كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للخضري

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للخضري



نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للخضري



اسم الكتاب : نور اليقين فى سيرة سيد المرسلين
اسم المؤلف : الشيخ محمد الخضرى


محتويات

ترجمة الكتاب

كتاب مختصر يبحث في سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم العطرة من الولادة إلى الوفاة وما بينهما من نشأة وبعثة ومحنة وتعذيب وإسراء وطلب نصرة وهجرة ومعارك وعهود ومواثيق وغير ذلك من الأمور التي تتعلق بسيرته الشريفة صلى الله عليه وسلم

ترجمة المؤلف محمد الخضرى

محمد الخضري (1289 - 1345 هـ = 1872 - 1927 م)

محمد بن عفيفي الباجوري، المعروف بالشيخ الخضري: باحث، خطيب، من العلماء بالشريعة والأدب وتاريخ الإسلام.
مصري، كانت إقامته في (الزيتون) من ضواحي القاهرة، وتوفي ودفن بالقاهرة.
تخرج بمدرسة دار العلوم، وعين قاضيا شرعيا في الخرطوم، ثم مدرسا في مدرسة القضاء الشرعي بالقاهرة، مدة 12 سنة، وأستاذا للتاريخ الإسلامي في الجامعة المصرية، فوكيلا لمدرسة القضاء الشرعي،
فمفتشا بوزارة المعارف.

من كتبه (أصول الفقه - ط) و (تاريخ التشريع الإسلامي - ط) و (إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء - ط) و (محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية - ط) جزآن، و (نور اليقين في سيرة سيد المرسلين - ط) و (مهذب الأغاني - ط) تسعة أجزاء، و (محاضرات - ط) في نقد كتاب الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين، و (الغزالي وتعاليمه وآراؤه - ط) نشر تباعا في المجلد 34 من مجلة المقتطف، و (دروس تاريخية - ط) وهو أخو الشيخ عبد الله عفيفي المتقدم

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

نحمدك يا من أوضحت لنا سُبُل الهداية، وأزحت عن بصائرنا غشاوة الغواية، ونصلّي ونسلِّم على مَن أرسلته شاهداً ومُبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى الأصحاب الذين هجروا الأوطان يبتغون من الله الفضل والرضوان، والأنصار الذين آوَوا ونصروا وبذلوا لإعزاز الدين ما جمعوا وما ادَّخروا.

أما بعد، فيقول محمد الخضري ابن المرحوم الشيخ عفيفي الباجوري: كنت أجد من نفسي منذ النشأة الأولى ارتياحاً لقراءة تواريخ السالفين وقصص الغابرين، وأجدها لعقل الإنسان أحسن مهذِّب، وأنصح معلِّم، وكنت أرى في تاريخ نبيّنا ــــ عليه الصلاة والسلام ــــ وما لقيَهُ من أذى قومه حينما دعاهم إلى الحق، وعظيم صبره حتى هجر أوطانه وبلاده، أعظم مُربَ لأفكار المسلمين، فإنه يدلّهم على ما يجب اتباعه، وما يلزم اجتنابه، ليسودوا كما سادَ سابقوهم، وخصوصاً ما يتعلق بالحكام، من اجتذاب النفوس النافرة، والتأليف بين القلوب المختلفة، وما يتعلق بقواد الجيوش، من تأليف الرجال وإحكام المعدّات حتى يتم لهم النصر على أعدائهم، وما يتعلق بالعامّة، من اتحاد قلوبهم وصيرورتهم يداً على مَنْ سواهم. فكنتُ أجد من قراءتها ارتياحاً عظيماً، وكانت نفسي كثيراً ما تأسف على تركِ المسلمين لها، فقلّما أجد من يشتغل بها، ولكني كنت أُقدم لهم العذر بتطويل الكتب المؤلفة في هذا الموضوع. فلما قدمت مدينة المنصورة جمعتني النوادي مع محمود بك سالم، القاضي بمحكمة المنصورة المختلطة، فوجدت منه علماً بدينه تقف دونه فحول الرجال، وتتأخر عن مسابقته فيه الأبطال، فقلّما توضع مسألة دينية إلا وجدته مبرزاً فيها، مفصحاً عن الجواب عنها. أما علمه بسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم فعنده منها الخبر اليقين، وكنت كثيراً ما أسمعه يتشوّف لعمل سيرة خالية من الحشو والتعقيد تنتفع بها عامّة المسلمين، فقلت: يا لله لقد وافق هذا السيد الكريم ما في نفسي،

ولكني كنت أرى في عزيمتي قصوراً عن تنفيذ رغبته وتتميم أمنيته، فإن المقام عظيم، وصعوباته أعظم. ولكن لم أرَ من الأمر بُدّاً تلقاء ما كنت أسمعه من كبار رجال المنصورة، فإنهم أكثروا من الأماني لعمل هذا الكتاب، العميم النفع، الجزيل الفائدة، فقمت معتمداً على الله راجياً منه أن يوفّقني لما فيه رضاه، وواصلت السَّيْرَ بالسُّرى حتى بلغت المنى، فجاء بحمد الله، سهل المنال، عذب المورد، تنتفع به العامّة، وترجع إليه الخاصّة. وقد كان مورِدي في تأليفه: القرآن الشريف، وصحيح السنّة مما رواه الإمامان البخاري ومسلم، ولم أخرج عنهما إلا فيما لا بدّ من تفيهم العبارات، فكان يساعدني «الشفا» للقاضي عياض و«السيرة الحلبية» و«المواهب اللدنية» للقسطلاني، و«إحياء علوم الدين» للغزالي. هذا، وأسأل الله من فيض فضله أن يوفّق أئمتنا وأمراءنا للاقتداء بسيّدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإحياء معالِم دينه حتى يؤيَّدوا بروح من عند الله. وقد آن أن نشرع فيما قصدناه مستعينين بحول الله فنقول:

قبل الهجرة

النسب الشريف

السيد الأكرم الذي شرف الناس بوجوده هو: (محمد بن عبد الله) من زوجه آمنة بنت وَهْب الزُّهرية القرشية. (ابن عبد المطلب) من زوجه فاطمة بنت عمرو المخزومية القرشية. وكان عبد المطلب شيخاً معظماً في قريش يَصْدُرون عن رأيه في مشكلاتهم ويقدمونه في مهماتهم. (ابن هاشم) من زوجه سلمى بنت عمرو النجارية الخزرجية. (ابن عبد مناف) من زوجه عاتكة بنت مُرّة السلمية. (ابن قُصَيّ) من زوجه حُبَّى بنت حُلَيل الخزاعية، وكان إلى قصيّ في الجاهلية حجابة البيت، وسقاية الحاج، وإطعامه المسمى بالرفادة، والندوة وهي الشورى لا يتم أمر إلا في بيته، واللواء، لا تعقد راية لحرب إلا بيده. ولما أشرف على الموت جعلها في يد أحد أولاده عبد الدار، لكن بنو عبد مناف أجمعوا رأيهم على ألا يتركوا بني عمهم عبد الدار يستأثرون بهذه المفاخر، وكاد يفضي الأمر إلى القتال لولا أن تدارك الأمرَ عقلاءُ الفريقين، فأعطوا بني عبد المناف السقاية والرفادة فدامتا فيهم إلى أن انتهتا للعباس بن عبد المطلب، ثم لبنيه من بعده، أما الحجابة فبقيت بيد بني عبد الدار، وأَقَرَّها لهم الشرع فهي فيهم إلى الآن. وهم بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار، وأما اللواء فدام فيهم حتى أبطله الإسلام، وجعله حقاً للخليفة على المسلمين يضعه فيمن يراه صالحاً له، وكذلك الندوة. وقصي (بن كلاب) من زوجه فاطمة بنت سعد، وهي يمانية من أزد شَنُوءَة. (ابن مرة) من زوجه هند بنت سرير من بني فهر بن مالك. (ابن كعب) من زوجه وحشية بنت شيبان من بني فهر أيضاً. (ابن لؤي) من زوجه أم كعب ماوِيَّة بنت كعب من قُضاعة. (ابن غالب) من زوجه أم لؤي سلمى بنت عمرو الخزاعي. (ابن فهر) من زوجه أم غالب ليلى بنت سعد من هُذيل. وفهر هو قريش ــــ في قول الأكثرين ـــــ وكانت قريش اثنتي عَشْرَة قبيلة: بنو عبد مناف، وبنو عبد الدار بن قصي، وبنو أسد بن عبد العُزَّى بن قصي، وبنو زهرة

