الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

الاعتبار ببقاء الجنة والنار 4

الفهرس


اسم الكتاب: الاعتبار ببقاء الجنة والنار
تأليف: تقي الدين السبكي


اقرأ أيضا:

الاعتبار ببقاء الجنة والنار 1
الاعتبار ببقاء الجنة والنار 2
الاعتبار ببقاء الجنة والنار 3


فإن قلت: قد قال: هذا المصنف إنه يحتج على فناء النار بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة وأن القائلين ببقائها ليس معهم كتاب ولا سنة ولا أقوال الصحابة رضي الله عنهم. قلت: هذا الكتاب والسنة بين أظهرنا بحمد الله وهما دالان على بقائهما.

فإن قلت: قد قال في (مسند أحمد) حديث ذكر فيه أنه ينبت فيها الجرجير، قلت : ليس في "مسند أحمد" ولكنه في غيره وهو ضعيف ولو صح حمل على طبقة العصاة.

فإن قلت: قال حرب الكرماني: سألت اسحق عن قول الله تعالى "إلا ما شاء ربك" فقال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرءان، وعن أبي نضرة عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: هذه الآية تأتي على القرءان كله حيث كان في القرءان "خالدين فيها" تأتي عليه. قلت: إن صحت هذه الآثار حملت على العصاة لأن القرءان لم يرد فيه خروج العصاة من النار صريحا إنما ورد في السنة بالشفاعة فالمراد بهذه الآثار موافقة القرءان للسنة في ذلك فإن السلف كانوا شديدي الخوف ولم يجدوا في القرءان خروج الموحدين من النار وكانوا يخافون الخلود كما تقوله المعتزلة.

فإن قلت: قال ابن مسعود رضي الله عنه ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقاباً. قلت: إن صح هذا عن ابن مسعود حمل على طبقة العصاة وقوله أحقاباً يحمل على أحقاب غير الأحقاب المذكورة في القرءان حتى يصح الحمل على العصاة.

فإن قلت: قال الشعبي: جهنم أسرع الدارين عمرانا وأسرعهما خرابا. قلت: أنا أعيذ الشعبي من ذلك فإنه يقتضي خراب الجنة.

فإن قلت: قد اعترض هذا المصنف على الإجماع لأنه غير معلوم فإن هذه المسائل لا يقطع فيها بإجماع نعم قد يظن فيها الإجماع قبل أن يعرف النزاع وقد عرف النزاع قديماً وحديثاً بل إلى الساعة. قلت: الإجماع لا يعترض عليه بأنه غير معلوم بل يعترض بنقل خلاف صريح ولم ينقله وإنما هو من تصرفه وفهمه وقوله إن هذه المسائل لا يقطع فيها باجماع دعوى مجردة.

فإن قلت قد قال لم أعلم أحداً من الصحابة رضي الله عنهم قال لا تفنى وإنما المنقول عنهم ضد ذلك لكن التابعون نقل عنهم هذا وهذا. قلت: هو مطالب بالنقل عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ولن يجده وغايته كما قلت لك أن يأخذه من كلمات وردت فهم منها ذلك، ويجب تأويلها تحسيناً للظن بهم.

فإن قلت: قد قال إنه ليس في القرءان ما يدل على أنها لا تفنى بل الذي يدل عليه ظاهر القرءان أنهم خالدون فيها أبدا وأنه يقتضي خلودهم فيها ما دامت باقية لا يخرجون منها مع بقائها وبقاء عذابها كما يخرج أهل التوحيد. قلت: قد قلت لك إن حقيقة الخلود في مكان يقتضي بقاء ذلك المكان وقد تأملت كلام المصنف فلم أر فيه زيادة على ذلك بل اندفع في ذكر الآيات وأحاديث الشفاعة ولم يبين ما يؤول إليه أمر الكفار بعد فناء النار.

فإن قلت: قد فرق بين الجنة والنار شرعاً وعقلا أما شرعاً فمن وجوه: أحدها أن الله تعالى أخبر ببقاء نعيم أهل الجنة ودوامها وأنه لا نفاد له ولا انقطاع في غير موضع من كتابه كما أخبر أن أهل الجنة لا يخرجون منها، وأما النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك بل أخبر أن أهلها لا يخرجون منها. قلت: قد أخبر في النار وأهلها أنهم في عذاب مقيم وأنهم لا يفتر عنهم ولا يخفف عنهم فلو فنيت لكان إما أن يموتوا فيها أو يخرجوا وكل منهما أخبر في القرءان بنفيه.

فإن قلت: قد ذكره من الوجوه الشرعية أن الجنة من مقتضى رحمته والنار من عذابه فالنعيم من موجب أسمائه التي هي من لوازم ذاته فيجب دوامه بدوام معاني أسمائه وصفاته والعذاب من مخلوقاته والمخلوق قد يكون له انتهاء لا سيما مخلوق خلق لحكمة تتعلق بغيره. قلت: ومن أسمائه تعالى شديد العقاب والجبار والقهار والمذل والمنتقم فيجب دوامه بدوام ذاته وأسمائه أيضاً فنقول لهذا الرجل إن كانت هذه الأسماء والصفات تقتضي دوام ما يقتضيه من الأفعال فيلزم قدم العالم وإن كانت لا تقتضي فلا يلزم دوام الجنة فأحد الأمرين لازم لكلام هذا الرجل وكل من الأمرين باطل.

فإن قلت: قد قال إنه أخبر أن رحمته وسعت كل شيء وسبقت رحمتي غضبي فإذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة. قلت: الآخرة داران دار رحمة لا يشوبها شيء وهي الجنة ودار عذاب لا يشوبه شيء وهي النار وذلك دليل على القدرة والدنيا مختلطة بهذا وبهذا فقوله إذا قدر عذاب لا آخر له لم يكن هناك رحمة البتة إن أراد نفي الرحمة مطلقا فليس بصحيح لأن هناك كمال الرحمة في الجنة وإن أراد لم يكن في النار قلنا له وإن قال إنها شيء والعقاب شيء وقد قال تعالى "فسأكتبها للذين يتقون".

فإن قلت: قد ثبت أنه حكيم رحيم والنفوس الشريرة التي لو ردت إلى الدنيا لعادت لا تصلح أن تسكن دار السلام فإذا عذبوا عذاباً تخلص نفوسهم من ذلك الشر كان هذا معقولا في الحكمة أما خلق نفوس تعمل الشر في الدنيا وفي الآخرة لا تكون إلا في العذاب فهذا تناقض يظهر فيه من مناقضة الحكمة والرحمة ما لا يظهر في غيره، ولهذا كان جهم ينكر أن يكون الله تعالى أرحم الراحمين بل يفعل ما يشاء والذين سلكوا طريقته كالأشعري وغيره ليس عندهم في الحقيقة له حكمة ولا رحمة وإذا ثبت أنه حكيم رحيم وعلم بطلان قول جهم تعين إثبات ما تقتضيه الحكمة والرحمة وما قاله المعتزلة أيضا باطل فقول القدرية والمجبرة والنفاة في حكمته ورحمته باطل ومن أعظم غلطهم اعتقادهم تأبيد جهنم فإن ذلك مستلزم ما قالوه وقد أخبر تعالى أن أهل الجنة والنار لا يموتون فلا بد لهم من دار ومحال أن يعذبوا بعد دخول الجنة فلم يبق إلا دار النعيم والحي لا يخلو من لذة او ألم فإذا انتفى ألالم تعينت اللذة الدائمة. قلت : قد صرح بما صرح به في آخر كلامه فيقتضي أن ابليس وفرعون وهامان وسائر الكفار يصيرون إلى النعيم المقيم واللذة الدائمة وهذا ما قال به مسلم ولا نصراني ولا يهودي ولا مشرك ولا فيلسوف أما المسلمون فيعتقدون دوام الجنة والنار وأما المشرك فيعتقد عدم البعث وأما الفيلسوف فيعتقد أن النفوس الشريرة في ألم فهذا القول الذي قاله هذا الرجل ما نعرف أحدا قاله وهو خروج عن الإسلام بمقتضى أهل العلم اجمالا… وسبحان الله إذا كان الله تعالى يقول (أولئك الذين يئسوا من رحمتي) وكذلك قوله تعالى (كلما خبت زدناها سعيرا) ونبيه صلى الله عليه وسلم يخبر بذبح الموت بين الجنة والنار ولا شك أن ذلك إنما يفعل إشارة إلى إياسهم وتحققهم البقاء الدائم في العذاب فلو كانوا ينتقلون إلى اللذة والنعيم لكان ذلك رجاء عظيما لهم وخيرا من الموت ولم يحصل لهم إياس فمن يصدق بهذه الآيات والأحاديث كيف يقول هذا الكلام وما قاله من مخالفة الحكمة جهل وما ينسبه إلى الأشعري رضي الله عنه افتراء عليه نعوذ بالله تعالى منه.

فإن قلت: قد يقول إنه تخلص نفوسهم من الشر بذلك العذاب فيسلمون. قلت: معاذ الله أما إسلامهم في الاخرة فلا ينفعهم بإجماع المسلمين وبقوله تعالى: (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل) وأما خلوصهم من الشرط فباطل لقوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم) و(طبع على قلوبهم) فهذا يستحيل أن يخرج الشر من قلوبهم أو يدخل فيها خير.

فإن قلت: ما في خلق هؤلاء من الحكمة قلت: اظهار القدرة واعتبار المؤمنين وفكرتهم في عظمة الله تعالى القادر على أن يخلق الملائكة والبشر الصالحين والأنبياء ومحمداً صلى الله عليه وسلم سيد الخلق وعلى أن يخلق من الطرف الآخر فرعون وهامان وأبا جهل وشياطين الجن والانس وإبليس رأس الضلال، والقادر على خلق دارين متمحضة كل واحدة منهما هذه للنعيم المقيم وهذه للعذاب الأليم ودار ثالثة وهي الدنيا ممتزجة من النوعين فسبحان من هذه قدرته وجلت عظمته وكان الله سبحانه قادراً أن يخلق الناس كلهم مؤمنين طائعين ولكن أراد سبحانه أن يبين الشيء وضده، علمه من علمه وجهله من جهله، والعلم منشأ السعادة كلها نشأ عنه إيمان والطاعة، والجهل منشأ الشقاوة كلها نشأ عنه الكفر والمعصية وما رأيت مفسدة من أمور الدنيا والآخرة تنشأ إلا عن الجهل فهو أضر الأشياء. فإن قلت: قد نقل عن جهم وأصحابه أنهم قالوا بفناء الجنة والنار وأن أئمة الإسلام كفروهم بذلك لأربع آيات من القرءان قوله تعالى "أكلها دائم" و"ماله نفاد" "لا مقطوعة ولا ممنوعة" "عطاء غير مجذوذ" ولما رواه الطبراني وابن ماجه في التفسير. قلت: من قال بفناء الجنة والنار أو أحدهما فهو كافر.

فإن قلت: قد قال هذا المصنف إن هذا قاله جهم لأصله الذي اعتقده وهو امتناع وجود ما لا يتناهى من الحوادث وهو عمدة أهل الكلام استدلوا به على حدوث الأجسام وحدوث ما لا يخلو من الحوادث قلت: في هذا دسيسة يشبه ان يكون هذا المصنف قصد به التطرق إلى حلول الحوادث بذات الباري تعالى وتنـزه وقد أطال الكلام في ذلك وقال بعده إنه اشتبه هذا على كثير من أهل الكلام هذا ما اعتقدوه حقًا حتى بنوا عليه حدوث ما لم يخل عن الحوادث ثم قال وعليه أيضا نفي الصفات لأنها أعراض لا تقوم إلا بجسم هذا كلامه ويشبه أن يكون عمل هذا التصنيف وسيلة إلى تقرير ذلك.

نسأل الله تعالى العافية والسلامة والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وءاله وصحبه وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً.

قال مصنفها التقي السبكي: صنفتها في ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة . والحمد لله رب العالمين.

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية