Sunday, March 31, 2013

هجرة النبي الي المدينة

Tags

هجرة النبي الي المدينة


هجرة النبي الي المدينة أول جمعة إخوة الإسلام
كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للخضري

محتويات

العقبة الأولى

فلما كان العام المقبل قدم اثنا عشر رجلاً، منهم عَشَرة من الخزرج، واثنان من الأوس، وهم: أسعدبن زرارة، وعوف ومعاذ ابنا الحارث، ورافعبن مالك، وذكوانبن قيس، وعُبادةبن الصامت، ويزيدبن ثعلبة، والعباسبن عبادة، وعقبةبن عامر وقطبةبن عامر، وهؤلاء من الخزرج، وأبو الهيثمبن التَّيِّهان، وعُوَيمبن ساعدة وهما من الأوس، فاجتمعوا به عند العقبة، وأسلموا وبايعوا رسول الله على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على ألا يشركوا بالله شيئاً، ولا يسرقوا ولا يزنوا، ولا يقتلوا أولادهم، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، ولا يعصونه في معروف، فإن وَفَوا فلهم الجنة، وإن غَشوا من ذلك شيئاً فأمرهم إلى الله عز وجل، إن شاء غفر وإن شاء عذب، وهذه هي العقبة الأولى.

فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام مصعببن عمير العبدري وعبد الله ابن أُم مكتوم ــــ وهو ابن خالة خديجة ــــ يُقرآنهم القرآن، ويفقهانهم في الدين، ونزل مصعب على أحد المبايعين أبي أُمامة أسعدبن زرارة، وصار يدعو بقية الأوس والخزرج للإسلام. وبينما هو في بستان مع أسعدبن زرارة إذ قال سعدبن معاذ ــــ رئيس قبيلة الأوس ــــ لأُسَيْدبن حُضير ابن عم سعد: ألا تقوم إلى هذين الرجلين اللذين أتيا يُسَفِّهان ضعفاءنا لتزجرهما؟ فقام لهما أسيد بحربته، فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك فاصدق الله فيه، فلما وقف عليهما قال: ما جاء بكما تُسَفِّهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كان لكما بأنفسكما حاجة. فقال مصعب: أوَ تجلس فتسمع؟ فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره، فقرأ عليه مصعب القرآن فاستحسن دينَ الإسلام، وهداه الله له فتشهد ورجع إلى سعد، فسأله عمّا فعل، فقال: والله ما رأيتُ بالرجلين بأساً، فغضب سعد وقام لهما مغيظاً، ففعل معه مصعب كسابقه فهداه الله للإسلام، ورجع لرجال بني عبد الأشهل، وهم بطن من الأوس، فقال لهم: ما تعدُّونني فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا. قال: كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تُسلموا، فلم يبق بيت من بيوت بني عبد الأشهل إلا أجابه، وقد انتشر الإسلام في دور يثرب حتى لم يكن بينهم حديث إلا أمر الإسلام.

العقبة الثانية

ولما كان وقت الحج في العام الذي يلي البيعة الأولى، قدم مكة كثيرون منهم يريدون الحج، وبينهم كثير من مُشركيهم، ولما قابل وفدهم رسول الله، واعدوه المقابلة ليلاً عند العقبة، فأمرهم أن لا يُنبِّهوا في ذلك الوقت نائماً، ولا ينتظروا غائباً، لأن كل هذه الأعمال كانت خفية من قريش كيلا يطّلعوا على الأمر، فيسعَوا في نقض ما أبرم، شأنهم مع رسول الله في أول أمره. ولما فرغ الأنصار من حجهم توجهوا إلى موعدهم كاتمين أمرهم عمّن معهم من المشركين، وكان ذلك بعد مضي ثلث الليل الأول، فكانوا يتسللون الرجل والرجلين حتى تم عددهم ثلاثة وسبعين رجلاً، منهم اثنان وستون من الخزرج، وأحد عشر من الأوس، ومعهم امرأتان وهما: نُسَيبة بنت كعب من بني النجار، وأسماء بنت عمرو من بني سَلمة، ووافقهم رسول الله هناك وليس معه إلا عمه العباسبن عبد المطلب وهو على دين قومه، ولكن أراد أن يحضر أمر ابن أخيه ليكونَ متوثقاً له، فلما اجتمعوا عرَّفهم العباس بأن ابن أخيه لم يزل في مَنَعة من قومه حيث لم يمكِّنوا منه أحداً ممّن أظهر له العداوة والبغضاء، وتحملوا من ذلك أعظم الشدة، ثم قال لهم: إن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممّن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإلا فدعوه بين عشيرته فإنه لبمكان عظيم. فقال كبيرهم المتكلم عنهم البَراءبن معرور: والله لو كان لنا في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مُهَجنا دون رسول الله، وعند ذلك قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: خذ لنفسك ولربك ما أحببت. فقال: «أشترط لربي أن تعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم متى قدمتُ عليكم». فقال له أبو الهيثمبن التَّيِّهانِ: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال عهوداً وإنّا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم عليه الصلاة والسلام، وقال:

«بل الدَّمَ الدَّمَ والهَدْمَ الهَدْمَ»، أي: إن طالبتم بدم طالبت به وإن أهدرتموه أهدرته. وحينذاك ابتدأت المبايعة وهي العقبة الثانية، فبايعه الرجال على ما طلب، وأول من بايع أسعدبن زرارة، وقيل البراءبن معرور، ثم تخير منهم اثني عشر نقيباً، لكل عشيرة منهم واحد، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، وهم: أبو الهيثمبن التَّيِّهان، وأسعدبن زرارة، وأسيدبن حضير، والبراءبن معرور، ورافعبن مالك، وسعدبن خيثمة، وسعدبن الربيع، وسعدبن عبادة، وعبد اللهبن رواحة، وعبداللهبن عمرو، وعبادةبن الصامت، والمنذربن عمرو، ثم قال لهم: «أنتم كفلاء على قومكم ككفالة الحواريِّين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي» ولأمر ما أراده الله بَلَغَ خبرُ هذه البيعة مشركي قريش، فجاؤوا ودخلوا شِعْبَ الأنصار، وقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم لصاحبنا تخرجونه من أرضنا وتبايعونه على حربنا؟ فأنكروا ذلك، وصار بعض المشركين الذين لم يحضروا المبايعة يحلفون لهم أنهم لم يَحْصُل منهم شيء في ليلتهم وعبد اللهبن أُبَيّ كبير الخزرج يقول: ما كان قومي ليفتاتوا عليَّ بشيء من ذلك.

هجرة المسلمين إلى المدينة

ولما رجع الأنصار إلى المدينة ظهر بينهم الإسلام أكثر من المرة الأولى. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فازداد عليهم أذى المشركين لما سمعوا أنه حالف قوماً عليهم، فأمر عليه الصلاة والسلام جميع المسلمين بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يتسلَّلون خيفة قريش أن تمنعهم. وأول من خرج أبو سلمة المخزومي زوجُ أم سلمة ومعه زوجه، وكان قومها منعوها منه ولكنهم أطلقوها بعد فَلحقت به. وتتابع المهاجرون فراراً بدينهم ليتمكنوا من عبادة الله الذي امتزج حبّه بلحمهم ودمهم، حتى صاروا لا يعبؤون بمفارقة أوطانهم والابتعاد عن آبائهم ما دام في ذلك رضا الله ورسوله. ولم يبق بمكة منهم إلا أبو بكر وعلي وصهيب وزيدبن حارثة، وقليلون من المستضعفين الذين لم تمكِّنهم حالُهم من الهجرة، وقد أراد أبو بكر الهجرة فقال له عليه الصلاة والسلام: «على رِسْلك فإني أرجو أن يؤذن لي»، فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: «نعم». فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السَّمُر استعداداً لذلك.

