الفَصْلُ الخامِس: الغَُسلُ خصائصه، موجباته، فرائضه، سننه

نوفمبر 08, 2021
الفهرس
  1. الفَصْلُ الخامِس: الغَُسلُ خصائصه، موجباته، فرائضه، سننه، مكروهاته، مايحرم على الجنب، الأغسال المسنونة
    1. المطلب الأول ـ خصائص الغسل
    2. المطلب الثاني ـ موُجِبات الغسل
    3. المطلب الثالث ـ فرائض الغسل
    4. المطلب الرابع ـ سنن الغسل
    5. المطلب الخامس ـ مكروهات الغسل
    6. المطلب السادس: ما يحرم على الجنب ونحوه
    7. المطلب السابع ـ الأغسال المسنونة
  2. العودة الي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي
الفَصْلُ الخامِس: الغَُسلُ

خصائصه، موجباته، فرائضه، سننه، مكروهاته، مايحرم على الجنب، الأغسال المسنونة. ملحقان به: الأول ـ في أحكام المساجد، والثاني ـ في أحكام الحمامات.
المطلب الأول ـ خصائص الغسل:
الغسل المراد هنا بضم الغين أو فتحها: هو فعل الاغتسال، أو الماء الذي يغتسل به. وهو لغة: سيلان الماء على الشيء مطلقاً. والغسل بكسر الغين: ما يغسل به الشيء من أشنان وصابون ونحوه.
والغسل شرعاً: إفاضة الماء الطهور على جميع البدن على وجه مخصوص (1).
وعرفه الشافعية بأنه: سيلان الماء على جميع البدن مع النية (2).
وعرفه المالكية بأنه: إيصال الماء لجميع الجسد بنية استباحة الصلاة مع الدلك (3).
_________
(1) كشاف القناع: 158/ 1.
(2) مغني المحتاج:68/ 1.
(3) حاشية الصاوي على الشرح الصغير:160/ 1.

(1/512)


والأصل في مشروعيته: قوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/ 5]، وهو أمر بتطهير جميع البدن، إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه كداخل العينين خارج عن الإرادة، لما في غسلهما من الضرر والأذى.
والقصد منه التنظيف، وتجديد الحيوية وإثارة النشاط؛ لأن عملية الجنابة تؤثر في جميع أجزاء الجسد، فتزال آثارها بالاغتسال. وفي الغسل ثواب لامتثال أمر الشارع، قال النبي صلّى الله عليه وسلم فيما أخرجه: «الطُّهور شطر الإيمان» أي جزء منه، وهو يشمل الوضوء والغسل.
وركنه: عموم ما أمكن من الجسد، من غير حرج، بالماء الطهور.
وسببه: إرادة ما لا يحل مع الجنابة، أو وجوبه (1).
وحكمه: حل ماكان ممتنعاً قبله، والثواب بفعله، تقرباً إلى الله. أما الستر للغسل: فيجوز أن ينكشف للغسل في خلوة، أو بحضرة من يجوز له نظره إلى عورته، والستر أفضل، لقوله صلّى الله عليه وسلم لبَهْز بن حكيم: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ماملكت يمينك، قال: أرأيت إن كان أحدنا خالياً؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه من الناس» (2).
المطلب الثاني ـ موُجِبات الغسل: يسمى ما يوجب الغسل (حدثاً أكبر)، كما يسمى ما يوجب الوضوء (حدثاً أصغر).
وموجبات الغسل على المكلف (البالغ العاقل) ذكراً أو أنثى عند الحنفية
_________
(1) مراقي الفلاح: ص15.
(2) رواه أحمد وأصحاب السنن الأربعة والحاكم والبيهقي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده.

(1/513)


سبعة أسباب، وعند المالكية: أربعة، وعند الشافعية خمسة، وعند الحنابلة ستة، وهي ما يأتي (1):

1 - خروج المني:
أي بروزه إلى الظاهر من فرج الرجل أو المرأة، بلذة معتادة تدفقاً، في حال النوم أو اليقظة بنظر، أو فكر في جماع، أو بمباشرة فعلية، لإنسان حي أو ميت، أو بهيمة. إلا أن الحنفية لم يوجبوا الغسل بوطء الميتة والبهيمة والصغيرة غير المشتهاة.
والمني: هو الماء الغليظ الدافق الذي يخرج عند اشتداد الشهوة. ومني المرأة رقيق أصفر ولا غسل للمذي والودي، أما المذي: فهو رقيق أبيض مائل إلى البياض يخرج عند ملاعبة الرجل أهله. وأما الودي فهو الغليظ من البول يعقب الرقيق منه.
ويعرف المني كما أبان الشافعية: بتدفقه (بأن يخرج بدفعات)، أو لذة بخروجه مع فتور الذكر وانكسار الشهوة عقبه، وإن لم يتدفق لقلته، أو خرج على لون الدم، كما يعرف أيضاً بشم ريح عجين حنطة إذا كان رطباً، أو ريح بياض بيض دجاج أو نحوه إذا كان جافاً، وإن لم يلتذ منه ولم يتدفق، كأن خرج باقي منيه بعد غسله، فيجب عليه إعادة الغسل.
والخلاصة: أن خروج المني ولو بحمل ثقيل أو سقوط من مكان مرتفع أو
_________
(1) فتح القدير:41/ 1 - 44، الدر المختار: 148/ 1 - 156، مراقي الفلاح: ص16، اللباب:22/ 1، الشرح الصغير:160/ 1 - 166، الشرح الكبير: 126/ 1 - 130، القوانين الفقهية: ص25 - 30، بداية المجتهد:44/ 1 وما بعدها، المهذب: 29/ 1 وما بعدها، مغني المحتاج:68/ 1 - 70، المغني:199/ 1 - 211، كشاف القناع:158/ 1 - 167.

(1/514)


وجوده في الثوب مطلقاً: موجب للغسل عند الشافعية، سواء بشهوة أو غيرها، خرج من طريقه المعتاد أو من غيره، كأن انكسر صلبه فخرج منيه، إلا أنه إذا خرج من غير طريقه المعتاد لمرض فلايجب الغسل به.
وقال الحنابلة: إذا خرج المني بغير اللذة أو الشهوة كمرض، أو برد أو كسر ظهر، من غير نائم أو مجنو ن أو مغمى عليه أو سكران، لم يوجب غسلاً. وعلى هذا يكون نجساً يجب غسل المحل الذي أصابه، كما أن سلس المني لا غسل عليه، وإنما يجب الوضوء فقط. ومن رأى في ثوبه منياً فعليه الغسل. ومن رأى أنه قد احتلم ولم يجد منياً فلا غسل عليه باتفاق العلماء.
وقال الحنفية: من موجبات الغسل احتياطاً: وجود بلل ظنه منياً بعد إفاقته من سكر أو إغماء. كما يجب الغسل عندهم بخروج مني الشخص منه بعد الغسل. ويشترط عند الحنفية في المني الموجب للغسل: إنزاله على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة حالة النوم واليقظة، فلو خرج بسبب حمل ثقيل أو بسقوط من مكان لا يجب الغسل؛ لأن الجنب في آية {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/ 5]: من خرج منه المني على وجه الشهوة.
واتفق أئمة الحنفية على أنه لا يجب الغسل إذا انفصل المني عن مقره من الصلب بشهوة إلا إذا خرج على رأس الذكر. وهناك خلاف بينهم في أنه هل تشترط مقارنة الشهوة للخروج؟ فعند أبي حنيفة ومحمد: لا تشترط. وعند أبي يوسف: تشترط. وثمرة الخلاف تظهر: فيما لو احتلم فوجد اللذة، ولم ينزل حتى توضأ وصلى ثم أنزل، اغتسل، ولا يعيد الصلاة في رأيهما، ولايغتسل في رأيه. ولو اغتسل بعد الجماع قبل النوم أو البول أو المشي، ثم خرج منه المني بلا شهوة، يجب إعادة الغسل عندهما، لا عنده. وقولهما أحوط لأن الجنابة قضاء الشهوة، فإذا وجدت مع الانفصال تحقق اسمها.

(1/515)


وقال المالكية كالحنفية والحنابلة: المني الموجب للغسل: هو الخارج بلذة معتادة، فإن لم يخرج بلذة معتادة، كأن خرج بنفسه لمرض أو ضربة أو سلس أو لدغة عقرب، فلاغسل، وعليه الوضوء فقط. كما أنه إذا خرج بلذة غير معتادة كمن حك لجرب بذكره، أو هزته دابة له، أو نزل بماء حار، فلا غسل وعليه الوضوء فقط، لكن في مسألة الماء الحار والجرب بغير الذكر، لا غسل ولو أحس بمبادئ اللذة واستدام حتى أمنى. لبعد الماء الحار عن شهوة الجماع. أما في مسألة هز الدابة أو الجرب بالذكر، فإن أحس بمبادئ اللذة واستدام حتى أنزل، وجب الغسل، لأنه أقرب لشهوة الجماع. ومن انتبه من نومه، فوجد بللاً في ثوبه أو بدنه، فشك هل هو مني أو مذي؟ وجب عليه الغسل؛ لأن الشك مؤثر في إيجاب الطهارة. ولايجب بالاتفاق الغسل على امرأة بمني وصل للفرج ما لم تحبل منه، واتفقوا على أن رطوبة الفرج طاهرة، وغسله سنة.
والدليل لوجوب الغسل بخروج المني: حديث علي قال: «كنت رجلاً مذَّاء، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: في المَذْي الوضوء، وفي المَنِيّ الغسل» (1) ولأحمد: «إذا حَذَفْت الماء فاغتسل من الجنابة، فإذا لم تكن حاذفاً فلا تغتسل».
وحديث أم سَلَمة: «أن أم سُلَيم قالت: يا رسول الله، إن الله لا يسْتَحِي من الحق، فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فقالت أم سلمة: وتحتلم المرأة؟ فقال: تربت يداك، فيمَ يُشْبهها ولدها!!» (2).
_________
(1) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وأخرجه أيضاً أبو داود والنسائى، وأخرجه البخاري ومسلم من حديث علي مختصراً. ومعنى «حذفْتَ» أي رميت بشهوة، فالخارج لمرض أو برد لا يوجب الغسل (نيل الأوطار:218/ 1).
(2) متفق عليه.

(1/516)


وقوله: «إذا رأت الماء» أي المني بعد الاستيقاظ. وتربت يداك أي افتقرت، ولا يراد ذلك وإنما للزجر (المرجع السابق: ص219). وليس في المذي والودي غسل، وفيهما الوضوء، وغسل الذكر، لقوله عليه الصلاة والسلام: «كل فحل يمذي، وفيه الوضوء» (1).

2 - التقاء الختانين (2) ولو من غير إنزال:
أو الجنابة بمغيب حَشَفة (رأس الذكر) أو قدرها من مقطوعها في فرج مطيق للجماع، قبلاً أو دبراً، من ذكر أو أنثى، طائع أو مكره، نائم أو يقظان.
ولو من غير بالغ عند الشافعية والحنابلة، فلا يشترط التكليف، فيجنب الصبي والمجنون بالإيلاج، ويجب عليهما الغسل عند الشافعية بعد الكمال، ويصح الغسل من مميز ويؤمر به كالوضوء. وأوجب الحنابلة على صغير ابن عشر وطئ، وبنت تسع وطئت الغسل والوضوء إذا أرادا ما يتوقف عليه الغسل كقراءة القرآن، أو الوضوء كالصلاة والطواف.
واشترط المالكية والحنفية: أن يكون الوطء من مكلف (بالغ عاقل) فلا يجب الغسل على غير مكلف. ويندب عند المالكية في المعتمد الغسل للمراهق والصغيرة التي وطئها بالغ، وقال الحنفية: يمنع المراهق من الصلاة حتى يغتسل، ويؤمر به ابن عشر تأديباً.
ولا يشترط الإنزال بالاتفاق لأن حديث «إنما الماء من الماء» منسوخ بالإجماع، إلا أن الحنفية استثنوا وطء الميتة والبهيمة والصغيرة غير المشتهاة إذا لم تزل بكارتها، فلا يجب الغسل إلا بالإنزال، فإن لم يوجد إنزال ولم تزل بكارة الصغيرة فلا يجب الغسل ولا الوضوء، وإنما يجب فقط غسل الذكر؛ لأن هذا الوطء غير مقصود في الطبع السليم (3).
_________
(1) أخرجه أبو داود وأحمد من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري، وأخرج إسحاق والطحاوي من حديث علي نحوه (نصب الراية:93/ 1).
(2) الختانان: موضع القطع من الذكر والفرج. والتقاء الختانين: كناية عن الجماع.
(3) حاشية ابن عابدين:154/ 1.

(1/517)


وقال الجمهور: يجب الغسل بوطء الميتة والبهيمة، لأنه إيلاج في فرج كوطء الآدمية في حياتها، ووطء الآدمية الميتة داخل في عموم الأحاديث الآتية الموجبة للغسل.
وسواء أكان الوطء عند المالكية والشافعية بحائل أم بغير حائل، يوجب الغسل، إلا أن المالكية قالوا: الموجب للغسل فيما إذا لف الذكر بخرقة خفيفة لا كثيفة. وقال الشافعية: يجب الغسل ولو كان على الذكر خرقة خفيفة أو غليظة.
وقال الحنيفة والحنابلة: لا يجب الغسل في حالة عدم الإنزال بإيلاج بحائل كأن يلف على ذكره خرقة أو يدخله في كيس. واشترط الحنابلة والشافعية: أن يكون الإيلاج في فرج أصلي، فلا غسل بلا إنزال بإيلاج في غير أصلي كإيلاج رجل في قبل الخنثى، لعدم الفرج الأصلي بيقين، أو إيلاج الخنثى ذكره في قبل أو دبر بلا إنزال، لعدم تغييب الحشفة الأصلية بيقين.
واشترط المالكية وغيرهم: أن يكون الإيلاج في فرج مطيق، فلا غسل في حالة عدم الإنزال: بإيلاج بعض الحشفة أو بإيلاج في فرج غير مطيق أو ما دون الفرج كالتفخيذ والتبطين، والتغييب بين الشفرين، أو في هوى الفرج، والتصاق الختانين بدون إيلاج، والسحاق (إتيان المرأة المرأة)، كل ذلك لا غسل فيه بلا إنزال.
والأدلة على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين: قوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطَّهروا} [المائدة:6/ 5]، وأحاديث كثيرة: منها حديث «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، وإن لم ينزل» (1) وحديث «إذا جلس بين شُعَبها الأربع، ثم
_________
(1) رواه مسلم وابن ماجه عن عا ئشة وعبد الله بن عمرو، وهو حديث صحيح.

(1/518)


جَهَدها، فقد وجب عليه الغسل» (1)، ولمسلم وأحمد: «وإن لم ينزل». وحديث «إذا قعد بين شعبها الأربع، ثم مس الخِتانُ الختانَ، فقد وجب الغسل» (2)، ولفظ الترمذي: «إذا جاوز الختان الختان، وجب الغسل» وحديث أبي بن كعب قال: «إن الفُتْيا التي كانوا يقولون: الماء من الماء، رُخْصة، كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها» (3)، وفي لفظ للترمذي وصححه: «إنما كان الماء من الماء، رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها».
فدل على أن حديث رافع بن خديج عند أحمد: «الماء من الماء» منسوخ. وبه يرد على الأنصار الذين كانوا يقولون: لا يجب الغسل بالإكسال (أي من غير إنزال)، إذ إن هذه الأحاديث صريحة في إيجاب الغسل من التقاء الختانين، أنزل أو لم ينزل، وقد انعقد إجماع الصحابة على ذلك. وليس المراد من التقاء الختانين، تجاورهما أو انضمامهما فقط، وإنما مجاوزة الختان الختان، فهو مجاز أريد به الإيلاج أو إدخال الحشفة في الفرج (القبل أو الدبر) إذ الختانان محل القطع في الختان، وختان المرأة فوق مخرج البول، ومخرج البول فوق مدخل الذكر.
وصرح الحنابلة وغيرهم بأنه يعاد غسل الميتة الموطوءة.

3، 4 - الحيض والنفاس:
هذان يوجبان الغسل بالاتفاق، أما الحيض فلقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة:222/ 2]، ولخبر البخاري ومسلم أنه صلّى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «إذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي».
_________
(1) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار:219/ 1) وشعبها الأربع: قيل: يداها ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها، وقيل: غير ذلك.
(2) رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه، عن عائشة (المرجع السابق:221/ 1).
(3) رواه أحمد وأبو داود (المرجع السابق) وأما حديث رافع بن خديج: «الماء من الماء» عند أحمد، ففيه راو مجهول، والظاهر ضعف الحديث (المرجع السابق: 222/ 1).

(1/519)


وأما النفاس: فلأنه دم حيض مجتمع.
وانقطاع دم الحيض والنفاس شرط وجوب الغسل وصحته، بدليل قوله تعالى: {فإذا تطهرن فأتوهن} [البقرة:222/ 2]، يعني: إذا اغتسلن، قيل: منع الزوج وطأها قبل الغسل، فدل على وجوبه عليها.
أما الولادة بلا بلل: فتوجب الغسل في المعتمد عند المالكية وفي المختار عند الحنفية، وفي الأصح عند الشافعية، لأن المولود ولو كان عند الشافعية علقة أو مضغة: مني منعقد؛ ولأنه لايخلو عن بلل غالباً، فأقيم مقامه، كالنوم مع الشيء الخارج، وتفطر به المرأة. بخلاف ما لو ألقت يداً أو رجلاً أو نحو ذلك، فإنه لا يجب عليها الغسل، ولا تفطر به، بل تتخير بين الغسل والوضوء.
وقال الحنابلة على الراجح: لا يجب الغسل بولادة عريت عن دم؛ لأنه لانص فيه، ولا هو في معنى المنصوص، فلا يبطل الصوم، ولا يحرم الوطء بها قبل الغسل، ولا يجب الغسل بإلقاء علقة أو مضغة لأن ذلك ليس بولادة، والولد طاهر، ومع الدم يجب غسله، كسائر الأشياء المتنجسة.
ولا يجب الغسل بدم الاستحاضة، لكن يندب إذا انقطع.

5 - موت المسلم غير الشهيد:
يجب تعبداً باتفاق المذاهب الأربعة على المسلمين وجوب كفاية غسل الميت المسلم غير الشهيد، الذي لا جنابة منه، لقوله صلّى الله عليه وسلم في الذي سقط عن راحلته فمات: «اغسلوه بماء وسِدْر، وكفِّنوه في ثوبين» (1) فهو دليل على وجوب غسل الميت، وقد غسل النبي صلّى الله عليه وسلم، وأبو بكر بعده، وتوارثه المسلمون.
_________
(1) متفق عليه عن ابن عباس (سبل السلام:92/ 1) والسدر: شجر النَّبق.

(1/520)


6 - إسلام الكافر، ولو مرتداً أو مميزاً: أوجب المالكية والحنابلة الغسل على الكافر إذا أسلم، لحديث قيس بن عاصم: «أنه أسلم فأمره النبي صلّى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر» (1).
وقال الحنفية والشافعية: إنه يستحب إذا لم يكن جنباً، ويجزئه الوضوء، لأنه لم يأمر النبي صلّى الله عليه وسلم كل من أسلم بالغسل، ولو كان واجباً لما خص بالأمر به بعضاً دون بعض، فيكون ذلك قرينة تصرف الأمر إلى الندب.
ويجب الغسل على الكافر إذا أسلم جنباً: للأدلة القاضية بوجوبه، مثل آية: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/ 5]؛ لأنها لم تفرق بين كافر ومسلم.

خلاصة ما يوجب الغسل وما لا يوجبه:
هذه موجبات الغسل الستة عند الحنابلة. أما الأسباب السبعة عند الحنفية فهي: خروج المني إلى ظاهر الجسد بشهوة، وتواري حشفة أو قدرها من مقطوعها في أحد سبيلي آدمي حي، وإنزال المني بوطء ميتة أو بهيمة، ووجود ماء رقيق بعد النوم إذا لم يكن ذكره منتشراً قبل النوم، ووجود بلل ظنه منياً بعد إفاقته من سكر أو إغماء، وحيض، ونفاس، ثم أضافوا إليها: ويفترض تغسيل الميت كفاية.
والأربعة عند المالكية: هي خروج المني، ومغيب الحشفة، والحيض، والنفاس.
والخمسة عند الشافعية: هي موت، وحيض، ونفاس، وولادة بلا بلل في الأصح، وجنابة بدخول حشفة أو قدرها فرجاً وبخروج مني من طريقه المعتاد وغيره.
_________
(1) رواه الخمسة إلا ابن ماجه، ورواه أيضاً ابن حبان وابن خزيمة، وصححه ابن السكن (نيل الأوطار: 224/ 1).

(1/521)


ثم قال الحنفية: عشرة أشياء لا يغتسل منها: مذي، وودي، واحتلام بلا بلل، وولادة من غير رؤية دم بعدها، في قول أبي حنيفة، والأصح كما أبان ابن عابدين وجوب الغسل لها احتياطاً، وإيلاج بخرقة ما نعة من وجود اللذة على الأصح، وحقنة، وإدخال أصبع ونحوه في أحد السبيلين، ووطء بهيمة أو ميتة من غير إنزال، وإصابة بكر لم تُزل الإصابة بكارتها من غير إنزال.
ويلاحظ أنه إذا اجتمع شيئان يوجبان الغسل، كالحيض والجنابة، أو التقاء الختانين والإنزال، أجزأه غسل واحد، كما تنوب عند الجمهور نية الغسل عن الوضوء لدخوله تحته، بخلاف العكس، وقال الحنابلة: لابد من نية الوضوء أيضاً.

المطلب الثالث ـ فرائض الغسل:
ثبتت فرضية الغسل بالقرآن في قوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/ 5]، وقوله سبحانه: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء:43/ 4].

صفة غسل النبي صلّى الله عليه وسلم: إن كيفية الغسل الكامل عرفت بالسنة: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ (1)، ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حَفَن على رأسه ثلاث حَفَنات (2)، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم غسل رجليه» (3).
_________
(1) أجمع العلماء على استحباب الوضوء قبل الغسل تأسياً برسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولأنه أعون على الغسل، وأهذب فيه (المغني: 219/ 1).
(2) الحفنة: ملء الكف.
(3) متفق عليه، واللفظ لمسلم (سبل السلام:89/ 1) وروي مثله عن عائشة، وعن ميمونة.

(1/522)


وقد أوجب العلماء في الغسل ما يأتي (1):
1 - تعميم الجسد شعره وبشره بالماء الطهور: هذا متفق عليه بين الفقهاء، فيجب تعميم (أو إعمام وهو الأصح) الشعر والبشرة بالماء مرة واحدة، حتى لو بقيت بقعة يسيرة لم يصبها الماء، يجب غسلها، ويجب تعهد مواطن تجاعيد البدن، كالشقوق التي في البدن أي التكاميش والسُّرة، والإبطين وكل ما غار من البدن، بصب الماء عليها، لقوله صلّى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة: «إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشَّعرَ، وأنْقُوا البَشَر» (2).
قال الحنفية: يجب غسل سائر البدن مما يمكن غسله من غير حرج كأذن وسرة وشارب وحاجب وداخل لحية وشعر رأس، وخارج فرج، ولا يجب غسل ما فيه حرج كداخل عين وداخل قُلْفة، والأصح أنه يندب عند الحنفية.
وهل يجب نقض ضفائر الشعر؟ للعلماء آراء متقاربة: قال الحنفية: يكفي بلُّ أصل الضفيرة (3) أي شعر المرأة المضفور، دفعاً للحرج، أما المنقوض، فيفرض غسله كله اتفاقاً، ولو لم يبتل أصل الضفيرة بأن كان متلبداً أو غزيراً، أو مضفوراً ضفراً شديداً لا ينفذ فيه الماء، يجب نقضها مطلقاً، على الصحيح، لكن لو ضرها غسل رأسها تركته، وقيل: تمسحه، ولا تمنع نفسها عن زوجها.
ويجب عند الحنفية غسل داخل قُلْفة، لا عسر في فسخها،
_________
(1) فتح القدير:38/ 1 ومابعدها، الدر المختار:140/ 1 - 143، مراقي الفلاح: ص17، اللباب:20/ 1، الشرح الصغير:166/ 1 - 170، الشرح الكبير:133/ 1 - 135، بداية المجتهد:42/ 1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص26، مغني المحتاج:72/ 1وما بعدها، المهذب:31/ 1 وما بعدها، المغني: 218/ 1 - 229، كشاف القناع: 173/ 1 - 177.
(2) رواه أبو داود والترمذي، وضعفاه (سبل السلام:92/ 1).
(3) الضفيرة: هي الذؤابة، وهي الخصلة من الشعر، والضفر: فتل الشعر وإدخال بعضه في بعض.

(1/523)


كما يجب نقض ضفائر الرجل وغسل أصول الشعر مطلقاً.
وكذلك قال المالكية: لا يجب على المغتسل نقض مضفور شعره، ما لم يشتد الضفر، حتى يمنع وصول الماء إلى البشرة، أو يضفر بخيوط كثيرة تمنع وصول الماء إلى البشرة، أو إلى باطن الشعر.
ودليل الحنفية والمالكية: حديث أم سلمة، قالت: يا رسول الله، إني امرأة أشد شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة أو الحيضة؟ فقال: لا إنما يكفيك أن تَحْثي على رأسك ثلاث حَثَيات» (1).
وقال الشافعية: يجب نقض الضفائر إن لم يصل الماء إلى باطنها إلا بالنقض، لكن يعفى عن باطن الشعر المعقود، ولا يجب غسل الشعر النابت في العين والأنف، وإن كان يجب غسله من النجاسة. ويجب غسل الأظفار، وما يظهر من صماخي الأذنين، وما تحت القُلْفة من الأقلف (غير المختون)، بدليل حديث أبي هريرة المتقدم الدال على وجوب إيصال الماء إلى الشعر والبشرة. وقيدوا حديث أم سلمة بحالة وصول الماء إلى الضفائر من غير نقض.
أما الإمام أحمد ففرق بين الحيض والجنابة، وقال: تنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض والنفاس، وليس عليها نقضه من الجنابة إذا أروت أصوله، عملاً في الجنابة بحديث أم سلمة. ودليل نقضه من الحيض: ماروت عائشة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لها إذ كانت حائضاً: «خذي ماءك وسدرك وامتشطي» (2) ولا يكون المشط إلا في شعر غير مضفور، وللبخاري: «انقضي رأسك وامتشطي» ولابن
_________
(1) رواه مسلم، لكن لفظه: (أشد ضَفْر رأسي) بدل (شعر رأسي) (سبل السلام: 91/ 1).
(2) رواه البخاري.

(1/524)


ماجه «انقضي رأسك وامتشطي» لكن قال ابن قدامة: النقض من الحيض مستحب، وهو الصحيح إن شاء الله، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة: «أفأنقضه للحيض؟ قال: لا».
والخلاصة: أن المذاهب الأربعة متفقة على أن نقض الشعر للمرأة غير واجب إن وصل الماء لأصول الشعر لحديث أم سلمة المتقدم.
وإذا بقيت لُمْعة من الجسد لم يصبها الماء، يجزئه غسلها، والصحيح عند الحنابلة أنه يجزئه مايصيبها من بلل شعره في الغسلة الثانية أو الثالثة وجرى ماؤه على تلك اللمعة، لأن غسلها بذلك البلل كغسلها بماء جديد، مع ما فيه من الأحاديث. روى أحمد عن النبي صلّى الله عليه وسلم «أنه رأى على رجل موضعاً لم يصبه الماء، فأمره أن يعصر شعره عليه».
أما غسل بشرة الرأس: فواجب، سواء أكان الشعر كثيفاً أم خفيفاً، وكذلك ما تحت الشعر كجلد اللحية وغيرها، لما روت أسماء: «أنها سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن غسل الجنابة، فقال: تأخذ إحداكن ماء، فتطهر، فتحسن الطهور ـ أو تبلغ الطهور ـ ثم تصب على رأسها، فتدلكه، حتى تبلغ شؤون رأسها، ثم تفيض عليها الماء» (1).
وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء، فعل الله به كذا وكذا من النار، قال علي: فمن ثم عاديت شعري، زاد أبو داود: وكان يجزّ شعره رضي الله عنه» (2)، ولأن ما تحت الشعر بشرة أمكن إيصال الماء إليها من غير ضرر، فلزمه كسائر بشرته.
_________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه أبو داود وأحمد (نيل الأوطار:247/ 1).

(1/525)


وأما غسل المسترسل من الشعر: فواجب عند الشافعية، لحديث أبي هريرة السابق «إن تحت كل شعرة جنابة»، ولأنه نابت في محل الغسل، فوجب غسله كشعر الحاجبين وأهداب العينين.
ولا يجب عند الحنفية والمالكية، لحديث أم سلمة السابق في عدم نقض الشعر، مع إخبارها إياه بشد ضفر رأسها، ولأنه لو وجب بلُّه، لوجب نقضه ليعمه الغسل.
وعند الحنابلة وجهان: كالرأيين المذكورين، أرجحهما الوجوب كالشافعية. ويعركه عند صب الماء حتى يصل إلى البشرة فلا يجب إدخال أصابعه تحته، ويعرك بها البشرة. وكذا يجب عندهم تخليل أصابع الرجلين واليدين، أما في الوضوء فيندب تخليل أصابع رجليه ويجب تخليل أصابع اليدين، ومن الفرائض عند المالكية: تخليل شعره ولو كثيفاً، سواء أكان شعر رأس أم غيره، ومعنى تخليله: أن يضمه.

2 - المضمضة والاستنشاق: أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق، عملاً بقوله تعالى: {وإنْ كنتُمْ جُنُباً فاطَّهروا} [المائدة:6/ 5]، وبحديث «ثم تفيضين عليك الماء» ففيهما طلب تطهير جميع البدن وتعميمه بالماء (1).
وقال المالكية والشافعية: إنهما سنة في الغسل كالوضوء لحديث: «عشر من الفطرة» وذكر منها المضمضة والاستنشاق (2).
_________
(1) وأما استدلال الحنفية بحديث في المضمضة والاستنشاق: «إنهما فرضان في الجنابة، سنَّتان في الوضوء» فهو غريب (نصب الراية:78/ 1).
(2) رواه الجماعة إلا البخاري (نصب الراية:76/ 1).

(1/526)


3 - النية عند غسل أول جزء من البدن: أي نية فرض الغسل، أو رفع الجنابة أو الحدث الأكبر، أو استباحة ممنوع مفتقر إليه، كأن ينوي استباحة الصلاة أو الطواف مما يتوقف على غسل، فإن نوى ما لا يفتقر إليه كالغسل ليوم العيد، لم يصح. ومحل النية في القلب، وتكون مقرونة بأول فرض: وهو أول ما يغسل من البدن، سواء أكان من أعلاه أم من أسفله، إذ لا ترتيب فيه.
وأوجب الجمهور (غير الحنفية) النية للغسل كالوضوء، للحديث: «إنما الأعمال بالنيات».
والابتداء بالنية عند الحنفية سنة، ليكون فعله تقرباً يثاب عليه، كالوضوء.
أما التسمية فهي سنة عند الجمهور، فرض عند الحنابلة كالوضوء، لكنهم ذكروا أن حكمها في الجنابة أخف؛ لأن حديث التسمية إنما تناول بصريحه الوضوء لا غير.

4 - الدلك والموالاة والترتيب: اتفق الفقهاء على عدم إيجاب الترتيب في الغسل، فيصح البدء بأعلى الجسد أو بأسفله.
وأوجب المالكية دون غيرهم الدلك ولو بخرقة، والموالاة إن ذكر وقَدَر كالوضوء، والدلك هنا: إمرار العضو على ظاهر الجسد، يداً أو رجلاً، فيكفي دلك الرِجْل بالأخرى، ويكفي الدلك بظاهر الكف وبالساعد والعضد، بل يكفي بالخرقة عند القدرة، باليد على الراجح: بأن يمسك طرفيها بيديه، ويدلك بوسطها، أو بحبل كذلك، ويكفي ولو بعد صب الماء وانفصاله عن الجسد ما لم يجف، فإن تعذر الدلك، سقط. ويكفي تعميم الجسد بالماء كما في سائر الفرائض، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

(1/527)


والموالاة فريضة كما في الوضوء، فإن فرق عامداً بطل إن طال، وإلا بنى (كمل) على ما فعل بنية.
ولم يوجب غير المالكية الدلك والموالاة؛ لأن الآية: {فاطهروا} [المائدة:6/ 5]، والأحاد يث ليس فيها تعرض لوجوبهما.

خلاصة فرائض الغسل في المذاهب:
1 ً - مذهب الحنفية: يفترض في الغسل أحد عشر شيئاً: غسل الفم، والأنف، والبدن مرة، وداخل قُلْفة لا عسر بلا مشقة في فسخها، وسرة، وثقب غير منضم، وداخل المضفور من شعر المرأة إن سرى الماء في أصوله، وبشرة اللحية، وبشرة الشارب، والحاجب، والفرج الخارج (الظاهر)، لكن الأصح أنه يندب غسل داخل القلفة (الجلدة التي يقطعها الخاتن) ولا يجب.
2ً - مذهب المالكية: فرائض الغسل خمسة:
نية فرض الغسل، أو رفع الحدث، أو استباحة ممنوع، بأول مفعول، بأن ينوي بقلبه أداء فرض الغسل، أو ينوي رفع الحدث الأكبر، أو رفع الجنابة، أو ينوي استباحة ما منعه الحدث الأكبر، أو استباحة الصلاة مثلاً. وموالاة إن ذكر وقدر كالوضوء، وتعميم ظاهر الجسد بالماء، ودلك ولو بعد صبه وإن بخرقة، وتخليل شعر وأصابع رجليه ويديه.

3ً - مذهب الشافعية: الواجب في الغسل ثلاثة أشياء:
النية، وإزالة النجاسة إن كانت، وإفاضة الماء على البشرة الظاهرة وما عليها من الشعر حتى يصل الماء إلى ما تحته. وما زاد على ذلك سنة.

