الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

الإجماع في التفسير

الإجماع في التفسير

 الكتاب: فصول في أصول التفسير
المؤلف: د مساعد بن سليمان بن ناصر الطيار
تقديم: د. محمد بن صالح الفوزان
الناشر: دار ابن الجوزي
الطبعة: الثانية، ١٤٢٣هـ
عدد الصفحات: ١٧٦
الكتاب إهداء من مؤلفه - جزاه الله خيرا - للمكتبة الشاملة
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صفحة المؤلف: [مساعد الطيار]
 

فهرس الموضوعات

  1.   الإجماع في التفسير
  2.     -الإجماع في عرف الأصوليين
  3.     -المراد بإجماع المفسرين
  4.     -فائدة جمع إجماعات المفسرين
  5.     -كيف نصل إلى إجماع المفسرين؟
  6.     -بين اختلاف التنوع والإجماع
  7.     -إذا كانت الآية تحتمل أكثر من معنى صحيح، وأجمع السلف على أحدها
  8.     -تنبيهات حول الإجماع
  9.     -مسرد بعض الإجماعات
  10. الأصول التي يدور عليها التفسير
  11.     -أولا: التفسير على اللفظ
  12.     -ثانيا: التفسير على المعنى
  13.     -ثالثا: التفسير على الإشارة والقياس
  14.     الأصول التي يدور عليها التفسير
  15.         -١ - التفسير على اللفظ
  16.         -٢ - التفسير على المعنى
  17.         -٣ - التفسير على الإشارة أو القياس
  18. طريقة السلف في التفسير
  19.     -طريقتهم العامة
  20.     طريقة السلف التفصيلية
  21.         -١ ـ التفسير بالمطابق
  22.         -٢ ـ التفسير باللازم
  23.         -٣ ـ التفسير بجزء المعنى
  24.         -٤ ـ التفسير بالمثال
  25.         -٥ ـ التفسير بالقياس والاعتبار
  26.         -٦ ـ التفسير بالإشارة
  27. أقسام التفسير
  28.     -١ - باعتبار معرفة الناس له
  29.     -٢ - باعتبار طرق الوصول إليه
  30.     -٣ - باعتبار أساليبه
  31.     -٤ - باعتبار اتجاهات المفسرين فيه
  32. توجيه أقوال السلف
  33.     -المراد به
  34.     -أمثلة لتوجيه أقوال السلف
  35. قواعد التفسير
  36. القواعد العامة
  37.     -المراد بها
  38.     -أمثلة لهذه القواعد
  39. القواعد الترجيحية
  40.     -المراد بها
  41.     -حالات استعمال القواعد
  42.     -متى يكون الترجيح؟
  43. العودة إلي كتاب  فصول في أصول التفسير
الإجماع في التفسير
لئن كان الإجماع في الفقه حظي بعناية العلماء فألَّفوا فيه إفرادًا، أو ضمَّنوه شيئًا من كتبهم، فإن الإجماع في التفسير لم تكن له هذه العناية (١).
وهذا لا يعني عدم اهتمام المفسرين بهذا الجانب، بل تجد منهم من يحكي الإجماع في معنى بعض الآيات، ولكن هذا لا زال مبثوثًا في تفاسيرهم، لم يستخرج بعد.

والإجماع في عرف الأصوليين: اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد النبي ﷺ على حكم شرعي (٢).
والمراد به هنا: إجماع المفسرين - ممن يعتبر في التفسير قولهم - على معنى من المعاني في تفسير آية من كتاب الله.
والإجماع حجة، وهو الأصل الثالث من أصول الشريعة.
وتظهر فائدة جمع ما أجمع عليه المفسرون وأهميته فيما يلي:
١ - حمل كلام الله تعالى على لون من أصح ألوان التفسير، وأقواها ثبوتًا.
٢ - أن تعرف إجماعات المفسرين فلا يجترأ على مناقضتها (٣).
مسألة: كيف نصل إلى إجماعات المفسرين:
لمعرفة إجماعات المفسرين طريقان، وكلاهما يعتمد على الاستقراء:
الأول: أن ينص أحد المحققين على حكاية الإجماع؛ كابن جرير، وابن
(١) ينظر: «الإجماع في التفسير» للدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري.
(٢) «الأصول من علم الأصول» (ص٧٣).
(٣) «الإجماع في التفسير».
 
٩٨
 
عطية وغيرهما، وحكمهم على مسألة في التفسير بالإجماع يدل على استقرائهم لأقوال السالفين لهم [٧٠] ثم دور الباحث بعدهم التأكد من عدم وجود المخالف، وهذا لا يكون إلا بالاستقراء كذلك.
الثاني: أن تَستقرئ أقوال المفسرين وتَستنبِط الإجماع من أقوالهم إذا لم يكن بينهم خلاف في الآية.

مسألة: بين اختلاف التنوع والإجماع:
الإجماع في التفسير قد يكون إجماعًا على لفظ، أو إجماعًا على معنى.
وفي الأول: تتفق عبارات المفسرين على اللفظ، وهذا الذي يحكيه المفسرون في الإجماع.
ومثاله: قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤].
قال ابن عطية: «أما بشرى الآخرة فهي الجنة قولًا واحدًا» (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [فصلت: ٤١].
قال ابن عطية: «والذِّكْر: القرآن بالإجماع» (٢).
أما في الثاني: فقد يكون المعنى واحدًا، أو أكثر.
فإن كان المعنى واحدًا، فقد تختلف عبارات المفسرين في بيان هذا المعنى، ويكون هذا في النوع الأول، والثاني، والرابع، من تقسيمات شيخ الإسلام، التي سبق ذكرها (٣).
وفي هذا يكون الاتفاق على المعنى، وإن اختلفت عبارات المفسرين فيه.
كالصراط المستقيم الذي سبق ذكره، فإن المعنى المراد به في كل ما قيل واحد، وهو (اتباع الدين)، ولكن العبارات اختلفت في بيان هذا المعنى، نظرًا
(١) «المحرر الوجيز» (٧/ ١٧٦).
(٢) «المحرر الوجيز» (١٣/ ١٢١).
(٣) انظر (ص٥٧، ٥٩، ٦١).
 
٩٩
 
لأن كل مفسر نظر إلى شيء في الصراط غير الشيء الذي نظر إليه الآخر، فعبَّر به عنه. [٧١]
ومما يوضح ذلك أسماء الله سبحانه، فلو قلت: العزيز: الله، والحكيم: الله، والغفور: الله؛ فإنك تجد أن العزيز، والحكيم، والغفور، اتفقت في عودها إلى ذات واحدة، ولكن التعبير عن هذه الذات بهذه الأسماء اختلف؛ لأن معنى العزيز غير معنى الحكيم، ومعنى الحكيم غير معنى الغفور.
ففي دلالتها على ذات الله اتفاق، وفي انفراد كل منها بمعنى خاص اختلاف.
وفي التفسير بالمثال يكون الاتفاق على المعنى العام، ثم تختلف العبارات بسبب ذكر أمثلة لهذا العام.
ومما يوضح ذلك، تفسير المحروم في قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩].
قال ابن عطية: «واختلف الناس في (المحروم) اختلافًا هو عندي تخليط من المتأخرين إذ المعنى واحد، وإنما عبَّر علماء السلف في ذلك العبارات على جهة المثلات، فجعلها المتأخرون أقوالًا»، ثم ذكر جملة من أقوالهم، ثم قال: «والمعنى الجامع لهذه الأقوال أنه الذي لا مال له لحرمان أصحابه» (١).
وفي تفسير المعنى بالألفاظ المتقاربة، يكون المعنى مجمعًا عليه، ولكن يختلف التعبير عنه، مثل تفسير الإبسال في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠] قيل: تحبس، وقيل: ترتهن، وقيل: تُسْلَم.
أما في النوع الثالث: وهو المحتمل لأكثر من أمر مع صحة احتمال الآية له، فقد يذكرون كل ما تحتمله الآية، وقد يذكرون أحد ما تحتمله الآية، وفي كل يكون إجماعهم على ذلك المذكور.
(١) «المحرر الوجيز» (١٤/ ١٥، ١٦).
 
١٠٠
 
والمفسرون الذين يحكون الإجماع لا ينصون على مثل هذا الاختلاف في الإجماع بل يذكرون الإجماع الصريح في اللفظ القرآني، كما سيأتي من أمثلة الإجماع. [٧٢]
مسألة:
إذا كانت الآية تحتمل أكثر من معنى، وأجمع السلف على بعض هذه المعاني المحتملة، فهل يجوز تفسير الآية بما فيها من الاحتمال الصحيح الذي لم يذكره السلف؟
قد سبق الجواب على هذه المسألة في التنبيهات على تفسير الصحابة والتابعين، وأنه إذا كانت المعاني صحيحة، وتحتملها الآية، جاز التفسير بها؛ لأنها لا تكون مناقضة لإجماعهم، ولا يلزم من عدم ذكرهم إياها عدم قبولهم لها (١).

تنبيهات حول الإجماع في التفسير:
١ - يحكي بعض المفسرين إجماعًا في اللفظ من الآية لا يتوقع فيه خلاف، وذلك لشدة ظهور المعنى؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. قال الشنقيطي: «الكتاب: هو التوراة بالإجماع» (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧] قال ابن عطية: «البيت: الكعبة بالإجماع» (٣).
٢ - يذكر المفسرون إجماعات غير داخلة في تأويل الآية وتفسيرها؛ كالإجماعات الفقهية، أو الإجماع على مسائل في علوم القرآن؛ كمكي السورة ومدنيها، وعدد الآي، وغيرها، وهذه غير داخلة في موضوع الإجماع في التفسير؛ لأن المراد الإجماع على تفسير ألفاظ الآية ومعانيها.
٣ - مما يجدر التنبيه عليه أن الإجماع عند بعضهم هو اتفاق الأكثر؛
(١) انظر (ص٣٦) من هذا البحث.
(٢) «أضواء البيان» (١/ ١٤٨).
(٣) «المحرر الوجيز» لابن عطية (١/ ٤٨٧).
 
١٠١
 
كابن جرير، ولذا ينتبه لمذهب حاكي الإجماع في الإجماع.

مسرد بعض الإجماعات:
١ - في قوله تعالى: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. [٧٣]
قال ابن أبي حاتم: «الريب: الشك، وليس في هذا الحرف اختلاف بين المفسرين» (١).
٢ - قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَامُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. قال ابن القيم: «الفحشاء: هو البخل إجماعًا» (٢).
٣ - في قوله تعالى: ﴿لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. قال الماوردي: «يعني الرجعة في قول الجميع» (٣).
٤ - في قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]. قال ابن عطية: «عبارة عن يوم القيامة بإجماع المفسرين» (٤).
٥ - في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال الشنقيطي: «الخطاب له ﷺ إجماعًا» (٥). [٧٤]
* * *
(١) «تفسير ابن أبي حاتم» (١/ ٣١).
(٢) «التفسير القيم» (ص١٦٨).
(٣) «النكت والعيون» (٦/ ٣٠).
(٤) «تفسير ابن عطية» (١٤/ ١٤٢).
(٥) «أضواء البيان» (١/ ١٥٠).
 
١٠٢
 
الأصول التي يدور عليها التفسير
المراد هنا أن تفاسير الأمة تُخَرَّجُ من هذه الأصول، وقد ذكرها ابن القيم فقال: «وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول: تفسير على اللفظ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون، وتفسير على المعنى، وهو الذي يذكره السلف، وتفسير على الإشارة والقياس، وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم» (١).

أولًا: التفسير على اللفظ:
التفسير على اللفظ هو: تفسير الكلمة بعينها؛ أي: بما يطابقها في اللغة، وقد يتوسعون في تحليل المدلولات اللفظية؛ كأصل الاشتقاق، ومعانيها في اللغة ... إلخ.
وقد اهتم بهذا النوع مَنْ كَتَبَ في معاني القرآن وغريبه.
ولابن عطية والطاهر بن عاشور اهتمام بتحرير معنى اللفظة في لغة العرب.
قال ابن عطية: «و﴿تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: معناه: تعجبون.
وقال عكرمة: تلاومون.
وقال الحسن: معناه: تندمون.
وقال ابن زيد: تتفجعون.
(١) «التبيان في أقسام القرآن» (ت: طه شاهين) (ص٥١). قلت: كان يحسن دمج هذا المبحث بالمبحث الذي يليه «طريقة السلف في التفسير»؛ لأن الموضوعين متداخلان.
 
١٠٣
 
وهذا كله تفسير لا يخص اللفظة، والذي يخص اللفظة هو: تطرحون الفكاهة عن أنفسكم، وهي المسرة والجزل، ورجل فَكِهٌ، إذا كان منبسط النفس غير مُكْتَرِثٍ بشيء ..» (١). [٧٥]

ثانيًا: التفسير على المعنى:
في التفسير على المعنى لا يعمد المفسر إلى تفسير اللفظ مباشرة، بل ينتقل إلى ما وراء اللفظ، وهو أنواع:
الأول: التفسير بالجزء.
الثاني: التفسير بالمثال.
الثالث: التفسير باللازم أو النتيجة.
وهذه كلها تفاسير بالمعنى (٢)، وسيأتي تفصيلها في المبحث القادم.

ثالثًا: التفسير على الإشارة والقياس:
هذا النوع هو أقل الأنواع عند سلف الأمة، ولم يكثروا منه، وجاء عنهم فيه بعض التفاسير - كما سيأتي - ولهذا النوع شروط ذكرها ابن القيم، وهي:
١ - ألا يناقض معنى الآية.
٢ - أن يكون معنى صحيحًا في نفسه.
٣ - أن يكون في اللفظ إشعار به.
٤ - أن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.
فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا (٣). [٧٦]
(١) «المحرر الوجيز» (١٤/ ٢٦١)؛ وانظر: (١٣/ ٣٨٣)؛ و«التبيان في أقسام القرآن» (ص٦٠، ١٦٩).
(٢) انظر أمثلة في: «المحرر الوجيز» (١٤/ ٥٣، ٢٥٣، ٢٥٤)؛ و«التفسير القيم» (ص١٥، ٢٩).
وانظر فائدة تتعلق بالتفسير على اللفظ والتفسير على المعنى في: «الموافقات» (٤/ ١٤١).
(٣) «التبيان في أقسام القرآن» (ص٥١)؛ وانظر: «الموافقات» (٣/ ٢٦٤).
 
١٠٤
 
الأصول التي يدور عليها التفسير
١ - التفسير على اللفظ:
أنواعه:
١ - تفسير الكلمة بعينها.
٢ - تفسير الكلمة بما يطابقها في اللغة.

٢ - التفسير على المعنى:
أنواعه:
١ - التفسير بالجزء.
٢ - التفسير بالمثال.
٣ - التفسير باللازم أو النتيجة.

٣ - التفسير على الإشارة أو القياس:
شروطه:
١ - ألا يناقض معنى الآية.
٢ - أن يكون المعنى صحيحًا في نفسه.
٣ - أن يكون في اللفظ إشعار به.
٤ - أن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم.
 
١٠٥
 
طريقة السلف في التفسير
طريقة السلف العامة في التفسير هي طريقة الإجمال وعدم التفصيل.
قال أبو جعفر النحاس - في كتابه «معاني القرآن» - في معرض نقله مذاهب السلف في الأحرف المقطعة: «وأبين هذه الأقوال قول مجاهد الأول: أنها فواتح للسور، وكذا قول من قال: هي تنبيه، وقول من قال: هي افتتاح كلام.
ولم يشرحوا ذلك بأكثر من هذا؛ لأنه ليس من مذاهب الأوائل، وإنما يأتي الكلام عنهم مجملًا، ثم يتأوله أهل النظر على ما يوجبه المعنى» (١).
وقال شيخ الإسلام في رسالته الموسومة بـ: «تفسير آيات أشكلت: حتى لا يوجد في طائفة من كتب التفسير فيها صواب بل لا يوجد فيها إلا قول خطأ» (٢).
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]:
«وقال الحسن: أيكم أولى بالشيطان، قال: فهم أولى بالشيطان من نبي الله ﷺ، فبين الحسن المعنى المراد، وإن لم يتكلم على اللفظ؛ كعادة السلف باختصار الكلام مع البلاغة وفهم المعنى».
ويستفاد من قول هذين العالمين أن طريقة السلف العامة في التفسير هي طريقة الإجمال لا التفصيل، وذلك لأنهم لم يكونوا بحاجة إلى التفصيل كما
(١) «معاني القرآن» (١/ ٧٧).
(٢) هذه الرسالة مخطوطة، وقد تم طبعها، وينظر المطبوع، بتحقيق: د. عبد العزيز الخليفة (١/ ١٤٩).
 
١٠٦
 
احتاجه المتأخرون، الذين بعدت ألسنتهم عن لسان العرب فاحتاجوا إلى زيادة التفصيل لبيان المعنى، وللسلف في تفسيرهم طرق وتعابير يستعملونها عند تفسير القرآن. ويمكن استنباط هذه الطرق من جرد كتب التفسير التي تهتم بعبارة السلف وتعلق عليها. ودونكها مجملة، ثم يأتيك [٧٧] التفصيل مع المثال (١):

١ - التفسير بالمطابق، أو ما وضع له اللفظ.
٢ - التفسير باللازم، ويدخل ضمنه التفسير بالنتيجة.
٣ - التفسير بجزء المعنى.
٤ - التفسير بالمثال.
٥ - التفسير بالقياس والاعتبار.
٦ - التفسير بالإشارة.
تفصيل هذا بالأمثلة:
١ - التفسير بالمطابق، أو بما وضع له اللفظ:
المراد به: ما وُضعَ له اللفظ في لغة العرب، فيعمد المفسر إلى تفسير اللفظة بما وضعت له في لغة العرب، وهذا هو التفسير المباشر للفظ.
• وقد ذكر هذه الطريقة ونبَّه عليها إمام المفسرين، الطبري، فقال: «فَحَمَل تأويلَ الكلام على معناه دون البيان عن الكلمة بعينها؛ فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل كثيرة تدعوهم إليها» (٢).
(١) ليبتيَّن علاقة (الأصول التي يدور عليها التفسير) و(طريقة السلف مع التفسير) أقول:
١ - التفسير على اللفظ = التفسير بالمطابق أو ما وضع له اللفظ.
٢ - التفسير على المعنى = التفسير باللازم، ويجزئ المعنى، وبالمقال.
٣ - التفسير على الإشارة والقياس = التفسير بالقياس والاعتبار والتفسير بالإشارة.
انظر (التفسير اللغوي للقرآن الكريم) لمساعد الطيار (ص:٦٥٢ - ٦٧٢).
(٢) «تفسير الطبري» (١/ ١٨٥)، «الْقَوْلُ فِي تَأوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿... أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧].
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالخَاسِرُونَ جَمْعُ خَاسِرٍ، وَالْخَاسِرُونَ: النَّاقِصُونَ أَنْفُسَهُمْ حُظُوظَهَا بِمَعْصِيَتِهِمْ اللهَ مِنْ رَحْمَتِهِ، كَمَا يَخْسَرُ الرَّجُلُ فِي تِجَارِتِهِ بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ رَاسِ مَالِهِ فِي =
 
١٠٧
 
• وقال شيخ الإسلام: «فإن منهم - يقصد مفسري السلف - من يعبر عن الشيء بلازمه ونظيره، ومنهم من ينص على الشيء بعينه» (١).
ومثاله تفسير قوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ٢]، قال قتادة، والضحاك: ﴿مَسْطُورٍ﴾: مكتوب (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]؛ أي: فتتت. [٧٨]
ورد ذلك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وإسماعيل السدي، وأبي صالح (٣).
وكذا تفسيرهم للودود في مثل قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] بأنه المحب لأوليائه (٤).

٢ - التفسير باللازم:
• دلالة الالتزام هي أحد دلالات الألفاظ العقلية.
والمراد بها أن المعنى المستفاد لم يدل عليه اللفظ مباشرة، ولكن يلزم منه هذا المعنى المستفاد عقلًا أو عرفًا؛ كالكتابة تستلزم كاتبًا.
= بَيْعِهِ. فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ خَسِرَ بِحِرْمَانِ اللهِ إِيَّاهُ رَحْمَتَهُ الَّتِي خَلَقَهَا لِعِبَادِهِ فِي الْقِيَامَةِ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَى رَحْمَتِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: خَسِرَ الرَّجُلُ يَخْسَرُ خَسْرًا وَخُسْرَانًا وَخَسَارًا، كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ:
إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَارِ إِنَّهْ
أَوْلاَدُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ فِي الْخَسَارِ: أَيْ فِيمَا يُوكِسُهُمْ حُظُوظَهُمْ مِنَ الشَّرَفِ وَالْكَرَمِ. وقَدْ قِيلَ: إَنَّ مَعْنَى: ﴿... أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧] أُولَئِكَ هُمُ الْهَالِكُونَ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَائِلُ ذَلِكَ أَرَادَ مَا قُلْنَا مِنْ هَلاَكِ الَّذِي وَصَفَ اللهُ صِفَتَهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُ بِهَا فِي هَذِهِ الايَةِ بِحِرْمَانِ اللهِ إِيَّاهُ مَا حَرَمَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ بِمَعْصِيَتِهِ إِيَّاهُ وَكُفْرِهِ بِهِ. فَحَمَلَ تَاوِيلَ الْكَلاَمِ عَلَى مَعْنَاهُ دُونَ الْبَيَانِ عَنْ تَاوِيلِ عَيْنِ الْكَلِمَةِ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّ أَهْلَ التَّاوِيلِ رُبَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِعِلَلٍ كَثِيرَةٍ تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ».
(١) «مقدمة في أصول التفسير» (ص١٠٤).
(٢) «تفسير الطبري» (٢٧/ ١٦).
(٣) «تفسير الطبري» (٢٧/ ١٦٨).
(٤) انظر: «التبيان في أقسام القرآن» (ص٦٠).
 
١٠٨
 
ومن أمثلته:
تفسير الودود بالمحبوب من أوليائه.
فالودود: أي الواد لأوليائه؛ كالغفور بمعنى: الغافر. فهذا تفسير بالمطابقة - كما مرَّ - ويلزم منه محبة أوليائه له، وهذا تفسير باللازم (١).
ومن أمثلته - أيضًا - تفسيرهم قوله تعالى: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] قيل: معناه تندمون، وهذا تفسير باللازم، وإنما الحقيقة تزيلون عنكم التفكُّه، وإذا زال التفكّه خَلَفَهُ ضِدُّه (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ الآية [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦].
قال ابن القيم: «قال ابن عباس: لو شئنا لرفعناه بعلمه.
وقالت طائفة: الضمير في قوله: ﴿لَرَفَعْنَاهُ﴾ عائد على الكفر، والمعنى: لو شئنا لرفعنا عنه الكفر بما معه من آياتنا، قال مجاهد وعطاء: لرفعناه عن الكفر بالإيمان وعصمناه. وهذا المعنى حق، والأول هو مراد الآية، وهذا من لوازم المراد. وقد تقدم أن السلف كثيرًا ما ينبهون على لازم معنى الآية، فيظن الظان أن ذلك هو المراد منها» (٣). [٧٩]
ومما يجدر التنبيه عليه هنا: أنه قد يَرِدُ عن السلف تفسير لبعض صفات الله بلازمها، فيظنُّ القارئ لها أن السلف يؤوِّلون صفات الله سبحانه، وهذا ليس بصواب، وذلك لأن الأصل عند السلف هو أن صفات الله على الحقيقة، ولا يجوز التأويل، فإذا رأيت مثل هذا فاعلم أنهم لا يؤوِّلون؛ لأنه
(١) انظر: «التبيان في أقسام القرآن» (ص٦٠).
(٢) «التبيان في أقسام القرآن» (ص١٦٩)، وقد سبق نقل هذا المثال من «تفسير ابن عطية».
(٣) «التفسير القيم» (ص٢٨٤)، وانظر فيها مثالًا آخر.
 
١٠٩
 
لم يرد عن أحدهم أنه أنكر الصفة، وفرق بين إنكار الصفة، والتفسير باللازم.
أما ما تراه عند الخلف المتأخرين من تفسير الصفة بلازمها، فإنه تأويل لها، وذلك لأن مذهب هؤلاء هو التأويل، ولذا يعمدون إلى تفسيرها بلازم الصفة، قال السيوطي: «قال العلماء: كل صفة يستحيل حقيقتها على الله تفسَّر بلازمها» (١)، والعلماء الذين ينسب إليهم السيوطي هذا القول هم المتكلمون من الأشاعرة وغيرهم. فتأمل.

٣ - التفسير بجزء المعنى:
المقصود به أن المفسِّر يذكر من المعنى الذي يحتمله اللفظ جزءًا منه، ليدل به على باقي المعنى.
ومنه تفسير من فسَّر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، قال ابن القيم: «... مباركًا: معلمًا للخير أينما كنت. وهذا جزء مسمى المبارك: فالمبارك: كثير الخير في نفسه، الذي يحصله لغيره تعليمًا أو نصحًا، وإرادة واجتهادًا ...» (٢).

٤ - التفسير بالمثال:
وقد مر ذكره في اختلاف التنوع (٣).
ومن أمثلته قوله ﷾: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، قيل: الحسنات الصلوات، وقيل: قول الرجل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. [٨٠]
(١) «الإتقان» (٣/ ٢٠).
(٢) «جلاء الأفهام» لابن القيم (ص١٦٨).
(٣) الذي جعلني أضع جزء المعنى والمثال مختلفين استعمال ابن القيم لهما في مواضع، فيذكر جزء المعنى في موضع، ويذكر المثال في آخر؛ وكأنه باستعماله هذا يرى فرقًا بينهما، وقد يكون من باب التقسيم الفني.
 
١١٠
 
قال ابن عطية: وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات (١).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] قال زرٌّ: الغيب: القرآن. وقال عطاء: الغيب: القدر، قال الراغب: وقول زرٍّ بأن الغيب: هو القرآن، وقول عطاء: أنه القدر؛ تمثيل لبعض ما هو غيب، وليس ذلك بخلاف بينهم، بل كل أشار إلى الغيب بمثال (٢).

٥ - التفسير بالقياس والاعتبار:
المراد به أن يُدخِل المفسر في حكم الآية شيئًا؛ لأنه مشبه للآية في العلة.
ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣].
فقد روي عن ابن عباس في معنى سكارى: أنه النعاس.
وكذلك روي عن الضحاك أنه قال: لم يعنِ الخمر، وإنما عنى به سكر النوم (٣).
قال شيخ الإسلام - معلقًا على قول الضحاك ـ:
«وهذا إذا قيل: إن الآية دلت عليه بطريق الاعتبار؛ أي: القياس، أو شمول معنى اللفظ العام، وإلا فلا ريب أن سبب نزول الآية كان السكر من الخمر، واللفظ صريح في ذلك، والمعنى الآخر صحيح أيضًا» (٤).
فصحَّحَ شيخ الإسلام دخول السكر من النوم أو النعاس في معنى الآية للمقايسة بينهما، والعلة هي عدم العلم بما يقول.
(١) «تفسير ابن عطية» (٧/ ٤١٧)، وانظر أمثلة على التفسير بالمثال (ص٣٤٦) من كتاب: «التفسير القيم»؛ و«التحرير والتنوير» (١٣/ ٢٣٠)؛ و«تفسير ابن جزي» (٤/ ١٩٣).
(٢) «مقدمة جامع التفاسير» (ص١٥٥).
(٣) انظر قولهم في: «الدر المنثور» (٢/ ٥٤٦).
(٤) انظر: «اتباع الرسول بصحيح المنقول وصريح المعقول» (ص١٥).
 
١١١
 
٦ - التفسير بالإشارة:
التفسير بالإشارة له تعلق بما قبله، ولقد نبَّه شيخ الإسلام على ذلك فقال: «... تلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص، مثل الاعتبار [٨١] والقياس الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام» (١).
وقال في موضع آخر: «وأما أرباب الإشارات الذين يثبتون ما دل عليه اللفظ، ويجعلون المعنى المشار إليه مفهومًا من جهة القياس والاعتبار، فحالهم كحال الفقهاء والعالمين بالقياس والاعتبار، وهذا حق إذا كان قياسًا صحيحًا لا فاسدًا، واعتبارًا مستقيمًا لا منحرفًا» (٢).
وقد مضى ذكر شروط قبوله، ومن أمثلته تفسيرُ ابن عباس، وعمر بن الخطاب سورة النصر بأنها قرب أجل رسول الله ﷺ (٣).
قال ابن حجر معلقًا على هذا التفسير: «وفيه جواز تأويل القرآن بما يُفهَمُ من الإشارات، وإنما يتمكن من ذلك من رسخت قدمه في العلم، ولهذا قال علي ﵁: أو فهمًا يؤتيه الله رجلًا بالقرآن» (٤). [٨٢]
* * *
(١) «الفتاوى» (٦/ ٣٧٧).
(٢) «الفتاوى» (٢/ ٢٨)؛ وانظر (١٣/ ٢٤١) فما بعدها.
(٣) انظر: «فتح الباري» (٨/ ٦٠٦).
(٤) «فتح الباري» (٨/ ٦٠٨، ٦٠٩).
 
١١٢
 
أقسام التفسير
١ - باعتبار معرفة الناس له:
وجه تعرفه العرب من كلامها.
تفسير لا يعذر أحد بجهله.
تفسير يعلمه العلماء.
تفسير لا يعلمه إلا الله.

٢ - باعتبار طرق الوصول إليه:
التفسير بالمأثور.
التفسير بالرأي.

٣ - باعتبار أساليبه:
التحليلي.
الإجمالي.
المقارن.
الموضوعي.

٤ - باعتبار اتجاهات المفسرين فيه
 
١١٣
 
توجيه أقوال السلف
هذا الموضوع يعتبر شرحًا لفهم السلف للآية، وكيفية تفسيرهم لها، وكيف قالوا فيها بهذا القول أو ذاك، وذلك إما لغرابة القول، أو للطافته، أو لقوته.
ولا يعني قَبول رأيهم في التفسير، ورفع منزلتهم في الاحتجاج والقبول أنه لا يقع فيهم الخطأ، بل الخطأ متوقع من آحادهم، فهذا مجاهد له آراء فسَّر بها القرآن، وهي مرفوضة؛ كتأويله مسخ بني إسرائيل قردة وخنازير (١)، وتأويله النظر في قوله تعالى: ﴿وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ *إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] (٢)، وتأويله الميزان في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] (٣)، وغيرها.
وهذه التأويلات الفردية منه لم تجعله يخرج من القبول، بل قال سفيان الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به»، وهو من أكبر تلامذة ابن عباس الذين تلقوا عنه التفسير مباشرة.
وتجد في التفاسير ردًّا لأقوال قال بها بعض السلف، ولا يعني هذا عدم قَبول قولهم في غيرها، أو عدم احترام آرائهم ومنزلتهم.
وهذا ابن القيم يرد في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ [النازعات: ٤] قول من قال: «هي الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى
(١) «تفسير الطبري» (١/ ٣٣٢).
(٢) «تفسير الطبري» (٢٩/ ١٩٢، ١٩٣).
(٣) «تفسير الطبري» (٣٠/ ٢٨٢).
 
١١٤
 
الأنبياء» (١). وهذا القول مروي عن علي ومسروق، كما ذكره الماوردي (٢).
ومع هذا الرد للخطأ، فقد تولى بعض المفسرين توجيه أقوال للسلف منبهًا على سبب قولهم بها. [٨٣]

أمثلة لتوجيه أقوال السلف:
١ - في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
قال ابن زيد: هذا رسول الله ﷺ، قال: لقد كنت في غفلة من هذا الأمر يا محمد، كنت مع القوم في جاهليتهم ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
قال الطبري: «وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون الكلام خطابًا من الله لرسوله ﷺ أنه كان في غفلة في الجاهلية من هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتَبَيَّنَهُ حتى تقرر ذلك عنده، فصار حادَّ البصر به» (٣).
٢ - في قوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
قال الطبري: «وقد روي عن الضحاك أنه قال: معنى ذلك ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾: لسان الميزان.
وأحسبه أراد بذلك أن معرفته وعلمه بما أسلف في الدنيا شاهد عدل عليه، فشبَّه بصره بذلك بلسان الميزان الذي يعدل به الحق في الوزن، ويعرف مبلغ الواجب لأهله عما زاد على ذلك أو نقص، فكذلك علم من وافى القيامة بما اكتسب في الدنيا شاهد عليه كلسان الميزان» (٤).
٣ - في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
(١) انظر: «التبيان في أقسام القرآن» (ص٨٦).
(٢) تفسير الماوردي (٤/ ٣٩١).
(٣) و(٤) «تفسير الطبري» (٢٦/ ١٦٤).
 
١١٥
 
قال أبو الليث: «ومعنى قول ابن عباس: ولا تمسكوا من الصدقة فتهلكوا؛ أي: لا تمسكوا عن النفقة والعون للضعفاء، فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلب عليكم العدو، فتهلكوا.
ومعنى آخر: ولا تمسكوا؛ فيرث منكم غيركم، فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم.
ومعنى آخر: ولا تمسكوا؛ فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة» (١). [٨٤]
٤ - في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥].
قال ابن عطية: «وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: المحروم: الكلب.
أراد - والله أعلم - أن يعطي مثالًا من الحيوان ذي الكبد الرطبة لما فيه من الأجر، حسب الحديث المأثور» (٢).
٥ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
قال ابن القيم: «وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يقولون إن الله على كل شيء قدير. وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها، ولو كانوا يقرون بها، فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بما على وجهها ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به، ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء - وأن سبحانه مقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه - لا يقر بأن الله على كل
(١) تفسير القرآن الكريم لأبي الليث السمرقندي (١/ ٥٨٣، ٥٨٤).
(٢) «تفسير ابن عطية» (١٥/ ٩٩).
 
١١٦
 
شيء قدير، ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول: من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، وأنه نزل إلى الشجرة فكلم موسى كلمه منها، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده، وأنه يتجلى لهم يضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، وأنه يضع رجله على النار فيضيق بها أهلها، وينزوي بعضها إلى بعض .. إلى غير ذلك من شؤونه وأفعاله التي من لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير، فيا لها كلمة من حبر الأمة وترجمان القرآن» (١).
٦ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ [البقرة: ٦٩].
علق ابن جرير على قول الحسن: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ﴾: سوداء شديدة السواد. [٨٥]
قال: قال أبو جعفر: وأحسب أن الذي قال في قوله: ﴿صَفْرَاءُ﴾ يعني به سوداء ذهب إلى قوله في نعت الإبل السود: هذه إبل صفر، وهذه ناقة صفراء: يعني بها سوداء، وإنما قيل ذلك في الإبل لأن سوادها يضرب إلى الصفرة، ومنه قول الشاعر:
تِلْكَ خَيْلي مِنْها وتِلْكَ ركابي ... هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبيبِ
يعني بقوله: هنّ صفر: هنّ سود، وذلك إن وصفت الإبل به، فليس مما توصف البقر (٢). [٨٦]
* * *
(١) «شفاء العليل» (ص٥٤)، وانظر توجيهات أخرى في: «التبيان في أقسام القرآن» (ص٤٩ - ٥١).
(٢) «تفسير الطبري» (١/ ٣٤٥).
 
١١٧
 
قواعد التفسير
القواعد هي: الأمور الكلية المنضبطة التي يستخدمها المفسر في تفسيره، ويكون استخدامه لها إما ابتداءً، ويبني عليها فائدة في التفسير، أو ترجيحًا بين الأقوال (١).

ويمكن استنباط هذه القواعد من كتب التفسير، وكتب اللغة، والبلاغة، والأصول. وتنقسم هذه القواعد إلى قسمين: القواعد العامة، والقواعد الترجيحية، وبينهما تداخل ظاهر عند التأمل.
أولًا: القواعد العامة
المراد بهذه القواعد: القواعد التي يمكن أن يعملها المفسر عندما يفسر آية من القرآن.
ويبدو على بعض هذه القواعد أنها بمثابة الفوائد، ومنها ما يكون لغويًا، ومنها ما يكون أصوليًّا، ومنها ما يكون بلاغيًّا ...
وسأذكر جملة منثورة من هذه القواعد من غير تبويب وترتيب، نظرًا لقلة ما سأذكره منها، وما هي إلا أمثلة لهذه القواعد:
١ - قال ابن القيم: «المعهود من ألفاظ القرآن أنها تكون دالة على جملة معان» (٢).
٢ - قال الشنقيطي: «تقرَّر عند العلماء أن الآية إن كانت تحتمل معاني
(١) يرجع في هذه القواعد إلى كتاب الدكتور حسين الحربي «قواعد الترجيح عند المفسرين» وكتاب الدكتور خالد السبت «قواعد التفسير».
(٢) «جلاء الأفهام» (ص٣٠٨).
 
١١٨
 
كلها صحيح تعيَّن حملها على الجميع، كما حققه بأدلة الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية في رسالته في علوم القرآن» (١).
٣ - ما أبهم في القرآن فلا فائدة في بحثه.
قال الشنقيطي: «ففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها الله لنا ولا رسوله، ولم يثبت في بيانها شيء، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه» (٢). [٨٧]
٤ - إذا عرف تفسير القرآن من جهة النبي ﷺ فلا حاجة إلى قول من بعده (٣).
٥ - قول الصحابة مقدم على غيرهم في التفسير، وإن كان ظاهر السياق لا يدل عليه؛ لأنهم أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أريد به.
ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠].
قال مسروق: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، وما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه، قال فنزلت: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ
(١) «أضواء البيان» (٣/ ١٢٤)؛ وانظر: «التحرير والتنوير» (١/ ٩٣، ١٠٠).
(٢) «أضواء البيان» (٤/ ٤٣).
(٣) «التفسير الكبير» لابن تيمية (١/ ١١٩).
 
١١٩
 
وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد ﷺ فآمنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفرتم به. وقال سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن سلام وابن عباس: الشاهد عبد الله بن سلام، وبه قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والحسن، وابن زيد.
قال الطبري:
«والصواب من القول في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروق في تأويل ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ في سياق توبيخ الله - تعالى ذكره - مشركي قريش احتجاجًا عليهم لنبيه ﷺ، وهذه الآية نظيرة سائر الآيات قبلها، ولم يجر لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكر، فتوجه هذه الآية إلى أنها فيهم نزلت، ولا دلّ على انصراف الكلام عن قصص الذين تقدم الخبر عنهم معنى، غير أن الأخبار قد وردت عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك عني به عبد الله بن سلام وعليه أكثر أهل التأويل، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب التي نزل فيه، وما أريد به، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك، وشهد عبد الله بن سلام وهو الشاهد من بني إسرائيل على مثله، يعني على مثل القرآن، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمدًا مكتوب في التوراة أنه نبيّ تجده اليهود مكتوبًا عندهم في التوراة، كما هو مكتوب في القرآن أنه نبي» (١). [٨٨]
٦ - إعراب القرآن ينبغي أن يكون على أفصح الوجوه، ولا يفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام، ويكون الكلام به له معنى ما.
مثال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، ذكر ابن القيم قول من قال: إنه من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه؛ كأنه قال: إن رحمة الله شيء قريب من المحسنين، ثم رد على هذا القول من وجوه وذكر أحدها، وهو:
«أن الشيء أعم من المعلومات، فإنه يشمل الواجب والممكن، فليس في تقديره ولا في اللفظ به زيادة فائدة يكون الكلام بها فصيحًا بليغًا، فضلًا عن أن يكون بها في أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، فأي فصاحة وبلاغة في قول القائل في حائض وطامث وطالق: شيء حائض، وشيء طامث، وشيء طالق؟ وهو لو صرح بهذا لاستهجنه السامع. فكيف يقدر في الكلام مع أنه لا يتضمن فائدة أصلًا؟
(١) «تفسير الطبري» (٢٦/ ٩).
 
١٢٠
 
إذ كونه شيئًا أمر معلوم عام لا يدل على مدح ولا ذم، ولا كمال ولا نقصان.
وينبغي أن يتفطن ههنا لأمر لا بدّ منه، وهو أنه لا يجوز أن يحمل كلام الله ﷿ ويفسر بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي الذي يحتمله تركيب الكلام، ويكون الكلام به له معنى ما، فإن هذا مقام غلط فيه أكثر المعربين للقرآن، فإنهم يفسرون الآية ويعربونها بما يحتمله تركيب تلك الجملة، ويفهم من ذلك التركيب أي معنى اتفق، وهذا غلط عظيم يقطع السامع بأن مراد القرآن غيره، وإن احتمل ذلك التركيب هذا المعنى في سياق آخر وكلام آخر، فإنه لا يلزم أن يحتمله القرآن، مثل قول بعضهم في قراءة من قرأ: ﴿وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] بالجر: إنه قسم. ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] إن المسجد مجرور بالعطف على الضمير المجرور في به، ومثل قول بعضهم في قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ﴾ [النساء: ١٦٢] إن ﴿المقيمين﴾ مجرور بواو القسم. ونظائر ذلك أضعاف أضعاف ما ذكرنا، وأوهى بكثير؛ بل للقرآن عرف خاص ومعان معهودة لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه والمعهود من معانيه، فإن نسبة معانيه إلى المعاني كنسبة ألفاظه إلى الألفاظ، بل أعظم، فكما أن ألفاظه ملوك الألفاظ وأجلها وأفصحها، ولها من الفصاحة أعلى مراتبها التي يعجز عنها قدر [٨٩] العالمين، فكذلك معانيه أجل المعاني وأعظمها وأفخمها، فلا يجوز تفسيره بغيرها من المعاني التي لا تليق به، بل غيرها أعظم منها وأجل وأفخم، فلا يجوز حمله على المعاني القاصرة بمجرد الاحتمال النحوي الإعرابي.
فتدبر هذه القاعدة ولتكن منك على بالٍ، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه.
 
١٢١
 
وسنزيد هذا إن شاء الله تعالى بيانًا وبسطًا في الكلام على أصول التفسير. فهذا أصل من أصوله» (١).
مثال آخر:
في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] قال أبو حيان: «وقد ركبوا وجوهًا من الإعراب في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾».
والذي نختاره منها أن قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جملة مستقلة من مبتدأ وخبر؛ لأنه متى أمكن حمل الكلام على غير إضمار ولا افتقار كان أولى أن يسلك به الإضمار والافتقار؛ وهكذا تكون عادتنا في إعراب القرآن لا نسلك فيه إلا الحمل على أحسن الوجوه وأبعدها من التكلف وأسوغها في لسان العرب، ولسنا كمن جعل كلام الله تعالى كشعر امرئ القيس وشعر الأعشى يُحمِّله جميع ما يحتمله اللفظ من وجوه الاحتمالات، فكما أن كلام الله من أفصح كلام فكذلك ينبغي إعرابه أن يحمل على أفصح الوجوه، هذا على أنا إنما نذكر كثيرًا مما ذكروه لينظر فيه، فربما يظهر لبعض المتأملين ترجيح شيء منه» (٢).
قواعد في العموم:
أـ حذف المتعلق يفيد العموم النسبي (٣)؛ أي: يفيد تعميم المعنى المناسب له، ويدخل في ذلك العموم ما كان سياق الكلام جاء من أجله، وهو فرد من أفراد هذا المعنى العام.
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. [٩٠]
فالمتعلق بالفعل «تتقون» محذوف، ويمكن تقدير عدة متعلقات؛ مثل: تتقون الله، تتقون النار، تتقون المحارم (٤).
(١) «التفسير القيم» (٢٦٨، ٢٦٩).
(٢) «البحر المحيط» (١/ ٣٦).
(٣) لا يلزم أن حذف المتعلق يراد به العموم، بل له أغراض أخرى غير هذا.
(٤) «القواعد الحسان» (ص٤٦، ٤٧)، وراجع: «إرشاد الفحول» (ص١٣٢).
 
١٢٢
 
ب - إذا دخلت (ال) على الأوصاف، وأسماء الأجناس، فإنها تفيد استغراق من يشمله هذا الوصف أو الاسم.
مثال الوصف: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
يدخل في هذه الأوصاف كل ما تناوله معاني الإسلام، والإيمان، والقنوت، والصدق ... إلخ.
مثال اسم الجنس: قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
فيشمل البر جميع أنواع الخير، وتشمل التقوى كل ما يلزم اتقاؤه (١).
جـ النكرة في سياق النفي، والنهي، والشرط، والاستفهام، تفيد العموم.
مثال سياق النفي: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] يعم كل نفس، وكل شيء.
مثال سياق النهي: قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] تشمل أي ند جعل الله.
مثال سياق الشرط: قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] تشمل أي نعمة عند العبد.
مثال سياق الاستفهام: قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣] تشمل أي خالق غير الله (٢). [٩١]
د - المفرد المضاف يفيد العموم.
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] فإنها تشمل كل نعمة أنعمها الله على عبده.
(١) «القواعد الحسان» (ص٩ - ١٣).
(٢) «القواعد الحسان» (ص١٣، ١٤)؛ وانظر: «مذكرة أصول الفقه» (ص١٠٦).
 
١٢٣
 
ومن أمثلته: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠].
فالأمر، يشمل كل أمر كوني قدري (١).
هـ الفعل المضارع إذا جُزم أو نُفي بـ (لا) فإنه يفيد العموم.
مثاله: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].
قال الطاهر بن عاشور: «ووقوع فعل «تلقوا» في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد إلى التهلكة ...» (٢).
وـ ومن صيغ العموم وألفاظه الواردة في القرآن - وهي كثيرة ـ:
كل، وجميع، وأجمعون، وكافَّة، ومن وما الشرطية والاستفهامية، والموصولة والمصدرية، والجمع المضاف، واسم الجمع، كالقوم، والذي، والتي ... إلخ.
فهذه الألفاظ إذا جاءت فإنها تدل على العموم، وذكر شواهدها يطول.
إنَّ المشددة المكسورة تفيد التعليل:
مثل قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١]
والمعنى: اتقوا ربكم؛ لأن زلزلة الساعة شيء عظيم (٣).
الفاء تفيد التعليل:
مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. [٩٢]
وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ففي الأولى: لعلة كون المحيض أذى.
(١) «القواعد الحسان» (ص١٤).
(٢) «التحرير والتنوير» (٢/ ٢١٥).
(٣) «أضواء البيان» (٥/ ١٤، ٦٠).
 
١٢٤
 
وفي الثانية: لعلة سرقتهما (١).
الجملة الاسمية تدل على الثبوت (٢).
الجملة الفعلية تدل على التجدد (٣). مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣]. قال الطاهر بن عاشور: «وجيء بالفعلين المضارعين في «يقيمون» و«ينفقون»، للدلالة على تكرار ذلك وتجدده» (٤).
مجيء الفعل الماضي بصيغة المضارع لإفادة تصوير الحال الواقع عند حدوث الحدث. مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]، قال الطاهر بن عاشور: «وإنما عبر عن مصير الأرض خضراء بصيغة «تصبح مخضرة» مع أن ذلك مفرع على فعل «أنزل من السماء ماءً» الذي هو بصيغة الماضي؛ لأنه قصد من المضارع استحضار تلك الصورة العجيبة الحسنة» (٥).
فائدة اسم الموصول الدلالة على عِلِّية الحكم؛ أي: قرن الأمر بعلته.
فمثلًا، قوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سبأ: ٤٢] علة القول لهم هو أنهم ظلموا.
وأخيرًا؛ فهذه الأمثلة غيض من فيض، وبالمطالعة ستجد أكثر من هذه. [٩٣]

ثانيًا: القواعد الترجيحية
المراد بالقواعد الترجيحية: القواعد التي نعملها عند الترجيح بين أقوال المفسرين.
ويكون استعمال هذه القواعد في حالتين:
(١) «أضواء البيان» (٥/ ٢٣٨).
(٢) و(٣) «معترك الأقران» (٣/ ٦١٤)؛ «حاشية محيي الدين شيخ زاده» (١/ ٣١، ٣٢).
(٤) «التحرير والتنوير» (٩/ ٢٦٠).
(٥) «التحرير والتنوير» (١٧/ ٣١٨)، (١٠/ ٤٠)؛ وانظر: «روح المعاني» (٩/ ٩٠).
 
١٢٥
 
الأولى: ترجيح أحد الأقوال على غيره.
الثانية: رد أحد الأقوال.

متى يكون الترجيح؟
التفسير المنقول إما أن يكون مجمعًا عليه، أولًا.
فإن كان مجمعًا عليه؛ فلا حاجة إلى الترجيح. والإجماعات في التفسير كثيرة، وقد ذُكر بعضها في مبحث (الإجماع في التفسير)، ومنها:
١ - تفسير اليوم الموعود بيوم القيامة في قوله تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] (١).
٢ - تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالين بالنصارى (٢).
وإن كان مختلفًا فيه، فالاختلاف نوعان:
الأول: اختلاف تضاد: مثل تفسير قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ﴾ [الأنفال: ٦].
قيل: المجادل هم المسلمون، وقيل: هم الكفار.
وفي مثل هذا النوع يعمل بقواعد الترجيح لبيان القول الصواب في الآية.
الثاني: اختلاف تنوع: وقد سبق بيان أمثلته.
وفي هذا النوع يعمل بقواعد الترجيح لبيان القول الأولى إن احتاج الأمر إلى ذلك وإن كانت الآية تحتمل المرجوح. [٩٤]
 

عن الكاتب

Tanya Ustadz

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية