الفَصْلُ السَّابع: الحَيض، النِّفاس، الاسْتِحاضة

نوفمبر 08, 2021
الفَصْلُ السَّابع: الحَيض، النِّفاس، الاسْتِحاضة
  1. الفَصْلُ السَّابع: الحَيض، النِّفاس، الاسْتِحاضة
    1. المبحث الأول ـ تعريف الحيض ووقته
      1. المطلب الأول ـ تعريف الحيض
      2. المطلب الثاني ـ مدة الحيض والطهر
    2. المبحث الثاني ـ تعريف النفاس ومدته
    3. المبحث الثالث ـ أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض والنفساء
    4. االمبحث الرابع ـ الاستحاضة وأحكامها
  2. العودة الي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي
الفَصْلُ السَّابع: الحَيض، النِّفاس، الاسْتِحاضة الدماء

التي تخرج من فروج النساء ثلاثة: دم حيض: وهو الخارج في حالة الصحة، ودم استحاضة: وهو الخارج في حالة المرض، وهو غير دم الحيض لقوله عليه الصلاة والسلام «إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة» (1)،ودم نفاس: وهو الخارج مع الولد. ولكل أحكام، ففي هذا الفصل مباحث أربعة:
الأول ـ تعريف الحيض ووقته
وفيه مطلبان:
المطلب الأول ـ تعريف الحيض:
الحيض: لغة: هو السيلان، يقال: حاض الوادي: إذا سال، وحاضت الشجرة: إذا سال صمغها.
وشرعاً: هو الدم الخارج في حال الصحة من أقصى رحم المرأة من غير ولادة ولا مرض، في أمد معين. ولونه عادة: السواد، وهو محتدم (أي شديد الحرارة)، لذاع محرق (أي موجع مؤلم)، كريه الرائحة.

والأصل فيه آية: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة:222/ 2]، أي
_________
(1) رواه البخاري ومسلم عن عائشة، وسيأتي نصه الكامل، والمراد بقوله: عرق أي ينزف.

(1/610)


الحيض، وخبر الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن الحيض: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم».

ووقته: من بلوغ الأنثى تقريباً تسع سنين قمرية (1)، إلى سن اليأس. فإن رأت الدم قبل هذه السن أو بعد سن اليأس، فهو دم فساد أو نزيف.
وتصبح الأنثى برؤية الحيض بالغة مكلفة مطالبة بجميع التكاليف الشرعية من صلاة وصوم وحج ونحوها، كما أن الولد يبلغ بالاحتلام بخروج المني، ويحصل البلوغ باستكمال سن الخامسة عشرة، إذا لم يحصل الاحتلام أو الحيض.
واختلف الفقهاء في تحديد سن اليأس لعدم النص فيه، ولاعتمادهم على الاستقراء والتتبع لأحوال النساء (2).
فقال الحنفية على المفتى به أو المختار: سن الإياس خمس وخمسون سنة، فإن رأت بعده دماً قوياً أسود أو أحمر قانياً، اعتبر حيضاً، وعليه: ما تراه آيسة على ظاهر المذهب يعد استحاضة ما لم يكن دماً خالصاً كالأسود والأحمر القاني.
وقال المالكية: سن اليأس سبعون سنة، وتسأل النساء في بنت الخمسين إلى السبعين، فإن قلن: حيض، أو شككن، فحيض، كما يسألن في المراهقة: وهي بنت تسع إلى ثلاث عشرة.
وقال الشافعية: لا آخر لسن اليأس، فما دامت حية فالحيض ممكن في حقها، لكن غالبه اثنان وستون سنة.
_________
(1) السنة القمرية: (6/ 1،5/ 1 و354) ثلاث مئة وأربعة وخمسون يوماً، وخمس يوم وسدسه.
(2) مراقي الفلاح: ص23، حاشية الصاوي على الشرح الصغير:208/ 1، تحفة الطلاب: ص33، الحضرمية: ص27، المغني: 363/ 1، كشاف القناع: 232/ 1، الدر المختار: 279/ 1 وما بعدها.

(1/611)


وقدر الحنابلة سن اليأس بخمسين سنة، لقول عائشة: «إذا بلغت امرأة خمسين سنة خرجت من حد الحيض» (1) وقالت أيضاً: «لن ترى في بطنها ولداً بعد الخمسين» (2).

وهل تحيض الحامل؟ للفقهاء فيه رأيان:
فذهب المالكية، والشافعية في الأظهر الجديد (3): إلى أن الحامل قد تحيض، وقد يعتريها الدم أحياناً ولو في آخر أيام الحمل، والغالب عدم نزول الدم بها، ودليلهم إطلاق الآية السابقة، والأخبار الدالة على أن الحيض من طبيعة المرأة، ولأنه دم صادف عادة، فكان حيضاً كغير الحامل.
وذهب الحنفية والحنابلة (4): إلى أن الحامل لا تحيض، ولو قبل خروج أكثر الولد عند الحنفية، أما عند الحنابلة: فما تراه قبل ولادتها بيومين أو ثلاثة، يكون دم نفاس.
ودليلهم: قول النبي صلّى الله عليه وسلم في سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض» (5) فجعل وجود الحيض علماً على براءة الرحم، فدل على أنه لا يجتمع معه وقال صلّى الله عليه وسلم في حق ابن عمر ـ لما طلق زوجته وهي حائض ـ «ليطلقها طاهراً، أو حاملاً» (6) فجعل الحمل علماً على عدم الحيض، كما جعل
_________
(1) ذكره أحمد.
(2) رواه أبو إسحاق الشالنجي.
(3) بداية المجتهد:51/ 1، الشرح الصغير:211/ 1، مغني المحتاج:118/ 1.
(4) الدر المختار: 263/ 1، المغني:361/ 1 ومابعدها، كشاف القناع:232/ 1.
(5) رواه أحمد وأبو داود من رواية شريك القاضي. وهو تقرير استبراء السبايا غير الحوامل بحيضة، والحوامل بوضع الحمل.
(6) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر (نيل الأوطار:221/ 6).

(1/612)


الطهر علماً على انتهاء الحيض، ولأنه زمن لا تعتاد المرأة فيه الحيض غالباً، فلم يكن ما تراه فيه حيضاً كالآيسة. والطب والواقع يؤيد هذا الرأي.
وعليه: لا تترك الحامل الصلاة لما تراه من الدم، لأنه دم فساد، لا حيض، كما لا تترك الصوم والاعتكاف والطواف ونحوها من العبادات، ولا يمنع زوجها من وطئها؛ لأنها ليست حائضاً، وتغتسل الحامل إذا رأت دماً زمن حملها عند انقطاعه استحباباً، خروجاً من الخلاف.

ألوان الدم: دم الحيض في أيام العادة الشهرية باتفاق الفقهاء (1): إما أسود أو أحمر أو أصفر أو أكدر (متوسط بين السواد والبياض) وليست الصفرة والكدرة بعد العادة حيضاً، ولا يعرف انقطاعه إلا برؤية بياض خالص، بأن تدخل المرأة خرقة نظيفة أو قطنة في فرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الدم أو لا.
ورأى الحنفية: أن ألوان دم الحيض ستة: السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والخضرة، والتٌربية (أي على لون التراب) على الأصح. فكل ما يرى في أيام الحيض من الدماء فهو حيض، حتى ترى البياض الخالص: وهو شيئ يشبه المخاط يخرج عند انتهاء الحيض. أو هو القطن الذي تختبر به المرأة نفسها، إذا خرج أبيض، فقد طهرت.
والخضرة نوع من الكدرة، وتظهر في المرأة ذات العادة الشهرية بسبب غذاء فاسد أفسد صورة دمها، كما أن الآيسة الكبيرة لاترى غير الخضرة.
ورتب الشافعية ألوان الحيض بحسب قوتها فقالوا: الألوان خمسة: أقواها السواد، ثم الحمرة، ثم الشقرة (وهي التربية عند الحنفية) ثم الصفرة، ثم الكدرة.
_________
(1) فتح القدير مع حاشية العناية:112/ 1، اللباب:47/ 1، الشرح الصغير:207/ 1 مغني المحتاج:113/ 1، حاشية الباجوري:112/ 1، كشاف القناع:246/ 1، البدائع:39/ 1.

(1/613)


وصفات دم الحيض أربعة أقواها: الثخين المنتن، ثم المنتن، ثم الثخين، ثم غير الثخين وغير المنتن.
والدليل على أن هذه الألوان في أيام العادة حيض: هو دخولها في عموم النص القرآني: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة:222/ 2] وأخبار في السنة، منها قول عائشة: «وكان النساء يبعثن إليها بالدُّرجة فيها الكُرْسف (1)، فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض، فتقول: لا تعْجَلْن حتى ترين القَصَّة البيضاء» (2) تريد بذلك الطهر من الحيض.
وأما الدليل على أن ما بعد الحيضة من الصفرة والكدرة ليس حيضاً: فهو قول أم عطية: «كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً» (3).

