الفَصْلُ السَّادس: التَّيَمُّم تعريفه، ومشروعيته وصفته، أسبابه، فرائضه، كيفيته، شروطه، سننه، ومكروهاته، نواقضه

نوفمبر 08, 2021
لفَصْلُ السَّادس: التَّيَمُّم تعريفه، ومشروعيته وصفته، أسبابه، فرائضه، كيفيته، شروطه، سننه، ومكروهاته، نواقضه
الفهرس
  1. الفَصْلُ السَّادس: التَّيَمُّم
    1. المطلب الأول ــ تعريف التيمم ومشروعيته وصفته
    2. المطلب الثاني ـ أسباب التيمم
    3. المطلب الثالث ـ أركان التيمم أو فرائضه
    4. المطلب الرابع ـ كيفية التيمم
    5. المطلب الخامس ـ شروط التيمم
    6. المطلب السادس ـ سنن التيمم ومكروهاته
    7. المطلب السابع: نواقض التيمم أو مبطلاته
    8. المطلب الثامن ـ حكم فاقد الطهورين
  2. العودة الي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي
الفَصْلُ السَّادس: التَّيَمُّم تعريفه، ومشروعيته وصفته، أسبابه، فرائضه، كيفيته، شروطه، سننه، ومكروهاته، نواقضه، حكم فاقد الطهورين.

المطلب الأول ــ تعريف التيمم ومشروعيته وصفته:

التيمم لغة: القصد ومنه قوله تعالى: {ولاتيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة:2/ 267]، وشرعاً عرفه الفقهاء بعبارات متقاربة، فقال الحنفية (1): مسح الوجه واليدين عن صعيد مطهر. والقصد شرط له؛ لأنه النية، فهو قصد صعيد مطهر واستعماله بصفة مخصوصة لإقامة القربة.
وقال المالكية (2): طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية.
وقال الشافعية (3): إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلاً عن الوضوء أو الغسل أو عضو منهما بشرائط مخصوصة.
_________
(1) مراقي الفلاح: ص19، فتح القدير:84/ 1، اللباب:35/ 1، البدائع:45/ 1، حاشية ابن عابدين: 211/ 1.
(2) حاشية الصاوي على الشرح الصغير:179/ 1.
(3) مغني المحتاج:87/ 1.

(1/560)


وقال الحنابلة (1): مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص.

مشروعيته: التيمم من خصائص الأمة الإسلامية، شرع في غزوة بني المصطلق (غزوة المريسيع) في السنة السادسة من الهجرة حينما أضاعت عائشة عِقْدها، فبعث صلّى الله عليه وسلم في طلبه، وحانت الصلاة، وليس معهم ماء، فنزلت آية التيمم، كما نزلت آيات براءة عائشة من الإفك في سورة النور، فقال أُسَيدُ بن حضير: «يرحمك الله يا عائشة، مانزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين فيه فرجاً».
وهو رخصة، وقال الحنابلة: إنه عزيمة، وأدلة مشروعيته: الكتاب والسنة والإجماع: أما القرآن: فقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء، فتيمموا صعيداً طيباً (2)، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة 5/ 6]، وهذا يدل على أن التيمم فريضة بدل الغسل بالماء.
وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها خبر مسلم: «جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وتربتها طهوراً» (3)، ومنها «التراب طهور المسلم، ولو إلى عشر حجج، مالم يجد الماء أو يحدث» (4).
_________
(1) كشاف القناع: 183/ 1.
(2) أي تراباً طهوراً.
(3) وروى أحمد في معناه حديثين عن أبي أمامة وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (نيل الأوطار:258/ 1).
(4) روي من حديث أبي ذر عند أبي داود والنسائي والترمذي، ومن حديث أبي هريرة عند البزار والطبراني، قال الترمذي عن الأول: حديث حسن صحيح (نصب الراية: 148/ 1).

(1/561)


وأجمعت الأمة على جواز التيمم في الجملة.

صفته أو الطهارة التي هو بدل عنها: قال عامة الفقهاء (1): التيمم ينوب عن الوضوء وعن الغسل من الجنابة والحيض والنفاس، إلا أنه لايجوز عند غير الحنفية لزوج الحائض أن يطأها حتى تغتسل بالماء، فالمحدث والجنب والحائض والنفساء ومن ولدت ولداً جافاً يتيمم للصلاة وغيرها من الطاعات؛ لأن الضمير في قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة 5/ 6]، يعود على المحدث حدثاً أصغر وعلى المحدث حدثاً أكبر عند القائلين بأن الملامسة هي الجماع. أما من كانت الملامسة عنده هي اللمس باليد في قوله تعالى: {أو لامستم النساء} [المائدة:5/ 6]، فالضمير يعود على المحدث حدثاً أصغر فقط، وتكون مشروعية التيمم للجنب ثابتة بالسنة:
مثل حديث عمران بن حصين، قال: كنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم في سفر، فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل، فقال: مامنعك أن تصلي؟ قال: أصابني جنابة ولا ماء؟ قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» (2) وهو يدل على مشروعية التيمم للصلاة عند عدم الماء من غير فرق بين الجنب وغيره. والصعيد: ماصعد على وجه الأرض من التراب.
ومثل حديث جابر قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حَجَر، فشجَّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابَه، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: مانجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول
_________
(1) بداية المجتهد:61/ 1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص38، البدائع:55/ 1، مغني المحتاج:87/ 1، المغني:237/ 1،257،273، كشاف القناع:194/ 1، المهذب:32/ 1، فتح القدير:87/ 1، غاية المنتهى: 53/ 1.
(2) متقق عليه (نيل الأوطار:256/ 1).

(1/562)


الله صلّى الله عليه وسلم أُُخبر بذلك، فقال: قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العِيّ (1) السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويِعْصِر، أو يَعْصِب على جُرْحه، ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده (2) وهو يدل على جواز العدول إلى التيمم لخشية الضرر.
ومثل حديث عمرو بن العاص: أنه لما بُعث في غزوة ذات السلاسل (3)، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت أن أهْلِك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله صلّى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فقال: ياعمرو، صليت بأصحابك وأنت جنُب؟ فقلت: ذكرت قول الله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم، إن الله كان بكم رحيماً، فتيممت، ثم صليت، فضحك رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ولم يقل شيئاً» (4) وهو يدل على جواز التيمم لشدة البرد، ولا إعادة عليه، وهو رأي مالك وأبي حنيفة.

الطاعات التي يتيمم لها: يجوز التيمم لكل مايتطهر له من صلاة مفروضة أو نافلة، أو مس مصحف، أو قراءة قرآن، أو سجود تلاوة أو شكر، أو لُبث في مسجد، للأحاديث السابقة، ولأنه يستباح بالتيمم مايستباح بطهارة الماء.
مايتيمم له من الأحداث: ويجوز التيمم للحدث الأصغر، والجنابة، والحيض والنفاس على حد سواء، لما روي أن قوماً جاءوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا قوم نسكن هذه الرمال، ولانجد الماء شهراً أو شهرين، وفينا الجنب
_________
(1) العي: التحير في الكلام، وقيل: ضد البيان.
(2) رواه أبو داود والدارقطني وابن ماجه، وصححه ابن السكن (نيل الأوطار:257/ 1).
(3) هي موضع وراء وادي القرى، وكانت هذه الغزوة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة.
(4) رواه أحمد وأبو داود والدارقطني وابن حبان والحاكم، وأخرجه البخاري تعليقاً (نيل الأوطار:258/ 1).

(1/563)


والحائض والنفساء، فقال عليه السلام: «عليكم بالأرض» (1). وقال الله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطّهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء، فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة:5/ 6].

نوع البدل:
قال الحنفية (2): إن التيمم بدل مطلق، وليس ببدل ضروري، فالحدث يرتفع بالتيمم إلى وقت وجود الماء في حق الصلاة المؤداة، بدليل الحديث المتقدم: «التيمم وضوء المسلم، ولو إلى عشر حِجج، مالم يجد الماء، أو يحدث» فقد سمى التيمم وضوءاً، والوضوء مزيل للحدث. وقال صلّى الله عليه وسلم: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» (3)، والطهور اسم للمطهر، فدل على أن الحدث يزول بالتيمم، إلا أن زواله مؤقت إلى غاية وجود الماء، فإذا وجد الماء يعود الحدث.
ويترتب عليه: أنه يجوز التيمم قبل دخول الوقت، ويجوز له أن يصلي بالتيمم ما شاء من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يحدث، وإذا تيمم للنفل جاز له أن يؤدي به النفل والفرض.
وقال الجمهور غير الحنفية (4): التيمم بدل ضروري، فيباح له الصلاة مع قيام الحدث حقيقة للضرورة، كطهارة المستحاضة، لحديث أبي ذر عند الترمذي:
_________
(1) رواه أحمد والبيهقي وإسحاق بن راهويه عن أبي هريرة لكنه ضعيف (نصب الراية:156/ 1).والحديث الصحيح المتفق عليه المتقدم عن عمران بن حصين يدل على الاكتفاء بالتيمم بدل الغسل حال الجنابة وفقد الماء.
(2) البدائع:54/ 1 وما بعدها، الدر المختار: 223/ 1.
(3) رواه الشيخان والنسائي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.
(4) الشرح الكبير:154/ 1، مغني المحتاج:97/ 1، بجيرمي الخطيب:253/ 1، كشاف القناع: 199/ 1.

(1/564)


«
فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك، فإنه خير لك» ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده، ولو رأى الماء يعود الحدث، مما يدل على أن الحدث لم يرتفع، لكن أبيح له أداء الصلاة مع قيام الحدث للضرورة، كمافي المستحاضة.
ويترتب عليه عكس الأحكام السابقة، إلا أن الحنابلة خلافاً للمالكية والشافعية أجازوا بالتيمم الواحد صلاة ما عليه من فرائض فوائت إن كانت عليه.

آراء المذاهب فيما يترتب على الاختلاف في نوع بدلية التيمم:
1 ً - وقت التيمم: قال الحنفية (1) القائلون بأن التيمم طهارة مطلقة: يجوز التيمم قبل الوقت، ولأكثر من فرض، ولغير الفرض من النوافل؛ لأن التيمم بدل مطلق عند عدم الماء، ويرتفع به الحدث إلى وقت وجود الماء، وليس ببدل ضروري مبيح مع قيام الحدث حقيقة، الذي هو قول الجمهور، فلا يجوز عندهم قبل الوقت، ولا يصلى به أكثر من فرض. ودليل الحنفية: أن التوقيت في العبادات لا يكون إلا بدليل سمعي، ولا دليل فيه، فيقاس على الوضوء، والوضوء يصح قبل الوقت.
وقال الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة) (2): لا يصح التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل، فلا يتيمم لفرض قبل دخول وقت فعله، ولا لنفل معين أو مؤقت كسنن الفرائض الرواتب قبل وقتها.
أما الفريضة: فلقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة:5/ 6]، والقيام إليها بعد دخول الوقت، ولما رواه البخاري من حديث «فأيما رجل من أمتي
_________
(1) البدائع:54/ 1، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:223/ 1
(2) بدا ية المجتهد:65/ 1، القوانين الفقهية: ص37، مغني المحتاج:105/ 1، المهذب:34/ 1، كشاف القناع:184/ 1.

(1/565)


أدركته الصلاة فليصل» وما رواه أحمد: «أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت» أي تيممت وصليت، وهذا دليل على أن التيمم يكون عند إدراك الصلاة، أي بعد دخول وقتها.
وأما النفل: فلحديث أبي أمامة مرفوعاً قال: «جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة، فعنده مسجده، وعنده طهوره» (1).
وأما الوضوء: فإنما جاز قبل الوقت، فلكونه رافعاً للحدث، بخلاف التيمم، فإنه طهارة ضرورة، فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة.
ويصح التيمم لركعتي الطواف كل وقت لإباحته، ويصح التيمم لفائتة تذكرها وأراد فعلها لصحة فعلها في كل وقت، ويصح التيمم لكسوف عند وجوده إن لم يكن وقت نهي عن الصلاة فيه (2)، ويصح التيمم لاستسقاء إذا اجتمعوا لصلاته، ولصلاة جنازة إذا غسل الميت، أو يمم لعذر، ولصلاة عيد إذا دخل وقته، ولمنذورة كل وقت. ويصح التيمم لنفل عند جواز فعله كتحية المسجد؛ لأن ذلك وقته.
واحترز بعبارة النفل المعين أو المؤقت عن النوافل المطلقة، فإنه يتيمم لها متى شاء، إلا في وقت الكراهة المنهي عنه؛ لأنه ليس وقتاً له.
_________
(1) رواه أحمد، ورواه البخاري ومسلم والنسائي عن جابر بلفظ: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة».
(2) تكره الصلاة النافلة في خمسة أوقات: بعد صلاة الفجر، وعند طلوع الشمس، وعند الزوال ظهراً، وبعد صلاة العصر، وعند الغروب.

(1/566)


هل يؤخر التيمم لآخر الوقت؟ اتفق أئمة المذاهب الأربعة (1) على أن الأفضل تأخير التيمم لآخر الوقت إن رجا وجود الماء حينئذ. فإن يئس من وجوده استحب تقديمه أول الوقت عند الجمهور (غير الحنابلة) والمنصوص عن أحمد: أن تأخير التيمم أولى بكل حال.
والأصح عند الحنفية: أن ندب التأخير هو لآخر الوقت المستحب بحيث لايقع في كراهة؛ إذ لا فائدة في التأخير سوى الأداء بأكمل الطهارتين. ويجب التأخير بالوعد بالماء، ولو خاف القضاء، كما يجب التأخير عند أبي حنيفة بالوعد بالثوب للعاري، أو بالدلو لنزح الماء، ما لم يخف القضاء.
وقيد الشافعية أفضلية الانتظار بحالة تيقن وجود الماء آخر الوقت، فإن شك في وجوده أو ظن بأن ترجح عنده وجود الماء آخر الوقت، فتعجيل التيمم أفضل في الأظهر؛ لأن فضيلة التقديم محققة بخلاف فضيلة الوضوء.
وفصل المالكية في الأمر فقالوا: اليائس من وجود الماء يندب له التعجيل أول الوقت. والمتردد في ذلك وهو الشاك أو الظان ظناً قريباً من الشك: يندب له التيمم وسط الوقت. والراجي: وهو الغالب على ظنه وجود الماء: يتيمم ندباً آخر الوقت.

2ً - مايفعل بالتيمم الواحد: قال الحنفية (2): يصلي بتيممه ماشاء من الفرائض والنوافل؛ لأنه طهور حال
_________
(1) الدر المختار ورد المحتار: 229/ 1، البدائع:54/ 1، الشرح الصغير:189/ 1 وما بعدها، مغني المحتاج:89/ 1، المغني:243/ 1.
(2) فتح القدير: 95/ 1

(1/567)


عدم الماء، فيعمل عمله ما بقي شرطه، فله أن يصلي بتيمم واحد فرضين فأكثر، وما شاء من نافلة.
وقال الحنابلة (1): التيمم مقيد بالوقت، لقول علي رضي الله عنه: «التيمم لكل صلاة» وقول ابن عمر رضي الله عنهما: «تيمم لكل صلاة» ولأن التيمم طهارة ضرورة، فتقيدت بالوقت، كطهارة المستحاضة، والطواف المفروض كالصلاة الفريضة.
وبناء عليه: إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها، وصلى به فوائت إن كانت عليه، فيصلي الحاضرة، ويجمع بين الصلاتين، ويقضي فوائت، وله التطوع بما شاء من النوافل إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى.
وقال المالكية والشافعية (2): لا يصلى بتيمم واحد فرضان، فلا يجوز للمتيمم أن يصلي بتيمم واحد أكثر من فريضة. ويجمع بين نوافل، وبين فريضة ونافلة إن قدم الفريضة عند المالكية، ويتنفل ما شاء قبل المكتوبة وبعدها عند الشافعية، لأنها غير محصورة.
ودليلهم: ما روى البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عمر، قال: «يتيمم لكل صلاة، وإن لم يحدث»، ولأنه طهارة ضرورة، فلا بد من تكرار التيمم لكل فرض، وإن كانت الفريضتان مجموعتين في وقت واحد، كالظهر مع العصر، ولو كان التيمم من مريض يشق عليه إعادته.
ويجوز أن يصلي بتيمم واحد فرض صلاة، وفرض جنازة عند المالكية،
_________
(1) المغني:262/ 1 - 246.
(2) الشرح الصغير: 186/ 1 - 187، الشرح الكبير:151/ 1، المهذب: 36/ 1، مغني المحتاج:103/ 1، القوانين الفقهية: ص38.

(1/568)


والشافعية في الأصح؛ لأن الجنازة فرض كفاية، فهي كالنفل في جواز الترك في الجملة.
وجاز بالتيمم للصلاة: مس المصحف، وقراءة القرآن إن كان جنباً.
والنذر عند الشافعية كفرض في الأظهر، فيجدد له التيمم، ولا يجمعه مع فرض آخر أداء أو قضاء بتيمم واحد. وفرض الطواف وخطبة الجمعة عند الشافعية كفرض الصلاة، فلا يجمع بتيمم واحد بين طوافين مفروضين، ولا بين طواف مفروض وصلاة مفروضة، ولا بين صلاة جمعة وخطبتها؛ لأن الخطبة وإن كانت فرض كفاية، ألحقت بفرض العين، إذا قيل: إنها قائمة مقام ركعتين.
وأجاز المالكية الجمع بتيمم بين صلاة مفروضة وطواف غير واجب وركعتيه، فهم إذن كالشافعية.

3ً - هل التيمم للنفل يجيز صلاة الفرض؟ قال الحنفية الواصفون التيمم بأنه بدل مطلق (1): إذا تيمم للنفل، يجوز له أن يؤدي به النفل والفرض. ويجوز عند أبي حنيفة وأبي يوسف: أن يؤم المتيمم المتوضئين إذا لم يكن معهم ماء؛ لأن التيمم في حال عدم الماء طهارة مطلقة، فيجوز اقتداؤهم به، وإن كان معهم ماء لا تجوز صلاتهم؛ لأن التيمم بدل عن الماء عند عدمه.
وقال المالكية (2): لا يصلى فرض بتيمم نواه لغيره، فإن نوى فرض الصلاة
_________
(1) البدائع:55/ 1 وما بعدها.
(2) مغني المحتاج: 98/ 1، كشاف القناع:201/ 1 وما بعدها، بجيرمي الخطيب:253/ 1.

(1/569)


صلى به ما عليه من فرض واحد، وما شاء من النوافل على أن يقدم صلاة الفرض على النفل، ولا يصلى به الفريضة الفائتة معه، وإن نوى مطلق الصلاة صلى به النفل دون الفرض، لأن الفرض يحتاج لنية تخصه، ومن نوى نفلاً لم يصل به فرضاً. ويلزم حال نية استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث نية الحدث الأكبر من جنابة أو غيرها إن كان عليه. فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه عليه، لم يجزه وأعاد أبداً.
ويندب نية الحدث الأصغر إذا نوى استباحة الصلاة أو نوى استباحة ما منعه الحدث. أما لو نوى فرض التيمم، فلا تندب نية الأصغر، ولا الأكبر؛ لأن نية الفرض تجزئ عن نية كل من الأصغر والأكبر. وإذا تيمم لقراءة قرآن أو للدخول على سلطان ونحو ذلك لا يجوز أن يصلي به.
وقال الشافعية والحنابلة (1): إن نوى فرضاً ونفلاً صلى به الفرض والنفل، وإن نوى فرضاً استباح مثله، وما دونه من النوافل، لأن النفل أخف، ونية الفرض تتضمنه، وبما أن الفرض أعلى استباح ما دونه تبعاً. وإن نوى نفلاً أو أطلق النية للصلاة بأن نوى استباحة الصلاة، ولم ينو فرضاً ولا نفلاً، لم يصل إلا نفلاً، ولم يصل به إلا فرضاً؛ لأن الفرض أصل والنفل تابع، فلا يجعل المتبوع تابعاً، وقياساً على ما لو أحرم بالصلاة، فإن صلاته تنعقد نفلاً.
_________
(1) حاشية الصاوي على الشرح الصغير: 193/ 1، الشرح الكبير: 154/ 1.

(1/570)


المطلب الثاني ـ أسباب التيمم:
أسباب التيمم أو الأعذار له هي ما يلي (1):

1ً - فقد الماء الكافي للوضوء أو الغسل: حساً بأن لم يجد ماء أصلاً أو وجد ماء لا يكفيه، أو شرعاً: بأن خاف الطريق إلى الماء أو كان عند الحنفية بعيداً عنه بمقدار ميل (8481م أو 0004 ذراع أو خطوة) أو أكثر، أو بقدر ميلين كما قال المالكية، أو احتاج إلى ثمنه أو وجده بأكثر من ثمن المثل، للآية السابقة: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:5/ 6].
وفصل الشافعية في جواز التيمم لفقد الماء وطلبه، فقالوا:
أـ إن تيقن فقد الماء حوله، تيمم بلا طلب.
ب ـ وإن توهم الماء أو ظنه، أو شك فيه، فتش في منزله وعند رفقته وتردد قدر حد الغوث (2): وهو مقدار غَلْوة سهم (004 ذراع أو 8،481م)، فإن لم يجد ماء تيمم. وقد اقتصر الحنفية على هذا فأوجبوا طلب الماء إلى أربع مئة خطوة إن ظن قربه من الماء مع الأمن.
جـ ـ وإن تيقن الماء طلبه في حد القُرب (3): (وهو ستة آلاف خطوة) وقال
_________
(1) البدائع:46/ 1 - 49، تبيين الحقائق:36/ 1، اللباب:36/ 1، فتح القدير:83/ 1 - 86، مراقي الفلاح: ص19، الدر المختار:214/ 1 - 226، الشرح الصغير:179/ 1 - 183،199، بداية المجتهد:63/ 1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص37، الشرح الكبير:149/ 1 ومابعدها، مغني المحتاج:87/ 1 - 95، المغني:234/ 1، 239، 257، 258، 261، 265، كشاف القناع:184/ 1 - 194.
(2) وهو ما يلحقه فيه غوث الرفقة، مع ما هم عليه من التشاغل والتفاوض في الأقوال.
(3) وهو ما يقصده النازلون لنحو احتطاب واحتشاش.

(1/571)


المالكية: إذا تيقن أو ظن الماء يطلبه لأقل من ميلين. وقال الحنابلة: يطلبه فيما قرب منه عادة.
ولا يطلب الماء عند الشافعية سواء في حد القرب أو الغوث إلا إذا أمن نفساً ومالاً، وانقطاعاً عن الرفقة. والأظهر عند الشافعية، والحنابلة خلافاً لغيرهم: أنه لو وجد ماء لا يكفيه، وجب استعماله، ثم يتيمم، للحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: «إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه مااستطعتم».

الشراء: ويجب شراؤه بثمن المثل، إن لم يحتج إليه لدين مستغرق (محيط بماله) أو مؤنة سفره، أو نفقة حيوان محترم، سواء أكان آدمياً أم غيره.
الهبة: ولو وهب له ماء أوعير دلواً، وجب القبول عند العلماء وفي الأصح عند الشافعية، أما لو وهب ثمنه فلا يجب قبوله بالإجماع، لعظم المنة، ولو من الوالد لولده.
نسيان الماء: ولو نسي الماء في رحله، فتيمم وصلى، ثم تذكر الماء في الوقت بعد أن فرغ من الصلاة، قضى في الأظهر عند الشافعية وأبي يوسف والمالكية، لأنه واجد للماء، ولكنه قصر في الوقوف عليه، فيقضي كما لو نسي ستر العورة، بأن كان في رحله ثوب فنسيه (1).
ولم يقض عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه لا قدرة بدون العلم، فهو غير واجد للماء؛ لأن المراد بوجود الماءالقدرة على استعماله، ولا قدرة إلا بالعلم (2).
فإن تذكر الماء وهو في الصلاة يقطع ويعيد إجماعاً، كما أنه يعيد اتفاقاً إذا
_________
(1) مغني المحتاج:91/ 1.
(2) فتح القدير وحاشية العناية:97/ 1، الدر المختار:330/ 1.