دار الندوة

أما قريش فكانوا كأنهم أصيبوا بمَسِّ الشيطان حينما طرق مسامعهم مبايعة الأنصار له على الذَّود عنه حتى الموت، فاجتمع رؤساؤهم وقادتهم في دار الندوة وهي دار قصيّبن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها يتشاورون ما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خافوه، فقال قائل منهم: نخرجه من أرضنا كي نستريح منه، فرُفِض هذا الرأي لأنهم قالوا: إذا خرج اجتمعت حوله الجموع لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه. وقال آخر: نُوْثقه ونحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت، فرُفِض هذا الرأي كسابقه، لأنهم قالوا: إن الخبر لا يلبث أن يبلغ أنصاره، ونحن أدرى الناس بمن دخل في دينه حيث يُفَضِّلونه على الآباء والأبناء، فإذا سمعوا ذلك جاؤوا لتخليصه وربما جرّ هذا من الحرب علينا ما نحن في غِنى عنه. وقال لهم طاغيتهم: بل نقتله، ولنمنع بني أبيه من الأخذ بثأره، نأخذ من كل قبيلة شاباً جلداً يجتمعون أمام داره، فإذا خرج ضربوه ضربة رجل واحد، فيفترق دمه في القبائل فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قريش كلهم بل يرضون بالدية، فأقرّوا هذا الرأي. هذا مكرهم، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال: 30) فأعلم نبيه بما دبره الأعداء في سرّهم، وأمره باللحاق بدار هجرته، بدار فيها ينشر الإسلام، ويكون فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم العزة والمنعة. وهذا من الحكمة بمكان عظيم فإنه لو انتشر الإسلام بمكة لقال المبغضون: إن قريشاً أرادوا مُلْكَ العرب، فعمَدوا إلى شخص منهم، وأوعزوا إليه أنْ يدَّعي هذه الدعوى حتى تكون وسيلة لنيل مآربهم، ولكنهم كانوا له أعداء ألدَّاء، آذوه شديد الأذى حتى اختار الله له مفارقة بلادهم والبعد عنهم.

هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم

فتوجه من ساعته إلى صديقه أبي بكر، وأعلمه أن الله قد أذِنَ له في الهجرة فسأله أبو بكر الصحبةَ، فقال: نعم، ثم عرض عليه إحدى راحلتيه اللتين كانتا معدَّتين لذلك، فجهزهما أحثّ الجهاز، وصُنعت لهما سُفْرَة في جِرَاب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر نِطاقها، وربطت به على فم الجراب، واستأجرا عبد اللهبن أُرَيقط من بني الدِّيلبن بكر، وكان هادياً ماهراً، وهو على دين كفار قريش فأمِنَاه ودفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ. ثم فارق الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر وواعده المقابلة ليلاً خارج مكة، وكانت هذه الليلة هي ليلة استعداد قريش لتنفيذ ما أقرّوا عليه، فاجتمعوا حول باب الدار، ورسول الله داخله، فلما جاء ميعاد الخروج، أمر ابن عمه عليّاً بالمبيت مكانه كيلا يقع الشك في وجوده أثناء الليل، فإنهم كانوا يرددون النظر من شقوق الباب ليعلموا وجوده، ثم سجَّى عليَّاً ببرده، وخرج على القوم وهو يقرأ: {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ(9)

أما المشركون فلما علموا بفساد مكرهم وأنهم إنما باتوا يحرسون عليبن أبي طالب لا محمدبن عبد الله، هاجت عواطفهم، فأرسلوا الطلب من كل جهة، وجعلوا الجوائز لمن يأتي بمحمد أو يدل عليه، وقد وصلوا في طلبهم إلى ذلك الغار الذي فيه طِلْبَتُهم بحيث لو نظر أحدهم تحت قدميه لنظرهما، حتى أبكى ذلك أبا بكر، فقال له عليه الصلاة والسلام: لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} (التوبة: 40) فأعمى الله أبصار المشركين حتى لم يَحِنْ لأحد منهم التفاتة إلى ذلك الغار بل صار أعدى الأعداء أميةبن خلف يبعد لهم اختفاء المطلوبين في مثل هذا الغار. فأقاما فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب. وكان يبيتُ عندهم عبد اللهبن أبي بكر وهو شاب ثقفٌ ولَقِنٌ فَيُدْلِج من عندهما بسَحَر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت بها، فلا يسمع أمراً يكتادون به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، وكان عامربن فُهَيرة يروح عليهما بقطعة من غنم يرعاها حين تذهب ساعة من العشاء، ويغدو بها عليهما، فإذا خرج من عندهما عبد الله تَبع أثره عامر بالغنم كيلا يظهر لقدميه أثر. ولما انقطع الطلب خرجا بعد أن جاءهما الدليل بالراحلتين صبح ثلاث، وسارا متبعين طريق الساحل.

وفي الطريق لحقهم طالباً، سُراقةبن مالك المُدْلِجي، وكان قد رأى رُسُلَ مشركي قريش يجعلون في رسول الله وأبي بكر دية كل واحد منهما مئة ناقة لمن قتله أو أسره. فبينما هو في مجلس من مجالس قومهبن مُدلِج إذ أقبل رجل منهم حتى قام عليهم وهم جلوس فقال: يا سُراقة إني رأيت آنفاً أَسْودَةً بالساحل أراها محمداً وأصحابه، فعرف سراقة أنهم هم، ولكنه أراد أن يثني عزم مُخبره عن طلبهم، فقال: إنك رأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا يبتغون ضَالَّةً لهم، ثم لبث في المجلس ساعة، وقام وركب فرسه، ثم سار، حتى دنا من الرسول ومن معه، فعثرت به فرسه فخرّ عنها، ثم ركبها ثانياً وسار حتى صار يسمع قراءة المصطفى وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكثِر الالتفات فساخت قائمتا فرس سراقة في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخرّ عنها، ثم زجرها حتى نهضت، فلم تكد تُخرج يديها حتى سَطَع لأثرهما غبار ساطع في السماء مثل الدخان، فعلِمَ سراقة أن عمله ضائع سُدًى، وداخله رعب عظيم، فناداهما بالأمان فوقف عليه الصلاة والسلام ومَنْ معه حتى جاءهم، ويقول سُراقة: وقع في نفسي حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله، فقلت: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرهما بما يريد بهما الناس، وعرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئاً بل قالا له: أخفِ عنّا، فسأله سراقة أن يكتب له كتابَ أمنٍ، فأمر أبا بكر فكتب. وبذلك انقضت هذه المشكلة التي أظهر الله فيها عنايته برسوله.

وكان أهل المدينة حينما سمعوا بخروج رسول الله وقدومه عليهم يخرجون إلى الحَرَّة حتى يردّهم حرُّ الظهيرة، فانقلبوا يوماً بعد أن طال انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أُطُم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله وأصحابه يزول بهم السراب يظهرهم تارة ويخفيهم أخرى، فقال اليهودي بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جَدُّكُم ــــ أي حظكم ــــ الذي تنتظرون، فثاروا إلى السلاح فتلقَّوا رسول الله بظهر الحَرَّة.

النزول بقُباء

فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمروبن عوف بقباء. والذي حققه المرحوم محمود باشا الفلكي أن ذلك كان في اليوم الثاني من ربيع الأول الذي يوافق 20 سبتمبر سنة 622، وهذا أول تاريخ جديد لظهور الإسلام بعد أن مضى عليه ثلاث عشرة سنة، وهو مضيق عليه من مشركي قريش، ورسول الله ممنوع من الجهر بعبادة ربه، أما الآن فقد آواه الله هو وصحابته رضوان الله عليهم بعد أن كانوا قليلاً يتخطفهم الناس.

هجرة الأنبياء

وبهذه الهجرة تمّت لرسولنا صلى الله عليه وسلم سُنَّةُ إخوانه من الأنبياء من قبله، فما من نبي منهم إلا نَبَتْ به بلاد نشأته، فهاجر عنها، من إبراهيم أبي الأنبياء، وخليل الله، إلى عيسى كلمة الله وروحه، كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم أهينوا من عشائرهم، فصبروا ليكونوا مثالاً لمن يأتي بعدهم من متّبعيهم في الثبات والصبر على المكاره ما دام ذلك في طاعة الله. فَسَلْ مصر وتاريخها تُنبئك عن إسرائيل (يعقوب) وبنيه أنهم هاجروا إليها حينما رأوا من بَنِيها ترحيباً بهم، وتركهم وما يعبدون إكراماً ليوسف وحكمته. ولما مضت سنون، نسي فيها المصريون تدبير يوسف وفضله عليهم، فاضطهدوا بني إسرائيل وآذوهم، خرج بهم موسى وهارون ليتمكنوا من إعطاء الله حقه في عبادته، وهرب المسيح عليه السلام من اليهود حينما كذَّبوه، فأرادوا الفتك به حتى كان من ضمن تعاليمه لتلاميذه: طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات ثم قال بعد: افرحوا وتهلّلوا لأن أجركم عظيم في السموات فإنهم طردوا الأنبياء الذين قبلكم. وسَل القرى التي حلّت بها نقمة الله بكفر أهلها كديار لوط وعاد وثمود تنبئك عن مُهَاجَرة الأنبياء منها قبل حلول النقمة، فلا غرابة أن هاجر عليه الصلاة والسلام من بلاد منعه أهلها من تتميم ما أراده الله {سُنَّةَ اللَّهِ فِى الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً(62)

أعمال مكة

هذا، ولنبيّن لك مجمل ما دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام بمكة من أصول الدين وذلك أمران:

الأول: الاعتقاد بوحدانية الله وأن لا يُشرك معه في العبادة غيره، سواء كان ذلك الغير صنماً كما يفعل مُشرِكو مكة، أو أباً أو زوجةً أو بنتاً كما عليه بعض الطوائف الأخرى كالنصارى، ولولا الاعتقاد بوحدانية الله ما كَلَّف أحد نفسه تكاليف الحياة من آداب الأخلاق بل كان يسير فيما تأمره به نفسه من شهواتها وملذاتها ما دام ذلك خافياً عن الناس.

الثاني: الاعتقاد بالبعث والنشور وأن هناك يوماً ثانياً للإنسان يُجازى فيه على ما صنعه في الدنيا إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر، وعلى هذين الأمرين جاء غالب الآي المكيّة، فقلّما نرى سورة من سور مكة إلا مشحونة بالاستدلال عليهما وتوبيخ من تركهما، وكل ذلك بأساليب تأخذ بالعقل، وبراهين لا تحتاج لفلسفة الذين يشغلون أنفسهم بما لا طائل تحته ممّا يضيع الوقت سدًى. ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة من القرآن معظمه، وهو ما عدا ثلاثاً وعشرين سورة منه، وهي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، النور، الأحزاب، القتال، الفتح، الحجرات، الحديد، المجادلة، الحشر، الممتحنة، الصف، الجمعة، المنافقون، التغابن، الطلاق، التحريم، النصر، هذه كلها مدنية وباقي القرآن مكّي.
ولما نزل عليه الصلاة والسلام بقُباء، نزل على شيخ بني عمرو كُلثومبن الهدم، وكان يجلس للناس ويتحدث لهم في بيت سعدبن خَيثمة لأَنَه كان عزباً. ونزل أبو بكر بالسُّنْح (محلة بالمدينة) على خارجةبن زيد من بني حارث من الخزرج.

مسجد قُباء

وأقام رسول الله بقباء ليالي أسّس فيها مسجد قباء الذي وصفه الله بأنه مسجد أُسس على التقوى من أول يوم، وصلَّى فيه عليه الصلاة والسلام بمن معه من الأنصار والمهاجرين، وهم آمنون مطمئنون، وكانت المساجد على عهد رسول الله في غاية من البساطة ليس فيها شيء مما اعتاده بُناة المساجد في القرون الأخيرة، لأن الرسول وأصحابه لم يكن جُلُّ همّهم إلا منصرفاً لتزيين القلوب، وتنظيفها من حظ الشيطان، فكان سور المسجد لا يتجاوز القامة وفوقه مظلة يُتَّقى بها حرّ الشمس.

الوصول إلى المدينة

ثم تحوَّل عليه الصلاة والسلام إلى المدينة والأنصار محيطون به متقلدي سيوفهم، وهنا حدّث ولا حَرَج عن سرور أهل المدينة، فكان يومُ تحوله إليهم يوماً سعيداً لم يُروا فرحين بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البَدرُ علينامن ثَنِيَّاتِ الوداعوجب الشكر عليناما دعا لله داعأيُّها المبعوثُ فيناجئت بالأمرِ المُطاع وكان الناس يسيرون وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين ماشٍ وراكب يتنازعون زمام ناقته، كلٌّ يريد أن يكون نزيله.

أول جمعة

وأدركته عليه الصلاة والسلام صلاة الجمعة في بني سالمبن عوف، فنزل وصلاّها وهذه أول جمعة له عليه الصلاة والسلام، وأول خطبة خطبها عليه الصلاة والسلام حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد، أيها الناس فقدموا لأنفسكم، تَعْلُمنَّ والله ليُصْعَقَنَّ أحدُكم، ثم ليَدَعَنَّ غَنمه ليس لها راعٍ، ثم ليقولَنَّ له ربه ــــ ليس له تَرجمان ولا حاجب يحجبه دونه ــــ: ألم يأتك رسولي فبلَّغك، وآتيتك مالاً، وأفضَلتُ عليك؟ فما قدَّمْتَ لنفسك؟ فَلَينظُرنَّ يميناً وشِمالاً فلا يرى شيئاً، ثم ليَنظرنَّ قُدَّامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يَقِيَ وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة؛ فإنّ بها تُجْزَى الحسنةُ عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

النزول على أبي أيوب

ثم ساروا وكلما مرّوا على دار من دور الأنصار يتضرّعُ إليه أهلها بأن ينزل عندهم، ويأخذون بزمام الناقة، فيقول: «دعوها فإنها مأمورة»، ولم تَزَل سائرةً حتى أتت بِفنَاء بني عديبن النجار (وهم أخواله الذين تزوج منهم هاشم جده) فبركت بمحلة من محلاتهم أمام دار أبي أيوب الأنصاري، واسمه خالدبن زيد، وذلك مَحل مسجده الشريف، فقال عليه الصلاة والسلام: «ههنا المنزل إن شاء الله» رَّبّ أَنزِلْنِى مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ} (المؤمنون: 29) فاحتمل أبو أيوب رَحْله ووضعه في منزله، وجاء أسعدبن زرارة فأخذ بزمام ناقته فكانت عنده، وخرجت ولائد بني النجار يقلن:

نَحْنُ جَوارٍ من بني النَّجَّارِيا حبّذا محمدٌ مِنْ جَارِ فخرج إليهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتحببنني؟» فقلن: نعم، فقال: «الله يعلم أن قلبي يحبكن» واختار عليه الصلاة والسلام النزول في الدَّوْرِ الأسفل من دار أبي أيوب ليكون أريح لزائريه، ولكن لم يرضَ رضي الله عنه ذلك كرامة لرسول الله لما يمكن أن يصيبه من التراب الذي يُحدِثه وطء الأقدام أو الماء الذي يهراق، فقد اتفق أن كُسرت من زوجته جرّة ماء بالليل، فقام هو وهي بقطيفتهما التي ليس لهما غيرُها، يمسحان الماء خوفاً على رسول الله، ولذلك لم يَزَلْ أبو أيوب يستعطفه حتى كان في العِلْو، وكانت تأتيه الجِفَانُ كل ليلة من سرَاة الأنصار كسعدبن عبادة وأسعدبن زرارة وأُم زيدبن ثَابت، فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاث أو الأربع من جفان الثريد.

نزول المهاجرين

ولما تحول مع رسول الله أغلب المهاجرين تنافس فيهم الأنصار، فحكَّموا القرعة بينهم، فما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقُرعة.

أُخُوَّةُ الإسلام

ومن يتأمل إلى هذه المحبة التي يستحيل أن تكون بتأثير بشر، بل بفضل من الله ورحمته، يفهم كيف انتصر هؤلاء الأقوام على معانديهم من المشركين وأهل الكتاب مع قلّة العَدد والعُدد.

وكان الأنصار يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، قال تعالى في سورة الحشر: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9). وهذا أعلى درجات الأخوة، وكل ذلك كانوا يرونه قليلاً بالنسبة لما وجب عليهم لإخوانهم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُمَكِّنَ بينهم الإخاء، آخى بين المهاجرين والأنصار، فكان كل أنصاري ونزيلُه أخوين في الله. ومن العبث أن نكلف القلم أن يوضّح للقارىء أن هذه الأخوة كانت أرقى بكثير من الأخوة العصبية، بل نَكِلُ ذلك للإحساس الإسلامي فإنه أفصح منطقاً من القلم. وعلى الإجمال فتلك قلوب أَلَّفَ الله بينها حتى صارت شيئاً واحداً في أجسام متفرقة، وعسى الله أن يوفّق مسلمي عصرنا إلى هذا الإخاء حتى يسودوا كما ساد المتحدون، وكان هذا الإخاء على المواساة والحق، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام، وكان عليه الصلاة والسلام يقول لكل اثنين: «تآخيا في الله أخَوين أخوين» ودام هذا الميراث إلى أن أنزل الله سبحانه قوله في سورة الأحزاب: {وَأُوْلُو الاْرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِى كِتَابِ اللَّهِ} (الأحزاب: 6).

هجرة أهل البيت

ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة أرسل زيدبن حارثة وأبا رافع إلى مكة ليأتيا بمن تخلّف من أهله، وأرسل معهما عبد اللهبن أُرَيقط يدلهما على الطريق، فقَدِما بفاطمة وأُم كلثوم ابنتيه عليه الصلاة والسلام، وسَودة زوجه، وأُم أيمن زوج زيد وابنهما أسامة، وأما زينب فمنعها زوجها أبو العاصبن الربيع، وخرج من الجميع عبد اللهبن أبي بكر بأُمّ رومان، زوج أبيه، وعائشة أخته، وأسماء زوج الزبيربن العوّام، وكانت حاملاً بابنها عبد الله، وهو أول مولود للمهاجرين بالمدينة.

حُمَّى المدينة

ولم يكن هواء المدينة في البدء موافقاً للمهاجرين من أهل مكة، فأصاب كثيراً منهم الحُمَّى، وكان رسول الله يعُودهم، فلما شَكوا إليه الأمر قال: «اللهمّ حبب إلينا المدينة كما حببتَ إلينا مكة وأشد، وبارك لنا في مُدِّها وفي صاعها، وانقل وباءها إلى الجُحْفَة». فاستجاب الله جَلَّ وعلا دعوته، وعاش المهاجرون في المدينة بسلام.

منع المستضعفين من الهجرة

ومنع مشركو مكة بعضاً من المسلمين عن الهجرة، وحبسوهم وعذبوهم، منهم: الوليدبن الوليد، وعيَّاشبن أبي ربيعة، وهشامبن العاص، فكان عليه الصلاة والسلام يدعو لهم في صلاته، وهذا أصل القنوت، وقد حصل في أوقات مختلفة وَمحالّ في الصلاة مختلفة، فكان في وتر العشاء، وصلاة الصبح بعد الركوع وقبله، فروى كل صحابي ما رآه، وهذا سبب اختلاف الأئمة في مكان القنوت.


EmoticonEmoticon