي يتصدق بها إلى أحد، ويكون هو الذي يتولاها بنفسه» وهو حديث ضعيف.
(4) متفق عليه بين الشيخين (نيل الأوطار: 1/ 175).

(1/404)

«صببت الماء على النبي صلّى الله عليه وسلم في السفر والحضر في الوضوء» (1) وقد دل هذان الحديثان على جواز الاستعانة بالغير، وبهما أخذ الحنابلة فقالوا بالإباحة.
5ً - تحريك الخاتم الواسع؛ مبالغة في الغسل، وروي عن أبي رافع: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان إذا توضأ حرَّك خاتمه» (2). ويندب أيضاً تحريك الخاتم الضيق إن علم وصول الماء، وإلا فيفرض تحريكه. وقد بينت أنه عند المالكية: لا يجب تحريك الخاتم الضيق المأذون فيه.
6ً - كون المضمضة والاستنشاق باليد اليمنى لشرفها، والامتخاط باليسرى لامتهانها.
7ً - التوضؤ قبل دخول الوقت مبادرة للطاعة، لغير المعذور.
أما المعذور أو المتيمم فلا يندب له تعجيل الطهارة عند الحنفية، ويجب تأخيرها لما بعد دخول الوقت عند الجمهور.
8ً - إدخال الخنصر المبلولة في صماخ الأذنين؛ مبالغة في التنظيف.
9ً - مسح الرقبة بظهر يديه، لا الحلقوم عند الحنفية (3)؛ لما روي عن ليث عن طلحة بن مُصرِّف عن أبيه عن جده أنه رأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القَذَال، وما يليه من مُقَدَّم العنق» (4).
_________
(1) رواه ابن ماجه، وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير، قال ابن حجر: وفيه ضعف (نيل الأوطار: 1/ 175 مكرر).
(2) رواه ابن ماجه والدارقطني، وهو ضعيف (نيل الأوطار: 1/ 153).
(3) هذا هو الراجح الصحيح، وعده صاحب مراقي الفلاح تبعاً للبحر الرائق من سنن الوضوء (انظر الدر المختار: 1/ 115).
(4) رواه أحمد، وهو ضعيف (نيل الأوطار: 1/ 163) والقذال: ما بين الأذنين من مؤخر الرأس.

(1/405)

وقال جمهور الفقهاء: لا يندب مسح الرقبة، بل يكره؛ لأنه من الغلو في الدين.
10ً- إطالة الغرة والتحجيل:
إطالة الغرة: بغسل زائد على الواجب من الوجه من جميع جوانبه، وغايتها: غسل صفحة العنق مع مقدمات الرأس.
والتحجيل: بغسل زائد على الواجب من اليدين والرجلين من جميع الجوانب، وغايته استيعاب العضدين والساقين.
وهذا مندوب عند الجمهور، لخبر الصحيحين: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل» وخبر مسلم: «أنتم الغُرُّ المحجَّلُون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غُرَّته وتحجيله» (1).
وقال المالكية: لا تندب إطالة الغرة: وهي الزيادة في غسل أعضاء الوضوء على محل الفرض، بل يكره، لأنه من الغلو في الدين، وإنما يندب دوام الطهارة والتجديد، ويسمى ذلك أيضاً إطالة الغرة، كما حمل عليه الحديث السابق: «من استطاع منكم أن يطيل غرته» فقد حملوا الإطالة على الدوام، والغرة على الوضوء. فيتلخص أن إطالة الغرة له معنيان: الزيادة على المغسول، وإدامة الوضوء، الأول مكروه، والثاني مطلوب عندهم.
11ً - ترك التنشيف بالمنديل عند الحنفية والحنابلة وفي الأصح عند
_________
(1) نيل الأوطار: 1/ 152.

(1/406)

الشافعية: إبقاء لأثر العبادة، ولأنه صلّى الله عليه وسلم «بعد غسله من الجنابة أتته ميمونة بمنديل، فرده، وجعل يقول بالماء: هكذا، ينفضه» (1).
وقال المالكية: المسح بالمنديل جائز، لحديث قيس بن سعد، قال: «زارنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم في منزلنا، فأمر له سعد بغُسْل، فوُضع له فاغتسل، ثم ناوله مِلْحفة مصبوغة بزعفران، أو وَرَس، فاشتمل بها» (2).
وعبارة الحنابلة: يباح للمتطهر تنشيف أعضائه (3)، وتركه أفضل. وهذا هو الراجح.
12ً - ترك النفض للماء في الأصح عند الشافعية والحنابلة؛ ويكره النفض عند بعض الحنابلة، وخلاف الأولى عند الشافعية، لحديث أبي هريرة: «إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان» (4)، والأظهر عند الحنابلة أنه لا يكره وفاقاً للأئمة الثلاثة.
13ً - تقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء، لأن الإسراف في الماء مكروه.
14ً - جعل الإناء المفتوح كالقَصْعة والطَّست عن يمين المتطهر، لأنه أعون في التناول.
_________
(1) رواه الشيخان، قال الشافعية: ولا دليل في ذلك لإباحة النفض، فقد يكون فعله صلّى الله عليه وسلم لبيان الجواز (مغني المحتاج: 1/ 61).
(2) رواه أحمد وابن ماجه وأبو داود والنسائى. والغسل بضم الغين: اسم للماء الذي يغتسل به (نيل الأوطار: 1/ 175 مكرر) اختلف في وصله وإرساله وذكره النووي في فصل الضعيف.
(3) لما رواه ابن ماجه والطبراني في الصغير عن سلمان: أن النبي صلّى الله عليه وسلم «توضأ، ثم قلب جبة كانت عليه، فمسح بها وجهه»
(4) رواه المعمري وغيره من رواية البحتري بن عبيد، وهو متروك.

(1/407)

15ً - الإتيان بالشهادتين والدعاء بعد الوضوء.
قال الحنابلة: وكذا بعد الغسل.
وهو أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمد ك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إ ليك. ويسن الصلاة والسلام بعد الوضوء على النبي صلّى الله عليه وسلم، فيقول: اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد.
والنطق بالشهادتين لخبر مسلم وأبي داود وابن ماجه عن عمر مرفوعاً: «مامنكم من أحد يتوضأ فيبلِّغ، أو فيسبغ الوضوء (أي يتمه)، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء».
وزاد الترمذي على مسلم: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» وزاد فيه أيضاً: «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين» ورواه أحمد وأبو داود.
وروى النسائي والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري: «من توضأ ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، كتب في رَقّ ثم طبع بطابَع (خاتم)، فلم يكسر إلى يوم القيامة» أي لم يتطرق إليه إبطال.
قال السامري: ويقرأ سورة القدر ثلاثاً.
وأما الدعاء عند غسل الأعضاء فلا أصل له في كتب الحديث، كما قال

(1/408)

النووي رحمه الله. واستحبه الحنفية (1)، والمالكية (2)، وأباحه بعض الشافعية.

صفة وضوء النبي صلّى الله عليه وسلم: أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه: قال حُمْرانُ مولى عثمان: «إن عثمان دعا بإناء (3)،فأفرغ على كفّيه ثلاث مرار، فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء، فمضمض، واستَنْثَر (4)، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين. ثم قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يُحدِّثُ (5) فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه» (6).
_________
(1) فيقول عند غسل الكفين: (اللهم احفظ يدي من معاصيك كلها)، وعند المضمضة: (اللهم أعني على تلاوة القرآن وذكرك وشكرك وحسن عبادتك) وعند الاستنشاق: (بسم الله، اللهم أرحني رائحة الجنة ولا ترحني رائحة النار) وعند غسل الوجه: (اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) وعند غسل اليد اليمنى: (اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً) وعند اليسرى: (اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري) وعند مسح الرأس: (اللهم حرم شعري وبشري على النار) وعند مسح الأذنين: (اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) وعند غسل الرجلين: (اللهم ثبِّت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام) وأباح بعض الشافعية الدعاء بهذه الأدعية.
(2) قالوا: يكره الكلام حال الوضوء بغير ذكر الله تعالى، وورد أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يقول حال الوضوء: «اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي، وقنعني بما رزقتني، ولا تفتني بما زويت عني» رواه الترمذي عن أبي هريرة (الشرح الصغير:127/ 1).
(3) وفي رواية «دعا بوَضوء» الوضوء بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به. وبضم الواو: الفعل نفسه، وهو من الوضاءة: الحُسْن.
(4) أو في رواية: «واستنشق واستنثر َ» وهو الاستنشاق.
(5) لايحدث: أي بشيء من أمور الدنيا.
(6) جامع الأصول:76/ 8.

(1/409)

خلاصة المذاهب في سنن الوضوء وآدابه:
1 ً - مذهب الحنفية (1):
أـ سنن الوضوء سبع عشرة:
غسل اليدين إلى الرسغين، والتسمية والسواك في ابتداء الوضوء، والمضمضة ثلاثاً ولو بغرفة، والاستنشاق بثلاث غرفات، والمبالغة في المضمضة والاستنشاق لغير الصائم، وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، وتخليل الأصابع، وتثليث الغسل، واستيعاب الرأس بالمسح مرة، ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، والدلك، والولاء، والنية، والترتيب كما نص الله تعالى في كتابه، والبداءة بالميامن ورؤوس الأصابع ومقدم الرأس.
ب ـ آداب الوضوء خمسة عشر:
مسح الرقبة لا الحلقوم، الجلوس في مكان مرتفع، واستقبال القبلة، وعدم الاستعانة بغيره، وعدم التكلم بكلام الناس، والجمع بين نية القلب وفعل اللسان، والدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو، وإدخال خنصره في صماخ أذنيه، وتحريك خاتمه الواسع، والمضمضة والاستنشاق باليد اليمنى، والامتخاط باليسرى، والتوضؤ قبل دخول الوقت لغير المعذور، والإتيان بالشهادتين بعده، وأن يشرب من فضل الوضوء قائماً، وأن يقول: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. ومن آدابه قراءة سورة القدر (2) وصلاة ركعتين في غير وقت الكراهة (3) ومن الآداب: تعاهد موقية وكعبيه وعرقوبيه وإخمصيه.
_________
(1) مراقي الفلاح: ص10 - 13، الدر المختار: 1/ 95 - 122.
(2) الأحاديث وردت فيها، لكن قال ابن حجر: لم يثبت منها شيء عن النبي صلّى الله عليه وسلم لا من قوله ولا من فعله.
(3) لما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما: «ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة».

(1/410)

2ً - مذهب المالكية (1):
أ - سنن الوضوء ثمان:
غسل اليدين مرة إلى الكوعين أولاً قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة، والاستنشاق بثلاث غرفات لكل منهما ومبالغة فيهما للمفطر، ولا بد لهذه السنن الثلاث من نية بأن ينوي بها سنن الوضوء، أو ينوي عند غسل يديه أداء الوضوء، والاستنثار (دفع الماء من الأنف)، ومسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما مرة واحدة، وتجديد الماء لهما، ورد مسح الرأس إن بقي بيده بلل من أثر المسح الواجب لرأسه، وترتيب فرائضه الأربعة بتقديم غسل الوجه على اليدين، ثم مسح الرأس، ثم غسل الرجلين، فإن قدم فرضاً على موضعه المشروع له، أعاده وحده مرة ولا يعيد ما بعده. والمعتمد في ترك سنة ندب الإعادة دون ما بعدها، سواء طال الترك أو لا، لكن من ترك فرضاً من فرائض الوضوء أو الغسل غير النية، أو ترك لمعة (بقعة) أتى به وبما بعده من الأعضاء إن لم يطل الترك، فإن طال بطل كل الفرض لعدم الموالاة الواجبة.
ب ـ فضائل الوضوء عشر:
أي خصاله وأفعاله التي يثاب عليها ولا يعاقب على تركها: إيقاع الوضوء موضع طاهر بالفعل وشأنه الطهارة، واستقبال القبلة، والتسمية بأن يقول عند غسل يديه إلى كوعيه: بسم الله، وتقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء (2)، وتقديم اليد أو الرجل اليمنى على اليسرى، وجعل الإناء المفتوح
_________
(1) الشرح الصغير: 1/ 117 - 124، الشرح الكبير: 1/ 96 - 106.
(2) ولا تحديد في التقليل لاختلاف الأعضاء والناس، بل بقدر ما يجري على العضو، وإن لم يتقاطر منه.

(1/411)

كالقصعة والطست لجهة اليد اليمنى، والبدء في الغسل أو المسح بمقدم العضو، والغسلة الثانية والثالثة في السنن والفرائض حتى في الرِّجْل، وترتيب السنن مع بعضها أو مع الفرائض، واستياك ولو بأصْبُع.

3ً - مذهب الشافعية (1):
سنن الوضوء حوالي ثلاثين: السواك عرضاً بكل خشن لا أصبُعه في الأصح لغير صائم بعد الزوال، والتسمية مقرونة بالنية مع أول غسل الكفين (2)، والتلفظ بالنية واستصحابها، وغسل الكفين: فإن لم يتيقن طهرهما كره غمسهما في مائع أو ماء قليل قبل غسلهما ثلاث مرات، والمضمضة، والاستنشاق، والأفضل ـ في الأظهر كما رجح النووي خلافاً للرافعي ـ الجمع بينهما بثلاث غرفات يتمضمض من كل غرفة ثم يستنشق بباقيها، والمبالغة فيهما لغير الصائم، وتثليث كل من الغسل والمسح والتخليل والدلك والسواك (3)، ومسح جميع رأسه أو بعضه ويتم على العمامة، ثم مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما وصماخيه بماء جديد.
وتخليل اللحية الكثة وأصابع اليدين بالتشبيك وأصابع الرجلين بخنصر اليسرى من أسفل خنصر الرجل اليمنى إلى خنصر اليسرى، والتتابع (الموالاة) والتيامن، وإطالة غرته وتحجيله، وترك النفض والاستعانة بالصب إلا لعذر والتنشيف في الأصح، وتحريك الخاتم (4)، والبداءة بأعلى الوجه، والبداءة في اليد
_________
(1) مغني المحتاج: 1/ 55 - 62، الحضرمية: ص 11 - 13، وفي بعض الكتب مثل بجيرمي الخطيب، 1/ 139: سنن الوضوء عشر.
(2) فإن ترك التسمية في أول الوضوء ولو عمداً، أتى بها قبل فراغه، فيقول: بسم الله في أوله وآخره، كما في الأكل والشرب.
(3) ويأخذ الشاك باليقين وجوباً في الواجب وندباً في المندوب، وتكره الزيادة على الثلاث.
(4) فإن لم يصل الماء إلى ما تحته إلا بالتحريك وجب.

(1/412)

والرجل بالأصابع (1)، ودلك العضو، ومسح المأقين (طرفي العين مما يلي الأنف) (2) واستقبال القبلة، ووضع الإناء في حالة الاغتراف فيه عن يمينه إن كان واسعاً، فإن صب منه وضعه عن يساره، وألا ينقص ماء الوضوء عن مُدّ (675غم).
وألا يتكلم في جميع وضوئه إلا لمصلحة، ولا يلطم وجهه بالماء، ولا يمسح الرقبة، وأن يقول بعده: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، ويسن أن يقول بعده: وصلى الله وسلم على محمد وآل محمد، ويقرأ سورة القدر، ويصلي ركعتين.

4ً - مذهب الحنابلة (3):
جملة سنن الوضوء حوالي عشرين: استقبال القبلة، والسواك عند المضمضة، وغسل الكفين ثلاثاً لغير قائم من نوم ليل، ويجب ذلك للمستيقظ ليلاً، والبداءة قبل الوجه بالمضمضة، ثم الاستنشاق، والمبالغة فيهما لغير صائم، والمبالغة في سائرالأعضاء لصائم وغيره، والاستنثار باليسار، وتخليل أصابع اليدين والرجلين، وتخليل شعر اللحية الكثيفة في الوجه، والتيامن حتى بين الكفين للقائم من نوم الليل، وبين الأذنين، ومسح الأذنين بعد الرأس بماء جديد، ومجاوزة موضع الفرض، والغسلة الثانية والثالثة، وتقديم النية على مسنونات الوضوء، واستصحاب ذكرها إلى آخر الوضوء، وغسل باطن الشعور الكثيفة في
_________
(1) فإن صب عليه غيره بدأ بالمرفق والكعب.
(2) بالسبابتين إن لم يكن بهما نحو رمص وإلا وجب.
(3) كشاف القناع: 1/ 118 - 122، المغني 1/ 118،139 - 142.

(1/413)

الوجه غير اللحية، وأن يزيد في ماء الوجه؛ لأن فيه غضوناً وشعوراً، ودواخل وخوارج ليصل الماء إلى جميعه، وأن يتولى وضوءه بنفسه من غير معاونة، ويباح للمتطهر تنشيف أعضائه وتركه أفضل، ووضع الإناء الواسع عن يمينه ليغترف منه، وترك نفض الماء، ولا يكره فعله في الأظهر وفاقاً للأئمة الثلاثة، والدعاء (السابق عند الشافعية) عقب فراغه من الوضوء بعد رفع بصره إلى السماء (1)، وكذا يدعو به بعد الغسل.

المطلب السادس ـ مكروهات الوضوء:
المكروه عند الحنفية نوعان: مكروه تحريماً: وهو ما كان إلى الحرام أقرب، وتركه واجب. وهو المراد عندهم حالة الإطلاق.
ومكروه تنزيهاً: وهو ما كان تركه أولى من فعله، أي خلاف الأولى. وكثيراً ما يطلقونه.
وعلى هذا إذا ذكروا مكروهاً فلا بد من النظر في دليله، فإن كان نهياً ظنياً يحكم بكراهة التحريم إلا لصارف عن التحريم إلى الندب. وإن لم يكن الدليل نهياً بل كان مفيداً للترك غير الجازم، فهي تنزيهية.
ولم يفرق الجمهور غير الحنفية بين نوعي الكراهة، ويراد بها عندهم التنزيهية. ويكره للمتوضئ (2) ضد ما يستحب من الآداب (3) وأهمها ما يأتي:
_________
(1) روى حديث الدعاء أحمد وأبو داود، كما تقدم، وفي بعض رواياته: «فأحسن الوضوء، ثم رفع نظره إلى السماء».
(2) الدر المختار: 1/ 121 - 123، مراقي الفلاح: ص13، الشرح الصغير:126/ 1 - 129، الشرح الكبير: 1/ 126، الحضرمية: ص14، كشاف القناع:118/ 1 - 120.
(3) حصر الشافعية المكروه في ترك السنة المؤكدة والمختلف فيها، أما ترك غيرهما فخلاف الأولى.

(1/414)

1ً - الإسراف في صب الماء: بأن يستعمل منه فوق الحاجة الشرعية أو ما يزيد عن الكفاية. وهذا إذا كان الماء مباحاً أو مملوكاً للمتوضئ، فإن كان موقوفاً على الوضوء منه كالماء المعد للوضوء في المساجد، فالإسراف فيه حرام.
ودليل الكراهة: ما أخرج ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم مرَّ بسعد، وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ فقال: نعم، وإن كنت على نهر جار» ومن الإسراف: الزيادة على الثلاث في الغسلات وعلى المرة الواحدة في المسح عند الجمهور غير الشافعية لحديث عمرو بن شعيب السابق: «فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وتعدى وظلم» (1).
والكراهة تنزيهية حتى عند الحنفية إلا إذا اعتقد أن ما زاد على الغسلات الثلاث من أعمال الوضوء، فتكون الكراهة حينئذ تحريمية عندهم. وذكر ابن عابدين: أن الكراهة مطلقاً تنزيهية، فإن زاد للنظافة أو للطمأنينة ونحوها فلا كراهة.
وكذا يكره تنزيهاً التقتير بجعل الغسل مثل المسح: (وهو أن يكون تقاطر الماء عن العضو المغسول غير ظاهر) لأن السنة إسباغ الوضوء، والتقتير ينافيه.

2ً - لطم الوجه أو غيره بالماء: والكراهة تنزيهية؛ لأنه يوجب انتضاح الماء المستعمل على ثيابه، وتركه أولى، وهو أيضاً خلاف التؤدة والوقار، فالنهي عنه من الآداب.
3ً - التكلم بكلام الناس: والكراهة تنزيهية؛ لأنه يشغله عن الأدعية. وعند الشافعية: خلاف الأولى.
_________
(1) هذه رواية النسائي، ومعناها: أنه أخطأ طريق السنة.

(1/415)

4ً - الاستعانة بالغير بلا عذر: لحديث ابن عباس السابق: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم لا يكل طهوره إلى أحد ... » (1). وقد عرفنا أن الثابت في السنة جواز المعاونة في الوضوء، لكن قد حمل ذلك على حالة العذر، ولأن الضرورات تبيح المحظورات.
5ً - التوضؤ في موضع نجس: لئلا يتنجس منه، وزاد الحنفية: التوضؤ بفضل ماء المرأة، أو في المسجد إلاّ في إناء أوفي موضع أعد لذلك خشية تلويث المسجد بآثار الماء. وقال الحنابلة (2): تكره إراقة ماء الوضوء وماء الغسل في المسجد، أوفي مكان يداس فيه كالطريق تنزيهاً لماء الوضوء؛ لأن له حرمة وأنه أثر عبادة. ويباح الوضوءوالغسل في المسجد اذا لم يؤذ به أحداً ولم يؤذ المسجد؛ لأن المنفصل منه طاهر.
6ً - مسح الرقبة بالماء: عند الجمهور غير الحنفية؛ لأنه غلو في الدين وتشديد. قال الشافعية: ولا يسن مسح الرقبة إذ لم يثبت فيه شيء، قال النووي: بل هو بدعة. وكذلك قال المالكية: إنه بدعة مكروهة (3).
7ً - مبالغة الصائم في المضمضة والاستنشاق مخافة أن يفسد صومه.
8ً - ترك سنة من سنن الوضوء، السابق بيانها في المذاهب. قال الحنابلة مثلاً: يكره لكل أحد أن ينتثر وينقي أنفه ووسخه ودرنه ويخلع نعله ويتناول الشيء من يد غيره، ونحو ذلك بيمينه، مع القدرة على ذلك بيساره، مطلقاً (4).
_________
(1) أخرجه ابن ماجه والدارقطني، وهو ضعيف (نيل الأوطار: 1/ 176) ومثله قوله صلّى الله عليه وسلم لعمر وقد بادر ليصب الماء على يديه: «أنا لا أستعين في وضوئي بأحد» قال النووي في شرح المهذب: هذا حديث باطل لا أصل له.
(2) كشاف القناع: 1/ 120، المغني: 1/ 143.
(3) مغني المحتاج: 1/ 60، الشرح الصغير: 1/ 128.
(4) كشاف القناع: 1/ 118.

(1/416)

9ً - الوضوء بفضل طهور المرأة إذا استقلت به: قال الحنابلة في المشهور عن أحمد (1): يكره ولا يجوز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة إذا خَلَت به (استقلت)، فإن اشترك الرجل معها فلابأس. بدليل «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» (2) لأن جماعة من الصحابة كرهوا ذلك، فقالوا: إذا خلت بالماء فلا يتوضأ منه.
وقال أكثر العلماء: يجوز الوضوء به للرجال والنساء، لما روى مسلم في صحيحه وأحمد عن ابن عباس، قال: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يغتسل بفضل وضوء ميمونة» (3) وقالت ميمونة: «اغتسلت من جفنة (4)، ففضلت فيها فضلة، فجاء النبي صلّى الله عليه وسلم يغتسل، فقلت: إني قد اغتسلت منه، فقال: الماء ليس عليه جنابة» (5) ولأنه ماء طهور جاز للمرأة الوضوء به، فجاز للرجل كفضل الرجل. وهذا هو الأصح، ويحمل النهي على الكراهة التنزيهية بقرينة أحاديث الجواز.

10ً - الماء الساخن والماء المشمس: قال الشافعية: يكره تنزيهاً التطهير بماء شديد السخونة وشديد البرودة، والمشمس في جهة حارة في إناء منطبع (أي ممتد تحت المطرقة من حديد ونحاس) في بدن دون ثوب، لناحية طبية لأنه يورث البرص ظناً، ولم يحرم لندرة ترتبه عليه. وتزول الكراهة بالتبريد.
_________
(1) المغني: (1/ 214) وما بعدها، المهذب: (1/ 31).
(2) رواه الخمسة عن الحَكَم بن عمرو الغفاري، إلا أن ابن ماجه والنسائي قالا: «وضوء المرأة» وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال النووي: اتفق الحفاظ على تضعيفه، قال ابن حجر: وقد أغرب النووي بذلك، وله شاهد عند أبي داود والنسائي (نيل الأوطار:25/ 1).
(3) لكن مع كونه في صحيح مسلم أعله قوم (نيل الأوطار: 1/ 26).
(4) الجفنة وعاء كالقَصْعة.
(5) رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، بلفظ: «يا رسول الله، إني كنت جُنُباً، فقال: إن الماء لا يُجنَب» أي من أجنب، وفي نسخة لايَجْنب من جَنُب. (نيل الأوطار: 1/ 26) وروى أحمد وابن ماجه عن ميمونة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ بفضل غسلها من الجنابة».

(1/417)

المطلب السابع ـ نواقض الوضوء:
النواقض جمع ناقضة وناقض، والنقض: إذا أضيف إلى الأجسام كنقض الحائط: يراد به إبطال تأليفها. وإذا أضيف إلى المعاني كالوضوء: يراد به إخراجها عن إقامة المطلوب بها، والمعنى الثاني هو المراد هنا، فمعنى ناقض الوضوء: إخراجه عن إفادة المقصود منه، كاستباحة الصلاة بالوضوء.
والنواقض أو المعاني الناقضة للوضوء المبطلة حكمه متفق على الكثير منها، مختلف في بعضها.
وهي عند الحنفية اثنا عشر ناقضاً، والمالكية: ثلاثة أنواع، والشافعية: خمسة أشياء، والحنابلة: ثمانية أنواع، وهي ما يأتي (1):

1ً - كل خارج من أحد السبيلين: معتاد كبول أو غائط أو ريح أو مذي أو ودي (2) أو مني، أو غير معتاد: كدودة وحصاة ودم قليلاً كان الخارج أو كثيراً، لقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} [المائدة:6/ 5]، كناية عن الحدث من بول أو غائط، ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، فقال رجل من أهل حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاء أو ضراط» (3) وقوله عليه السلام: «لا وضوء إلا من صوت أو ريح» (4)، ولأن الخارج غير المعتاد
_________
(1) فتح القدير: 1/ 24 - 37، تبيين الحقائق: 1/ 7 - 12، البدائع: 1/ 24 - 33، الدر المختار:124/ 1 - 138، اللباب: 1/ 17 - 20، مراقي الفلاح: ص14 وما بعدها، الشرح الصغير:135/ 1 - 148، الشرح الكبير: 1/ 114 - 116، القوانين الفقهية: ص24وما بعدها، المهذب: 1/ 22 - 25، حاشية الباجوري: 1/ 69 - 74، المجموع: 2/ 3 - 68، كشاف القناع:138/ 1 - 148، بداية المجتهد: 1/ 33 - 39، المغني:168/ 1 - 196.
(2) الودي: ماء أبيض خاثر يخرج بأثر البول. والمذي: هو ماء أبيض رقيق يخرج عند الالتذاذ.
(3) متفق عليه من حديث أبي هريرة (نيل الأوطار: 1/ 185).
(4) رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة، قال عنه النووي: حديث صحيح، ولكن رمز له السيوطي بالضعف ورواه مسلم بلفظ آخر: «إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (نيل الأوطار: 1/ 188).

(1/418)

خارج من السبيل، فأشبه المذي، ولأنه لا يخلو من بَلَّة تتعلق به، فينتقض الوضوء بها، وقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلم المستحاضة بالوضوء لكل صلاة، ودمها خارج غير معتاد (1).
واستثنى الحنفيةفي الأصح: ريح القبل فهو غير ناقض؛ لأنه اختلاج لا ريح، وإن كان ريحاً فهو لا نجاسة فيه. وغير الحنفية لم يستثنوا ذلك، للحديث السابق «أو ريح» فهو شامل للريح من القبل. والحق أنه كما قال ابن قدامة في المغني: «لا نعلم لهذا الريح وجوداً ولا نعلم وجوده في حق أحد».
واستثنى المالكية الخارج غير المعتاد من المخرج في حالة الصحة، كالدم والقيح والحصى والدود، والريح أو الغائط من القبل، والبول من الدبر، والمني بغير لذة معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة فأمنى، فلا ينقض حتى ولو كان مع الحصى والدود أذى (أي بول أو غائط) بخلاف غيرهما، فلو خرج مع الدم والقيح أذى انتقض الوضوء (2). وكذا لا ينتقض الوضوء إن خرج شيء من ثقب إلا إذا كان تحت المعدة وانسد المخرجان المعتادان، فلا ينقض الوضوء بول أو غائط أو ريح من ثقبة فوق المعدة، سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو لا، أما الخارج من ثقبة تحت المعدة، فإنه ينقض بشرط انسداد المخرجين لأنه صار بمنزلة الخارج من المخرجين نفسهما.
ولا ينتقض الوضوء عندهم بخروج شيء من السَّلَس الذي يلازم صاحبه
_________
(1) روى أبو داود والدارقطني بإسناد موثوق عن عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش: «أنها كانت تستحاض، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم فقال: إذا كان دم الحيض، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو دم عرق» فأمرها بالوضوء، ودمها غير معتاد، فيقاس عليه ما سواه، طاهراً كان الخارج كولد بلا دم، أو نجساً كالبول ونحوه.
(2) والمشهور عند ابن رشد: أنه لا نقض بهما مطلقاً كالحصى والدود.

(1/419)

نصف الزمن فأكثر، وإلا نقض. والسلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً. ودم الاستحاضة من السلس. وهذا في غير المستحاضة إذا لم ينضبط ولم يقدر على التداوي، فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت أو أوله، وجب عليه الصلاة حينئذ، وإن قدر على التداوي وجب عليه التداوي.
واستثنى الشافعية: مني الشخص نفسه، فإنه لا ينقض؛ لأنه أوجب أعظم الأمرين وهو الغسل.
لكن ينتقض الوضوء عندهم بالخارج من مخرج انفتح دون المعدة، وانسد المخرج المعتاد لأنه صار هو المخرج المعتاد، أي كما قال المالكية. فإن لم ينسد المخرج المعتاد فالأصح أنه لا ينقض، سواء أكان المخرج تحت المعدة أم فوقها.
واستثنى الحنابلة: صاحب الحدث الدائم، لا يبطل وضوءه بالحدث الدائم قليلاً كان الخارج أو كثيراً، نادراً كان أو معتاداً للحرج والمشقة. أما غير صاحب الحدث الدائم فينقض ما خرج منه من بول أو غائط، قليلاً كان أو كثيراً، من تحت المعدة أو فوقها، سواء أكان السبيلان مفتوحين أم مسدودين لعموم الآية والحديث السابق. وأضاف الحنابلة: أنه لو احتمل المتوضئ في قُبُل أو دُبُر قطناً أو ميلاً، ثم خرج ولو بلا بلل، نقض، وكذا لو قطر في إحليله دهناً أو غيره من المائعات ثم خرج نقض، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة نقض.

2ً - الولادة من غير رؤية دم، والصحيح عند الحنفية قول الصاحبين أن المرأة لا تكون حينئذ نفساء لتعلق النفاس بالدم ولم يوجد، وإنما عليها الوضوء للرطوبة. وقال أبو حنيفة: عليها الغسل احتياطاً لعدم خلوه عن قليل دم غالباً.

(1/420)

3ً - الخارج من غير السبيلين كالدم والقيح والصديد (1): ناقض بشرط سيلانه عند الحنفية إلى موضع يلحقه حكم التطهير وهو ظاهر الجسد: أي يجب تطهيره في الجملة، ولو ندباً كسيلان الدم داخل الأنف. والسيلان: أن يتجاوز موضع خروجه بأن يعلو على رأس الجرح ثم ينحدر إلى أسفل، فليس في النقطة والنقطتين وضوء، وليس في أثر الدم بسبب عض شيء أو استياك وضوء. كما لا وضوء من دم يخرج من موضع لا يلحقه حكم التطهير كالخارج من جرح في العين أو في الأذن أو الثدي أوالسرة، ثم يسيل إلى الجانب الآخر منها.
وبشرط كونه كثيراً عند الحنابلة، والكثير: ما كان فاحشاً بحسب كل إنسان، أي أنه يراعى حالة الجسم نحافة وضخامة، فلو خرج دم من نحيف مثلاً وكان كثيراً بالنسبة إلى جسده، نقض، وإلا فلا، لقول ابن عباس: «الفاحش: ما فحش في قلبك».
ودليل الحنفية: قوله صلّى الله عليه وسلم: «الوضوء من كل دم سائل» (2) وقوله عليه السلام: «من قاء أو رعف في صلاته، فلينصرف، وليتوضأ، وليبن ـ يكمل ـ على صلاته ما لم يتكلم» (3) وقوله أيضاً: «ليس في القطرة ولا في القطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون دماً سائلاً» (4).
_________
(1) القيح: دم نَضِج حتى ابيضَّ وخثر. والصديد: هو قيح ازداد نضجاً حتى رَقَّ، أو هو ماء الجرح الرقيق المختلط بالدم.
(2) روي من حديث تميم الداري عند الدارقطني، وفيه مجهولان، ومن حديث زيد بن ثابت عند ابن عدي في الكامل، وفيه من لا يحتج بحديثه (نصب الراية: 1/ 37).
(3) روي من حديث عائشة عند ابن ماجه، وهو حديث صحيح، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند الدارقطني، وهو معلول براو فيه (نصب الراية: 1/ 38، نيل الأوطار:187/ 1).
(4) أخرجه الدارقطني، من حديث أبي هريرة مرفوعاً، قال الحافظ ابن حجر: وإسناده ضعيف جداً. وفيه متروك (نيل الأوطار: 1/ 189، نصب الراية: 1/ 44).

(1/421)

ودليل الحنابلة حديث فاطمة بنت أبي حبيش السابق عند الترمذي: «إنه دم عرق، فتوضئي لكل صلاة» ولأن الدم ونحوه نجاسة خارجة من البدن، فأشبه الخارج من السبيل.
وأما كون القليل من ذلك لا ينقض، فلمفهوم قول ابن عباس: في الدم: «إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة» وعصر ابن عمر بثرة، فخرج الدم، فصلى ولم يتوضأ، وابن أبي أوفى عصر دملاً، وغيرهما (1).
وقرر المالكية والشافعية: عدم نقض الوضوء بالدم ونحوه، بدليل حديث أنس، قال: «واحتجم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه» (2).
وحديث عباد بن بشر: «أنه أصيب بسهام، وهو يصلي، فاستمر في صلاته» (3) ويبعد ألا يطلع النبي صلّى الله عليه وسلم على مثل هذه الواقعة العظيمة، ولم ينقل أنه أخبره بأن صلاته قد بطلت.

4ً - القيء: الخلاف فيه كالخلاف في الدم ونحوه من الخارج من غير السبيلين، على اتجاهين:
الأول ـ للحنفية والحنابلة: أنه ينقض الوضوء، إذا كان بملء الفم عند الحنفية: وهو ما لا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف، على الأصح. وإذا كان كثيراً فاحشاً عند الحنابلة: وهو ما فحش في نفس كل أحد بحسبه.
_________
(1) نيل الأوطار: 1/ 189.
(2) رواه الدارقطني والبيهقي، وهو ضعيف (نيل الأوطار: 1/ 189).
(3) ذكره البخاري تعليقاً، وأبو داود وابن خزيمة.

(1/422)

والقيء سواء أكان طعاماً أم ماء أم عَلَقًا (المراد به هنا الدم المتجمد الخارج من المعدة) أم مِرَّة (الصفراء). ولا ينقض البلغم من معدة أو صدر أو رأس، كالبصاق والنخامة، لأنها طاهرة تخلق من البدن. ولا ينقض الجشاء وهو الريح الذي يخرج من فم الرجل.
ودليلهم: حديث عائشة المتقدم: «من أصابه قيء أو رعاف أو قَلس، أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ، ثم ليَبْن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم» (1). والقلس: هو ما خرج من العلق ملء الفم أو دونه، وليس بقيء، وإن عاد فهو القيء.
وحديث أبي الدرداء: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم قاء، فتوضأ، فلقيت ثوبانَ في مسجد دمشق، فذكرت له ذلك، فقال: صدق، أنا صببت له وَضُوءه» (2).
والخلاصة: أن القيء ناقض للوضوء عند هؤلاء بقيود ثلاثة: كونه من المعدة، وكونه ملء الفم أو كثيراً، وكونه دفعة واحدة.
الاتجاه الثاني ـ للمالكية والشافعية: أنه لا ينقض الوضوء بالقيء؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قاء فلم يتوضأ (3)،وفي حديث ثوبان قال: «قلت: يا رسول الله، هل يجب الوضوء من القيء؟ قال: لو كان واجباً، لوجدته في كتاب الله» ولأنه خارج من غير المخرج، مع بقاء المخرج، فلم ينقض الطهارة كالبصاق. وأجابوا عن حديث أبي الدرداء بأن المراد بالوضوء: غسل اليدين.
_________
(1) رواه ابن ماجه والدارقطني، قال البيهقي: والصواب إرساله (نيل الأوطار: 1/ 187).
(2) رواه أحمد والترمذي، وقال: هو أصح شيء في الباب (نيل الأوطار: 1/ 186).
(3) رواه الدارقطني.

(1/423)

والظاهر لي: أن الخارج من غير السبيلين كالدم والقيء ينقض الوضوء إذا كان كثيراً فاحشاً أي كما قال الحنابلة، قياساً على الخارج النجس من السبيلين، إذ في الأحاديث كلها كلام، ولا تخلو من ضعف.

5ً - غيبة العقل أو زواله بالمخدرات أو المسكرات، أو بالإغماء أو الجنون، أو الصرع، أو بالنوم: هذا السبب وما بعده من لمس المرأة المشتهاة، ومس الذكر أو القبل أو الدبر، قد يترتب عليه غالباً خروج شيء من أحد السبيلين، فيكون ناقضاً للوضوء، لأن زائل العقل لا يشعر بحال، والنوم يذهب معه الحس، والجنون والإغماء ونحوهما أشد تأثيراً من النوم.
والدليل على أن النوم الثقيل أو غير اليسير ناقض للوضوء: قوله صلّى الله عليه وسلم من حديث علي: «العين وِكاء السَّهِ، فمن نام فليتوضأ» (1) وحديث معاوية «العين وكاء السه، فإذا نامت العينان، استطلق الوكاء» (2) والحديثان يدلان على أن النوم مظِنَّة للنقض، لا أنه بنفسه ناقض.

وقد اختلف الفقهاء على آراء في كون النوم ناقضاً للوضوء، ذكرها النووي في شرح مسلم (73/ 1) أختار منها رأيين متقاربين لا يختلفان إلا في بيان مدى عمق النوم الذي يعد دليلاً على خروج الريح، وهما ما يأتي:
الرأي الأول ـ للحنفية والشافعية: أن النوم الناقض للوضوء هو الذي لم تتمكن فيه المقعدة من الأرض، أو النوم مضطجعاً أو متكئاً أو منكباً على شيء؛
_________
(1) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. والوكاء: الخيط الذي يربط به الشيء، والسه: الدبر، والمعنى: اليقظة وكاء الدبر، أي حافظة ما فيه من الخروج لأنه ما دام مستيقظاً، أحس بما يخرج منه (نيل الأوطار: 1/ 192).
(2) رواه أحمد والدارقطني (المرجع السابق).

(1/424)

لأن الاضطجاع ونحوه سبب لاسترخاء المفاصل. فإن نام قاعداً ممكناً مقعدته من الأرض كأرض وظهر دابة سائرة، لم ينتقض وضوءه.
فإن كان مستنداً إلى شيء لو أزيل عنه لسقط، ولم يكن ممكناً مقعده من الأرض، انتقض وضوءه عند الحنفية؛ لأن الاسترخاء يبلغ نهايته بهذا النوع من الاستناد، ولم ينتقض عند الشافعية إذا كان ممكناً مقعده من الأرض، للأمن حينئذ من خروج شيء، فالحكم في المذهبين إذن واحد.
ولا ينتقض الوضوء عند الحنفية بالنوم حالة القيام والركوع والسجود في الصلاة وغيرها؛ لأن بعض الاستمساك باق، إذ لو زال لسقط، فلم يتم الاسترخاء.
ودليلهم: أحاديث، منها حديث ابن عباس: «ليس على من نام ساجداً وضوء، حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع، استرخت مفاصله» (1) وفي لفظ «لاوضوء على من نام قاعداً، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً فإن من نام مضطجعاً استرخت مفاصله» (2) وفي رواية للبيهقي: «لا يجب الوضوء على من نام جالساً أو قائماً أو ساجداً حتى يضع جنبه».
ومنها حديث أنس: «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء، فينامون قعوداً، ثم يصلون، ولا يتوضؤون» (3) وهويدل على أن يسير النوم لا ينقض الوضوء.
_________
(1) رواه أحمد وهو ضعيف (نيل الأوطار: 1/ 193).
(2) رواه أبو داود والترمذي والدارقطني، وهو ضعيف (المرجع السابق).
(3) رواه الشافعي وأبو داود ومسلم والترمذي وهو صحيح (المرجع السابق).

(1/425)

ومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من نام جالساً فلا وضوء عليه، ومن وضع جنبه فعليه الوضوء» (1). وروى مالك عن ابن عمر أنه كان ينام جالساً، ثم يصلي ولا يتوضأ.
وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أنه رأى النبي صلّى الله عليه وسلم نام وهو ساجد، حتى غَطَّ أو نفخ، ثم قام يصلي، فقلت: يا رسول الله، إنك قد نمت؟ قال: «إن الوضوء لا يجب إلا على من نام مضطجعاً، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله» (2).
قال الكمال بن الهمام: وأنت إذا تأملت فيما أوردناه لم ينزل عندك الحديث عن درجة الحسن (3).
الرأي الثاني ـ للمالكية والحنابلة: أن النوم اليسير أو الخفيف لا ينقض، والنوم الثقيل ينقض.
وعبارة المالكية: النوم الثقيل ولو قَصُر زمنه ناقض للوضوء، أما النوم الخفيف ولو طال زمنه فلا ينقض. والثقيل: ما لا يشعر صاحبه بالأصوات، أو بسقوط شيء بيده، أو سيلان ريقه ونحو ذلك، فإن شعر بذلك فنوم خفيف. ودليلهم حديث أنس المتقدم: «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة، حتى تخفُق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون».
وحديث ابن عباس، قال: «بتُّ عند خالتي ميمونة، فقام رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقمت إلى جنبه الأيسر، فأخذ بيدي، فجعلني عن شقه الأيمن، فجعلت إذا
_________
(1) أخرجه ابن عدي (نصب الراية: 1/ 45) وأخرج أيضاً البيهقي حديثاً مماثلاً عن حذيفة بن اليمان.
(2) نصب الراية: 1/ 44.
(3) فتح القدير: 1/ 33.

(1/426)

أغفَيت، يأخذ بشحمة أذُني، قال: فصلى إحدى عشرة ركعة» (1) في هذين الحديثين دلالة واضحة على أن النوم اليسير لا ينقض الوضوء.
وعبارة الحنابلة: النوم في جميع أحواله ناقض للوضوء إلا النوم اليسير عرفاً من جالس أو قائم، لحديثي أنس وابن عباس السابقين. والصحيح أنه لا حد للنوم القليل، وإنما مرجعه إلى ما جرت به العادة، فسقوط المتمكن وغيره ينقض الوضوء.
فإن نام وشك، هل نومه كثير أو يسير؟ اعتبر طاهراً لتيقنه الطهارة، وشكه في نقضها، وإن رأى رؤيا فهو نوم كثير. وينقض النوم اليسير من راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتَب (2) كمضطجع.
ومن لم يُغْلب على عقله، لم ينقض وضوءه؛ لأن النوم: الغلبة على العقل، ولأن الناقض زوال العقل، ومتى كان العقل ثابتاً، وحسه غير زائل، مثل من يسمع ما يقال عنده، ويفهمه، لم ينتقض وضوءه. والخلاصة: أن النوم مضطجعاً في الصلاة أو في غيرها غير ممكن مقعدته ناقض للوضوء بلا خلاف بين الفقهاء، وأن زوال العقل بأي سبب من إغماء أو جنون أو سكر ناقض للوضوء قياساً على النوم، وهو الحق.

6ً - لمس المرأة: ينتقض الوضوء عند الحنفية بلمس المرأة في حالة المباشرة الفاحشة، وعند المالكية والحنابلة بالتقاء بشرتي الرجل والمرأة في حال اللذة أو الشهوة. وعند الشافعية: بمجرد التقاء بشرتي الرجل والمرأة، اللامس والملموس، ولو بدون شهوة.
_________
(1) رواه مسلم (نيل الأوطار: 1/ 192) والإغفاء: النوم أو النعاس.
(2) جلسة الاحتباء: أن يجلس على مقعده ويرفع ركبتيه ويمسكهما بيديه.

(1/427)

وتفصيل آراء المذاهب فيما يأتي:
قال الحنفية: ينتقض الوضوء بالمباشرة الفاحشة: وهي التقاء الفرجين مع انتشار العضو بلا حائل يمنع حرارة الجسد، أو هي أن يباشر الرجل المرأة بشهوة وينتشر لها، وليس بينهما ثوب، ولم ير بللاً.
وقال المالكية: ينتقض الوضوء بلمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ به عادة ـ من ذكر أو أنثى ـ ولو كان الملموس غير بالغ، سواء كان اللمس لزوجته أو أجنبية أو محرماً، أو كان اللمس لظفر أو شعر، أو من فوق حائل كثوب، وسواء كان الحائل خفيفاً يحس اللامس معه بطراوة البدن، أو كان كثيفاً، وسواء كان اللمس بين الرجال أو بين النساء.
فاللمس بلذة ناقض، وكذا القبلة بالفم تنقض الوضوء مطلقاً، ولو بدون لذة؛ لأنها مظنة اللذة، أما القبلة في غير الفم فتنقض وضوء المقبِّل والمقبَّل إن كانا بالغين، أو البالغ منهما إن قبل من يشتهي، إن وجدت اللذة، ولو وقعت بإكراه أو استغفال. فالنقض باللمس مشروط بشروط ثلاثة: أن يكون اللامس بالغاً، وأن يكون الملموس ممن يشتهى عادة، وأن يقصد اللامس اللذة أو يجدها.
ولا ينقض الوضوء بلذة من نظر أو فكر ولو حدث انتصاب (إنعاظ) ما لم يلتذ بالفعل، ولا بلمس صغيرة لا تشتهى، أو بهيمة أو رجل ملتحي، إذ الشأن عدم التلذذ به عادة إذا كملت لحيته.
وقال الحنابلة في المشهور: ينقض الوضوء بلمس بشرة النساء بشهوة من غير حائل، وكان الملموس مشتهى عادة غير طفلة وطفل، ولو كان الملموس ميتاً، أو عجوزاً، أو مَحْرماً، أو صغيرة تشتهى: وهي بنت سبع سنين فأكثر، فلا فرق بين الأجنبية وذات المحرم والكبيرة والصغيرة.

(1/428)

ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن، ولا مس عضو مقطوع لزوال حرمته، ولا مس أمرد ولو بشهوة، ولا مس خنثى مشكل، ولا ينقض مس الرجل الرجل ولا المرأة المرأة ولو بشهوة. وإذا لم ينقض الوضوء بمس أنثى، فإنه يستحب.
والخلاصة: أن هذه المذاهب الثلاثة (الجمهور): لا ينتقض الوضوء لديها بمجرد التلامس العادي بين الرجل والمرأة.
الأدلة:
واستدلوا بما يأتي:
1 - قوله تعالى: {أو لا مستم النساء} [المائدة:6/ 5]، وحقيقة اللمس: ملاقاة البشرتين، أما الحنفية فأخذوا بما نقل عن ابن عباس ترجمان القرآن رضي الله عنهما: أن المراد من اللمس الجماع، وبما قال ابن السكيت: أن اللمس إذا قرن بالنساء يراد به الوطء، تقول العرب: لمست المرأة أي جامعتها، فيجب المصير في الآية إلى إرادة المجاز: وهو أن اللمس يراد به الجماع، لوجود القرينة وهي حديث عائشة الذي سيأتي.
وأما المالكية والحنبلية الذين قيدوا اللمس الناقض بما إذا كان لشهوة: فجمعوا بين الآية والأخبار الآتية عن عائشة وغيرها.
2 - حديث عائشة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يُقبِّل بعض أزواجه، ثم يصلِّي ولا يتوضأ» (1).
_________
(1) رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي، وهو مرسل، وضعفه البخاري، وكل طرقه معلولة، قال ابن حزم: لا يصح في الباب شيء، وإن صح فهو محمول على ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من المس (نيل الأوطار: 1/ 195).

(1/429)

3 - حديث عائشة أيضاً، قالت: «إن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليُصلّي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسَّني برجْله» (1) فيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، والظاهر أن مسها برجله كانَ من غير حائل.
4 - حديث عائشة أيضاً، قالت: «فَقَدْتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ليلةً من الفراش، فالتمسته، فوضعت يدي على باطن قدميه، وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، كما أثنيت على نفسك» (2) وهو يدل على أن اللمس غير موجب للنقض.
وقال الشافعية: ينقض الوضوء بلمس الرجل المرأة الأجنبية غير المحرم، ولو ميتة، من غير حائل بينهما، ينقض اللامس والملموس، ولو عجوزاً شوهاء أو شيخاً هرماً، ولو بغير قصد، ولا ينقض شعر وسن وظفر، أو لمس مع حائل.
والمراد بالرجل والمرأة: ذكر وأنثى بلغا حد الشهوة عرفاً، أي عند أرباب الطباع السليمة، والمراد بالمَحْرم: من حرم نكاحها لأجل نسب أو رضاع أو مصاهرة، فلا ينقض صغير أو صغيرة لا يشتهى أحدهما عرفاً غالباً لذوي الطباع السليمة، فلا يتقيد بابن سبع سنين أو أكثر، لاختلافه باختلاف الصغار والصغيرات، لانتفاء مظنة الشهوة. ولا ينقض مَحْرم بنسب، أو رضاع، أو مصاهرة كأم الزوجة لانتفاء مظنة الشهوة.
وسبب النقض: أنه مظنة التلذذ المثير للشهوة التي لا تليق بحال المتطهر.
_________
(1) رواه النسائي، قال ابن حجر: إسناده صحيح (نيل الأوطار: 1/ 196).
(2) رواه مسلم والترمذي وصححه والبيهقي (المرجع السابق، وانظرهذه الأحاديث في نصب الراية: 1/ 70 - 75).

(1/430)

ودليلهم: العمل بحقيقة معنى الملامسة في اللغة في الآية: {أو لامستم النساء} [المائدة:6/ 5]، وهو الجس باليد، أو ملاقاة البشرتين، أو لمس اليد، بدليل قراءة: {أو لمستم} [المائدة:6/ 5]، فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون جماع.
وأما حديث عائشة في التقبيل فهو ضعيف، ومرسل. وأما حديث عائشة في لمسها لقدمه صلّى الله عليه وسلم فمؤول بأن اللمس يحتمل أنه كان بحائل، أو أنه خاص بالنبي. لكن في هذا التأويل تكلف ومخالفة للظاهر.
ويبدو لي أن اللمس العارض أو الطارئ، أو الذي لا لذة أو لا شهوة فيه غير ناقض للوضوء، وأما اللمس الذي يصحبه الشهوة فهو ناقض، وهذا في تقديري أرجح الآراء.

7 ً - مس الفرج ـ القُبُل أو الدبر: لا ينتقض الوضوء عند الحنفية بمس الفرج، وينتقض به عند الجمهور، على تفصيل آتٍ، قال الحنفية: لا ينتقض الوضوء بمس الفرج أو الذكر، لحديث طَلْق بن علي: «الرجل يمس ذكره، أعليه وضوء؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: إنما هو بَضْعة منك، أو مضغة منك» (1).
ولما روي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت وعمران بن حصين، وحذيفة بن اليمان، وأبي الدرداء، وأبي هريرة رضي الله عنهم: أنهم لم يجعلوا مس الذكر حدثاً، حتى قال علي رضي الله عنه: لا أبالي مسسته، أو أرنبة أنفي.
_________
(1) رواه أصحاب السنن الأربعة (أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وأحمد والدارقطني مرفوعاً، ورواه ابن حبان في صحيحه، قال الترمذي: هذا الحديث أحسن شيء يروى في هذا الباب (نصب الراية: 1/ 60 وما بعدها، نيل الأوطار: 1/ 198).

(1/431)

وقال المالكية: ينقض الوضوء بمس الذكر، لا بمس الدبر، فيعد مس الذكر المتصل ناقضاً، لا المقطوع، سواء مسَّه من أي جزء منه، التذ أم لا، إذا مسه عمداً أو سهواً من غير حائل ببطن الكف أو جنبه، أو ببطن أصبع وبجنبه، لا بظهره، ولو كان الأصبع زائداً على الخمسة إن كان له إحساس ويتصرف به كغيره من الأصابع، وذلك إذا كان بالغاً، أما مس الصبي ذكره فلا ينقض، أي أن المراد مس البالغ ذكره بباطن الكف والأصابع.
ولا ينقض مس حلقة الدبر، أو الأنثيين (الخِصيتين)، ولا مس امرأة فرجها، ولو ألطفت: أي أدخلت أصبعاً أو أكثر من أصابعها في فرجها. ولا ينقض مس ذكر صبي أو كبير غيره.
ودليلهم: الاقتصار على حديث: «من مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ» (1) وحديث «من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه سِتْر، فقد وجب عليه الوضوء» (2).
وقال الشافعية والحنابلة: ينتقض الوضوء بمس فرج الآدمي (الذكر والدبر وقبُل المرأة) من نفسه أو غيره، صغيراً أو كبيراً، حياً أو ميتاً، وقياس الدبر على الذكر هو مذهب الشافعي الجديد، بشرط كونه بباطن الكف (أي الراحة مع بطون الأصابع) فلا ينقض بظاهر الكف وحرفه ورؤوس الأصابع وما بينها بعد التحامل اليسير، أي أن الناقض هو ما يستتر عند وضع إحدى الراحتين على الأخرى مع
_________
(1) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن) وصححه الترمذي، وأخرجه أيضاً مالك والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن الجارود، وقال البخاري: «هو أصح شيء في هذا الباب» (نيل الأطار: 1/ 197، نصب الراية:54/ 1 وما بعدها).
(2) رواه أحمد وابن حبان في صحيحه، وقال: حديث صحيح سنده عدول نقلته (نيل الأوطار: 1/ 199) ورواه الشافعي في مسنده بلفظ «إذا أفضى أحدكم إلى ذكره، فقد وجب عليه الوضوء» (انظر نصب الراية: 1/ 54 وما بعدها).

(1/432)

تحامل يسير، وفي الإبهامين يضع باطن أحدهما على باطن الآخر.
فلو كان التحامل كثيراً كثر غير الناقض، وقل الناقض. وفي هذا يتفق الشافعية مع مذهب المالكية؛ لأن ظاهر الكف ليس بآلة اللمس، فأشبه ما لو مسه بفخذه.
ولا فرق عند الحنابلة بين بطن الكف وظهره، بدليل حديث الإفضاء المتقدم: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه، ليس بينهما سترة، فليتوضأ» وظاهر كفه من يده، والإفضاء: اللمس من غير حائل.
ودليل الشافعية والحنابلة مجموع الحديثين السابقين: حديث بُسْرة بنت صفوان وأم حبيبة: «من مس ذكره فليتوضأ» وفي لفظـ «من مس فرجه فليتوضأ» وحديث أبي هريرة: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، فقد وجب عليه الوضوء» وفي لفظ «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه .. » والفرج: يشمل القبُل والدبُر، ولأن الدبر أحد الفرجين، فأشبه الذكر.
والنقض بمس المرأة قبلها لعموم حديث بسرة وأم حبيبة: «من مس فرجه فليتوضأ» ولما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ» (1).
والراجح عندي مذهب الجمهور غير الحنفية؛ لأن حديث طلق بن علي ضعيف أو منسوخ، ضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون.

8ً - القهقهة في الصلاة: تنقض الوضوء عند الحنفية دون غيرهم، إذا كان
_________
(1) رواه أحمد والبيهقي (نصب الراية: 1/ 58).

(1/433)

المصلي بالغاً، عمداً أو سهواً، زجراً وعقوبة للمصلي، لمنافاتها مناجاة الله تعالى، فلا تبطل صلاة الصبي، لأنه ليس من أهل الزجر.
والقهقهة: ما يكون مسموعاً لجيرانه. أما الضحك: فهو ما يسمعه هو دون جيرانه، والأول يبطل الصلاة والوضوء، والثاني يبطل الصلاة فقط. أما التبسم: وهو ما لا صوت فيه، ولو بدت به الأسنان، فلا يبطل شيئاً.
ودليلهم: حديث: «ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الصلاة والوضوء جميعاً» (1).
ولا ينتقض الوضوء عند الجمهور (غير الحنفية) بالقهقهة؛ لأنها لا توجب الوضوء خارج الصلاة، فلا توجبه داخلها كالعطاس والسعال. وردوا الحديث السابق لكونه مرسلاً، ولمخالفته للأصول: وهو أن يكون شيء ينقض الطهارة في الصلاة، ولا ينقضها في غير الصلاة (2).
وأرجح رأي الجمهور لعدم ثبوت حديث الحنفية.

9ً - أكل لحم الإبل: ينتقض الوضوء عند الحنابلة دون غيرهم بأكل لحم الإبل، على كل حال، نيئاً ومطبوخاً، عالماً كان أو جاهلاً. بدليل ما روي البراء بن عازب قال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن لحوم الإبل؟ فقال: توضؤوا منها، وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: لا يتوضأ منها» (3) وروى أسيد بن حضير حديث:
_________
(1) فيه أحاديث مسندة، وأحاديث مرسلة، أما المسندة فمنها حديث أبي موسى الأشعري عند الطبراني، وأبي هريرة عند الدارقطني، وابن عمر عند ابن عدي، وأنس وجابر، وعمران بن الحصين، وأبي المليح عند الدارقطني. ولكن كلها ضعيفة، وأما المراسيل فهي أربعة: مرسل أبي العالية، ومرسل معبد الجهني، ومرسل إبراهيم النخعي، ومرسل الحسن (نصب الراية: 74/ 1 - 54).
(2) بداية المجتهد: 39/ 1.
(3) رواه مسلم وأبو داود. وروى مسلم وأحمد عن جابر بن سمرة مثله، وهما حديثان صحيحان.

(1/434)

«توضؤوا من لحوم الإبل، ولا تتوضؤوا من لحوم الغنم» (1). وعلق الحنابلة على ذلك بقولهم: إن وجوب الوضوء من أكل لحم الجزور تعبُّد لا يعقل معناه، فلا يتعدى إلى غيره، فلا يجب الوضوء بشرب لبنها ومرق لحمها وأكل كبدها وطحالها وسنامها وجلدها وكرشها ونحوه.
وقال الجمهور غير الحنابلة؛ لا ينقض الوضوء بأكل لحم الجزور، لما رواه جابر قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار» (2) ولأنه مأكول كسائر المأكولات.
والراجح لدي رأي الجمهور؛ لأن جمهور فقهاء الأمصار بعد الصدر الأول اتفقوا على سقوط الأمر بإيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار، إذ صح عندهم أنه عمل الخلفاء الأربعة، بل إن الحنابلة أنفسهم أخذوا بحديث الجمهور وقالوا: لانقض بأكل ما مسته النار.

10ً - غسل الميت: ينتقض الوضوء عند أكثر الحنابلة بغسل الميت (3) أو بعضه، سواء أكان المغسول صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، مسلماً أم كافراً، لما روي عن ابن عمر وابن عباس، وأبي هريرة، فقد روي عن ابن عمر وابن عباس «أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء» وقال أبو هريرة: «أقل ما فيه الوضوء»، ولأن الغالب فيه أنه لا يسلم أن تقع يده على فرج الميت.
وقال أكثر الفقهاء وهو الصحيح: لاوضوء من غسل الميت، إذ لم يرد فيه نص شرعي، ولا هو في معنى المنصوص عليه، ولأنه غسل آدمي، فأشبه غسل الحي.
_________
(1) رواه أحمد وصححه هو وإسحق، وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلّى الله عليه وسلم مثل ذلك (راجع نيل الأوطار: 200/ 1).
(2) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه.
(3) لكن لا ينتقض الوضوء بحمل الميت عندهم، خلافاً لما هو شائع في بعض الكتب.

(1/435)

وما أحسن ما ذكره ابن رشد عن النواقض الثلاثة الأخيرة، فقال: شذ أبو حنيفة فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة لمرسل أبي العالية ... الخ وشذ قوم فأوجبوا الوضوء من حمل الميت، وفيه أثر ضعيف: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) وذهب قوم من أهل الحديث: أحمد وإسحاق وطائفة غيرهم: أن الوضوء يجب فقط من أكل لحم الجزور، لثبوت الحديث الوارد بذلك عنه عليه الصلاة والسلام (1).

11ً - الشك في الوضوء: قال المالكية في المشهور من المذهب: من تيقن الطهارة أو ظنها، ثم شك في الحدث، فعليه الوضوء، وإن تيقن الحدث وشك في الطهارة فعليه الوضوء؛ لأن الذمة عامرة فلا تبرأ إلا بيقين.
وقال الجمهور غير المالكية وهو الأولى: لا ينتقض الوضوء بالشك، فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين، وهو الطهارة الأولى، والحدث في الثانية، لحديث عبد الله بن زيد قال: «شُكي إلى النبي صلّى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» (2)، ولأنه إذا شك تعارض عنده الأمران، فيجب سقوطهما، كالبينتين إذا تعارضتا، تساقطتا، ويرجع إلى اليقين. وبناء عليه قرر الفقهاء قاعدة عامة وهي: (اليقين لا يزول بالشك).

12ً - ما يوجب الغسل: قال الحنابلة: ينتقض الوضوء بكل ما يوجب الغسل غير الموت، فإنه يوجب الغسل ولا يوجب الوضوء. ومن موجبات
_________
(1) بداية المجتهد: 39/ 1.
(2) متفق عليه، بل رواه الجماعة إلا الترمذي. ولمسلم بمعناه مرفوعاً من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه: (وهو في الصلاة).

(1/436)

الغسل: التقاء الختانين، وانتقال المني، وإسلام الكافر أصلياً كان أو مرتداً، فإذا عاد المرتد إلى الإسلام، وجب عليه الغسل، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء. وينتقض الوضوء بالردة، لأنهامحبطة للعمل ومنه الوضوء والغسل. وهذا يوافق رأي المالكية، ولا ينتقض الوضوء بالردة عند الحنفية والشافعية.

تعليق على النواقض:
هذه النواقض مشتركة بين الماسح على الخفين وغيره. وهناك نواقض خاصة، كبطلان طهارة المسح على الخفين ونحوهما من الجوارب بانتهاء مُدَّته وبخلع حائله، وكانتقاض طهارة المستحاضة ونحوها كسلس البول بخروج الوقت، وطهارة المتيمم بوجود الماء ونحوها، تبحث في مباحثها الخاصة بها.
ولا نقض بكلام محرَّم، كالكذب والغيبة والقذف والسب ونحوها، بل يستحب الوضوء منه، ولا نقض بإزالة شعر وأخذ ظفر ونحوهما.

خلاصة نواقض الوضوء في المذاهب:
1 - مذهب الحنفية: ينقض الوضوء اثنا عشر شيئاً: ما خرج من السبيلين إلا ريح القبل في الأصح، وولادة من غيررؤية دم، ونجاسة سائلة من غير السبيلين كدم وقيح وقيء طعام أو ماء أو عَلَق (دم متجمد من المعدة)، أو مِرَّة (صفراء) إذا ملأ الفم: وهو مالا ينطبق عليه الفم إلا بتكلف على الأصح، ويجمع متفرق القيء إذا اتحد سببه (1)، وينقضه دم غلب على البزاق أو ساواه، ونوم مضطجعاً، أو متكئاً أو
_________
(1) هذا هو رأي محمد وهو الأصح. واتحاد السبب هو الغَثَيان: وهو أمر حادث في مزاج الإنسان منشؤه تغير طبعه من إحساس النتن المكروه.

(1/437)

مستنداً إلى شيء لوأزيل لسقط (أي نوم لم تتمكن فيه المقعدة من الأرض)، وارتفاع مقعدة نائم على الأرض قبل انتباهه، وإن لم يسقط على الأرض، وإغماء، وجنون، وسكر، وقهقهة بالغ يقظان في صلاة ذات ركوع وسجود، ولو تعمد الخروج بها من الصلاة، ومس فرج بذكر منتصب بلا حائل.
ولا ينقض الوضوء عشرة أشياء: دم لم يسل عن محله، وسقوط لحم من غير سيلان دم، وخروج دودة من جرح وأذن وأنف، ومس ذكر، ومس امرأة، وقيء لا يملأ الفم، وقيء بلغم ولو كثيراً، وتمايل نائم احتمل زوال مقعدته، ونوم متمكن ولو مستنداً إلى شيء، لو أزيل سقط، ونوم مُصَلٍّ ولو راكعاً أو ساجداً.

2 - مذهب المالكية:
النواقض ثلاثة: الأحداث، والأسباب، والارتداد والشك.
والأحداث: هي الخارج المعتاد من السبيلين وهي ثمانية أشياء: البول، والغائط، والريح بصوت وبغير صوت، والودي (وهو ماء أبيض خاثر يخرج بأثر البول)، والمذي (وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند الالتذاذ)، والهادي (وهو الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولادتها)، ودم الاستحاضة ونحوه: وهو سلس البول إن خرج أحياناً: بأن لم يلازم الخروج نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، فإن لازم نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر فلا ينقض، ومني الرجل الخارج من فرج المرأة بعد أن اغتسلت (1).
ولا ينقض الخارج غير المعتاد كالدم والقيح والحصى والدود، ولا الخارج من
_________
(1) الأحداث الثمانية: اثنان من الدبر: وهما الغائط والريح، وستة من القبل: وهي البول والمذي والودي والمني في بعض أحواله، والهادي، ودم الاستحاضة ونحوه كالسلس إن خرج أقل من نصف زمن الصلاة.

(1/438)

غير المعتاد كخروج ريح أو غائط من القبل، أو خروج بول من الدبر، ولا المني بغير لذة معتادة: بأن كان بغير لذة أصلاً، أو لذة غير معتادة كمن حك لجرب أو هزته دابة فأمنى. أما ما خرج بلذة معتادة من جماع أو لمس أو فكر فموجب للغسل.
ولا ينقض البول أو الغائط أو الريح الخارج من ثقبة فوق المعدة، سواء انسد المخرجان أو أحدهما أو لا، وينقض الخارج من تحت المعدة إن انسد المخرجان، كما ينقض الوضوء إن انقطع الخروج من المخرج، وصار يبول أو يتغوط من فمه مثلاً.
والأسباب: ثلاثة أنواع: زوال العقل، ولمس البالغ بلذة من تشتهى، ومس البالغ ذكره المتصل به ببطن كفه أو جنبه أو أصبع بلا حائل ولو كان خفيفاً، إلا أن يكون خفيفاً جداً كالعدم. وزوال العقل يكون بجنون أو إغماء أو سكر أو بنوم ثقيل ولو قصر زمنه. والقبلة بالفم تنقض ولو بغير لذة.
والردة والشك في الناقض بعد طُهر معلوم وعكسه: أي الشك في الطهارة بعد تيقن الحدث أو ظنه، كل منهما ناقض للوضوء، ليس بحدث ولا سبب.

3 - مذهب الشافعية:
نواقض الوضوء أربعة:
الأول ـ الخارج من أحد السبيلين إلا المني أي مني الشخص نفسه، لأنه أوجب الغسل.
الثاني ـ زوال العقل بجنون أو إغماء أو نوم إلا النوم قاعداً ممكِّناً مقعده من مقره كالأرض، وظهر دابة سائرة، وإن كان مستنداً إلى شيء بحيث لو زال، لسقط.

(1/439)

الثالث ـ التقاء بشرتي الرجل والمرأة ولو ميتة، عمداً أو سهواً. وينتقض اللامس والملموس، ولا ينقض صغير أو صغيرة لا تشتهى، ولا ينقض شعر وسن وظفر، ومحرم بنسب أو رضاع أو مصاهرة، أي المحرَّمات بصفة التأبيد، لا المؤقتة كأخت الزوجة فإنها تنقض الوضوء.
الرابع ـ مس قبل الآدمي، وحلقة دبره، بباطن الكف. ولا ينتقض الممسوس. وينقض فرج الميت والصغير، ومحل الجَبِّ كله لا الثقبة فقط، والذكر المقطوع. ولا ينقض فرج البهيمة، ولا المس برأس الأصابع وما بينها.

4 - مذهب الحنابلة:
نواقض الوضوء ثمانية أنواع:
أحدها ـ الخارج من السبيلين، إلا ممن حدثه دائم، فلا يبطل وضوءه، وينقضه ولو كان الخارج ريحاً من قُبُل أنثى أو من ذكر، أو قطناً أو ميلاً أو دهناً أو حقنة أدخل فيهما، أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة، أو منياً لرجل أو امرأة استدخلته امرأة في فرجها ثم خرج.
الثاني ـ خروج النجاسات من بقية البدن: فإن كانت النجاسة غائطاً أو بولاً، نقض ولو قليلاً، من تحت المعدة أو فوقها، انسد المخرجان أم بقيا مفتوحين، وإن كانت النجاسة غير الغائط والبول، كالقيء والدم والقيح ودود الجراح لم ينقض إلا كثيرها: وهوما فحش في نفس كل أحد بحسبه.
الثالث ـ زوال العقل بجنون ونحوه، أو تغطيته بإغماء أو سكر قليل أو كثير، أو بنوم إلا النوم اليسير عرفاً من جالس وقائم. وينقض النوم اليسير من راكع وساجد ومستند ومتكئ ومُحْتب كمضطجع.

(1/440)

الرابع ـ مس ذكر أو قبُل أو دبُر آدمي من نفسه أو غيره، ولو من غير شهوة بيده، ببطن كفه أو بظهره أو بحرفه، غير ظفر، من غير حائل، ولو بأصبع زائدة، ولا ينتقض وضوء ملموس، ولا ينقض مس ذكر بائن (أي مقطوع) ولا مس محله، ولا قُلَفة (وهي الجلدة التي تقطع في الختان) بعد قطعها، ولا مس ذكر زائد؛ لأنه ليس فرجاً، ولا ينقض مس امرأة شفريها، لأن الفرج هو مخرج الحدث، وهو ما بينهما دونهما.
الخامس ـ مس بشرة الرجل بشرة الأنثى بشهوة، من غير حائل.
ولا ينقض مس طفلة وطفل من دون سَبْع إذا لم يكن بشهوة، وينتقض الوضوء باللمس بشهوة ولو كان الملموس ميتاً أو عجوزاً، أو محرماً، أو صغيرة تشتهى وهي بنت سبع فأكثر لقوله تعالى: {أو لا مستم النساء} [المائدة:6/ 5].ولا ينتقض وضوء الملموس، ولو وجد منه شهوة، ولا ينتقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر، ولا ينقض لمس شعر وظفر وسن؛ لأنه في حكم المنفصل، ولا ينقض مس عضو مقطوع لزوال حرمته، ولا مس أمرد ولو بشهوة، لعدم تناول الآية له، ولأنه ليس محلاً للشهوة شرعاً. ولا ينقض مس خنثى مشكل من رجل أو امرأة ولو بشهوة، ولا ينقض مس الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة، ولو بشهوة فيهن.
السادس ـ غسل الميت أو بعضه، ولو في قميص، ولا ينقض تيمم الميت لتعذر غسل. وغاسل الميت: من يقلبه ويباشره ولو مرة، لا من يصب الماء ونحوه.
السابع ـ أكل لحم الجزور نيئاً وغير نيء.
الثامن ـ موجبات الغسل كالتقاء الختانين وانتقال المني وإسلام الكافر الأصلي أو المرتد.

(1/441)

المطلب الثامن ـ وضوء المعذور:
ينتقض الوضوء بالخارج من أحد السبيلين إذا كان خروجه في حال الصحة، فإن كان في حال المرض كان معذوراً.
والمعذور كما عرفه الحنفية: من به سلس بول لايمكنه إمساكه، أو استطلاق بطن، أو انفلات ريح أو رعاف دائم أو نزف دم جرح، أو استحاضة (1)،وكذا كل ما يخرج بوجع ولو من أذن وثدي وسرة، من دم أو قيح أو صديد، أو ماء الجرح والنفطة، وماء البثرة، والثدي والعين والأذن (2).
وأحكام وضوء المعذور وصلاته تحتاج لتفصيل بين المذاهب.

1 - مذهب الحنفية (3):
ضابط المعذور: هو ـ في ابتداء الأمر ـ من يستوعب عذره تمام وقت صلاة مفروضة، بأن لا يجد في جميع وقتها زمناً يتوضأ، ويصلي فيه خالياً عن الحدث، كأن يستمر تقاطر بوله مثلاً من ابتداء الظهر إلى العصر. فإن أصبح متصفاً بهذه الصفة، كفى وجوده في جزء من الوقت ولو مرة، كأن يرى الدم مرة فقط في وقت العصر، بعد استمراره في وقت الظهر، ولا يصبح معافى إلا إذا انقطع عنه وقت صلاة كامل، أي أن شرط ثبوت العذر في مبدأ الأمر: هو استيعابه جميع الوقت.
_________
(1) هو دم علة يخرج من أدنى الرحم، بخلاف الحيض فإنه يخرج من أقصى الرحم، وهو الدم الذي يستمر في غير وقت العادة الشهرية، أي الناقص عن أقل الحيض، والزائد عن أكثره، أو عن أكثر النفاس، أو ما تراه صغيرة دون تسع على المعتمد، وآيسة على ظاهر المذهب الحنفي، وما تراه حامل ولو قبل خروج أكثر الولد (الدر المختار:262/ 1 - 263).
(2) الدر المختار: 280/ 1 وما بعدها.
(3) الدر المختار: 139/ 1، 281 - 283، فتح القدير: 124/ 1 - 128، مراقي الفلاح: ص25، تبيين الحقائق: 64/ 1.

(1/442)

وشرط دوامه: وجوده في كل وقت بعد ذلك، ولو مرة واحدة، ليعلم بها بقاؤه. وشرط انقطاعه وعدم اتصافه بوصف المعذور: خلو وقت صلاة كامل عنه، كأن ينقطع طوال وقت العصر مثلاً.
وحكمه: أنه يتوضأ لوقت كل فرض، لا لكل فرض ونفل، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» (1) ويقاس عليها سائر ذوي الأعذار. ويصلي بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل، ويبقى وضوءه ما دام باقياً بشرطين: أن يتوضأ لعذره، ولم يطرأ عليه حدث آخر كخروج ريح أو سيلان دم من موضع آخر.
ويبطل وضوء المعذور بخروج وقت الصلاة المفروضة فقط، فإن توضأ بعد طلوع الشمس لصلاة العيد، ودخل وقت الظهر، فإن وضوءه لا ينتقض، لأن دخول وقت الظهر ليس ناقضاً، وكذا خروج وقت العيد ليس ناقضاً، لأنه ليس وقت صلاة مفروضة، بل هو وقت مهمل، وصلاة العيد بمننرلة صلاة الضحى، وهذا يعني أنه يصح في هذه الحالة فقط وضوء المعذور قبل دخول الوقت (وقت الظهر) ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت، وأنه يبطل وضوء المعذور بخروج الوقت لا بدخوله (2). فإذا خرج الوقت بطل وضوء المعذور واستأنف الوضوء لصلاة أخرى عند أئمة الحنفية الثلاثة، وقال زفر: استأنف إذا دخل الوقت.
_________
(1) رواه سبط ابن الجوزي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لكن قال عنه الزيلعي: غريب جداً (نصب الراية: 204/ 1).
(2) قال أبو حنيفة ومحمد: يبطل وضوء المعذور بخروج الوقت فقط، لأن الوقت مخصص للأداء شرعاً، فلا بد من تقديم الطهارة عليه ليتمكن من الأداء عند دخول الوقت، كما لابد من تقديم الطهارة على الأداء حقيقة، ولأن دخول الوقت دليل ثبوت الحاجة إلى الطهارة، وخروجه دليل زوال الحاجة، فينتقض الوضوء عند زوال الحاجة وهو خروج الوقت، لا عند دخول الوقت. وقال أبو يوسف: يبطل الوضوء بكل واحد منهما أي عند دخول الوقت وعند خروجه، لأن الحاجة إلى الطهارة مقصورة على الوقت فلا تعتبر قبله ولا بعده. وقال زفر بعكس الطرفين: يبطل الوضوء بدخول الوقت فقط لا بخروجه، لأنه لا حاجة للطهارة قبل الوقت، فلا تعتبر. وتظهر فائدة الاختلاف في أمرين فقط: فيمن توضأ قبل الزوال، أو قبل طلوع الشمس، فلا ينتقض الوضوء في الحالة الأولى عند أبي حنيفة ومحمد حتى يذهب وقت الظهر. وينتقض في الحالة الثانية بخروج الوقت (طلوع الشمس). وعند أبي يوسف: ينتقض الوضوء في الحالتين. وعند زفر: لا ينتقض في الحالة الثانية لعدم دخول وقت صلاة الظهر. وينتقض في الحالة الأولى. فأبو يوسف وزفر: يوجبان الطهارة بدخول الوقت، لأنه وقت الحاجة، وهذا موافق لقول الشافعية والحنابلة الآتي بيانه. واتفق أئمة الحنفية الأربعة على أن طهارة المستحاضة ونحوها تنتقض بخروج الوقت.

(1/443)

أما إن توضأ قبل طلوع الشمس، فإنه ينتقض بطلوعها لخروج وقت الفريضة. وكذلك ينتقض وضوءه إن توضأ بعد صلاة الظهر ثم دخل وقت العصر، لخروج وقت الظهر.
وعلى المعذور أن يخفف عذره بالقدر المستطاع، كالحِفَاظ للمستحاضة، والقعود في أثناء الصلاة إن كانت الحركة أو القيام تؤدي إلى السيلان. ويستحب للرجل أن يحتشي إن رابه الشيطان، ويجب إن كان لا ينقطع إلا به.
ولا يجب على المعذور غسل ما يصيب ثوبه أكثر من قدر الدرهم إذا اعتقد أنه لو غسله تنجس بالسيلان قبل الفراغ من الصلاة. فإن لم يتنجس قبل فراغه من الصلاة، وجب عليه غسله، وهو المختار للفتوى.

2 - مذهب المالكية (1):
السلس: هو ما يسيل بنفسه لانحراف الطبيعة بولاً أو ريحاً أو غائطاً أو مذياً، ومنه دم الاستحاضة. وذلك إذا لم ينضبط، ولم يقدر على التداوي. فإن انضبط بأن جرت عادته أن ينقطع آخر الوقت، وجب عليه تأخير الصلاة لآخره، وإن كان
_________
(1) الشرح الصغير: 139/ 1 وما بعدها، الشرح الكبير: 116/ 1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص14.

(1/444)

ينقطع أول الوقت وجب عليه تقديم الصلاة. وإن قدر على التداوي أو التزوج وجب عليه ذلك، واغتفر له زمن التداوي والتزوج.
فلا يكون السلس من طول العزوبة، وإنما من اختلال المزاج، أو من برودة وعلة.
ولا ينتقض الوضوء عند المالكية إن خرج البول والمذي على وجه السلس الملازم: وهو أن يلازمه نصف زمن أوقات الصلاة أو أكثر، أو كل الزمن. لكن يندب الوضوء إذا لم يعم الزمن.
وينتقض وضوء السلس: إذا بال البول المعتاد، أو أمذى بلذة معتادة بأن حدث كلما نظر أو تفكر. ويعرف ذلك: بأن البول المعتاد يكثر ويمكن إمساكه، وأن المذي يكون بشهوة.
كما ينتقض وضوء السلس: إن لازمه أقل الزمان.
وإذا لم ينتقض وضوء السلس، فله أن يصلي به ما شاء إلى أن يوجد ناقض غيره، لكن يستحب للسلس والمستحاضة: أن يتوضأ لكل صلاة، ولا يجب عليهما.

3 - مذهب الحنابلة (1):
لا ينتقض وضوء المبتلى صاحب الحدث الدائم بسلس بول وكثرة مذي ونزف الدم وانفلات ريح ونحوها كالمستحاضة. وذلك إذا دام حدثه، ولم ينقطع زمناً من وقت الصلاة بحيث يسعها مع الطهارة. فإن انقطع حدثه زمناً يسع الصلاة والطهارة، وجب عليه أداء الصلاة فيه.
_________
(1) كشاف القناع: 138/ 1،247 وما بعدها، المغني: 340/ 1 - 342.

(1/445)

لكن عليه الوضوء إن خرج منه شيء من حدثه الدائم لكل صلاة، بعد غسل محل الحدث، وشدِّه، والتحرز من خروج الحدث بما يمكنه، ولا يصح وضوءه إلا بعد دخول وقت الصلاة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لكل صلاة، حتى يجيء ذلك الوقت» (1) وفي لفظ: «توضئي لوقت كل صلاة» (2) ولأنها طهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم، فإن توضأ قبل دخول الوقت وخرج منه شيء بطلت طهارته.
ويجوز للمستحاضة وغيرها الجمع بين فرضي الصلاتين بوضوء واحد؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «أمر حَمْنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد» (3) وأمر به سهلة بنت سهيل، ولبقاء وضوئها إلى آخر الوقت، وكالمتيمم وأولى. ولو زال العذر كأن انقطع دم المستحاضة وقتاً يسع الوضوء والصلاة، بطلت الطهارة ويلزم استئنافها؛ لأنه صار بهذا الانقطاع في حكم من حدثه غير دائم.
وكيفية إعداد المعذور للوضوء: هي أن تغسل المستحاضة المحل ثم تحشوه بقطن أو نحوه ليرد الدم. ومن به سلس البول أو كثرة المذي: يعصب رأس ذكره بخرقة ويحترس حسبما يمكنه.
وكذلك يفعل من به ريح أو نزف دم يعصب المحل. فإن كان مما لا يمكن عصبه مثل من به جرح لا يمكن شده، أو باسور، أو ناسور لايتمكن من عصبه، صلى على حسب حاله، كما روي عن عمر رضي الله عنه «أنه حين طعن، صلى وجرحه يثْعَب دماً» أي يتفجر.
وينوي المعذور استباحة الصلاة، ولا يكفيه نية رفع الحدث لأنه دائم الحدث.
_________
(1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه (نيل الأوطار: 275/ 1).
(2) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(3) صححه الترمذي.

(1/446)

4 - مذهب الشافعية (1):
صاحب السلَس الدائم من بول أو مذي أو غائط أو ريح، والمستحاضة، يغسل الفرج ثم يحشوه إلا إذا كان صائماً، أو تأذت المستحاضة به، فأحرقها الدم فلا يلزم الحشو حينئذ، ثم يعصِب. وكيفية العصب للمستحاضة مثلاً: أن تشد فرجها بعد غسله بخرقة مشقوقة الطرفين، تخرج أحدهما من أمامها، والآخر من خلفها، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة.
ثم يتوضأ أو يتيمم عقب ذلك فوراً، أي أنه تجب الموالاة بين الأفعال من عصب ووضوء، يفعل كل ذلك فوراً، أي أنه تجب الموالاة بين الأفعال من عصب ووضوء، يفعل كل ذلك بعد دخول وقت الصلاة، لأنه طهارة ضرورة، فلا تصح قبل الوقت كالتيمم.
ثم يبادر وجوباً إلى الصلاة تقليلاً للحدث، فلو أخر لمصلحة الصلاة كستر العورة، وأذان وإقامة، وانتظار جماعة، واجتهاد في قبلةوذهاب إلى مسجد، وتحصيل سترة، لم يضر، لأنه لا يعد بذلك مقصراً، وإلا كأن أخر لا لمصلحة الصلاة كأكل وشرب وغزل وحديث، فيضر التأخير على الصحيح، فيبطل الوضوء، وتجب إعادته وإعادة الاحتياط لتكرر الحدث والنجس مع إمكان الاستغناء عنه.
وتجب الطهارة وتجديد العصابة في الأصح، والوضوء لكل فرض ولو منذوراً، كالمتيمم لبقاء الحدث، ويصلي به ما شاء من النوافل فقط، وصلاة الجنازة لها حكم النافلة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لكل صلاة» ولو زال العذر وقتاً يسع الوضوء والصلاة، كانقطاع الدم مثلاً، وجب الوضوء، وإزالة ما على الفرج من الدم ونحوه.
_________
(1) مغني المحتاج: 1/ 111 وما بعدها، الحضرمية: ص 28.

(1/447)

وسلس المني: يلزمه الغسل لكل فرض.
ولو استمسك الحدث بالجلوس في الصلاة، وجب بلا إعادة.
ولا يجوز للسلس: أن يعلق قارورة يقطر فيها بوله.
وينوي المعذور استباحة الصلاة، لا رفع الحدث لأنه دائم الحدث، لا يرفعه وضوءه، وإنما يبيح له العبادة، كما قال الحنابلة.
وبه يتبين أن مذهبي الشافعية والحنابلة متفقان في أحكام وضوء المعذور، إلا أن الحنابلة ومثلهم الحنفية قالوا: يجوز بالوضوء الواحد صلاة أكثر من فرض في الوقت؛ لأن الواجب عندهم الوضوء لوقت كل صلاة. ولم يجز الشافعية الصلاة به إلا فرضاً واحداً؛ لأن الواجب عندهم تجديد الوضوء لكل فرض.
واتفق الجمهور (غير المالكية) على وجوب تجديد وضوء المعذور، وقال المالكية باستحباب الوضوء فقط. والوضوء يكون بعد دخول الوقت عند الشافعية والحنابلة، وفي غير صلاة الظهر عند الحنفية، أما صلاة الظهر فيجوز تقديم الوضوء لها على دخول الوقت، لسبقها بوقت مُهْمل.

المطلب التاسع ـ ما يحرم بالحدث الأصغر أو ما يمنع منه غير المتوضئ:
يحرم بالحدث الأصغر ثلاثة أمور: الصلاة ونحوها، والطواف، ومس المصحف وتوابعه، على تفصيل بين المذاهب (1).

1 - الصلاة ونحوها: يحرم على المحدث غير المتوضئ الصلاة فرضاً أو
_________
(1) البدائع: 33/ 1 وما بعدها، الدر المختار: 160/ 1 - 165، الشرح الصغير: 149/ 1 وما بعدها، المجموع:71/ 2 - 79، المهذب: 25/ 1، الحضرمية: ص16، حاشية الباجوري: 121/ 1 وما بعدها، المغني: 142/ 1، 147، كشاف القناع: 152/ 1 - 157.

(1/448)

نفلاً، ونحوها، كسجود التلاوة، وسجود الشكر، وخطبة الجمعة، وصلاة الجنازة. لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» (1) «لا صلاة لمن لا وضوء له ... » (2).

2 - الطواف بالبيت الحرام فرضاً أو نفلاً؛ لأنه صلاة، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير» (3).
إلا أن الحنفية جعلوا الطهارة للطواف واجباً لا شرطاً في صحته، فيصح مع الكراهة التحريمية الطواف محدثاً؛ لأن الطواف بالبيت شبيه بالصلاة بنص الحديث السابق، ومعلوم أنه ليس بصلاة حقيقة، فلكونه طوافاً حقيقة يحكم بالجواز، ولكونه شبيهاً بالصلاة يحكم بالكراهة.

3 - مس المصحف كله أو بعضه ولو آية: والمحرم هو لمس الآية ولو بغير أعضاء الطهارة لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79/ 56]، أي المتطهرون، وهو خبر بمعنى النهي، ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا يمس القرآن إلا طاهر» (4)، ولأن تعظيم القرآن واجب، وليس من التعظيم مس المصحف بيد حلَّها الحدث.
_________
(1) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة.
(2) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: 134/ 1).
(3) رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية والحاكم والبيهقي في السنن عن ابن عباس، وهو حديث حسن. ورواه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس، وصححه ابن السكن وابن خزيمة وابن حبان مرفوعاً وموقوفاً بلفظ: «إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طُفتم فأقلوا الكلام» (نيل الأوطار: 207/ 1).
(4) روي من حديث عمرو بن حزم عند الأثرم وأبي داود والنسائي، وعن ابن عمر عند الدارقطني والطبراني والبيهقي، وعن عثمان بن أبي العاص عند الطبراني، وعن ثوبان إلا أن الأخير في غاية الضعف عنه، والأحاديث الأخرى ضعيفة، ورواه مالك مرسلاً عن عمرو ابن حزم (نيل الأوطار: 205/ 1، نصب الراية: 196/ 1).

(1/449)

واتفق الفقهاء على أن غير المتوضئ يجوز له تلاوة القرآن أو النظر إليه دون لمسه، كما أجازوا للصبي لمس القرآن للتعلم؛ لأنه غير مكلف، والأفضل التوضؤ.
وقد حرم المالكية والشافعية مس القرآن بالحدث الأصغر ولو بحائل أو عود، وأجاز الحنفية والحنابلة مسّه بحائل أو عود طاهرين.
وهذه عبارات الفقهاء:
قال الحنفية: يحرم مس المصحف كله أو بعضه أي مس المكتوب منه، ولو آية على نقود (درهم ونحوه) أو جدار، كما يحرم مس غلاف المصحف المتصل به، لأنه تبع له، فكان مسه مساً للقرآن، ولا يحرم مس الغلاف المنفصل عن القرآن كالكيس والصندوق، ويجوز مسه بنحو عود أو قلم أو غلاف منفصل عنه، ويكره لمسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس، والحائل كالخريطة في الصحيح، والمقصود بالخريطة: هو الوعاء من جلد أو غيره تُشرَج على ما فيها.
ولا يجوز لغير المسلم مس المصحف ويجوز له تعلمه وتعلم الفقه ونحوه، ويجوز للصبي مس القرآن أو لوح منه للضرورة من أجل التعلم والحفظ. ولا تحرم كتابة آية على ورقة، لأن المحرم هو مس المكتوب باليد، أما القلم فهو واسطة منفصلة، كالثوب المنفصل الذي يمس به القرآن؛ لأن المفتى به جواز مس المصحف بغلاف منفصل أو بصُرة.
ولا يكره مس كتب التفسير إن كان التفسير أكثر، ويكره المس إن كان القرآن أكثر من التفسير أو مساوياً له.
ولا مانع من مس بقية الكتب الشرعية من فقه وحديث وتوحيد بغير وضوء، والمستحب له ألا يفعل. كما لا مانع من لمس الكتب السماوية الأخرى المبدلة،

(1/450)

لكن يكره قراءة توراة وإنجيل وزبور؛ لأن الكل كلام الله، وما بدل منها غير معين.
ويجوز قربان المرأة في بيت فيه مصحف مستور، ويكره وضع المصحف تحت رأسه إلا للحفظ. ويكره لف شيء في ورق فيه فقه ونحوه من علوم الشرع. ويدفن المصحف كالمسلم إذا صار بحال لا يقرأ فيه، ولا بأس أن تدفن كتب الشرع، أوتلقى في ماء جارٍ، أو تحرق، والأول أحسن. ويجوز محو بعض الكتابة ولو قرآناً بالريق، ويجوز حمل الحجب المشتملة على آيات قرآنية ودخول الخلاء بها ومسها ولو للجنب إذا كانت محفوظة بغلاف منفصل عنها كالمشمع ونحوه.
وقال المالكية: يمنع المحدث حدثاً أصغر من مس مصحف أو جزئه، أو كَتْبِه، أو حمله ولو بعلاقة أو ثوب أو وسادة، أو كرسي تحته، ولو كان المس بحائل أو عود، أو كان الحمل مع أمتعة أخرى غير مقصودة بالحمل. أما إن قصد حمل الأمتعة وفيها قرآن تابع لها كصندوق ونحوه، فيجوز الحمل، أي إن قصد المصحف فقط أو قصده مع الأمتعة حرم الحمل، وإن قصد الأمتعة بالحمل جاز.
ويجوز المس والحمل لمعلم ومتعلم بالغ، وإن كان حائضاً أو نفساء، لعدم قدرتهما على إزالة المانع، ولايجوز ذلك للجنب لقدرته على إزالة المانع بالغسل أو التيمم.
كما يجوز للمسلم لا للكافر المس والحمل بحِرْز ساتر واقٍ، ولو لجنب أو حائض، ولو مصحفاً كاملاً. ويباح مس التفسير وحمله والمطالعة فيه للمحدث ولو كان جنباً، لأن المقصود من التفسيرمعاني القرآن، لا تلاوته.
وقال الشافعية: يحرم حمل المصحف ومس ورقه وحواشيه، وجلده، المتصل به (لا المنفصل عنه)، ووعائه (خريطته) (1) وعلاقته، وصندوقه، وما كتب
_________
(1) يعبر الفقهاء عادة عن كيس المصحف المعدّ له عرفاً اللائق به بالخريطة.

(1/451)

من الألواح لدارس قرآن، ولو بخرقة، أو بحائل. ويحل حمل القرآن في أمتعة لا بقصده، وحمل التفسير الأكثر منه، أما إذا كانا متساويين أو كان القرآن أكثر فلا يجوز، ويجوز حمل كتب العلم الأخرى غير التفسير المشتملة على آيات قرآنية.
ويباح قلب ورقه بعود. ولا يمنع الصبي المميز من حمله ومسه للدراسة.
ويجوز حمل التمائم، وما على النقد، وما على الثياب المطرزة بالآيات القرآنية ككسوة الكعبة لأنه لم يقصد به القرآن.
ويجوز للمحدث كتابة القرآن بدون مس.
ويحرم وضع شيء على المصحف كخبز وملح؛ لأن فيه إزراء وامتهاناً له. ويحرم تصغير المصحف والسورة لما فيه من ايهام النقص، وإن قصد به التعظيم.
وقال الحنابلة: يحرم مس المصحف ولو آية منه، بشيء من جسده، ويجوز مسه بحائل أو عود طاهرين، وحمله بعلاقة أو وعاء، ولو كان المصحف مقصوداً بالحمل، وكتابته ولو لذمي من غير مس، وحمله بحرز ساتر طاهر.
ولا يجوز لولي الصبي تمكينه من مس المصحف أو لوح الدرس القرآني ولو للحفظ أو التعلم، ما دام الصبي محدثاً، أي أن حرمة مس القرآن إلا بطهارة تشمل عندهم الصبي.
ويجوز مس كتب التفسير والفقه وغيرها وإن كان فيها آيات من القرآن، بدليل «أن النبي صلّى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر كتاباً فيه آية» (1). يجوز في أرجح الوجهين: مس الدراهم المكتوب عليها القرآن، والثوب المرقوم بالقرآن، لأنها لا تسمى قرآناً، ولأن في الاحتراز منها مشقة، فأشبهت ألواح الصبيان على أحد الوجهين.
_________
(1) متفق عليه من حديث ابن عباس.

(1/452)

وإن احتاج المحدث إلى مس المصحف عند عدم الماء، تيمم وجاز مسه.
ويمنع الكافر (الذمي أو غيره) من مس القرآن ومن قراءته ومن تملكه ويمنع المسلم من تمليكه له، ويحرم بيع المصحف ولو لمسلم، ويحرم توسد المصحف والوزن به والاتكاء عليه أو على كتب العلم التي فيها القرآن. فإن لم يكن فيها القرآن، كره توسدها والوزن بها والاتكاء عليها، إلا إن خاف عليها سرقة، فلا بأس أن يتوسدها للحاجة.
ولا يجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب، لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله أيديهم» (1).
والخلاصة: أنه وقع الإجماع ما عدا داود أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يمس المصحف. وأما المحدث حدثاً أصغر فلم تدل الأدلة قطعاً على منعه من مس القرآن، لكن أكثر الفقهاء على أنه لا يجوز له. وأجاز ابن عباس والزيدية له مس المصحف (2).والظاهر أن المراد من آية {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79/ 56] هو اللوح المحفوظ، والمطهرون: الملائكة، فإن لم يكن ظاهراً فهو احتمال، كاحتمال أن المراد من كلمة (طاهر) في الحديث «لا يمس القرآن إلا طاهر»: هو المؤمن، والطاهر من الحدث الأكبر والأصغر، ومن ليس على بدنه نجاسة.
ويجوز للمحدث عند الجمهور غير المالكية كتابة المصحف أو بعض آيات منه، وإن لم يكن بقصد التعليم والتعلم، بشرط ألا يحمله الكاتب المحدث أو يمسه أثناء كتابته، وإلا حرم.
_________
(1) رواه مسلم بلفظ: «لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو» ولعل هذا في بادئ الأمر، واليوم يتداول العالم القرآن بسبب انتشار الطباعة.
(2) راجع نيل الأوطار: 205/ 1 - 207.

(1/453)

وحرَّم المالكية على المعتمد كتابةالقرآن أو بعض منه للمحدث كحمله ومسَّه.
ويجوز عند الجمهور غير الحنابلة للصبيان كتابة القرآن ومسّه بقصد التعليم والتعلم للضرورة أو الحاجة ودفعاً للمشقة.
وأجاز المالكية للحائض والنفساء قراءة القرآن وحمله ومسّه أثناء التعليم والتعلم للضرورة، كما أجازوا لهما القراءة في غير حال التعلم إذا كان يسيراً كآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين وآيات الرُّقية للتداوي بقصد الاستشفاء بالقرآن.

المبحث الثاني ـ السواك:
تعريفه، حكمه، كيفيته، فوائده.

أولاً ـ تعريف السواك: السواك لغة: الدلك وآلته. وشرعاً: استعمال عود أو نحوه كأشنان وصابون، في الأسنان وما حولها، ليذهب الصفرة وغيرها عنها.
ثانياً ـ حكمه: السواك من سنن الفطرة (أي من السُّنَّة أو من الدين)، لأنه سبب لتطهير الفم وموجب لرضا الله على فاعله، قال عليه السلام: «السواك مَطْهرة للفم، مَرْضاة للرب» (1) وهو يدل على مطلق شرعيته دون تخصيص بوقت معين، ولا بحالة مخصوصة، فهو مسنون في كل وقت. وهو من السنن المؤكدة، وليس بواجب في حال من الأحوال، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل
_________
(1) رواه عن عائشة أحمد والنسائي، وهو للبخاري تعليق، وابن حبان موصولاً (نيل الأوطار: 102/ 1).

(1/454)

صلاة» وفي رواية لأحمد: «لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» (1) وللبخاري تعليقاً بصيغة الجزم - وتعليقاته هكذا صحيحة -: «لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» قال بعض الفقهاء: اتفق العلماء على أنه سنة مؤكدة لحث الشارع ومواظبته عليه، وترغيبه وندبه إليه.
وحكمه عند الفقهاء: أنه سنة عند الحنفية لكل وضوء عند المضمضة، ومن فضائل الوضوء قبل المضمضة عند المالكية، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (2) إلاأنه إذا نسيه عند المضمضة في الوضوء فيندب للصلاة. وهو لدى الشافعية والحنابلة سنة مستحبة عند كل صلاة، لحديث أبي هريرة السابق برواية الجماعة: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» وسنة أيضاً عند الوضوء بعد غسل الكفين وقبل المضمضة ولتغير الفم أو الأسنان، بنوم أو أكل أو جوع أو سكوت طويل أو كلام كثير، لحديث حذيفة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك» (3) أي يدلكه بالسواك، وقيس بالنوم غيره بجامع التغير.
وكما أنه يتأكد للصلاة ولتغير الفم واصفرار الأسنان، يتأكد أيضاً لقراءة قرآن، أو حديث شرعي، ولعلم شرعي، ولذكر الله تعالى، ولنوم ويقظة، ولدخول منزله، وعند الاحتضار (4)، وفي السحَر، وللأكل، وبعد الوتر،
_________
(1) رواه الجماعة، ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد، قال ابن منده: مجمع على صحته. ورواه مالك والشافعي مرفوعاً (المرجع السابق: 104/ 1).
(2) رواه البخاري تعليقاً، والنسائي، وابن خزيمة في صحيحه، وصححه الحاكم عن أبي هريرة، ورواه الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب بإسناد حسن.
(3) رواه الجماعة إلا الترمذي عن حذيفة، ولفظ الصحيحين: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك» (نيل الأوطار: 105/ 1).
(4) ويقال: إنه يسهل خروج الروح، وورد «إن السواك شفاء من كل داء إلا السام» أي الموت (الشرح الصغير: 126/ 1).

(1/455)

وللصائم قبل الظهر (1). وأضاف الشافعية: ويسن التخلل قبل السواك وبعده ومن آثار الطعام.
وأدلة ذلك: ما روى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن عائشة: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا دخل بيته بدأ بالسواك» وروى ابن ماجه عن أبي أمامة: «إني لأستاك، حتى لقد خشيت أن أُحفي مقادم فمي» (2) وعن عائشة: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يرقد من ليل أو نهار، فيستيقظ، إلا تسوك، قبل أن يتوضأ» (3)، ولأن النوم والأكل ونحوهما يغير رائحة الفم، والسواك مشروع لإزالة رائحته وتطييبه.
ويكره عند الشافعية والحنابلة السواك للصائم بعد الزوال أي من وقت صلاة الظهر إلى أن تغرب الشمس، لخبر الصحيحين: «لخُلوف (4) فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» وأطيبية الخلوف تدل على طلب إبقائه، فكرهت إزالته، وتزول الكراهة بالغروب؛ لأنه ليس بصائم الآن، واختصاصه بما بعد الزوال لأن تغير الفم بالصوم إنما يظهر حينئذ.
ولا يكره عند المالكية والحنفية السواك للصائم مطلقاً لعموم الأحاديث السابقة الدالة على استحباب السواك، وقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «من خير خصال الصائم السواك» (5) وقال ربيعة بن عامر: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم ما لا أحصي يتسوك،
_________
(1) فتح القدير: 15/ 1 ومابعدها، اللباب: 14/ 1، الشرح الصغير: 124/ 1 - 126، المجموع: 329/ 1 - 342، الشرح الكبير: 102/ 1 وما بعدها، مغني المحتاج: 55/ 1 وما بعدها، المهذب: 13/ 1، المغني: 95/ 1 - 97، كشاف القناع: 78/ 1 - 81.
(2) أي خشيت أن ترق ثناياي.
(3) رواه أحمد وأبو داود.
(4) الخلوف: تغير رائحة الفم، والخلوف بعد الزوال لخبر: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً، ثم قال: وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك» والمساء: بعد الزوال.
(5) رواه ابن ماجه عن عائشة.

(1/456)

وهو صائم» (1) قال الشوكاني: الحق أنه يستحب السواك للصائم أول النهار وآخره، وهو مذهب جمهور الأئمة.

ثالثاً ـ كيفيته وأداته: يستاك الشخص بيده اليمنى مبتدئاً بالجانب الأيمن، عرضاً في الأسنان (أي ظاهراً وباطناً) من ثناياه إلى أضراسه، ويذهب إلى الوسط ثم الأيسر، وطولاً في اللسان، لحديث عائشة أن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يحب التيامن في تنعله وترجله وطُهوره، وفي شأنه كله» (2) ولخبر «إذا استكتم فاستاكوا عرضاً» (3)،ويجزئ الاستياك في الأسنان طولاً، لكن مع الكراهة؛ لأنه قد يدمي اللثة، ويفسد لحم الأسنان.
أما اللسان فيسن أن يستاك فيه طولاً، كما ذكره ابن دقيق العيد مستدلاً بخبر في سنن أبي داود (4).
وقال الحنابلة: يبدأ من أضراس الجانب الأيمن بيساره. ويحصل الاستياك بعود ليِّن من نخل أو غيره، ينقي الفم، ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه كالأراك والفرشاة، والأفضل أن يكون من أراك، ثم من النخل، ثم ذو الريح الطيب ثم اليابس المندى بالماء، ثم العود. ولا يكره بسواك الغير إذا أذن وإلا حرم، روى أبو داود عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يستنُّ، وعنده رجلان،
_________
(1) رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن، ورواه أصحاب السنن وابن خزيمة وعلقه البخاري (نيل الأوطار: 107/ 1).
(2) متفق عليه.
(3) رواه أبو داود في مراسيله.
(4) عن أبي بردة عن أبيه، قال: «أتينا رسول الله صلّى الله عليه وسلم نستحمله، فرأيته يستاك على لسانه» (سنن أبي داود: 12/ 1، الإلمام لابن دقيق العيد: ص 16).

(1/457)

أحدهما أكبر من الآخر، فأُوحي إليه في فضل السواك (أن كبِّر) أعط السواك أكبرهما».
ويحصل أيضاً بالإصبع عند عدم السواك في رأي الحنفية والمالكية، قال علي رضي الله عنه: التشويص بالمُسبِّحة والإبهام سواك، وروى البيهقي وغيره من حديث أنس يرفعه: «يجزي من السواك الأصابع» (1) وروى الطبراني عن عائشة رضي الله عنها، قلت: يا رسول الله، الرجل يذهب فوه، يستاك؟ قال: نعم، قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل أصبعه في فيه، فيدلكه» (2).
ولا يحصل السواك بالإصبع في الأصح عند الشافعية، والحنابلة، كما لايحصل بخرقة عند الحنابلة، ويصح بكل خشن عند الشافعية؛ لأن استعمال الإصبع لا يسمى استياكاً، ولم يرد الشرع به، ولا يتحقق به الإنقاء الحاصل بالعود.
ويغسل السواك بالماء بعد استعماله ليزيل ما عليه، قالت عائشة: «كان نبي الله صلّى الله عليه وسلم يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه» (3).
ولا يستاك بعود الرمان ولا الآس ولا الريحان ولا الأعواد الذكية الرائحة؛ لأنها تضر بلحم الفم، ولايحصل الإنقاء بها، ولم يرد بها الشرع، قال النبي صلّى الله عليه وسلم:
_________
(1) تكلم فيه المحدثون، ورواه أيضاً ابن عدي والدارقطني (نيل الأوطار:106/ 1، نصب الراية:10/ 1).
(2) فيه راو ضعيف (مجمع الزوائد:100/ 2) وروى أحمد عن علي أنه دعا بكوز من ماء، فغسل وجهه وكفيه ثلاثاً، وتمضمض ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه .. » وفيه دلالة على أنه يجزئ التسوك بالإصبع (نيل الأوطار:106/ 1).
(3) رواه أبو داود (سنن أبي داود:13/ 1).

(1/458)

«لا تخللوا بعود الريحان، ولا الرمان، فإنهما يحركان عرق الجذام». (1)
ولا يستاك أيضاً بقصب الشعير ولا بعود الحلفاء ونحوهما من كل ما يضر أو يجرح؛ ولأنهما يورثان الأكلة أو البرص.
ولا يتسوك ولا يتخلل بما يجهله، لئلا يتضرر منه.
ويقول إذا استاك: (اللهم طهر قلبي، ومحِّص ذنوبي) (2).
وقال بعض الشافعية: وينوي به الإتيان بالسنة.
ولا يكره السواك في المسجد، لعدم الدليل الخاص بالكراهة.
ويكره أن يزيد طول السواك على شبر، في البيهقي عن جابر قال: «كان موضع سواك رسول الله صلّى الله عليه وسلم موضع القلم من أذن الكاتب».

رابعاً ـ فوائد السواك: ذكر العلماء من فوائد السواك: أنه يطهر الفم، ويرضي الرب، ويبيض الأسنان، ويطيب النكهة، ويسوِّي الظهر، ويشد اللثة، ويبطئ الشيب، ويصفي الخلقة، ويذكي الفطنة، ويضاعف الأجر، ويسهل النزع، ويذكّر الشهادة عند الموت (3). ونحو ذلك، مما يصل إلى بضع وثلاثين فضيلة، نظمها الحافظ ابن حجر (4).
_________
(1) رواه محمد بن الحسين الأزدي الحافظ بإسناده عن قبيصة بن ذؤيب.
(2) استحب بعضهم أن يقول في أول السواك: اللهم بيض به أسناني، وشدّ به لثاتي، وثبِّت به لهاتي، وبارك لي يا أرحم الراحمين. قال النووي: وهذا لا بأس به، وإن لم يكن له أصل، فإنه دعاء حسن (مغني المحتاج:56/ 1).
(3) راجع مغني المحتاج:57/ 1.
(4) انظر حاشية الصاوي على الشرح الصغير للدردير:125/ 1.

(1/459)

ويوصي الأطباء المعاصرون باستعمال السواك لمنع نخر الأسنان، والقَلَح (الطبقة الصفراء على الأسنان)، والتهابات اللثة والفم، ومنع الاختلاطات العصبية والعينية والتنفسية والهضمية، بل ومنع ضعف الذاكرة وبلادة الذهن، وشراسة الأخلاق.

ما يلحق بالسواك من سنن العادات الحسنة (سنن الفطرة):
ورد في السنة النبوية أحاديث تبين مجموعة حسنة من الآداب أو السنن الدينية المرتبطة بنظافة أجزاء الإنسان من أشعار وأظفار ونحوها، يحسن ذكرها كما وردت، ثم تشرح وتوضح على طريقة الفقهاء.
ومن أهم هذه الأحاديث اثنان: الأول ذكر فيه خمس خصال من الفطرة، والثاني ذكر فيه عشر خصال:

سنن الفطرة الخمس:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: خمس من الفطرة: الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار» (1).
والاستحداد: هو حلق العانة، وهو سنة بالاتفاق، ويكون بالحلق، والقص، والنتف، والنورة (الكلس). قال النووي: والأفضل الحلق. والمراد بالعانة: الشعر النابت حول فرج الرجل، أو فرج المرأة.
والخِتَان: قطع جميع الجلدة التي تغطي حشفة ذكر الرجل، حتي ينكشف جميع الحشفة. وفي المرأة قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج. ويسمى ختان الرجل إعذاراً، وختان المرأة: خفضاً، فالخفض للنساء كالختان للرجال.
_________
(1) رواه الجماعة (نيل الأوطار:108/ 1وما بعدها).

(1/460)

ويستحب أن يكون في اليوم السابع من الولادة، والأظهر أنه يحسب يوم الولادة. وهو سنة للرجل، مكرمة للمرأة عند الحنفية والمالكية، لحديث: «الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء» (1).
وواجب عند الشافعية والحنابلة للذكر والأنثى، لقوله صلّى الله عليه وسلم لرجل أسلم: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن» (2) ولخبر أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أسلم فليختتن» (3) وفي حديث آخر لأبي هريرة: «اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقَدُّوم» (4) أي آلة النجارة، ولأنه من شعار المسلمين، فكان واجباً كسائر شعاراتهم.
والدليل على أنه مكرمة لا واجب للنساء عند الحنابلة: حديث: «الختان سنة للرجال، ومكرمة للنساء» وحديث «أشمِّي ولا تنهكي» (5) وفي حديث أم عطية: «إذا خَفَضْتِ فأشِمِّي».
وقص الشارب: هو سنة بالاتفاق. والقاص مخير بين أن يتولى ذلك بنفسه، أو يوليه غيره، لحصول المقصود، بخلاف الإبط والعانة.
والمراد به عند الشافعية والمالكية: التقصير بأن يؤخذ من الشارب حتى يبدو
_________
(1) رواه أحمد والبيهقي من حديث الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، وفيه اضطراب، وقال عنه البيهقي: هو ضعيف منقطع (نيل الأوطار:113/ 1) ورواه الخلال بإسناده عن شداد بن أوس.
(2) رواه أبو داود من حديث عثيم، وفيه مقال.
(3) ذكره الحافظ ابن حجر في التلخيص الجبير، ولم يضعفه، وتعقب بقول ابن المنذر: ليس في الختان خبر يرجع إليه، ولا سنة تتبع.
(4) متفق عليه (نيل الأوطار: 1/ 111).
(5) روي عن جابر بن زيد موقوفاً عليه أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للخافضة: الخاتنة «أشِمِّي ولا تَنْهكي» أي اقطعي بعض النواة ولا تستأصِليها.

(1/461)

أطراف الشفة، وهو معنى الحديث «احْفُوا الشوارب وأرْخوا اللحى، خالفوا المجوس» (1) أو «جزوا الشوارب».
ويراد به عند الحنفية: الاستئصال، لظاهر الحديث السابق: «احفوا وانهَكُوا».
ويخير عند الحنابلة بين القص والإحفاء، والحف أولى نصاً.
أما إرخاء أو إعفاء اللحية: فهو تركها وعدم التعرض لها بتغيير، وقد حرم المالكية والحنابلة حلقها، ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة، ولا أخذ ما تحت حلقه، لفعل ابن عمر (2).
ويكره حلقها تحريماً عند الحنفية، ويكره تنزيهاً عند الشافعية، فقد ذكر النووي في شرح مسلم عشر خصال مكروهة في اللحية، منها حلقها، إلا إذا نبت للمرأة لحية، فيستحب لها حلقها.
ونتف الإبط: هو سنة بالاتفاق أيضاً.
وتقليم الأظافر: هو سنة بالاتفاق أيضاً.
ويستحب في كل ما سبق البدء بالجانب الأيمن، لحديث التيامن المتقدم، وفيه: «كان يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله».
_________
(1) رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة، وفي معناه روى أحمد والشيخان عن ابن عمر: «خالفوا المشركين، وفِّروا اللِّحى، وأحفوا الشوارب» وروى أحمد والنسائي والترمذي وقال: حديث صحيح عن زيد بن أرقم: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» (نيل الأوطار: 14/ 1 وما بعدها).
(2) كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته، فما فضل أخذه (المرجع السابق).

(1/462)

خصال الفطرة العشر:
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسِّواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البَرَاجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء يعني الاستنجاء، قال الراوي مصعب بن شيبة: ونسيت العاشرة، إلا أن تكون المضمضة» (1) وقال النووي عن العاشرة: لعلها الختان، وهو أولى.
وقد سبق بيان هذه الخصال في الحديث السابق وفي سنن الوضوء، أما غسل البراجم: فهو سنة مستقلة ليست بواجبة، والبراجم: عقد الأصابع ومعاطفها كلها. قال العلماء: ويلحق بالبراجم: ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن، وقعر الصماخ، فيزيله بالمسح ونحوه.
وأما انتقاص الماء فهو الاستنجاء، وفي رواية: الانتضاح: وهو نضح الفرج بماء قليل بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس.

آراء الفقهاء في خصال الفطرة:
بناء على ما ورد في الحديثين السابقين وغيرهما قال الفقهاء (2):

1ً - الطيب والظفر والكحل: يسن الادهان في بدن وشعر غِبَّاً: يوماً فيوماً، والاكتحال وتراً في كل عين قبل النوم، والوتر: ثلاثة في العين اليمنى،
_________
(1) رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي عن عائشة، ورواه أبو داود من حديث عمار، وصححه ابن السكن قال الحافظ ابن حجر: وهو معلول. ورواه الحاكم والبيهقي من حديث ابن عباس موقوفاً (نيل الأوطار: 110/ 1).
(2) المغني: 85/ 1 - 94، كشاف القناع: 82/ 1 - 91، الحضرمية: ص9، الفتاوى الهندية: 367/ 5 - 370.

(1/463)

وثلاثة في اليسرى، وتقليم الأظافر بادئاً ـ كما يرى الشافعية ـ بسبابة يده اليمنى إلى الخنصر، ثم الإبهام، ثم خنصر اليسرى إلى الإبهام. ويستحب سل رؤوس الأصابع بعد قص الأظافر تكميلاً للنظافة، وينبغي دفن الشعر والأظافر وإن رمى به فلا بأس. وقطع الظفر بالأسنان مكروه يورث البرص.
والدليل لما سبق بالترتيب: أنه عليه السلام «نهى عن الترجل إلا غِبَّاً» (1). وروى ابن عباس عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه «كان يكتحل بالإثْمِد (حجر للكحل معروف)، كل ليلة، قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال» (2).
وتقليم الأظفار من سنن الفطرة، في الحديثين السابقين. والمرأة تتطيب في بيتها، وتمنع من الطيب في غير بيتها لأنه يؤدي إلى الفتنة والفساد. قال الحنفية: قلم الأظفار سنة إلا في دار الحرب فإن تركها مندوب إليه.

2ً - الانتعال وإطالة الثياب: يكره بلا عذر المشي في نعل واحد للنهي الصحيح عنه، ولئلا يختل توازنه ومشيه، كما يكره الانتعال قائماً للنهي الصحيح عنه، ولأنه يخشى منه السقوط.
ويكره إطالة العَذَبة (طرف العمامة) والثوب والإزار عن الكعبين، لا للخيلاء، وإلا حرم. ولا يكره إرسال العَذَبة ولا عدمه، كما لا يكره للمرأة إرسال ثوبها على الأرض ذراعاً.
_________
(1) رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي عن عبد الله بن المغفَّل (نيل الأوطار: 123/ 1)، والترجل: تسريح الشعر ودهنه، وروى أحمد عن أبي أيوب مرفوعاً: «أربع من سنن المرسلين: الحِنِّاء، والتعطر، والسواك، والنكاح» وعن أنس: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «حبب إلي من الدنيا: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» رواه النسائي وأحمد وابن أبي شيبة، والمرسل أشبه بالصواب (نيل الأوطار: 127/ 1).
(2) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه.

(1/464)

3ً - الختان: سنة عند الحنفية والمالكية: واجب عند الشافعية والحنابلة للذكر والأنثى، كما بينا في شرح الحديث السابق. ويجب للذكر والأنثى في رأي الحنابلة عند البلوغ ما لم يخف على نفسه، لقول ابن عباس: «وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك» (1).
والختان في الصغر أفضل منه عند التمييز، لأنه أسرع برءاً.
ويكره الختان قبل اليوم السابع من الولادة.
ويجوز أن يختن نفسه إن قوي عليه وأحسنه، لأنه قد روي أن إبراهيم عليه السلام ختن نفسه.

4ً - الشعر: يسن الامتشاط غِبّاً كالادهان، ويفعله كل يوم لحاجة لخبر أبي قتادة عند النسائي. واللحية كالرأس في ذلك.
ويسن قص الشارب وإعفاء اللحية ونتف الإبط، لأنها من خصال الفطرة في الحديث السابق. ويكون ذلك مع تقليم الأظفار وحلق العانة يوم الجمعة، وقيل: يوم الخميس، وقيل: يخير. ويدفن الشعر والظفر والدم، لما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلم (2).
ويفعل ما ذكر كل أسبوع، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم «كان يأخذ أظفاره وشاربه كل
_________
(1) رواه البخاري.
(2) روى الخلال بإسناده عن مثلة بنت مشرح الأشعرية، قالت: «رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها، ويقول: رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يفعل ذلك» وعن ابن جريح عن النبي صلّى الله عليه وسلم يقول: «كان يعجبه دفن الدم» وكان ابن عمر يدفن شعره وأظفاره (كشاف القناع: 84/ 1 وما بعدها، المغني: 88/ 1) وروى الديلمي في مسند الفردوس عن علي في حديث ضعيف: «قص الظفر ونتف الإبط وحلق العانة يوم الخميس، والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة».

(1/465)

جمعة» (1) فالأفضل أن يقلم أظفاره ويحفي شاربه ويحلق عانته وينظف بدنه بالاغتسال في كل أسبوع مرة.
ويكره ترك التقليم، والحلق لشعر الرأس والعانة، والنتف فوق أربعين يوماً، ويستحب حلق الرأس في كل جمعة، ويكره القزَع وهو أن يحلق البعض ويترك البعض قطعاً مقدار ثلاثة أصابع، وعن أبي حنيفة: يكره أن يحلق قفاه إلا عند الحجامة. وحلق الشعر وقص الأظفار حال الجنابة مكروه.
وكان هديه صلّى الله عليه وسلم في حلق رأسه: تركه كله أو حلقه كله، ولم يكن يحلق بعضه ويدع بعضه. ويسن أن يغسله ويسرحه متيامناً لحديث «من كان له شعر فليكرمه» (2) قال ابن عبد البر: أجمع العلماء في جميع الأمصار على إباحة الحلق، أي حلق الذكر رأسه ولو لغير نسك وحاجة.
ويكره نتف الشيب، لحديث «نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن نتف الشيب، وقال: إنه نور الإسلام» (3). ويكره أيضاً نتف اللحية إيثاراً للمردودة، ويكره القَزَع: وهو حلق بعض الرأس - كما تقدم - للنهي عنه، ويكره حلق القفا منفرداً عن الرأس إذا لم يحتج إليه لحجامة أو غيرها - كما تقدم -، لأنه من فعل المجوس. ويخضب الشيب بحمرة أو صفرة، اتباعاً للسنة (4)، ويكره أو يحرم بسواد إلا في حالة الحرب لإرهاب الكفار.
وللمرأة المزوجة أن تخضب يديها ورجليها بالحنَّاء إن أحب ذلك زوجها.
_________
(1) رواه البغوي بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص (كشاف القناع، المكان السابق).
(2) رواه أبو داود، وإسناده حسن (نيل الأوطار: 123/ 1).
(3) رواه الخلال من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وروى أيضاً من حديث طارق بن حبيب: «من شابه شيبة في الإسلام، كانت له نوراً يوم القيامة» (المغني: 91/ 1).
(4) رواه أحمد وغيره (المغني: 91/ 1 وما بعدها).

(1/466)

ويكره للمرأة حلق رأسها وقصه تماماً من غير عذر، قال عكرمة: «نهى النبي صلّى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها» (1)، فإن كان ثَمَّ عذر كقروح لم يكره. ويحرم حلقها رأسها لمصيبة كلطم خد وشق ثوب ويجوز للمرأة قص شعرها لما دون الأذن، حتى لاتتشبه بالرجال، ولها التجمل لزوجها أو للنساء بمختلف أنواع التسريحات، مالم تقصد التشبه بالكافرة أو الساقطة.

5ً - التزين: لا بأس بالنظر في المرآة، ويقول حينئذ: (اللهم كما حسَّنت خَلْقي، فحسِّن خُلُقي، وحرِّمْ وجهي على النار) (2).
ويكره ثقب أذن صبي، لا بنت نصاً، لحاجتها للتزين بخلافه.
ويحرم نمص (وهو نتف الشعر من الوجه)، ووَشْر (أي برد الأسنان لتحدد وتفلج وتحسن)، ووشْم (وهو غرز الجلد بإبرة حتى يخرج الدم ثم حشوه كحلاً أو نيلة ليخضر أو يزرق بسبب الدم الحاصل بغرز الإبرة)، ووصل شعر بشعر، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله» (3) أي الفاعلة، والمفعول بها ذلك بأمرها، واللعنة
_________
(1) رواه الخلال بإسناده عن قتادة عن عكرمة.
(2) لخبر أبي هريرة، رواه أبو بكر بن مردويه، والخلق الأول: الصورة الظاهرة، والثاني: الصورة الباطنة.
(3) رواه الجماعة عن ابن مسعود، ورواه الجماعة أيضاً عن ابن عمر: «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة» وهم صحيحان (نيل الأوطار: 190/ 6) والواصلة: هي التي تصل شعر امرأة بشعر امرأة أخرى، لتكثر به شعر المرأة. والمستوصلة: هي التي تطلب أن يفعل بها ذلك، ويقال لها: موصولة. والوشم حرام على الفاعل والمفعول به. والمتنمصات: جمع متنمصة: وهي التي تطلب نتف الشعر من وجهها، والنامصة: المزيلة شعرها من نفسها أو من غيرها، والمتفلجات جمع متفلجة وهي التي تبرد ما بين أسنانها والثنايا والرباعيات. قال الطبري: لا يجوز للمرأة تغيير شيء من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص، التماس حسن، لا للزوج ولا لغيره،.كمن تكون مقرونة الحاجبين، فتزيل ما بينهما توهم البلج وعكسه (تحفة الأحوذي بشرح الترمذي: 67/ 1).

(1/467)

على الشيء تدل على تحريمه؛ لأن فاعل المباح لا تجوز لعنته. وعلى هذا فلا يجوز وصل شعر المرأة بشعر آخر لهذا الحديث، وأما وصله بغير الشعر: فإن كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس به، لأن الحاجة داعية إليه، ولا يمكن التحرز منه، كذلك لا يحرم في الأصح ما يزيد عن الحاجة إن كان فيه مصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة. وقال مالك: الوصل ممنوع بكل شيء، سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق، لحديث جابر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم زجر أن تصل المرأة برأسها شيئاً» (1).
وقد فصل الشافعية والحنابلة في موضوع وصل الشعر، فقالوا: إن وصلت المرأة شعرها بشعر آدمي، فهو حرام بلا خلاف، سواء أكان شعر رجل أم امرأة، وسواء أكان شعر قريب محرم أم زوج أم غيرهما لعموم الأدلة، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه.
وإن وصلته بشعر غير آدمي: فإن كان شعراً نجساً، وهو عندهم: شعر الميتة وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته، فهو حرام أيضاً للحديث، ولأنه حمل نجاسة في صلاتها وغيرها عمداً. وهاتان الحالتان يستوي فيهما المرأة المزوجة وغيرها من النساء، والرجال. لكن الأوجه عند الشافعية أنه يجوز التنميص بإذن الزوج؛ لأن له غرضاً في تزيينها له، وقد أذن لها فيه (2).
وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي: فإن لم يكن لها زوج فالوصل حرام أيضاً، وإن كان لها زوج يجوز لها في الأصح بإذن الزوج، وإلافهو حرام.
وأما نتف الشعر (النَّمْص) فهو حرام مطلقاً، إلا إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب، فلا يحرم إزالتها، بل يستحب، كما قال النووي وغيره.
_________
(1) نيل الأوطار: 191/ 6.
(2) مغني المحتاج: 191/ 1والظاهر أن هذا إذا أعقبه ستر الوجه عن الأجانب.

(1/468)

والتحريم المذكور في الحديث إذا كان لقصد التحسين، لا لداء وعلة، فإنه ليس بمحرم. والمحرم فقط هو نتف الشعر من الوجه، وللمرأة حلق الوجه وحفه نصاً، ولها تحسين شعرها وتحميره ونحوه من كل ما فيه تزيين للزوج، ولها التحذيف، أي إرسال الشعر الذي بين العذار والنزعة، ويكره ذلك، كما يكره حف الوجه للرجل.
وينبني على ذلك أنه يحرم قلع سن أو إصبع زائدة أو عضو زائد؛ لأنه من تغيير خلق الله، قال القاضي عياض: إلا أن تكون هذه الزوائد مؤلمة ويتضرر بها، فلا بأس بنزعها، واستثنى الطبري ما يحصل به الضرر والأذية، كالسن الزائدة أو الطويلة التي تعوق في الأكل أو الأصبع الزائدة التي تؤذي أو تؤلم، سواء للمرأة أو للرجل (1).
ويكره كسب الماشطة ككسب الحمامي، ويحرم على النساء التشبه بالمردان، كما يحرم على المردان التشبه بالنساء.
ويكره كما تقدم نتف الشيب من المحل الذي لا يطلب منه إزالة شعره، لخبر الترمذي وحسنه: «لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم يوم القيامة».

6ً - تغطية الإناء: يسن تخمير الإناء أي تغطيته، ولو بعود، لحديث: «أوك سِقاك، واذكر اسم الله، وخمِّر إناءك، واذكر اسم الله، ولو أن تعرض عليه عوداً» (2) وحكمة وضع العود: أن يعتاد تخميره ولا ينساه، وربما كان سبباً لرد دبيب بحباله، أو بمروره عليه. ويسن مع ذكر اسم الله إيكاء السقاء (ربط فم وعاء الماء) إذا أمسى، للخبر السابق.
_________
(1) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: 68/ 1.
(2) متفق عليه.

(1/469)

7ً - النوم: يسن إغلاق الباب وإطفاء المصباح عند الرقاد، وإطفاء الجمر عند الرقاد مع ذكر اسم الله، للحديث السابق. وينفض الفراش عند إرادة النوم، ويسن وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن، ويجعل وجهه نحو القبلة على جنبه الأيمن، ويتوب إلى الله تعالى، ويقول ما ورد: (باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لي، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
ويستحب قراءة سورة السجدة (آلم)، وسورة الملك (تبارك)، وروى الإمام أحمد والترمذي والخلا ل عن جابر أنه صلّى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك أي الدعاء والقراءة. ويستحب أيضاً قراءة آخر سورة البقرة: {آمن الرسول} [البقرة:285/ 2] وآية الكرسي والمعوذتين وسورة الإخلاص، وإذا استيقظ من النوم نظر في السماء وقرأ آخر آل عمران: {إن في خلق السموات والأرض} [آل عمران:190/ 3].
ويكره النوم على سطح ليس عليه حاجز، لنهيه عليه السلام (1)، وخشية أن يتدحرج، فيسقط عنه.
ويكره نومه على بطنه وعلى قفاه (2)، إن خاف انكشاف عورته.
ويكره النوم بعد العصر لحديث: «من نام بعد العصر، فاختل عقله، فلا يلومن إلا نفسه» (3)، والنوم بعد الفجر، لأنه وقت قسْم الأرزاق، كما ثبت في السنة، والنوم تحت السماء متجرداً من ثيابه مع ستر العورة فقط، والنوم بين قوم
_________
(1) رواه الترمذي من حديث جابر.
(2) قال بعضهم في الآداب الكبرى: النوم على القفا رديء يضر الإكثار منه بالبصر، وبالمني، وإن استلقى للراحة بلا نوم لم يضر. وأردأ من ذلك النوم منبطحاً على وجهه.
(3) رواه أبو يعلى الموصلي عن عائشة، لكنه حديث ضعيف.

(1/470)

مستيقظين؛ لأنه خلاف المروءة، والنوم وحده لحديث «نهى عن الوحدة، وأن يبيت الرجل وحده» (1)،كما يكره السفر وحده، لخبر «الواحد شيطان» (2).
والنوم والجلوس بين الظل والشمس، لنهيه عليه السلام عنه (3)،وفي الخبر: أنه مجلس الشيطان.
ويكره ركوب البحر عند هيجانه؛ لأنه مخاطرة.
وتستحب القائلة (4) أو القيلولة: أي الاستراحةوسط النهار، وإن لم يكن مع ذلك نوم، شتاء أو صيفاً.
ويقرأ عند الميت (يس) لحديث عند أبي داود وغيره، ويقرأ عند المريض الفاتحة والإخلاص والمعوذتين مع النفخ في اليدين ويمسحه بهما، كما ثبت في الصحيحين، ويقرأ الكهف يوم الجمعة وليلتها.
وسيأتي في بحث الحظر والإباحة مزيد بيان لأحوال الإنسان وعاداته في اللبس واستعمال الأواني والنظر واللمس واللهو والطعام والشراب.

المبحث الثالث ـ المسح على الخفين معناه ومشروعيته، كيفيته ومحله، وشروطه، مدته، مبطلاته، المسح على العمامة، المسح على الجوارب، المسح على الجبائر.
أولاً ـ معنى المسح على الخفين ومشروعيته: المسح على الخفين بدل عن غسل الرجلين في الوضوء، ومعناه لغة: إمرار
_________
(1) رواه أحمد عن ابن عمر مرفوعاً، وهو حديث حسن.
(2) رواه الحاكم عن أبي هريرة: «الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب» وهو صحيح.
(3) رواه أحمد.
(4) القائلة لغة: النوم في الظهيرة.

(1/471)

اليد على الشيء. وشرعاً: إصابة اليد المبتلة بالماء (البِلَّة) لخف مخصوص في موضع مخصوص، وفي زمن مخصوص، والخف شرعاً: الساتر للكعبين فأكثر من جلد ونحوه. والموضع المخصوص: ظاهر الخفين لا باطنهما، والزمن المخصوص: هو يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر (1). ولم يحدد المالكية مدة للمسح كما سيأتي بيانه، كما أن الإمامية حال تجويزه للضرورة لم يقدروا مدة المسح بيوم ولا ثلاثة أيام.
وصفة المسح: أنه شرع رخصة، وهو جائز في المذاهب الأربعة في السفر والحضر، للرجال والنساء (2)، تيسيراً على المسلمين، وبخاصة في وقت الشتاء والبرد، وفي السفر، ولأصحاب الأعمال الدائمة كالجنود والشرطة والطلاب المواظبين على العمل في الجامعات ونحوهم.
وقد ثبتت مشروعيته بالسنة النبوية في طائفة من الأحاديث منها:
1 - حديث علي رضي الله عنه قال: «لو كان الدين بالرأي، لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه» وقال علي أيضاً: «جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم» (3).
2 - حديث المغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلم (4)، فتوضأ، فأهويت
_________
(1) الدر المختار: 240/ 1 وما بعدها.
(2) بداية المجتهد: 17/ 1، القوانين الفقهية: ص 8338، مراقي الفلاح: ص 21.
(3) الحديث الأول: أخرجه أبو داود والدارقطني بإسناد حسن، وقال ابن حجر: إنه حديث صحيح. والثاني أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه (سبل السلام: 58/ 1 - 60، نيل الأوطار: 184/ 1).
(4) أي في سفر، كما صرح به البخاري، وعند مالك وأبي داود: السفر في غزوة تبوك.

(1/472)

لأنزع خفيه، فقال: دعهما،
فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما» (1).
3 - حديث صفوان بن عَسَّال، قال: أمرنا، يعني النبي صلّى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين، إذا نحن أدخلناهما على طُهْر، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول، ولا نخلعهما إلا من جنابة» (2).
4 - حديث جرير، أنه بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: «نعم رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم بال، ثم توضأ ومسح على خفيه» (3). ومن المعروف أن إسلام جرير كان بعد نزول سورة المائدة التي فيها آية الوضوء.
قال النووي في شرح مسلم: وقد روى المسح على الخفين خلائق لا يحصون من الصحابة. وصرح جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته، فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة المبشرون بالجنة. وقال الإمام أحمد: فيه أربعون حديثاً عن الصحابة مرفوعة. وقال الحسن: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان يمسح على الخفين (4) والقول بالمسح قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وسعد بن أبي وقاص وبلال وحذيفة وبريدة وخزيمة بن ثابت وسلمان وجرير البجلي وغيرهم.
وقد أنكر الشيعة الإمامية والزيدية والإباضية والخوارج مشروعية المسح على
_________
(1) متفق عليه (سبل السلام: 57/ 1، نيل الأوطار: 180/ 1).
(2) رواه أحمد وابن خزيمة، والنسائي والترمذي، وصححه الترمذي وابن خزيمة، ورواه الشافعي وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والبيهقي، وقال البخاري: إنه حديث حسن (نيل الأوطار: 181/ 1، سبل السلام: 59/ 1).
(3) متفق عليه، ورواه أبو داود (نيل الأوطار: 176/ 1).
(4) أخرجه عنه ابن أبي شيبة.

(1/473)

الخفين (1)، والأدق أن يقال: إن الإمامية لا يجيزون المسح مع الاختيار، ويجيزونه للضرورة عند الخوف والتَّقية، أما الخوارج فلا يجوز عندهم ولو لضرورة.
والواجب في المسح عند الحنفية (2): هو قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد، على ظاهر مقدم كل رجل، مرة واحدة، اعتباراً لآلة المسح، فلا يصح على باطن القدم، ولاعقبه، ولا جوانبه وساقه. ولا يسن تكراره ولا مسح أسفله لأنه يراعى فيه جميع ما ورد به الشرع.
واستدلوا على رأيهم بأدلة لا تخلو من مناقشة، بل هي واهية، منها:
1 - إنه منسوخ بآية الوضوء في سورة المائدة التي لم يذكر فيها المسح على الخفين، وإنما قال تعالى: {وأرجلَكم إلى الكعبين} [المائدة:6/ 5] فعينت الآية مباشرة الرجلين بالماء.
روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: سبق الكتاب الخفين، وقال ابن عباس: ما مسح رسول الله صلّى الله عليه وسلم بعد المائدة. ورد: بأن الوضوء ثابت قبل نزول المائدة بالاتفاق، فإن كان المسح على الخفين ثابتاً قبل نزولها، فورودها بغسل الرجلين، أو مسحهما على رأي الإمامية دون التعرض للمسح، لا يوجب نسخ المسح على الخفين. وإن كان المسح غير ثابت قبل نزولها فلا نسخ قطعاً. ثم إن إسلام جرير راوي الحديث السابق كان بعد نزول المائدة كما بينا، وقد رأى الرسول عليه السلام يمسح على خفيه، ومن شرط النسخ تأخر الناسخ.
والخلاصة: أن آية الوضوء نزلت في غزوة المُرَيسيع، ومسحهصلّى الله عليه وسلم في غزوة تبوك (1)، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر؟!
وأما قول علي فيما أخرجه عنه ابن أبي شيبة، فهو منقطع، كذا ما روي عن
_________
(1) نيل الأوطار: 176/ 1 - 178، كتاب الخلاف في الفقه للطوسي عند الإمامية: 60/ 1 - 61، شامل الأصل والفرع عند الإباضية للشيخ محمد بن يوسف أطَّفَيِّش: 211/ 1، سبل السلام: 57/ 1 وما بعدها.
(2) غزوة المريسيع أو غزوة بني المصطلق وقعت في شعبان في السنة السادسة من الهجرة، وحدث اللقاء على ماء يقال له (المريسيع) من ناحية قديد إلى الساحل. وغزوة تبوك أو غزوة العسرة حدثت في رجب من التاسعة للهجرة.

(1/474)

ابن عباس، مع أنه مخالف ما ثبت عنهما من القول بالمسح، وعارض حديثهماما هو أصح منهما، وهو حديث جرير البجلي.
2 - الأخبار الواردة بمسح الخفين نسخت بآية المائدة التي ذكر فيها الوضوء.
والجواب: أن الآية عامة مطلقاً باعتبار حالتي لبس الخف وعدمه، فتكون أحاديث الخفين مخصِّصة أو مقيدة، فلا نسخ، وتلك الأحاديث متواترة كما بينت، فتصلح مخصصة بالاتفاق، أي أن قوله تعالى {وأرجلكم} [المائدة:6/ 5] مطلق قيدته أحاديث المسح على الخف، أو عام خصصته تلك الأحاديث.
3 - لم يذكر المسح على الخفين في أحاديث الوضوء، وإنما فيها كلها الأمر بغسل الرجلين، دون ذكر المسح، وفيها بعد غسل الرجلين: (لا يقبل الله الصلاة من دونه) وقوله عليه السلام لمن لم يغسل عقبه: «ويل للأعقاب من النار».
والجواب: أن غاية ما اشتملت عليه الأحاديث الأمر بالغسل، دون حصر ولا قصر ينفي مشروعية غيره، ولو كان فيها ما يدل على الغسل فقط، لكانت مخصصة بأحاديث المسح المتواترة. وأما لفظ (لا يقبل الله الصلاة بدونه) فلم يثبت من وجه يعتد به. وأما حديث «ويل للأعقاب من النار» فهو وعيد لمن مسح رجليه، ولم يغسلهما، ولم يرد في المسح على الخفين.
وهو لا يشمل المسح على الخفين، لأنه يدع رجله كلها، ولا يدع العقب فقط. ثم إن أحاديث المسح مخصصة للماسح من ذلك الوعيد.
ويمكن أن يقال: قد ثبت في آية المائدة قراءة بالجر لأرجلكم عطفاً على الممسوح وهو الرأس، فيحمل على مسح الخفين كما بينت السنة، ويتم ثبوت المسح بالسنة والكتاب، وهو أحسن الوجوه التي توجه به قراءة الجر.

(1/475)

ثانياً ـ كيفية المسح على الخفين ومحله: كيفيته: الابتداء من أصابع القدم خطوطاً بأصابع اليد إلى الساق.
والواجب في المسح عند الحنفية (1): هو قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد، على ظاهر مقدم كل رجل، مرة واحدة، اعتباراً لآلة المسح، فلا يصح على باطن القدم، ولاعقبه، ولا جوانبه وساقه. ولا يسن تكراره ولا مسح أسفله لأنه يراعى فيه جميع ما ورد به الشرع.
والواجب عند المالكية (2): مسح جميع أعلى الخف، ويستحب أسفله أيضاً. وعند الشافعية (3): يكفي مُسمَّى مسح، كمسح الرأس، في محل الفرض وهو ظاهر الخف، لا أسفله وحرفه وعقبه؛ لأن المسح ورد مطلقاً، ولم يصح فيه تقدير شيء معين، فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه اسم المسح، كإمرار يد أو عود ونحوهما، أي يجزئه أقل ما يقع عليه اسم المسح، ويسن مسح أعلاه وأسفلِه وعقبه خطوطاً، كما قال المالكية.
وعند الحنابلة (4): المجزئ في المسح: أن يمسح أكثر مقدم ظاهر الخف، خطوطاً بالأصابع، ولا يسن مسح أسفل الخف ولا عقبه، كما قال الحنفية. ودليلهم: أن لفظ المسح ورد مطلقاً، وفسره النبي صلّى الله عليه وسلم بفعله، فيجب الرجوع إلى تفسيره، وقد فسر المسح في حديث المغيرة بن شعبة ـ فيما يرويه الخلاّل بإسناده ـ قال: «ثم توضأ ومسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ووضع
_________
(1) مراقي الفلاح: ص222، البدائع: 12/ 1، اللباب: 43/ 1، فتح القدير: 103/ 1، الدر المختار: 246/ 1، 251، 260.
(2) القوانين الفقهية: ص 39، الشرح الصغير: 159/ 1.
(3) مغني المحتاج: 67/ 1، المهذب: 22/ 1.
(4) المغني: 298/ 1، كشاف القناع: 130/ 1، 133.

(1/476)

يده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني أنظر إلى أثر أصابعه على الخفين».
والخلاصة: أن الواجب هو مسح جميع ظاهر الخف عند المالكية، كسائر أعضاء الوضوء، وبمقدار ثلاث أصابع من اليد عند الحنفية كمسح الرأس في الوضوء، ومسح أكثر أعلى الخف عند الحنابلة لحديث المغيرة: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر الخفين» (1)
والواجب عند الشافعية: أقل ما يطلق عليه اسم المسح؛ لأن ما ورد في الشرع مطلقاً يتحقق بأي حالة من حالاته، والراجح تحقيق مدلول المسح على الخف، كالراجح في المسح بالرأس في الوضوء.
وسبب الاختلاف في مسح باطن الخف تعارض أثرين (2):
أحدهما ـ حديث المغيرة بن شعبة، وفيه أنه صلّى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله (3)، وبه أخذ المالكية والشافعية.
والثاني ـ حديث علي السابق: «لو كان الدين يؤخذ بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه» وبه أخذ الحنفية والحنابلة.
والفريق الأول: جمع بين الحديثين، فحمل حديث المغيرة على الاستحباب، وحديث علي على الوجوب.
والفريق الثاني: ذهب مذهب الترجيح، فرجح حديث علي على حديث المغيرة، لأنه أرجح سنداً، ولأن المسح على الخف شرع مخالفاً للقياس، فيقتصر فيه على النحو الذي ورد به الشرع.
_________
(1) رواه أحمد وأبو داود.
(2) بداية المجتهد: 18/ 1.
(3) رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه الدارقطني والبيهقي وابن الجارود، لكنه معلول ضعيف (نيل الأوطار: 185/ 1).

(1/477)

والثاني هو الأرجح في تقديري، وإن قال ابن رشد: والأسد في هذه المسألة هو مالك.
والخلاصة: أن محل المسح على الخف هو ظاهره وأعلاه ولا يمسح باطنه وأسفله عند الحنفية والحنابلة، ومحله المفروض عند المالكية والشافعية: هو أعلى الخف ويسن مسح أسفله معه.

سنة المسح: تبين مما ذكر أن للفقهاء رأيين في سنة المسح: قال الحنفية والحنابلة: يمسح خطوطاً بالأصابع بادئاً من ناحية الأصابع إلى الساق، لحديث المغيرة رضي الله عنه: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم مسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح إلى أعلاه مسحة واحدة» (1).
فإن بدأ في المسح من ساقه إلى أصابعه، أجزأه.
ويسن مسح الرجل اليمنى باليد اليمنى والرجل اليسرى باليد اليسرى، لحديث المغيرة السابق.
وقال المالكية والشافعية: صفة المسح المندوبة: أن يضع باطن كف يده على أطراف أصابع رجله اليمنى، ويضع باطن كف يده اليسرى تحت أصابع رجليه (عند المالكية) وتحت العقب (عند الشافعية)، ثم يمر يديه إلى آخر قدمه، أي أنه يندب عندهم مسح أعلى الخف مع أسفله معاً، ولا يسن استيعابه بالمسح، ويكره تكراره وغسله؛ لأن ذلك مفسد للخف، ولو فعل ذلك أجزأه.
_________
(1) رواه البيهقي في سننه، وابن أبي شيبة (نصب الراية: 180/ 1).

(1/478)

ثالثاً ـ شروط المسح على الخفين: هناك شروط ثلاثة متفق عليها فقهاً، وشروط مختلف فيها بين الفقهاء (1)، ومن المعلوم أنها جميعاً شروط في المسح لأجل الوضوء، أما من أجل الجنابة فلا يجوز المسح، أفلا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل، لحديث صفوان بن عسَّال المتقدم: «أمرنا النبي صلّى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين، إذا نحن أدخلناهما على طهر، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة».
الشروط المتفق عليها: اتفق الفقهاء على اشتراط شروط ثلاثة في المسح على الخفين لأجل الوضوء وهي ما يأتي:
1 ً - لبسهما على طهارة كاملة: لحديث المغيرة السابق، قال: «كنت مع النبي صلّى الله عليه وسلم في سفر، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما» (2)، واشترط الجمهور أن تكون تلك الطهارة بالماء، وأجاز الشافعية: أن تكون الطهارة بالماء من وضوء أو غسل، أو بالتيمم لا لفقد الماء.
وقد جعل المالكية هذا الشرط مشتملا على شروط خمسة في الماسح هي:
الأول - أن يلبس الخف على طهارة، فإن لبسه محدثاً، لم يصح المسح عليه. وأجاز الشيعة الإمامية أن يلبس الخف على طهارة أو غير طهارة.
_________
(1) راجع الدر المختار: 241/ 1 - 245، البدائع:9/ 1 وما بعدها، مراقي الفلاح: ص 22، الشرح الصغير:154 - 156، القوانين الفقهية: ص38، مغني المحتاج:65/ 1وما بعدها، المهذب:21/ 1، المغني:282/ 1،293،294،296، كشاف القناع:124/ 1 - 133، بداية المجتهد:19/ 1 - 21.
(2) متفق عليه.

(1/479)

الثاني ـ أن تكون الطهارة مائية، لا ترابية، وهذا شرط عند الجمهور غير الشافعية، فإن تيمم ثم لبس الخف، لم يكن له المسح عند الجمهور؛ لأنه لبسه على طهارة غير كاملة، ولأنها طهارة ضرورة بطلت من أصلها، ولأن التيمم لا يرفع الحدث، فقد لبسه وهو محدث. وقال الشافعية: إن كان التيمم لفقد الماء فلا يجوز المسح بعد وجود الماء، وإنما يلزمه إذا وجد الماء نزع الخف، والوضوء الكامل. أما إن كان التيمم لمرض ونحوه، فأحدث فله أن يمسح على الخف.
الثالث ـ أن تكون تلك الطهارة كاملة، بأن يلبسه بعد تمام الوضوء أو الغسل، الذي لم ينتقض فيه وضوءه. فإن أحدث قبل غسل الرجل، لم يجز له المسح؛ لأن الرِجْل حدثت في مقرها، وهو محدث، فصار كما لو بدأ اللبس وهو محدث.
والشرط عند الشافعية والحنابلة: أن تكون الطهارة كاملة عند اللبس، أي لا بد من كمال الطهارة جميعها، وأما عند الحنفية: فالطهارة عند الحدث بعد اللبس، أي لا يشترط كمال الطهارة، وإنما المطلوب إكمال الطهارة. ويظهر أثر الخلاف فيما لو غسل المحدث رجليه أولاً، ولبس خفيه، ثم أتم الوضوء قبل أن يحدث، ثم أحدث، جاز له أن يمسح على الخفين عند الحنفية، لوجود الشرط: وهو (لبس الخفين على طهارة كاملة وقت الحدث بعد اللبس). وعند الشافعية والحنابلة: لا يجوز لعدم الطهارة الكاملة وقت اللبس؛ لأن الترتيب شرط عندهم، فكان غسل الرجلين مقدماً على الأعضاء الأُُخر، كأن لم يكن.
الرابع ـ ألا يكون الماسح مترفهاً بلبسه، كمن لبسه لخوف على حناء برجليه، أو لمجرد النوم به، أو لكونه حاكماً، أو لقصد مجرد المسح، أو لخوف برغوث مثلاً، فلا يجوز له المسح. لكن لو لبسه لحر أو برد أو وعر، أو خوف عقرب، ونحو ذلك، فيجوز له المسح.

(1/480)

الخامس ـ ألا يكون عاصياً بلبسه، كمُحرم بحج أو عمرة، لم يضطر للبسه، فلا يجوز له المسح. أما المضطر للبسه، والمرأة، فيجوز له المسح. والمعتمد عند المالكية والحنابلة والشافعية: أنه يجوز المسح للعاصي بالسفر كالعاق والديه وقاطع الطريق. والضابط عند المالكية: أن كل رخصة جازت في الحضر، كمسح خف وتيمم وأكل ميتة، تفعل في السفر، وكل رخصة تختص بالسفر كقصر الصلاة وفطر رمضان تجوز في السفر لغير العاصي بسفره، أما هو فلا يجوز له ذلك (1).
2 ً - أن يكون الخف طاهراً، ساتراً المحل المفروض غسله في الوضوء: وهو القدم بكعبيه من سائر الجوانب، لا من الأعلى، فلا يجوز المسح على خف غير ساتر الكعبين مع القدم، كما لا يجوز المسح على خف نجس، كجلد الميتة قبل الدباغ عند الحنفية والشافعية، وكذلك بعد الدباغ عند المالكية والحنابلة؛ لأن الدباغ عندهم غير مطهر، والنجس منهي عنه.
3 ً - إمكان متابعة المشي فيه بحسب المعتاد: وتقدير ذلك محل خلاف، فقال الحنفية: أن يكون الخف مما يمكن متابعة المشي المعتاد فيه فرسخاً (2) فأكثر، فلا يجوز المسح على خف متخذ من زجاج أو خشب أو حديد، أو خف رقيق يتخرق بالمشي. واشترطوا في الخفين: استمساكهما على الرجلين من غير شد.
والمعتبر عند المالكية: أن يمكن تتابع المشي فيه عادة، فلا يجوز المسح على خف واسع لا تستقر القدم أو أكثرها فيه، وإنما ينسلت من الرجل عند المشي فيه.
والمقرر عند الأكثرين من الشافعية: أن يمكن التردد فيه لقضاء الحاجات، للمقيم سفر يوم وليلة، وللمسافر: سفر ثلاثة أيام ولياليهن، وهو سفر القصر؛ لأنه بعد انقضاء المدة يجب نزعه.
_________
(1) الشرح الكبير للدردير:143/ 1، كشاف القناع:128/ 1، مغني المحتاج:66/ 1.
(2) الفرسخ: ثلاثة أميال، اثنا عشر ألف خطوة، والميل:1848م، فيكون الفرسخ مساوياً5544م.

(1/481)

وانفرد الحنابلة برأي خاص هنا، فقالوا: إمكان المشي فيه عرفاً، ولو لم يكن معتاداً، فجاز المسح على الخف من جلد ولبود وخشب، وزجاج وحديد ونحوها؛ لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه، فأشبه الجلود، وذلك بشرط ألا يكون واسعاً يرى منه محل الفرض، أي كما قال الحنفية والمالكية.

الشروط المختلف فيها بين الفقهاء:
هناك شروط أخرى مقررة في المذاهب مختلف فيها وهي:
1 ً - أن يكون الخف صحيحاً سليماً من الخروق: هذا شرط مفرع على الشرط الثالث السابق، مشروط عند الفقهاء، لكنهم اختلفوا في مقدار الخرق اليسير المتسامح فيه.
فالشافعية في الجديد والحنابلة: لم يجيزوا المسح على خف فيه خرق، ولو كان يسيراً؛ لأنه غير ساتر للقدم، ولو كان الخرق من موضع الخرز؛ لأن ما انكشف حكمه حكم الغسل، وما استتر حكمه المسح، والجمع بينهما لا يجوز، فغلب حكم الغسل، أي أن حكم ما ظهر الغسل، وما استتر: المسح، فإذا اجتمعا غلب حكم الغسل، كما لو انكشفت إحدى قدميه.
والمالكية والحنفية: أجازوا استحساناً ورفعاً للحرج المسح على خف فيه خرق يسير؛ لأن الخفاف لا تخلو عن خرق في العادة، فيمسح عليه دفعاً للحرج. أما الخرق الكبير فيمنع صحة المسح، وهو عند المالكية: مالا يمكن به متابعة المشي، وهو الخرق الذي يكون بمقدار ثلث القدم، سواء أكان منفتحاً أم ملتصقاً بعضه ببعض، كالشق وفتق خياطته، مع التصاق الجلد بعضه ببعض. وإن كان الخرق دون الثلث ضر أيضاً إن انفتح، بأن ظهرت الرجل منه، لا إن التصق. ويغتفر الخرق اليسير جداً بحيث لا يصل بلل اليد حال المسح لما تحته من الرجل.

(1/482)

والخرق الكبير عند الحنفية: هو بمقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع القدم.
2 ً - أن يكون الخف من الجلد: هذا شرط عند المالكية، فلا يصح المسح عندهم على خف متخذ من القماش، كما لا يصح عندهم المسح على الجورب: وهو ما صنع من قطن أو كتان أو صوف، إلا إذا كسي بالجلد، فإن لم يجلَّد، فلا يصح المسح عليه. وكذلك قال الشافعية: لا يجزئ المسح على منسوج لا يمنع نفوذ الماء إلى الرجل من غير محل الخرز، لو صب عليه لعدم صفاقته.
واشترط المالكية أيضاً أن يكون الخف مخروزاً، لا إن لزق بنحو رسراس قصراً للرخصة على الوارد.
وأجاز الجمهور غير المالكية: المسح على الخف المصنوع من الجلود، أو الخِرَق، أو غيرها، فلم يشترطوا هذا الشرط. واشترط الحنفية والشافعية: أن يكون الخف مانعاً من وصول الماء إلى الجسد؛ لأن الغالب في الخفاف أنها تمنع نفوذ الماء، فتنصرف إليها النصوص الدالة على مشروعية المسح.
المسح على الجوارب: أجاز الحنفية على الراجح لديهم (1) المسح على الجوربين الثخينين بحيث يمشي به اللابس فرسخاً فأكثر، ويثبت الجورب على الساق بنفسه، ولا يرى ما تحته، ولا يشف (يرق حتى يرى ما وراءه).
وأجاز الحنابلة أيضاً المسح على الجورب الصفيق الذي لا يسقط إذا مشى فيه، أي بشرطين:
أحدهما ـ أن يكون صفيقاً لا يبدو منه شيء من القدم (2).
_________
(1) البدائع:10/ 1، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:348/ 1، وسيأتي بحث مفصل للمسح على الجوارب.
(2) وأجاز الشيخ جمال الدين القاسمي المسح على الجورب ولو لم يكن ثخيناً، كالجوارب الحديثة.

(1/483)

الثاني ـ أن يمكن متابعة المشي فيه.
ويجب أن يمسح على الجوربين وعلى سيور النعلين قدر الواجب. وسيأتي تفصيل آراء الفقهاء.
وأجاز الشافعية والحنابلة المسح على الخف المشقوق القدم كالزربول الذ ي له ساق إذا شد في الأصح بواسطة العرا، بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض إذا مشى عليه.
3 ً - أن يكون الخف مفرداً: (المسح على الجرموق): وهذا أيضاً شرط عند المالكية (1)، فلو لبس خفاً فوق خف (الجُرْموق) (2) ففي جواز المسح عليه قولان عندهم، الراجح أنه يجوز في هذه الحالة المسح على الأعلى، فلو نزعه، وكان على طهر، وجب عليه مسح الأسفل فوراً.
وقال الحنفية والحنابلة (3): يجزئ المسح على الجرموق فوق الخف، أي كما قال المالكية. لقول بلال: «رأيت النبي صلّى الله عليه وسلم يمسح على الموق» (4) ولقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «امسحوا على النصيف والموق» (5).
ولكن اشترط الحنفية لصحة المسح على الجرموق شروطاً ثلاثة:
_________
(1) القوانين الفقهية: ص39، الشرح الكبير:145/ 1، الشرح الصغير:157/ 1 وما بعدها.
(2) الجرموق: هو الجلد الذي يلبس على الخف ليحفظه من الطين ونحوه، على المشهور. ويقال له: الموق، وليس غيره.
(3) الدر المختار:247/ 1فتح القدير:108/ 1، كشاف القناع:124/ 1، 131 وما بعدها، المغني:284/ 1.
(4) رواه أحمد وأبو داود.
(5) رواه سعيد بن منصور في سننه عن بلال.
وأجاز الحنابلة المسح على الخف الأعلى قبل أن يحدث، ولو كان أحدهما مخروقاً، لا إن كانا مخروقين، كما يجوز المسح على الخف الأسفل بأن يدخل يده من تحت الفوقاني فيمسح عليه؛ لأن كل واحد منهما محل للمسح، فجاز المسح عليه إذا كان صحيحاً.

(1/484)

الأول ـ أن يكون الأعلى جلداً، فإن كان غير جلد يصح المسح على الأعلى إن وصل الماء إلى الأسفل.
الثاني ـ أن يكون الأعلى صالحاً للمشي عليه منفرداً، فإن لم يكن صالحاً لم يصح المسح عليه إلا بوصول الماء إلى الأسفل.
الثالث ـ أن يلبس الأعلى على الطهارة التي لبس عليها الأسفل.
ولا يجزئ عند الشافعية (1) في الأظهر الاقتصار في المسح على الخف الأعلى من الجرموقين (وهما خف فوق خف، كل منهما صالح للمسح عليه)؛ لأن الرخصة وردت في الخف لعموم الحاجة إليه، والجرموق لا تعم الحاجة إليه، أي أنه لا بد من مسح الأعلى والأسفل.
4 ً - أن يكون لبس الخف مباحاً: هذا شرط عند المالكية والحنابلة، فلا يصح المسح على خف مغصوب، ولا على محرم الاستعمال كالحرير، وأضاف الحنابلة: ولو في ضرورة، كمن هو في بلد ثلج، وخاف سقوط أصابعه بخلع الخف المغصوب أو الحرير، فلا يستبيح المسح عليه؛ لأنه منهي عنه في الأصل، وهذه ضرورة نادرة، فلا حكم لها. ولا يجوز عند الحنابلة للمحرم المسح على الخفين ولو لحاجة. والأصح عند الشافعية: أنه لا يشترط هذا الشرط، فيكفي
_________
(1) مغني المحتاج:6/ 1.

(1/485)

المسح على المغصوب، والديباج الصفيق، والمتخذ من فضة أو ذهب، للرجل وغيره، كالتيمم بتراب مغصوب. ويستثنى من ذلك المُحرِم بنسك اللابس للخف؛ لأن المحرم منهي عن اللبس من حيث هو لبس، أما النهي عن لبس المغصوب ونحوه فلأنه متعدٍ في استعمال مال الغير.
5 ً - ألا يصف الخف القدم لصفائه أو لخفته: هذا شرط عند الحنابلة، فلا يصح المسح على الزجاج الرقيق؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، ولا على ما يصف البشرة لخفته.
والمطلوب عند المالكية أن يكون الخف من جلد كما بينت، وعند الحنفية والشافعية: أن يكون مانعاً من نفوذ الماء إلى الرِجْل من غير محل الخرز، لو صب عليه، لعدم صفاقته، وبناء عليه يصح المسح على خف مصنوع من «نايلون» سميك، ونحوه من كل شفاف، لأن القصد هو منع نفوذ الماء.
6 ً - أن يبقى من مقدم القدم قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد: اشترط الحنفية هذا الشرط في حالة قطع شيء من الرجل، ليوجد المقدار المفروض من محل المسح. فإذا قطعت رجل من فوق الكعب سقط غسلها ولا حاجة للمسح على خفها، ويمسح خف القدم الأخرى الباقية. وإن بقي من دون الكعب أقل من ثلاث أصابع، لا يمسح لافتراض غسل الجزء الباقي. وعليه فمن كان فاقداً مقدم قدمه لا يمسح على خفه ولو كان عقب القدم موجوداً، لأنه ليس محلاً لفرض المسح، ويفترض غسله.
ويصح عند الفقهاء الآخرين المسح على خف أي جزء باق من القدم مفروض غسله، فإذا لم يبق من محل الغسل شيء من الرجل، وصار برجل واحدة، مسح على خف الرجل الأخرى. ولا يجوز بحال أن يمسح على رجل أو ما بقي منها، ويغسل الأخرى، لئلا يجمع بين البدل والمبدل في محل واحد.

(1/486)

خلاصة الشروط في المذاهب:
1 ً - الحنفية: يشترط لجواز المسح على الخفين سبعة شرائط:
الأول ـ لبسهما بعد غسل الرجلين، ولو قبل تمام الوضوء، إذا أتمه قبل حصول ناقض للوضوء.
الثاني ـ سترهما للكعبين.
الثالث ـ إمكان متابعة المشي فيهما.
الرابع ـ خلو كل منهما عن خرق قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع القدم.
الخامس ـ استمساكهما على الرجلين من غير شد.
السادس ـ أن يبقى ـ في حالة قطع شيء من القدم ـ من مقدم القدم قدر ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد.

2ً - المالكية: لجواز المسح على الخف أحد عشر شرطاً: ستة في الممسوح وخمسة في الماسح. أما شروط الماسح فقد ذكرتها في بحث أول شرط متفق عليه. وأما شروط الممسوح فهي ما يأتي:
الأول ـ كون الممسوح جلداً، فلا يصح المسح على غيره.
الثاني ـ أن يكون طاهراً، احترازاً من جلد الميتة ولو مدبوغاً.
الثالث ـ أن يكون مخروزاً، لا إن لزق بنحو رسراس.
الرابع ـ أن يكون له ساق ساتر لمحل الفرض في الغسل، بأن يستر الكعبين، فلا يصح المسح على غير الساتر لهما.

(1/487)

الخامس ـ أن يمكن المشي فيه عادة، احترازاً من الواسع الذي ينسلت من الرجل عند المشي فيه.

3ً - الشافعية: يشترط لجواز مسح الخف أمران:
أحدهما ـ أن يلبسه بعد طهارة كاملة من الحدثين الأصغر والأكبر.
الثاني ـ أن يكون الخف طاهراً قوياً، يمكن تتابع المشي عليه في الحاجة (1)، ساتراً لمحل فرض الغسل (وهو القدم بكعبيه من سائر الجوانب لا من الأعلى) (2)، مانعاً لنفوذ الماء من غير الخرز والشق. ويجوز في الأصح مشقوق قدم شد بالعرا بحيث لا يظهر شيء من محل الفرض إذا مشى، أي يكفي المسح عليه.

4ً - الحنابلة: يشترط لجواز المسح على الخف سبعة شروط:
الأول ـ أن يلبس الخفان بعد كمال الطهارة بالماء.
الثاني ـ أن يثبت بنفسه أو بنعلين، ولا يصح المسح على خف يثبت بشده فقط، لكن يصح المسح على خف يثبت بنفسه، لكن يبدو بعضه، ويشد بالعرا كالزربول الذي له ساق، فيدخل بعضها في بعض، فيستتر بذلك محل الفرض.
الثالث ـ إباحته، فلا يصح المسح على خف مغصوب ولا حرير، ولو في ضرورة.
الرابع ـ إمكان المشي فيه عرفاً، ولو لم يكن معتاداً، فيصح المسح على خف من جلود ولبود وخشب وزجاج وحديد ونحوها؛ لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه.
_________
(1) أي الحاجة التي تقع في مدة لبسه: وهي ثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، فلا يجزئ نحو رقيق يتخرق بالمشي عن قرب.
(2) فلو رئي القدم من أعلاه، كأن كان واسع الرأس لم يضر.

(1/488)

الخامس ـ طهارة عينه، فلا يصح المسح على نجس، ولو في ضرورة، وفي حال الضرورة: يتيمم للرجلين، إذ لا بد من غسلهما.
السادس ـ ألا يصف القدم لصفائه كالزجاج الرقيق؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، فلا يصح المسح على خف فيه خرق أو غيره، يبدو منه بعض القدم، ولو من موضع الخرز، لعدم ستره محل الفرض. فإن انضم الخرق ونحوه بلبسه، جاز المسح عليه، لحصول الشرط، وهو ستر محل الفرض.
السابع ـ ألا يكون واسعاً يرى منه محل الفرض.

رابعاً ـ مدة المسح على الخفين: للفقهاء رأيان في توقيت مدة المسح، المالكية لم يؤقتوا، والجمهور أقتوا مدة. أما المالكية (1) فقالوا: يجوز المسح على الخف من غير توقيت بزمان، مالم يخلعه، أو تصيبه جنابة، فيجب حينئذ خلعه للاغتسال، وإن خلعه انتقض المسح، ووجب غسل الرجل، وإن وجب الاغتسال لم يمسح، لأن المسح إنما هو في الوضوء. وبالرغم من عدم وجوب نزع الخف في مدة معينة، فإنهم قالوا: يندب نزع الخف كل أسبوع مرة في مثل اليوم الذي لبسه فيه.
واستدلوا بما يأتي:
1ً - حديث أُبيّ بن عمارة، قال: قلت: يا رسول الله، أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قلت: يوماً؟ قال: يوماً، قلت: يومين؟ قال: ويومين، قلت: وثلاثة؟
_________
(1) الشرح الصغير:154/ 1،158، الشرح الكبير:142/ 1، بداية المجتهد:20/ 1، القوانين الفقهية: ص39

(1/489)

قال: وما شئت» (1).
2ً - روي عن جماعة من الصحابة ذكرالمسح بدون توقيت، منهم عمر، ومنهم أنس بن مالك عند الدارقطني.
3ً - إنه مسح في طهارة، فلم يتوقت كمسح الرأس والجبيرة؛ لأن التوقيت غير مؤثر في نقض الطهارة، لأن النواقض هي الأحداث من بول أو غائط ونحوهما، وهذا القياس يعارض الأخبار الدالة على توقيت المسح بمدة معينة، فيعمل به، بسبب معارضة حديث ابن عمارة لها.
وأما الجمهور فقالوا: مدة المسح للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها (2)، ويرى الحنفية أن المسافر العاصي بسفره كغيره من المسافرين، وأما الشافعية والحنابلة فيجعلون مدة المسح له كالمقيم.
وأدلتهم هي الأحاديث الثابتة الواردة بمشروعية المسح، منها: حديث علي المتقدم: «للمسافر ثلاثة أيام وليالِيهن، وللمقيم يوم وليلة» (3)
ومنها: حديث خزيمة بن ثابت: «للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة» (4).
_________
(1) رواه أبو داود، وقال: وقد اختلف في إسناده وليس بالقوي، وقال البخاري نحوه، وقال الإمام أحمد: رجاله لا يعرفون، وأخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناده لا يثبت، وفي إسناده ثلاثة مجاهيل، وأخرجه ابن ماجه، وقال ابن عبد البر: وليس له إسناد قائم، وبالغ الجوزقاني فذكره في الموضوعات (نيل الأوطار:182) قال الشوكاني: وما كان بهذه المرتبة لا يصح الاحتجاج به على فرض عدم المعارض، فالحق توقيت المسح بالثلاث للمسافر، واليوم والليلة للمقيم.
(2) فتح القدير: 102/ 1،107، تبيين الحقائق:48/ 1، البدائع:8/ 1، مغني المحتاج:64/ 1، المهذب:20/ 1، كشاف القناع:128/ 1وما بعدها، المغني:282/ 1 - 287،291 وما بعدها.
(3) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه.
(4) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.

(1/490)

ومنها حديث صفوان بن عَسَّال، قال: أَمَرنا يعني النبي صلّى الله عليه وسلم أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طُهر، ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة» (1).
ومنها حديث عوف بن مالك الأشجعي «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم» (2) وثبت القول بالتوقيت عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، وأبي زيد، وشريح، وعطاء، والثوري، وإسحاق.
والحق القول بتوقيت المسح، لأن حديث ابن عمارة لم يثبت، ويحتمل أنه منسوخ بهذه الأحاديث الصحيحة؛ لأنها متأخرة، لكون حديث عوف في غزوة تبوك، وليس بينها وبين رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلا شيء يسير. وقياس المالكية ينتقض بالتيمم.
بدء المدة: وتبدأ عند الجمهور مدة المسح المقررة من تمام الحدث بعد لبس الخف إلى مثله من اليوم الثاني للمقيم، ومن اليوم الرابع للمسافر؛ لأن وقت جواز المسح (أي الرافع للحدث) يدخل بذلك، فاعتبرت مدة المسح بدءاً منه كالصلاة يبدأ وقتها من حين جواز فعلها، ولأن حديث صفوان بن عسال المتقدم: «أمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط ونوم وبول» يدل بمفهومه: أنها تنزع لثلاث مضين من الغائط، ولأن الخف مانع سراية الحدث (أي وصوله إلى الرجل) فتعتبر المدة من وقت المنع، أي من وقت منع الحدث عن الرجل.
_________
(1) رواه أحمد وابن خزيمة، وقال الخطابي: هو صحيح الإسناد (نيل الأوطار:181/ 1 - 183).
(2) رواه الإمام أحمد، وقال: هو أجود حديث في المسح على الخفين؛ لأنه في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها النبي صلّى الله عليه وسلم، وهو آخر فعله.

(1/491)

وعلى هذا: من توضأ عند طلوع الفجر، ولبس الخف، ثم أحدث بعد طلوع الشمس، ثم توضأ ومسح بعد الزوال، فيمسح المقيم إلى وقت الحدث من اليوم الثاني: وهو ما بعد طلوع الشمس من اليوم الثاني، ويمسح المسافر إلى ما بعد طلوع شمس اليوم الرابع.
وإذا مسح خفيه مقيماً حالة الحضر، ثم سافر، أو عكس بأن مسح مسافراً ثم أقام، أتم عند الشافعية والحنابلة مسح مقيم؛ تغليباً للحضر؛ لأنه الأصل. فيقتصر في الحالتين على يوم وليلة. وعند الحنفية: من ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة، مسح ثلاثة أيام ولياليها؛ لأنه صار مسافراً، والمسافر يمسح مدة ثلاثة أيام، ولو أقام مسافر إن استكمل مدة الإقامة، نزع الخف؛ لأن رخصة السفر لا تبقى بدونه، وإن لم يستكمل أتمها لأن هذه مدة الإقامة، وهو مقيم.
وإن شك، هل ابتدأ المسح في السفر أو الحضر، بنى عند الحنابلة (1) على المتيقن وهو مسح حاضر (مقيم)؛ لأنه لا يجوز المسح مع الشك في إباحته.
وقال الشافعية (2): ولا مسح لشاكّ في بقاء المدة، انقضت أو لا، أو شك المسافر، هل ابتدأ في السفر أو في الحضر؛ لأن المسح رخصة بشروط، منها المدة، فإذا شك فيها رجع إلى الأصل وهو الغسل.

خامساً ـ مبطلات (أو نواقض) المسح على الخفين: يبطل المسح على الخف بالحالات الآتية (3):
_________
(1) المغني:292/ 1.
(2) معني المحتاج:67/ 1.
(3) فتح القدير:105/ 1وما بعدها، البدائع:12/ 1وما بعدها، الدر المختار:254/ 1 - 256، مراقي الفلاح: ص22، الشرح الصغير:156/ 1 - 158، الشرح الكبير:145/ 1 - 147، مغني المحتاج:68/ 1، المهذب:22/ 1، المغني: 287/ 1، كشاف القناع:136/ 1وما بعدها.

(1/492)

1 ً - نواقض الوضوء: ينتقض المسح على الخف بكل ناقض للوضوء؛ لأنه بعض الوضوء، ولأنه بدل فينقضه ناقض الأصل. وحينئذ يتوضأ، ويمسح، إذا كانت مدة المسح باقية. فإن انتهت المدة يعاد الوضوء وغسل الرجلين.
2 ً - الجنابة ونحوها: إن أجنب لابس الخف، أو حدث منه موجب غسل كحيض في أثناء المدة، بطل المسح، ووجب غسل الرجلين. فإن أراد المسح على الخف بعد الغسل، جدد لبسه، لحديث صفوان بن عسال السابق: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا مسافرين أو سَفْراً (أي مسافرين) ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن، إلا من جنابة» وقيس بالجنابة غيرها، مما هو في معناها، كالحيض والنفاس والولادة.
3 ً - نزع أحد الخفين أو كليهما، ولو كان النزع بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف، ينتقض بذلك، لمفارقة محل المسح مكانه، وللأكثر حكم الكل.
وفي هذه الحالة: يغسل عند الجمهور غير الحنابلة قدميه، لبطلان طهرهما؛ لأن الأصل غسلهما، والمسح بدل، فإذا زال حكم البدل، رجع إلى الأصل، كالتيمم بعد وجود الماء.
ولا يكتفى بغسل الرجل المنزوع خفها، وإنما لا بد من غسل الرجلين؛ إذ لا يجوز الجمع بين غسل ومسح.
وفي حالة نزع الخف الأعلى (الجرموق) قال المالكية: تجب المبادرة لمسح الأسفل، كما هو المقرر في الموالاة، وكما بينت سابقاً.
4 ً - ظهور بعض الرجل بتخرق أو غيره كانحلال العرا ونحو ذلك: ينتقض الوضوء بذلك عند الشافعية والحنابلة، وبظهور قدر ثلاث أصابع من أصابع

(1/493)

الرجل عند الحنفية، أو بقدر ثلث القدم عند المالكية، سواء أكان منفتحاً أم ملتصقاً بعضه ببعض، كالشق وفتق الخياطة مع التصاق الجلد بعضه ببعض، أم أقل من الثلث أيضاً إن انفتح بأن ظهرت الرجل منه، لا إن التصق. فإن كان المنفتح يسيراً جداً، بحيث لا يصل بلل اليد حال المسح لما تحته من الرجل، فلا يضر.
5 ً - إصابة الماء أكثر إحدى القدمين في الخف، على الصحيح: هذا ناقض للمسح على الصحيح عند الحنفية، كما لو ابتل جميع القدم، فيجب قلع الخف وغسل الرجلين، تحرزاً عن الجمع بين الغسل والمسح، فلا يغسل قدماً ويمسح على الأخرى؛ إذ هو لا يجوز.
6 ً - مضي المدة: وهي اليوم والليلة للمقيم، والثلاثة الأيام بلياليها للمسافر؛ لأن أحاديث المسح عن علي وخزيمة وصفوان حددت للمسح هذه المدة.
والواجب في هذه الحالة والأحوال الثلاثة السابقة (نزع الخف، وظهور بعض الرجل أو أكثرها بحسب الخلاف المتقدم) عند الحنفية، والمالكية، والراجح عند الشافعية، وهو بطهر المسح في جميع ذلك: غسل الرجلين فقط، دون تجديد الوضوء كله، إذا ظل متوضئاً، لأن أثر الحدث اقتصر على الخف، أو لبطلان طهر القدمين فقط، وبما أن الأصل غسلهما، والمسح بدل، فإذا زال حكم البدل رجع إلى الأصل، كالتيمم بعد وجود الماء.
واستثنى الحنفية هنا حالة الضرورة: وهي الخوف من ذهاب رجله من البرد، فلا يقلع الخفين، وإنما يجوز له المسح حتى يأمن، أي بدون توقيت، ويلزمه استيعاب المسح جميع الخف، كمسح الجبائر.
والواجب بعد مضي المدة أو خلع الخف عند الحنابلة: هو استئناف الطهارة (تجديد الوضوء كله)؛ لأن الوضوء عبادة يبطلها الحدث، فتبطل كلها ببطلان

(1/494)

بعضها، كالصلاة، أي أن الحدث لا يتبعض ولا يتجزأ، فإذا خلع أو مضت المدة، عاد الحدث إلى العضو الذي مسح الخف عنه، فيسري إلى بقية الأعضاء، فيستأنف الوضوء، ولو قرب الزمن.
والخلاصة: أن نواقض المسح عند الحنفية أربعة أشياء:
كل ناقض للوضوء، ونزع الخف ولو بخروج أكثر القدم إلى ساق الخف، وإصابة الماء أكثر إحدى القدمين في الخف على الصحيح، ومضي المدة إن لم يخف ذهاب رجله من البرد، فيجوز له المسح حينئذ حتى يأمن الضرر.

سادساً ـ المسح على العمامة: قال الحنفية (1): لا يصح المسح على عِمامة وقَلنسُوة وبُرْقع وقُفَّازين (2)؛ لأن المسح ثبت بخلاف القياس، فلا يلحق به غيره.
وقال الحنابلة (3): من توضأ من الذكور ثم لبس عمامة، ثم أحدث وتوضأ، جاز له المسح على العمامة أي عمامة الذكور، لقول عمرو بن أمية الضَّمْري: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه» (4)، وقال المغيرة بن شعبة: «توضأ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ومسح على الخفين، والعمامة» (5)، وعن بلال قال:
_________
(1) مر اقي الفلاح: ص23، فتح القدير:109/ 1، اللباب:54/ 1 وما بعدها.
(2) العمامة: غطاء الرأس، والقُفَّاز: يعمل لليدين محشواً بقطن له أزرار، يُزَرُّ على الساعدين من البرد، تلبسه النساء، ويتخذه الصياد من جلد أو لبد، اتقاء مخالب الصقر. والقَلَنسُوة: لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال، والبُرْقُع: النقاب الذي تضعه نساء الأعراب على وجوههن.
(3) كشاف القناع:126/ 1وما بعدها، 134 وما بعدها، المغني:300/ 1 - 304.
(4) رواه أحمد والبخاري وابن ماجه.
(5) رواه مسلم، والترمذي وصححه.

(1/495)

«مسح رسول الله صلّى الله عليه وسلم على الخفين والخمار» (1)، وبه قال أبو بكر وعمر وأنس وأبو أمامة. روى الخلال عن عمر: «من لم يطهره المسح على العمامة، فلا طهره الله».
والواجب مسح أكثر العمامة، لأنها بدل كالخف، وتمسح دوائرها دون وسطها لأنه يشبه أسفل الخف، ولا يجب أن يمسح معها ما جرت العادة بكشفه؛ لأن العمامة نابت عن الرأس، فانتقل الفرض إليها، وتعلق الحكم بها. ولا يجوز المسح على القلنسوة.

ويصح المسح على العمامة بشروط:
1 ً - إذا كانت مباحة بألا تكون محرمة كمغصوبة أو حرير.
2ً - أن تكون محنَّكة: وهي التي يدار منها تحت الحنك كَوْر، أو كَوران، سواء أكان لها ذؤابة أم لا؛ لأنها عمامة العرب، ويشق نزعها، وهي أكثر ستراً.
أو تكون ذات ذؤابة: وهي طرف العمامة المرخي؛ لأن إرخاء الذؤابة من السنة، قال ابن عمر: «عمَّ النبي صلّى الله عليه وسلم عبد الرحمن بعمامة سوداء، وأرخاها من خلفه، قدر أربع أصابع». فلا يجوز المسح على العمامة الصماء، لأنها لم تكن عمامة المسلمين، ولا يشق نزعها، فهي كالطاقية.
3ً - أن تكون لذكر، لا أنثى؛ لأنها منهية عن التشبه بالرجال، فلا تمسح أنثى على عمامة، ولو لبستها لضرورة برد وغيره.
4ً - أن تكون ساترة لما لم تجر العادة بكشفه، كمقدم الرأس والأذنين وجوانب الرأس.
_________
(1) رواه الجماعة إلا البخاري وأبا داود، وفي رواية لأحمد: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «امسحوا على الخفين والخمار» (نيل الأوطار:164/ 1).

(1/496)

وقال المالكية (1): يجوز المسح على عمامة خيف بنزعها ضرر، ولم يقدر على مسح ماتحتها مما هي ملفوفة عليه كالقلنسوة. فإن قدر على مسح بعض الرأس، أتى به وكمل على العمامة.
وقال الشافعية: لايجوز الاقتصار على مسح العمامة، لحديث أنس السابق: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يتوضأ، وعليه عمامة قِطْرية (من صنع قَطَر)، فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدَّم رأسه، ولم ينقض العمامة» (2)؛ ولأن الله فرض المسح على الرأس، والحديث في العمامة محتمل التأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس.
قال الشوكاني (3): والحاصل أنه قد ثبت المسح على الرأس فقط، وعلى العمامة فقط، وعلى الرأس والعمامة، والكل صحيح ثابت، فقصر الإجزاء على بعض ماورد لغير موجب، ليس من دأب المنصفين.

سابعاً - المسح على الجوارب: اتفق الفقهاء على جواز المسح على الجوربين (4) إذا كانا مجلَّدين أو منعلين (5)، واختلفوا في الجوربين العاديين على اتجاهين:
_________
(1) الشرح الكبير:163/ 1، الشرح الصغير:203/ 1 وما بعدها.
(2) رواه أبو داود، قال الحافظ ابن حجر: في إسناده نظر (نيل الأوطار:157/ 1).
(3) نيل الأوطار:166/ 1.
(4) الجورب: لفافة الرجل، قال الزركشي: هو غشاء من صوف يتخذ للدفء. وقال في شرح المنتهى عند الحنابلة: ولعله اسم لكل ما يلبس في الرجل، على هيئة الخف من غير الجلد، أي سواء أكان مصنوعاً من صوف أو قطن أو شعر أو جوخ أو كتان.
(5) يقال أنعلت خفي ودابتي، ونعَّلت بالتشديد، والخفان منعلان بسكون النون، أو منعلان بتشديد العين وفتح النون.

(1/497)

اتجاه يمثله جماعة: وهم أبو حنيفة والمالكية والشافعية: لايجوز، واتجاه آخر يمثله الحنابلة، والصاحبان من الحنفية وعلى رأيهما الفتوى: يجوز.
وهذه آراء المذاهب (1):
قال أبو حنيفة: لايجوز المسح على الجوربين، إلا أن يكونا مجلَّدين أو منعلين، لأن الجورب ليس في معنى الخف؛ لأنه لايمكن مواظبة المشي فيه، إلا إذا كان منعلاً، وهو محمل الحديث المجيز للمسح على الجورب.
والمجلد: هو الذي وضع الجلد أعلاه وأسفله.
إلا أنه رجع إلى قول الصاحبين في آخر عمره، ومسح على جوربيه في مرضه، وقال لعواده: فعلت ماكنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه. وقال الصاحبان، وعلى رأيهما الفتوى في المذهب الحنفي: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين، لا يشفان (لا يرى ما وراءهما)؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلم مسح على جوربيه (2)، ولأنه يمكن المشي في الجورب إذا كان ثخيناً، كجوارب الصوف اليوم. وبه تبين أن المفتى به عند الحنفية: جواز المسح على الجوربين الثخينين، بحيث يمشي عليهما فرسخاً فأكثر، ويثبت على الساق بنفسه، ولا يرى ما تحته ولا يشف. واشترط المالكية كأبي حنيفة: أن يكون الجوربان مجلّدين ظاهرهما وباطنهما، حتى يمكن المشي فيهما عادة، فيصيران مثل الخف. وهو محمل أحاديث المسح على الجوربين.
_________
(1) الدر المختار:248/ 1 وما بعدها، فتح القدير:108/ 1 وما بعدها، البدائع:10/ 1، مراقي الفلاح: ص21، بداية المجتهد: 19/ 1، الشرح الصغير:153/ 1، الشرح الكبير:141/ 1، مغني المحتاج:66/ 1، المجموع:539/ 1 وما بعدها، المهذب:21/ 1، المغني:295/ 1، كشاف القناع:124/ 1، 130.
(2) روي من حديث المغيرة بن شعبة عند أصحاب السنن الأربعة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، ومن حديث أبي موسى عند ابن ماجه والطبراني، ومن حديث بلال عند الطبراني، وفي الأخيرين ضعف (نصب الراية:184/ 1 وما بعدها).

(1/498)

وأجاز الشافعية المسح على الجورب بشرطين:
أحدهما ـ أن يكون صفيقاً لا يشف بحيث يمكن متابعة المشي عليه.
والثاني ـ أن يكون منعلاً.
فإن اختل أحد الشرطين لم يجز المسح عليه، لأنه لا يمكن متابعة المشي عليه حينئذ كالخرقة. قال البيهقي عن حديث المغيرة «أن النبي صلّى الله عليه وسلم مسح على جوربيه ونعليه»: إنه ضعيف، وضعف المحدثون حديثي أبي موسى وبلال.
وأباح الحنابلة المسح على الجورب بالشرطين المذكورين في الخف وهما:
الأول ـ أن يكون صفيقاً لا يبدو منه شيء من القدم.
الثاني ـ أن يمكن متابعة المشي فيه، وأن يثبت بنفسه.
ودليلهم ما روي من إباحة المسح على الجوربين عن تسعة من الصحابة: علي وعمار، وابن مسعود، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وابن أبي أوفى، وسهل بن سعد، وبه قال جماعة من مشاهير التابعين كعطاء والحسن البصري وسعيد بن المسيب وابن جبير والنخعي والثوري.
وثبت في السنة النبوية المسح على الجوربين منها:
حديث المغيرة: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم توضأ، ومسح على الجوربين والنعلين» (1).
وحديث بلال: «رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمسح على المُوقَين والخمار» (2).
_________
(1) رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي. وروي هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري، وليس بالمتصل ولا بالقوي (نيل الأوطار:179/ 1) ويلاحظ أن الزيلعي ذكر النسائي من رواة حديث المغيرة، ولكن ابن تيمية في منتقى الأخبار استثنى النسائي.
(2) رواه أحمد والترمذي والطبراني، والموق: الذي يلبس فوق الخف، أو الخف المقطوع الساقين. والخمار: العمامة، أو النصيف في رواية سعيد بن منصور عن بلال: «امسحوا على النصيف والخمار» (المرجع السابق).

(1/499)

والراجح رأي الحنابلة لاستناده لفعل الصحابة والتابعين، ولما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلم في حديث المغيرة. وهو الرأي المفتى به عند الحنفية.
ويمسح على الجوربين إلى خلعهما مدة يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، ويجب عند الحنابلة أن يمسح على الجوربين، وعلى سيور النعلين، بقدر الواجب في المسح على الخفين.

ثامناً ـ المسح على الجبائر: معنى الجبيرة، مشروعية المسح عليها، حكمه، شرائط جواز المسح على الجبيرة، القدر المطلوب مسحه، هل يجمع بين المسح والتيمم؟ هل تجب إعادة الصلاة بعده؟ نواقض المسح على الجبيرة، الفوارق بينه وبين المسح على الخفين.
معنى الجبيرة: الجبيرة والجِبارة: خشب أو قصب يسوّى ويشد على موضع الكسر أو الخلع لينجبر (1). وفي معناها: جبر الكسور بالجِبْس، وفي حكمها: عصابة الجراحة ولو بالرأس، وموضع الفصد (2) والكي، وخرقة القرحة، ونحو ذلك من مواضع العمليات الجراحية. قال ابن جزي المالكي: الجبائر: هي التي تشد على الجراح والقروح والفصادة (3).

مشروعية المسح على الجبيرة: المسح على الجبائر جائز شرعاً بالسنة والمعقول.
أما السنة: فأحاديث منها: حديث علي بن أبي طالب، قال: «انكسرت إحدى زندي، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم، فأمرني أن أمسح على الجبائر» (4).
ومنها حديث جابر في الرجل الذي شُجَّ (كسر) فاغتسل، فمات، فقال النبي
_________
(1) مغني المحتاج:94/ 1، وعرفها ابن قدامة في المغني:277/ 1: ما يعد لوضعه على الكسر لينجبر.
(2) يقال: فصد المريضَ: أخرج مقداراً من دم وريده بقصد العلاج.
(3) القوانين الفقهية: ص39.
(4) رواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي بسند واه جداً (نصب الراية:186/ 1 وما بعدها، سبل السلام:99/ 1).

(1/500)

صلّى الله عليه وسلم: «إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويَعْصِب على جُرْحه خِرْقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» (1).
وأما المعقول: فهو أن الحاجة تدعو إلى المسح على الجبائر؛ لأن في نزعها حرجاً وضرراً. قال المرغيناني في الهداية: إن الحرج فيه فوق الحرج في نزع الخف، فكان أولى بشرع المسح (2).

حكمه ـ هل المسح على الجبيرة واجب أو سنة؟ قال أبو حنيفة وصاحباه (3) في الأصح وعليه الفتوى: المسح على الجبائر واجب؛ وليس بفرض، لكن قال أبو حنيفة: وإذا كان المسح على الجبيرة يضره سقط عنه المسح؛ لأن الغسل يسقط بالعذر، فالمسح أولى. ودليل الوجوب: أن الفرضية لاتثبته إلا بدليل مقطوع به. وحديث علي ـ المتقدم ـ من أخبار الآحاد، فلا تثبت الفرضية به. وبه يظهر أن الإمام وصاحبيه اتفقوا على الوجوب بمعنى عدم جواز الترك، لكن عنده يأثم بتركه فقط مع صحة الصلاة بدونه، ووجوب إعادتها، فهو يريد الوجوب الأدنى، وعندهما: لا تصح الصلاة بدونه فهما أرادا الوجوب الأعلى.
وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (4): المسح على الجبائر بماء
_________
(1) رواه أبو داود بسند ضعيف. وقال البيهقي: هذا الحديث أصح ما روي في هذا الباب، مع اختلاف في إسناده (نصب الراية:187/ 1، سبل السلام:99/ 1) قال الشوكاني: (نيل الأوطار:258/ 1): وقد تعاضدت طرق حديث جابر، فصلح للاحتجاج به على المطلوب، وقوي بحديث علي، ولكن حديث جابر قد دل على الجمع بين الغسل والمسح والتيمم.
(2) فتح القدير:109/ 1.
(3) البدائع:13/ 1 وما بعدها، رد المحتار لابن عابدين: 257/ 1. وهذا هو التحقيق خلافاً لما ذكر في البدائع: أن المسح عند أبي حنيفة مستحب لا واجب، وعند الصاحبين: واجب.
(4) الشرح الصغير:202/ 1، الشرح الكبير: 163/ 1، مغني المحتاج:94/ 1 وما بعدها، بجيرمي الخطيب:262/ 1 - 265، المغني: 286/ 1، كشاف القناع:127/ 1 وما بعدها،135 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص39، المهذب:37/ 1.

(1/501)

واجب أي فرض، استعمالاً للماء ما أمكن، وقياساً على الخفين بجامع الضرورة وبطريق الأولى، وللأمر به في حديث علي ـ مع ضعفه ـ: «امسح على الجبائر» والأمر للوجوب.
ولا يجوز اتفاقاً المسح على جبيرة رِجْل مع مسح خف الأخرى الصحيحة، وإنما يجمع بين المسح والغسل.

شرائط المسح على الجبيرة: يشترط لجوازه ما يأتي (1):
1ً - ألا يمكن نزع الجبيرة، أو يخاف من نزعها بسبب الغسل حدوث مرض، أو زيادته، أو تأخر البرء كما في التيمم. قال المالكية: يجب المسح إن خيف هلاك أو شدة ضرر أو أذى، كتعطيل منفعة من ذهاب سمع أو بصر مثلاً، ويجوز إن خيف شدة الألم أو تأخره بلا شين، أو رمد أو دمل أو نحوها.
وذلك إذا كان الجرح ونحوه في أعضاء الوضوء في حالة الحدث الأصغر، أو في الجسد في حالة الحدث الأكبر.
2ً - ألا يمكن غسل أو مسح الموضع نفسه بسبب الضرر، فإن قدر عليه فلا مسح على الجبيرة، وإنما يمسح على عين الجراحة إن لم يضر المسح بها، ولا يجزئه المسح على الجبيرة، وإن لم يستطع مسح على الجبيرة. قال المالكية: والأرمد الذي لا يستطيع المسح على عينيه أو جبهته إن خاف الضرر، يضع خرقة على العين أو الجبهة ويمسح عليها. وقال الحنفية: يترك المسح كالغسل إن ضر، وإلا لا يترك.
وقال الشافعية: لا يمسح على محل المرض بالماء، وإنما يغسل الجزء الصحيح ويتيمم عن الجزء العليل، ويمسح على الجبيرة إن وجدت.
3ً - ألا تتجاوز الجبيرة محل الحاجة، فإن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة، وهو مالا بد منه للاستمساك، وجب نزعها، ليغسل الجزء الصحيح من غير ضرر لأنها
_________
(1) البدائع:13/ 1، الدر المختار:58/ 1، المراجع السابقة.

(1/502)

طهارة ضرورة، فتقدر بقدرها، فإن خاف من نزعها تلفاً أو ضرراً، تيمم لزائد على قدر الحاجة، ومسح ما حاذى محل الحاجة، وغسل ما سوى ذلك، فيجمع إذن بين الغسل والمسح والتيمم، ولا يجب مسح موضع العلة بالماء، وإن لم يخف منه، لأن الواجب إنما هو الغسل، لكن يستحب المسح، ولا يجب عليه وضع ساتر على العليل ليمسح على الساتر؛ لأن المسح رخصة؛ فلا يليق بها وجوب المسح.
وهذا شرط ذكره الشافعية والحنابلة. وأوجب الشافعية أيضاً التيمم مطلقاً كما سيأتي.
وقال الحنفية عملاً بما ذكر الحسن بن زياد: إن كان حل الخرقة، وغسل ما تحتها من حوالي الجراحة، مما يضر بالجرح، يجوز المسح على الخرقة الزائدة ويقوم المسح عليها مقام غسل ماتحتها، كالمسح على الخرقة التي تلاصق الجراحة. وإن كان ذلك لا يضر بها، لا يجوز المسح إلا على الجراحة نفسها، ولا يجوز على الجبيرة؛ لأن الجواز على الجبيرةللعذر، ولا عذر. وهذا هو المقرر أيضاً عند المالكية، وبه يتبين أن الحنفية والمالكية لم يفرقوا بين ما إذا كانت الجبيرة قدر المحل المألوم أو زادت عنه للضرورة.
4ً - أن توضع الجبيرة على طهارة مائية، وإلا وجبت إعادة الصلاة: هذا شرط عند الشافعية والحنابلة؛ لأن المسح على الجبيرة أولى من المسح على الخف، للضرورة فيها، ويشترط لبس الخف على طهارة (وضوء أو غسل). ولا تعاد الصلاة إن كانت الجبيرة بقدر الاستمساك، ووضعت على طهر، وغسل الصحيح، وتيمم عن الجريح، ومسح على الجبيرة. ولو شد الجبيرة على غير طهارة، نزعها إن لم يتضرر، ليغسل ما تحتها، فإن خاف من نزعها تلفاً أو ضرراً، تيمم لغسل ما تحتها، ولو عمت الجبيرة فرض التيمم (الوجه واليدين) كفى مسحها بالماء عند الحنابلة، وسقط التيمم، ويعيد الصلاة عند الشافعية لأنه كفاقد الطهورين.

(1/503)

ولم يشترط الحنفية والمالكية: وضع الجبيرة على طهارة، فسواء وضعها وهو متطهر أو بلا طهر، جاز المسح عليها ولا يعيد الصلاة إذا صح، دفعاً للحرج. وهذا هو المعقول؛ لأنه يغلب في وضعها عنصر المفاجأة، فاشتراط الطهارة وقتئذ فيه حرج وعسر.
5ً - ألا يكون الجبر بمغصوب، ولا بحرير محرم على الذكر، ولا بنجس كجلد الميتة والخرقة النجسة، فيكون المسح حينئذ باطلاً، وتبطل الصلاة أيضاً. وهذا شرط عند الحنابلة.

القدر المطلوب مسحه على الجبيرة:
المفتى به عند الحنفية (1): أنه يكفي مسح أكثر الجبيرة مرة، فلا يشترط استيعاب وتكرار، ونية اتفاقاً، كما لا تطلب النية في مسح الخف والرأس أو العمامة، والفرق بينه وبين مسح الرأس والمسح على الخفين، حيث لايشترط فيهما مسح الأكثر، وإنما يكفي مقدار ثلاث أصابع: أن مسح الرأس شرع بالقرآن بواسطة حرف الباء الذي اقتضى تبعيضه، والمسح على الخفين: إن ثبت بالقرآن بقراءة الجر: {وأرجلكم} [المائدة:6/ 5]، فحكمه حكم المعطوف عليه، وإن ثبت بالسنة، فهي أوجبت مسح البعض. أما المسح على الجبائر: فإنما ثبت بحديث علي رضي الله عنه، وليس فيه ما ينبئ عن البعض، إلا أن القليل سقط اعتباره دفعاً للحرج، وأقيم الأكثر مقامه.
والواجب عند الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (2): مسح الجبيرة كلها بالماء، استعمالاً للماء ما أمكن، ولأن مسحها بدل عن غسل ما تحتها، وما تحت
_________
(1) الدر المختار:260/ 1، فتح القدير:109/ 1، البدائع:12/ 1.
(2) الشرح الكبير:163/ 1، الشرح الصغير:203/ 1، القوانين الفقهية: ص39، المهذب:37/ 1، مغني المحتاج:94/ 1 وما بعدها، بجيرمي الخطيب:262/ 1، كشاف القناع:128/ 1 وما بعدها،135.

(1/504)

الجبيرة كان يجب استيعابه بالغسل، فكذا المسح، ولا ضرر في تعميمها بالمسح، بخلاف الخف يشق تعميم جميعه، ويتلفه المسح.
وأوضح المالكية والحنفية أن الواجب الأصلي هو غسل أو مسح المحل المجروح مباشرة إن أمكن بلا ضرر؛ فإن لم يستطع المسح عليه، مسح جبيرة الجرح: وهي اللزقة التي فيها الدواء الذي يوضع على الجرح ونحوه، أو على العين الرمداء؛ فإن لم يقدر على مسح الجبيرة أو تعذر حلها، مسحت عصابته التي تربط فوق الجبيرة. ولو تعددت العصائب، فإنه يمسح عليها. ولا يجزيه المسح على ما فوق العصائب إن أمكنه المسح على ما تحتها أو مسح أسفلها.
ولا يقدر المسح بمدة، بل له الاستدامة إلى الشفاء (الاندمال)؛ لأنه لم يرد فيه تأقيت، ولأن الساتر لا ينزع للجنابة، بخلاف الخف، ولأن مسحها للضرورة، فيقدر بقدرها، والضرورة قائمة إلى حلِّها أو برء الجرح عند الجمهور، وإلى البرء عند الحنفية.
ويمسح الجنب ونحوه متى شاء. ويمسح المحدث عند الشافعية والحنابلة وقت غسل الجزء العليل، عملاً بمبدأ الترتيب المطلوب عندهم، وله تقديم التيمم على المسح والغسل وهو أولى.
ويجب مسح الساتر، ولو كان به دم؛ لأنه يعفى عن ماء الطهارة (1)، ومسحه بدل عما أخذه من الجزء الصحيح. فلو لم يأخذ الساتر شيئاً، أو أخذ شيئاً وغسله، لم يجب مسحه على المعتمد عند الشافعية.
وذكر الشافعية: أنه لو برأ وهو على طهارة، بطل تيممه لزوال علته، ووجب غسل موضع العذر، جنباً كان أو محدثاً، ولا يجدد (يستأنف) الطهارة كلها، لأن بطلان بعضها لا يقتضي بطلان كلها، ويجب على المحدث عندهم أن
_________
(1) وعن الدم الذي عليه، وإن اختلط بماء المسح قصداً؛ لأنه ضروري، وتتوقف صحة المسح عليه (بجيرمي الخطيب، المكان السابق).

(1/505)

يغسل ما بعد موضع العذر، رعاية للترتيب كما لو أغفل لمعة، بخلاف الجنب لا يغسل ما بعد موضع العذر، لعدم اشتراط الترتيب في الغسل، باتفاق الفقهاء.

هل يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم؟ يرى الحنفية والمالكية (1): الاكتفاء بالمسح على الجبيرة، فهو بدل لغسل ما تحتها، ولا يضم إليه التيمم؛ إذ لا يجمع بين طهارتين.
ويرى الشافعية في الأظهر (2): أنه يجمع بين المسح على الجبيرة والتيمم، فيغسل الجزء الصحيح، ويمسح على الجبيرة، ويتيمم وجوباً، لما روى أبو داود والدارقطني بإسناد كل رجاله ثقات عن جابر في المشجوج الذي احتلم واغتسل، فدخل الماء شجته، فمات: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على رأسه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» والتيمم بدل عن غسل العضو العليل، ومسح الساتر بدل عن غسل ما تحت أطرافه من الجزء الصحيح؛ لأن الغالب أن الساتر يأخذ زيادة على محل العلة. فلو كان الساتر بقدر العلة فقط، أو بأزيد وغسل الزائد كله، لا يجب المسح.
ولو كان في بدنه جبائر كثيرة وأجنب وأراد الغسل، كفاه تيمم واحد عن الجميع؛ لأن بدنه كعضو واحد. وفي حالة الحدث الأصغر (الوضوء) يتعدد التيمم بعدد الأعضاء المريضة على الأصح، كما يتعدد مسح الجبيرة بتعددها. وعليه: إن كانت الجراحة في أعضاء الوضوء الأربعة ولم تعممها فلا بد من ثلاثة تيممات: الأول للوجه، والثاني لليدين، والثالث للرجلين، أما الرأس فيكفي فيه مسح ما
_________
(1) الدر المختار:258/ 1، الشرح الكبير: 163/ 1، الشرح الصغير:202/ 1.
(2) مغني المحتاج:94/ 1، بجيرمي الخطيب: 262/ 1وما بعدها، حاشية الباجوري:101/ 1، المهذب: 37/ 1.

(1/506)

قل منه، فإن عمت الجراحة الرأس فأربعة تيممات. وإن عمت الأعضاء كلها فتيمم واحد عن الجميع لسقوط الترتيب بسقوط الغسل.
وتوسط الحنابلة (1) فرأوا أنه يجزئ المسح على الجبيرة، من غير تيمم، إذا لم تجاوز الجبيرة قدر الحاجة؛ لأنه مسح على حائل، فأجزأ من غير تيمم، كمسح الخف، بل أولى؛ إذ صاحب الضرورة أحق بالتخفيف (2).
ويمسح ويتيمم إن تجاوزت الجبيرة محل الحاجة، أو خيف الضرر من نزعها، ويكون التيمم للزائد على قدر الحاجة، والمسح لما يحاذي محل الحاجة، والغسل لما سوى ذلك، فيجمع إذن بين الغسل والمسح والتيمم. وإذا لم يكن على الجرح عصاب، يغسل الصحيح ويتيمم للجرح. وهو في تقديري أولى الآراء. ويتعدد التيمم عندهم كما قرر الشافعية.

هل تجب إعادة الصلاة بعد البرء؟ الذين لم يشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم المالكية والحنفية (3)، ورأيهم هو الحق، لم يوجبوا إعادة الصلاة بعد الصحة من الجرح، لإجماع العلماء على جواز الصلاة، وإذا جازت الصلاة، لم تجب إعادتها.
أما الذين اشترطوا وضع الجبيرة على طهارة وهم الشافعية والحنابلة (4)، فقد أوجب الشافعية إعادة الصلاة، لفوات شرط الوضع على طهارة، ولو يوجبها الحنابلة إذا تيمم.
_________
(1) كشاف القناع:135/ 1وما بعدها، المغني:279/ 1وما بعدها.
(2) وفند الحنابلة حديث الشجة، فقالوا: الاستدلال بقصه صاحب الشجة ضعيف بأنه يحتمل أن الواو فيه بمعنى (أو)، ويحتمل أن التيمم فيه لشد العصابة فيه على غير طهارة (المرجع السابق).
(3) القوانين الفقهية: ص39، الدر المختار:258/ 1.
(4) بجيرمي الخطيب:265/ 1، كشاف القناع: 131/ 1.

(1/507)

وتعاد الصلاة عند الشافعية في الأحوال الثلاثة التالية (1).
1 - إذا كانت الجبيرة في أعضاء التيمم (الوجه واليدين) مطلقاً، سواء على طهر أو حدث.
2 - إذا وضعت الجبيرة على غير طهر (حدث) سواء في أعضاء التيمم أو في غيرها.
3 - إذا زادت الجبيرة على قدر الحاجة أو الاستمساك، مطلقاً، سواء طهر أو حدث.
ولا تعاد الصلاة عندهم في حالتين وهما:
1 - إذا كانت في غير أعضاء التيمم، ولم تأخذ من الصحيح شيئاً، ولو على حدث.
2 - إذا كانت في غير أعضاء التيمم، ووضعها على طهر، ولو زادت على قدر الحاجة.

نواقض المسح على الجبيرة:
يبطل المسح على الجبيرة في حالتين هما (2):
1ً - نزعها وسقوطها: قال الحنفية: يبطل المسح على الجبيرة إن سقطت عن
_________
(1) بجيرمي الخطيب: 265/ 1، حاشية الباجوري:100/ 1، مغني المحتاج:107/ 1، المهذب:37/ 1.
(2) البدائع:14/ 1، فتح القدير: 110/ 1، اللباب:46/ 1، مراقي الفلاح: ص23، القوانين الفقهية: ص39، الشرح الصغير:206/ 1، الشرح الكبير:166/ 1، بجيرمي الخطيب: 262/ 1، كشاف القناع: 136/ 1 - 137. برء، لزوال العذر، وإن كان في الصلاة، استأنف الصلاة بعد الوضوء الكامل؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل.
وإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح؛ لأن العذر قائم، والمسح عليها كالغَسْل لما تحتها ما دام العذر قائماً: أي أن بطلان المسح على الجبيرة في الحقيقة يكون بالبرء، ويجوز تبديلها بغيرها ولا يجب إعادة المسح عليها، والأفضل إعادته.

(1/508)

وإذا رمد، وأمَره طبيب مسلم حاذق ألا يغسل عينه، أو انكسر ظفره، أو حصل به داء، وجعل عليه دواء، جاز له المسح للضرورة، وإن ضره المسح تركه؛ لأن الضرورة تقدر بقدرها.
وقال المالكية: يبطل المسح بنزع الجبيرة أو سقوطها للمداواة أو غيرها، فإذا صح غسل الموضع على الفور، وإن لم يصح وبدَّلها للمداواة، أعاد المسح، وإن سقطت الجبيرة وهو في الصلاة. بطلت الصلاة، وأعاد الجبيرة في محلها، وأعاد المسح عليها، إن لم يطل الفاصل، ثم ابتدأ صلاته، لأن طهارة الموضع قد انتقضت بظهوره.
ويمسح المتوضئ رأسه إن سقط الساتر، الذي كان قد مسح عليه من الجبيرة أو العصابة أو العمامة، ثم صلى إن طال فاصل سقوط الساتر نسياناً، وإلا ابتدأ طهارة جديدة أي أعاد الوضوء.
وقال الشافعية: لو سقطت جبيرته في الصلاة، بطلت صلاته، سواء أكان قد برئ، أم لا، كانقلاع الخف. وفي حالة البرء تبطل الطهارة أيضاً، فإن لم يبرأ رد الجبيرة إلى موضعها ومسح عليها فقط.

(1/509)

وقال الحنابلة: زوال الجبيرة كالبرء، ولو قبل برء الكسر أو الجرح، وبرؤها كخلع الخف، يبطل المسح؛ والطهارة والصلاة كلها، وتستأنف من جديد، لأن مسحها بدل عن غسل ما تحتها، إلا أنه في الطهارة الكبرى من الجنابة يكفي بزوال الجبيرة غسل ما تحتها فقط. وفي الطهارة الصغرى (الوضوء) إن كان سقوطها عن برء توضأ فقط، وإن كان سقوطها عن غير برء، أعاد الوضوء والتيمم.
وهكذا يتبين أن الجمهور غير الحنفية يقررون بطلان المسح على الجبيرة بنزعها أو سقوطها.
2ً - الحدث: يبطل المسح على الجبيرة بالاتفاق بالحدث. لكن إذا أحدث صاحب الجبيرة يعيد عند الشافعية (1) ثلاثة أمور: يغسل الصحيح، ويمسح على الجبيرة، ويتيمم. فإن لم يحدث وأراد صلاة فرض آخر، تيمم فقط، ولم يعد غسلاً ولا مسحاً؛ لأن الواجب عندهم إعادة التيمم لكل فريضة (2).

أهم الفروق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة:
ذكر الحنفية فروقاً بين هذين النوعين من المسح، وهي سبعة وعشرون وجهاً، وأضاف ابن عابدين لها عشرة أخرى، أهمها ما يأتي (3):
_________
(1) حاشية الباجوري:101/ 1.
(2) هناك ملاحظة ذكرها الشافعية عن حكم حمصة الكي: إن قام غيرها مقامها في مداواة الجرح، لم يعف عنها، ولا تصح الصلاة مع حملها. وإن لم يقم غيرها مقامها، صحت الصلاة معها، ولا يضر انتفاخها في المحل، ما دامت الحاجة داعية إليها، وبعد انتهاء الحاجة، يجب نزعها، فإن تركه بلا عذر، ضر، ولا تصح صلاته (بجيرمي الخطيب:265/ 1) وقال الحنفية: ينقض الوضوء بالدم الخارج من محل كي الحمصة إن سال عن محله وذلك بمجرد ابتلال الرباط (رد المحتار:129/ 1).
(3) البدائع:14/ 1 وما بعدها، فتح القدير وحاشية العناية:109/ 1 وما بعدها، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:259/ 1 - 260.

(1/510)

1ً - المسح على الجبائر غير مؤقت بالأيام، بل هو موقت بالبرء، أما المسح على الخفين فهو بالشرع مؤقت بالأيام، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها.
2ً - لا تشترط الطهارة لوضع الجبائر، فيجوز المسح عليها للمحدث. وتشترط الطهارة للبس الخفين، فلا يجوز المسح عليهما للمحدث.
3ً - إذا سقطت الجبائر لا عن برء لا ينتقض المسح، وسقوط الخفين أو أحدهما يوجب انتقاض المسح.
4ً - المسح على الجبائر جائز إذا كان يضره المسح على الجراحة، فإن لم يضره فلا يمسح على الجبائر. أما المسح على الخفين فهو جائز ولو لم يعجز عن غسل الرجلين.
5ً - المسح على الجبائر جائز ولو كانت في غير الرجلين. أما المسح على الخفين فمحصور في الرجلين.
وتعرف بقية الفروق من طبيعة كلا النوعين وشروطهما.
وذكر الحنابلة خمسة فروق بين نوعي المسح المذكورين، وافقوا الحنفية في الفرق الأول والثاني والرابع، أما الفرقان الآخران فهما: أنه يمسح على الجبيرة في الطهارة الكبرى؛ لأن الضرر يلحق بنزعها فيها، بخلاف الخف، ويجب عندهم استيعابها بالمسح لأنه لاضرر في تعميمها، بخلاف الخف فإنه يشق تعميم جميعه ويتلفه المسح (1).
_________
(1) المغني:278/ 1.

(1/511)
 

0 التعليقات