بن كلاب، وبنو مخزوم بن يقظة بن مُرَّة، وبنو تيم بن مرّة، وبنو عدي بن كعب، وبنو سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب، وبنو عامر بن لؤي، وبنو تيم بن غالب، وبنو الحارث بن فهر، وبنو مُحارب بن فهر، والمقيمون منهم بمكة يسمون قريش البطاح، والذين بضواحيها قريش الظواهر. (ابن مالك) من زوجه جندلة بنت الحارث من جرهم. (ابن النضر) من زوجه عاتكة بنت عَدْوان من قيس عَيْلان. (ابن كنانة) من زوجه بَرَّة بنت مُر بن أُدّ. (ابن خُزَيمة) من زوجه عَوانة بنت سعد بن قيس عيلان. (ابن مُدركة) من زوجه سلمى بنت أسلم من قُضاعة. (ابن إلياس) من زوجه خِنْدِف المضروب بها المثل في الشرف والمنعة. (ابن مُضر) من زوجه الرباب بنت حيدة بن معدّ. (ابن نزار) من زوجه سَودة بنت عَكّ. (ابن معد) من زوجه مُعَانة بنت جوشم من جُرهم. (ابن عدنان).

هذا هو النسب المتفق على صحته من علماء التاريخ والمحدثين، أما النسب فوق ذلك فلا يصح فيه طريق، غاية الأمر أنهم أجمعوا على أن نسب الرسول صلى الله عليه وسلم ينتهي إلى إسماعيل بن إبراهيم أبي العرب المستعربة. نسب شريف كما ترى: آباء طاهرون وأمهات طاهرات، لم يزل عليه السلام ينتقل من أصلاب أولئك إلى أرحام هؤلاء حتى اختاره الله هادياً مهدياً من أوسط العرب نسباً. فهو من صميم قريش التي لها القدمُ الأولى في الشرف وعلو المكانة بين العرب، ولا تجد في سلسلة آبائه إلا كراماً ليس فيهم مسترذَل بل كلهم سادة قادة، وكذلك أُمهات آبائه من أرفع قبائلهنّ شأناً، ولا شك أن شرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة، وكل اجتماع بين آبائه وأمهاته كان شرعياً بحسب الأصول العربية، ولم ينل نسبه شيء من سفاح الجاهلية بل طهَّره الله من ذلك والحمد لله.

زواج عبد الله بآمنة وحملها

كان عبد الله بن عبد المطلب من أحب ولد أبيه إليه، فزوجه آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب، وسنُّه ثماني عشرة سنة، وهي يومئذٍ من أفضل نساء قريش نسباً وموضعاً، ولما دخل عليها حملت بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يلبث أبوه أن توفي بعد الحمل بشهرين، ودفن بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، فإنه كان قد ذهب بتجارة إلى الشام، فأدركته منيته بالمدينة وهو راجع، ولما تمّت مدة حمل آمنة وضعت ولدها، فاستبشر العالم بهذا المولود الكريم الذي بثّ في أرجائه روح الآداب وتمم مكارم الأخلاق. وقد حقق المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان صبيحة يوم الاثنين تاسع ربيع الأول الموافق لليوم العشرين من أبريل سنة (571) من الميلاد، وهو يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل، وكانت ولادته في دار أبي طالب بِشِعْب بني هاشم، وكانت قابلته الشَّفَّاء أم عبد الرحمان بن عوف، ولما ولد أرسلت أمه لجده تبشِّره، فأقبل مسروراً وسمّاه محمداً، ولم يكن هذا الاسم شائعاً قبلُ عند العرب، ولكن أراد الله أن يحقق ما قدّره وذكره في الكتب التي جاءت بها الأنبياء كالتوراة والإنجيل، فألهم جدَّه أن يسمّيه بذلك إنفاذاً لأمره، وكانت حاضِنته أم أيمن بركة الحبشية، أَمَة أبيه عبدِ اللَّهِ، وأول مَنْ أرضعه ثُوَيْبَةُ أَمَةُ عمه أبي لهب.

الرضاع

وكان من عادة العرب أن يلتمسوا المراضع لمواليدهم في البوادي ليكون أنجبَ للولد، وكانوا يقولون: إن المربَّى في المدن يكون كليلَ الذهن فاتر العزيمة، فجاءت نِسوة من بني سعد بن بكر يطلبن أطفالاً يرضعنهم، فكان الرضيع المحمود من نصيب حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، واسم زوجها أبو كبشة، وهو الذي كانت قريش تنسبُ له الرسول صلى الله عليه وسلم حينما يريدون الاستهزاء به فيقولون: هذا ابن أبي كبشة يُكلَّم من السماء ودُرّت البركات على أهل ذاك البيت الذين أرضعوه مدة وجوده بينهم وكانت تربو عن أربع سنوات.

حادثة شق الصدر

وحصل له وهو بينهم حادثة مهمة وهي شق صدره وإخراج حظ الشيطان منه، فأحدث ذلك عند حليمة خوفاً فردته إلى أمه وحدّثتها قائلة: بينما هو وإخوته في بَهْم لنا خلف بيوتنا إذ أتى أخوه يعدو، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه، فشَقَّا بطنه فهما يَسُوطانه. فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه منتقعاً لونه، فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك يا بنيّ؟ فقال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم. فأقبلا يبتدراني فأضجعاني فشقَّا بطني، فالتمسا فيه شيئاً، فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو.

وفاة آمنة وكفالة عبد المطلب ووفاته وكفالة أبي طالب

ثم إن أمه أخذته منها، وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه بني عدي بن النجار، وبينما هي عائدة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بالأبواء فحضنته أُمُّ أيمن، وكفله جده عبد المطلب، ورقَّ له رِقَّةً لم تُعْهَد له في ولده، لما كان يظهر عليه مما يدلّ على أن له شأْناً عظيماً في المستقبل، وكان يكرمه غاية الإكرام، ولكن لم يلبث عبد المطلب أن تُوفي بعد ثماني سنوات من عمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فكفله شقيق أبيه أبو طالب فكان له رحيماً وعليه غيوراً، وكان أبو طالب مُقلاً من المال فبارك الله له في قليله، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم في مدة كفالة عمه مثالَ القناعة والبعد عن السفاسف التي يشتغل بها الأطفال عادة، كما روت ذلك أُم أيمن حاضنته، فكان إذا أقبل وقتُ الأكل جاء الأولاد يختطفون وهو قانع بما سييسرُهُ الله له.

السفر إلى الشام

ولما بلغت سنُّه عليه الصلاة والسلام اثنتي عشرة سنة، أراد عمّه وكفيله السفر بتجارة إلى الشام، فاستعظم الرسول صلى الله عليه وسلم فراقه، فرقّ له، وأخذه معه، وهذه هي الرحلة الأولى، ولم يمكثوا فيها إلا قليلاً، وقد أشرف على رجال القافلة ــــ وهم بقرب بُصرى ــــ بحيرا الراهب، فسألهم عمّا رآه في كتبهم المقدسة من بعثة نبي من العرب في هذا الزمن، فقالوا: إنه لم يظهر للآن. وهذه العبارة كثيراً ما كان يلهج بها أهل الكتاب من يهود ونصارى قبل بعثة الرسول {فَلَمَّا جَآءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} (البقرة: 89).

حرب الفِجار

ولما بلغت سنّه عليه الصلاة والسلام عشرين سنة حضر حرب الفِجَارِ، وهي حرب كانت بين كِنانة ومعها قريش، وبين قيس. وسببها: أنه كانَ للنعمان بن المنذر ملكِ العرب بالحيرة تجارة يرسلها كل عام إلى سوق عُكاظ لتُباع له، وكان يرسلها في أمان رجل ذي منعةٍ وشرف في قومه ليجيزها فجلس يوماً وعنده البراض بن قيس الكناني ــــ وكان فاتكاً خليعاً خلعه قومه لكثرة شرّه ــــ وعروة بن عتبة الرحَّال فقال: مَنْ يُجيز لي تجارتي هذه حتى يبلغها عكاظ؟ فقال البرَّاض: أنا أُجيزها على بني كنانة، فقال النعمان: إنما أُريد مَنْ يُجيزُها على الناس كلهم. فقال عروة: أبيت اللعن أكلبٌ خليع يجيزها لك؟ أنا أجيزها على أهل الشيح والقَيْصوم من أهل نجد وتهامة. فقال البَرَّاض: أو تُجيزها على كنانة يا عروة؟ قال: وعلى الناس كلهم، فأسرَّها في نفسه، وتربَّص له حتى إذا خرج بالتجارة، قتله غدراً، ثم أرسل رسولاً يخبر قومه كنانة بالخبر، ويحذرهم قيساً قوم عروة. وأما قيس فلم تلبث بعد أن بلغها الخبر أن همّت لتدرك ثأرها، حتى أدركوا قريشاً وكنانة بنخلة، فاقتتلوا، ولما اشتدّ البأس وحميت قيس، احتمت قريش بحرمها، وكان فيهم رسول الله. ثم إن قيساً قالوا لخصومهم: إنّا لا نترك دم عروة، فموعدنا عكاظ العام المقبل، وانصرفوا إلى بلادهم يحرض بعضهم بعضاً، فلما حالَ الحَوْلُ جمعت قيس جُمُوعها وكانت معها ثقيف وغيرها، وجمعت قريش جموعها من كنانة والأحابيش ــــ وهم حلفاء قريش ــــ وكان رئيس بني هاشم الزبيرُبن عبد المطلب ومعه إخوته أبو طالب وحمزة والعباس وابن أخيه النبي الكريم، وكان على بني أميّة حرببن أميّة، وله القيادة العامة لمكانه في قريش شرفاً وسناً. وهكذا كان على كل بطن من بطون قريش رئيس، ثم تناجزوا الحرب، فكان يوماً من أشدّ أيام العرب هَولاً، ولما استُحِلَّ فيه مِنْ حُرُمات مكة التي كانت مقدسة عند العرب سُمي يوم الفِجار. وكادت الدائرة تدور على قيس

حتى انهزم بعض قبائلها ولكن أدركهم مَنْ دَعَا المتحاربين للصلح على أن يُحصُوا قتلى الفريقين، فمَن وجد قَتلاه أكثر أخذ ديَة الزائد، فكانت لقيس زيادة أخذوا ديتها من قريش وتعهد بها حرببن أمية، ورهن لسَدَادها ولده أبا سفيان. وهكذا انتهت هذه الحرب التي كثيراً ما تشبه حروب العرب تبدؤها صغيرات الأمور حتى ألّفَ الله بين قلوبهم وأزاح عنهم هذه الضلالات بانتشار نور الإسلام بينهم.

حِلف الفضول

وعند رجوع قريش من حرب الفِجَار تداعوا لحلف الفُضُول فتم في دار عبد اللهبن جُدْعَان التَّيْمِي أحد رؤساء قريش، وكان المتحالفون: بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف، وبني أسدبن عبد العزّى، وبني زهرةبن كلاب، وبني تَيْمبن مُرّة تحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه، حتى تردّ إليه مَظْلِمته، وقد حضر هذا الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أعمامه، وقال بعد أن شرّفه الله بالرسالة: «لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد اللهبن جُدعان ما أحبّ أن لي به حُمْر النَّعَمِ ولو دعيت به في الإسلام لأجبت» وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام مبعوث بمكارم الأخلاق، وهذا منها، وقد أقر دينُ الإِسلام كثيراً منها، يرشدك إلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» وقد دعا بهذا الحلف كثيرون فأنصفوا.

العودة إلي الأعلي


Responses

0 Respones to "كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للخضري"

Post a Comment

 

التعليق

Like Us to Subscribe

Subscribe via Google+

Google+
Return to top of page Copyright © 2010 - 2014 الكتب الإسلامية Disclaimer and Privacy Policy and Contact