Wednesday, November 29, 2017

التنديد بمن عدد التوحيد حسن بن علي السقاف

التنديد بمن عدد التوحيد حسن بن علي السقاف


اسم الكتاب: كتاب التنديد بمن عدد التوحيد
تأليف: حسن بن علي السقاف
الناشر: دار الامام النووي

مقدمة

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده المصطفى، سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه المنتخبين أهل الوفا، ومن لهم اقتفى. أما بعد: فهذا جزء لطيف، ومنار منيف، أثبت فيه إبطال التثليث في تقسيم التوحيد إلى توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية وتوحيد أسماء وصفات، حيث انتشر هذا التقسيم في هذا الزمان، وقد دعاني إلى ذلك ما رأيت من بعض من كتب في التوحيد والعقائد إثبات هذا الفرق واستساغته تقليدا من غير استبصار بحقيقة الأمر والحال، وخصوصا أن هذا التقسيم لا يعرف عند السلف البتة وإنما اخترع هذا التقسيم وانتشر بعد القرن السابع الهجري، فأردت التنبيه عليه لئلا يغتر بهذا التقسيم أحد من طلاب العلم، فنسأل الله تعالى لنا الإعانة، فيما توخينا من الإبانة. ولا بد أيضا من التنبيه على القسم الثالث للتوحيد وهو: (توحيد الأسماء والصفات) وبيان المراد منه عند من يقول به في هذه الرسالة المختصرة وبالله تعالى التوفيق. (فأعلم): أن تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاث تقسيم غير صحيح، تكلم به بعض متأخري المصنفين منهم صاحب شرح العقيدة

ص 6

الطحاوية ابن أبي العز المنسوب للحنفية خطأ الذي رد على صاحب الكتاب الأصلي الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله تعالى أثناء شرحه على كتابه - متن الطحاوية - في التوحيد فزيف ابن أبي العز بعض كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى، وظهر بثوب الدعوة إلى مذهب السلف الصالح، فخالف حقيقة صريح الكتاب والسنة والإجماع وعقيدة أهل السنة والجماعة الوارد في كلام الإمام أبي جعفر الطحاوي، وظن الساعون في نشر هذا الشرح للطحاوية والمروجون له أنهم يستطيعون أن يقنعوا الناس بأنه يمثل عقيدة الإسلام الحقة حيث ستروا وغطوا ما لم يعجبهم من عقيدة الطحاوي رحمه الله تعالى وهي العقيدة المتفق على قبولها وصحتها والتي تمثل عقيدة أهل الحق من أهل القرون الثلاثة المشهود لها بالخيرية بهذا الشرح المشحون بالأخطاء والمغالطات المختلفة المتنوعة!!، وكما قيل: لا يضر الفضل إقلال كما لا يضر الشمس إطباق الطفل وقد نص ابن أبي العز في شرحه المذكور على هذا التقسيم فقال (1): (فإن التوحيد يتضمن ثلاث أنواع: أحدهما الكلام في الصفات، والثاني: توحيد الربوبية، وبيان أن الله وحده خالق كل شيء، والثالث: توحيد الإلهية وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له) ا ه‍. فلنبدأ بإثبات تحقيق عدم وجود هذا التقسيم وتفنيد هذه العبارة فنقول وبالله تعالى التوفيق.

(هامش)

(1) أنظر شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، بتخريج الألباني، وتوضيح الشاويش المقرين لما فيها جملة وتفصيلا، طبع المكتب الإسلامي، الطبعة السادسة ص (78). (*)

ص 7

تمهيد لقد أرسل الله تعالى سيدنا محمدا ص بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وحث عليها ووعد قائلها ومعتقدها الجنة، وقد وردت بذلك الآيات والأخبار الصحيحة، منها قول الله تعالى: *(فأعلم أنه لا إله إلا الله)* محمد: 19، ومنها قوله: *(ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا)* الفتح: 13، وقال النبي ص: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته (2) ألقاها إلى مريم وروح منه (3)، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من عمل) رواه البخاري (6 / 474 فتح) ومسلم (1 / 57 برقم 46). وقال ص: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) رواه البخاري (1 / 75 فتح) ومسلم (1 / 53 برقم 36). فمن هذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يتضح وضوحا جليا أن الله سبحانه بين لنا أن التوحيد هو (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، ولم يذكر

(هامش)

(2) معنى (وكلمته ألقاها إلى مريم) أي: بشارته أرسلها بواسطة الملك إلى السيدة مريم. (3) معنى (وروح منه) أي: منه خلقا وتكوينا، لا جزءا كما تعتقد النصارى. (*)

ص 8

الله تعالى في كتابه، ولا النبي ص في سنته أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية وتوحيد أسماء وصفات، بل لم ينطق بهذا التقسيم أحد من الصحابة، بل ولا أحد من التابعين، بل ولا أحد من السلف الصالح رضي الله عن الجميع. بل إن هذا التقسيم بدعة خلفية مذمومة حدثت في القرن الثامن الهجري، أي بعد زمن النبي ص بنحو ثمانمائة سنة، ولم يقل بهذا التقسيم أحد من قبل، والهدف من هذا التقسيم عند من قال به هو تشبيه المؤمنين الذين لا يسيرون على منهج المتمسلفين بالكفار، بل تكفيرهم بدعوى أنهم وحدوا توحيد ربوبية كسائر الكفار بزعمهم!! ولم يوحدوا توحيد ألوهية - وهو توحيد العبادة الذين يدعونه - وبذلك كفروا المتوسلين بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو بالأولياء وكفروا أيضا كثيرا ممن يخالفهم في أمور كثيرة يرون الصواب أو الحق على خلافها، وكل ذلك سببه ذلك الحراني، وعلى ذلك سار شارح الطحاوية ابن أبي العز الملقب بالحنفي فخالف الإمام الحافظ الطحاوي الحنفي في عقيدته في مواضع عديدة! منها أن صاحب المتن الإمام الطحاوي ينفي الحد عن الله سبحانه والشارح يرد عليه فيثبت الحد! ومنها أن صاحب المتن ينفي الجهة وينزه الله سبحانه أن يوصف بها والشارح يرد عليه فيثبتها! حتى قال العلامة علي القاري الحنفي عن شارحها ابن أبي العز في شرح الفقه الأكبر ص (172) بأنه: (صاحب مذهب باطل، تابع لطائفة من المبتدعة). ولا بد أن نبطل هذا التقسيم للتوحيد في هذه المقدمة الصغيرة المتواضعة باختصار تلخيصا للبحث الذي تحويه هذه الرسالة التي سنسلك فيها طريقة:

ص 9

خير الكلام ما قل ودل، فنقول وبالله تعالى التوفيق: (أولا): لا يعرف في الشرع إطلاق اسم موحد على من كفر ولو بجزء من العقيدة الإسلامية وذلك بنص الكتاب والسنة، بل لا يجوز أن نقول الشرع ما لم يقل ولم يرد، فلا يحل لنا أن نطلق على من كان يقر بوجود الله ويدرك أنه هو الإله المستحق للعبادة دون أن يذعن ويدخل في هذا الدين بأنه موحد، بل نطلق عليه أنه كافر، بدليل قول الله تعالى: *(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)* الزمر: 3. فقد وصفهم الله تعالى بالكذب وبالكفر، بل وصفهم بصيغة مبالغة وهي: (كفار) كما تقول: ضارب وضراب. فكيف يقال إنهم موحدون توحيد ربوبية والله تعالى وصفهم بالكفر صراحة؟!! (ثانيا): هؤلاء الكفار الذين كانوا يقولون فيما وصفهم الله تعالى بقوله: *(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)* الزمر: 38 ولقمان: 25، والذين كانوا يقولون: *(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)* الزمر: 3، ما كانوا يقرون بتوحيد ربوبية لو سلمنا جدلا بقسم توحيد الربوبية، وما كانوا يقرون بوجود الله تعالى، ولذلك أدلة سأوردها الآن إن شاء الله تعالى، وإنما قالوا ذلك عند محاججة النبي ومجادلته إياهم وإفحامه لهم بالأدلة التي تثبت وجود الله تعالى وتبطل إلهية ما يعبدون من دون الله سبحانه.

ص 10


EmoticonEmoticon