(1/528)


4ً - مذهب الحنابلة: واجبات الغسل أحد عشر شيئاً:
إزالة مابه من نجاسة أو غيرها تمنع وصول الماء إلى البشرة إن وجد، والنية، والتسمية، وتعميم بدنه بالغسل حتى فمه وأنفه، فتجب المضمضة، والاستنشاق في الغسل كالوضوء، ويجب غسل ظاهر شعره وباطنه، من ذكر أو أنثى، مسترسلاً كان أو غيره، مع نقض الشعر لغسل حيض ونفاس، لا غسل جنابة إذا روَّت أصوله. ويجب غسل حشفة أقلف (غير مختون) إن أمكن تشميرها، وغسل ما تحت خاتم ونحوه، فيحركه ليتحقق وصول الماء إلى ما تحته، وغسل ما يظهر من فرج المرأة عند قعودها لقضاء حاجتها؛ لأنه في حكم الظاهر، ولا يجب غسل داخله، ولا غسل داخل عين، بل ولا يستحب ولو أمن الضرر. ولا يجب الترتيب ولا الموالاة في أعضاء الوضوء؛ لأن الغسل يجزئ عنهما، لأنهما عبادتان دخلت إحداهما في الأخرى، فسقط حكم الصغرى، كالعمرة مع الحج. ولا يجب الدلك إذا تيقن أو غلب على ظنه وصول الماء إلى جميع جسده.

المطلب الرابع ـ سنن الغسل:
أوضحت كيفية غسل النبي صلّى الله عليه وسلم وهو دليل لصفة الغسل الكامل الشامل للواجب والسنة: وهو ما اجتمع فيه عشرة أشياء كما فهم الحنابلة (1):
النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثاً، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثاً يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيده، وينتقل من موضع غسله، فيغسل قدميه. ويستحب أن يخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه.
_________
(1) المغني:217/ 1. انظر صفة الغسل الكامل عند المالكية في الشرح الكبير:137/ 1، القوانين الفقهية: ص26.

(1/529)


وترتيب سنن الغسل التي يتحقق بها كماله على اختلاف المذاهب ما يأتي (1):
1ً - البدء بغسل اليدين والفرج، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه، وينوي كما أبان الشافعية عن غسل القبل والدبر، فيقول: نويت رفع الجنابة عن هذين المكانين وما بينهما.
2ً - ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. والأولى عند الحنفية تأخير غسل رجليه إن كان المغتسل واقفاً في مكان يجتمع فيه الماء كالطَّست، ثم يتنحى عن ذلك المكان ويغسلهما، وإلا قدمه إذا كان مثلاً واقفاً على لوح أو قبقاب أو حجر. وبالوضوء تتحقق المضمضة والاستنشاق الواجبان عند الحنفية والحنابلة.
ويمسح عند المالكية صماخ أذنيه أي ثقبيهما، ولا يبالغ فإنه يضر السمع، وأما ظاهرهما وباطنهما فمن ظاهر الجسد، يجب غسله عندهم.
3ً - ثم يتعهد عند الشافعية معاطف جسده، كأن يأخذ الماء بكفه، فيجعله على المواضع التي فيها انعطاف والتواء، كالأذنين، وطبقات البطن، وداخل السرة؛ لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء، ويتأكد ذلك في الأذن، فيأخذ كفاً من ماء، ويضع الأذن عليه برفق، ليصل الماء إلى معاطفه وزواياه ويتفقد تحت حلقه، وإبطيه، وحالبيه (وهما العرقان اللذان يكتنفان السرة).
4ً - ثم يفيض الماء على رأسه ويخلله، وعلى سائر جسده، ثلاثاً، بادئاً بشقه الأيمن ثم الأيسر، لما تقدم أنه صلّى الله عليه وسلم: «كان يعجبه التيمن في طهوره»، وتخليل شعره
_________
(1) فتح القدير:39/ 1 وما بعدها، الدر المختار:140/ 1 وما بعدها، مراقي الفلاح: ص17، اللباب:21/ 1، الشرح الكبير:135/ 1 - 137، الشرح الصغير:170/ 1، القوانين الفقهية: ص26، المهذب:73، مغني المحتاج:73/ 1 وما بعدها، المغني:217/ 1، كشاف القناع:173/ 1 - 176.

(1/530)


وتفقد أصوله لحديث «تحت كل شعرة جنابة» ويسن أن يدلُك بدنه بيديه؛ لأنه أنقى، وبه يتيقن وصول الماء إلى مغابنه وجميع بدنه، وبه يخرج من خلاف من أوجبه وهم المالكية.
ويكفي الظن في الإسباغ أي في وصول الماء إلى البشرة؛ لأن اعتبار اليقين حرج ومشقة.
قال الحنفية: ولو انغمس في الماء الجاري أو ما في حكمه ومكث، فقد أكمل السنة.
وقال المالكية: يجزئ غسل الجنابة عن غسل الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر ولو لم ينو الأصغر إذا لم يحصل له ناقض من مس ذكر أو غيره، وكذلك قال الشافعية على المذهب: يكفي الغسل، سواء أنوى الوضوء معه أم لا.
وقال الحنابلة: يجزئ الغسل عن الوضوء بعد أن يتمضمض ويستنشق وينوي به الغسل والوضوء، وكان تاركاً للأفضل والأولى.
وتسن عند غير المالكية الموالاة في الغسل عند غسل جميع أجزاء البدن، لفعله صلّى الله عليه وسلم. وعند المالكية: هي فرض.
كما يسن الترتيب بالبداءة بالرأس، ثم بالمنكب الأيمن، ثم الأيسر. ولا يجب الترتيب بالاتفاق؛ لأن البدن شيء واحد، بخلاف أعضاء الوضوء، وبناء عليه لو ترك لمعة في الجسد أو محل جبيرة أعاد غسلها فقط دون ما بعدها.
أما نقض الضفائر فلا يجب عند المالكية ما لم يشتد، ولا يجب في الجنابة ويجب في الحيض في رأي الحنابلة، ولا يجب للمرأة إن سرى الماء في أصوله، ويجب للرجل مطلقاً عند الحنفية.

(1/531)


ويجب النقض لدى الشافعية إن لم يصل الماء إلى باطن الشعر، كما أبنت قريباً. وفي الجملة يسن نقض الضفائر لحديث عائشة: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لها وكانت حائضاً: «انقضي شعرك واغتسلي» (1).
ويسن عند الحنابلة سدر، أي صابون في غسل كافر أسلم، لحديث قيس بن عاصم السابق: «أنه أسلم، فأمره النبي صلّى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر» (2)، ويسن له إزالة شعره، فيحلق رأسه، إن كان رجلاً، ويأخذ عانته وإبطيه مطلقاً، لقوله صلّى الله عليه وسلم لرجل أسلم: «ألق عنك شعر الكفر، واختتن» (3) ويختتن الكافر إذا أسلم وجوباً بشرط كونه مكلفاً، وألا يخاف على نفسه منه.
ويسن عند الحنابلة أيضاً سدر في غسل حيض ونفاس، لحديث عائشة المتقدم: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال لها: «وإذا كنت حائضاً، خذي ماءك وسدرك وامتشطي» (4) وروت أسماء أنها «سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن غسل الحيض، فقال: تأخذ إحداكن ماءها وسدرها، فتطهر» (5).
ويسن عند الشافعية والحنابلة: أن تتبع المرأة غير المحرمة بنسك، أو المحدّة (المعتدة) (6) أثر دم الحيض والنفاس مِسْكاً أو طيباً، أو ماء، فتجعله في قطنة أو غيرها كخرقة، وتدخله فرجها بعد غسلها، ليقطع رائحة الحيض أو النفاس، لما روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها: «أن امرأة جاءت إلى النبي صلّى الله عليه وسلم تسأله عن
_________
(1) رواه ابن ماجه بإسناد صحيح (نيل الأوطار:249/ 1).
(2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسَّنه.
(3) رواه أبو داود.
(4) رواه البخاري.
(5) رواه مسلم.
(6) أما المحرمة فيحرم عليها الطيب بأنواعه، وأما المحدّة: فلا تتطيب في فترة العدة.

(1/532)


الغسل عن الحيض، فقال: خذي فِرْصة (1) من مسك، فتطهري بها، فقالت: كيف أتطهر بها؟ فقال صلّى الله عليه وسلم: سبحان الله، واستتر بثوبه، تطهري بها، فاجتذبتها عائشة، فعرفتها أنها تتبع بها أثر الدم» ويكره تركه بلا عذر.
ولا يسن تجديد الغسل؛ لأنه لم ينقل فيه شيء، ولما فيه من المشقة، بخلاف الوضوء فيسن تجديده إذا صلى بالأول صلاة ما.

مقدار ماء الغسل والوضوء: ويسن عند الشافعية والحنابلة: ألا ينقص ماء الوضوء عن مُدّ تقريباً: وهو رطل وثلث بغدادي، ويساوي (675) غم، وألا ينقص ماء الغسل عن صاع تقريباً، وهو أربعة أمداد، ويساوي (2175) غم، لحديث مسلم عن سُفَينة: «أنه صلّى الله عليه وسلم كان يغسله الصاع، ويوضئه المد» (2).
ولاحدّ لأقل ماء الوضوء والغسل، فلو نقص عن ذلك وأسبغ كفى، روى أبو داود والنسائي: «أنه صلّى الله عليه وسلم توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مدّ» ولأن الله تعالى أمر بالغسل، وقد فعله، ولم يكره، والإسباغ في الوضوء والغسل: تعميم العضو بالماء، بحيث يجري عليه، ولا يكون مسحاً، لقوله تعالى: {فاغسلوا وجوهكم .. } [المائدة:6/ 5]، والمسح ليس غسلاً. فإن مسح العضو بالماء، أو أمرَّ الثلج عليه، لم تحصل الطهارة به؛ لأن ذلك مسح لا غسل، إلا أن يكون الثلج خفيفاً فيذوب، ويجري على العضو، فيجزئ، لحصول الغسل المطلوب. وإن زاد على المد في الوضوء والصاع في الغسل جاز، بدليل قول عائشة: «كنت أغتسل أنا
_________
(1) الفرصة: بكسر الفاء: قطعة من صوف أو قطن أو خرقة. والرواية «خذي فرصة ممسَّكة فتطهري بها» أي مطيبة بالمسك.
(2) ورواه أيضاً أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. وروي في معناه أحاديث كثيرة (نيل الأوطار:250/ 1 وما بعدها).

(1/533)


والنبي صلّى الله عليه وسلم من إناء واحد من قدح يقال: الفَرَق» (1) والفرق ستة عشر رطلاً عراقياً.
وقال الحنفية والمالكية: لا تقدير للماء الذي يتطهر به في الغسل والوضوء لاختلاف أحوال الناس، ويراعي المغتسل حالاً وسطاً من غير إسراف ولا تقتير.

آداب الغسل: فرق المالكية والحنفية بين سنن الغسل وآدابه أو فضائله.
فقال المالكية (2): سننه خمس: وهي غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، والمضمضة والاستنشاق، ومسح داخل الأذنين، وتخليل أصول شعر الرأس بإدخال الأصابع تحته. أما تخليل الشعر بدون إدخال الأصابع تحته فهو أحد فرائض الغسل عندهم كما أبنت.
وقد أوجب الحنفية والحنابلة المضمضة والاستنشاق. وأوجب الشافعية تخليل شعر الرأس.
وفضائله خمس: التسمية، والغرف على الرأس ثلاثاً، وتقديم الوضوء، والبداءة بإزالة الأذى قبل الوضوء، والبدء بالأعالي والميامن.
وقال الحنفية (3): يسن في الاغتسال اثنا عشر شيئاً، الابتداء بالتسمية، والنية، وغسل اليدين إلى الرسغين، وغسل نجاسة لو كانت بانفرادها، وغسل فرجه، ثم يتوضأ كوضوئه للصلاة، فيثلث الغسل ويمسح الرأس، ولكنه يؤخر غسل الرجلين إن كان يقف في محل يجتمع فيه الماء، ثم يفيض الماء على بدنه
_________
(1) متفق عليه (نيل الأوطار:251/ 1).
(2) القوانين الفقهية: ص26، الشرح الصغير:170/ 1 وما بعدها.
(3) مراقي الفلاح: ص17.