(1/572)


ظن فناء الماء. ولا يكره الوطء لعادم الماء، ولو لم يخف العنت (المشقة)؛ إذ الأصل في الأشياء الإباحة إلا لدليل.

2ً - فقد القدرة على استعمال الماء: قال المالكية والحنابلة وغيرهم: يتيمم العاجز الذي لا قدرة له على الماء كالمكره والمحبوس، والمربوط بقرب الماء، والخائف على نفسه من سبع أو لص، سواء في الحضر أو السفر، ولو سفر معصية؛ لأن التيمم مشروع مطلقاً، سواء في الحضر أو السفر، في الطاعة أو المعصية، ولأنه عادم للماء، ولعموم قوله صلّى الله عليه وسلم: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير» (1).
لكن عند الشافعية يقضي المقيم المتيمم لفقد الماء، لا المسافر، إلا العاصي بسفره في الأصح، فإنه يقضي؛ لأنه ليس من أهل الرخصة (2).
ولا يعيد عند بقية المذاهب في الأرجح عند الحنابلة؛ لأنه أتى بما أمر به، فخرج من عهدته، ولأنه صلى بالتيمم المشروع على الوجه المشروع، فأشبه المريض والمسافر (3)، واستثنى الحنفية المكره على ترك الوضوء فإنه يتيمم ويعيد صلاته.

3ً - المرض أو بطء البرء: يتيمم إذا خاف باستعمال الماء على نفس أو منفعة عضو حدوث مرض من نزلة أو حمى أو نحو ذلك، أوخاف من استعماله زيادة المرض أو طوله، أو تأخر
_________
(1) رواه الترمذي عن أبي ذر، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(2) مغني المحتاج:106/ 1.
(3) المغني:235/ 1، كشاف القناع:195/ 1، الشرح الصغير:190/ 1، الشرح الكبير:148/ 1، مراقي الفلاح: ص19.

(1/573)


برئه، ويعرف ذلك بالعادة، أو بإخبار طبيب عارف، ولو غير مسلم عند المالكية والشافعية، مسلم عند الحنفية والحنابلة. وأضاف الشافعية في الأظهر والحنابلة حدوث شين فاحش في عضو ظاهر، لأنه يشوه الخلقة ويدوم ضرره. والمراد بالظاهر ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين. وقال الحنابلة: من كان مريضاً لا يقدر على الحركة، ولا يجد من يناوله الماء للوضوء فهو كعادم للماء، له التيمم إن خاف فوت الوقت.

4ً - الحاجة إلى الماء في الحال أو في المستقبل: للمرء التيمم إذا اعتقد أو ظن ولو في المستقبل أنه يحتاج للماء احتياجاً مؤدياً إلى الهلاك أو شدة الأذى، بسبب عطش حيوان محترم شرعاً، من آدمي وغيره، ولو كلب صيد أو حراسة، بخلاف الحربي والمرتد والكلب غير المأذون فيه (ومنه عند الحنابلة: الكلب الأسود)، وذلك صوناً للروح عن التلف.
ومن أصناف الحاجة: الاحتياج للماء لعجن أو طبخ له ضرورة، أو لإزالة نجاسة غير معفو عنها، بشرط أن تكون عند الشافعية على البدن، فإن كانت على الثوب توضأ بالماء. وصلى عرياناً إن لم يجد ساتراً، ولا إعادة عليه.
وقال الشافعية والحنابلة (1): إن كانت على بدنه نجاسة وعجز عن غسلها لعدم الماء أو خوف الضرر باستعماله، تيمم لها وصلى، وعليه القضاء عند الشافعية، ولا قضاء عليه عند الحنابلة. ولا إعادة للصلاة بالاتفاق على مسافر تيمم خوف العطش.

5ً - الخوف من تلف المال لو طلب الماء: قال المالكية: يتيمم القادر على استعمال الماء من حاضر أو مسافر إذا خاف
_________
(1) مغني المحتاج:106/ 1، المغني:273/ 1 وما بعدها.

(1/574)


تلف مال ذي بال، سواء أكان له أم لغيره، لو طلب الماء الذي تحقق وجوده أو ظنه. أما إن شكه أو توهمه، فيتيمم ولو قل المال.
والمراد بالمال ذي البال: ما زاد على ما يلزمه بذله في شراء الماء. وقال غير المالكية: خوف عدو آدمي أو غيره أو حريق أو لص يجيز التيمم وعدم طلب الماء، سواء خاف على نفسه أو ماله أو أمانته، أو خافت امرأة فاسقاً عند الماء، أو خاف المديون المفلس الحبس، أو خاف فوات مطلوبه كتحصيل شارد، فحال كل واحد من هؤلاء كعادم الماء؛ لأن في ذلك ضرراً، وهو منفي شرعاً.

6ً - شدة البرد أي شدة برودة الماء: يجوز التيمم لشدة البرد إذا خاف ضرراً من استعمال الماء، ولم يجد ما يسخن به الماء.
لكن قيد الحنفية إباحة التيمم للبَرْد بما إذا خاف الموت أو التلف لبعض الأعضاء أو المرض، وبالجنب فقط ولو في الحضر، إذا لم تكن له أجرة حمام ولا ما يدفئه، لأنه هو الذي يتصور فيه ذلك. أما المحدث حدثاً أصغر فلا يجوز له التيمم للبرد في الصحيح.
وقيد المالكية جواز التيمم للبرد بحالة الخوف من الموت.
أما الشافعية والحنابلة: فأباحوا التيمم للبرد إذا تعذر تسخين الماء في الوقت، أو لم تنفع تدفئة أعضائه، وخاف على منفعة عضو أو حدوث شين فاحش، في عضو ظاهر عند الشافعية، أو في بدنه بسبب استعمال الماء عند الحنابلة.
ويقضي الصلاة عند الشافعية من تيمم لمرض، أو لبرد في الأظهر، ولا قضاء عليه عند المالكية والحنفية، وعند الحنابلة: روايتان: إحداهما ـ لا يلزمه القضاء، والثانية يلزمه الإعادة.

(1/575)


7ً - فقدان آلة الماء من دلو وحبل: يتيمم من له قدرة على استعمال الماء، ولكن لم يجد من يناوله إياه، أولم يجد آلة من حبل أو دلو، إذا خاف خروج الوقت، لأنه بمنزلة عادم الماء.
وأضاف الحنابلة: أنه يلزم طلب الآلة بالاستعارة ليحصل بها الماء، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويلزمه قبول عارية؛ لأن المنة في ذلك يسيرة. وإن قدر على استخراج ماء بئر بثوب يبله، ثم يعصره، لزمه ذلك لقدرته على تحصيل الماء، كما لو وجد حبلاً ودلواً، إذا لم تنقص قيمة الثوب أو أكثر من ثمن الماء الذي يستخرجه في مكانه، فإن نقصت أكثر من ثمنه لم يلزمه كشرائه. ويلزمه قبول الماء قرضاً، وقبول ثمنه قرضاً، إذا كان له ما يوفيه منه؛ لأن المنة في ذلك يسيرة، ولا يلزمه اقتراض ثمن الماء للمنة، ويلزمه قبول الماء إذا بذل له هبة لسهولة المنة فيه، لعدم تموله عادة، ولا يلزمه قبول ثمن الماء هبة للمنة، ولا يلزمه شراء الماء بدين في ذمته، ولو قدر على أدائه في بلده؛ لأن عليه ضرراً في بقاء الدين في ذمته، وربما تلف ماله قبل أدائه.

8ً - الخوف من خروج وقت الصلاة: لم يجز الشافعية (1) التيمم خوفاً من خروج الوقت؛ لأنه يكون متيمماً مع وجود الماء، واستثنوا حالة المسافر فإنه لا يلزم بطلب الماء ويتيمم إذا خاف خروج الوقت وخاف على نفسه أو ماله أو انقطاعه عن الرفقة.
وكذلك الحنابلة لم يجيزوا التيمم لخوف فوت الوقت سواء لجنازة أو عيد أو فريضة، إلا لمسافر علم وجود الماء في مكان قريب، لكن إذا قصده خاف خروج
_________
(1) مغني المحتاج:88/ 1، الحضرمية: ص24.

(1/576)


الوقت، فيتيمم حينئذ، ويصلي ولا إعادة عليه، لأنه غير قادر على استعماله في الوقت، فأشبه عادم الماء (1).
ولم يجز الحنفية التيمم خوف خروج الوقت إلا فيما يأتي (2):
أولاً ـ يتيمم لفقد الماء خوف فوت صلاة جنازة ولو جنباً، أو فوت صلاة عيد بسبب الخوف من فراغ إمام أو زوال شمس لو اشتغل بالوضوء، سواء أكان إماماً أم غيره في الأصح، لفواتهما بلا بدل، ولما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إذا فاجأتك صلاة جنازة، فخشيت فوتها، فصل عليها بالتيمم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أتي بجنازة، وهو على غير وضوء، فتيمم، ثم صلى عليها. وإذا تيمم لصلاة جنازة أو لسجدة تلاوة يجوز له عند فقد الماء أداء سائر الصلوات (3).
ثانياً ـ له التيمم أيضاً لفقد الماء خوف فوت صلاة كسوف وسنن المفروضات، ولو سنة فجر، إذا أخرها بحيث لو توضأ، فات وقتها.
ولا يصح التيمم لصلاة الجمعة وسائر الصلوات المكتوبة والوتر إذا خاف فوت الوقت؛ لأن للجمعة بدلاً وهو الظهر، ولأن بقية الصلوات تقضى.
وقال المالكية على المعتمد (4): يجوز التيمم لعادم الماء خوف خروج الوقت
_________
(1) كشاف القناع:206/ 1.
(2) الدر المختار:223/ 1 - 227، مراقي الفلاح: ص19 وما بعدها، البدائع:51/ 1، فتح القدير:96/ 1.
(3) ويجوز عند الحنفية التيمم لذاته عند فقد الماء وإن لم تجز الصلاة به لأمور، ضابطها: كل مالا تشترط الطهارة له، وهي: قراءة القرآن لغير الجنب عن ظهر قلب أو من المصحف، وتعليم القرآن، ودخول المسجد، أو خروجه، ودفن الميت وزيارة القبر، والأذان والإقامة، وعيادة المريض، والسلام ورده. والمختار: جواز التيمم للمسافر دون المقيم لأداء سجدة التلاوة، مع وجود الماء.
(4) الشرح الصغير182/ 1 - 184، الشرح الكبير:150/ 1 وما بعدها.

(1/577)


محافظة على أداء الصلاة في وقتها، فإن ظن أنه يدرك منها ركعة في وقتها إن توضأ أو اغتسل، فلا يتيمم.
والأظهر خلاف المشهور: أنه يجوز التيمم لعادم الماء وقت الأداء لحاضر (مقيم) صحيح لأداء جمعة، وصلاة جنازة، متعينة أم لا، خاف فواتها، ويصلي ولا يعيد.
كما يجوز التيمم لعادم الماء لأداء السنة والمندوب ومس المصحف، والطواف غير الواجب.

والخلاصة أن أسباب التيمم ترجع إلى أمرين:
الأول: فقد الماء، ويشمل حالة الحاجة إلى الماء ولو في المستقبل، وحالة الخوف من تلف المال، وخوف خروج الوقت بالطلب أو الاستعمال.
والثاني ـ العجز عن استعمال الماء. ويشمل بقية الحالات. والأمر الثاني مقيس على الأمر الأول: وهو فاقد الماء المنصوص عليه في آية التيمم.
واتفق الفقهاء على أنه يجوز التيمم لاثنين: للمريض وللمسافر إذا عدم الماء.