المطلب الثاني ـ مدة الحيض والطهر:
مدة الحيض
لا يكون الدم حيضاً إلا إذا كان بالألوان السابقة، وأن يتقدمه أقل مدة الطهر (وهي خمسة عشر يوماً عند جمهور الفقهاء). وأن يبلغ أقل مدة الحيض، وهي مختلف فيها بين الفقهاء (4). وما نقص عن مدة الحيض أو زاد على أكثرها فهو استحاضة.
_________
(1) الدرجة: بضم الدال وإسكان الراء والجيم: هي نحو خرقة كقطنة تدخلها المرأة فرجها ثم تخرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الدم أو لا. والكرسف: القطن.
(2) رواه مالك. والقصة: بفتح القاف الجص، شبهت الرطوبة النقية بالجص في الصفاء، قال مالك وأحمد: هي ماء أبيض يتبع الحيضة.
(3) رواه أبو داود والبخاري، ولم يذكر (بعد الطهر) والحاكم.
(4) فتح القدير:111/ 1، الدر المختار:262/ 1، البدائع:208/ 1 ومابعدها، بداية المجتهد:48/ 1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص39 ومابعدها، مغني المحتاج:109/ 1،113، حاشية الباجوري:114/ 1، المغني:308/ 1، كشاف القناع:233/ 1.

(1/614)


يرى الحنفية: أن أقل الحيض: ثلاثة أيام ولياليها، وما نقص عن ذلك، فليس بحيض، وإنما هو استحاضة.
وأوسطه خمسة أيام.
وأكثره عشرة أيام ولياليها، والزائد عن ذلك: استحاضة.
ودليلهم: حديث «أقل الحيض للجارية البكر والثيب: ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام» (1) وما زاد على ذلك استحاضة؛ لأن تقدير الشرع يمنع إلحاق غيره به.

ويرى المالكية: ألا حد لأقل الحيض بالنسبة للعبادات، فأقله دَفْقه أو دَفعة في لحظة، فتعتبر حائضاً وتغتسل بانقطاعه، ويبطل صومها وتقضي ذلك اليوم. وأما بالنسبة للعدة والاستبراء، فأقله يوم أو بعض يوم له بال.
وأكثر الحيض يختلف باختلاف النساء وهن أربع: مبتدأة، ومعتادة (2)، وحامل، ومختلطة. أما المبتدأة: فيقدر بخمسة عشر يوماً، وما زاد فهو دم علة وفساد. وأما المعتادة: فيقدر بزيادة ثلاثة أيام على أكثر عادتها ـ والعادة تثبت بمرة ـ استظهاراً، مالم تجاوز نصف الشهر.
وأما الحامل فيما بعد شهرين من بدء الحمل: فيقدر أكثر الحيض بعشرين يوماً.
_________
(1) روي من حديث أبي أمامة عند الطبراني والدارقطني، ومن حديث واثلة بن الأسقع عند الدارقطني، ومن حديث معاذ بن جبل عند ابن عدي، ومن حديث أبي سعيد الخدري عند ابن الجوزي، ومن حديث أنس بن مالك عند ابن عدي، ومن حديث عائشة عند ابن الجوزي، وكلها ضعيفة (نصب الراية:191/ 1).
(2) المبتدأة: هي التي أول ما ابتدأها الدم في بدء الحيض عند الصغر، والمعتادة: هي التي اعتادت أن ترى الدم.

(1/615)


وما بعد ستة أشهر فأكثر: فيقدر له ثلاثون يوماً.
وأما المختلطة: وهي التي ترى الدم يوماً أو أياماً، والطهر يوماً أو أياماً، حتى لا يحصل لها طهر كامل، فإنها تلفق أيام الدم، فتعدها حتى يكمل لها مقدار أكثر أيام الحيض (15 يوماً)، وتلغي أيام الطهر التي بينها، فلا تعدها. فما زاد عن مدة أكثر الحيض يكون استحاضة.
وتغتسل في كل يوم لا ترى فيه الدم، رجاء أن يكون طهراً كاملاً.
وتكون حائضاً في كل يوم ترى فيه الدم، وتجتنب ما تجتنبه الحائض.

ويرى الشافعية والحنابلة: أن أقل زمن الحيض يوم وليلة: وهو أربع وعشرون ساعة، على الاتصال المعتاد في الحيض، بحيث لو وضعت قطنة لتلوثت، فلا يشترط نزوله بشدة دائماً حتى يوجد الاتصال. وعلى هذا فقد يتصل في الظاهر أو ينقطع في الظاهر، ولكنه موجود في الواقع، ويعرف بتلوث قطنة أو نحوها، فإن رأت الدم أقل من يوم وليلة، فهو دم استحاضة، لا دم حيض.
وغالبه: ست أو سبع، لقوله صلّى الله عليه وسلم لِحَمْنة بنت جحش لما سألته: «تَحَيَّضي في علم الله ستة أيام أو سبعة، ثم اغتسلي وصلي أربعاً وعشرين ليلة وأيامها، أو ثلاثاً وعشرين ليلة، فإن ذلك يجزيك» (1). وأكثره: خمسة عشر يوماً بلياليها، فإن زاد عليها فهو استحاضة.
ويتميز دم الحيض عن دم الاستحاضة بلونه وشدته ورائحته الكريهة.
_________
(1) تتمة الحديث: «وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء، ويَطْهُرن لميقات حيضتهن وطهرهن» رواه أبو داود والنسائي وأحمد والترمذي وصححاه، وحسنه البخاري (نيل الأوطار:271/ 1).

(1/616)


ودليلهم: الاستقراء (السؤال والتتبع لأحوال بعض النساء في زمان ما) الذي قام به في زمانه الإمام الشافعي رضي الله عنه وغيره؛ إذ لا ضابط له لغة ولا شرعاً، فرجع إلى المتعارف بالاستقراء، ويكون المعتمد فيه هو العرف والعادة، كما هو المقرر في القبض والإحراز والتفرق بين المتبايعين في العقود.
ويؤيدهم قول علي: «أقل الحيض يوم وليلة، وما زاد على خمسة عشر استحاضة». وقول عطاء: «رأيت من النساء من تحيض يوماً، وتحيض خمسة عشر» والقاعدة عند الشافعية كما قال النووي في المنهاج: رأت المرأة الدم لسنّ الحيض أقلّه، ولم يعبر أكثره، فكله حيض، سواء أكانت مبتدأة أم معتادة، تغيرت عادتها أم لا. فإذا رأت المرأة الدم أقل من يوم وليلة أو بعد أكثر من مدة الحيض (أي بعد 51 يوماً) كان دم استحاضة، لا دم حيض.

أقل الطهر:
قال الجمهور غير الحنابلة (1): إن أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين: خمسة عشر يوماً؛ لأن الشهر غالباً لايخلو عن حيض وطهر، وإذا كان أكثر الحيض خمسة عشر، لزم أن يكون أقل الطهر كذلك خمسة عشر يوماً. ولا حد لأكثره؛ لأنه قد يمتد سنة أو سنتين، وقد لا تحيض المرأة أصلاً، وقد تحيض في السنة مرة واحدة.
وقال الحنابلة (2): أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، لما روى أحمد عن علي: «أن امرأة جاءته ـ قد طلقها زوجها ـ فزعمت أنها حاضت في شهر ثلاث حِيَض، فقال علي لشريح: قل فيها، فقال شريح: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وأمانته، فشهدت بذلك، وإلا فهي كاذبة. فقال علي: «قالون» أي
_________
(1) فتح القدير:121/ 1، مراقي الفلاح: ص24، الشرح الصغير:209/ 1، بداية المجتهد:48/ 1، مغني المحتاج:109/ 1، حاشية الباجوري:116/ 1، المهذب:39/ 1.
(2) كشاف القناع:234/ 1.

(1/617)


جيد بالرومية.
وهذا لا يقوله إلا توقيفاً، وهو قول صحابي اشتهر، ولم يعلم خلافه، ووجود ثلاث حيض في شهر، دليل على أن الثلاثة عشر طهر صحيح يقيناً (1).
ولا حد لأكثر الطهر باتفاق الفقهاء.

والمراد بالطهر:
هو زمان نقاء المرأة من دم الحيض والنفاس، وللطهر علامتان: جفاف الدم أو جفوفه، والقصة البيضاء: وهي ماء أبيض رقيق يأتي في آخر الحيض (2).
النقاء من الدم في أيام الحيض:
النقاء: أي عدم الدم، ويحدث ذلك بأن تبدأ العادة الشهرية، ثم ينقطع الحيض مدة زمنية، ثم يعود، فهل تعد تلك المدة من أيام الحيض أو لا؟
هناك رأيان فقهيان، الأول للحنفية والشافعية، والثاني للمالكية والحنابلة (3). وأصحاب الرأي الأول يرون: أن النقاء من الدم في أيام الحيض يعتبر حيضاً، فلو رأت يوماً دماً، ويوماً نقاء، بحيث لو وضعت قطنة لم تتلوث، ويوماً بعد ذلك دماً وهكذا في مدة الحيض (أثناء العادة)، تعتبر حائضاً في كل تلك المدة.
وأصحاب الرأي الثاني يأخذون بمبدأ التلفيق: وهو ضم الدم إلى الدم
_________
(1) وهذا مبني على أن أقل الحيض يوم وليلة. وكانت حيضات هذه المرأة بأقل مدة الحيض.
(2) بداية المجتهد:52/ 1، القوانين الفقهية: ص41.
(3) فتح القدير:112/ 1، الدر المختار وحاشية ابن عابدين:267/ 1، اللباب:49/ 1، بداية المجتهد:50/ 1، الشرح الصغير:212/ 1، مغني المحتاج:119/ 1، حاشية الباجوري:114/ 1، المهذب:39/ 1، المغني:359/ 1 ومابعدها، كشاف القناع:246/ 1 ومابعدها.

