Wednesday, November 29, 2017

التنديد بمن عدد التوحيد 2



اسم الكتاب: كتاب التنديد بمن عدد التوحيد
تأليف: حسن بن علي السقاف
الناشر: دار الامام النووي

المقدمة الثانية

فالله سبحانه وتعالى أمر نبيه ص أن يجادلهم ويناقشهم في عقيدتهم وباقي أمورهم الفاسدة ليثبت لهم الحق قائلا له: *(وجادلهم بالتي هي أحسن)* النحل: 125، فلما كان ص يثبت لهم وجود الله ووحدانيته وأن لا إله إلا هو سبحانه ويلزمهم بترك عبادة هذه الأصنام التي كانوا يعبدونها ويسجدون لها من دون الله، كانوا يتحرجون ولا يعرفون بماذا سيجيبون فكانوا يقولون عند سؤال النبي ص لهم: من خلق السماوات والأرض؟: الله. وكانوا يتحججون قائلين *(ما نعبدهم)* أي هذه الأوثان *(إلا ليقربونا إلى الله زلفى)*. وهذا كذب صريح منهم لأنهم ما كانوا يعتقدون بوجود الله الذي خلق السماوات والأرض البتة بدليل أن الله أمرهم في القرآن الكريم أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض ليعرفوا أن لها إلها خلقها وأوجدها فيؤمنوا به، قال تعالى: *(أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت، فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر)* الغاشية: 17 - 22، وقال تعالى: *(وإلهكم إله واحد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون)* البقرة: 163 - 164. فكانوا يردون ما جاء في صدر هذه الآيات الشريفة قائلين: *(أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب)* ص: 5، ولو كانوا مقرين بأن الله سبحانه هو خالق السماوات والأرض وما فيهن، لما ذكر الله لهم تلك الآيات الآمرة

ص 11

بالتفكر في الإبل كيف خلقت وفي الجبال كيف نصبت وفي الأرض كيف سطحت وفي السماء كيف رفعت. فقولهم عند سؤال النبي لهم وقت إلزامهم الحجة في المناظرة: من خلق السماوات والأرض؟! فيقولون: الله. وقولهم *(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)* ما هو إلا كذب وكفر بنص القرآن الكريم، حيث قال الله تعالى في آخر الآية: *(إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)* الزمر: 3، كما قال سبحانه *(يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم)* التوبة: 8. فلا يحل ولا يجوز لإنسان أن يستنبط بعد هذا البيان من الآيتين *(ما نعبدهم..)* و*(ولئن سألتهم..)* أنهم كانوا موحدين توحيدا يسمى توحيد ربوبية، بل هذا استنباط معارض لنص القرآن الذي حكم عليهم بالكفر بل بالمبالغة بالكفر، ومنه يتبين أنه استنباط سطحي سخيف لا يقول به إلا من لم يتعمق في فهم آيات القرآن الكريم وسنة النبي ص وقواعد علم التوحيد المبنية على الكتاب والسنة الصحيحة، والذي يؤكد ذلك: (ثالثا): أن أولئك الكفار اشتهر عنهم أنهم كانوا يعبدون تلك الأصنام ويحجون لها ويتقربون إليها *(واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون)* يس: 74، *(أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى)* النجم: 19 - 20. بل واشتهر عنهم أنهم كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر. قال الله تعالى مخبرا لنا عنهم *(وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا

ص 12

وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون)*(4) الجاثية: 24. بل قال للنبي ص أحدهم: *(من يحيي العظام وهي رميم)* يس: 78، فرد الله عليه *(قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)* يس: 79. فهل يجوز لنا بعد هذا أن نصف من لا يقر بأن الله خالق ومحيي بأنه موحد توحيد ربوبية والله تعالى يقول عنه: *(إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)*؟! الزمر: 3. بل بلغ من كفرهم ما أخبر الله تعالى عنهم في كتابه العزيز إذ قال *(وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا)* الفرقان: 60، فهل هؤلاء يقولون بوجود الرحمن الرحيم؟!! ولو كانوا يقرون أن الله هو الخالق لما قال الله لهم: *(وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)* المؤمنون: 91، وعبر بالإله أيضا ولم يعبر بالرب إشارة إلى أنهم لا يوحدون لا الرب ولا الإله ولأن الرب هو الإله، والإله هو الرب. (رابعا): ابن تيمية الذي اخترع تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية يقول إن المشركين كانوا يقرون بتوحيد الربوبية دون توحيد الألوهية وأن المسلمين

(هامش)