هل تعاد الصلاة المؤداة بالتيمم؟ اتفق الفقهاء على أن من تيمم لفقد الماء، وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت (وقت الصلاة)، لا إعادة عليه. أما إن وجد الماء في الوقت، أو تيمم لأسباب أخرى ففيه اختلاف (1):
_________
(1) المغني:243/ 1 وما بعدها،265،268، كشاف القناع:193/ 1 - 195،206، الشرح الصغير:190/ 1، مراقي الفلاح: ص19، الوجيز للغزالي:23/ 1، مغني المحتاج:101/ 1،106 وما بعدها، المهذب:36/ 1، المجموع:342/ 2 - 352.

(1/578)


قال الحنفية والمالكية والحنابلة: لا إعادة على من تيمم ثم وجد الماء في الوقت، ولا قضاء عليه بالتيمم للأسباب الأخرى، إلا أن المالكية قالوا: كل من أمر بالتيمم يعيد الصلاة في الوقت إذا كان مقصراً أي عنده نوع من التقصير في البحث عن الماء، أو طلبه.
واستثنى الحنفية: المحبوس الذي صلى بالتيمم فإنه يعيد الصلاة إن كان مقيماً في الحضر، ولا يعيدها في السفر. والأيسر الأخذ بهذا الرأي.
ودليلهم: ما روى أبو داود عن أبي سعيد: «أن رجلين خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين».
وتيمم ابن عمر وهو يرى بيوت المدينة، وصلى العصر، ثم دخل المدينة، والشمس مرتفعة، فلم يعد.
ولأن المتيمم فعل ما أمر به، وأدى فرضه كما أمر، فلم يلزمه الإعادة، ولأن عدم الماء عذر معتاد، فإذا تيمم معه يجب أن يسقط فرض الصلاة، كالمرض، وماسقط لايعود إلى الذمة.
وذهب الحنابلة على المشهور في المذهب إلى أن المتيمم واجد الماء في الصلاة، ينتقض تيممه، وتبطل طهارته، ويعيد الطهارة ويستأنف الصلاة من جديد، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «الصعيد الطيب: وضوء المسلم، إن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء، فأمِسَّه جلدك» (1) دل بمفهومه: على أنه لا يكون طهوراً عند وجود الماء،
_________
(1) رواه أبو داود والحاكم والنسائي عن أبي ذر، وصححه الترمذي، وقال: حسن صحيح.

(1/579)


وبمنطوقه على وجوب إمساسه جلده عند وجوده، ولأنه قدر على استعمال الماء، فبطل تيممه كالخارج من الصلاة، ولأن التيمم طهارة ضرورة، فبطلت بزوال الضرورة، كطهارة المستحاضة إذا انقطع دمها.
وإن عدم الماء تيمم وصلى ولم يعد الصلاة؛ لأنها صلاة تيمم صحيح، وإن خاف العطش أبقى ماءه ولا إعادة عليه.
وقال الشافعية: إن تيمم لعدم الماء، ثم رأى الماء:
أـ فإن كان قبل الدخول في الصلاة، بطل تيممه، لأنه لم يشرع في المقصود، وللحديث السابق عن أبي ذر: «فإذا وجدت الماء، فأمسه جلدك».
ب ـ وإن رأى الماء في أثناء الصلاة: فإن كان في الحضر بطل تيممه وصلاته؛ لأنه تلزمه الإعادة لوجود الماء، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة. والأصح أن خروجه من الصلاة وقطعها ليتوضأ أفضل. وإن كان في السفر لم يبطل تيممه على المذهب؛ لأنه وجد الأصل بعد الشروع في المقصود، فلا يلزمه الانتقال إليه.
وإن رأى الماء في الصلاة في السفر، ثم نوى الإقامة، بطل تيممه وصلاته؛ لأنه اجتمع حكم السفر والحضر في الصلاة، فوجب أن يغلَّب حكم الحضر، ويصير كأنه تيمم وصلى، وهو حاضر، ثم رأى الماء.
جـ ـ وإن رأى الماء بعد الفراغ من الصلاة: إن كان في الحضر، أعاد الصلاة؛ لأن عدم الماء في الحضر عذر نادر غير متصل، فلم يسقط معه فرض الإعادة، كما لو صلى بنجاسة نسيها. وإن كان في السفر لا تلزمه الإعادة، سواء أكان السفر طويلاً أم قصيراً في أشهر القولين عن الشافعي.

(1/580)


وإن كان سفر معصية فالأصح أنه تجب عليه الإعادة كالمقيم؛ لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق بالسفر، والسفر معصية، فلا تتعلق به رخصة.
وإن تيمم للمرض وصلى، ثم برئ، لم تلزمه الإعادة أي في الوقت؛ لأن المرض من الأعذار العامة، فهو كعدم الماء في السفر.
وإن تيمم لشدة البرد، وصلى، ثم زال البرد: فإن كان في الحضر، لزمه الإعادة؛ لأن ذلك من الأعذار النادرة. وإن كان في السفر ففيه قولان أرجحهما أنه تجب الإعادة، لأن البرد الذي يخاف منه الهلاك، ولا يجد ما يدفع ضرره عذر نادر غير متصل، فهو كعدم الماء في الحضر.
أما قضاء الصلاة المؤداة بالتيمم عند الشافعية: فقالوا فيه: يقضي المقيم المتيمم لفقد الماء، لا المسافر، إلا العاصي بسفره كالآبق والناشزة، فإنه يقضي في الأصح، لأنه ليس من أهل الرخصة.
ويقضي في الأظهر من تيمم في السفر للبرد، أو لمرض يمنع الماء مطلقاً (أي في جميع أعضاء الطهارة)، أو يمنع الماء في عضو من أعضاء الطهارة ولا ساتر عليه، أو بسبب وجود ساتر كجبيرة في محل التيمم (الوجه واليدين)، أو حالة وجود ساتر وضع على حدث في غير أعضاء التيمم.
والخلاصة: أن ما كان من الصلاة بعذر دائم كصلاة المستحاضة والمريض قاعداً، والمسافر: لا يقضي. وما كان منها بعذر لا يدوم وليس له بدل كفاقد الطهورين (الماء والتراب)، والمصلوب إذا صلى بالإيماء: يقضي، وما كان منها بعذر لا يدوم وله بدل كتيمم المقيم وتيمم المسافر لشدة البرد، ففي القضاء قولان أرجحهما أنه يقضي.

(1/581)


ولا يخفى ما في رأي الشافعية من تشدد، يقتضي الجنوح إلى الأخذ برأي الحنفية وموافقيهم.

المطلب الثالث ـ أركان التيمم أو فرائضه:
للتيمم أركان أو فرائض، علماً بأن المراد بالركن أو الفرض ما يتوقف عليه، أساساً وجود الشيء أو هو جانبه الأقوى، وهو اصطلاح الجمهور (غير الحنفية)، أما الحنفية فيحصرون الركن فيما يتوقف الشيء على وجوده، وكان جزءاً من حقيقته. وبناء عليه قالوا: للتيمم ركنان فقط: هما الضربتان، والاستيعاب بالمسح وجهه ويديه إلى المرفقين.
أما الجمهور فقالوا: أركان التيمم أربعة أو خمسة على الاختلاف الآتي (1):

1ً - النية عند مسح الوجه: هي فرض باتفاق المذاهب الأربعة، منهم القدوري وصاحب الهداية من الحنفية، وجعلها جماعة من الحنفية وبعض الحنابلة شرطاً، وهو المعتمد في مذهبي الحنابلة والحنفية.
والنية عند المالكية: أن ينوي استباحة الصلاة أو استباحة ما منعه الحدث، أو فرض التيمم عند مسح الوجه، ولو نوى رفع الحدث فقط كان تيممه باطلاً؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث على المشهور عندهم.
_________
(1) البدائع:45/ 1 وما بعدها،52، فتح القدير:86/ 1،89، الدر المختار:212/ 1، اللباب:37/ 1، تبيين الحقائق:38/ 1 وما بعدها، مراقي الفلاح 19 - 20، الشرح الكبير:154/ 1 وما بعدها، الشرح الصغير:192/ 1 - 198، القوانين الفقهية: ص37 وما بعدها، بداية المجتهد:64/ 1،66 وما بعدها، مغني المحتاج: 97/ 1 - 99، المهذب:32/ 1 وما بعدها، المغني:251/ 1،254، كشاف القناع:199/ 1 - 202.

(1/582)


ولو نوى فرض التيمم أجزأه، ولا يلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه، أو الأصغر.
أما لو نوى استباحة الصلاة أو ما منعه الحدث فيلزم بتعيين الحدث الأكبر إن كان عليه، ويندب نية الأصغر، كما تقدم سابقاً.
ويندب فقط تعيين الصلاة المتيمم لها من فرض أو نفل، أو هما معاً. فإن لم يعين الصلاة لا يصلي الفرض بنية النفل، ولا بنية مطلق الصلاة لأن الفرض يحتاج لنية تخصه.
وقال الشافعية: لا بد أن ينوي استباحة الصلاة ونحوها، فلا يكفي في الأصح نية فرض التيمم أو فرض الطهارة، أو الطهارة عن الحدث أو الجنابة أو رفع الحدث، لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم، ولأن التيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يجعل مقصوداً.
والأصح عندهم أنه لا يشترط التعيين في النية، فإذا أطلق، صلى أي فرض شاء، وإن عين فرضاً، جاز أن يصلي غيره فرضاً أو نفلاً في الوقت أو غيره، لكن لا يصلي الفرض بنية النفل، أو بنية استباحة مطلق الصلاة، أي كما قال المالكية.
ويجب عندهم قرن النية بالنقل الحاصل للتراب بالضرب إلى الوجه، لأنه أول الأركان، ويجب على الصحيح استدامة النية إلى مسح شيء من الوجه.
وينوي عند الحنابلة استباحة ما لا يباح إلا بالتيمم كالصلاة ونحوها، من طواف ومس مصحف، أي كما قال الشافعية، ولا يصح بنية رفع الحدث؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث عندهم كالمالكية والشافعية، لحديث أبي ذر: «فإذا وجدت الماء فأمسَّه جلدك، فإنه خير لك» (1).
_________
(1) صححه الترمذي.

(1/583)


ويجب عندهم تعيين النية لما تيمم له كصلاة وطواف ومس مصحف، من حدث أصغر أو أكبر، أو نجاسة على بدنه؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يكن بد من تعيين النية تقوية لضعفه.
وصفة التعيين: أن ينوي استباحة صلاة الظهر مثلاً من الجنابة إن كان جنباً، أو من الحدث إن كان محدثاً، أو منهما إن كان جنباً محدثاً، وما أشبه ذلك.
وإن تيمم لجنابة لم يجزه عن الحدث الأصغر؛ لأنهما طهارتان، فلم تتأد إحداهما بنية الأخرى.
وقال الحنفية: يشترط لصحة نية التيمم الذي تصح به الصلاة أن ينوي أحد أمور ثلاثة:
إما نية الطهارة من الحدث، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة لا تصح بدون طهارة كالصلاة أو سجدة التلاوة أو صلاة الجنازة. فإن نوى التيمم فقط من غير أن يلاحظ استباحة الصلاة، أو رفع الحدث القائم به، لم تصح الصلاة به. كما لا تصح الصلاة إذا نوى ما ليس بعبادة أصلاً كدخول المسجدومس المصحف (1)، أو نوى عبادة غير مقصودة لذاتها كالأذان والإقامة (2)، أو نوى عبادة مقصودة تصح بدون طهارة كالتيمم من المحدث حدثاً أصغر لقراءة القرآن، أو للسلام أو رده.
فإن تيمم الجنب لقراءة القرآن، صح له أن يصلي به سائر الصلوات.
ولا يشترط عندهم تعيين الحدث أو الجنابة، وإنما يصح التيمم بإطلاق النية، ويصح أيضاً بنية رفع الحدث؛ لأن التيمم رافع له كالوضوء.
_________
(1) لأن العبادة في الاعتكاف في المسجد، وفي التلاوة.
(2) لأن الغرض منهما الإعلان.

(1/584)


ويشترط لصحة النية عندهم: الإسلام، والتمييز، والعلم بما ينويه ليعرف حقيقة المنوي.
ومذهب الحنفية هنا أولى الآراء لسماحته ويسره وسعته.
والدليل على اشتراط النية الحديث المتقدم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» واستدل الحنفية: بأن التراب ملوث، فلا يكون مطهراً إلا بالنية، أي أن التراب ليس بطهارة حقيقية، وإنما جعل طهارة عند الحاجة، والحاجة إنما تعرف بالنية، بخلاف الوضوء؛ لأنه طهارة حقيقية، فلا يشترط له الحاجة ليصير طهارة، فلا يشترط له النية.

2ً - مسح الوجه واليدين مع الاستيعاب (1):
لقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة:5/ 6].
والمطلوب في اليدين عند الحنفية والشافعية: مسحهما إلى المرفقين كالوضوء، على وجه الاستيعاب، للآية المذكورة، لقيام التيمم مقام الوضوء، ولأن اليد أطلقت في التيمم، وقيدت في الوضوء بقوله تعالى: {إلى المرافق} [المائدة:5/ 6]، فيحمل التيمم على الوضوء، ويقاس عليه، ولحديث عمار: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في التيمم: «ضربة للوجه واليدين» (2).
_________
(1) يلاحظ أن المالكية جعلوا هذا فريضتين: إحداهما ـ الضربة الأولى أي وضع الكفين على الصعيد، والثانية ـ تعميم الوجه واليدين إلى الكوعين. وعند الشافعية والحنابلة: مسح جميع الوجه فرضاً، ومسح اليدين فرضاً آخر.
(2) رواه أحمد وأبو داود. أما حديث ابن عمر: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، فهو ضعيف.

(1/585)


واكتفى المالكية والحنابلة بمسح اليدين إلى الكوعين، أما من الكوعين إلى المرفقين فسنة، مستدلين بقوله تعالى: {وأيديكم} [المائدة:6/ 5]، وإذا علق حكم بمطلق اليدين، لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ولحديث عمار بن ياسر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمره بالتيمم للوجه والكفين (1)، ولقول عمار: أجنبت فلم أصب الماء، فتمعكت (تمرغت أو تقلبت) في الصعيد، وصليت، فذكرت ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: إنما كان يكفيك هذا، وضرب النبي صلّى الله عليه وسلم بكفَّيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه (2).
والمفروض عند الحنفية والشافعية: ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين. وقال المالكية والحنابلة: الفريضة: الضربة الأولى: أي وضع الكفين على الصعيد، وأما الضربة الثانية فهي سنة، كما سيأتي.
وسبب الخلاف: أن الآية مجملة في ذلك، والأحاديث متعارضة، وقياس التيمم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه. والذي في حديث عمار الثابت من ذلك: إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين معاً، وهناك أحاديث فيها ضربتان، فرجح الجمهور هذه الأحاديث قياساً للتيمم على الوضوء، ومن هذه الأحاديث حديث ابن عمر: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين» (3) وروى أبو داود: «أنه صلّى الله عليه وسلم تيمم بضربتين مسح بإحداهما وجهه، وبأخرى ذراعيه» (4).
_________
(1) رواه الترمذي وصححه (نيل الأوطار:263/ 1).
(2) متفق عليه، وفي لفظ: «إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين» رواه الدارقطني (نيل الأوطار:264/ 1).
(3) أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي، لكن في إسناده ضعيف، وهو موقوف على ابن عمر.
(4) فيه راوٍ ليس بالقوي عند المحدثين، فسنده ضعيف (انظر نصب الراية:150/ 1 - 154).

(1/586)


واتفق الفقهاء على وجوب نزع الخاتم في التيمم، بخلاف الوضوء؛ لأن التراب كثيف لا يسري إلى ما تحت الخاتم بخلاف الماء. ومحل الوجوب عند الشافعية في الضربة الثانية، ويستحب في الأولى، وإيجاب النزع إنما عند المسح لا عند نقل التراب.
وأوجب المالكية والحنفية أيضاً تخليل الأصابع بباطن الكف أو الأصابع ليتم المسح.
واكتفى الشافعية والحنابلة بالقول بأنه يندب تخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً.
ولا يجب إيصال التراب منبت الشعر الخفيف، فلا يوصل التراب إلى ما تحت شعر اللحية مثلاً ولو خفيفاً، لما فيه من العسر، بخلاف الوضوء، وليس فيه مضمضة واستنشاق، لئلا يدخل التراب فمه وأنفه، بل يكرهان لما فيهما من التقذير.

3ً - الترتيب فرض عند الشافعية، وعند الحنابلة في غير حدث أكبر:
أي بين عضوي التيمم؛ لأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض في الوضوء، فكذا في التيمم القائم مقامه، أما التيمم لحدث أكبر ونجاسة ببدن، فلا يعتبر فيه ترتيب.
وقال الحنفية والمالكية: الترتيب في التيمم بين العضوين (الوجه واليدين) مستحب لا واجب؛ لأن الفرض الأصلي المسح، وإيصال التراب وسيلة إليه.

4ً - الموالاة فرض عند الحنابلة والمالكية، وقيدها الحنابلة بغير الحدث الأكبر كالترتيب:

(1/587)


بأن يوالي بين أجزاء التيمم، بألا يؤخر مسح عضو عما قبله زمناً بقدرها في الوضوء، أي بحيث لو قدر مغسولاً لجف بزمن معتدل.
وأضاف المالكية: أن يوالي بين التيمم وبين ما فعل له من صلاة ونحوها.
وقال الشافعية والحنفية: موالاة التيمم كالوضوء سنة، كما تسن الموالاة أيضاً بين التيمم والصلاة، خروجاً من خلاف من أوجبها، وهم المالكية كما قدمنا.

5ً - الصعيد الطاهر فرض عند المالكية، شرط عند غيرهم: والصعيد عند المالكية (1): كل ما صعد على الأرض من أجزائها، كتراب وهو الأفضل من غيره عند وجوده، ورمل وحجارة وحصى، وجص (2) لم يحرق بالنار، فإن أحرق أو طبخ لم يجز التيمم به، ولو نقل ذلك من محله: بأن يجعل بينه وبين الأرض حائل.
ويجوز التيمم على المعادن ما دامت في مواضعها ولم تنقل من محلها، إذا لم تكن من أحد النقدين (الذهب أو الفضة) أو من الجواهر كاللؤلؤ. فلا يتيمم على المعادن من شبّ ومِلْح وحديد ورصاص وقصدير وكحل إن نقلت من محلاتها، وصارت أموالاً في أيدي الناس، ولا يتيمم على الذهب والفضة ولو في مكانهما الأصلي، ولا على الجواهر كالياقوت والزبرجد واللؤلؤ ولو بمحلها، ولا يجوز التيمم في قول على الخشب والحشيش، ولو لم يوجد غيرهما، إذ ليس كلاهما بصعيد ولا ما يشبه الصعيد، والمعتمد جواز التيمم عليها عند عدم غيرهما.
ويجوز التيمم على الجليد: وهو الثلج المجمد من الماء على وجه الأرض أو البحر؛ لأنه أشبه بجموده الحجر، فالتحق بأجزاء الأرض.
_________
(1) الشرح الصغير:195/ 1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص38، الشرح الكبير:155/ 1وما بعدها.
(2) الجص: نوع من الحجر يحرق بالنار ويسحق ويبنى به القناطر والمساجد والبيوت العظيمة.

(1/588)


ومذهب الحنفية كالمالكية، فقال أبو حنيفة ومحمد (1): يجوز التيمم بكل ما كان من جنس الأرض، كالتراب (وهو مجمع عليه) والغبار، والرمل، والحجر، والجِصّ (الكلس) والنُّورة (حجر الكلس)، والكُحْل والزَّرْنيخ، وإن لم يكن عليها غبار؛ لأن الصعيد اسم لوجه الأرض، وهذا لا يوجب الاختصاص بالتراب، بل يعم جميع أجزاء الأرض، ولحديث أبي هريرة: أن ناساً من أهل البادية أتوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقالوا: إنا نكون بالرمال، الأشهر الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الجنب والنفساء والحائض، ولسنا نجد الماء، فقال عليه السلام: «عليكم بالأرض، ثم ضرب بيده على الأرض لوجهه ضربة واحدة، ثم ضرب أخرى، فمسح بها على يديه إلى المرفقين» (2) وقال الإمام البخاري: «لا بأس بالصلاة على السبخة والتيمم منها» وهي الأرض ذات الملح والنزز.
ويجوز عند المالكية والحنفية التيمم بحجر أو صخرة لا غبار عليهما، وبتراب ندي لا يعلق باليد منه غبار، كما يجوز التيمم بالغبار، بأن ضرب يده على ثوب أو لبد أو سرج، فارتفع غباراً.
وقال الشافعية والحنابلة (3): لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر ذي غبار يعلق باليد غير محترق، فإن كان جرشاً أو ندياً لا يرتفع له غبار لم يكف.
وأضاف
_________
(1) فتح القدير:88/ 1، البدائع:53/ 1 وما بعدها، اللباب:37/ 1. وقال أبو يوسف: لايجوز إلا بالتراب والرمل خاصة؛ لأن ابن عباس فسّر الصعيد الطيب بالتراب المنبت، وزاد عليه أبو يوسف: الرمل، بالحديث الذي ذكر في دليل الطرفين.
(2) رواه أحمد والبيهقي وإسحاق بن راهوية وأبو يعلى الموصلي والطبراني، لكنه حديث ضعيف (نصب الراية:156/ 1).
(3) المهذب:32/ 1، مغني المحتاج:96/ 1 وما بعدها، المغني:247/ 1 - 249، كشاف القناع:197/ 1 ومابعدها، بجيرمي الخطيب:252/ 1، غاية المنتهى:61/ 1.

(1/589)


الشافعية: يجوز برمل فيه غبار، ولا يجوز عند الحنابلة التيمم برمل، ونحت حجارة ونحوه، وعن أحمد: رواية أخرى: أنه يجوز التيمم بالرمل.
ولا يجوز عند الفريقين التيمم بمعدن كنفط وكبريت ونورة، ولا بسُحاقة خزف، إذ لا يسمى ذلك تراباً، ولا بتراب مختلط بدقيق ونحوه كزعفران وجص، لمنعه وصول التراب إلى العضو، ولا بجص مطبوخ لأنه ليس بتراب، ولا بسبخة ونحوها مما ليس له غبار، ولا بطين رطب لأنه ليس بتراب، ولا بتراب نجس، كالوضوء باتفاق العلماء لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/ 5]، ولا بما استعمل في العضو عند الشافعية، ولا بمغصوب ونحوه كتراب مسجد عند الحنابلة.
وإن ضرب على لبد أو ثوب أو جوالق أو بساط، فعلق بيديه غبار، فتيمم به، جاز، وأعجب الإمام أحمد حمل التراب لأجل التيمم احتياطاً للعبادة.
ودليلهم قوله عز وجل: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} [المائدة:6/ 5] وهذا يقتضي أنه يمسح بجزء من الصعيد، فما لا غبار له كالصخر لا يمسح بشيء منه، ولأنه طهارة، فوجب إيصال الطهور فيها إلى محل الطهارة، كمسح الرأس، ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «جعل لي التراب طهوراً» (1).
وذكر الحنابلة: أنه لو وجد ثلجاً وتعذر تذويبه، لزمه مسح أعضائه، الواجب غسلها به، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر، فائتوا منه ما استطعتم»، ويعيد الصلاة، إن لم يجر على الأعضاء بالمس؛ لأنه صلى مع وجود الماء في الجملة، بلا طهارة كاملة، كما لو صلى بلا تيمم، مع وجود طين يابس عنده، لعدم ما يدقه به، ليصير له غبار.
_________
(1) رواه الشافعي وأحمد من حديث علي، وهو حديث حسن.