(1/618)


واعتبار أيام النقاء طهراً صحيحاً، فلو رأت الحائض الدم يوماً أو يومين، ثم طهرت يوماً أو يومين، جمعت أيام الدم بعضها إلى بعض، واعتبر الباقي طهراً، واتفق الكل على أن الطهر (المتخلل) بين الدمين إذا كان خمسة عشر يوماً فأكثر يكون فاصلاً بين الدمين في الحيض، وما قبله وما بعده يعد حيضاً إذا بلغ أقل مدة الحيض.

وها هو تفصيل الآراء في كل مذهب:
1 ً - مذهب الحنفية: أفتى كثير من المتأخرين بقول أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة الآخر، وهو أن الطهر المتخلل بين الدمين، لا يعد فاصلاً، بل يكون كالدم المتوالي بشرط إحاطة الدم لطرفي الطهر المتخلل، فيجوز بداية الحيض بالطهر، وختمه به أيضاً، فلو رأت مبتدأة يوماً دماً، وأربعة عشر طهراً، ويوماً دماً، فالعشرة الأولى حيض. ولو رأت المعتادة قبل عادتها يوماً دماً وعشرة طهراً ويوماً دماً، فالعشرة التي لم تر فيها الدم حيض إن كانت عادتها، وإلا ردت إلى أيام عادتها.
وأما الطهر المتخلل بين الأربعين يوماً في حالة النفاس فلا يفْصل عند أبي حنيفة وعليه الفتوى، سواء أكان خمسة عشر أم أقل أم أكثر، ويجعل إحاطة الدم بطرفيه كالدم المتوالي.

2ً - مذهب الشافعية: الأظهر المعتمد أن النقاء بين دماء أقل الحيض فأكثر حيض تبعاً لها، بشروط: وهي ألا يجاوز ذلك خمسة عشر يوماً، ولم تنقص الدماء المرئية عند المرأة عن أقل الحيض، وأن يكون النقاء محتوشاً (محوطاً) بين دمي حيض.
وهذا يسمى قول السَّحْب؛ لأننا سحبنا الحكم بالحيض على النقاء أيضاً، وجعلنا الكل حيضاً.

(1/619)


وهناك قول آخر ضعيف يسمى قول اللَّقْط: وهو أن النقاء طهر؛ لأن الدم إذا كان حيضاً، كان النقاء طهراً، وسمي بذلك لأنا لقطنا أوقات النقاء وجعلناها طهراً.
أما زمن النقاء في حالة النفاس فهو على المعتمد طهر، لكنه يحسب من مدة النفاس الستين يوماً، أي أنه من النفاس عدداً لا حكماً على المعتمد.
والخلاصة: أن النقاء في الحيض يأخذ حكم الحيض، وفي النفاس: لايأخذ حكمه، وإنما يحسب أي النقاء من أيام الستين التي هي أكثر مدة النفاس.

3ً - مذهب المالكية المعتمد، والحنابلة: هو الأخذ بالتلفيق أي ضم الدم إلى الدم، والطهر في أثناء الحيضة طهر صحيح، فإذا أتاها الدم في يوم مثلاً، وانقطع يوماً أو أكثر، ولم يبلغ الانقطاع نصف الشهر وهو أكثر مدة الحيض، فإنها تلفق أيام الدم فقط، أي يضم الدم إلى الدم، فيكون حيضاً، وما بينهما من النقاء طهر. وحكم الملفقة: أنها تغتسل وجوباً، كلما انقطع دمها، وتصلي وتصوم وتوطأ، لأنه طهر حقيقة، لكن قال الحنابلة: يكره وطؤها زمن الطهر.
وتظل على هذا النحو عند الحنابلة إلى أن يجاوز زمن الدم وزمن النقاء أكثر الحيض، كأن ترى يوماً دماً ويوماً طهراً إلى ثمانية عشر يوماً مثلاً، فتكون مستحاضة.
وقال المالكية: تلفق المبتدأة، والمعتادة نصف الشهر: خمسة عشر يوماً. أما المعتادة أقل من نصف شهر: فتلفق عادتها، مع إضافة ثلاثة أيام على أكثر عادتها، وهي التي تسمى أيام الاستظهار. وما نزل عليها من الدم بعد ذلك فاستحاضة لاحيض.

(1/620)


أولاً ـ تعريف النفاس:

المبحث الثاني ـ تعريف النفاس ومدته

أولاًـ تعريف النفاس: النفاس عند الحنفية والشافعية (1): هو الدم الخارج عقب الولادة. أما الخارج مع الولد حال الولادة أو قبله، فهو دم فساد واستحاضة، فتتوضأ إن قدرت وتصلي، وأضاف الحنفية: أو تتيمم وتومئ بصلاة ولا تؤخر الصلاة. واستثنى الشافعية الدم الخارج قبل الولادة المتصل بحيض قبله، بناء على أن الحامل تحيض في الأصح عندهم، وقال المالكية: الدم الذي يخرج قبل الولادة هو دم حيض.
والنفاس عند الحنابلة (2): الدم الخارج بسبب الولادة.
والدم النازل قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مع أمارة كالطلق، والدم الخارج مع الولادة هو دم نفاس عندهم، كالدم الخارج عقب الولادة.
ويعد الدم عند هؤلاء دم نفاس: بخروج أكثر الولد، ولو متقطعاً عضواً عضواً، ولو سِقْطاً (3) استبان فيه بعض خلقة الإنسان كأصبع أو ظفر، ولو بين توأمين (4)، إلا أن الأصح عند الشافعية أن النفاس معتبر من الولد الثاني، ومايخرج بعد الأول هو حيض ان اتصل بحيض سابق وإلا فهو استحاضة. فإن رأت دماً بعد إلقاء نطفة أو علقة، فليس بنفاس، أما المالكية فقالوا (5):
_________
(1) فتح القدير:129/ 1، البدائع:41/ 1 - 43، الدر المختار:275/ 1 ومابعدها، اللباب:352/ 1، مراقي الفلاح: ص23، مغني المحتاج:119/ 1، حاشية الباجوري:113/ 1، المهذب:45/ 1، المجموع:529/ 1 ومابعدها.
(2) كشاف القناع:226/ 1.
(3) السِقط: الجنين يسقط من بطن أمه قبل تمامه، ذكراً كان أو أنثى.
(4) التوأمان: الولدان في بطن إذا كان بينهما أقل من ستة أشهر.
(5) الشرح الصغير:216/ 1 وما بعدها، القوانين الفقهية: ص40.

(1/621)


النفاس: هو ما خرج من قُبُل المرأة عند ولادتها مع الولادة أو بعدها، ولو بين توأمين. أما ما خرج قبل الولادة، فالراجح أنه حيض، فلا يحسب من الستين يوماً.

ثانياً ـ مدة النفاس: للنفاس مدة دنيا وقصوى وغالبة (1).
أما المدة الدنيا: فقال الشافعية: أقله لحظة أي مجة أو دفعة. وقال الأئمة الآخرون: لا حد لأقله، لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود الفعلي، وقد وجد قليلاً وكثيراً.
والظاهر ألا خلاف بين الرأيين، والمراد بهما واحد.
وقد تلد المرأة ولا ترى الدم، روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، «فلم تر نفاساً»، فسميت ذات الجفوف.
وغالبه عند الشافعية أربعون يوماً.
وأكثره عند المالكية والشافعية ستون يوماً والمعتمد في ذلك هو الاستقراء، وعند الحنفية والحنابلة: أربعون يوماً، وما زاد عن ذلك فهو استحاضة، بدليل قول أم سلمة: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أربعين يوماً وأربعين ليلة» (2).
_________
(1) المراجع السابقة في كل مذهب.
(2) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد، أي رواه الخمسة إلا النسائي، وأخرجه الدارقطني والحاكم أيضاً، وهو صحيح، والقول بضعفه مردود كما قال النووي (نيل الأوطار:282/ 1)

(1/622)


لكن قال فيه الشافعية: لا دلالة فيه على نفي الزيادة، أو محمول على الغالب أو على نسوة مخصوصات.

المبحث الثالث ـ أحكام الحيض والنفاس وما يحرم على الحائض والنفساء:
للحيض أحكام خمسة وهي ما يلي (1):

1 ً - الحيض ومثله النفاس يوجب الغسل بعد انقطاعه، لقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض، قل: هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطْهُرنَ، فإذا تطَّهرْنَ فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة:222/ 2].
ولقوله صلّى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حُبَيْش: «فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنكِ الدم وصَلِّي» (2) وفي رواية للبخاري: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي».

2 ً - البلوغ: تبلغ الأنثى وتصبح أهلاً للتكاليف الشرعية بالحيض، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (3) فأوجب عليها أن تستتر لأجل الحيض، فدل على أن التكليف حصل به.
3 ً - الحكم ببراءة الرحم في الاعتداد بالحيض، ومن المعلوم أن الأصل في مشروعية العدة العلم ببراءة الرحم.
4 ً - الاعتداد بالحيض في رأي الحنفية والحنابلة؛ لأن الأقراء الثلاثة المنصوص عليها في القرآن الكريم هي الحيضات، ولا تنتهي عدة المطلقة غير الحامل إلا بانتهاء الحيضة الثالثة ولا تحتسب الحيضة التي وقع الطلاق في أثنائها. وقال
_________
(1) كشاف القناع:228/ 1.
(2) رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها (نيل الأوطار:568/ 1).
(3) رواه أحمد وغيره.

(1/623)


المالكية والشافعية: القرء: الطهر، فتحسب العدة بزمن الأطهار، وتنتهي العدة بابتداء الحيضة الثالثة، ويحتسب الطهر الذي وقع الطلاق فيه من الأطهار الثلاثة ولو كان لحظة.

5 ً - الكفارة بالوطء في أثناء الحيض عند الحنابلة، وسيأتي الكلام في ذلك في بحث ما يحرم بالحيض.
ما يحرم بالحيض والنفاس: يحرم بالحيض والنفاس ما يحرم بالجنابة وهي سبعة أمور: الصلوات كلها، وسجود التلاوة، ومس المصحف، ودخول المسجد، والطواف، والاعتكاف، وقراءة القرآن، لكن أجاز المالكية على المعتمد للحائض والنفساء قراءة القرآن عن ظهر قلب إلا بعد انقطاع الدم وقبل غسلها، سواء أكانت جنباً حال حيضها أو نفاسها أم لا.
ويزاد على ذلك أمور أخرى، وقد عد الحنفية ثمانية أمور تحرم على الحائض والنفساء، والمالكية عدوا اثني عشر، وهي السبعة السابقة وخمسة أخرى وهي الصيام، والطلاق، والجماع في الفرج قبل انقطاع الدم، والجماع بما دون الفرج قبل انقطاع الدم، والجماع بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال.
وعد الشافعية ثمانية أمور، والحنابلة خمسة عشر أمراً.
وتفصيل هذه الممنوعات في حالة الحيض ومثله النفاس وأدلتها بتبين فيما يأتي (1):
_________
(1) البدائع:44/ 1، الدر المختار ورد المحتار:158/ 1 - 162،268 - 274، فتح القدير:114/ 1 - 119، تبيين الحقائق:56/ 1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص24، الشرح الصغير:215/ 1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص40، بداية المجتهد:54/ 1 - 57،61، المهذب:38/ 1،45، مغني المحتاج:109/ 1،120، تحفة الطلاب: 33 ومابعدها، بجيرمي الخطيب:312/ 1 - 323، حاشية الباجوري:117/ 1 - 119، المغني: 306/ 1 ومابعدها، 333 - 338، كشاف القناع:226/ 1 - 233.

(1/624)


1ً - الطهارة: غسلاً أو وضوءاً: في رأي الشافعية والحنابلة، فإذا حاضت المرأة، حرم عليها الطهارة للحيض؛ لأن الحيض ومثله النفاس يوجب الطهارة، وما أوجب الطهارة منع صحتها كخروج البول، أي أن انقطاعه شرط لصحة الطهارة له. لكن يجوز الغسل لجنابة أو إحرام ودخول مكة ونحوه (1) بل يستحب لذلك.
2ً - الصلاة: يحرم على الحائض والنفساء الصلاة، لحديث فاطمة بنت أبي حُبَيش المتقدم: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة» لكن يسقط فرض الصلاة ولا يقضى، بإجماع العلماء، لما روت عائشة رضي الله عنها: «كنا نحيض على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (2)، ولأنه يشق قضاء الصلاة لتكرر الحيض وطول مدته، بخلاف الصوم. ويحرم على الحائض قضاء الصلاة، والمعتمد عند الشافعية أنه يكره وتنعقد نفلاً مطلقاً لا ثواب فيه.
3ً - الصوم: يحرم على الحائض والنفساء الصوم ويمنع صحته، لحديث عائشة السابق، فإنه يدل على أنهن كن يفطرن. ولا يسقط قضاؤه عنهما فتقضي الحائض والنفساء الصوم دون الصلاة للحديث نفسه، ولأن الصوم في السنة مرة، فلا يشق قضاؤه، فلم يسقط. وهناك حديث آخر عن أبي سعيد الخدري: أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال للنساء: أليس شهادةُ المرأة مثلَ نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلكن من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى؟ قال: فذلكن من نقصان دينها» (3).
_________
(1) هذا وقد ذكر الحنابلة الوضوء أمراً ثانياً، كما ذكروا في الأمر الثاني: وهو فعل الصلاة ووجوبها أمرين.
(2) رواه الجماعة عن مُعَاذة (نيل الأوطار:280/ 1).
(3) رواه البخاري (نيل الأوطار:279/ 1 ومابعدها) ورواه مسلم من حديث ابن عمر بلفظ: «تمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في شهر رمضان، فهذا نقصان دينها» (سبل السلام:105/ 1).

(1/625)


4ً - الطواف: لقوله صلّى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنهما: «إذا حضت، افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (1) ولأنه يفتقر إلى الطهارة ولا يصح من الحائض.
5ً - قراءة القرآن ومس المصحف وحمله، كما سبق في الجنابة، لقوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة:79/ 56]، ولقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن» (2) واستثنى الشافعية حالة الخوف على القرآن من غرق أو حرق أو نجاسة أو وقوعه في يد كافر، فيجب حمله حينئذ، كما يجوز حمله باتفاق العلماء في تفسير أكثر منه يقيناً، ولا يجوز حمله عند الشافعية إذا قصده مع المتاع على المعتمد.
واستثنى الحنفية حالة مس القرآن بغلاف متجاف عن القرآن، ويكره مسه بالكم تحريماً لتبعيته للابس، ويرخص لأهل كتب الشريعة من حديث وفقه وتفسير أخذ الورقة بالكم وباليد للضرورة، ويكره مسها؛ لأنها لا تخلو عن آيات القرآن، والمستحب ألا تقلب ورقة القرآن إلا بوضوء. وأجازوا تقليب أوراق المصحف بنحو قلم للقراءة، كما أجازوا للصبي حمل القرآن ورفعه لضرورة التعلم، ولا يكره النظر للقرآن لجنب وحائض ونفساء؛ لأن الجنابة لا تحل العين. وتكره كتابة القرآن وأسماء الله تعالى على الدراهم والمحاريب والجدران وما يفرش، وتكره القراءة في المخرج والمغتسل والحمام. ولا تكره كتابة آية الكرسي على صحيفة منفصلة عن الكاتب، إلا أن يمسها بيده.
_________
(1) متفق عليه عن عائشة.
(2) روي من حديث ابن عمر عند الترمذي وابن ماجه والبيهقي، ومن حديث جابر عند الدارقطني، وهو ضعيف (نصب الراية:195/ 1).

(1/626)


6ً - دخول المسجد، واللبث والاعتكاف فيه، ولو بوضوء، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» (1).
وأجاز الشافعية والحنابلة للحائض والنفساء العبور في المسجد إن أمنت تلويثه، لأنه يحرم تلويث المسجد بالنجاسة وغيرها من الأقذار بسبب المكث فيه، ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ناوليني الخُمْرة من المسجد» فقلت: «إني حائض» فقال: «إن حيضتك ليست في يدك» (2) وعن ميمونة رضي الله عنها قالت: «تقوم إحدانا بالخُمْرة إلى المسجد، فتبسُطُها وهي حائض» (3) هذا .. وأباح الحنابلة أيضاً للحائض المكث في المسجد بوضوء بعد انقطاع الدم، لانتفاء المحذور وهو خشية تلويث المسجد.

7ً - الوطء في الفرج (الجماع) ولو بحائل باتفاق العلماء، والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند الجمهور (غير الحنابلة)، لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة:222/ 2] والمراد بالاعتزال: ترك الوطء، ولقوله صلّى الله عليه وسلم لعبد الله بن سعد حينما سأله: ما يحل لي من امرأتي، وهي حائض؟ قال: «لك ما فوق الإزار» (4) ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الجماع، فحرم لخبر الصحيحين عن النعمان بن بشير: «من حام حول الحمى
_________
(1) رواه أبو داود.
(2) رواه مسلم، والخمرة: هي السجادة أو الحصير الذي يضعه المصلي ليصلي عليه أو يسجد.
(3) رواه النسائي.
(4) رواه أبو داود عن حِزام بن حكيم عن عمه: عبد الله بن سعد (نيل الأوطار:277/ 1) وروي مثله عن عكرمة عند أبي داود، وعن عائشة عند البخاري ومسلم ونصه: «كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يباشرها، أمرها أن تأتزر بإزار في فور حيضتها، ثم يباشرها» والمراد بالمباشرة هنا: التقاء البشرتين، لا الجماع، والمراد بالاتزار، أن تشد إزاراً تستر سرتها، وما تحتها إلى الركبة (نيل الأوطار:277/ 1 ومابعدها).

(1/627)


يوشك أن يقع فيه» والإزار: الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دونه، وهو ما بين السرة والركبة غالباً، فما عدا ذلك جائز بالذكر أو القبلة أوالمعانقة أو اللمس أو غير ذلك.
وأباح الحنابلة الاستمتاع بالحائض ونحوها بما دون السرة وفوق الركبة ما عدا الوطء في الفرج، لقوله صلّى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» (1)، كما أنهم أباحوا الجماع لمن به شَبَق بشرط ألا تندفع شهوته بدون الوطء في الفرج، ويخاف تشقق أنثييه إن لم يطأ، ولا يجد غير الحائض بأن لا يقدر على مهر حرة، ولا ثمن أمَة ...
وتستمر حرمة الوطء والاستمتاع بما بين السرة والركبة عند المالكية والشافعية حتى تغتسل، أي تطهر بالماء لا بالتيمم، إلا في حال فقد الماء أوالعجز عن استعماله، فيباح الوطء بالتيمم. واستدلوا بقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} [البقرة:222/ 2] فالله تعالى شرط لحل الوطء شرطين: انقطاع الدم، والغسل، الأول من قوله تعالى: {حتى يطهرن} [البقرة:222/ 2] أي ينقطع دمهن، والثاني: من قوله عز وجل: {فإذا تطهرْن} أي اغتسلن بالماء {فأتوهن} [البقرة:222/ 2] فتصير إباحة وطئها موقوفة على الغسل. وهذا هو رأي الحنابلة أيضاً في حرمة الوطء (الجماع).
وكذلك قال الحنفية: إذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام، لم يحل وطؤها أو الاستمتاع بها حتى تغتسل أو تتيمم بشرطه، وإن لم تصل به في
_________
(1) رواه الجماعة إلا البخاري، وروى البخاري في تاريخه عن مسروق بن أجدع قال: «سألت عائشة رضي الله عنها: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضاً؟ قالت: كل شيء إلا الفرج» (نيل الأوطار:276/ 1 ومابعدها).

(1/628)


الأصح؛ لأن الدم تارة يدر، وتارة ينقطع، فلا بد من الاغتسال ليترجح جانب الانقطاع.
فإن لم تغتسل ومضى عليها وقت صلاة كامل، بأن تجد من الوقت زمناً يسع الغسل ولبس الثياب وتحريمة الصلاة، وخرج الوقت، ولم تُصَلِّ، حل وطؤها؛ لأن الصلاة صارت ديناً في ذمتها، فطهرت حكماً.
ولو انقطع دم الحائض لدون عادتها، فوق الأيام الثلاثة، لم يقربها حتى تمضي عادتها، وإن اغتسلت؛ لأن النقاء عندهم حيض كما عرفنا، ولأن العَوْد في العادة غالب، فكان الاحتياط في الاجتناب.
وإن انقطع دم الحائض لعشرة أيام، وهو أكثر الحيض عندهم، جاز وطؤها قبل الغسل؛ لأن الحيض لا مزيد له على العشرة؛ إلا أنه لا يستحب قبل الغسل، للنهي عنه في قراءة {ولا تقربوهن حتى يطَّهَّرن} [البقرة:2/ 222] بالتشديد، والتشديد يدل على المبالغة في الطهارة، وذلك إنما يكون بالاغتسال فعلاً، لا بانقطاع الدم.
والخلاصة: أن الحنفية أجازوا الوطء في حالة الحيض ومثله النفاس قبل الغسل في حالتين، لقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة:2/ 222] بتخفيف الطاء، فإنه جعل الطهر غاية للحرمة. ويستحب ألا يطأها حتى تغتسل لقراءة التشديد، خروجاً من الخلاف.
والحالتان هما: أن يمضي على من اع دمها دون العشرة أيام وقت صلاة كامل ويخرج الوقت ولم تصل، وأن ينقطع دمها لعشرة أيام أي بعد أكثر الحيض.
أما الحالة الغالبة بين النساء: وهي انقطاع الدم بعد ستة أو سبعة أيام فلا يجوز نقطة أج

(1/629)


وطؤها حتى تغتسل، ما لم تصر الصلاة ديناً في ذمتها، وهي الحالة الأولى السابقة، فمن انقطع دمها لأكثر الحيض حلت حينئذ، وإن انقطع دمها لأقل الحيض، لم تحل حتى يمضي وقت صلاة كامل.

كفارة وطء الحائض ونحوها: يري المالكية والحنفية والشافعية في المذهب الجديد: أنه لا كفارة على من وطئ حائضاً ونحوها، بل الواجب عليه الاستغفار والتوبة؛ لأن الأصل البراءة، فلا ينتقل عنها إلا بحجة، وحديث الكفارة مضطرب، ولأنه وطء محرم للأذى، فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر.
ويرى الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: أنه تجب الكفارة على من وطئ امرأة في أثناء الحيض أو النفاس، وتجب على المرأة إن طاوعت الرجل في وطئها في الحيض، ككفارة الوطء في الإحرام، فإن كانت مكرهة فلا شيء عليها، لعدم تكليفها. والكفارة واجبة ولو كان الوطء من ناس ومكره وجاهل الحيض أو الالتحريم، أو كلاهما، ولا تجب الكفارة بوطئها بعد انقطاع الدم. والكفارة دينار أو نصف دينار على سبيل التخيير، أيهما أخرج أجزأه، لما روي عن ابن عباس، عن النبي صلّى الله عليه وسلم: في الذي يأتي امرأته، وهي حائض: يتصدق بدينار أو نصف دينار (1) وتسقط كفارة الوطء في الحيض بعجز عنها، ككفارة الوطء في رمضان.
وقال الشافعية: يسن لمن وطئ في إقبال الدم التصدق بدينار، ولمن وطئ في إدباره التصدق بنصف دينار، لخبر ابن عباس السابق عن الترمذي: «إذا كان دما أحمر، فدينار، وإن كان دما أصفر فنصف دينار».
ووطء الحائض ليس بمعصية كبيرة، لعدم انطباق تعريفها عليه.
_________
(1) رواه الخمسة، قال الحافظ ابن حجر: والاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه كثير جداً (نيل الأوطار:278/ 1).

(1/630)


8ً - الطلاق: يحرم الطلاق في الحيض، ويكون الطلاق بدعياً واقعاً، لما فيه من تطويل العدة على المرأة، ولمخالفته قوله تعالى: {إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق:1/ 65] أي في الوقت الذي يشرعن فيه العدة، لأن بقية الحيض لا تحسب من العدة فتتضرر بطول مدة التربص والانتظار، ولما روي عن ابن عمر: «أنه طلق امرأته، فذكر عمر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم، فقال: مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً» (1).
أما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحل الطلاق. وهكذا يبين أنه إذا انقطع الدم لم يحل قبل الغسل غيرُ الصوم، والطلاق، والطهر، والصلاة المكتوبة إذا فقدت المرأة الطهورين.
أما الصوم: فلأن تحريمه بالحيض، لا بالحدث، بدليل صحته من الجنب، وقد زال الحيض.
وأما الطلاق: فلزوال المعنى المقتضي للتحريم، وهو تطويل العدة.
وأما الطهر فإنها مأمورة به. وأما الصلاة المكتوبه فهي مأمورة بها أيضاً.
ولا تبدأ العدة إذا طلق الرجل زوجته في أثناء الحيض، لقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة:228/ 2] وبعض القرء ليس بقرء.

الفرق بين الحيض والجنابة: عرفنا أن ما يحرم على الحائض ونحوها أكثر مما يحرم على الجنب. وهناك فروق أخرى هي (2):
_________
(1) رواه الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر (نيل الأوطار:221/ 6).
(2) البدائع:44/ 1.

(1/631)


فالجنب يجوز له أداء الصوم مع الجنابة، ولا يجوز للحائض والنفساء؛ لأن الحيض والنفاس أغلظ من الحدث، وهو معنى قوله صلّى الله عليه وسلم في تفسير نقصان الدين عند المرأة: «تقعد إحداهن شطر عمرها، لا تصوم ولا تصلي» (1).
ويقضي الجنب الصلاة والصوم، والحائض ونحوها لا تقضي الصلاة وإنما تقضي الصوم فقط؛ لأن الحيض يتكرر في كل شهر، فتحرج في قضاء أيام العادة، ولا حرج في قضاء الصوم؛ لأنه مفروض في السنة مرة.
ويحرم قربان المرأة في حالتي الحيض والنفاس، ولا يحرم قربان المرأة التي أجنبت لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة:222/ 2] ومثل هذا لم يرد في الجنابة، بل وردت الإباحة بقوله تعالى: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة:187/ 2] أي الولد، فقد أباح الله المباشرة وطلب الولد بالجماع مطلقاً على الأحوال.

الفرق بين الحيض والنفاس: يفترق الحيض عن النفاس في ثلاثة أمور هي (2):
1 - الاعتداد بالحيض عند الحنفية والحنابلة؛ لأن انقضاء العدة بالقروء والنفاس ليس بقرء.
2 - النفاس لا يوجب البلوغ، لحصوله قبله بالحمل؛ لأن الولد ينعقد من الرجل والمرأة، لقوله تعالى: {خلق من ماء دافق، يخرج من بين الصلب والترائب} [الطارق:6/ 86 - 7].
_________
(1) رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ: «النساء ناقصات عقل ودين، قيل: وما نقصان دينهن؟ قال: تمكث إحداهن شطر عمرها لا تصلي، قال البيهقي: لم أجده في شيء من كتب الحديث، وقال ابن منده: لا يثبت هذا بوجه عن النبي صلّى الله عليه وسلم (كشاف القناع:233/ 1).
(2) كشاف القناع:233/ 1.

(1/632)


3 - لا تحتسب مدة النفاس على المولي في مدة الإيلاء (1) في قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر} [البقرة:226/ 2] لأنه ليس بمعتاد، بخلاف الحيض.
وبدن الحائض وعَرَقها وسؤرها طاهر، ولا يكره طبخها وعجنها وغير ذلك، ولا وضع يديها في شيء من المائعات، وأجمع العلماء على جواز مؤاكلة الحائض كالمعتاد دون عزلها، لأن المراد من اعتزالها هو وطؤها، روت عائشة فقالت: «كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي صلّى الله عليه وسلم، فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرق العَرْق، وأنا حائض، فأناوله النبي صلّى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيَّ» (2).

المبحث الرابع ـ الاستحاضة وأحكامها:

تعريف الاستحاضة: هي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة (غير الحيض والنفاس) من مرض وفساد، من عِرْق أدنى الرحم، يقال له العاذل، فكل نزيف من الأنثى قبل مدة الحيض (وهي تسع سنين)، أو نقص عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس، أو زاد عن أيام العادة الشهرية وجاوز أكثر مدة الحيض، أو ما تراه الحامل (الحبلى) في رأي الحنفية والحنابلة، هو استحاضة (3).
أحكام المستحاضة: هناك أمور ثلاثة تحتاج إلى بحث وهي ما يأتي:
_________
(1) الإيلاء: هو أن يحلف الزوج بالله تعالى أو بصفة من صفاته: ألا يقرب زوجته أربعة أشهر أو أكثر، أو يعلق على قربانها أمراً فيه مشقة على نفسه، كالصيام أو الحج أو الإطعام.
(2) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، ومعنى «أتعرق العَرْق» أي آكل ما عليه من اللحم. وروى أحمد والترمذي عن عبد الله بن سعد قال: سألت النبي صلّى الله عليه وسلم عن مواكلة الحائض، قال: واكلها» (نيل الأوطار:281/ 1).
(3) الدر المختار ورد المحتار:262/ 1 ومابعدها، مراقي الفلاح: ص25، الشرح الصغير:207/ 1 ومابعدها، القوانين الفقهية: ص41، مغني المحتاج:108/ 1، كشاف القناع:226/ 1،236.

(1/633)


أولاً ـ هل يحرم شيء على المستحاضة مما يحرم على الحائض؟ الاستحاضة حدث دائم كسلَس بول ومذي وغائط وريح باتفاق الفقهاء، أو كرعاف دائم أو جرح لا يرقأ دمه أي لا يسكن عند الحنفية والحنابلة، فلا يمنع شيئاً مما يمنعه الحيض والنفاس من صلاة وصوم ولو نفلاً، وطواف، وقراءة قرآن ومس مصحف ودخول مسجد واعتكاف ووطء بلا كراهة، للضرورة (1)، وللأحاديث الثابتة في ذلك، منها:
1 - ما روت عائشة قالت: «قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلّى الله عليه وسلم: إني امرأة أُسْتَحاض، فلا أطهرُ، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: إنما ذلك عِرْق (أي ينزف)، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها (قدر عادتها) فاغسلي عنك الدم، وصلِّي» (2).
2 - أمر النبي صلّى الله عليه وسلم حَمْنة بنت جَحْش بالصوم والصلاة في حالة الاستحاضة (3).
3 - روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش «أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها» وقال: «كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها» وكانت حمنة زوجة طلحة، وأم حبيبة زوجة عبد الرحمن بن عوف (4).
وهذا المذكور في إباحة وطء المستحاضة هو ما قرره الفقهاء، منهم الإمام
_________
(1) الدر المختار:275/ 1، مراقي الفلاح: ص25، فتح القدير:121/ 1، الشرح الصغير:210/ 1، القوانين الفقهية: ص41، مغني المحتاج:111/ 1، المغني:339/ 1، كشاف القناع:235/ 1،237.
(2) رواه البخاري والنسائي وأبو داود (نيل الأوطار:268/ 1).
(3) رواه أبو داود وأحمد والترمذي وصححاه (نيل الأوطار:271/ 1).
(4) بنات جحش ثلاث: زينب أم المؤمنين، وحمنة، وأم حبيبة (سبل السلام: 103/ 1).

(1/634)


أحمد في رواية عنه، وفي رواية أخرى يظهر أنها الراجحة عند الحنابلة: لا توطأ المستحاضة إلا أن يخاف على نفسه الوقو ع في محظور، لما روى الخلال بإسناده عن عائشة: أنها قالت: «المستحاضة لا يغشاها زوجها» ولأن بها أذى، فيحرم وطؤها كالحائض، قال تعالى في الحائض معللاً منع وطئها بالأذى {قل: هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة:222/ 2].
لكن إذا انقطع دم المستحاضة أبيح وطؤها عند الحنابلة من غير غسل، لأن الغسل ليس بواجب عليها كسلس البول.

ثانياً ـ طهارة المستحاضة الوضوء والغسل: قال المالكية (1): يستحب للمستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، كما يستحب لها بعد انقطاع الدم الغسل من دم الاستحاضة.
وقال الحنفية والشافعية والحنابلة (الجمهور) (2): يجب على المستحاضة أن تتوضأ لوقت كل صلاة، بعد أن تغسل فرجها، وتعصِبه، وتحشوه بقطن وما أشبهه إلا إذا أحرقها الدم أو كانت صائمة، والحشو ليرد الدم، لقوله صلّى الله عليه وسلم لحمنة حين شكت إليه كثرة الدم: «أنْعَت لك الكُرْسُفَ، فإنه يُذهب الدمَ» (3)
فإذا استوثقت (بأن تشد خرقة مشقوقة الطرفين تخرج أحدهما من أمامها والآخر من خلفها، وتربطهما بخرقة تشدها على وسطها كالتكة) ثم خرج الدم من غير تفريط في الشد، لم تبطل صلاتها، لما روت عائشة رضي الله عنها: أن فاطمة
_________
(1) القوانين الفقهية: ص26،41، بداية المجتهد:57/ 1 وما بعدها.
(2) اللباب:51/ 1، مراقي الفلاح: ص25، مغني المحتاج:111/ 1 وما بعدها، المهذب:45/ 1 وما بعدها، المغني:340/ 1 - 342.
(3) رواه أبو داود وأحمد وصححاه (نيل الأوطار:271/ 1).

(1/635)


بنت أبي حبيش استحيضت، فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلم: «اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، ثم صَلِّي، وإن قطر الدم على الحصير» (1).
والدليل على أن المستحاضة تتوضأ لوقت كل فريضة: وهو أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال في المستحاضة: تدع الصلاة أيام أقرائها (حيضاتها)، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي» (2) ولأنهاطهارة عذر وضرورة، فتقيدت بالوقت كالتيمم.
ولا يجب على المستحاضة إلا غسل واحد باتفاق المذاهب الأربعة بدليل الحديث السابق وغيره كحديث حمنة، ويسن لها عند الشافعية والحنابلة، ويندب عند الحنفية كالمالكية أن تغتسل لكل صلاة، بدليل الحديث المتقدم في الأغسال المسنونة: «أن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة أن تغتسل، فكانت تغتسل عند كل صلاة» (3).
وتصلي المستحاضة ونحوها عند الحنفية بوضوئها ما شاءت من الفرائض والنوافل. ويبطل وضوءها بخروج الوقت كما بينا في بحث وضوء المعذور.
ولها عند الحنابلة أيضاً الجمع بين الصلاتين بوضوء واحد؛ «لأن النبي صلّى الله عليه وسلم أمر حمنة بنت جحش بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد» وأمر به سهلة بنت سهيل. وخروج الوقت مبطل لهذه الطهارة، أي أن مذهبي الحنفية والحنابلة متفقان.
_________
(1) رواه الخمسة (أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه) وابن حبان، ورواه مسلم في الصحيح بدون قوله: «وتوضئي لكل صلاة» (نصب الراية:199/ 1 وما بعدها، نيل الأوطار:275/ 1).
(2) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حسن (نيل الأوطار:274/ 1، نصب الراية:202/ 1 وما بعدها) وأما حديث «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة» الذي رواه سبط ابن الجوزي عن أبي حنيفة، كما سبق تخريجه، فقال عنه الزيلعي: غريب جداً (نصب الراية:204/ 1).
(3) متفق عليه.

(1/636)


أما الشافعية فقالوا: يجب الوضوء لكل فرض ولو منذوراً، كالتيمم لبقاء الحدث، وتصلي به الجنازة وما شاءت من النوافل، وكذا يجب لكل فرض تجديد العِصَابة في الأصح، قياساً على تجديد الوضوء. ويجب أن تبادر إلى الصلاة عقب الوضوء، إلا لمصلحة كستر عورة وأذان وإقامة، وانتظار جماعة واجتهاد في قبلة وذهاب إلى مسجد وتحصيل سترة. وقد سبق بيان ذلك وغيره في بحث وضوء المعذور.

ثالثاً ـ تقدير مدة حيض المستحاضة: نظراً لاستمرار نزول الدم على المستحاضة بسبب حالة مرضية، فإنها تحتاج لبيان مدة الحيض الشهرية، لتطبق عليها أحكام الحيض، ويكون الباقي استحاضة، وقد ورد في السنة النبوية مبادئ أساسية في هذا الموضوع، منها ما يأتي:
أولاً ـ العمل بالتمييز بصفة الدم، فإذا كان متصفاً بصفة السواد فهو حيض، وإلا فهو استحاضة، أي أن المرأة إذا ميزت دم الحيض عن دم الاستحاضة، عملت بتمييزها، وذلك في حديث عروة عن فاطمة بنت أبي حُبَيش، أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلم: إذا كان دم الحيضة، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلِّي، فإنما هو عِرْق» (1) ينزف.
ثانياً ـ بناء المعتادة على عادتها السابقة، في حديث عائشة عن فاطمة بنت أبي حبيش، وفي رواية البخاري: «ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي، وصلِّي» (2).
_________
(1) رواه أبو داود والنسائي، وابن حبان والحاكم وصححاه، والدارقطني والبيهقي (نيل الأوطار:270/ 1).
(2) انظر نيل الأوطار:268/ 1، سبل السلام:100/ 1.

(1/637)


ثالثاً ـ رجوع المستحاضة إلى الغالب من عادة النساء: وهي ست أو سبع لفقد العادة والتمييز، في حديث حمنة بنت جحش: « ... إنما هذه رَكْضة من رَكَضات الشيطان (1) فتحيَّضي (2) ستة أيام أو سبعة في علم الله، ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهُرت، واستَنْقَيت، فصلِّي أربعاً وعشرين ليلة، أو ثلاثاً وعشرين وأيامها، فصومي، فإن ذلك مُجْزيك، وكذلك فافعلي في كل شهر، كما تحيض النساء، وكما يَطْهُرن لميقات حيضِهِن وطهرهن .. » (3).

وقد اختلفت المذاهب في تقدير مدة حيض المستحاضة على النحو التالي:
مذهب الحنفية (4):
المستحاضة إما مبتدأة: وهي التي ابتدأها الدم مع البلوغ أو في أول نفاس ثم استمر، أو معتادة: وهي التي سبق لها دم وطهر صحيحان، أو متحيرة وهي المعتادة التي نسيت عادتها.
أما المبتدأة: فيقدر حيضها بعشرة أيام لأنه لا مزيد للحيض على العشرة، وطهرها بعشرين يوماً من كل شهر (عشرة حيض وعشرون استحاضة) عملا ً بالحديث السابق: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها» أي أيام حيضها، كما يقدر نفاسها بأربعين يوماً وطهرها منه بعشرين يوماً، ثم يقدر حيضها بعد ذلك بعشرة أيام، وهكذا حتى تطهر أو تموت.
_________
(1) أي أن الشيطان وجد بذلك سبيلاً إلى التلبيس عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها بذلك عادتها، فصار في التقدير كأنه ركض بآلة، كأنه أراد الإضرار بالمرأة والأذى.
(2) أي اجعلي نفسك حائضاً.
(3) رواه أبو داود والترمذي وصححاه (نيل الأوطار:271/ 1، سبل السلام:102/ 1).
(4) تبيين الحقائق: 62/ 1، الدر المختار:277/ 1، فتح القدير:122/ 1 - 124، اللباب:50/ 1، البدائع:41/ 1 وما بعدها.

(1/638)


وأما المعتادة: التي لم تنس عادتها الممتدة الدم: فترد إلى عادتها المعروفة في الحيض والطهر، وما زاد على ذلك فهو استحاضة، فتقضي ما تركت من الصلاة بعد العادة، إلا إذا كانت عادتها في الطهر ستة أشهر فأكثر، فترد إلى ستة أشهر إلا ساعة بالنسبة لانقضاء العدة، وأما بالنسبة لغير العدة فترد إلى عادتها السابقة كما كانت ترى. والمفتى به أن العادة تثبت بمرة.
وأما المحيَّرة أو المتحيرة وهي التي نسيت عادتها، فلا يحكم لها بشيء من الطهر أو الحيض على التعيين، بل تأخذ بالأحوط في حق الأحكام الشرعية (1)، وأما بالنسبة لانقضاء العدة فيقدر في الأصح بستة أشهر إلا ساعة، لأن الطهر بين الدمين أقل من أدنى مدة الحمل (2) عادة، فنقصناه من ذلك ساعة، فإن طُلِّقت تنقضي عدتها بتسعة عشر شهراً إلا ثلاث ساعات، لجواز أن يكون طلقها في أول الطهر، فتحتاج إلى ثلاث حيضات مجموعها شهر (لأن كل حيضة عشرة أيام)، وإلى ثلاثة أطهار مجموعها ثمانية عشر شهراً إلا ثلاث ساعات.

مذهب المالكية (3):
المستحاضة وهي التي استمر بها الدم بعد تمام حيضها: إذا ميزت الدم بتغير رائحة أو لون أو ثخن أو تألم ونحو ذلك لا بكثرة الدم وقلّته، فهو حيض (4)، بشرط أن يتقدمه أقل الطهر، وهو خمسة عشر يوماً، علماً بأن دم الحيض أسود
_________
(1) وهو أن تجتنب دائماً وأبداً ما تجتنبه الحائض من قراءة القرآن ومسه ودخول المسجد ونحو ذلك، ولا يأتيها زوجها، وتغتسل لكل صلاة، فتصلي به الفرض والوتر، وتقرأ فيهما قدر ما تجوز به الصلاة ولاتزيد.
(2) أقل مدة الحمل ستة أشهر.
(3) الشرح الصغير:213/ 1، الشرح الكبير:171/ 1، القوانين الفقهية: ص41.
(4) اتفاقاً في العبادة، وعلى المشهور في العدة.

(1/639)


غليظ، ودم الاستحاضة أحمر رقيق، والصفرة أو الكدرة حيض، كما أبنت في ألوان الدم.
ولا تزيد المميزة ثلاثة أيام على عادتها استظهاراً، على الأصح، بل تقتصر على عادتها، ما لم يستمر ما ميزته بصفة الحيض المميز، فإن استمر بصفته استظهرت على المعتمد، والعادة تثبت بمرة.
فإن لم تميز، فهي مستحاضة (أي باقية على أنها طاهر)، ولو مكثت طول عمرها، وتعتد عدة المرتابة بسنة بيضاء. وكذلك تكون مستحاضة لو ميزت قبل تمام أقل الطهر، إذ لا عبرة بذلك التمييز ولا فائدة له.
والخلاصة: أن المستحاضة لا تعد بحكم الحائض إلا بثلاثة شروط:
الأول ـ أن تكون المرأة مميزة.
والثاني ـ أن يتغير الدم عن صفة الاستحاضة إلى الحيض.
والثالث ـ أن تمضي لها من الأيام في الاستحاضة مقدار أقل الطهر (51 يوماً).

مذهب الشافعية (1):
تسمى المرأة التي زاد دمها على خمسة عشر يوماً مستحاضة، وصورها سبع:
1ً - المُبتَدَأة المميزة: المبتدأة: أول ما ابتدأها الدم، والمميزة: هي التي تميز الدم، فترى قوياً وضعيفاً، كالأسود والأحمر (2).
_________
(1) مغني المحتاج:113/ 1 - 118، حاشية الباجوري:114/ 1 ومابعدها.
(2) سبق بيان ترتيب الدماء بحسب قوتها، فأقواها السواد، ثم الحمرة، ثم الشقرة ثم الصفرة، ثم الكُدرة.

(1/640)


وحكمها: الضعيف استحاضة، والقوي حيض، بشرط ألا ينقص القوي عن أقل الحيض (يوم وليلة)، وألا يعبر أو يجاوز أكثره (وهو خمسة عشر يوماً) لأن الحيض لا يزيد عن ذلك، وبشرط ألا ينقص الضعيف إن استمر عن أقل الطهر (وهو خمسة عشر يوماً) أي بأن يكون ولاء متتابعاً خمسة عشر يوماً فأكثر متصلة.
فإن نقص القوي عن أقل الحيض، أو عبر أكثره، أو نقص الضعيف عن أقل الطهر أو لم يكن ولاء متتابعاً، كما لو رأت يوماً أسود، ويوماً أحمر، فهي فاقدة شرطاً من شروط التمييز، يعرف حكمها من الصورة الثانية.
2ً - المبتدأة غير المميزة: وهي أول ما ابتدأها الدم، ولكنها ترى الدم بصفة واحدة. ومثلها المميزة التي فقدت شرطاً من شروط التمييز.
وحكمها: أن حيضها يوم وليلة، وطهرها تسع وعشرون إن عرفت وقت ابتداء الدم، وإلا فهي متحيرة سيأتي حكمها.
3ً - المعتادة المميزة: المعتادة: هي التي سبق لها حيض وطهر، والمميزة: هي التي ترى قوياً وضعيفاً، كما تقدم. والأصح أن العادة تثبت بمرة.
وحكمها: العمل بالتمييز، لا بعادة مخالفة للتمييز في الأصح، إن لم يتخلل بين القوي والضعيف أقل الطهر. فلو كانت عادتها خمسة من أول الشهر، وبقيته طهر، ثم لما استحيضت ونزل عليها الدم واستمر، فرأت عشرة أيام أسود من أول الشهر، وبقيته أحمر، كان حيضها العشرة، لا الخمسة فقط، للحديث المتقدم «دم الحيض أسود يعرف» ولأن التمييز أقوى من العادة؛ لأن التمييز علامة في الدم، والعادة علامة في صاحبته.
فإن كانت العادة متفقة مع التمييز، كما لو كانت عادتها خمسة أيام من أول الشهر، فجاء التمييز كذلك، حكم لها بهما معاً.

(1/641)


وإن تخلل بين نوعي الدم أقل الطهر: كأن رأت بعد خمستها العادية عشرين يوماً ضعيفاً، ثم خمسة قوياً، ثم ضعيفاً، فقدر العادة حيض للعادة، وقدر التمييز حيض آخر للتمييز.
4ً - المعتادة غير المميزة الذاكرة لعادتها قدراً ووقتاً: وهي التي سبق لها حيض وطهر، ولكنها ترى الدم بصفة واحدة، وتذكر مقدار عادتها ووقته.
وحكمها: أن ترد إلى العادة قدراً ووقتاً، فلو حاضت في شهر خمسة أيام من أوله مثلاً، ثم استحيضت، فحيضها هو الخمسة من أول الشهر، وطهرها بقية الشهر، عملاً بعادتها، وإن لم تتكرر؛ لأن العادة تثبت بمرة إن لم تختلف، فإن اختلفت فلا تثبت بمرة.
5ً - المعتادة غير المميزة الناسية لعادتها قدراً ووقتاً: بأن سبق لها حيض وطهر، ولم تعلم عادتها قدراً ووقتاً.
حكمها: كحائض في أحكام كحرمة الاستمتاع بها وقراءة القرآن في غير الصلاة، ومس المصحف، احتياطاً؛ لأن كل زمن يمر عليها يحتمل الحيض. وهي أيضاً كطاهر في أحكام كالصلاة فرضاً أو نفلاً في الأصح والصوم، احتياطاً؛ لأن كل زمن يمر عليها يحتمل الطهر. وتغتسل لكل فرض في وقته، لاحتمال انقطاع الدم حينئذ إن جهلت وقت الانقطاع.
فإن علمته كأن عرفت أنه كان ينقطع عند الغروب، فلا يلزمها الغسل، إلا عند الغروب، وتتوضأ لباقي الفرائض لاحتمال الانقطاع عند الغروب، دون ما عداه، وتصوم رمضان، ثم شهراً كاملاً، ويبقى عليها يومان، لاحتمال أن يطرأ عليها الحيض في أثناء اليوم الأول، واحتمال كونها تحيض أكثر الحيض (51 يوماً) فيفسد صومها في اليوم السادس عشر؛ لأنه يطرأ الدم في أثناء يوم، وينقطع في

(1/642)


أثناء يوم، ويحسب لها أربعة عشر من كل من الشهرين، بثمانية وعشرين يوماً، فيبقى لها يومان، تصوم لهما من ثمانية عشر ثلاثة أولها، وثلاثة آخرها، فيحصلان، علماً بأن أقل الطهر 51 يوماً.
6ً - المعتادة غير المميزة الذاكرة لعادتها قدراً لا وقتاً: كأن تقول: كان حيضي خمسة في العشر الأول من الشهر، لا أعلم ابتداءها، وأعلم أني في اليوم الأول طاهر بيقين، فالسادس حيض بيقين، والأول طهر بيقين، كالعَشْرين الأخيرين، والثاني إلى آخر الخامس محتمل للحيض والطهر، دون الانقطاع، والسابع إلى آخر العاشر محتمل للحيض والطهر والانقطاع.
فلليقين من حيض وطهر حكمه، وهي في المحتمل كناسية لهما (الحيض والطهر) كما في الصورة الخامسة.
ومعلوم أنه لا يلزمها الغسل إلا عند احتمال الانقطاع.
ويسمى ما يحتمل الانقطاع طهراً مشكوكاً فيه، وما لا يحتمله حيضاً مشكوكاً فيه.
7ً - المعتادة غير المميزة، الذاكرة لعادتها وقتاً لا قدراً، كأن تقول: كان حيضي يبتدئني أول الشهر، ولا أعلم قدره.
حكمها: يوم وليلة منه حيض بيقين، ونصفه الثاني طهر بيقين، وما بين ذلك محتمل للحيض والطهر والانقطاع.
فلليقين من حيض وطهر حكمه، وهي في المحتمل كناسية لهما، كما مر في التي قبلها.

(1/643)


والخلاصة: يطلق على الصور الثلاث الأخيرة اسم المتحيرة: وهي التي نسيت عادتها قدراً ووقتاً، أو نسيت القدر دون الوقت، أو بالعكس. والمشهور في حكمها: وجوب الاحتياط، فيحرم الوطء ومس المصحف، والقراءة في غير الصلاة، وتصلي الفرائض كلها، وكذا النفل في الأصح. وتغتسل لكل فرض، وتصوم رمضان، ثم شهراً كاملاً، فيحصل من كل منهما أربعة عشر يوماً، ثم تصوم ثمانية عشر: ثلاثة أولها، وثلاثة آخرها، فيحصل اليومان الباقيان.
وما عدا المتحيرة: تعمل أولاً بالتمييز إن كانت مميزة، سواء أكانت مبتدأة أم معتادة. وإن لم تكن مميزة وتعلم عادتها قدراً ووقتاً، ترد إلى عادتها في ذلك، وإن كانت مبتدأة لا مميِّزة، أو فقدت شرط تمييز، فالأظهر أن حيضها يوم وليلة، وطهرها تسع وعشرون.

مذهب الحنابلة (1):
المستحاضة إما مبتدأة أو معتادة، وكل منهما إما مميزة أولا، فإن كانت المبتدأة مميزة عملت بتمييزها، وإن كانت غير مميزة قدر حيضها بيوم وليلة، وتغتسل بعد ذلك، وبقية الشهر طاهرة، وذلك في الشهور الثلاثة الأولى، ثم تنتقل في الشهر الرابع إلى غالب الحيض وهو ست أو سبع باجتهادها. وتفصيل كلامهم فيما يأتي:
1ً - المبتدأة غير المميزة: يقدر حيضها بيوم وليلة؛ لأنه المتيقن، وما زاد مشكوك فيه كغير المستحاضة، ثم تغتسل وتصلي احتياطاً لبراءة ذمتها، ولكن يحرم وطؤها في مدة خمسة عشر يوماً إن استمر بها الدم هذه المدة. فإن انقطع الدم قبل هذه المدة اغتسلت عند انقطاعه غسلاً ثانياً، ويباح وطؤها حينئذ.
_________
(1) كشاف القناع:234/ 1 - 246، المغني:310/ 1 - 332،351 ومابعدها.

(1/644)


تفعل هكذا في ثلاثة أشهر، في كل شهر مرة؛ لأن العادة لا تثبت بدون التكرار ثلاث مرات في ظاهر المذهب أو أكثر الروايات عن أحمد.
وفي الشهر الرابع تنتقل إلى غالب الحيض وهو ستة أيام أو سبعة باجتهادها وتحريها، ورأيها، فتعمل بما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها، أو عادة نسائها، أو ما يكون أشبه بكونه حيضاً. وإن جاوز دمها أكثر الحيض (51 يوماً) فهي مستحاضة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلم: «إنما ذلك عرق، وليس بحيضة» ولأن الدم كله لا يصلح أن يكون حيضاً.
2ً - المبتدأة المميزة: بأن ميزت الدم الأسود أو الثخين أو المنتن عن الرقيق الأحمر غير المنتن، فتعمل بالتمييز، ويكون حيضها زمن الأسود أو زمن الثخين، أو زمن المنتن إن لم ينقص عن أقل الحيض (يوم وليلة) ولم يجاوز أكثره (خمسة عشر يوماً) لحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش بلفظ النسائي: «إذا كان الحيض، فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي، فإنما هو دم عرق»، فإن نقص عن يوم وليلة فهو استحاضة، وإن جاوز الخمسة عشر، بأن كان الأسود عشراً، والأحمر ثلاثين مثلاً، فحيضها زمن الدم الأسود، وما عداه استحاضة؛ لأنه لا يصلح حيضاً.
3ً - المعتادة غير المميزة: ترجع إلى عادتها، لتعمل بها، لما يأتي في الصورة التالية.
4ً - المعتادة المميزة: بأن ترى بعض دمها أسود أو ثخيناً أو منتناً، فتقدم العادة على التمييز، سواء اتفق تمييزها وعادتها، بأن تكون عادتها أربعة مثلاً من أول الشهر، وكان دم هذه الأربعة الآن أسود، ودم باقي الشهر أحمر، أو اختلفا أي العادة والتمييز، بأن تكون عادتها ستة أيام، وترى الآن أربعة أسود، وباقي الشهر أحمر؛ لقوله صلّى الله عليه وسلم: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم

(1/645)


اغتسلي وصلي» ولأن العادة أقوى؛ لأنها لاتبطل دلالتها، بخلاف اللون إذا زاد على أكثر الحيض بطلت دلالته.
5ً - المعتادة المميزة الناسية لعادتها: تعمل كالمبتدأة بالتمييز الصالح؛ لأنه يكون حيضاً. والتمييز الصالح: هو ألا يكون الدم ناقصاً عن يوم وليلة، وألا يجاوز خمسة عشر يوماً. وذلك عملاً بحديث فاطمة بنت أبي حبيش: «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي، فإنما هو عرق».
6ً - المتحيرة: وهي التي تحيرت في حيضها بجهل العادة، وعدم التمييز، ولها أحوال ثلاثة:
أـ الناسية لوقت عادتها وعددها: يكون حيضها في كل شهر ستة أيام أو سبعة بحسب اجتهادها ورأيها فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها أو عادة نسائها، أو ما يكون أشبه بكونه حيضاً، ثم تغتسل، وتعتبر فيما بعد ذلك مستحاضة، تصوم وتصلي وتطوف، عملاً بحديث حمنة بن جحش: «فتحيَّضي ستة أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي ... ».
ب ـ الناسية عدد عادتها، وتذكر وقتها: كالتي تعلم أن حيضها في العشر الأول من الشهر، ولا تعلم عدده، حكمها كالحالة الأولى، ترد إلى غالب الحيض: ست أو سبع، في أصح الروايتين.
جـ ـ الناسية لوقتها دون عددها: أي أنها عالمة بالعدد ناسية للموضع، كأن تعلم عدد أيام حيضتها، وتنسى موضعها بأن لم تدر أكانت تحيض في أول الشهر أو أوسطه أو آخره؟ حكمها: أن تجعل أيام حيضتها من أول كل شهر هلالي؛ لأنه صلّى الله عليه وسلم (جعل حيضة حمنة من أول الشهر، والصلاة في بقيته) ولأن دم الحيض هو الأصل، والاستحاضة عارضة، فيقدم دم الحيض.

(1/646)

0 التعليقات