(4) والحق والواقع أن من ثلث التوحيد وقسمه إلى ثلاثة أقسام أبطل - سواء قصد أم لا - وألغى مثل هذه الآيات الثابتة كالجبال في كتاب الله تعالى زيادة على قصده الباطل من هذا التقسيم الذي فيه عدة مخالفات ومحظورات شرعية!! فالله تعالى المستعان!! (*)

ص 13

الذين يخالفونه في آرائه كذلك وحدوا ربوبية ولم يوحدوا ألوهية، فهو يكفرهم بذلك، وهذا مراده من هذا التقسيم. قال في كتابه (منهاج السنة) (2 / 62) بعد أن دمج وخلط بعض أئمة الإسلام كالسهروردي (5) وأبي حامد الرازي والآمدي وغيرهم بمن يخالفهم في آرائهم من الفلاسفة كأرسطو طاليس والفارابي وابن سينا ما نصه: (دخلوا في بعض الباطل المبدع، وأخرجوا من التوحيد ما هو منه كتوحيد الإلهية وإثبات حقائق أسماء الله ولم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم: *(ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)*..). وهذه مغالطة منه وتلبيس، وهو كلام غلط كما بينا. وهل يعقل عاقل أو يقول إنسان بأن فرعون الذي كان من جملة المشركين كان يوحد ربوبية ولا يوحد ألوهية؟!. وهو الذي يقول *(ما علمت لكم من إله غيري)* القصص: 38، كما أنه هو القائل *(أنا ربكم الأعلى)* النازعات: 24 ولو كان يقر بالربوبية لما قال: *(أنا ربكم الأعلى)*، بل لقال: (أنا إلهكم الأعلى).

(هامش)

(5) علما بأن السهروردي من علماء أهل السنة والجماعة، وعنه ينقل أكابر الأئمة وعلماء الإسلام العقيدة، فالإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني ينقل عنه في الفتح (13 / 390 سلفية دار المعرفة) مذهب السلف الصالح في الصفات ويقول عقب ذلك: قال الطيبي: هذا هو المذهب المعتمد وبه يقول السلف الصالح ا ه‍. (*)

ص 14

ولو تذكر ابن تيمية قول الله تعالى في سورة الأعراف: *(قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون)* الأعراف: 76، وقول سيدنا يوسف عليه السلام *(أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)* يوسف: 39، وقول سيدنا إبراهيم عليه السلام *(أإفكا آلهة دون الله تريدون)* الصافات: 86، مع قول الله عز وجل *(واتخذوا من دون الله آلهة)* يس: 74، وقول الكفار حينما دعاهم الرسول ص إلى كلمة التوحيد *(أجعل الآلهة إلها واحدا)* ص: 5 لاستحى أن يفوه بذلك! ومن هذا الإيضاح والبيان يتبين بطلان تقسيم التوحيد إلى هذه الأقسام، بل يتضح أن هذا التقسيم يعارض القرآن وعقيدة الإسلام، فلا يصح أن يقال: هذا تقسيم تعليمي، بل يجب أن يقال هذا تقسيم مغلوط معارض للقرآن الكريم. ويجب أن يعلم كل أحد أن شرح الطحاوية يحوي هذا الخطأ وهذه الأغلاط المتناقضة، وأن التعويل على مثل هذا الكتاب واعتماد تدريسه ما هو إلا خطأ جسيم لم يتنبه له كثير من المدرسين والطلاب فاحذروه واتقوه وإني لكم منه نذير مبين. [تنبيه]: أعلم أن متن الطحاوية وهو الكتاب الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى، كتاب صحيح مستقيم من أحسن كتب العقيدة التي تمثل اعتقاد السلف الصالح، ولأنه أيضا - أعني الطحاوي - ذكر في مقدمة ذلك الكتاب أنه عقيدة الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه وصاحبيه محمد بن الحسن والقاضي أبو يوسف رحمهما الله تعالى.

ص 15

وأما شرحه المنتشر في الأسواق لابن أبي العز ففيه أمور كثيرة مخالفة للكتاب الأصلي - متن الطحاوية -، وفيه أيضا عقائد فاسدة كإثبات قدم العالم بالنوع وتسلسل الحوادث إلى غير أول (6)، وإثبات الحد لذات الله تعالى (7)، وإثبات الحرف والصوت لكلامه سبحانه (8) وقيام الحوادث بذات الله سبحانه (9) إلى غير ذلك من أخطاء جسيمة، وأغلاط أليمة، فتنبهوا.

(هامش)

(6) وذلك صفحة (129) من الطبعة الثامنة / المكتب الإسلامي. (7) أنظر ص (219) من شرح الطحاوية، وقد رددنا هذا وأبطلناه في رسالتنا (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) فارجع إليها. (8) أنظر ص (169) من شرح الطحاوية. (9) أنظر ص (177) من شرح الطحاوية. (*)

This Is The Newest Post


EmoticonEmoticon