الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

كتاب فقه العبادات على المذهب الحنفي

كتاب فقه العبادات على المذهب الحنفي

الكتاب: فقه العبادات على المذهب الحنفي
المؤلف: الحاجة نجاح الحلبي
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
عدد الصفحات: ٢١٠

الموضوع: علم الفقه، الشريعة، الفروع

 

فهرس الموضوعات

  1. مقدمة [المؤلفة]
  2. الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه
  3. تعريف بالأحكام التكليفية
  4. تختلف الأحكام التكليفية بحسب ثبوت طلبها من الشارع وترتيب العقوبة على تركها. وهي:
  5. القواعد العامة في ترجيح أقوال أئمة الحنفية
  6. [متن الكتاب]
  7. كتاب الطهارة
  8. الباب الأول [المياه، الآسار]
    1. الفصل الأول: المياه
    2. الفصل الثاني: الأسآر
  9. الباب الثاني (قضاء الحاجة) .
    1. الفصل الأول (سننها ومكروهاتها)
    2. الفصل الثاني: الاستنجاء
  10. الباب الثالث (الوضوء) .
    1. الفصل الأول: تعريفه، سببه، شروطه، حكمه
    2. الفصل الثاني: فرائض الوضوء
    3. الفصل الثالث: سنن الوضوء
    4. الفصل الرابع: آداب الوضوء
    5. الفصل الخامس: مكروهات الوضوء
    6. الفصل السادس: نواقض الوضوء
  11. الباب الرابع (المسح على الخفين) .
  12. الباب الخامس (الغسل) .
  13. الباب السادس (التيمم) .
  14. الباب السابع (الحيض والنفاس والاستحاضة) .
  15. الباب الثامن (الطهارة من النجاسات الحقيقية) .
  16. كتاب الصلاة
  17. الباب الأول (مقدمات) .
  18. الباب الثاني (الأذان والإقامة) .
  19. الباب الثالث (أحكام الصلاة) .
    1. الفصل الأول: شروط الصلاة
    2. الفصل الثاني: أركان الصلاة
    3. الفصل الثالث: واجبات الصلاة
    4. الفصل الرابع: سنن الصلاة
    5. الفصل الخامس: آداب الصلاة
    6. الفصل السادس: مكروهات الصلاة
    7. الفصل السابع: مفسدات الصلاة
  20. الباب الرابع [سجود السهو والشكر والتلاوة]
    1. الفصل الأول: سجود السهو
    2. الفصل الثاني: سجود التلاوة
    3. الفصل الثالث: سجود الشكر
  21. الباب الخامس: الوتر
  22. الباب السادس (صلاة النوافل) .
    1. الفصل الأول: النوافل التابعة للفرائض
    2. الفصل الثاني: النوافل غير التابعة للفرائض
  23. الباب السابع (صلاة الجماعة) .
  24. الباب الثامن (الصلوات التي فرضت جماعة) .
    1. الفصل الأول: صلاة الجمعة
    2. الفصل الثاني: صلاة العيدين
  25. الباب التاسع (صلاة المسافر وصلاة المريض وصلاة الخوف) .
    1. الفصل الأول: صلاة المسافر
    2. الفصل الثاني: صلاة المريض
    3. الفصل الثالث: صلاة الخوف
  26. الباب العاشر (الجنائز) .
  27. كتاب الصيام
  28. الباب الأول [تعريفه، أقسامه، ما يستحب ويكره فيه]
    1. الفصل الأول: تعريف الصوم، ...
    2. الفصل الثاني: أقسام الصوم
  29. القسم الأول (الصوم المفروض) .
  30. القسم الثاني (الصوم المسنون) .
  31. القسم الثالث (الصوم المندوب) .
  32. القسم الرابع (الصوم المكروه) .
    1. الفصل الثالث [ما يستحب ويكره]
  33. الباب الثاني (الاعتكاف) .
  34. كتاب الزكاة
  35. الباب الأول [تعريفها، شروطها، الأنواع التي تجب فيها]
  36. الباب الثاني [زكاة النعم، الزروع والثمار، النقد، العروض التجارية]
    1. الفصل الأول: زكاة النعم
    2. الفصل الثاني: زكاة الزروع والثمار
    3. الفصل الثالث: زكاة النقد
    4. الفصل الرابع: زكاة العروض التجارية
  37. الباب الثالث (مصارف الزكاة) .
  38. الباب الرابع (صدقة الفطر) 
  39. كتاب الحج
  40. الباب الأول (تعريف الحج وشروطه) .
  41. الباب الثاني (أركان الحج) .
  42. الباب الثالث (واجبات الحج) .
  43. الباب الرابع (سنن الحج وآدابه) .
  44. الباب الخامس [أوجه تأدية الحج، التحلل، الحج عن الغير]
    1. الفصل الأول: أوجه تأدية الحج
    2. الفصل الثاني: التحلل
    3. الفصل الثالث: الحج عن الغير
  45. الباب السادس (العمرة) .
  46. الباب السابع (الجنايات) .
  47. الباب الثامن (الإحصار) .
  48. الباب التاسع (الهدي) .
    1. فصل في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم
  49. نهاية الكتاب

مقدمة [المؤلفة]