(1/534)


ثلاثاً، ويبتدئ في صب الماء برأسه، ويغسل بعدها منكبه الأيمن، ثم الأيسر، ويدلك جسده.
وآداب الاغتسال: هي آداب الوضوء، إلا أنه لا يستقبل القبلة؛ لأنه يكون غالباً مع كشف العورة.

المطلب الخامس ـ مكروهات الغسل:
قال الحنفية (1): كره في الغسل ما كره في الوضوء وهي ستة أشياء: الإسراف في الماء، والتقتير فيه، وضرب الوجه به، والتكلم بكلام الناس، والاستعانة بغيره من غير عذر. ويزاد فيه كراهة الدعاء. أما في الوضوء، فيندب الدعاء بالمأثور والتسمية عند كل عضو، كما بينت.
وقال المالكية (2): مكروهات الغسل خمسة: هي الإكثار من صب الماء، والتنكيس في عمله، وتكرار غسل الجسد إذا أوعب، والاغتسال في الخلاء، والكلام بغير ذكر الله.
وقال الشافعية (3): يكره الإسراف في الصب والغسل، والوضوء والاغتسال في الماء الراكد، والزيادة على الثلاث، وترك المضمضة والاستنشاق، ويكره للجنب ومنقطعة الحيض والنفاس: الأكل والشرب والنوم والجماع قبل غسل الفرج والوضوء.
وقال الحنابلة (4): يكره الإسراف في الماء ولو على نهرٍ جارٍ، لحديث ابن
_________
(1) المرجع السابق: ص18.
(2) القوانين الفقهية: ص26.
(3) الحضرمية: ص21 وما بعدها.
(4) كشاف القناع:179/ 1 وما بعدها، المغني: 229/ 1.

(1/535)


عمر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم مرّ على سعد، وهو يتوضأ، فقال: ما هذا الإسراف؟ فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: نعم، وإن كنت على نهرٍ جار» (1).
ويكره لمن توضأ قبل غسله إعادة الوضوء بعد الغسل، لحديث عائشة، قالت: «كان صلّى الله عليه وسلم لايتوضأ بعد الغسل» إلا أن ينتقض وضوءه بمس فرجه أو غيره، كمس امرأة لشهوة، أو بخروج خارج، فيجب عليه إعادته للصلاة ونحوها.
ويكره للجنب ومنقطعة دم الحيض والنفاس ترك الوضوء لنوم فقط، ولا يكره تركه لأكل وشرب ومعاودة وطء، وإنما يستحب لهما الوضوء. بدليل ما روى ابن عمر أن عمر قال: «يا رسول الله، أيرقد أحدنا، وهو جنب؟ قال: نعم، إذا توضأ فليرقد» وعن عائشة قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه، وتوضأ وضوءه للصلاة» (2). وأما استحباب الوضوء للأكل والشرب، فلما روت عائشة قالت: «رخص النبي صلّى الله عليه وسلم للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضأ وضوءه للصلاة» (3).
وأما كون الوضوء يستحب لمعاودة الوطء، فلحديث أبي سعيد، قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلم: «إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعاود، فليتوضأ بينهما وضوءاً» (4) وزاد الحاكم: «فإنه أنشط للعود» لكن الغسل لمعاودة الوطء أفضل من الوضوء؛ لأنه أنشط.
ولا يكره عند الحنابلة للجنب أو الحائض والنفساء أن يأخذ شيئاً من شعره وأظفاره، ولا أن يختضب قبل الغسل، نصاً.
_________
(1) رواه ابن ماجه.
(2) متفق عليهما.
(3) رواه أحمد بإسناد صحيح.
(4) رواه مسلم وابن خزيمة والحاكم (سبل السلام:89/ 1).

(1/536)


وقال الغزالي في الإحياء: لا ينبغي أن يقلم أو يحلق أو يستحد (يحلق العانة) أو يخرج دماً أو يبين من نفسه جزءاً وهو جنب، إذ يرد إليه سائر أجزائه في الآخرة، فيعود جنباً، ويقال: إن كل شعرة تطالب بجنابتها (1).

المطلب السادس: ما يحرم على الجنب ونحوه:
يحرم على الجنب والحائض والنفساء ما يحرم على المحدث حدثاً أصغر: من صلاة وطواف ومس مصحف أو جزئه، كما يحرم على الجنب قراءة القرآن ودخول المسجد، وتعرف الأحكام من التفصيل التالي (2):

1ً - الصلاة ومثلها سجود التلاوة: تحرم على الجنب ونحوه إجماعاً، لقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة:6/ 5].
2ً - الطواف حول الكعبة: ولو نفلاً؛ لأنه صلاة كما في الحديث المتقدم: «إنما الطواف بالبيت صلاة، فإذا طفتم فأقلوا الكلام» (3).
3ً - مس القرآن، لقوله تعالى: {لايمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79/ 56] أي (المتطهرون) ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «لايمس القرآن إلا طاهر» (4).
_________
(1) مغني المحتاج:75/ 1.
(2) الدر المختار:158/ 1 - 161، الشرح الكبير:138/ 1 وما بعدها،172 - 174، الشرح الصغير:176/ 1،215، القوانين الفقهية: ص59 وما بعدها، بداية المجتهد:46/ 1وما بعدها، المهذب:30/ 1، مغني المحتاج:71/ 1 وما بعدها، كشاف القناع:168/ 1 - 170، فتح القدير:114/ 1 - 116.
(3) رواه أحمد والنسائي والترمذي والحاكم والدارقطني من حديث ابن عباس، وهو صحيح (نيل الأوطار:207/ 1).
(4) رواه النسائي وأبو داود في المراسيل عن عمرو بن حزم، وفيه متروك، ورواه الطبراني والبيهقي عن ابن عمر، وفيه مختلف فيه، ورواه الحاكم وقال حديث صحيح الإسناد عن حكيم بن حزام، ورواه الطبراني عن عثمان بن أبي العاص، ورواه علي بن عبد العزيز عن ثوبان، وإسناده في غاية الضعف (نصب الراية:196/ 1 - 199).

(1/537)


وهذه الأمور الثلاثة تحرم على المحدث حدثاً أكبر أو أصغر، ويزاد عليها للجنب ونحوه أيضا ً:4ً - تلاوة القرآن للمسلم بلسانه، ولو لحرف، أو ولو دون آية على المختار عند الحنفية، والشافعية، بقصد القراءة: فلو قصد الدعاء أو الثناء أو افتتاح أمر، أو التعليم، أو الاستعاذة، أو الأذكار، فلا يحرم، كقوله عند الركو ب: {سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين} [الزخرف:13/ 43] أي مطيقين، وعند النزول: {وقل: ربِّ أنزلني منزلاً مباركاً} [المؤمنون:29/ 23]. وعند المصيبة: {إنا لله وإنا إليه راجعون} [البقرة:156/ 2].
كما لا يحرم إذا جرى القرآن على لسانه بلا قصد، فإن قصد القرآن وحده أو مع الذكر، حرم.
ولا تحرم البسملة والحمد لله والفاتحة وآية الكرسي وسورة الإخلاص بقصد الذكر: أي ذكر الله تعالى، لما روى مسلم عن عائشة قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يذكر الله تعالى على كل أحيانه».
والمحرَّم بالجنابة: التلاوة لفظاً من الناطق، وإشارةٍ من الأخرس؛ لأنها بمنزلة النطق، ولو كان المتلو بعض آية، كحرف، للإخلال بالتعظيم.
ودليل التحريم: حديث ابن عمر عند الترمذي وأبي داود: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئاً من القرآن» (1)، وحديث علي: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن على كل حال، ما لم يكن جنباً» (2).
_________
(1) ذكره النووي في المجموع وضعفه، لكن له متابعات تجبر ضعفه.
(2) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، ورواه أيضاً باقي أصحاب السنن الأربعة (سبل السلام:88/ 1).

(1/538)


وأجاز الحنابلة للجنب: قراءة بعض آية، ولو كرره، لأنه لا إعجاز فيه، ما لم تكن طويلة. كما أجازوا له مع الحنفية تهجية القرآن؛ لأنه ليس بقراءة له، وله قراءة لا تجزئ في الصلاة لإسرارها، وله أن ينظر في المصحف من غير تلاوة، وأن يقرأ عليه وهو ساكت؛ لأنه في هذه الحالة لا ينسب إلى القراءة.
وضبط المالكية ما يجوز للجنب من القراءة اليسيرة: بأنها ما الشأن أن يتعوذ به كآية الكرسي، والإخلاص والمعوذتين، أو لأجل رقيا للنفس أو للغير من ألم أو عين، أو لأجل استدلال على حكم نحو: {وأحل الله البيع وحرم الربا} [البقرة:275/ 2].
والمعتمد عند المالكية: أنه لا يحرم قراءة القرآن القليلة على الحائض والنفساء حال استرسال الدم عليها، سواء أكانت جنباً أم لا، إلا بعد انقطاعه وقبل غسلها، فلا تقرأ بعد انقطاعه مطلقاً حتى تغتسل. ودليلهم الاستحسان لطول مقامها حائضاً.
واتفق الفقهاء على أنه لا يحرم النظر في القرآن لجنب وحائض ونفساء؛ لأن الجنابة لا تحل العين الناظرة.

5 ً - الاعتكاف في المسجد إجماعاً، ودخول المسجد مطلقاً ولو عبوراً أو مجتازاً، عند الحنفية والمالكية، لما أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة، قالت: «جاء رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وبيوت الصحابة شارعة في المسجد، فقال: وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (1) ولحديث أم سلمة قالت:
_________
(1) رواه ابن ماجه أيضاً، وفي إسناده مختلف فيه، وذكره البخاري في تاريخه الكبير، وقال: ضعفوا هذا الحديث.

(1/539)


دخل رسول الله صلّى الله عليه وسلم صرحة المسجد، فنادى بأعلى صوته: إن المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب» (1).
والمراد بعابري سبيل في الآية: المسافرون، فالمسافر مستثنى من النهي عن الصلاة بلا اغتسال، وبينت الآية أن حكمه التيمم، واكتفى الشافعية والحنابلة بالنسبة للجنب ونحوه (2) بتحريم المكث في المسجد أو التردد فيه لغير عذر، وأباحوا له عبور المسجد، ولو لغير حاجة، لقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، حتى تعلموا ماتقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل} [النساء:43/ 4] وهو الطريق. وروي سعيد بن منصور عن جابر، قال: «كان أحدنا يمر في المسجد جنباً مجتازاً» وروى أيضاً عن زيد بن أسلم قال: «كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب».
لكن إباحة عبور المسجد للحائض والنفساء مقيد بما إذا أمنت تلويثه، فإن خافت تلويثه منعت وحرم عليها الدخول فيه، كالمكث فيه.

المطلب السابع ـ الأغسال المسنونة:
الغسل قد يكون واجباً: كالغسل من الجنابة والحيض والنفاس، واعتناق الإسلام عند المالكية والحنابلة.
وقد يكون سنة، وقد يكون مندوباً أو مستحباً عند الحنفية والمالكية.
_________
(1) رواه البيهقي وابن ماجه، وقال البيهقي: صحيح.
(2) قال الشافعية: التحريم للجنب المسلم غير النبي صلّى الله عليه وسلم، فإنه لا يحرم عليه. أما الكافر فإنه يمكن من المكث في المسجد على الأصح؛ لأنه لا يعتقد حرمة ذلك، لكن لا يمكَّن الكافر ولو غير جنب دخول المسجد، إلا لحاجة كإسلام وسماع قرآن، لا كأكل وشرب، وبشرط أن يأذن له مسلم في الدخول، إلا أن تكون له خصومة، وكان القاضي في المسجد (مغني المحتاج:71/ 1).

(1/540)


والأغسال المسنونة هي مايأتي (1):

1ً - الغسل لصلاة الجمعة: لأحاديث متعددة، منها حديث أبي سعيد مرفوعاً: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» (2) والإيجاب محمول على أنه مسنون مؤكد الاستحباب، لأحاديث أخرى: وهي حديث سمرة: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» (3) وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلّى الله عليه وسلم يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت» (4).
والغسل مسنون لحاضر الجمعة في يومها بدءاً من طلوع الفجر إلى الزوال، ويشترط عند المالكية اتصاله بالرواح إلى المسجد لحديث رواه الجماعة عن ابن عمر: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل» وهذا الغسل عند المالكية والصحيح عند الحنفية للصلاة. وعند غيرهم: الغسل ليوم الجمعة. وتظهر ثمرة الخلاف فيمن اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث، فتوضأ وصلى الجمعة، لم تحصل له السنة عند الأولين، وتحصل له عند الآخرين. ولا يعتبر الغسل بعد صلاة الجمعة إجماعاً.
ومن اغتسل لجنابة أو نحوها كحيض، مع غسل جمعة أو عيد، أجزأه الغسل
_________
(1) فتح القدير:44/ 1 وما بعدها، الدر المختار:156/ 1 - 158، اللباب:23/ 1، مراقي الفلاح: ص18، القوانين الفقهية: ص25 وما بعدها، كشاف القناع: 171/ 1 - 173، الشرح الصغير:503/ 1 وما بعدها.
(2) أخرجه السابعة (أحمد وأصحاب الكتب الستة).
(3) رواه الجماعة، وإسناده جيد، وعن أبي هريرة: «حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوماً يغسل فيه رأسه وجسده» متفق عليه.
(4) رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة، ورواه أحمد والبيهقي، وفي إسناده راوٍ فيه مقال (انظر الأحاديث في سبل السلام:86/ 1 وما بعدها، نيل الأوطار:231/ 1 - 236).

(1/541)


عنهما إذا نوى الجنابة وأتبعها الجمعة باتفاق المذاهب، كما لو نوى الفرض وتحية المسجد عند الشافعية، وكما اغتسل لفرضي جنابة وحيض اتفاقاً.
وهو آكد الأغسال المسنونة للأحاديث المتقدمة، ولا يستحب للنساء.

2ً - الغسل لصلاة العيدين: لأن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يغتسل لذلك (1)، لكن قال الشوكاني: الحديث استدل به على أن غسل العيد مسنون، وليس في الباب ما ينتهض لإثبات حكم شرعي.
ولأنها صلاة شرعت لها الجماعة، فأشبهت الجمعة.
ويكون في يوم العيد لحاضره إن صلى العيد، ولو صلى وحده إن صحت صلاة المنفرد، بأن صلى بعد صلاة العدد المعتبر، فلا يجزئ قبل طلوع الفجر.

3ً - للإحرام بالحج أو بالعمرة، ولوقوف عرفة بعد الزوال ولدخول مكة ومبيت مزدلفة وطواف زيارة وطواف وداع: أما الإحرام فلما روى زيد بن ثابت أن النبي صلّى الله عليه وسلم «تجرد لإهلاله واغتسل» (2) وظاهره ولو مع حيض ونفاس، بدليل أمر النبي صلّى الله عليه وسلم أسماء بنت عميس به حينما ولدت محمد بن أبي بكر (3).
وأما لدخول مكة ولو مع حيض: فلفعله صلّى الله عليه وسلم (4)، وظاهره ولو كان في منطقة الحرم، كالذي بمنى، إذا أراد دخول مكة. ويندب الغسل أيضاً لدخول المدينة تعظيماً لحرمتها، وقدومه على حضرة النبي صلّى الله عليه وسلم.
_________
(1) عن الفاكه بن سعد، وكان له صحبة أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم الفطر، ويوم النحر» رواه عبد الله بن أحمد في المسند، وابن ماجه ولم يذكر الجمعة، وهو ضعيف (نيل الأوطار:236/ 1).
(2) رواه الترمذي وحسنه (نيل الأوطار:239/ 1).
(3) رواه مسلم من حديث عائشة، ورواه أيضاً ابن ماجه وأبو داود (نيل الأوطار:240/ 1).
(4) متفق عليه (نيل الأوطار:240/ 1). .

(1/542)


وأما لوقوف عرفة، فلثبوته في السنة (1).
وأما الغسل لمبيت مزدلفة ورمي الجمار في منى وطواف الزيارة والوداع، فلأنها أنساك يجتمع لها الناس، فيعرقون، فيؤذي بعضهم بعضاً، فاستحب الغسل لها كالجمعة دفعاً للروائح وللتنظيف
وقال المالكية: الغسل للطواف والسعي وللوقوف بعرفة والمزدلفة مستحب، أما للإحرام ولدخول مكة فهو سنة. وقال الحنفية: الغسل للإحرام ولدخول عرفة سنة، أما للوقوف بالمزدلفة وعند دخول مكة فهو مندوب.

4ً - لصلاة الكسوف (للشمس) والخسوف (للقمر) والاستسقاء: لأنها عبادة يجتمع لها الناس، فأشبهت الجمعة والعيدين.
وقال الحنفية: إنه مندوب فقط.

5ً - لغسل الميت، المسلم أو الكافر: وهو مستحب عند المالكية والشافعية والحنابلة، لقولهصلّى الله عليه وسلم: «من غسل ميِّتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ» (2) وهو محمول على الندب لحديث «إن ميِّتكم يموت طاهراً؛ فحسبكم أن تغسلوا أيديكم» (3)، ولحديث: «كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل» (4).
_________
(1) رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، ورواه الشافعي عن علي، ورواه ابن ماجه مرفوعاً.
(2) رواه الخمسة، وقال أبو داود: هذا منسوخ. ورجح البخاري والبيهقي أنه موقوف (نيل الأوطار:237/ 1).
(3) أخرجه البيهقي وحسنه ابن حجر.
(4) أخرجه الخطيب من حديث عمر، وصحح ابن حجر إسناده.

(1/543)


وقال الحنفية: لا يجب، لحديث «لا غسل عليكم من غسل الميت» (1) وقال ابن عطاء: «لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن ليس بنجس حياً ولا ميتاًَ» (2) لكن قالوا: يندب الغسل خروجاً من خلاف من ألزم به.
لكن قال الشوكاني: القول بالاستحباب هو الحق، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن. وبه يتبين أن طلب الغسل غير لازم لغسل الميت، مندوب إليه في المذاهب الأربعة.

6ً - للمستحاضة: يسن الغسل عند الشافعية والحنابلة للمستحاضة لكل صلاة، وقال المالكية: إنه مستحب، وقال الحنفية: يندب لها إذا انقطع دمها.
ودليل ندب الغسل: «أن أم حبيبة استحيضت، فسألت النبي صلّى الله عليه وسلم، فأمرها أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة» (3) وفي غير الصحيح: «أنه أمرها به لكل صلاة».
وعن عائشة: أن زينب بنت جحش استحيضت، فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلم: «اغتسلي لكل صلاة» (4).
ويجوز الاقتصار على غسل واحد لما يجوز جمعه بين الصلاتين: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لحديث عائشة: أن سهلة بنت سهيل بن عمرو
_________
(1) رواه الدارقطني والحاكم مرفوعاً من حديث ابن عباس، وصحح البيهقي وقفه، وقال: لا يصح رفعه.
(2) إسناده صحيح، وقد روي مرفوعاً، أخرجه الدارقطني والحاكم، وورد أيضاً مرفوعاً من حديث ابن عباس: «لا تنجسوا موتاكم» أي لا تقولوا هم نجس (نيل الأوطار:238/ 1).
(3) متفق عليه.
(4) رواه أبو داود وابن ماجه، وحسن المنذري بعض طرقه (نيل الأوطار:241/ 1).

(1/544)


استحيضت فأتت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جَهَدَها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بغسل، والصبح بغسل» (1).

7ً - للإفاقة من جنون أو إغماء أو سكر: يندب الغسل لمن أفاق من جنون ونحوه، قال ابن المنذر: «ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء» (2).
8ً - عند حجامة، وفي ليلة براءة، وليلة قدر إذا رآها: يندب عند الحنفية الغسل من الحجامة خروجاً من خلاف من ألزمه.
وفي ليلة براءة: وهي ليلة النصف من شعبان، لإحيائها وعظم شأنها؛ إذ فيها تقسم الأرزاق والآجال. وفي ليلة القدر إذا رآها، لإحيائها.
وفي حال فزع من مخوف، التجاء إلى الله، وكرمه، لكشف الكرب عنه.
وفزع من ظلمة وريح شديدة؛ لأن الله تعالى أهلك به من طغى، كقوم عاد.
ويندب الغسل للتائب من ذنب، وللقادم من سفر، ولمن أصابته نجاسة وخفي مكانها، فيغسل جميع بدنه وجميع ثوبه احتياطاَ.

ملحقان بالغسل:
الملحق الأول ـ في أحكام المساجد:
المساجد أفضل بقاع الأرض، وأفضل المساجد ثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، وأفضل الثلاثة عند الجمهور مسجد
_________
(1) رواه أحمد وأبو داود، قال ابن حجر: قد قيل: إن ابن إسحاق وهم فيه (نيل الأوطار:242/ 1).
(2) متفق عليه من حديث عائشة (نيل الأوطار:343/ 1).

(1/545)


مكة، وعند مالك مسجد المدينة , كما أن مالكا فضل المدينة على مكة خلافا للجمهور. وقال الحنفية: مسجد استاذ للعلوم أفضل اتفاقا, ومسجد الحي أفضل من الجامع.
وقد ذكر الإمام النووي (المتوفى سنة 676 للهجرة) ثلاثة وثلاثين حكما للمساجد وهي ما يأتي (1):
1ً -يحرم على الجنب والحائض والنفساء دخول المساجد , وأباح الشافعية المرور من غير مكث , ولا كراهة فيه , سواء أكان لحاجة أو لغيرها , لكن الأولى ألا يعبر إلا لحاجة , ليخرج من خلاف الحنفية والمالكية. كما أبنت فيما يحرم على الجنب ونحوه. ويكره تحريما عند الحنفية اتخاذ المسجد طريقاً بغير عذر، وقال المالكية: يكره كثرة المرور في المسجد إن كان بناء المسجد سابقاً على الطريق، وإلا فلا كراهة.
2ً - لو احتلم في المسجد، وجب عليه الخروج منه، إلا أن يعجز عن الخروج لإغلاق المسجد ونحوه، أو خاف على نفسه أو ماله، فإن عجز أو خاف، جاز أن يقيم للضرورة.
ولا يتيمم بتراب المسجد فيحرم ذلك، فإن خالف وتيمم صح. ولو أجنب وهو خارج المسجد، والماء في المسجد، لم يجز أن يدخل ويغتسل في المسجد؛ لأنه يلبث لحظة مع الجنابة.
_________
(1) المجموع:187/ 2 - 196،33/ 4، وانظر إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي المتوفى (سنة 794 هـ) وبخاصة: ص301 - 407 حيث ذكر137 حكماً للمساجد، طبع أبي ظبي، القوانين الفقهية: ص49، المغني: 243/ 2، الدر المختار ورد المحتار:614/ 1 - 619، كشاف القناع: 424/ 2 - 436.

(1/546)


ولو دخل للاستسقاء، لا يجوز أن يقف إلا قدر حاجة الاستسقاء.
3ً - يجوز للمحدث الجلوس في المسجد بإجماع المسلمين، سواء لغرض شرعي كاعتكاف أو سماع قرآن أو علم آخر، أم لغير غرض، ولا كراهة في ذلك.
4ً - يجوز النوم في المسجد، ولا كراهة فيه عند الشافعية، لفعل ابن عمر في الصحيحين، وكان أصحاب الصُفَّة (1) ينامون في المسجد، ونام العرنيون في المسجد، ونام علي وصفوان بن أمية فيه، ونام غيرهم.
وقال مالك: لابأس بذلك للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر.
وقال الحنفية: يكره النوم في المسجد إلا للغريب والمعتكف.
وقال أحمد وإسحاق: إن كان مسافراً أو شبهه، فلا بأس، وإن اتخذه مبيتاً أو مقيلاً، فلا.
وقال المالكية (2): يمنع دخول الكافر المسجد وإن أذن له مسلم إلا لضرورة عمل، ومنها قلة أجرته عن المسلم في عمل ما، وإتقانه العمل على الظاهر.
وأجاز أبو حنيفة لكافر دخول كل مسجد.
ويجوز عند الشافعية للكافر دخول المسجد غير المسجد الحرام وحرم مكة، وله أن يبيت فيه، ولو كان جنباً في الأصح، ولكن بإذن المسلمين.
5ً - يجوز الوضوء في المسجد إذا لم يؤذ بمائه، والأولى أن يكون في إناء. قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد، إلا أن يَبُلَّه، ويتأذى به الناس، فإنه يكره.
_________
(1) أهل الصفة: جماعة من فقراء المهاجرين كانوا يقيمون في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم تحت صُفَّته، أي ظلته.
(2) حاشية الصاوي على الشرح الصغير:178/ 1.

(1/547)


وقال مالك وأبو حنيفة: يكره الوضوء، تنزيهاً للمسجد، واستثنى الحنفية: ماأعد للوضوء فلا يكره فيه.
6ً - لا بأس بالأكل والشرب ووضع المائدة في المسجد، وغسل اليد فيه. وقال الحنفية: يكره تنزيهاً أكل ما ليست له رائحة كريهة، وقال المالكية: يجوز للغرباء الأكل في المساجد ما لم يقذر، وكذلك قال الحنابلة: يباح الأكل بشرط ألا يلوثه.
7ً - يكره لمن أكل ثوماً، أو بصلاً، أو كُرَّاثاً، أو غيرها مما له رائحة كريهة، وبقيت رائحته، أن يدخل المسجد من غير ضرورة، لحديث ابن عمر أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من أكل من هذه الشجرة ـ يعني الثوم ـ فلا يقربن مسجدنا» أو «مساجدنا» (1)، وحديث أنس: «من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربنا، ولا يصلين معنا» (2)، وحديث جابر: «من أكل ثوماً، أو بصلاً، فليعتزلنا، أو فليعتزل مساجدنا» (3).
وقال الحنفية: يكره ذلك تحريماً، وقال المالكية: يحرم ذلك.
8ً - يكره البصاق في المسجد، لما ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها».
9ً - يحرم البول والفصد والحجامة في المسجد في غير إناء. ويكره الفصد
_________
(1) رواه البخاري ومسلم، ورواية مسلم: «مساجدنا».
(2) رواه البخاري ومسلم.
(3) رواه البخاري ومسلم، وروى مسلم حديثاً عن عمر بن الخطاب في معنى المذكورات. هذا ولا يحرم إخراج الريح من الدبر في المسجد، لكن الأولى اجتنابه، لرواية مسلم من حديث جابر السابق: «من أكل البصل والثوم والكراث، فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» والكراث: بقل (نيل الأوطار: 154/ 2).

(1/548)


والحجامة فيه في إناء. ولا يحرم. وقال الحنفية: يكره تحريماً البول والتغوط والوطء في المسجد؛ لأنه مسجد إلى عنان السماء، ويكره إدخال نجاسة إلى المسجد، فلا يجوز الاستصباح فيه بدهن نجس، ولا تطيينه بنجس ولا الفصدفيه.
وقال الشافعية: يحرم إدخال النجاسة إلى المسجد. أما من على بدنه نجاسة أو به جرح: فإن خاف تلويث المسجد، حرم عليه دخوله، وإن أمن لم يحرم. ولا يجوز البناء ولا التجصص بالنجس، ويكره ذلك تحريماً عند الحنفية. ويحرم الاستصباح فيه بالزيت والدهن المتنجس.
ودليل حرمة هذه المسائل حديث أنس عند مسلم: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله، وقراءة القرآن».
10ً - يكره غرس الشجر في المسجد، ويكره حفر البئر؛ لأنه بناء في مال غيره، وللإمام قلع ما غرس فيه، وقال الحنفية: يكره غرس الأشجار في المسجد إلا لنفع، كتقليل نَزّ (ما يتحلب من الأرض من الماء).
11ً - تكره الخصومة في المسجد، ورفع الصوت فيه، ونشد الضالة، والبيع والشراء والإجارة ونحوها من العقود، لحديث أبي هريرة عند مسلم وأحمد وابن ماجه: «من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد، فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا» وفي رواية الترمذي: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة، فقولوا: لا ردها الله عليك» (1).
_________
(1) قال الترمذي: حديث حسن. وروى أبو داود والترمذي والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم نهى عن الشراء والبيع في المسجد، وأن ينشد فيه ضالة، وأن ينشد فيه شعر» قال الترمذي: حديث حسن.

(1/549)


كذلك يكره البيع والشراء عند الحنفية والمالكية، ويحرم عند الحنابلة، وإن وقع فهو باطل. ويكره رفع الصوت بالذكر إن شوش على المصلين عند الحنفية والحنابلة إلا للمتفقهة، كما يكره عندهم الكلام غير المباح، فإن كان مما يباح فلا يكره إن لم يشوش على المصلين. وقال المالكية: يكره رفع الصوت في المسجد مطلقاً ولو بالذكر والعلم.
لكن لا بأس عند الشافعية أن يعطى السائل في المسجد شيئاً، لحديث: «هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد، فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه» (1) وكره الشافعي السؤال في المسجد، وكذلك كرهه المالكية والحنابلة، ولكن يجوز الإعطاء، وقال الحنفية: يحرم السؤال في المسجد، ويكره إعطاء السائل فيه شيئاً.
12ً - يكره إدخال البهائم والمجانين، والصبيان الذين لايميزون المسجد؛ لأنه لا يؤمن من تلويثهم إياه، ولا يحرم ذلك؛ لأنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم صلى حاملاً أمامة بنت زينب رضي الله عنهما، وطاف على بعيره. ولا ينفي هذا الكراهة؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم فعله لبيان الجواز، فيكون حينئذ أفضل في حقه، فإن البيان واجب. وهذا الحكم هو المقرر أيضاً عند الحنابلة إلا أنهم أجازوا إدخال المجانين في المساجد لحاجة كتعليم الكتابة. ومنع المالكية والحنفية من إدخال الصبيان والمجانين المساجد، وهو مكروه، ويرخص للنساء الصلاة في المساجد إذا أمن الفساد، ويكره للشابة الخروج إليه.
13ً - يكره أن يجعل المسجد مقعداً لحرفة، كالخياطة ونحوها، لحديث أنس السابق في حكم المسألة التاسعة. أما من ينسخ فيه شيئاً من العلم، أو اتفق قعوده فيه، فخاط ثوباً، ولم يجعله مقعداً للخياطة، فلا بأس به.
_________
(1) رواه ابو داود باسناد جيد عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.

(1/550)


14ً - يجوز الاستلقاء في المسجد على القفا، ووضع إحدى الرجلين على الأخرى، وتشبيك الأصابع ونحو ذلك، ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي صلّى الله عليه وسلم فعل ذلك كله.
15ً - يستحب عقد حلق العلم في المساجد، وذكر المواعظ والرقائق ونحوها، والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة مشهورة.
ويجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد، وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات، وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحاً، لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وقال: وكانوا يتحدثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويبتسم (1).»
16ً - لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان مدحاً للنبوة أو الإسلام، أو كان حكمة، أو في مكارم الأخلاق، أو الزهد، أو نحو ذلك من أنواع الخير، بدليل حديث سعيد بن المسيب قال: مر عمر بن الخطاب، وحسان ينشد الشعر، فلحظ إليه، فقال: أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله، أسمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس»؟ قال: نعم (2).
أما ما فيه شيء مذموم كهجو مسلم أو صفة الخمر، أو ذكر النساء أو المُرْد، أو مدح ظالم، أو افتخار منهي عنه، أو غير ذلك، فحرام لحديث أنس السابق في المسألة التاسعة، ولحديث آخر: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم نهى عن تناشد الأشعار في
_________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه البخاري ومسلم.

(1/551)


المسجد» (1) وهذا التفصيل هو الحكم المقرر لدى المذاهب الأخرى.
17ً - يسن كنس المسجد وتنظيفه وإزالة ما يرى فيه من نخامة أو بصاق، أو نحو ذلك، ثبت في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلّى الله عليه وسلم رأى بصاقاً في المسجد، فحكه بيده. وروى أبو داود عن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «عرضت علي أجور أمتي، حتى القَذاةُ يخرجها الرجل من المسجد» والقذاة: الواحدة من التبن والتراب وغير ذلك.
18ً - من البدع المنكرة إيقاد القناديل الكثيرة في ليال معينة كليلة نصف شعبان، مضاهاة للمجوس في الاعتناء بالنار، وإضاعة للمال.
19ً - السنة لمن دخل المسجد ومعه سلاح: أن يمسك على حَدِّه، كنصل السهم وسنان الرمح ونحوه، لحديث جابر رضي الله عنه: أن رجلاً مر بسهام في المسجد، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أمسك بنصالها» (2).
20ً - السنة للقادم من سفر: أن يبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتين، لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد، فصلى ركعتين» (3).
21ً - ينبغي للجالس في المسجد لانتظار صلاة، أو اشتغال بعلم، أو لشغل آخر من طاعة أو مباح: أن ينوي الاعتكاف، فإنه يصح، وإن قل زمانه.
22ً - لا بأس بإغلاق المسجد في غير وقت الصلاة، لصيانته أو لحفظ آلاته. فإذا لم يخف من فتحها مفسدة ولا انتهاك حرمتها، وكان في فتحها رفق بالناس، فالسنة فتحها، كما لم يغلق مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم في زمنه ولا بعده.
_________
(1) حديث حسن رواه النسائي بإسناد حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
(2) رواه البخاري ومسلم، كما رويا في معناه حديثاً عن أبي موسى رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري ومسلم.

(1/552)


23ً - يكره لداخل المسجد: أن يجلس فيه، حتى يصلي ركعتين.
24ً- ينبغي للقاضي ألا يتخذ المسجد مجلساً للقضاء، إلا ما يقع فيه صدفة، فيقضى فيه.
25ً- يكره أن يتخذ على القبر مسجد، لحديث صحيح: «قاتل الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (1).
وأما حفر القبر في المسجد، فحرام شديد التحريم.
وتكره الكتابة عند الشافعية والحنفية والحنابلة على جدران المسجد وسقوفه. وقال المالكية والحنابلة: تكره الكتابة في القبلة لئلا تشغل المصلي، ولا تكره فيما عدا ذلك؛ لأن الكتابة تشغل قلب المصلي، وربما اشتغل بقراءته عن صلاته. كما يكره تزويقه وكل ما يشغل المصلي عن صلاته.
ً 26ً- حائط المسجد من داخله وخارجه: له حكم في وجوب صيانته وتعظيم حرماته، وكذا سطحه، والبئر التي فيه، وكذا رحبته، وقد نص الشافعي وأصحابه على صحة الاعتكاف في رحبته وسطحه، وصحة صلاة المأموم فيهما مقتدياً بمن في المسجد، وكذلك يعتبر سطح المسجد كالمسجد في بقية المذاهب.
27ً - السنة لمن أراد دخول المسجد: أن يتفقد نعليه، ويمسح ما فيهما من أذى قبل دخوله، لحديث: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد، فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى، فليمسحه، وليصل فيهما» (2).
28ً - يكره الخروج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي إلا لعذر، لحديث
_________
(1) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) حديث حسن رواه أبو داود بإسناد صحيح.

(1/553)


أبي الشَّعْثاء قال: «كنا قعوداً مع أبي هريرة رضي الله عنه في المسجد، فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعه أبو هريرة بصره، حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أما هذا، فقد عصى أبا القاسم صلّى الله عليه وسلم» (1).
29ً - يستحب أن يقول عند دخوله المسجد: (أعوذ بالله العظيم ووجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، باسم الله والحمد لله، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل محمد وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك).
وإذا خرج من المسجد قال مثله، إلا أنه يقول: (وافتح لي أبواب فضلك) (2).
ويقدم رجله اليمنى في الدخول، واليسرى في الخروج.
30ً- لا يجوز أخذ شيء من أجزاء المسجد، كحجر وحصاة وتراب وغيره، لحديث مرفوع: «إن الحصاة لتناشد الذي يخرجها من المسجد» (3).
31ً- يسن بناء المساجد وعمارتها وتعهدها، وإصلاح ما تشعث منها، لحديث: «من بنى لله تعالى مسجداً، بنى الله له مثله في الجنة» (4).
وقال الحنابلة: يجب بناء المساجد في الأمصار والقرى والمحالّ (جمع مَحلِّة)
_________
(1) رواه مسلم.
(2) هذه الأذكار بعضها في صحيح مسلم، ومعظمها في سنن أبي داود والنسائي، فإن طال عليه هذا كله، فليقتصر على ما في مسلم أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك».
(3) رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة.
(4) رواه البخاري ومسلم وأحمد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه (نيل الأوطار:147/ 1).

(1/554)


ونحوها بحسب الحاجة فهو فرض كفاية، وعمارة المساجد ومراعاة أبنيتها مستحبة، ويسن أن يصان المسجد عن الأوساخ والمخاط وتقليم الأظافر وقص الشعر ونتفه، وعن الروائح الكريهة من بصل وثوم وكراث ونحوها.
ويجوز بناء المسجد في موضع كان كنيسة وبِيعة أو مقبرة درست إذا أصلح ترابها، لحديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد أهل الطائف حيث كانت طواغيتهم» (1)، ولحديث أنس: «أن مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلم كان فيه قبور مشركين، فنبشت» (2).
ويكره زخرفة المسجد باللونين الأحمر والأصفر ونقشه وتزيينه، لئلا تشغل قلب المصلي، ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد» (3) وقوله أيضاً: «ما أمرت بتشييد المساجد، قال ابن عباس: (لَتُزَخرِفُنَّها) كما زخرفت اليهود والنصارى» (4) فهو يدل على أن تشييد المساجد بدعة، وهذا الحكم بالكراهة هو المقرر عند المالكية والحنابلة، لكن أجاز الحنفية نقش المسجد بالمال الحلال، خلا محرابه فإنه يكره، لأنه يلهي المصلي.
وروي عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك. وروي عن أبي طالب المكي: أنه لا كراهة في تزيين المحراب.
_________
(1) رواه أبو داود بإسناد جيد، وابن ماجه (نيل الأوطار:145/ 2).
(2) رواه البخاري ومسلم.
(3) رواه الخمسة إلا الترمذي عن أنس (نيل الأوطار:151/ 2).
(4) أخرجه أبو داود عن ابن عباس، والتشييد: رفع البناء وتطويله. وفي قول ابن عباس نوع تأنيب وتوبيخ، والمراد من الزخرفة: الزينة. وفتح اللام في قوله: لتزخرفنها لأنه جواب القسم. وكلام ابن عباس مفصول عن كلام النبي صلّى الله عليه وسلم في الكتب المشهورة وغيرها (نيل الأوطار:150/ 2).

(1/555)


32ً - ورد في فضل المساجد أحاديث كثيرة منها: «أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها» (1).
33ً - مصلى العيد وغيره الذي ليس بمسجد: لايحرم المكث فيه على الجنب والحائض، على المذهب عند الشافعية.

الملحق الثاني ــ أحكام الحمامات العامة:
ذكر الشافعية والحنابلة أحكام الحمام وآداب دخوله فقالوا (2):
أـ أجود الحمامات: ماكان شاهقاً، عذب الماء، معتدل الحرارة، معتدل البيوت، قديم البناء.
ب ـ بناء الحمام: وبيعه وشراؤه وإجارته مكروه عند الإمام أحمد، لما فيه من كشف العورة والنظر إليها، ودخول النساء إليه، قال أحمد: في الذي يبني حماماً للنساء: ليس بعدل. وحمله بعضهم على غير البلاد الباردة.
وكسب الحمام والحلاق عند الحنابلة مكروه.
جـ ــ الدخول إلى الحمام: يباح للرجال دخول الحمام، ويجب عليهم غض البصر عما لايحل لهم، وصون عورتهم عن الكشف بحضرة من لايحل له النظر إليها، أو في غير وقت الاغتسال، فإنه يروى: «أن ابن عباس دخل حماماً بالجُحْفة»، ويروى ذلك عن النبي صلّى الله عليه وسلم، كما يروى عن خالد بن الوليد «أنه دخل الحمام».
_________
(1) رواه مسلم عن أبي هريرة، ورواه أحمد والحاكم عن جبير بن مطعم.
(2) مغني المحتاج:76/ 1، المغني: 230/ 1 - 233، كشاف القناع:181/ 1 - 183، الفتاوى الهندية:373/ 5 وما بعدها.

(1/556)


فإن خشي ألا يسلم من النظر إلى العورات، ونظر الناس إلى عورته كره له ذلك؛ لأنه لايأمن وقوعه في المحظور، فإن كشف العورة ومشاهدتها حرام، بدليل حديث بهز بن حكيم المتقدم في أول مبحث الغسل: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ماملكت يمينك ... » (1)، وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: «لاينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولاتنظر المرأة إلى عورة المرأة» «لاتمشوا عراة» (2) «الفخذ عورة» (3).
ويحرم دخول الحمامات العامة بغير مئزر، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من ذكور أمتي، فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تدخل الحمام» (4) «حرام على الرجال دخول الحمام إلا بمئزر» (5)، وروي: «أن الرجل إذا دخل الحمام عارياً لعنه ملكاه» (6).
وأما النساء: فيكره لهن دخول الحمام بلا عذر من حيض أو نفاس أو مرض أو حاجة إلى الغسل، ولا يمكن المرأة أن تغتسل في بيتها، لخبر: «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت مابينها وبين الله تعالى» (7) وقال صلّى الله عليه وسلم: «ستفتح عليكم أرض العجم، وستجدون فيها بيوتاً، يقال لها الحمامات، فلا يدخلنها الرجال إلا بالإزار، وامنعوها النساء، إلا مريضة أو نفساء» (8)، ولأن أمرهن
_________
(1) رواه الخمسة (نيل الأوطار:62/ 2).
(2) رواهما مسلم، وروى أبو داود وابن ماجه عن علي: «لا تبرِز فخذاك، ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت» (نيل الأوطار:62/ 2).
(3) رواه الترمذي وأحمد عن ابن عباس (نيل الأوطار:62/ 2).
(4) رواه أحمد عن أبي هريرة.
(5) رواه النسائي والحاكم عن جابر.
(6) رواه القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: {كراماً كاتبين، يعلمون ما تفعلون} [الانفطار:11/ 82 - 12].
(7) رواه الترمذي وحسنه عن عائشة رضي الله عنها.
(8) رواه أبو داود وغيره عن ابن عمر رضي الله عنه.

(1/557)


مبني على المبالغة في الستر، ولما في خروجهن واجتماعهن من الفتنة والشر (1).
ولايحرم على المرأة الاغتسال في حمام دارها حيث لم ير من عورتها مايحرم النظر إليه.
د - يحرم الاغتسال عرياناً بين الناس، فمن اغتسل عرياناً بين الناس: لم يجز له ذلك؛ لأن كشف العورة للناس محرم، لما تقدم، ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل حيي ستِّير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» (2). أما إن كان خالياً فيجوز؛ لأن موسى عليه السلام اغتسل عرياناً (3)، كما اغتسل أيوب عليه السلام عرياناً (4).
وإن ستره إنسان بثوب، فلابأس، فقد كان النبي صلّى الله عليه وسلم يستتر بثوب ويغتسل.
ويستحب التستر وإن كان خالياً للحديث السابق: «فالله أحق أن يستحيا منه من الناس».
ولايسبح في ماء إلا مستتراً؛ لأن الماء لايستر، فتبدو عورة من دخله عرياناً.
هـ ـ يجزئ الغسل والوضوء بماء الحمام، لأنه طاهر، ويجعل بمنزلة الماء الجاري إذا كان يفيض من الحوض ويخرج، أي أن عليه مصبَّاً، فإن الذي يأتي أخيراً يدفع مافي الحوض، ويثبت في مكانه.
وـ لابأس للمستتر بذكر الله في الحمام، فإن ذكر الله حسن في كل مكان، مالم يرد المنع منه، روي «أن أبا هريرة دخل الحمام، فقال: لا إله إلا الله» وروي عن النبي صلّى الله عليه وسلم «أنه كان يذكر الله على كل أحيانه».
_________
(1) قال بعض الشافعية: والخناثى كالنساء فيما يظهر.
(2) رواه أبو داود عن يعلى بن أمية.
(3) رواه البخاري.
(4) كما ذكر صاحب المغني ابن قدامة المقدسي.

(1/558)


أما قراءة القرآن في الحمام: فلا تكره عند مالك والنخعي، كذكر الله فيه، وكره أحمد ذلك، ولو خفض صوته؛ لأنه محل التكشف، ويفعل فيه مالايحسن في غيره، فيصان القرآن عنه. كما يكره السلام فيه. وأباحه بعض الحنابلة؛ لأن الأشياء على الإباحة.

ز ـ آداب الحمام: يجب ألايزيد المستحم في الماء على قدر الحاجة والعادة، ولايطيل المقام إلا بقدر الحاجة.
وآداب الحمام: أن يقصد التطهير والتنظيف، لا الترفه والتنعم، وأن يسلم الأجرة قبل دخوله، وأن يسمي للدخول، ثم يتعوذ، كما في دخول الخلاء، ويقدم رجله اليسرى عند الدخول، ورجله اليمنى عند الخروج.
ويتذكر بحرارة الحمام حرارة نار جهنم، ولايدخله إذا رأى فيه عرياناً، ولايعجل بدخول البيت الحار حتى يعرق في البيت الأول؛ لأنه أجود طباً، ولايكثر الكلام، ويتحين بدخوله وقت الفراغ أو الخلوة إن قدر على ذلك، ويقلل الالتفات؛ لأنه محل الشياطين، ويستغفر الله تعالى ويصلي ركعتين بعد خروجه منه، فقد كانوا يقولون: يوم الحمام يوم إثم.
وكره الشافعية دخول الحمام قبيل الغروب، وبين العشاءين؛ لأنه وقت انتشار الشياطين، وقال الحنابلة: لايكره ذلك لعدم النهي الخاص عنه. ولابأس بدلك غيره إلا عورة أو مظنة شهوة.
ويكره الحمام للصائم؛ لأن الغسل يضعف الجسم، وهو ترفه لايلائم الصوم، وقد يسبق الماء إلى جوفه، فيفطر.
ويغسل قدميه عند خروجه بماء بارد، ولابأس بشرب ماء بارد عند خروجه منه، لأنه أنفع طباً، كما لابأس بقوله لغيره: عافاك الله، ولا مانع من المصافحة.

(1/559)

0 التعليقات