(1/590)


وقال ابن عباس: «الصعيد: تراب الحرث، والطيب الطاهر». وإن كان الثلج يسيل على الأعضاء، لم يعد الصلاة، لوجود الغسل المأمور به، وإن كان خفيفاً.
هذا وقد اعتبر الشافعية: نقل التراب إلى العضو الممسوح أول أركان التيمم الخمسة عندهم (1)، فلو نقل التراب من عضو حدث عليه تراب جديد إلى عضو التيمم، كفى في الأصح، لوجود مسمى النقل،،ولو كان على العضو تراب، فردده عليه من جانب إلى جانب، لم يكف ولم يجز، ويظهر لي أن رأي الشافعية والحنابلة أقوى، لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/ 5].

الرابع ـ كيفية التيمم:
للفقهاء رأيان في كيفية التيمم:
1 ً - رأي الحنفية والشافعية (2): التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلي المرفقين، بدليل الحديث المتقدم، وهوما روى أبو أمامة وابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» (3) ولأن اليد عضو في التيمم، فوجب استيعابه كالوجه. وأما حديث عمار رضي الله عنه الدال على الاكتفاء بالكفين، فيتأول على أنه مسح كفيه إلى المرفقين، بدليل حديث أبي أمامة وابن عمر.
وهذا الرأي هو الأولى بالاتباع؛ لأن التيمم بدل عن الوضوء، فيكون محله أعضاء الوضوء المنصوص على وجوب التيمم فيها.
_________
(1) وبقية الأركان هي: نية استباحة الصلاة، ومسح الوجه، ومسح اليدين إلى المرفقين، والترتيب بين الوجه واليدين.
(2) البدائع:46/ 1، تبيين الحقائق:38/ 1، المهذب:32/ 1.
(3) روي أيضاً من حديث جابر عند الحاكم والدارقطني، ومن حديث عائشة عند البزار، لكن في هذه الروايات طعن وضعف (نصب الراية:150/ 1 ومابعدها).

(1/591)


2ً - رأي المالكية والحنابلة (1): التيمم الواجب: ضربة واحدة يمسح بها وجهه بباطن أصابعه، ثم كفيه براحتيه، لحديث عمار: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في التيمم: «ضربة واحدة للوجه واليدين» (2)، لأن اليد إذا أطلقت لا يدخل فيها الذراع بدليل السرقة.
والأكمل عندهم خروجاً من خلاف من أوجبه: ضربتان يمسح بالثانية يديه إلى المرفقين، وكيفية المسح: أن يمر اليد اليسرى على اليمنى من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ)، ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك، وكيفما فعل أجزأه إذا أوعب.
واتفق الفقهاء على أنه إن تيمم بأكثر من ضربتين، جاز أيضاً؛ لأن المقصود إيصال التراب إلى محل الفرض، فكيفما حل جاز، كالوضوء.

المطلب الخامس ـ شروط التيمم:
اشترط الحنفية لصحة التيمم ثمانية شروط، والشافعية شرطوا عشرة، والمالكية والحنابلة شرطوا شرطين. وهذه الشروط قد تختلط بالفرائض المتقدمة، وقد تكون الأسباب السابقة نفسها.
أما المالكية ففسروا الشروط بالأسباب وقالوا (3): يشترط لجواز التيمم في الجملة شرطان: عدم الماء، أو تعذر استعماله.
_________
(1) الشرح الصغير:194/ 1،198، القوانين الفقهية: ص38، المغني:244/ 1،254، كشاف القناع:200/ 1،205.
(2) رواه أحمد والأئمة الستة بإسناد صحيح (نصب الراية:154/ 1).
(3) القوانين الفقهية: ص37.

(1/592)


وأما تفصيلاً فهي ما يلي:
عدم الماء في السفر، والمرض، وفي الحضر: أن يجد من الماء ما لا يكفيه، وعدم الآلة الموصلة إلى الماء كالدلو أو الرشاء (الحبل)، وأن يخاف العطش على نفسه أو غيره من آدمي أو بهيمة، وأن يخاف إن خرج إلى الماء لصوصاً أو سباعاً، وأن يجد الماء غالياً يجحف به شراؤه، وأن يخاف فوات الوقت إن ذهب إلى الماء أو انتظره، أو استعمله، وأن يخاف الموت من البرد، أو حدوث مرض أو زيادته أو تأخر برء، أو يكون مريضاً لا يجد من يناوله الماء، أو يكون قد استوعبت الجراح أو القروح أكثر جسد الجنب، أو أعضاء الوضوء من المحدث.
ويلاحظ أن هذه الحالات هي أسباب للتيمم، والذي يمكن جعله شرطاً عند المالكية: اثنان: فعله بعد دخول الوقت، وطلب الماء. أما عند الحنابلة فشرطا التيمم هما: دخول وقت ما يتيمم له، والعجز عن استعمال الماء.
يتبين مما ذكر أن شروط التيمم هي ما يأتي:

الشرط الأول ـ الصعيد الطاهر: فلا يصح التيمم بغير صعيد الأرض (التراب عند الشافعية والحنابلة، وكل ما كان من جنس الأرض عند الحنفية والمالكية)، ولا بالصعيد المتنجس، لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/ 5].
وهذا شرط لصحة التيمم عند الجمهور، فرض عند المالكية، كما تقدم في فروض التيمم. وأضاف الحنابلة: أن يكون التراب مباحاً، فلو تيمم بمغصوب أو بتراب مقبرة تكرر نبشها أو بتراب مسجد لم يجز.

الشرط الثاني ـ كون التيمم بعد دخول الوقت: أي وقت ما يتيمم له. وهذا شرط عند الجمهور، وليس بشرط عند الحنفية، كما اتضح في بحث صفة التيمم.

(1/593)


الشرط الثالث ـ طلب الماء: يشترط لجواز التيمم باتفاق المذاهب الأربعة طلب الماء ما لم يتيقن عدم وجوده؛ لأنه لا يسمى فاقد الماء (أو غير واجده أوعادمه) إلا إذا طلب الماء، فلم يجده. لكن الفقهاء اختلفوا في تقدير المسافة التي يلزم طلب الماء فيها، وقد أشرت إليها سابقاً في بحث أسباب التيمم، وأذكرها هنا تفصيلاً:
1 - مذهب الحنفية (1): على المقيم في البلد طلب الماء قبل التيمم مطلقاً، سواء ظن قربه أو لم يظن، أما المسافر أو خارج المصر الذي يريد التيمم، فليس عليه طلب الماء إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء؛ لأن الغالب عدم الماء في الفلوات.
وإن غلب على ظنه وجود الماء، لم يجز له التيمم حتى يطلبه بنفسه أو برسوله، بمقدار غَلْوة سهم من كل جانب، ولا يبلغ ميلاً (2)، وظاهره أنه لا يلزمه المشي، بل يكفيه النظر في الجهات الأربع، لئلا ينقطع عن رفقته، ودفعاً للحرج عن نفسه، لقوله تعالى إثر آية التيمم: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم} [المائدة:6/ 5]، ولا حرج فيما دون الميل، قال الكاساني: أقرب الأقاويل اعتبار الميل؛ لأن الجواز لدفع الحرج، ثم قال: والأصح أنه يطلب قدر ما لا يضر بنفسه ورفقته بالانتظار.
فإن قصر في طلب الماء، وصلى ولم يطلبه، وجبت عليه الإعادة عند أبي حنيفة ومحمد.
_________
(1) البدائع46/ 1 ومابعدها، فتح القدير84/ 1،98، الدر المختار227/ 1 ومابعدها، اللباب 36/ 1.
(2) الغلوة مقدار رمية سهم، وهي أربع مئة ذراع (8، 184م) والميل في اللغة: منتهى مد البصر، والمراد به ههنا: أربعة آلاف خطوة: أو ثلث فرسخ، أو1848م.

(1/594)


وإن كان مع رفيقه ماء طلب منه قبل أن يتيمم، لعدم المنع غالباً، فإن منعه منه تيمم لتحقق العجز. لكن لو تيمم قبل الطلب من رفيقه أجزأه عند أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير. وقال الصاحبان: لا يجزيه؛ لأن الماء مبذول عادة. ولو أبى أن يعطيه إلا بثمن المثل، وعنده ثمنه، لا يجزئه التيمم، لتحقق القدرة، ولا يلزمه تحمل الغبن الفاحش (1).
وإن لم يغلب على ظنه قرب الماء لا يجب طلبه، بل يندب إن رجا وجود الماء.
وإن كان بينه وبين الماء ميل فأكثر، تيمم.
2 - مذهب المالكية (2): إن تحقق عدم الماء فلا يلزمه طلبه.
وإن علم وجود الماء أو ظنه أو شك فيه في مكان أو توهم وجوده، لزمه طلبه لكل صلاة طلباً لا يشق عليه بالفعل، وهو على أقل من ميلين. كما يلزمه طلبه من رُفْقته إن اعتقد أو ظن أو شك أو توهم إعطاءهم، فإن لم يطلب منهم وتيمم، ثم تبين وجود الماء أو لم يتبين شيئاً، أعاد الصلاة أبداً إن اعتقد أو ظن الإعطاء، وأعاد في الوقت فقط إن شك أو توهم.
ويلزمه شراء الماء بثمن معتاد لم يحتج له، نقداً أو ديناً في الذمة، فإن زاد على الثمن المعتاد، ولو درهماً على الراجح، في ذلك المحل وما قاربه، فلا يلزمه الشراء.
3 - مذهب الشافعية (3): إن تيقن المسافر أو المقيم فقد الماء حوله، تيمم بلا
_________
(1) قال أبو حنيفة: إن كان لايبيع إلا بضعف القيمة فهو غالٍ، وقيل: هو مالايدخل تحت تقويم المقومين.
(2) الشرح الكبير153/ 1
(3) مغني المحتاج87/ 1 - 90

(1/595)


طلب. وإن توهم الماء (وقع في وهمه - تصور ذهنه - أي جوز ذلك)، طلبه من رحله ورُفقته، ونظر حواليه إن كان بمستو من الأرض، فإن احتاج إلى تردد، تردد في الجهات الأربعة قدر نظره في المستوي , إن أمن على نفسه وماله وانقطاعه عن الرفقة , بمقدار حد الغوث , وهو غلوة سهم , فإن لم يجد ماء تيمم. ولو مكث في موضعه فالأصح وجوب الطلب لما يطرأ.
وإن تيقن الماء في محل , طلبه في حد القرب: وهو ستة آلاف خطوة.
ويجب شراؤه بثمن مثله إن كان قادرا عليه بنقد أو غيره , ولم يحتج إليه، وثمن المثل: هو على الأصح ما تنتهي إليه الرغبات في ذلك الموضع في تلك الحالة. ولا يجب عليه شراؤه بزيادة على ذلك، وإن قلَّت. لكن إن بيع لأجل بزيادة لائقة بذلك الأجل وكان موسرا , والأجل ممتد إلى موضع ماله، وجب الشراء؛ لأن ذلك لا يخرجه عن ثمن المثل. ويندب له أن يشتريه إذا زاد على ثمن مثله، وهو قادر على شرائه.
ولا يجب طلب الماء في حد البعد: وهو مازاد عن ستة آلاف خطوة، وله أن يتيمم.
4 - مذهب الحنابلة (1): يلزم طلب الماء لوقت كل صلاة، بعد دخول الوقت في رحله (أي ما يسكنه وما يستصحبه من الأثاث) وفيما قرب منه عرفاً وعادة، ويسع في جهاته الأربع إلى ما قرب منه مما عادة القوافل السعي إليه، ويسأل رفقته ذوي الخبرة بالمكان عن موارد الماد، كما يسألهم عمن يبيع له الماء أو يبذله له. وإن رأى خُضْرة أو شيئاً يدل على الماء لزمه قصده، وإن كان بقربه ربوة أو شيء قائم،
_________
(1) كشاف القناع:192/ 1 ومابعدها، غاية المنتهى:54/ 1.

(1/596)


أتاه وفتش عنده قطعاً للشك. وإن كان سائراً طلبه أمامه فقط؛ لأن في طلبه فيما عدا ذلك ضرراً به. وإن دله أو أرشده عليه ثقة (عدل ضابط) لزمه قصده إن كان قريباً عرفاً.
فإن تيمم وصلى بعد طلب الماء وفقده، صح تيممه وصلاته، ولم يعد الصلاة؛ لأنها صلاة تيمم صحيح.
هذا وقد ذكر الحنابلة شرطاً آخر لصحة التيمم: وهو العجز عن استعمال الماء؛ لأن غير العاجز يجد الماء على وجه لا يضره، فلم يتناوله النص: {وإن كنتم مرضى أو على سفر، فلم تجدوا ماء فتيمموا} [المائدة:6/ 5]، لكن يلاحظ أن هذا سبب من أسباب التيمم التي ذكرتها.
وعد بعض الحنابلة ثمانية شروط للتيمم وهي: نية وإسلام وعقل وتمييز واستنجاء أو استجمار، وإزالة ما على بدن من نجاسة ذات جرم، ودخول وقت لصلاة ولو منذورة بزمن معين، وتعذر ماء ولو بحبس أو غيره.

شروط التيمم عند الحنفية:
ذكر الحنفية شروطاً ثمانية لصحة التيمم، بعضها من أسباب التيمم، وبعضها من فرائض التيمم عند غيرهم وبعضها داخل في كيفية التيمم، وهذه الشروط هي باختصار ما يأتي (1):
1ً - النية: وهي عقد القلب على الفعل، ووقتها: عند ضرب يده على ما يتيمم به. ويشترط لصحة النية عندهم ثلاثة شروط: الإسلام، والتمييز، والعلم بما ينويه. كما يشترط لصحة نية التيمم للصلاة به: أحد ثلاثة أشياء: إما نية
_________
(1) البدائع:52/ 1 وما بعدها، الدر المختار:213/ 1،228، مراقي الفلاح: ص19 ومابعدها.

(1/597)


الطهارة، أو استباحة الصلاة، أو نية عبادة مقصودة (1) لا تصح بدون طهارة، فله الصلاة بالتيمم بنية الصلاة أو صلاة الجنازة، أو سجدة التلاوة، وليس له الصلاة بالتيمم بنية دخول المسجد ومس المصحف ولو كان جنباً؛ لأنه عبادة غير مقصودة، ولا بنية قراءة القرآن للمحدث حدثاً أصغر، ولكن له الصلاة بتيمم بنية الجنب قراءة القرآن، لجواز قراءة المحدث، لا الجنب، وليس له الصلاة بتيمم لزيارة القبور والأذان والإقامة والسلام ورده أو للإسلام؛ لأنها تصح بدون طهارة.
2ً - العذر المبيح للتيمم: كبعده ميلاً عن الماء ولو في المصر، وحصول مرض، وبرد يخاف منه التلف أو المرض، وخوف عدو وعطش، واحتياج لعجن، لا لطبخ مرق لا ضرورة إليه، ولفقد آلة، وخوف فوت صلاة جنازة أو عيد لو اشتغل بالوضوء (2)، وليس من العذر خوف فوت الجمعة، وفوات الوقت، لو اشتغل بالوضوء.
3ً - أن يكون التيمم بطاهر من جنس الأرض كالتراب والحجر والرمل، والفيروزج والعقيق، لا الحطب والفضة والذهب والنحاس والحديد، وضابطه: أن كل شيء يصير رماداً، أو ينطبع (يلين) بالإحراق، لا يجوز التيمم به، وإلا جاز لقوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} [المائدة:6/ 5]، والصعيد: اسم لوجه الأرض تراباً كان أو غيره.
4ً - استيعاب المحل بالمسح.
5ً - أن يمسح بجميع اليد أو بأكثرها (أي بثلاث أصابع) فلو مسح بأصبعين
_________
(1) المقصودة: هي ما لا تجب في ضمن شيء آخر بطريق التبعية.
(2) ولو من أجل البناء على صلاته السابقة، كأن سبقه الحدث في صلاة الجنازة أو العيد، فله أن يتيمم ويتم صلاته، لعجزه عنه بالماء.

(1/598)


مثلاً لا يجوز حتى ولو كرر واستوعب المحل الممسوح، بخلاف مسح الرأس في الوضوء.
6ً - أن يكون بضربتين بباطن الكفين، ولو في مكان واحد على الأرض. ويقوم مقام الضربتين: إصابة التراب بجسده إذا مسحه بنية التيمم.
7ً - انقطاع ما ينافيه من حيض أو نفاس أو حدث، كما هو مشروط في الوضوء.
8ً - زوال ما يمنع المسح على البشرة، كشمع وشحم، حتى يتحقق مسح الجسد، وهذا مانع من تحقق المسح عليه.

شروط التيمم عند الشافعية:
ذكر الشافعية عشرة شروط للتيمم هي ما يأتي (1):
1ً - أن يكون بتراب على أي لون كان كالمدر والسبخ (2) الذي عليه غبار وغيرهما، حتى ما يداوى به كالطين الأرمني إذا سحق، وحتى غبار رمل خشن أو ناعم، لا مشوي بقي اسمه وزال غباره.
2ً - وأن يكون طاهراً، لقوله تعالى: {صعيداً طيباً} [المائدة:6/ 5]، قال ابن عباس: تراباً طاهراً.
3ً - ألا يكون مستعملاً كالماء: وهوما بقي بمحل التيمم أو تناثر بعد مسه العضو حالة التيمم، في الأصح.
_________
(1) المهذب:32/ 1 - 34، مغني المحتاج:96/ 1 - 99، الحضرمية: ص26.
(2) السبخ بكسر الباء: هو ما لا ينبت، إذا لم يعله الملح، فإن علاه لم يصح التيمم به.

(1/599)


4ً - ألا يخالطه دقيق ونحوه كزعفران وجص، لمنعه وصول التراب إلى العضو.
5ً - أن يقصده، فلو سَفَتْه (ألقته) ريح عليه، فردده على أعضاء التيمم، ونوى، لم يجزئ، لأنه لم يقصد التراب بنقله إليه، وإنما التراب أتاه. لكن لو يُمم بغيره بإذنه، جاز.
6ً - أن يمسح وجهه ويديه بضربتين، وإن أمكن بضربة بخرقة ونحوها.
7ً - أن يزيل النجاسة أولاً، فلو تيمم قبل إزالتها، لم يجز على المعتمد، لأن التيمم للإباحة، ولا إباحة مع المانع، فأشبه التيمم قبل الوقت.
8ً - أن يجتهد في القبلة قبل التيمم، فلو تيمم قبل الاجتهاد فيها، لم يصح على الأوجه.
9ً - أن يقع التيمم بعد دخول الوقت، لأنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبله، فيتيمم للنافلة المطلقة فيما عدا وقت الكراهة، وللصلاة على الميت بعد طهره، وللاستسقاء بعد تجمع الناس، وللفائتة بعد تذكرها.
10ً - أن يتيمم لكل فرض عيني؛ لأن التيمم طهارة ضرورة، فيقدر بقدرها.

السادس ـ سنن التيمم ومكروهاته:
يسن في التيمم الأمور التالية (1) علماً بأنها سبع عند الحنفية، وتسع عند المالكية، وخمس عشرة عند الشافعية، واثنتان عند الحنابلة.
_________
(1) الدر المختار:213/ 1، مراقي الفلاح: ص20، الشرح الصغير:198/ 1، الشرح الكبير:157/ 1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص38، بجيرمي الخطيب:256/ 1، المهذب:33/ 1، مغني المحتاج:99/ 1، كشاف القناع:204/ 1.

(1/600)


أما سننه عند الحنفية فهي ما يأتي:
1ً - التسمية في أوله، كالوضوء، بأن يقول: بسم الله، وقيل: الأفضل: بسم الله الرحمن الرحيم.
2ً - 4ً - الضرب بباطن الكفين وإقبال اليدين بعد وضعهما في التراب، وإدبارهما مبالغة في الاستيعاب، ثم نفضهما، اتقاء عن تلويث الوجه، نقل ذلك عن أبي حنيفة.
5ً - تفريج الأصابع، ليصل التراب إلى ما بينهما.
6ً، 7ً - الترتيب والموالاة (الوِلاء) أي مسح المتأخر عقب المتقدم، بحيث لو كان الاستعمال بالماء لا يجف المتقدم، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلم.
وسنن التيمم عند المالكية أربع:
1ً - الترتيب: بأن يمسح الوجه أولاً، ثم اليدين، فإن نكس أعاد المنكس وحده وهو اليدان، إن قرب ولم يصلّ به وإلا بطل التيمم. أما الموالاة فهي فرض عندهم.
2ً، 3ً - الضربة الثانية ليديه، والمسح إلى المرفقين.
4ً - نقل أثر الضرب من الغبار إلى الممسوح، بأن لا يمسح على شيء قبل مسح الوجه واليدين، فإن مسحهما بشيء قبل ما ذكر، كره وأجزأ، وهذا لا يمنع من نفضهما نفضاً خفيفاً.
وأضاف المالكية فضائل أو مندوبات أخرى للتيمم وهي:
1ً - التسمية: بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم على الأظهر، أو بسم الله في قول آخر.

(1/601)


2ً، 3ً - الصمت، واستقبال القبلة.
4ً، 5ً - البدء باليد اليمنى، وجعل ظاهرها من طرف الأصابع بباطن يسراه، ثم يُمرّها من فوق الكف إلى المرفق، ثم باطن المرفق إلى الكوع (الرسغ) ثم يمر اليمنى على اليسرى كذلك، كما فعل في اليمنى، ثم يخلل أصابعه وجوباً، كما أوضحت في الفرائض.

وسنن التيمم عند الشافعية نحو خمس عشرة:
التسمية الكاملة أوله كالوضوء والغسل، والبداءة بأعلى الوجه.
وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين، وتفريق الأصابع في الضربة الأولى، وتخليل الأصابع بعد مسح اليدين احتياطاً، وتخفيف الغبار بحيث يبقى بقدر الحاجة، لئلا تتشوه به خلقته، وعملاً بحديث عمار السابق وغيره.
والموالاة، كالوضوء لأن كلاً منهما طهارة عن حدث، والموالاة بين التيمم والصلاة، خروجاً من خلاف من أوجبها، وهم المالكية.
ويسن أيضاً إمرار اليد على العضو كالدلك في الوضوء، وألا يرفع اليد عن العضو قبل تمام مسحه، خروجاً من خلاف من أوجبه.
ومن سننه أيضاً مسح بعض العضد كالتحجيل في الوضوء، وعدم تكرار المسح؛ لأن المطلوب منه تخفيف الغبار، واستقبال القبلة، والشهادتان بعده، كالوضوء فيهما.
ويسن نزع الخاتم في الضربة الأولى، ويجب نزعه في الضربة الثانية عند المسح.
ويسن صلاة ركعتين عقبه قياساً على الوضوء، والسواك قبله بين التسمية

(1/602)


ونقل التراب إلى أعضاء التيمم، كما أنه في الوضوء بين غسل اليدين والمضمضة.

أما الحنابلة: فاعتبروا التسمية والترتيب والموالاة واجبة في التيمم كالوضوء، ولم يعدوا من سنن التيمم سوى أن تأخيره أولى بكل حال إلى آخر الوقت المختار، إن رجا وجود الماء، لقول علي رضي الله عنه في الجن: «يتلوم ما بينه وبين آخر الوقت، فإن وجد الماء، وإلا تيمم» ولأنه يستحب التأخير للصلاة إلى ما بعد العَشَاء، وقضاء الحاجة، كيلا ذهب خشوعها وحضور القلب فيها، ويستحب تأخيرها لإدراك الجماعة، فتأخيرها لإدراك الطهارة المشترطة أولى. كما أنهم اعتبروا تخليل الأصابع مستحباً، وليس بفرض (1).
وصفة التيمم عندهم (2): أن ينوي استباحة ما يتيمم له، كفرض الصلاة من الحدث الأصغر، أو الأكبر ونحوه، ثم يسمي، فيقول: بسم الله، وتسقط سهواً، ويضرب يديه مفرجتي الأصابع ليصل التراب إلى ما بينها، على التراب أو على غيره مما له غبار طهور، كلبد أو ثوب أو بساط أو حصير أو برذعة حمار ونحوها، ضربة واحدة، بعد نزع خاتم ونحوه، ليصل التراب إلى ما تحته، وإن كان التراب خفيفاً كره نفخه لئلا يذهب فيحتاج إلى إعادة الضرب. ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه، ثم كفيه براحتيه، لحديث عمار السابق أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في التيمم: «ضربة واحدة للوجه واليدين» (3).
ويجوز أن يمسح بضربتين، بإحداهما وجهه، وبالأخرى يديه إلى المرفقين، وهو حسن.
_________
(1) المغني:243/ 1،254
(2) كشاف القناع:204/ 1 ومابعدها، المغني:254/ 1.
(3) رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح.

(1/603)


مكروهات التيمم:
يتبين من بحث سنن التيمم أنه عند الحنفية يكره ترك سنة من السنن المتقدمة، وتكرار المسح.
وقال المالكية: تكره الزيادة على مرة في المسح، وكثرة الكلام في غير ذكر الله، وإطالة المسح إلى ما فوق المرفقين وهو المسمى بالغرة والتحجيل.
وقال الشافعية: يكره تكثير التراب، وتكرار المسح، وتجديد التيمم ولو بعد فعل صلاة، ونفض اليدين بعد تمام التيمم.
وقال الحنابلة: يكره تكرار المسح، وإدخال التراب في الفم والأنف، والضرب أكثر من مرتين، ونفخ التراب إن كان خفيفاً.

المطلب السابع: نواقض التيمم أو مبطلاته:
ينقض التيمم ما يأتي (1)
1ً - كل ما ينقض الوضوء والغسل ينقض التيمم؛ لأنه بدل عنهما، وناقض الأصل ناقض لخلفه، فلو تيمم للجنابة، ثم أحدث صار محدثاً لا جنباً، فيتيمم وينزع خفيه إن كان لابسهما، ثم بعده يمسح عليهما، ما لم يجد الماء.
2ً - زوال العذر المبيح له كذهاب العدو والمرض والبرد ووجود آلة نزح الماء، وإطلاق سراحه من السجن الذي لا ماء فيه؛ لأن ما جاز بعذر بطل بزواله.
_________
(1) الدر المختار:234/ 1 - 236، مراقي الفلاح: ص21، اللباب:37/ 1 ومابعدها، فتح القدير:91/ 1 ومابعدها، البدائع:56/ 1، الشرح الصغير:199/ 1، الشرح الكبير:158/ 1، القوانين الفقهية: ص38، بجيرمي الخطيب:257/ 1 - 261 مغني المحتاج:101/ 1، المهذب:36/ 1، المغني:268/ 1،272، كشاف القناع:190/ 1،202، غاية المنتهى:63/ 1 ومابعدها.

(1/604)


3ً - رؤية الماء أو القدرة على استعمال الماء الكافي ولو مرة عند الحنفية والمالكية، ولو لم يكف عند الشافعية والحنابلة، وذلك قبل الصلاة، لا فيها عند جماعة كما سيأتي، وأن يكون فاضلاً عن حاجته كعطش وعجن وغسل نجاسة؛ لأنه مشغول بالحاجة، وغير الكافي في رأي الحنفية والمالكية كالمعدوم.
وقال الحنفية: إن مرور نائم أو ناعس متيمم على ماء كاف يجعله كالمستيقظ، يبطل تيممه.
فإن رأى الماء أثناء الصلاة:
ينتقض تيممه عند الحنفية والحنابلة، لبطلان الطهارة بزوال سببها، ولأن الأصل إيقاع الصلاة بالوضوء، وقد قدر على الأصل قبل حصول المقصود ببدله، وللأدلة النصية المتقدمة في بحث إعادة الصلاة.
ولا ينتقض تيممه عند المالكية، ولا ينتقض بالنسبة للمسافر عند الشافعية؛ لأنه مأذون له بالدخول في الصلاة بالتيمم، والأصل بقاء ذلك الإذن، ولقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد:33/ 47]، وكان عمله سليماً قبل رؤية الماء، والأصل بقاؤه، وقياساً على رؤية الماء بعد الفراغ من الصلاة؛ لأن رؤية الماء ليست بحدث، فلا تبطل الصلاة، حفاظاً على حرمة الصلاة.
وتبطل صلاة المقيم عند الشافعية إن رأى الماء في أثناء الصلاة؛ لأنه كما أبنت سابقاً تلزمه إعادة الصلاة لوجود الماء، وقد وجد الماء، فوجب أن يشتغل بالإعادة.
واستثنى المالكية حالة نسيان الماء: فمن كان ناسياً للماء الذي معه، فتيمم وأحرم بصلاة ثم تذكر فيها، تبطل إن اتسع الوقت.
أما إن رأى الماء بعد انتهاء الصلاة:

(1/605)


فإن كان بعد خروج وقت الصلاة، لا يعيدها إجماعاً، دفعاً للحرج. وإن كان في أثناء الوقت، لم يعد الصلاة عند الجمهور (غير الشافعية)، ويعيدها المقيم لا المسافر غير العاصي بسفره عند الشافعية، كما أوضحت سابقاً.
4ً - خروج الوقت: يبطل التيمم عند الحنابلة بخروج وقت الصلاة، وأضاف الحنابلة: إن خرج وقت الصلاة وهو فيها، بطل تيممه، وبطلت صلاته، لأن طهارته انتهت بانتهاء وقتها، فبطلت صلاته، كما لو انقضت مدة المسح وهو في الصلاة.
5ً - الردة: تبطل التيمم عند الشافعية، بخلاف الوضوء، لقوته، وضعف بدله، لكن تبطل نية الوضوء فيجب تجديدها، ولأن التيمم لاستباحة الصلاة، وهي منتفية مع الردة، هذا والردة تبطل التيمم ولو صورة كالواقعة من الصبي.
ولا يبطل التيمم بالردة عند الحنفية وغيرهم، فيصلي به إذا أسلم؛ لأن الحاصل بالتيمم صفة الطهارة، والكفر لا ينافيها كالوضوء، ولأن الردة تبطل ثواب العمل، لا زوال الحدث.
6ً - الفصل الطويل بين التيمم والصلاة: يُبطل التيمم عند المالكية دون غيرهم لاشتراطهم الموالاة بينه وبين الصلاة كما تقدم.

المطلب الثامن ـ حكم فاقد الطهورين:
فاقد الطهورين: هو فاقد الماء والتراب، كأن حبس في مكان ليس فيه واحد منهما، أو في موضع نجس لا يمكنه إخراج تراب مطهر. أو كأن وجد ما هو محتاج إليه لنحو عطش، أو وجد تراباً ندياً ولم يقدر على تجفيفه بنحو نار. ومثله المصلوب وراكب سفينة لا يصل إلى الماء.

(1/606)


ومثله: من عجز عن الوضوء والتيمم معاً بمرض ونحوه، كمن كان به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بوضوء ولا تيمم.

وحكمه يتردد بين رأيين: إيجاب الصلاة عليه عند الجمهورمع الإعادة عند الحنفية والشافعية، وعدم الإعادة عند الحنابلة، وسقوط الصلاة عند المالكية على المعتمد. وهذا تفصيل الآراء (1):
1 ً - الحنفية: المفتى به عندهم ما قاله الصاحبان: وهو أن فاقد الطهورين يتشبه بالمصلين وجوباً، فيركع ويسجد، إن وجد مكاناً يابساً، وألا يومئ قائماً، ولا يقرأ ولا ينوي، ويعيد الصلاة متى قدر على الماء أو التراب.
أما مقطوع اليدين والرجلين إذا كان بوجهه جراحة، فيصلي بغير طهارة ولا يتيمم، ولا يعيد على الأصح.
والمحبوس الذي صلى بالتيمم يعيد الصلاة إن كان مقيماً في الحضر، لعدم الضرورة؛ لأن الحضر مظنة الماء، فلا ضرورة، ولا يعيدها في السفر؛ لأن الغالب فيه فقد الماء، وهذا مذهب الشافعية كما أبنت في بحث إعادة الصلاة.
2 ً - المالكية: المذهب المعتمد أن فاقد الطهورين وهما الماء والتراب، أو فاقد القدرة على استعمالهما كالمكره والمصلوب، تسقط عنه الصلاة أداء وقضاء، فلا يصلي ولا يقضي، كالحائض؛ لأن وجود الماء والصعيد شرط في وجوب أداء الصلاة، وقد عدم، وشرط وجوب القضاء: تعلق الأداء بذمة المصلي، ولم يتعلق الخطاب بأداء الصلاة في ذمته.
_________
(1) الدر المختار:232/ 1 وما بعدها، مراقي الفلاح: ص21، الشرح الصغير:200/ 1 ومابعدها، الشرح الكبير:162/ 1، المجموع للنووي:351/ 2، المهذب:35/ 1، مغني المحتاج:105/ 1 ومابعدها، كشاف القناع:195/ 1 ومابعدها.

(1/607)


3 ً - الشافعية: يصلي فاقد الطهورين الفرض وحده في المذهب الجديد على حسب حاله بنية وقراءة، لأجل حرمة الوقت، ولا يصلي النافلة ويعيد الصلاة، إذا وجد الماء أو التراب في مكان لا ماء فيه؛ لأن هذا العذر نادر ولا دوام له، ولأن العجز عن الطهارة التي هي شرط من شروط الصلاة لا يبيح ترك الصلاة، كستر العورة وإزالة النجاسة، واستقبال القبلة، والقيام والقراءة. ومن على بدنه نجاسة يخاف من غسلها، ومن حبس عن الصلاة كفاقد الطهورين يصلون الفريضة فقط، إلا أن الجنب يقتصر على قراءة الفاتحة فقط.
والراجح لدي هذا الرأي، أي أن الصلاة تكون بحسب المعتاد، وتعاد لعدم النص الصريح في حكم حال هذا المصلي.
4 ً - الحنابلة: يصلي فاقد الطهورين الفرض فقط، على حسب حاله وجوباً، لقوله صلّى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة -: «إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم» ولأن العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما لو عجز عن السترة والاستقبال، أي كما قال الشافعية.
ولا إعادة عليه، لما روي عن عائشة: «أنها استعارت من أسماء قلادة، فضلَّتها، فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلم رجالاً في طلبها، فوجدوها، فأدركتهم الصلاة، وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فشكوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلم، فأنزل الله آية التيمم» (1) ولم يأمرهم بالإعادة، ولأن الوضوء أحد شروط الصلاة، فسقط عند العجز، كسائر شروطها.
ولا يزيد المصلي الفاقد الطهورين على ما يجزئ في الصلاة من قراءة
_________
(1) متفق عليه.

(1/608)


وغيرها، فيقرأ الفاتحة فقط، ويسبح مرة فقط، ويقتصر على ما يجزئ في طمأنينة ركوع أو سجود، أو جلوس بين السجدتين، كما يقتصر على ما يجزئ في التشهد الأول والأخير، ثم يسلم في الحال.
ولا يتنفل، ولا يؤم متطهراً بماء أو تراب، لعدم صحة اقتداء المتطهر بالمحدث العالم بحدثه، لكن يؤم مثله.
ولا يقرأ في غير صلاة إن كان جنباً ونحوه كحائض ونفساء.
وتبطل صلاته بالحدث فيها، وبطروء نجاسة لا يعفى عنها؛ لأن ذلك ينافي الصلاة.
ولا تبطل صلاته بخروج وقتها بخلاف صلاة المتيمم؛ لأن التيمم يبطل فتبطل الصلاة.
وتبطل الصلاة على الميت إذا لم يغسل ولم يتيمم، لعدم الماء والتراب، ويجوز نبشه قبل تفسخه للغسل أو التيمم، لأنه مصلحة بلا مفسدة، فإن خيف تفسخه لم ينبش.

(1/609)

0 التعليقات