Tuesday, April 2, 2013

السنة التاسعة والسنة العاشرة من الهجرة النبوية

Tags

السنة التاسعة والسنة العاشرة من الهجرة النبوية


السنة التاسعة والسنة العاشرة من الهجرة النبوية
كتاب نور اليقين في سيرة سيد المرسلين للخضري

محتويات

السَّنَة التّاسِعَة

سرية

في ربيع الأول أرسل عليه الصلاة والسلام عليبن أبي طالب في مائة راكب وخمسين فارساً لهدم الفُلُس ــــ صنمٍ لطيىء ــــ فسار إليه وهدمه وأحرقه، ولما حارب عُبَّاده هزمهم واستاق نَعَمهم وشاءهم وسبيهم، وكان فيه سَفَّانةُ بنت حاتم طيّىء. ولما رجع علي إلى المدينة طلبت سفَّانة من رسول الله أن يَمُنَّ عليها، فأجابها لأنه كان من سنته صلى الله عليه وسلم أن يكرم الكرام، فدعت له، وكان من دعائها: شكرتْكَ يد افتقرت بعد غنى، ولا ملكتكَ يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة كريم إلا وجعلك سبباً لردّها عليه. وكانت هذه المعاملة من رسول الله سبباً في إسلام أخيها عديبن حاتم الطائي الذي كان فرّ إلى الشام عندما رأى الرايات الإسلامية قاصدة بلاده، وكان من حديث مجيئه أن أخته توجهت إليه بالشام، وأخبرته بما عُوملت به من الكرم، فقال لها: ما ترين في أمر هذا الرجل؟ فقالت: أرى أن تلحق به سريعاً، فإن يكن نبياً فللسابق إليه فضل، وإن يكن ملكاً فأنت أنت. قال: والله هذا هو الرأي.

وفود عديبن حاتم

فخرج حتى جاء المدينة، ولقي رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «من الرجل؟» قال: عديبن حاتم، فأخذه إلى بيته، وبينما هما يمشيان إذ لقيت رسول الله امرأة عجوز، فاستوقفته، فوقف لها طويلاً تُكَلمه في حاجتها، فقال عدي: والله ما هو بملك. ثم مضى رسول الله حتى إذا دخل بيته تناول وِسادة من جلد محشوّة ليفاً فقدّمها إلى عدي، وقال: «اجلسْ على هذه». فقال: بل أنت تجلس عليها، فامتنع عليه الصلاة والسلام وأعطاها له، وجلس هو على الأرض، ثم قال: «يا عدي أسلم، تسلمْ» قالها ثلاثاً، فقال عدي: إني على دين، وكان نصرانياً. فقال له عليه الصلاة والسلام: «أنا أعلم بدينك منك» فقال عدي: أأنت أعلم بديني منّي؟ قال: «نعم». ثم عدّد له أشياء كان يفعلها اتباعاً لقواعد العرب وليست من دين المسيح في شيء، كأخذه الرباع وهو ربع الغنائم. ثم قال: «يا عدي إنما يمنعك من الدخول في الدين ما ترى، تقول: إنما اتَّبعه ضَعَفةُ الناس ومن لا قدرة لهم، وقد رمتهم العرب مع حاجتهم، فوالله ليُوشكَنَّ المالُ أن يفيض فيهم حتى لا يُوجد مَنْ يأخذه، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، أتعرف الحِيْرة؟» قال: لم أرها وقد سمعت بها، قال: «فوالله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى تخرج المرأة من الحيرة تطوف بالبيت من غير جوار أحد، ولعلّك إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكنَّ أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت عليهم». فأسلم عدي رضي الله عنه وعاش حتى رأى كل ذلك.

غزوة تَبُوك

بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم جمعت الجموع تريد غزوه في بلاده، وكان ذلك في زمن عُسْرة الناس، وجدب البلاد، وشدة الحرّ حين طابت الثمار، والناس يحبّون المقام في ثمارهم وظلالهم، فأمر عليه الصلاة والسلام بالتجهز، وكان قلّما يخرج في غزوة إلا ورّى بغيرها، ليُعَمِّي الأخبار على العدو إلا في هذه الغزوة، فإنه أخبر بمقصده لبُعد الشّقةِ ولشدة العدوِّ، ليأخذ الناس عدّتهم لذلك، وبعث إلى مكة وقبائل الأعراب يستنفرهم لذلك، وحثَّ الموسرين على تجهيز المعسرين، فأنفق عثمانبن عفان عَشَرةَ آلاف دينار، وأعطى ثلاثمائة بعير بعير بأحلاسها وأقتابها، وخمسين فرساً، فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهمّ ارضَ عن عثمان فإني راضٍ عنه». وجاء أبو بكر بكل ماله وهو أربعة آلاف درهم، فقال صلى الله عليه وسلم: «هل أبقيت لأهلك شيئاً؟» فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، وجاء عمربن الخطاب بنصف ماله، وجاء عبد الرحمانبن عوف بمائة أوقية، وجاء العباس وطلحة بمال كثير. وتصدّق عاصمبن عدي بسبعين وسْقاً من تمر، وأرسلت النساء بكل ما يقدرن عليه من حيلهن، وجاءه صلى الله عليه وسلم سبعةُ أنفس من فقراء الصحابة يطلبون إليه أن يحملهم. فقال: «لا أجد ما أحملكم عليه». فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَناً ألاّ يجدوا ما يُنفقون. فجهز عثمان ثلاثة منهم، وجهز العباسُ اثنين، وجهز يامينبن عمرو اثنين.

ولما اجتمع الرجال خرج بهم رسول الله وهم ثلاثون ألفاً، وولّى على المدينة محمدبن مسلمة، وعلى أهله عليبن أبي طالب، وتخلَّفَ كثير من المنافقين يرأسهم عبد اللهبن أُبَيّ، وقال: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والحر والبلد البعيد أيحسبُ محمد أن قتال بني الأصفر معه اللعب؟ والله لكأني أنظر إلى أصحابه مقرّنين في الحبال. واجتمع جماعة منهم، فقالوا في حق رسول الله وأصحابه ما يريدون من الإرجاف، فبلغه ذلك، فأرسل إليهم عمّاربن ياسر يسألهم عمّا قالوا، فقالوا: إنما كنّا نخوض ونلعب.

وجاء إليه جماعة منهم الجدبن قيس يعتذرون عن الخروج، فقالوا: يا رسول الله ائذن لنا ولا تفتنّا لأنّا لا نأمن من نساء بني الأصفر، وجاء إليه المعذِّرون من الأعراب ــــ وهم أصحاب الأعذار من ضعف أو قلّة ــــ ليؤذن لهم فأذن لهم، وكذلك استأذن كثير من المنافقين فأذن لهم، وقد عتب الله عليه في ذلك الإذن بقوله في سورة براءة: عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ(43) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ(45) وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لاعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَاكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ(46) لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولاَوْضَعُواْ خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ(47)

ولما استراح الجيش لحقه أبو خيثمة، وكان من خبر مجيئه أن دخل على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في بستان، قد رشت كلٌّ منهما عريشها، وبرَّدت فيها ماء، وهيأتْ طعاماً، وكان يوماً شديد الحر، فلما نظر ذلك قال: يكون رسول الله في الحر وأبو خيثمة في ظل بارد وماء مهيأ وامرأة حسناء ما هذا بالنَّصَف. ثم قال: والله لا أدخل عريشَ واحدة منكما حتى ألحق برسول الله فهيّئا لي زاداً ففعلتا، ثم ركب بعيره، وأخذ سيفه ورمحه، وخرج يريد رسول الله فصادفه حين نزل بتبوك.

وفود صاحب أَيْلة

هذا ولم يرَ صلى الله عليه وسلم بتبوك جيشاً كما كان قد سمع، فأقام هناك أياماً جاءه في أثنائها يُحَنَّة، صاحب أيلة، وصحبته أهلُ جَرْباء، وأهل أَذْرُح، وأهل مَقْنا، فصالح يُحَنَّة رسول الله على إعطاء الجزية، ولم يسلم. وكتب له الرسول كتاباً هذه صورته:

كتاب صاحب أيلة

«بسم الله الرحمان الرحيم، هذا أَمَنَةٌ من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنَّةبن رؤبة وأهل أيلة: سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثاً فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه لَطيبةٌ لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحلّ أن يُمنعوا ماء يردونه، ولا طريقاً يريدونه من بر أو بحر».

كتاب أهل أَذْرُح وجَرْبَاء

وكتب لأهل أذرح وجرباء كتاباً صورته: «بسم الله الرحمان الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي لأهل أذرح وجرباء، إنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد، وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة، والله كفيل بالنصح والإحسان للمسلمين».
وصالَح أهل مَقْنا على ربع ثمارها.

ثم إن الرسول استشار أصحابه في مجاوزة تبوك إلى ما هو أبعد منها من ديار الشام، فقال له عمر: إن كنت أُمرت بالسير فسِرْ. فقال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت أُمرت بالسير لم أَسْتَشِرْ». فقال: يا رسول الله إن للروم جموعاً كثيرة، وليس بالشام أحد من أهل الإسلام، وقد دنونا، وقد أفزعهم دنوُّك، فلو رجعنا في هذه السنة حتى نرى أو يحدث الله أمراً، فتبع عليه الصلاة والسلام مشورته، وأمر بالقفول فرجع الجيش إلى المدينة.

مسجد الضِّرار

ولما كان على مقربة منها، بلغه خبر مسجد الضِّرار وهو مسجد أسَّسه جماعةٌ من المنافقين معارضة لمسجد قُباء، ليفرقوا جماعة المسلمين. وجاء جماعة منهم إلى الرسول طالبين منه أن يصلِّي لهم فيه، فسألهم عن سبب بنائه، فحلفوا بالله إن أردنا إلا الحسنى، والله يشهد إنهم لكاذبون، فأمر عليه الصلاة والسلام جماعة من أصحابه لينطلقوا إليه، ويهدموه، ففعلوا. هذا، ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة جاءه جماعات من الذين تخلفوا يعتذرون كذباً، فقبل منهم عليه الصلاة والسلام علانيتهم، ووكل ضمائرهم إلى الله، واستغفر لهم.

حديث الثلاثة الذين خُلِّفوا

وجاءه كعبُبن مالك الخزرجي، ومُرارةبن الرّبيع، وهلالبن أميَّة الأوسيّان مقرِّين بذنوبهم، فلما دخل عليه كعب تَبَسَّم تَبَسُّمَ الغَضب، وقال: «ما خلَّفك؟» فقال: يا رسول الله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أُوتيتُ جدلاً، ولكني والله لقد علمتُ لئن حدَّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكَنَّ الله أن يسخط عليَّ فيه، ولئن حدثتك حديث صِدق تغضب عليَّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله، والله ما كان لي من عذر. فقال عليه الصلاة والسلام: «أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك». وقال صاحباه مثل قوله، فقال لهما عليه الصلاة والسلام كما قال لكعب، ونهى المسلمين عن كلامهم، فاجتنبهم الناس، وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم، واستأذنت زوجُ هلالبن أمية في خدمة زوجها لأنه شيخ ضائع ليس له خادم فأذن لها، ولم يزالوا كذلك حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم، فأرسل لهم عليه الصلاة والسلام من يبشرهم بهذه النعمة الكبرى، فتلقاهم الناس أفواجاً يهنئونهم بتوبة الله. فلما دخل كعب المسجد تلقاه رسول الله مسروراً، فقال: «أبشر يا كعب بخير يوم يمر عليك منذ ولدتك أمك»، فقال: من عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «بل من عند الله». فقال كعب: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلعَ من مالي صدقة لله ولرسوله، فقال عليه الصلاة والسلام: «أمسكْ عليك بعض مالك فهو خير لك». ثم قرأ عليه الصلاة والسلام الآيات التي فيها توبته هو وصاحباه في سورة براءة: وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الارْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(118)

وفود ثقيف

وعقب مقدمه عليه الصلاة والسلام من تبوك وفد عليه وفد ثقيف، وكان من خبرهم، أنه لما انصرف رسول الله من محاصرتهم، تبع أثره عروةبن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل المدينة، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه ويدعوهم إلى الإسلام، فقال له: «إنهم قاتلوك». فقال: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم، فخرج إلى قومه يرجو منهم طاعته لمرتبته فيهم، لأنه كان فيهم محبباً مطاعاً، فلما جاء الطائف وأظهر لهم ما جاء به رموه بالنبل فقتلوه، وبعد شهر من مقتله ائتمروا فيما بينهم ورأوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، فأجمعوا أمرهم على أن يرسلوا لرسول الله رجلاً منهم يكلِّمه، وطلبوا من عبد ياليلبن عمرو أن يكون ذلك الرجل فأبى، وقال: لست فاعلاً حتى ترسلوا معي رجالاً، فبعثوا معه خمسة من أشرافهم، فخرجوا متوجهين إلى المدينة، ولما قابلوا رسول الله ضرب لهم قبة في ناحية المسجد ليسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلّوا. وكانوا يَغْدون إلى رسول الله كل يوم ويخلِّفون في رحالهم أصغرهم سنّاً عثمانبن أبي العاص. فكان إذا رجعوا ذهب للنبي واستقرأه القرآن، وإذا رآه نائماً استقرأ أبا بكر حتى حفظ شيئاً كثيراً من القرآن، وهو يكتم ذلك عن أصحابه، ثم أسلم القوم، وطلبوا أن يُعَيِّن لهم من يؤمُّهم، فأمَّرَ عليهم عثمانبن أبي العاص لما رآه من حرصه على الإسلام وقراءة القرآن وتعلم الدين.

كتاب أهل الطائف

ثم كتب لهم كتاباً من جملته: «بسم الله الرحمان الرحيم، من محمد النبي رسول الله إلى المؤمنين، إن عِضَاهَ وَجَ وَصَيْدَهُ حَرَامٌ، لا يُعْضَدُ شجره، ومن وُجد يفعل شيئاً من ذلك فإنه يجلد وتنزع ثيابه». ثم سألوا رسول الله أن يؤَجِّل هدم صنمهم شهراً حتى يدخل الإسلام في قلوب القوم، ولا يرتاع السفهاء من النساء من هدمه، فرضي بذلك عليه الصلاة والسلام، ولما خرجوا من عنده قال لهم رئيسهم: أنا أعلمكم بثقيف، اكتموا عنهم إسلامكم وخوِّفوهم الحرب والقتال، وأخبروهم أن محمداً طلب أموراً عظيمة أبيناها عليه. سألنا أن نهدم الطاغية، وأن نترك الزنا، وشرب الخمر والربا، فلما حلّوا بلادهم جاءتهم ثقيف، فقال الوفد: جئنا رجلاً فظّاً غليظاً قد ظهر بالسيف، ودان الناس له، فعرض علينا أموراً شديدة، وذكروا ما تقدم. فقالوا: والله لا نطيعه أبداً، فقالوا لهم: أصلحوا سلاحكم، ورمُّوا حصونكم، واستعدوا للقتال، فأجابوا، واستمروا على ذلك يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله الرعب في قلوبهم، فقالوا: والله ما لنا بحربه من طاقة، ارجعوا إليه وأعطوه ما سأل، فقال الوفد: قد قاضيناه وأسلمنا، فقالوا لِمَ كتمتم علينا ذلك؟ قالوا: حتى تذهب عنكم نخوة الشيطان فأسلموا.

هدم اللات

ولما بلغ رسولَ الله إسلام ثقيف أرسل أبا سفيان، والمغيرةبن شعبة الثقفي، لهدم اللات: صنم ثقيف بالطائف، فتوجهوا وهدموه حتى سوَّوْهُ بالأرض.

حج أبي بكر

وفي أُخريات ذي القعدة، أرسل عليه الصلاة والسلام أبا بكر ليحجّ بالناس، فخرج في ثلاثمائة رجل من المدينة، ومعه الهَدْي: عشرون بَدَنَةً أهداها رسول الله، وساق أبو بكر خمس بَدَنات، ولما سافر نزل على رسول الله أوائل سورة براءة، فأرسل بها عليّاً ليبلغها الناس في يوم الحج الأكبر، وقال: «لا يبلغُ عني إلا رجل منّي» فلحق أبا بكر في الطريق، فقال الصديق: هل استعملك رسول الله على الحج؟ قال: لا، ولكن بعثني أقرأ أو أتلو «براءة» على الناس. فلما اجتمعوا بمنى، يوم النحر، قرأ عليهم عليٌّ ثلاث عشرة آية من أول سورة براءة، تتضمن نبذ العهود لجميع المشركين الذين لم يوفّوا عهودهم، وإمهالهم أربعة أشهر يسيحون فيها في الأرض كيف شاؤوا، وإتمام عهد المشركين الذين لم يُظاهروا على المسلمين، ولم يغدروا بهم إلى مدتهم، ثم نادى: لا يحجُّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وكان علي يصلي في هذا السفر وراء أبي بكر رضي الله عنهما.

وفاة ابن أبيّ

وفي ذي القعدة مات عبد اللهبن أُبَيَ، وقد صلَّى عليه رسول الله صلاة لم يطل مثلها، وشَيَّعَ جنازته حتى وقف على قبره، وإنما فعل ذلك تطييباً لقلب ولده عبد اللهبن عبد الله، وتأليفاً لقلوب الخزرج لمكانة عبد اللهبن أبيّ فيهم، وقد نزع ربقة النفاق كثير من المنافقين بعد هذا اليوم، لما رأوه من أعمال السيد الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد نهى الله رسوله عن الصلاة على المنافقين، فقال جلّ شأنه في سورة براءة: وَلاَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} (التوبة: 84).

وفاة أُمّ كلثوم

وفي هذه السنة توفيت أُمّ كلثوم بنت رسول الله وزوج عثمان رضي الله عنهما.

السَّنَة العاشرة

سرية 1

في ربيع الآخر أرسل عليه الصلاة والسلام خالدبن الوليد في جمع لبني عبد المَدَان بنجران من أرض اليمن، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاث مرات فإن أبوا قاتلهم، فلما قدم إليهم بعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام ويقولون: أسلموا، تسلموا، فأسلموا ودخلوا في دين الله أفواجاً، فأقام خالد بينهم يعلمهم الإسلام والقرآن، وكتب إلى رسول الله بذلك، فأرسل إليه أن يقدم بوفدهم ففعل. وحين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم قال لهم: «بِمَ كنتم تغلبون مَنْ قاتلكم في الجاهلية؟» قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحداً بظلم، قال: «صدقتم» وأمَّر عليهم زيدبن حصين.

سرية 2

وفي رمضان أرسل عليه الصلاة والسلام علياً في جمع إلى بني مذْحِج ــــ قبيلة يمانية ــــ وعَمَّمه بيده، وقال: «سر حتى تنزل بساحتهم، فادعهم إلى قول: لا إله إلاّ الله، فإن قالوا: نعم، فَمُرْهُمْ بالصلاة ولا تبغِ منهم غير ذلك، وَلأَنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس، ولا تقاتلهم حتى يقاتلوك» فلما انتهى إليهم لقي جموعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، ورموا المسلمين بالنبل فصفَّ عليٌّ أصحابه وأمرهم بالقتال، فقاتلوا حتى هزموا عدوهم فكفَّ عن طلبهم، ثم لحقهم ودعاهم إلى الإسلام فأجابوا، وبايعه رؤساؤهم، وقالوا: نحن على مَنْ وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله، ففعل. ثم رجع إلى رسول الله فوافاه بمكة في حجة الوداع.

بعث العمال إلى اليمن

ثم بعث عليه الصلاة والسلام إلى اليمن عمالاً من قبله، فبعث معاذبن جبل على الكورة العليا من جهة عدن، وبعث أبا موسى الأشعري على الكورة السفلى، ووصّاهما صلى الله عليه وسلم بقوله: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا» وقال لمعاذ: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأَنَّ محمداً رسول الله، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائمَ أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» وقد مكث معاذ باليمن حتى توفي رسول الله، أما أبو موسى فقدم على الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع.

خطبة الوداع

وفي السنة العاشرة حج صلى الله عليه وسلم بالناس حجة ودّع فيها المسلمين، ولم يحج غيرها. وخرج لها يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة، وولّى على المدينة أبا دجانة الأنصاري، وكان مع الرسول جمع عظيم يبلغ تسعين ألفاً، وأحرم للحج حيث انبعثت به راحلته ثم لبّى، فقال: «لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شرك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والمُلْك لا شريك لك». ولم يَزَل صلى الله عليه وسلم سائراً حتى دخل مكة ضحى من الثنية العليا وهي ثنية كَدَاء. ولما رأى البيت قال: «اللهمّ زدْه تشريفاً وتعظيماً ومهابةً وبراً». ثم طاف بالبيت سبعاً، واستلم الحجر الأسود، وصلّى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم شرب من ماء زمزم، ثم سعى بين الصفا والمروة سبعاً راكباً على راحلته، وكان إذا صعد الصفا يقول: «لا إله إلا الله، الله أكبر، لا إله إلاّ الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». وفي الثامن من ذي الحجة توجه إلى منى فبات بها.

حجة الوداع

وفي التاسع منه توجه إلى عَرَفة، وهناك خطب خطبته الشريفة التي بيَّن فيها الدين كله أُسَّهُ وفرعه، وهاكَ نصها:
«الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. مَنْ يهدِ الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضْلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: أُوصيكم عباد الله بتقوى الله وأَحُثُّكُم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير، أما بعد: أيها الناس اسمعوا منّي أُبَيِّن لكم فإني لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيّها الناس إن دماءكم وأموالكم حرامٌ عليكم إلى أن تلقَوا ربَّكم، كحُرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهمّ فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها.

إن ربا الجاهلية موضوع، وإنَّ أول رباً أبدأ به ربا عمي العباسبن عبد المطلب، وإن دماءَ الجاهلية موضوعة وأوَّلُ دم أبدأ به دم عامربن ربيعةبن الحارث، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعَمْد قَوَدٌ، وَشِبْهُ العَمْد ما قُتِل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.

أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحقرِون من أعمالكم.
أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر يُضَلُّ به الذين كفروا يحلّونه عاماً، ويحرمونه عاماً، ليواطئوا عدة ما حرّم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عِدَّةَ الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حُرُمٌ، ثلاث متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جُمادى وشعبان، ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد.

أيُها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهنّ حقٌّ إلاّ يوطئن فرشَكُم غيركم، ولا يُدخلنَ أحداً تكرهونه بيوتَكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن، فإن الله أذن لكم أن تَعْضُلُوهُنَّ، وتهجروهُنَّ في المضاجع، وتضربوهنّ ضرباً غير مُبَرِّح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وإنما النساء عندكم عَوَان، لا يملكن لأنفسهنّ شيئاً، أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهنّ خيراً، ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد.

أيّها الناس إنما المؤمنون إخوة، ولا يَحِلُّ لامرىء مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلّغت؟ اللهمّ اشهد، فلا تَرْجِعُنَّ بعدي كُفَّاراً يضرب بعضكم رقابَ بعضٍ، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضِلوا بعده: كتاب الله، ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد.
أيها الناس إن ربكم واحد، وإنَّ أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضلٌ على عجمي إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد، فليبلغ الشاهدُ منكم الغائب.

أيُّها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز لوارثٍ وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش، وللعاهر الحَجَرُ، من ادّعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، والسلام عليكم ورحمة الله» وفي هذا اليوم امتنَّ الله على المؤمنين بقوله في سورة المائدة: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسْلاَمَ دِيناً} (المائدة: 3) فلا غرابة أن اتخذه المسلمون عيداً، ويوماً سعيداً، يُظهرون فيه شكر الله على هذه النعمة الكبرى. ثم إنه عليه الصلاة والسلام أدَّى مناسك الحج من رمي الجمار، والنحر، والحلق، والطواف. وبعد أن أقام بمكة عشرة أيام قَفَلَ إلى المدينة ولما رآها كبَّر ثلاثاً وقال: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده».

الوفود

في هذه السنة والتي قبلها كان وُفود العرب إلى رسول الله ليبايعوه على الإسلام، وكانوا يَقْدُمون أفواجاً، ولما في أخبار هذه الوفود من التعاليم الحميدة التي يحتاج ذو الأدب أن يعرفها، رأينا أن نذكر لك منها ما يزيدك يقيناً ويُنير بصيرتك فنقول:

وفود نَجْران

ومن الوفود وفد نصارى نجران، وكانوا ستين راكباً، دخلوا المسجد وعليهم ثياب الحِبَرَةِ وأردية الحرير، مختمين بالذهب، ومعهم بسط فيها تماثيل، ومُسُوحٌ جاؤوا بها هدية للنبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقبل البسط وقبل المُسُوح. ولما جاء وقت صلاتهم صلّوا في المسجد مستقبلين بيت المقدس.

ولما أتموا صلاتهم دعاهم عليه الصلاة والسلام للإسلام فأبوا وقالوا: كنّا مسلمين قبلكم، فقال عليه الصلاة والسلام: «يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولداً»، قالوا: فمن مثل عيسى خلق من غير أب؟ فأنزل الله في ذلك في سورة آل عمران: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(59) فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَآءنَا وَأَبْنَآءكُمْ وَنِسَآءنَا وَنِسَآءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ(61)

وفود ضِمَامبن ثعلبة

ومن الوفود ضمامبن ثعلبة، بينما رسول الله بين أصحابه متكئاً جاء رجل من أهل البادية، ثائر الرأس، يُسمع دوي صوته، ولا يُفْقَه ما يقول، فأناخ جمله في المسجد، ثم قال: أيّكم ابنُ عبد المطلب؟ فدلّوه عليه، فدنا منه وقال: إني سائلُكَ فمشدّدٌ عليك في المسألة، فلا تَجِدْ عليّ في نفسك. فقال: «سَلْ ما بدا لك»، فقال: أَنْشُدُك بالله، آلله أرسَلك إلى الناس كلِّهم؟ فقال: «نعم»، فقال: أَنْشُدُكَ بالله، آلله أمرك أن نصلّي خمسَ صلوات في اليوم والليلة؟ قال: «اللهمّ نعم»، فقال: أَنْشُدُكَ بالله، آلله أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فتردَّه على فقرائنا؟ قال: «اللهمّ نعم»، فقال: أَنْشُدُكَ بالله، آلله أمرك أن نحجَّ هذا البيت من استطاع إليه سبيلاً؟ قال: «اللهمّ نعم»، قال: فإني قد آمنتُ وصدقتُ وأنا ضِمَامُبن ثعلبة.
ولما ولَّى، قال عليه الصلاة والسلام: «فَقُهَ الرجل»، ثم ذهب ضمام إلى قومه، ودعاهم إلى الإسلام، وتركِ عبادة الأوثان فأسلموا كلهم.

وفود عبد القيس

ومن الوفود عبد القيس، وكان من خبرهم أن الرسول كان جالساً بين أصحابه يوماً، فقال لهم: «سيطلع عليكم من هنا ركبٌ هم خير أهل المشرق، لم يُكرهوا على الإسلام، قد أنضَوا الركائب، وأفنوا الزاد، اللهمّ اغفر لعبد القيس». فلما أتوا ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم رَمَوا بأنفسهم عن الركائب بباب المسجد، وتبادروا إلى رسول الله، يسلمون عليه، وكان فيهم عبد اللهبن عوف الأَشَجّ، وكان أصغرهم سنَّاً، فتخلَّفَ عند الركائب حتى أناخها وجمع المتاع، وأخرج ثوبين أبيضين فلبسهما، ثم جاء يمشي هَوْناً حتى سلَّم على رسول الله، وكان رجلاً دميماً، فَفَطِن لنظر الرسول إلى دَمَامته، فقال: يا رسول الله إنه لا يُستقى في مسوك ــــ أي: جلود ــــ الرجال، وإنما الرجل بأصغريه: قلبه ولسانه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن فيك خلتين يحبُّهما الله ورسوله: الحِلم والأناة».v وقد قال صلى الله عليه وسلم لهذا الوفد: «مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى»، فقالوا: يا رسول الله إنّا نأتيك من شُقَّةٍ بعيدة، وإنه يحول بيننا وبينك هذا الحيّ من كفار مُضر، وإنّا لا نصلُ إلاّ في شهر حرام، فمُرنا بأمرٍ فصل، فقال: «آمركم بالإيمان بالله. أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تُعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن الدُّبَّاء، والحَنتَمِ، والنَّقِير، والمزفَّت» والمراد بذلك: ما ينبذ في هذه الأواني. فقال الأشج: يا رسول الله إن أرضنا ثقيلة وخمة، وإنا إذا لم نشرب هذه الأشربة عظمت بطوننا، فَرَخِّص لنا في مثل هذه، وأشار إلى يده، فأومأ عليه الصلاة والسلام بكفّيه، وقال: «يا أشج إن رخصتُ لك في مثل هذه شربته في مثل هذه ــــ وفرج بين يديه وبسطه ــــ حتى إذا ثَمِلَ أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمه فضربَ ساقه بالسيف». وإنما خَصَّ عليه الصلاة والسلام نهيهم بما ذكر لكثرة الأشربة
بينهم.

وفود بني حَنيفة

ومن الوفود بنو حنيفة وكان معهم مُسَيلمة الكذاب، وكان مسيلمة يقول: إن جعل لي الأمر من بعده اتبعته، فأقبل عليه الصلاة والسلام ومعه ثابتبن قَيْسبن شَمَّاس، وفي يد رسول الله قطعة من جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: «إنْ سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، وإني لأُراك الذي منه رأيت». وكان عليه الصلاة والسلام قد رأى في منامه أن في يده سوارين من ذهب، فأهمَّه شأنهما، فأوحى الله إليه أن انفخهما فنفخهما فطارا، فأوّلهما صلى الله عليه وسلم كذابَيْن يخرجان من بعده، فكان مسيلمة أحدهما، والثاني: الأسود العنسي صاحب صنعاء. وقد أسلم بنو حنيفة.

وفود طَيِّىء

ومن الوفود وفد طيِّىء، وفيهم زيد الخيل رئيسهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حقه: «ما ذُكرَ لي رجل من العرب إلا رأيته دون ما قيل فيه إلا زيد الخيل» وسمّاه صلى الله عليه وسلم زيد الخير.

وفود كِنْدة

ومنهم وفد كندة وفيهم الأشعثبن قيس، وكانَ وجيهاً مطاعاً في قومه. ولما دخلوا على رسول الله خبأوا له شيئاً، وقالوا: أخبرنا عمّا خَبأناه لك؟ فقال: «سبحان الله إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإنَّ الكاهن والمتكهن في النار». ثم قال: «إن الله بعثني بالحق، وأنزل عليّ كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه»، فقالوا: أسمعنا منه، فتلا عليه الصلاة والسلام: وَالصَّافَّاتِ صَفَّا(1) فَالزجِراتِ زَجْراً(2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً(3) إِنَّ الهكُمْ لَوَاحِدٌ(4) رَّبُّ السَّمَاواتِ وَالاْرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ(5) وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً(86) إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا(87)

وفود أَزْدِ شنوءَة

ومنهم وفد أزد شنوءة، ورئيسهم صُرَدُبن عبد الله الأزدي، فأسلموا وأمَّره عليهم، وأمره بأن يجاهد بمن أسلم من كان يليه من أهل الشرك.

وفود رسول ملوك حِمْيَر

ومنهم وفد رسول ملوك حمير وهم: الحارثبن عبد كُلال، ونعيمبن عبد كُلال، والنُّعمان قَيْلُ ذي رُعين، ومَعَافِرَ، وهَمْدان، وكانوا قد أسلموا وأرسلوا رسولهم بذلك فكتب إليهم النبي صلى الله عليه وسلم.

كتاب ملوك حِمْيَر

بسم الله الرحمان الرحيم، من محمد رسول الله، إلى الحارثبن عبد كُلال وإلى نُعيمبن عبد كُلال، وإلى النعمان قَيلِ ذي رُعَيْن، ومَعافر، وهَمْدان. أما بعد: فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فلقيناه بالمدينة فبلَّغ ما أرسلتم به، وخبَّر ما قبلكم، وأنبأنا بإسلامكم، وقتلكم المشركين، وأن الله قد هداكم بهداه، إن أصلحتم وأطعتم الله ورسوله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من الغنائم خُمُس الله، وسهمَ النبي وصَفِيَّهُ، وما كُتب على المؤمنين من الصَّدقة. أما بعد: فإن محمداً النبي أرسل إلى زُرْعَةَبن ذي يزن إذا أتاكم رُسُلي فأوصيكم بهم خيراً: مُعاذبن جبل، وعبد اللهبن زيد، ومالكبن عُبادة، وعُقبةبن نمر، ومالكبن مُرّة وأصحابهم، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم، وأبلغوها رسُلي، وإن أميرهم معاذُبن جبل فلا يَنقَلِبَنَّ إلا راضياً، أما بعد: فإن محمداً يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنه عبده ورسوله، ثم إن مالكبن مرّة الرَّهاوي قد حدّثني أنك قد أسلمت من أوّل حِمْيَر، وقتلت المشركين، فأبشر بخير وآمرك بحِمْيَر خيراً، ولا تخونوا ولا تخاذلوا، فإن رسول الله هو مولى غنيكم وفقيركم، وإن الصدقة لا تَحِلُّ لمحمد ولا أهل بيته، إنما هي زكاة يُزَكى بها على فُقراء المسلمين وابن السبيل، وإن مالكاً قد بلَّغ الخبر، وحفِظ الغَيب، وآمركم به خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وفود هَمْدان

ومنها وفد هَمْدان، وفيهم مالكبن نَمَط، وكان شاعراً مجيداً، فلقوا رسول الله مَرْجِعَهُ من تبوك، عليهم مُقَطَّعَات من الحِبَرات اليمنية، والعمائم العدنية، وقد أنشد مالك لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
حلفتُ بربّ الراقصاتِ إلى مِنًىصَوادرَ بالركبانِ من هَضْب قَرْدَدِبأَن رسولَ اللهِ فينا مُصَدَّقٌرسولٌ أتى من عند ذي العرش مهتدِفما حملتْ من ناقةٍ فوقَ رحلهاأشدَّ على أعدائِهِ من محمدِ وقد أمَّره صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وقد قال الرسول في حق هَمْدان: «نعم الحيّ هَمْدَان، ما أسرعها إلى النصر وأصبرها على الجهد، وفيهم أبدال وفيهم أوتاد».

وفود تُجِيْب

ومنها وفد تُجيْب، قبيلة من كِنْدة، وفد على رسول الله ثلاثة عشر رجلاً منهم، ومعهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسُرّ بهم عليه الصلاة والسلام وأكرم مثواهم، وقالوا: يا رسول الله إنّا سُقْنَا إليك حق الله في أموالنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «ردّوها فاقسموها على فقرائكم». فقالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك إلا بما فضل عن فقرائنا، قال أبو بكر: يا رسول الله ما قدم علينا من وفد من العرب مثل هذا. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الهدى بيد الله، فمن أراد به خيراً شرح صدره للإيمان»، وجعلوا يسألونه عن القرآن، فازداد صلى الله عليه وسلم رغبة فيهم، ثم أرادوا الرجوع إلى أهليهم فقيل لهم: ما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى مَنْ وراءنا فنخبرهم برؤية رسول الله ولقائنا إيّاه وما ردّ علينا، ثم جاؤوا إلى رسول الله فودعوه، فأجازهم بأفضل ما كان يُجيز به الوفود، ثم قال لهم: «هل بقي منكم أحد؟» قالوا: غُلام خَلّفْناه في رحالنا وهو أحدثنا سِنّاً، قال: «فأرسلوه إلينا» فأرسلوه، فأقبل الغلام، وقال: يا رسول الله أنا من الرهط الذين أتوك آنفاً فقضيت حاجتهم فاقضِ حاجتي، قال: «وما حاجتك؟» قال: تسأل الله أن يغفرَ لي ويرحمني ويجعلَ غناي في قلبي. فقال عليه الصلاة والسلام: «اللهمّ اغفر له، وارحمه، واجعل غناه في قلبه»، ثم أمر له بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه.

وفود ثعلبة

ومنها وفد ثَعْلَبة، وفد على رسول الله أربعة منهم مقرّين بالإسلام، فسلَّموا عليه وقالوا: يا رسول الله إنّا رُسل مَنْ خلفنا من قومنا ونحن مقرُّون بالإسلام، وقد قيل لنا: إنك تقول: لا إسلام لمن لا هجرة له، فقال عليه الصلاة والسلام: «حيثما كنتم واتَّقَيْتُم الله فلا يَضُرُّكم»، ثم قال لهم: «كيف بلادكم؟» فقالوا: مخصبون، فقال: «الحمد لله». ثم أقاموا في ضيافته أياماً، وحين إرادتهم الانصراف أجاز كل واحد منهم بخمس أواق من فضة.

وفود بني سعدبن هُذَيم

ومنها وفد بني سعدبن هذيم من قُضَاعةَ، قال النعمان منهم: قدِمت على رسول الله وافداً في نفر من قومي، وقد أوطأ رسول الله البلاد، وأزاح العرب، والناس صنفان: إما داخل في الإسلام راغب فيه، وإما خائف السيف، فنزلنا ناحية من المدينة، ثم خرجنا نَؤُمُّ المسجد حتى انتهينا إلى بابه، فوجدنا رسول الله يصلي على جَنازة في المسجد، فقمنا خلفه ناحية، ولم ندخل مع الناس في صلاتهم، وقلنا حتى يصلي رسول الله ونُبايعه. ثم انصرف رسول الله فنظر إلينا فدعا بنا فقال: «ممّن أنتم؟» فقلنا من بني سعدبن هذيم، فقال: «أمسلمون أنتم؟» قلنا: نعم، فقال: «هَلاَّ صلّيتم على أخيكم؟» قلنا: يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز حتى نبايعك، فقال عليه الصلاة والسلام: «أينما أسلمتم فأنتم مسلمون». قال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله بأيدينا، ثم انصرفنا إلى رِحَالنا، وقد كُنَّا خَلَّفْنَا عليها أصغرنا فبعث عليه الصلاة والسلام في طلبنا، فأتى بنا إليه فتقدم صاحبنا فبايعه صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله إنه أصغرنا وإنه خادمنا، فقال: «سيد القوم خادمهم، بارك الله عليه». قال النعمان: فكان خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم. ثم أجازهم وانصرفوا.

وفودبن فَزَارة

ومنها وفد بني فزارة، وفَدَ على رسول الله جماعة منهم مقرّين بالإسلام وهم مُسْنِتون، فسألهم عليه الصلاة والسلام عن بلادهم، فقال رجل منهم: يا رسول الله أَسْنَتَتْ بلادُنا، وهلكت مواشينا، وأجدَب جَنَابُنا، وجاعت عيالنا. فادعُ لنا ربك يُغثْنا. واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك، فقال عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله ويلك هذا أنا أشفع إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا هو العليّ العظيم، وسِعَ كرسيّه السموات والأرض، فهي تَئِطُّ من عظمته وجلاله كما يئط الرَّحْل الحديث». أي من ثقل الحمل. ثم صعد عليه الصلاة والسلام المنبر، ودعا الله عزّ وجلّ حتى أغاث بلاد هذا الوفد بالمطر الغزير، والرحمة التامة.

وفود بني أَسَد

ومنها وفد بني أسد، وفيهم: ضِرَارُبن الأزوَر وطُليحةبن خويلد الذي ادّعى النبوّة بعد ذلك، فأسلموا، وقالوا: يا رسول الله أتيناك نتدرَّع الليل البهيم في سنة شهباء ولم تبعث إلينا بعثاً، فأنزل الله في ذلك: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلاْيمَانِ إِنُ كُنتُمْ صَادِقِينَ(17)

وفود بني عُذْرَة

ومنها وفد بني عذرة، ووفد بني بَلِيّ، ووفد بني مُرَّة، ووفد خوْلان ــــ وهي قبائل باليمن ــــ وقد أمرهم عليه الصلاة والسلام بالوفاء بالعهد وأداء الأمانة، وحسن الجوار لمن جاوروا، وأن لا يظلموا أحداً فإن الظلمَ ظلماتٌ يوم القيامة.

وفود بني مُحارب

ومنها وفد بني محارب، وكانوا من الذينَ ردُّوا الرد القبيح حينما كان رسول الله بعكاظ يدعو القبائل إلى الله، فما أعظم منّة الله الذي أتى بهؤلاء ــــ وكانوا ألدّ الأعداء ــــ مسلمين مُنقادين

وفود غَسَّان

ومنها وفد غسان، ووفد بني عَبْس، ووفد النخع.

وكان عليه الصلاة والسلام يقابل هذه الوفود بما جَبَلَهُ الله عليه من البشاشة، وكرم الأخلاق، ويُجيزهم بما يرضيهم، ويعلمهم الإيمان والشرائع، ليعلِّمُوا من وراءهم، وكانت هذه الوفود أعظم وصلة لإظهار الدين بين الأعراب في البوادي.

وفاة إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام

وفي هذه السنة توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم.


EmoticonEmoticon