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المذهب الحنفي أحد المذاهب الفقهية الأربعة التي يعود المسلمون إليها لمعرفة أحكام العبادات والمعاملات المختلفة، ولتطبيقها في حياتهم اليومية، بل هو أكثر هذه المذاهب انتشارًا في العالم الإسلامي، حيث استند القضاة إلى أحكامه في قضائهم ردحًا من الزمن إبان الخلافة العباسية، كما كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية.
وقد ترك لنا السلف تراثًا غنيًا في هذا الموضوع في كتب عديدة، منها ما كتب في حياة إمام المذهب، ومنها ما كتب بعد من قبل مشاهير فقهائه. في هذه المراجع دونت نتائج الجهود الكبرى التي بذلها علماء السلف الذين استقصوا كل صغيرة وكبيرة في ميدان الفقه، ولم يتركوا زيادة لمستزيد، ومدوناتهم هذه، رغم مرور قرون على تأليفها، ما تزال وستبقى مرجع المسلم في معرفة تفاصيل أحكام الشريعة الإسلامية، لكن الخوض فيها، وعلى أهميته، ليس بالأمر اليسير على من يعيش في زمننا، لتفاوت ما بين أبناء العصرين في طريقة العرض وفي الأسلوب. لذا جاء هذا الكتاب جسرًا يسهل على القارئ الاتصال مع تلك الكتب، فهو مدخل إليها؛ بالنسبة للباحث المتخصص، كما أنه مرجع عملي كاف لمن ينشد في كتب الفقه الإرشاد في سلوكه اليومي على ضوء قواعد الشريعة الإسلامية. وموضوعاته تقتصر على قسم العبادات في المذهب.
في هذا الكتاب محاولة لتقديم المعلومات بطريقة تنسجم مع روح العصر؛ حيث يعتني الكتاب بالتقسيم والترقيم والعنونة والابتعاد عن الاستطرادات المطولة، كما يعتنون بعزو المعلومات إلى مراجعها بدقة، لتوثيقها ولتسهيل العودة إليها في الأصول لمن أراد. هذا الأسلوب في التأليف يلائم مادة الكتاب؛ حيث تتشعب القضايا ويلزم حفظها بعد فهمها للتطبيق العملي، وقد اعتمدته في كتابي، وأضفت شروحًا في الهوامش حيث اقتضى الأمر. كما حرصت على ذكر الأدلة محققة من الكتاب والسنة بالاعتماد على المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم والمعاجم المفهرسة للحديث وأمهات كتب الحديث. وقد صدرت بمقدمة عن حياة الإمام أبي حنيفة والفقه الحنفي.
مع هذا الجهد المبذول أقر أنه ما كان لعمل بشري أن يبلغ الكمال، وإن طمع المرء لبلوغه، وما عاد مؤلف كتاب إلى ما كتبه مرة إلا وجد فيه ما يمكن إضافته أو حذفه أو تعديله بغية بلوغ العمل مرتبة أفضل. وإني إذ أضع مؤلفي هذا بين يدي القراء لأرجو من الله أن يتقبله مني وأن ينفع به المسلمين، آملة منهم تزويدي بملاحظاتهم حول ما فيه سلبيات لعلي أتدارك ما وقع منها في الطبعات القادمة إن شاء الله.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر لكل من ساهم معي بجهد في إنجاز هذا الكتاب، وأتوجه إلى الله بالدعاء أن يثيبه عني وعن المسلمين.
المؤلفة
-٣ ربيع الأول ١٤٠٦ هـ
-١٥ تشرين الثاني ١٩٨٥ م
 
٢
 
الإمام أبو حنيفة النعمان ﵁
 
٣
 
- لمحة عن حياته (٨٠ - ١٥٠ هـ) .
نسبه: هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الفارسي، عرف بالإمام الأعظم.
كان جده من أهل كابل قد أسر عند فتح بلاده ثم مُنّ عليه. وأبو حنيفة - وإن كان مولى - لم يجر عليه الرق ولا على أبيه، بل كان حر النفس أصيلًا، ولم يكن نسبه الفارسي غاضًا من قدره في عصر يقدم شرف التقوى على شرف النسب. وكان العلم في عصره أكثره في الموالي (١)، فكانوا الوسط العلمي للدولة الإسلامية بعد الصحابة ردحًا طويلًا من الزمن، فصدقت فيه نبوءة رسول الله ﷺ: (لو كان العلم بالثريا لتناوله أناس من أبناء فارس) (٢) .
(١) الموالي: اسم أطلقه المؤرخون على غير العرب من المسلمين.
(٢) مسند الإمام أحمد: ج ٢ / ص ٢٩٧.
 
٤
 
مولده ونشأته:
ولد أبو حنيفة ﵁ في الكوفة سنة ثمانين للهجرة على رواية الأكثرين، ونشأ وتربى بها وعاش أكثر حياته فيها متعلمًا ومجادلًا ومعلمًا.
ولد أبوه ثابت على الإسلام ويروى أنه التقى بعلي بن أبي طالب ﵁ صغيرًا فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته.
نشأ أبو حنيفة ﵁ في بيت إسلامي خالص، وقد ابتدأ حياته تاجرًا ثم لفته الشعبي فقيه الأثر، لما لمح فيه من مخايل الذكاء وقوة الفكر، إلى الاختلاف إلى العلماء مع التجارة، فانصرف إلى العلم دون أن يهمل التجارة.
 
٥
 
طلبه للعلم:
تثقف أبو حنيفة ﵁ بالثقافة الإسلامية التي كانت في عصره، فقد حفظ القرآن على قراءة عاصم، ودرس الحديث، وعرف قدرًا من النحو والأدب والشعر، كما درس علم الكلام وأصول الدين، وجادل الفرق المختلفة في مسائل الاعتقاد وما يتصل به، ثم عدل إلى الفقه واستمر عليه واستغرق كل مجهوده الفكري، وقد ذكر في اختياره للفقه قوله: «كلما قلبته وأدرته لم يزدد إلا جلالة ... ورأيت أنه لا يستقيم أداء الفرائض وإقامة الدين والتعبد إلا بمعرفته، وطلب الدنيا والآخرة إلا به».
وقد اتجه أبو حنيفة ﵁ إلى دراسة الفتيا على المشايخ الكبار الذين كانوا في عصره، ولزم شيخه حماد بن أبي سليمان مذ كان في الثانية والعشرين من عمره إلى أن مات شيخه وأبو حنيفة ﵁ في الأربعين من عمره.
ومع ملازمة أبي حنيفة ﵁ لشيخه حماد فقد كان كثير الرحلة إلى بيت الله الحرام حاجًا، يلتقي في مكة والمدينة بالفقهاء والمحدثين والعلماء، يروي عنهم الأحاديث ويذاكرهم الفقه ويدارسهم ما عندهم من طرائق.
وكان يتتبع التابعين أينما وحيثما ثقفوا، وخصوصًا من اتصل منهم بصحابة امتازوا في الفقه والاجتهاد، وقد قال في ذلك: «تلقيت فقه عمر وفقه عبد الله بن مسعود وفقه ابن عباس عن أصحابهم».
وقد جلس الإمام أبو حنيفة في الأربعين من عمره في مجلس شيخه حماد بمسجد الكوفة، وأخذ يدارس تلاميذه ما يعرض له من فتاوى وما يبلغه من أقضية، ويقيس الأشباه بأشباهها والأمثال بأمثالها بعقل قوي مستقيم ومنطق قويم، حتى وضع تلك الطريقة الفقهية التي اشتق منها المذهب الحنفي.
 
٦
 
أخلاقه:
كان أبو حنيفة ﵁ بالغ التدين شديد التنسك عظيم العبادة، صائمًا بالنهار قائمًا بالليل تاليًا لكتاب الله، خاشعًا دائبًا في طاعة الله، قام الليل ثلاثين سنة وكان القرآن الكريم ديدنه وأنيسه.
كان كثير البكاء يرحمه جيرانه لكثرة بكائه، كثير الحياء جم الأدب وخاصة مع شيوخه، بارًا بوالديه يدعو لهما في كل صلاة ويتصدق عنهما.
كان كثير الورع يقول: «لو أن عبدًا عبد الله تعالى حتى صار مثل هذه السارية ثم إنه لا يدري ما يدخل في بطنه حلال أو حرام ما تقبل منه». ولذا كان شديد الحرج في كل ما تخالطه شبهة الإثم، فإن ظن إثمًا أو توهمه في مال خرج منه وتصدق به على الفقراء والمحتاجين، وقد تصدق ببضاعته كلها عندما باع شريكه ثوبًا معيبًا دون أن يظهر عيبه.
كان عظيم الأمانة في معاملاته حتى شبهه كثيرون في تجارته بأبي بكر الصديق ﵁، فكان مثلًا كاملًا للتاجر المستقيم كما هو في الذروة بين العلماء. قال فيه معاصره مليح بن وكيع: «كان أبو حنيفة عظيم الأمانة، وكان الله في قلبه جليلًا كبيرًا عظيمًا، وكان يؤثر رضا ربه على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتمل».
ومن أخلاقه السماحة والجود، فقد كانت تجارته تدر عليه الدر الوفير رغم ورعه واكتفائه من الربح بالقدر اليسير، وكان ينفق أكثره على المشايخ والمحدثين اعترافًا بفضل الله عليه فيهم.
قال فيه الفضيل بن عياض: «كان أبو حنيفة رجلًا فقيهًا معروفًا بالفقه، واسع المال معروفًا بالأفضال على كل من يطيف به، صبورًا على تعلم العلم بالليل والنهار، حسن الليل، كثير الصمت، قليل الكلام حتى ترد مسألة في حلال أو حرام فكان يحسن أن يدل على الحق، رهابًا من مال السلطان».
كان ﵀ واحد زمانه، لو انشقت عنه الأرض لانشقت عن جبل من الجبال في العلم والكرم والمواساة والورع والإيثار لله تعالى.
وكان أبو حنيفة ﵁ حريصًا على أن يكون مظهره كمخبره حسنًا، فكان كثير العناية بثيابه كثير التطيب، حسن الهيئة يحث من يعرفه على العناية بملبسه وسائر مظهره مذكرًا بحديث رسول الله ﷺ: (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده) . (١)
(١) الترمذي: ج ٥ / كتاب الزينة باب ٤١ / ٢٨١٩
 
٧
 
محنته ووفاته:
عاش أبو حنيفة ﵁ عصرًا مليئًا بالمشاحنات والتيارات، فقد أدرك دولتي بني أمية والعباس، وكان موقفه واضحًا من كل ما يجري حوله، ولم يعرف عنه يومًا أنه خرج مع الخارجين أو ثار مع الثائرين ... لكن لما طلب منه عمر بن هبيرة والي الأمويين على الكوفة أن يعمل معه امتنع فسجن وعذب ثم هرب ولجأ إلى مكة، واتخذها مقامًا ومستقرًا له من سنة (١٣٠ - ١٣٦) للهجرة، فعكف على الفقه والحديث يطلبهما بمكة التي ورثت علم ابن عباس ﵄.
ولما استتب الأمر للعباسيين عاد إلى الكوفة وأعلن ولاءه لهم وتابع حلقات درسه في مسجد الكوفة. واستمر على ولائه للدولة العباسية، إلا أنه على ما يظهر انتقد موقف الخليفة المنصور من بعض آل البيت من أبناء علي ﵁، وكان حول الخليفة كثيرون يحسدون أبا حنيفة ﵁ ويوغرون صدر المنصور عليه، فكان أن عرض عليه الخليفة المنصور منصب القضاء امتحانًا لإخلاصه، فاعتذر الإمام عن قبول المنصب تحرجًا من الوقوع في الإثم لأنه يرى القضاء منصبًا خطيرًا لا تقوى نفسه على احتماله، وتعرض لمحنة قاسية بسبب رفضه؛ إذ وجد الخليفة المنصور الفرصة مواتية للنيل منه فسجن وعذب ثم أخرج من السجن على أن يفتي فكان يُرْجِعُ المسائل ولا يفتي فيها بشيء، فسجن من جديد ثم أخرج ومنع من الفتوى والناس والخروج من المنزل، فكانت تلك حاله إلى أن توفي ﵀ سنة (١٥٠) للهجرة على أصح الأقوال. وقيل إنه مات مقتولًا بالسم في سجنه ﵀.
وكان قد أوصى أن يدفن بأرض الخيزران فحمل إليها. وقدر عدد من شيع جنازته وصلى عليها بخمسين ألفًا. وقد صلى المنصور نفسه عليها إقرارًا منه بعظمة دينه وتقواه وقال: من يعذرني منك حيًا وميتًا؟ رحم الله الإمام ورضي الله عنه وأرضاه.
 
٨
 
منزلته العلمية ومصادر علمه:
كان الإمام أبو حنيفة فقيهًا مستقلًا قد سلك في تفكيره مسلكًا استقل به وتعمق فيه. وقد بقيت أصوات الثناء تتجاوب في الأجيال تعطر سيرته، قال أحد العلماء: «أقمت على أبي حنيفة خمس سنين فما رأيت أطول منه صمتًا، فإذا سئل عن شيء من الفقه تفتح وسال كالوادي وسمعت له دويًا وجهارة بالكلام». كما وصفه معاصره الورع التقي عبد الله بن المبارك بأنه مخ العلم، فهو قد أصاب من العلم اللباب ووصل فيه إلى أقصى مداه، وكان يستبطن المسائل ويستكنه كنهها ويتعرف أصولها ويبني عليها. ولقد شغل عصره بفكره وعلمه ومناظراته، فهو بين المتكلمين يناقشهم ويدفع أهواء ذوي الأهواء؛ ويناقش الفرق المختلفة وله رأي في مسائل علم الكلام أثر عنه؛ بل هناك رسائل نسبت إليه، وله في الفقه والتخريج وفهم الأحاديث واستنباط علل أحكامها والبناء عليها المقام الأعلى، حتى إن بعض معاصريه قال: «إنه لم يعرف أحدًا أحسن فهمًا للحديث منه».
من أين جاء لأبي حنيفة ﵁ كل هذا العلم؟ ما مصادره؟ ما مهيئاته؟ ما الذي توافر له حتى كان منه ما رواه تاريخ العالم الإسلامي؟.
لقد تهيأ لتوجيه أبي حنيفة ﵁ توجيهًا علميًا ولنبوغه في وجهته أمور أربعة، أولها: صفاته التي جبل عليها، ثانيها: شيوخه الموجهون الذين التقى بهم وأثروا فيه، ثالثها: حياته الشخصية وتجاربه، ورابعها: العصر الذي أظله والبيئة الفكرية التي عاش فيها.
وسنخص كل واحد من هذه العناصر بكلمة:
-١ - صفاته:
اتصف أبو حنيفة ﵁ بصفات جعلته في الذروة بين العلماء، صفات العالم الحق الثبت الثقة، البعيد المدى في تفكيره، المتطلع إلى الحقائق، الحاضر البديهة الذي تسارع إليه الأفكار.
كان ﵁ ضابطًا لنفسه مستوليًا على مشاعره، لا تعبث به الكلمات العارضة ولا تبعده عن الحق العبارات النابية، كان يقول: «اللهم من ضاق بنا صدره فإن قلوبنا قد اتسعت له». وقد أوتي استقلالًا في تفكيره جعله لا يخضع في رأيه إلا لنص من كتاب أو سنة أو فتوى صحابي، ولم يؤثر فيه الحب والبغض.
كان عميق الفكرة بعيد الغور في المسائل، لا يكتفي بالبحث في ظواهر الأمور والنصوص ولا يقف عند ظاهر العبارة بل يسير وراء مراميها البعيدة أو القريبة، ولعل ذلك العقل الفلسفي المتعمق هو الذي دفعه لأن يتجه أول حياته إلى علم الكلام كما دفعه لدراسة الحديث دراسة متعمقة، يبحث عن علل ما اشتمل عليه من أحكام مستعينًا بإشارات الألفاظ ومرامي العبارات.
كان حاضر البديهة، لا تحتبس فكرته ولا يفحم في جدال، واسع الحيلة يعرف كيف ينفذ إلى ما يفحم به خصمه من أيسر السبل، وله في ذلك غرائب ومدهشات حتى قيل فيه: إنه لو أراد أن يثبت الحكم وعكسه لما أعجزه ذلك.
كان مخلصًا في طلب الحق مما نور قلبه وأضاء بصيرته، فكان لا يهمه إلا الحق سواء كان غالبًا أو مغلوبًا. وكان لإخلاصه لا يفرض في رأيه أنه الحق المطلق بل يقول: «قولنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن جاء بأحسن من قولنا فهو أولى بالصواب منا».
هذه جملة الصفات التي جعلت من أبي حنيفة ﵁ فقيهًا انتفع بكل غذاء روحي وصل إليه.
-٢ - شيوخه والموجهون الذين التقى بهم:
التقى الإمام أبو حنيفة بعدد من الذين عمروا من الصحابة، منهم أنس بن مالك وعبد الله ابن أبي أوفى وسهل بن سعد رضوان الله عليهم، ولكنه لم يرو عنهم إذ كان في سن لقائه بهم صغيرًا، ولكن أجمع العلماء على أنه التقى بكبار التابعين وجالسهم ودارسهم وروى عنهم وتلقى فقههم.
وقد قال: «كنت في معدن العلم والفقه فجالست أهله ولزمت فقيهًا من فقهائهم».
وهذا يدل على أنه عاش في وسط علمي وجالس العلماء وعرف مناهج بحثهم ثم اختار من بينهم فقيهًا وجد فيه ما يرضي نزوعه العلمي وهو حماد بن أبي سليمان الذي انتهت مشيخة الفقه العراقي في عصره، فلزمه ثماني عشرة سنة. وكان حماد قد تلقى معظم فقهه على إبراهيم النخعي فقيه الرأي كما تلقى عن الشعبي فقيه الأثر، وهما اللذان انتهى إليهما فقه الصحابيين الجليلين عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب ﵄، وكانا قد أقاما بالكوفة وأورثا أهلها تراثًا فقهيًا عظيمًا.
ومن شيوخه عطاء بن أبي رباح الذي أخذ خلاصة علم ابن عباس ﵄ عن مولاه عكرمة. وكان أبو حنيفة ﵁ يلازمه ما دام مجاورًا لبيت الله الحرام.
ومنهم نافع مولى ابن عمر ﵄ وقد أخذ عنه أبو حنيفة ﵁ علم ابن عمر وعلم عمر ﵄. وهكذا اجتمع للإمام أبي حنيفة علم عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر ﵃ عن طريق من تلقى عنهم من تابعيهم ﵃ أجمعين.
ولم يقتصر الإمام أبو حنيفة على الأخذ عن هؤلاء الفقهاء بل تجاوز ذلك إلى أئمة آل البيت فأخذ عنهم ودارسهم، منهم الإمام زيد بن علي زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق وعبد الله بن الحسن بن الحسن.
ولم يكن اتصال أبي حنيفة، ﵁، العلمي مقصورًا على رجال الجماعة وأئمة آل البيت بل اتصل بمختلف الفرق وتعرف على آرائهم وأقوالهم، فكان يأخذ من كل هذه العناصر ثم يخرج منها بفكر جديد ورأي قويم لم يكن من نوعها وإن كان فيه خيرها.
وهكذا نستطيع أن نقول إنه تلقى فقه الجماعة الإسلامية بشتى منازعها وإن كان قد غلب عليه تفكير أهل الرأي بل عُدّ شيخ أهل الرأي.
-٣ - دراسته الخاصة وتجاربه:
كانت حياة الإمام أبي حنيفة ودراساته وتجاربه تتجه به نحو تكوين فقيه العراق الأول.
فقد زاول التجارة وكان عليمًا بأحوال البيع والعرف التجاري مما جعله يتكلم في معاملات الناس وأحكامها كلام الخبير الفاهم؛ فجعل للعرف مكانًا في تخريجه الفقهي، وأحسن التخريج بالاستحسان عندما يكون في القياس منافاة للمصلحة أو العدالة.
كما كان كثير الرحلة إلى الحج وغيره يلتقي بالعلماء يدارس ويذاكر ويناظر ويروي ويفتي. هذا إلى ما تفيده الرحلات نفسها من فتق للذهن ومعرفة بمواطن الوحي والبلاد المختلفة؛ فيحيط خبرًا بمعاني الآثار ودقائق الأخبار ويحسن التفريع في المسائل الفقهية ويحكم تصورها والإلمام بأحكامها.
وقد كان أبو حنيفة ﵁ مغرمًا بالجدل والمناظرة منذ شب في طلب العلم، ومجادلته في العقائد أرهفت تفكيره وعمقت مداركه، ومناظراته في الفقه أطلعته على أحاديث وأوجه للقياس وفتاوى للصحابة لم يكن مطلعًا عليها.
وطريقة الإمام أبي حنيفة الخاصة في التدريس جعلت درسه مجالًا لتثقيف المعلم والمتعلم معًا، فقد كان يطرح الفكرة ويناقشها مع تلاميذه، كل يدلي برأيه مخالفًا أو موافقًا، وبعد تقليب النظر يدلي هو بالرأي الذي تنتجه هذه الدراسة فيقر الجميع به. وهذا جعل علمه في نمو متواصل وفكره في تقدم مستمر.
-٤ - عصره:
أدرك الإمام أبو حنيفة العصر الأموي في عنفوانه وقوته ثم في تحدره وانهياره، وأدرك الدولة العباسية في نشأتها قوية ظافرة ناهضة مسيطرة.
وعاش أبو حنيفة ﵁ في العصر الأموي اثنتين وخمسين سنة، وهي السن التي تربى فيها وبلغ أشده، ثم بلغ أوجه العلمي ونضجه الفكري الكامل. ولم يدرك من العصر العباسي إلا ثماني عشرة سنة، وكانت عاداته الفكرية ومناهجه العلمية قد استقامت، وصار ينتج الكثير ولا يأخذ إلا القليل. وعلى هذا فما أخذه الإمام أبو حنيفة من عصره كان أكثره من الأموي وأقله من العباسي، وكان العصر العباسي نموًا لما في العصر الأموي ونتائج لمقدمات بدأت قبله.
وقد أغنت الحياة السياسية الحافلة بالصراعات والاتجاهات، والحياة الاجتماعية التي ضمت عناصر مختلفة لكل منها طابع خاص رغم أنها انصهرت جميعها في بوتقة الإسلام، والمشاغل الفكرية في أمور العقيدة وما نشأ عنها من فرق ونحل، وازدهار حركة الترجمة عن الفكر اليوناني والفارسي والهندي، وتفرغ العلماء للخوض في علوم الدين الذي أثمر حركة التدوين للحديث وكثرة المناظرات والرحلات العلمية. أغنت هذه الأجواء، السياسية والاجتماعية والفكرية والعلمية، مدارك الفقهاء وساعدت في تفتق أذهان العلماء وأوجدت مناخًا ملائمًا ساعد في استخراج المسائل وفي فرض الفروض والتصورات.
 
٩
 
فقه أبي حنيفة ﵁:
كان أبو حنيفة ﵁ أشهر فقهاء الرأي كما كان مالك أشهر فقهاء الحديث. ويقصد بالرأي: كل ما يفتي فيه الفقيه في الأمور التي لا يجد فيها نصًا، ويعتمد في فتواه على ما عرف من الدين بروحه العامة، أو ما يتفق مع أحكامه في جملتها في نظر المفتي، أو ما يكون مشابهًا لأمر منصوص عليه فيها فيلحق الشبيه بالشبيه. وعلى ذلك يكون الرأي شاملًا للقياس والاستحسان والمصالح المرسلة والعرف.
وأساس الاختلاف بين أهل الرأي وأهل الحديث ليس في الاحتجاج بالسنة بل في أمرين: في الأخذ بالرأي، وفي تفريغ المسائل تحت سلطانه. فقد كان أهل الحديث لا يأخذون بالرأي إلا اضطرارًا ولا يفرغون المسائل، فلا يستخرجون أحكامًا لمسائل لم تقع، بل لا يفتون إلا فيما يقع من الوقائع. أما أهل الرأي فيكثرون في الإفتاء بالرأي ما دام لم يصح لديهم حديث في ذلك الموضوع الذي يجتهدون فيه، ولا يكتفون باستخراج أحكام المسائل الواقعة بل يفرضون مسائلا غير واقعة ويضعون لها أحكامًا بآرائهم. وكان أكثر أهل الحديث بالحجاز، لأنه موطن الصحابة الأول ومكان الوحي، ولأن التابعين الذين أقاموا فيه تخرجوا على صحابة لم يكثروا من الرأي. وأكثر أهل الرأي كانوا بالعراق، لأنهم تخرجوا على ابن مسعود ﵁ وهو ممن كانوا يتحرجون في الرواية عن رسول الله ﷺ ولا يتحرج في الاجتهاد برأيه، ولأن العراق كان موطنًا لفلسفات وعلوم مدارس قديمة، كما أن أسباب الرواية لم تتوافر عند أهله.
وقد عرف أبو حنيفة ﵁ باتجاهه إلى الفرض والتقدير فكان يقدر مسائل لم تقع ويبين حكمها ويوضح أدلتها ويقول في ذلك: «إنا نستعد للبلاء قبل نزوله فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه».
وهكذا زاد أبو حنيفة ﵁ الفقه التقديري نموًا وأكثر فيه، وسلك الفقهاء من بعده مسلك الفرض والتقدير واختلفوا في المقدار.
ذكر العلماء مسندًا من الأحاديث والآثار منسوبًا إلى أبي حنيفة ﵁، ولكن أكثر الآراء على أن أبا حنيفة ﵁ لم يدون في الفقه كتابًا مبوبًا؛ فقد كان المعروف أن تلاميذه يدونون آراءه ويقيدونها، وربما كان ذلك بإملاءه أحيانًا، وكان هو يراجع ما دُوّن أحيانًا ليقره أو ليغيره. وكان في جلساته الفقهية مع تلاميذه يلقي مسألة مسألة يقلبها ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده ويناظرهم حتى يستقر أحد الأقوال فيها ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها. وبهذا النحو من التحرير دُوّن مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، ونشره أصحابه كتبًا مبوبة مرتبة منظمة.
وكانت الأقوال التي نقلها أصحاب الإمام أبي حنيفة خالية من الدليل، إلا ما يكون من أثر منقول أو خبر مشهور أو اعتماد على فتوى صحابي أو انتهاء إلى رأي تابعي، وقليلًا ما يذكر قياسها أو عماد استحسانها، اللهم إلا ما كتب أبي يوسف ولا تحكي إلا القليل. ولا شك أن ذلك يبعد بنا عن معرفة الإمام أبي حنيفة القياس صاحب الاستحسان الذي عد أقوى قائس في عصره، فلم يجرؤ أحد على منازعته القياس إذا قايس أو استحسن.
وإذا كانت الطبقة التي وليت أصحاب أبي حنيفة ﵁ قد عنيت بالاستدلال واستخراج الأقيسة في الأحكام وبيان أوجه الاستحسان وأحكام العرف، فإننا لسنا على ثقة كاملة من أن هذا الاستدلال الذي يسوقونه هو نفس ما كان يفكر فيه الإمام أبو حنيفة وما اهتدى على ضوئه إلى ما قرره من أحكام.
تلاميذه:
كان لأبي حنيفة ﵁ تلاميذ كثيرون، منهم من كان يرحل إليه ويستمع أمدًا ثم يعود إلى بلده بعد أن يأخذ طريقه ومنهاجه، ومنهم من لازمه. وقد قال هو في أصحابه الذين لازموه: «هؤلاء ستة وثلاثون رجلًا منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء، وستة يصلحون للفتوى، واثنان أبو يوسف وزُفَر يصلحان لتأديب القضاة وأرباب الفتوى».
ولا شك أن هؤلاء الصحاب الذين يقرر أبو حنيفة ﵁ صلاحيتهم للقضاء والإفتاء وتأديب القضاة كانوا في حياته من النضج العلمي بحيث يمكن أن تعهد إليهم هذه الأمور الخطيرة، وكانوا في سن تؤهلهم لها. أما محمد بن الحسن فقد كان في الثامنة عشر من عمره حينما توفي أبو حنيفة ﵀ ولم تكن سنه تؤهله للقضاء، مع أننا سنجد فقه أبي حنيفة ﵁ خاصة وفقه العراقيين عامة مدين لمحمد ابن الحسن بكتبه، فهي التي حفظته وأبقته للأخلاف مرجعًا يرجع إليه ومنهلًا يستقى منه.
 
١٠
 
وقد أضفت خدمة تلاميذ الإمام أبي حنيفة لمذهبه وعنايتهم بذلك جلالًا على المذهب وإمامه. وسنخص بالذكر بعض أصحابه ممن كان لهم أثر في نقل فقهه إلى الأجيال اللاحقة.
أبو يوسف (١١٣ - ١٨٢ هـ):
وهو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، الأنصاري نسبًا والكوفي منشأً وتعلمًا ومقامًا. نشأ فقيرًا تضطره الحاجة للعمل ثم أمده الإمام أبو حنيفة بالمال فانصرف إلى طلب العلم. جلس إلى ابن أبي ليلى الفقيه قبل أن يجلس إلى أبي حنيفة ﵁، ثم انقطع إليه مع اتصاله بالمحدثين. وكان فقيهًا عالمًا حافظًا، كثير الحديث، عُدّ أحفظ أصحاب الإمام أبي حنيفة للحديث. ولي القضاء لثلاثة من الخلفاء العباسيين: المهدي والهادي ثم الرشيد الذي كانت له عنده مكانة وحظوة.
وقد استفاد الفقه الحنفي من أبي يوسف فوائد جليلة، إذ أن اختباره للقضاء جعله يصقل المذهب صقلًا علميًا بسبب اطلاعه على الشؤون العامة ومشاكل الناس، فأصبح قياسه واستحسانه مشتقًا من الحياة العملية لا من الفروض النظرية فقط. وقد استمد المذهب الحنفي نفوذًا مكينًا بتولي أبي يوسف القضاء وكونه القاضي الأول للدولة.
ولعل أبا يوسف أول فقهاء الرأي الذين دعموا آراءهم بالحديث وبذلك جمع بين طريقة أهل الرأي وطريقة أهل الحديث.
ولأبي يوسف كتب كثيرة دوّن فيها آراءه وآراء شيخه، منها كتاب الآثار وكتاب أبي حنيفة وابن أبي ليلى وكتاب الرد على سير الأوزاعي وغيرها. وفي كتبه جمال في التعبير ووضوح وجزالة ودقة قياس وإحكام فكر، إلى جانب بعض الأدلة الفقهية المصورة لاتجاه الإمام أبي حنيفة في تفكيره.
محمد بن الحسن الشيباني (١٣٢ - ١٨٩ هـ):
يكنى أبا عبد الله، وينتسب إلى شيبان بالولاء. كانت سنه عند موت الإمام أبي حنيفة ثماني عشرة سنة، فلم يتلق عنه أمدًا طويلًا، ولكنه أتم دراسته لفقه العراق الذي صقله القضاء على أبي يوسف، كما تلقى فقه الحجاز عن مالك ﵁، وروايته للموطأ من أجود الروايات، وتلقى فقد الشام عن الأوزاعي.
وكانت له قدرة ومهارة في التفريع والتخريج بالإضافة إلى درايته الواسعة البالغة في الأدب وامتلاكه أعنة البيان. قال فيه الشافعي: «كان محمد بن الحسن يملأ العين والقلب، وكان أفصح الناس، إذ تكلم خيل إلى سامعه أن القرآن نزل بلغته». وقد تمرس بالقضاء أيضًا مما أفاده علمًا وتجربة وقرب فقهه من الناحية العملية التي لا تقتصر على التصور والنظر المجرد. وكان عنده اتجاه إلى التدوين فهو يعد بحق ناقل فقه العراقيين إلى الأخلاف، وتعد كتبه المرجع الأول لفقه أبي حنيفة ﵁، سواء في ذلك ما كان بروايته عن أبي يوسف ومراجعته عليه، وما كان قد دوّنه من فقه أهل العراق وتلقاه عن أبي يوسف وغيره.
وأهم كتبه: المبسوط والزيادات والجامع الصغير والسير الصغير والسير الكبير والجامع الكبير، وتسمى الأصول وسميت كتب ظاهر الرواية لأنها رويت عن محمد برواية الثقات فهي ثابتة عنه إما متواترة أو مشهورة. ومن كتبه أيضًا كتاب الآثار الذي جمع فيه الأحاديث والآثار التي رواها أبو حنيفة ﵁، وهو يتلاقى في كثير من مروياته مع كتاب الآثار لأبي يوسف وكلاهما يعد مسندًا لأبي حنيفة ﵁ وقد جمعا بعناوين فقهية مرتبة. وهذه الكتب هي عماد النقل في الفقه الحنفي وتعد الأصل الذي يرجع إليه في فقه الإمام أبي حنيفة وأصحابه.
زُفَر بن هذيل (١١٠ - ١٥٨ هـ):
وهو أقدم صحبة لأبي حنيفة، ﵁، من صاحبيه أبي يوسف ومحمد. كان ذكيًا قوي الحجة أخذ عن الإمام أبي حنيفة فقه الرأي وكان أحد أصحابه قياسًا. ليس له كتب بل عمل على نشر آراء أبي حنيفة ﵁ بلسانه في مناظراته الفقهية مع علماء البصرة، وكان قد تولى قضاءها في حياة شيخه. وقد خلف زُفَر أبا حنيفة ﵁ في حلقته ثم خلفه من بعده أبو يوسف.
 
١١
 
المذهب الحنفي وانتشاره:
المذهب الحنفي الذي تلقته الأجيال وخرج العلماء المسائل على ما استنبط من أصوله هو مدرسة فقهية تجمع آراء الإمام أبي حنيفة واجتهاداته إلى أقوال واجتهادات أصحابه وتلاميذه وبعض معاصريه، كما تضم ما أضافه فقهاء آخرون تبنوا المذهب وساروا على نفس أصوله وإن لم يعاصروا شيخه. فكان لاختلاط الرواية عن الإمام أبي حنيفة بالرواية عن غيره ولاتحاد الأصول أثر في مزج الآراء وجعل مجموعها مذهبًا واحدًا.
وقد نشأ المذهب في موطن الإمام في الكوفة ثم تدارسه العلماء ببغداد بعد وفاة شيخه ثم شاع وانتشر في أكثر البقاع الإسلامية، فكان في العراق ثم في مصر والشام وبلاد الروم وما وراء النهر، ثم اجتاز الحدود فكان في الهند والصين حيث لا منافس له ولا مزاحم، ويكاد يكون المنفرد في تلك الأصقاع النائية إلى الآن، إذ المسلمون في الهند والصين يسيرون في عبادتهم وفي تنظيم أسرهم عليه دون سواه.
وقد ابتدأ ينال المنزلة الرسمية التي يسرت له الانتشار منذ أن ولي أبو يوسف منصب القضاء للرشيد ثم صار قاضي القضاة، فكان لا يعين قاضيًا في البلاد الإسلامية، من أقصى المشرق إلى شمالي إفريقية، إلا أن يكون حنفيًا. فكان المذهب الحنفي المذهب الرسمي للدولة وفي عهد العباسيين ثم العثمانيين.
وإذا كان انتشار المذهب الحنفي في أول الأمر بسبب اختيار الخلفاء للقضاة من أئمته فقد اكتسب نفوذًا قويًا بسبب إلف الناس له ونشاط العلماء والمناظرات فيه. كما أن طبيعة المذهب المرنة جعلته قابلًا لكل الأزمنة ملائمًا لكل الظروف والبيئات.
 
١٢
 
تعريف بالأحكام التكليفية
 
١٣
 
تختلف الأحكام التكليفية بحسب ثبوت طلبها من الشارع وترتيب العقوبة على تركها.

وهي:
 
١٤
 
-١ - الفَرض:
لغة: التقدير.
شرعًا: هو ما يطلب فعله على وجه اللزوم ويحرم تركه ويعاقب عليه، وتفوت الصحة بتركه. وهو قسمان:
آ - فرض قطعي: ويثبت به الفرض والحرام، وهو ما كان قطعي الثبوت والدلالة كالآيات القرآنية والأحاديث المتواترة (١) التي لا تحتمل التأويل. وهو يوجب العلم والعمل ويكفر جاحده. ومثاله: غسل الوجه للوضوء، ومقتضى تركه التحريم.
ب - فرض عملي: ويثبت به الواجب وكراهة التحريم، وهو ما كان قطعي الثبوت ظني الدلالة، وهو ما يثبت بالأحاديث والآيات المؤولة، لا يكفر جاحده، لكن مقتضى تركه عدم صحة العمل مع الإثم إن كان عمدًا.
مثاله: اعتقاد مسح الرأس في الوضوء فرض قطعي، أما المقدار المسموح من الرأس فهو فرض عملي.
وقد يكون الفرض بنوعيه: ركنًا: وهو ما توقف عليه وجود العمل وكان داخلًا في ماهيته كالركوع في الصلاة.
شرطًا: وهو ما توقف عليه وجود العمل وكان خارجًا عن ماهيته كالوضوء في الصلاة.
والفرض بنوعيه إما فرض عين: وهو ما يلزم بفعله كل إنسان، ولا يسقط بفعل البعض. وإما فرض كفاية: وهو فرض على المجتمع المسلم، يجب على البعض أن يقوم به فإن قصَّر أثم الجميع وإذا قام به البعض سقط عن الباقين.
-٢ - الواجب: وهو ما كانت أدلته ظنية من الحديث أو القياس، ومقتضى تركه كراهة التحريم مع العمد وتجب الإعادة في الوقت. أما تركه سهوًا فيسقط الإثم ويجب سجود السهو إن كان في الصلاة، وقد يطلق الواجب ويراد به الفرض العملي. ويجب قضاؤه إن فات.
-٣ - السنة:
لغة: الطريقة.
شرعًا: الطريقة المسلوكة في الدين من غير لزوم.
وهي في كل ما كان ظني الثبوت والدلالة من الأحكام، أو ما كان طلبه غير جازم.
وهي نوعان: آ - سنة مؤكدة: وهي ما واظب عليه رسول الله ﷺ، مع تركه مرة واحدة أو مرتين، ويلام تاركها عمدًا، ويؤجر فاعلها، ويفيد تركها عمدًا كراهة التنزيه.
ب - سنة غير مؤكدة: وهي ما فعله النبي ﷺ مرة وتركه أخرى. ولا يلزم بتركها كراهة، بل خلاف الأَوْلى. وحكمها: الثواب على فعلها وعدم اللوم على تركها. ومنها: المندوبات، والمستحبات، والتطوع، والآداب.
-٤ - التحريم: وهو ما ورد النهي عنه بدليل قطعي. وهو ما يحرم فعله ويعاقب عليه ويطلب تركه لزومًا ويثاب على تركه.
-٥ - المكروه: وهو ضد المحبوب من العمل. وهو لا يثبت إلا بدليل خاص.
وهو نوعان:
آ - مكروه تحريمًا: وهو مخالفة الواجب أو السنة الواردة بلفظ النهي. وهو إلى الحرام أقرب.
ب - مكروه تنزيهًا: إذا كان الدليل يفيد النهي غير الجازم، أو ما كان خلاف السنة غير الناهية.
(١) الحديث المتواتر: هو ما رواه جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه، على أن لا يختل هذا الجمع في أي طبقة من طبقات السند.
 
١٥
 
- القواعد العامة في ترجيح أقوال أئمة الحنفية
 
١٦
 
أولًا: إذا اتفق الإمام أبو حنيفة وصاحباه على جواب واحد في مسألة من المسائل لا يجوز العدول عنه مطلقًا.
ثانيًا: إذا وافق الإمام أحد صاحبيه لا يعدل عن قولهما إلى المخالف.
ثالثًا: إذا انفرد الإمام واتفق صاحباه يرجح قول الإمام على الغالب - في العبادات - أما في القضاء فيقدم قول أبي يوسف. وفيما يتعلق بذوي الأرحام يؤخذ بقول الإمام محمد.
رابعًا: قرروا جميعًا أن الاستحسان مقدم على القياس.
خامسًا: إذا اقترن قول بالفتوى وقول بالصحيح يحكم بالقول المقترن بالفتوى.
سادسًا: لفظ الصحيح مقدم على لفظ الأصح.
سابعًا: لا يحكم ولا يفتي بالقول الضعيف، إلا لنفسه أو للضرورة.
ثامنًا: يعرف المفتي بأنه مخبر عن الحكم والقاضي ملزم به.
تاسعًا: الحكم الملفق باطل، والتلفيق هو الفساد بالمذهبين كأن يَفْسُدَ وضوؤه بمسّ يد زوجته (يفسد عند السادة الشافعية) ويرعف من أنفه (يفسد عند السادة الأحناف) .
عاشرًا: الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل.
أحد عشر: التقليد لمذهب في عبادة ما يوجب إتمامها على المذهب نفسه (١)، إلا في الحج فيجوز طوافه حنفيًا ووقوفه في المزدلفة شافعيًا أو مالكيًا مثلًا.
(١) خلافًا للسادة الشافعية.
 
١٧

عن الكاتب

Tanya Ustadz

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية