الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

الفصل التاسع: أنواع خاصة من السجود وقضاء الفوائت علي المذاهب الأربعة

الفصل التاسع: أنواع خاصة من السجود وقضاء الفوائت علي المذاهب الأربعة الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ للزُّحَيْلِيّ

اسم الكتاب الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة وتخريجها
اسم المؤلف: د. وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ
المهنة:أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلاميّ وأصوله بجامعة دمشق - كلّيَّة الشَّريعة
الوفاة 8 أغسطس 2015 الموافق 23 شوال 1436 هـ
التصنيف: الفقه المقارن

المحتويات

  1. الفصل التاسع: أنواع خاصة من السجود وقضاء الفوائت
  2. المبحث الأول ـ أنواع خاصة من السجود (سجود السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر)
  3. المطلب الأول ـ سجود السهو: حكمه، أسبابه، محله وصفته
    1. أولا ـ حكم سجود السهو
    2. ثانيا ـ أسباب سجود السهو
  4. مذهب الحنفية
    1. العود إلى ما سها عنه
    2. الشك في الصلاة
  5. مذهب المالكية
    1. أما النقص
    2. أما الزيادة
    3. أما الزيادة والنقص معا
    4. العود لما سها عنه
  6. مذهب الشافعية
    1. الأول ـ ترك الإمام أو المنفرد عمدا أو سهوا سنة مؤكدة
    2. الثاني ـ نقل ركن قولي لغير محله
    3. الثالث ـ فعل شيء سهوا، يبطل عمده فقط
    4. الرابع ـ الشك في الزيادة
    5. الخامس ـ الشك في ترك بعض معين من أبعاض الصلاة
    6. السادس ـ الاقتداء بمن في صلاته خلل
  7. مذهب الحنابلة
    1. ١ - أما الزيادة في الصلاة
    2. ٢ - وأما النقص في الصلاة
    3. ٣ - وأما الشك في الصلاة الذي يقتضي سجود السهو في بعض صوره
    4. قصة ذي اليدين فيمن سلم من نقصان، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة
    5. اجتماع سهوين أو أكثر
    6. النافلة كالفرض
    7. تنبيه الإمام على السهو
  8. ثالثا ـ محل سجود السهو وصفته
    1. قال الحنفية
    2. قال المالكية
    3. قال الشافعية في الجديد
    4. قال الحنابلة
  9. المطلب الثاني ـ سجدة التلاوة
    1. أولا ـ دليل مشروعية سجدة التلاوة
    2. ثانيا ـ حكمها الفقهي
    3. هل تجب عند الحنفية على الفور أو على التراخي؟
    4. متابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي
    5. ثالثا ـ شروط سجود التلاوة
  10. شرائط الوجوب
  11. شرائط الجواز أو الصحة
    1. الحنفية
    2. المالكية
    3. الشافعية
    4. الحنابلة
  12. رابعا ـ مفسدات سجود التلاوة
  13. الحنفية
  14. خامسا ـ أسباب سجدة التلاوة وصفتها
    1. المالكية
    2. الشافعية
    3. الحنابلة
  15. سادسا ـ المواضع التي تطلب فيها السجدة
  16. سابعا ـ هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة؟
  17. ثامنًا ـ أحكام فرعية لسجدة التلاوة
    1. الحنفية
    2. المالكية
    3. الحنابلة
  18. المطلب الثالث ـ سجدة الشكر
  19. المبحث الثاني ـ قضاء الفوائت
  20. أولا ـ معنى القضاء وحكمه شرعا
  21. ثانيا ـ أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها
    1. أـ أعذار سقوط الصلاة
    2. إسقاط الصلاة والصوم وغيرهما عن المريض العاجز الذي مات
    3. ب ـ أعذار تأخير الصلاة عن وقتها
  22. ثالثا ـ كيفية قضاء الفائتة أو صفتها
    1. قضاء الفائتة بجماعة، وقضاء السنن
    2. القضاء على الفور
  23. رابعا ـ الترتيب في قضاء الفوائت ومتى يسقط الترتيب؟ 
    1. الحنفية
    2. المالكية
    3. الحنابلة
    4. الشافعية
  24. خامسا ـ القضاء إن جهل عدد الفوائت
  25. سادسا ـ القضاء في وقت النهي عن الصلاة
  26. العودة الي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي 

 الفَصْلُ التَّاسِع: أَنواعٌ خاصَّة من السّجود وقضاء الفوائت 
وفيه مبحثان:

المبحث الأول - أنواع خاصة من السجود (سجود السهو، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر)
هنا سجدات ثلاث ليست من صلب الصلاة هي: سجود السهو والتلاوة والشكر.

المطلب الأول - سجود السهو: 
حكمه، أسبابه، محله وصفته: السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عن الشيء: تركه مع العلم به.
والفرق بين الناسي والساهي: أن الناسي إذا ذكرته تذكر، بخلاف الساهي.

أولًا - حكم سجود السهو: 
لا مرية في مشروعية سجود السهو، قال الإمام أحمد: نحفظ عن النبي ﷺ خمسة أشياء: سلم من اثنتين فسجد، سلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة،
 
والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد. وقال الخطابي: المعتمد عليه عند أهل العلم: هذه الأحاديث الخمسة: يعني أحاديث ابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وابن بُحينة، وعمران بن حصين.
أما حديث أبي سعيد الخدري فهو كما قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى ثلاثًا، أم أربعًا، فلْيطْرح الشك، وليَبْن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإن كان صلى خمسًا شفَعْن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان» (١).
وشرع سجود السهو جبرًا لنقص الصلاة، تفاديًا عن إعادتها، بسبب ترك أمر غير أساسي فيها أو زيادة شيء فيها.
ولا يشرع سجود السهو في حالة العمد، لما رواه الطبراني عن عائشة: «من سها قبل التمام، فليسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم»، فعلق السجود على السهو؛ ولأنه يشرع جبرانًا للنقص أو الزيادة، والعامد لا يعذر، فلا ينجبر خلل صلاته بسجوده، بخلاف الساهي.
وسجود السهو واجب على الصحيح عند الحنفية، سنة في الجملة في المذاهب الأخرى (٢). قال الحنفية: يجب سجود السهو على الصحيح، يأثم المصلي بتركه، ولا تبطل صلاته؛ لأنه ضمان فائت، وهو لا يكون إلا واجبًا، وهو يرفع الواجب من قراءة التشهد والسلام، ولا يرفع القعدة لأنها ركن.
(١) رواه أحمد ومسلم (نيل الأوطار:١١٦/ ٣). قال ابن المنذر: حديث أبي سعيد أصح حديث في الباب.
(٢) انظر كل ما يتعلق بالسهو في فتح القدير:٣٥٥/ ١ - ٣٧٤، البدائع: ١٦٣/ ١ - ١٧٩، اللباب:٩٥/ ١ - ١٠٠، مراقي الفلاح: ص٧٩ - ٨١، الشرح الصغير:٣٧٧/ ١ - ٤٠٠، القوانين الفقهية: ص٧٣ - ٧٩، مغني المحتاج:٢٠٤/ ١ - ٢١٤، كشاف القناع:٤٥٩/ ١ - ٤٨١.
 
وإنما يجب على الإمام والمنفرد، أما المأموم (المقتدي) إذا سها في صلاته، فلا يجب عليه سجود السهو (١)، فإن حصل السهو من إمامه، وجب عليه أن يتابعه، وإن كان مدركًا أو مسبوقًا في حالة الاقتداء (٢)، وإن لم يسجد الإمام سقط عن المأموم؛ لأن متابعته لازمة، لكن المسبوق يتابع في السجود دون السلام.
ووجوب سجود السهو إذا كان الوقت (أو الحالة) صالحًا للصلاة، فلو طلعت الشمس بعد السلام في صلاة الفجر، أو احمرت الشمس في صلاة العصر، سقط عنه السهو؛ لأن السهو جبر للنقص المتمكن كالقضاء، ولا يقضى الناقص. وإذا فعل فعلًا يمنعه من البناء على صلاته: بأن تكلم أو قهقه، أو أحدث متعمدًا أو خرج عن المسجد أو صرف وجهه عن القبلة وهو ذاكر له، سقط عنه السهو ضرورة، لأنه فات محله وهو تحريمة الصلاة.
والأولى ترك سجود السهو في الجمعة والعيدين إذا حضر فيهما جمع كبير، لئلا يشتبه الأمر على المصلين. وإذا سها في سجود السهو فلا سجود عليه.
ودليل وجوب سجود السهو: حديث ابن مسعود: «وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين» (٣). وحديث ثوبان: «لكل سهو سجدتان بعدما يسلم» (٤)، فيجب تحصيلهما تصديقًا للنبي ﷺ في خبره، ولمواظبة النبي ﷺ وصحابته عليه، والمواظبة دليل الوجوب،
(١) لأنه إذا سجد وحده كان مخالفًا لإمامه، وإن تابعه ينقلب الأصل تبعًا.
(٢) المدرك: هو الذي أدرك الإمام أول صلاته، وفاته بعضها بعد الشروع بسبب النوم أو الحدث السابق، بأن نام خلف الإمام، ثم انتبه وقد سبقه الإمام بركعة. والمسبوق: الذي سبقه الإمام بركعة أو أكثر. وإن سها المسبوق فيما يتمه يسجد له، وإن سبق له سجود مع الإمام.
(٣) رواه الجماعة إلا الترمذي (نصب الراية:١٦٧/ ٢، نيل الأوطار:١١٧/ ٣).
(٤) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وهو ضعيف.
 
ولأنه شرع جبرًا لنقصان العبادة، فكان واجبًا كدماء الجبر في الحج، تحقيقًا لكمال أداء العبادة.
وقال المالكية: سجود السهو سنة مؤكدة للإمام والمنفرد. أما المأموم حال القدوة فلا سجود عليه بزيادة أو نقص لسنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين؛ لأن الإمام يتحمله عنه. فلو سها فيما يقضيه بعد سلام الإمام، سجد لنفسه.
وأما المسبوق الذي أدرك ركعة مع إمامه، فيسجد مع إمامه السجود القَبْلي المترتب على الإمام، قبل قضاء ما عليه، إن سجد الإمام، وإن لم يسجد الإمام، وتركه، سجد المأموم لنفسه، قبل قضاء ما عليه، وأخَّر السجود البَعْدي الذي ترتب على إمامه، ويسجده بعد سلامه، فإن قدمه بطلت صلاته.
وقال الشافعية: سجود السهو سنة للإمام والمنفرد، أما المأموم فلا يسجد لسهو نفسه خلف إمامه المتطهر، ويتحمل الإمام عنه سهوه في حال قدوته، كما يتحمل عنه القنوت وغيره، أما المحدث فلا يتحمل عنه، ولا يلحقه سهوه، إذ لا قدوة في الحقيقة.
ويجب سجود السهو في حالة واحدة: وهي حالة متابعة المقتدي لإمامه ولو كان مسبوقًا، فإن سجد لسهو وجب أن يسجد تبعًا لإمامه؛ لأن المتابعة لازمة، فإن لم يسجد بطلت صلاته، ووجب عليه إعادتها إن لم يكن قد نوى المفارقة، إلا إن علم المأموم خطأ إمامه في السجود للسهو، فلا يتابعه. ولو اقتدى مسبوق بمن سها بعد اقتدائه أو قبله في الأصح، فالصحيح أنه يسجد معه، ويستحب أن يسجد أيضًا في آخر صلاته، لأنه محل السهو الذي لحقه.
وإذا ترك الإمام سجود السهو، لم يجب على المأموم أن يسجد، بل يندب.
 
ولو سها إمام الجمعة وسجدوا، فبان فوتها، أتموا ظهرًا وسجدوا ثانيًا آخر الصلاة؛ لأنه تبين أن السجود الأول ليس في آخر الصلاة.
ولو ظن المصلي أو اعتقد سهوًا، فسجد، فبان عدم السهو، سجد في الأصح، لأنه زاد سجدتين سهوًا. وضابط هذا: أن السهو في سجود السهو لايقتضي السجود، والسهو به يقتضيه.
وقال الحنابلة: سجود السهو واجب، وقد يكون مندوبًا، وقد يصبح مباحًا. ويجب سجود السهو لما يأتي:
أـ لكل ما يبطل عمده في الصلاة بالزيادة أو النقص كترك ركن فعلي، لأن النبي ﷺ أمر به في حديث أبي سعيد وابن مسعود، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
ب - لترك كل واجب سهوًا كترك التسبيح في الركوع أو السجود.
جـ - للشك في الصلاة في بعض صوره كالشك في ترك ركن أو في عدد الركعات.
د - لمن لحن لحنًا يغير المعنى، سهوًا أو جهلًا.
ويندب سجود السهو: إن أتى بقول مشروع في غير موضعه غير سلام سهوًا أوعمدًا كالقراءة أو القعود، وكالتشهد في القيام، وكقراءة سورة في الركعتين الأخريين.
ويباح سجود السهو لترك سنة من سنن الصلاة.
هذا التفصيل بالنسبة للإمام والمنفرد، أما المأموم فيجب عليه متابعة إمامه في السجود ولو كان مباحًا، فإن لم يتابعه بطلت صلاته. وعلى المسبوق أيضًا متابعة
 
إمامه في السجود، وإن كان سبب السجود قبل أن يدركه، وإن سجد المسبوق إحدى سجدتي السهو مع إمامه، يأتي بالسجدة الثانية من سجدتي السهو إذا سلم إمامه، ليوالي بين السجدتين.

ثانيًا - أسباب سجود السهو:
اختلف الفقهاء في تعداد أسباب سجود السهو، يحسن بيانها في كل مذهب.

مذهب الحنفية:
يسجد للسهو بترك شيء عمدًا أو سهوًا، أو زيادة شيء سهوًا، أو تغيير محله سهوًا، وذلك في الأحوال التالية:
١ً - لا يسجد للسهو في العمد إلا في ثلاث: ترك القعود الأول أو تأخيره سجدة من الركعة الأولى إلى آخر الصلاة، أو تفكره عمدًا حتى شغله عن مقدار ركن.
٢ً - يسجد للسهو بترك واجب من واجبات الصلاة سهوًا إما بتقديم أو تأخير أو زيادة أو نقص، وهي أحد عشر واجبًا، منها ستة واجبات أصلية، وهي مايلي:
الأول - ترك قراءة الفاتحة أو أكثرها في الركعتين الأوليين من الفرض.
الثاني - ترك سورة أو ثلاث آيات قصار أو آية طويلة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الفريضة.
الثالث - مخالفة نظام الجهر والإسرار: فإن جهر في الصلاة السرية نهارًا وهي الظهر والعصر، وخافت في الصلاة الجهرية ليلًا وهي الفجر والمغرب والعشاء، سجد للسهو.
 
الرابع - ترك القعدة الأولى للتشهد الأول في صلاة ثلاثية أو رباعية.
الخامس - ترك التشهد في القعدة الأخيرة.
السادس - عدم مراعاة الترتيب في فعل مكرر في ركعة واحدة، وهو السجدة الثانية في كل ركعة، فلو سجد سجدة واحدة سهوًا، ثم قام إلى الركعة التالية، فأداها بسجدتيها، ثم تذكر السجدة المتروكة في آخر صلاته، فسجدها، فيجب عليه سجود السهو بترك الترتيب؛ لأنه ترك الواجب الأصلي ساهيًا، فوجب سجود السهو.
أما عدم رعاية الترتيب فيما لا يتكرر، كأن أحرم فركع ثم رفع ثم قرأ الفاتحة والسورة، فيوجب عليه إعادة الركوع، ويسجد للسهو. وكذلك ترك سجدة التلاوة عن موضعها، يوجب سجود السهو. وكل تأخير أو تغيير في محل فرض، كالقعود محل القيام وعكسه يوجب سجود السهو.
السابع - ترك الطمأنينة الواجبة في الركوع والسجود، فمن تركها ساهيًا وجب عليه سجود السهو على الصحيح.
الثامن - تغيير محل القراءة في الفرض: بأن قرأ الفاتحة بعد السورة، أو قرأ السورة في الركعتين الأخريين من الرباعية، أو في الثانية والثالثة فقط، وجب عليه سجود السهو.
التاسع - ترك قنوت الوتر: ويتحقق تركه بالركوع قبل الإتيان به، فمن تركه سجد للسهو.
العاشر - ترك تكبير القنوت.
الحادي عشر - ترك تكبيرات العيدين أو بعضها، أو تكبيرة ركوع الركعة الثانية من صلاة العيد، فإنها واجبة، بخلاف التكبيرة الأولى.
 
٣ً - زيادة فعل في الصلاة ليس من جنسها وليس منها؛ كأن ركع ركوعين، فإنه يسجد للسهو.

العود إلى ما سها عنه: 
من سها عن القعدة الأولى، ثم تذكر، وهو إلى حال القعود أقرب، عاد، فجلس وتشهد، وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يعد، ويسجد للسهو. ومن سها عن القعدة الأخيرة، فقام إلى الخامسة، رجع إلى القعدة ما لم يسجد وألغى الخامسة، ويسجد للسهو. فإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه، وتحولت صلاته نفلًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكان عليه أن يضم ركعة سادسة ندبًا. وإن قعد في الرابعة قدر التشهد، ثم قام ولم يسلّم يظنها القعدة الأولى، عاد إلى القعود ما لم يسجد في الخامسة، ويسلم، وإن قيد الخامسة بسجدة ضم إليها ركعة أخرى استحبابًا، وقد تمت صلاته لوجود الجلوس الأخير في محله، والركعتان الزائدتان: له نافلة.

الشك في الصلاة: 
إذا سها في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فإن كان ذلك أول ما سها (أي أن السهو لم يصر عادة له، لا أنه لم يسه في عمره قط)، استقبل الصلاة، وبطلت، أي استأنفها وأعادها، والسلام قاعدًا أولى، لحديث «إذا شك أحدكم في صلاته، أنه كم صلى، فليستقبل الصلاة» (١)، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر، قال في الذي لا يدري كم صلى، أثلاثًا، أو أربعًا؟ قال: يعيد حتى يحفظ، ولأنه لو استأنف أدى الفرض بيقين كاملًا، ولو بنى على الأقل ما أداه كاملًا. وإن حدث الشك المذكور بعد السلام، فلا إعادة عليه، كما لا إعادة عليه إن شك بعد قعوده قدر التشهد قبل السلام.
فإن كان الشك يعرض له كثيرًا، بنى على غالب ظنه، إذا كان له ظن يرجح
(١) قال الزيلعي عنه: حديث غريب (نصب الراية:١٧٣/ ٢).
 
أحد الطرفين؛ لأن في استئناف الصلاة مع كثرة عروضه حرجًا، ولقوله ﵇: «من شك في صلاته، فليتحر الصواب» (١).
وإن لم يكن له ظن أو رأي، أخذ بالأقل أي بنى على اليقين؛ لأنه المتيقن، ويقعد في كل موضع ظنه موضع قعوده، لئلا يصير تاركًا فرض القعود أو واجبه مع تيسير الوصول إليه، فإذا وقع الشك في صلاة رباعية أن الركعة هي الأولى أو الثانية عمل بالتحري، فإن لم يقع تحريه على شيء بنى على الأقل، فيجعلها أولى، ثم يقعد لجواز أنها الركعة الثانية، والقعدة فيها واجبة، ثم يقوم ويصلي ركعة أخرى ويقعد. ودليل الأخذ بالأقل حديث أبي سعيد الخدري: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر: أثلاثًا صلى أم أربعًا، فليلغ الشك، وليبن على الأقل» (٢).

مذهب المالكية:
يسجد للسهو بأسباب ثلاثة: نقص فقط، وزيادة فقط، ونقص وزيادة.

أما النقص: 
فهو ترك سنة مؤكدة داخلة في الصلاة سهوًا أو عمدًا، كالسورة إذا تركها عن محلها سهوًا، أو ترك سنتين خفيفتين فأكثر كتكبيرتين من تكبيرات الصلاة سوى تكبيرة الإحرام، أو ترك تسميعتين أو تكبيرة وتسميعة. ومن أمثلة ترك سنة أيضًا: ترك جهر بفاتحة فقط ولو مرة، أو بسورة فقط في الركعتين بفرض كالصبح، لا نفل كالوتر والعيدين، مع اقتصار على حركة اللسان الذي هو أدنى السر، وترك تشهد ولو مرة لأنه سنة خفيفة. ويسجد للنقصان قبل السلام.
(١) أخرجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: «وإذا شك أحدكم، فليتحر الصواب، فليتم عليه» (المصدر السابق).
(٢) أخرجه مسلم (المصدر السابق:١٧٤/ ٢).
 
فإن نقص ركنًا عمدًا بطلت صلاته، وإن نقصه سهوًا أجبره ما لم يفت محله، فإن فات ألغى الركعة وقضاها.

وأما الزيادة: 
فهي زيادة فعل غير كثير (١) ليس من جنس الصلاة، أو من جنسها.
مثال الأول: أكل خفيف أو كلام خفيف سهوًا.
ومثال الثاني: زيادة ركن فعلي من أركان الصلاة كالركوع والسجود، أو زيادة بعض من الصلاة كركعة أو ركعتين، أو أن يسلم من اثنتين. ويسجد للزيادة بعد السلام.
أما زيادة القول سهوًا: فإن كان من جنس الصلاة فمغتفر، وإن كان من غيرها سجد له.

وأما الزيادة والنقص معا ً: 
فهو نقص سنة ولو غير مؤكدة، وزيادة ما تقدم في السبب الثاني، كأن ترك الجهر بالسورة وزاد ركعة في الصلاة سهوًا، فقد اجتمع له نقص وزيادة. ويسجد للزيادة والنقصان قبل السلام، ترجيحًا لجانب النقص على الزيادة.

العود لما سها عنه: 
من قام إلى ركعة زائدة في الفريضة، رجع متى ذكر، وسجد بعد السلام، وكذلك يسجد إن لم يذكر حتى سلم. أما المأموم: فإن اتبع عالمًا عامدًا بالزيادة، بطلت صلاته. وإن اتبعه ساهيًا أو شاكًا، صحت صلاته. ومن اتبعه جاهلًا أو متأولًا ففيه قولان. ومن لم يتبعه وجلس، صحت صلاته.
ومن قام إلى ثالثة في النافلة: فإن تذكر قبل الركوع، رجع وسجد بعد السلام. وإن تذكر بعد الرفع من الركوع، أضاف إليها ركعة وسلَّم من أربع، وسجد بعد السلام لزيادة الركعتين.
(١) إذ زيادة الكثير مبطل، ولو كان الفعل واجبًا كقتل حية أو عقرب أو إنقاذ أعمى أو نفس أو مال. وإن كان يسيرًا جدًا فمغتفر كابتلاع شيء بين أسنانه، والتفاتة ولو بجميع خده إلا أن يستدبر القبلة، وتحريك الأصابع لحكة.
 
ومن ترك الجلسة الوسطى: فإن ذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه أمر بالرجوع إلى الجلوس، فإن رجع فلا سجود عليه في المشهور، لخفته، وإن لم يرجع سجد. وإن ذكر بعد مفارقته الأرض بيديه، لم يرجع على المشهور. وإن ذكر بعد أن استقل قائمًا، لم يرجع وسجد للسهو، فإن رجع فقد أساء، ولا تبطل صلاته على المشهور، أي خلافًا في هذا للحنفية؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه عندهم.
ومن شك في صلاته، هل صلى ركعة أو اثنتين، فإنه يبني على الأقل، ويأتي بما شك فيه، ويسجد بعد السلام.

مذهب الشافعية:
يسجد للسهو عند ترك مأمور به في الصلاة، أوفعل منهي عنه فيها. والسنة إن تركها المصلي لا يعود إليها بعد التلبس بالفرض، فمن ترك التشهد الأول مثلًا، فتذكره بعد قيامه مستويًا، لم يعد له، فإن عاد إليه عالمًا بتحريمه عامدًا، بطلت صلاته، وإن عاد إليه ناسيًا لم تبطل، وكذا إن عاد إليه جاهلًا في الأصح، ويسجد للسهو عنها. ودليل عدم العود للتشهد: حديث ابن بحينة: «أن النبي ﷺ صلى، فقام في الركعتين فسبَّحوا به، فمضى، فلما فرغ من صلاته، سجد سجدتين ثم سلم» (١).
والذي يقتضي سجود السهو أمران: زيادة ونقصان، وتنحصر أسباب سجود السهو في ستة أمور: تيقن ترك بعض من الأبعاض، تيقن فعل منهي عنه سهوًا مما يبطل عمده فقط، الشك في ترك بعض معين، الشك في فعل منهي عنه مع احتمال الزيادة، نقل مطلوب قولي إلى غير محله بنيته، الاقتداء بمن يترك أحد الأبعاض.
(١) رواه النسائي (نيل الأوطار:١١٩/ ٣).
 
الأول - ترك الإمام أو المنفرد عمدًا أو سهوًا سنة مؤكدة: 
وهي التي تسمى بأبعاض الصلاة، وهي ستة: وهي التشهد الأول، وقعوده، والقنوت في الصبح وفي آخر الوتر في النصف الثاني من رمضان، والقيام للقنوت، والصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، والصلاة على الآل في التشهد الأخير (١).

الثاني - نقل ركن قولي لغير محله: 
كأن يعيد الفاتحة في الجلوس، وأن يسلم في غير موضع السلام ناسيًا، وكذلك نقل السنة القولية كأن يقرأ السورة في غير موضع القراءة، فيسجد للسهو؛ لأنه قول في غير موضعه، فصار كالسلام. ويستثنى من ذلك قراءة السورة قبل الفاتحة، فلا يسجد لها.

الثالث - فعل شيء سهوًا، يبطل عمده فقط:  
كتطويل الركن القصير في الأصح، بأن يطيل الاعتدال أو الجلوس بين السجدتين. ومثله الكلام القليل سهوًا، بدليل أن النبي ﷺ سلَّم من اثنتين وكلم ذا اليدين، وأتم صلاه، وسجد سجدتين (٢).
وأما ما يبطل عمده وسهوه ككلام كثير وأكل، فيبطل الصلاة ولا يسجد له في الأصح.
(١) الأبعاض ستة إجمالًا عشرون تفصيلًا:١٤ منها في القنوت وهي قنوت الصبح ووتر النصف الثاني من رمضان، والقيام له والصلاة على النبي ﷺ بعد القنوت، والقيام لها، والسلام على النبي ﷺ بعدها، والقيام له، والصلاة على الآل، والقيام لها، والصلاة على الصحب، والقيام لها، والسلام على الآل، والقيام له، والسلام على الصحب، والقيام له. وستة منها في التشهد: وهي التشهد الأول، والقعود له، والصلاة على النبي ﷺ بعده، والقعود له، والصلاة على الآل بعد الأخير، والقعود لها (حاشية الباجوري:١٦٧/ ١ - ١٦٨، حاشية الشرقاوي:١٩٦/ ١) فحصر الأبعاض في ستة أو في ثمانية هو حصر إضافي.
(٢) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار:١٠٧/ ٣).
 
وأما ما لا يبطل عمده ولا سهوه كالتفات بالعنق ومشي خطوتين، فلا يسجد لسهوه ولا لعمده.

الرابع - الشك في الزيادة: 
 فلو شك أصلَّى ثلاثًا أم أربعًا، أتى بركعة وسجد، والأصح أنه يسجد، وإن زال شكه قبل سلامه. وكذلك يسجد لما يصليه مترددًا، واحتمل كونه زائدًا، للتردد في زيادته، وإن زال شكه قبل سلامه. ولو شك بعد السلام في ترك فرض لم يؤثر على المشهور.
ودليل السجود للشك في صلاته: حديث عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر أواحدةً صلى أم ثِنْتين، فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثًا، فليجعلها ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا فليجعلها ثلاثًا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهوجالس، قبل أن يسلم سجدتين» (١) وعليه إذا شك المصلي في عدد ما أتى به من الركعات، كمن شك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا، بنى على اليقين وهو الأقل كالثلاثة في هذا المثال وأتى بركعة، ويسجد للسهو، ولا ينفعه غلبة الظن أنه صلى أربعًا ولا يعمل بقول غيره له: إنه صلى أربعًا، ولوبلغ ذلك القائل عدد التواتر.

الخامس - الشك في ترك بعض معين من أبعاض الصلاة: 
 كأن شك في ترك القنوت لغير النازلة، أو ترك بعض مبهم (غير معين) كأن لم يدر: هل ترك القنوت أو الصلاة على النبي في القنوت.

السادس - الاقتداء بمن في صلاته خلل: 
 ولوفي اعتقاد المأموم، كالاقتداء بمن
(١) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. وفي رواية: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: من صلى صلاة يشك في النقصان، فليصل حتى يشك في الزيادة» رواه أحمد (المصدر السابق: ص١١٣ وما بعدها).
 
ترك القنوت في الصبح، أو بمن يقنت قبل الركوع، أو بمن يترك الصلاة على النبي في التشهد الأول، فيسجد بعد سلام الإمام وقبل سلام نفسه.
والخلاصة: الزيادة الموجبة للسهو نوعان: قول وفعل، فالقول كالسلام في غير موضعه ناسيًا، أوالكلام ناسيًا. والفعل: كأن يزيد سهوًا في صلاته ركعة أو ركوعًا أو سجودًا أو قيامًا أو قعودًا، أويطيل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت، أو يقعد للتشهد في غير موضع القعود على وجه السهو، فيسجد للسهو، بدليل ما روى ابن مسعود ﵁: «أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيدَ في الصلاة؟ فقال: وما ذلك؟ فقالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعدما سلم» (١).
وأما النقصان: فهو أن يترك سنة مقصودة، وهو أمران: الأول: أن يترك التشهد الأول ناسيًا فيسجد للسهو، لحديث ابن بحينة المتقدم. والثاني: أن يترك القنوت ساهيًا، فيسجد للسهو؛ لأنه سنة مقصودة في محلها، فتعلق السجود بتركها، كالتشهد الأول.
وإن ترك سنة غير مقصودة كالتكبيرات والتسبيحات، والجهر والإسرار والتورك والافتراش، وما أشبهها، لم يسجد؛ لأنه ليس بمقصود في موضعه، فلم يتعلق بتركه الجبران.
ويلاحظ أن التشهد الأخير إلى قوله: «وأن محمدًا رسول الله، أوعبده ورسوله، أو رسوله» هو الواجب، وهذا هو السنة مع الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، أما الصلاة على الآل في التشهد الأخير فهي سنة، وفي التشهد
(١) رواه الجماعة (نيل الأوطار: ٣/ ١٢١).
 
الأول خلاف الأولى على المعتمد، وقيل: مكروهة، فلا يسجد للسهو لترك ذلك، ولا لفعله (١).

مذهب الحنابلة:
أسباب السهو ثلاثة: زيادة، ونقص، وشك في بعض صوره (٢)، كالشافعية، إذا حصل ذلك سهوًا، فإن حصل عمدًا تبطل الصلاة به إن كان فعليًا، ولا تبطل إن كان قوليًا في غير محله. ولا سجود للسهو في صلاة جنازة، وسجود تلاوة، وشكر.

١ - أما الزيادة في الصلاة:
 
فمثل أن يزيد المصلي سهوًا فعلًا من جنس الصلاة، قيامًا أو قعودًا ولو قدر جلسة الاستراحة في غير موضع الاستراحة، أو ركوعًا، أو سجودًا، أو أن يقرأ الفاتحة مع التشهد أو يقرأ التشهد مع الفاتحة، فيسجد للسهو وجوبًا في الزيادة الفعلية وندبًا في الزيادة القولية، لقوله ﷺ في حديث ابن مسعود: «فإذا زاد الرجل أو نقص في صلاته، فليسجد سجدتين» (٣)، ولأن الزيادة سهو، فتدخل في قول الصحابي: «سها النبي ﷺ فسجد» بل هي نقص في المعنى، فشرع لها السجود، لينجبر النقص.
ومتى ذكر من زاد في صلاته، عاد إلى ترتيب الصلاة بغير تكبير، لإلغاء الزيادة، وعدم الاعتداد بها. وإن زاد ركعة كثالثة في صبح أورابعة في مغرب أو خامسة في ظهر أو عصر أو عشاء، قطع تلك الركعة، بأن يجلس في الحال متى ذكر بغير تكبير، وبنى على فعله قبل تلك الزيادة، ولا يتشهد، إن كان تشهد، ثم سجد للسهو، وسلم، ولا تحتسب الركعة الزائدة من صلاة مسبوق.
(١) حاشية الشرقاوي: ١/ ١٩٦ وما بعدها.
(٢) كشاف القناع: ١/ ٤٦١ - ٤٦٥،٤٦٧،٤٧١ - ٤٧٨.
(٣) رواه مسلم.
 
وإن كان الذي زاد إمامًا أو منفردًا، فنبهه ثقتان فأكثر - ويلزمهم تنبيه الإمام على ما يجب السجود لسهوه، لارتباط صلاتهم بصلاته، بحيث تبطل ببطلانها - لزمه الرجوع، سواء نبهوه لزيادة أو نقص، ولو ظن خطأهما؛ لأنه ﷺ رجع إلى قول أبي بكر وعمرفي قصة ذي اليدين.
والمرأة كالرجل في تنبيه الإمام.
فإن لم يرجع إمام إلى قول الثقتين المنبهين له:
أـ فإن كان عدم رجوعه لجبران نقص، بأن قام قبل أن يتشهد التشهد الأول، لم تبطل صلاته، لحديث المغيرة بن شعبة: «أنه نهض في الركعتين، فسبَّح به من خلفه، فمضى، فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهو، فلما انصرف، قال: رأيت النبي ﷺ يصنع كما صنعت» (١).
ب - وإن لم يرجع عمدًا لغير جبران نقص: بطلت صلاته وصلاة المأموم.
وإن كان عدم رجوع الإمام إلى قول الثقتين لغير جبران نقص سهوًا، بطلت صلاته وصلاةالمأموم الذي اتبعه عالمًا ببطلان صلاته ذاكرًا؛ لأنه اقتدى بمن يعلم بطلان صلاته، كما لو اقتدى بمن يعلم حدثه. ولا تبطل صلاة المأموم الذي اتبعه جاهلًا أو ناسيًا؛ لأن الصحابة تابعوا النبي ﷺ في الخامسة حيث لم يعلموا، أو توهموا النسخ، ولم يؤمروا بالإعادة.
ووجبت مفارقة الإمام القائم إلى زائدة على من علم ذلك، لاعتقاده خطأه، ويتم المفارق صلاته لنفسه للعذر.

٢ - وأما النقص في الصلاة: 
فمثل ترك الركوع أو السجود أو قراءة الفاتحة
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح (نيل الأوطار: ٣/ ١١٩).
 
ونحو ذلك سهوًا، ويجب عليه تداركه والإتيان به إذا تذكره، ويجب أن يسجد للسهو في آخر صلاته.
وإن نسي التشهد الأول، لزمه الرجوع والإتيان به جالسًا، ما لم ينتصب قائمًا، وهذا متفق عليه، لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من الركعتين، فلم يستتم قائمًا، فليجلس ويسجد سجدتي السهو» (١).
ولأنه أخل بواجب وذكره قبل الشروع في ركن، فلزمه الإتيان به، كما لو لم تفارق ركبتاه الأرض. ويلزم المأمومين متابعته، ولو بعد قيامهم وشروعهم في القراءة، لحديث «إنما جعل الإمام ليؤتم به» (٢).
وإن استتم قائمًا، ولم يقرأ، فعدم رجوعه أولى، لحديث المغيرة السابق، ويتابعه المأموم، ويسقط عنه التشهد. وإن قرأ ثم ذكر التشهد، لم يجز له الرجوع، لحديث المغيرة، ولأنه شرع في ركن مقصود، كما لو شرع في الركوع، وتبطل صلاة الإمام إذا ركع بعد شروعه فيها، إلا أن يكون جاهلًا أو ناسيًا. وعليه سجود السهو لذلك، لحديث المغيرة، ولقوله ﷺ سابقًا: «إذا سها أحدكم فليسجد سجدتين».
وكذلك حكم التسبيح في الركوع والسجود، ودعاء (رب اغفر لي) بين السجدتين، وكل واجب تركه سهوًا، ثم ذكره، فيرجع إلى تسبيح الركوع قبل الاعتدال لا بعده.

٣ - وأما الشك في الصلاة الذي يقتضي سجود السهو في بعض صوره: 
فهو مثل أن يشك في ترك ركن من الأركان، أو في عدد الركعات، فيبني على
(١) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، من رواية جابر الجعفي، وقد تكلم فيه (المصدر السابق).
(٢) متفق عليه عن أبي هريرة (نيل الأوطار: ٣/ ١٣٩).
 
المتيقن، ويأتي بما شك في فعله، ويتم صلاته، ويسجد للسهو وجوبًا، لحديث أبي سعيد السابق أن النبي ﷺ قال: «إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر: كم صلى؟ وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» (١).
ولا يسجد للسهوحالة الشك في ترك واجب كتسبيح الركوع أوالسجود، وإنما يسجد لترك الواجب سهوًا.
كما لا يسجد للسهو إذا أتم الركعات، وشك وهو في التشهد في زيادة الركعة الأخيرة؛ لأن الأصل عدم الزيادة. أما إن شك في زيادة الركعة الأخيرة قبل التشهد، فإنه يجب عليه سجود السهو. ومثل ذلك الشك في زيادة سجدة، علي هذا التفصيل.

قصة ذي اليدين فيمن سلم من نقصان، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة:
استدل جمهور العلماء (٢) من السلف والخلف بقصة ذي اليدين على أن نية الخروج من الصلاة وقطعها إذا كانت بناء على ظن التمام، لا يوجب بطلانها، ولو سلم التسليمتين، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة، وكذا كلام من ظن التمام. والقصة هي ما يأتي:
«عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى النبي ﷺ إحدى صلاتي العَشِي (٣) ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليه وفي القوم
(١) رواه مسلم وأحمد.
(٢) وقال الحنفية: التكلم في الصلاة ناسيًا أو جاهلًا يبطلها، مستدلين بحديث ابن مسعود وحديث زيد ابن أرقم في النهي عن التكلم في الصلاة، وقالوا: هما ناسخان لهذا الحديث.
(٣) ما بين زوال الشمس وغروبها، وقد عينها أبو هريرة في رواية لمسلم أنها الظهر، وفي أخرى أنها العصر.
 
أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سَرْعانُ الناس (١) فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي ﷺ ذا اليدين (٢)، فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تُقْصر (٣)، فقال: بلى، قد نسيت، فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر ثم سجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر، فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر» (٤).

ا جتماع سهوين أو أكثر: 
لاخلاف بين العلماء في أنه إذا سها المصلي سهوين أو أكثر، كفاه للجميع سجدتان؛ لأن النبي ﷺ سلم من اثنتين، وكلم ذا اليدين، واقتصر على سجدتين، وللحديث السابق: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» وهذا يتناول السهو في موضعين.

النافلة كالفرض: 
حكم النافلة حكم الفرض في سجود السهو، في قول جمهور أهل العلم، لعموم الحديث السابق: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين»، ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود، فيسجد لسهوها كالفريضة.

تنبيه الإمام على السهو: 
قال مالك وأبو حنيفة: من سها يسبح له، وقال الشافعي وأحمد: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، لقوله ﷺ: «التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء» (٥) وهذا يرجح الرأي الثاني.
(١) هم المسرعون إلى الخروج.
(٢) رجل يقال له الخِرْباق بن عمرو، لقب بذي اليدين، لطول كان في يديه، وفي الصحابة رجل آخر يقال له: ذو الشمالين، هو غير ذي اليدين، ووهم الزهري فجعلهما واحدًا.
(٣) أي في ظني.
(٤) متفق عليه، واللفظ للبخاري (سبل السلام:٢٠٣/ ١، نيل الأوطار: ٣/ ١٠٧).
(٥) رواه الجماعة عن أبي هريرة، وروى البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود عن سهل بن سعد: «من نابه شيء في صلاته، فليسبح فإنما التصفيق للنساء» وروى أحمد عن علي أن النبي ﷺ كان يسبح له في صلاته، حينما يستأذنه بالدخول (نيل الأوطار: ٢/ ٣٢٠وما بعدها).
 
ثالثًا - محل سجود السهو وصفته: 
سجود السهو عند الحنفية بعد السلام، وعند الشافعية على العكس قبل السلام، وعند المالكية قد يكون قبل السلام وقد يكون بعده، ويتخير المصلي بين الأمرين لدى الحنابلة.

قال الحنفية: 
محل سجود السهو المسنون بعد السلام مطلقًا، سواء أكان السهو بسبب زيادة أم نقصان في الصلاة، ولو سجد قبل السلام أجزأه ولا يعيده.
وصفته: أن يسجد سجدتين بعد أن يسلم عن يمينه التسليمة الأولى فقط، ثم يتشهد بعدهما وجوبًا، ويأتي بالصلاة على النبي ﷺ والدعاء في قعدة السهو على الصحيح؛ لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة.
استدلوا على محله بعد السلام بحديث المغيرة السابق: أنه لما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم، كما صنع رسول الله ﷺ (١)، وحديث ابن مسعود المتقدم: «أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أزيدَ في الصلاة؟ فقال: وما ذلك؟ فقالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم» (٢).
ودليلهم على صفته: «حديث عمران بن حصين: أن النبي ﷺ صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم» (٣)، وحديث ثوبان السابق: «لكل سهو سجدتان بعد السلام» (٤).
والمذكور في هذا الموضوع هو الصحيح الراجح عند الحنفية.
(١) رواه أحمد والترمذي وصححه (نيل الأوطار:١١٩/ ٣).
(٢) رواه الجماعة (المصدر السابق: ص ١٢١).
(٣) رواه أبو داود والترمذي (المصدر نفسه: ص ١٢١).
(٤) أخرجه أبو داود وابن ماجه (نصب الراية:١٦٧/ ٢).
 
وقال المالكية: 
 محل السجود المسنون قبل السلام إن كان سببه النقصان، أو النقصان والزيادة معًا. وبعد السلام إن كان سببه الزيادة فقط، وينوي وجوبًا للسجود البعدي، ويكبر في خفضه ورفعه، ويسجد سجدتين جالسًا بينهما، ويتشهد استنانًا، ولا يدعو ولا يصلي على النبي ﷺ خلافًا للحنفية، ثم يسلم وجوبًا، فتكون واجباته خمسة: وهي النية، والسجدة الأولى، والثانية، والجلوس بينهما، والسلام، لكن السلام واجب غير شرط، وأما التكبير والتشهد بعده فسنة.
وإن أخر السجود القبلي عمدًا كره ولا تبطل الصلاة، وإن قدم السجود البعدي على السلام أجزأه على المذهب، وأثم أي يحرم تقديمه عمدًا، وتصح الصلاة، فإن لم يتعمد التأخير أو التقديم لم يكره ولم يحرم.

وقال الشافعية في الجديد: 
محل سجود السهو بين التشهد والسلام، فإن سلم عمدًا فات في الأصح، وإن سلم سهوًا وطال الفصل فات أيضًا، في الجديد، وإن لم يطل الفصل، فلا يفوت، ويسجد، وإذا سجد صار عائدًا إلى الصلاة في الأصح. ولو سها إمام الجمعة وسجدوا فبان فوت وقتها، أتموا ظهرًا وسجدوا، ولو ظن سهوًا فسجد فبان عدمه، سجد في الأصح.
وصفته: سجدتان كسجود الصلاة في واجباته ومندوباته كوضع الجبهة والطمأنينة والتحامل والتنكيس (رفع الأسافل) والافتراش في الجلوس بينهما، والتورك بعدهما.
ويحتاج لنية بقلبه، فإن نوى بلسانه بطلت صلاته.
وحكى بعضهم أنه يندب أن يقول فيهما: (سبحان من لا ينام ولا يسهو) وقال بعضهم: والظاهر أنه كالذكر (التسبيح) في سجود الصلاة.
 
ودليلهم على محله قبل السلام حديث أبي سعيد الخدري السابق عند مسلم وأحمد: «ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» وحديث ابن بحينة المتقدم عند النسائي: «فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم».
ودليلهم على صفته: اقتصاره ﷺ على السجدتين في قصة ذي اليدين، وغيرها من الأحاديث.

وقال الحنابلة (١): 
 لا خلاف في جواز السجود قبل السلام وبعده، وإنما الخلاف عندهم في الأفضل والأولى، والأفضل أن يكون قبل السلام؛ لأنه إتمام للصلاة، فكان فيها كسجود صلبها، إلا في حالتين:
إحداهما - أن يسجد لنقص ركعة فأكثر، وكان قد سلم قبل إتمام صلاته، لحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في قصة ذي اليدين (٢) ففي حديث عمران: «فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم».
الثانية - أن يشك الإمام في شيء من صلاته، ثم يبني على غالب ظنه، فإنه يسجد للسهو بعد السلام ندبًا نصًا؛ لحديث علي وابن مسعود مرفوعًا: «إذا شك أحدكم في صلاته فليتحرَّ الصواب، فليتم ما عليه، ثم ليسجد سجدتين» (٣) وفي البخاري: (بعد التسليم).
وصفته: أن يكبر للسجود والرفع منه، سواء أكان قبل السلام أم بعده، ثم يسجد سجدتين كسجود الصلاة، فإن كان السجود بعديًا يأتي بالتشهد كتشهد الصلاة قبل السلام ثم يسلم، وإن كان قبليًا لم يتشهد، ويسلِّم عقبه.
(١) كشاف القناع:٤٧٩/ ١ - ٤٨١، المغني:٣٤/ ٢.
(٢) نيل الأوطار: ١٠٧/ ٣، ١١٣.
(٣) متفق عليه.
 
ويقول في سجود السهو ما يقول في سجود صلب الصلاة، لأنه سجود مشروع في الصلاة، فأشبه سجود صلب الصلاة.
ومن ترك السجود الواجب للسهو عمدًا، بطلت صلاته بترك ما محله قبل السلام؛ لأنه ترك الواجب عمدًا كغيره من الواجبات، ولا تبطل بترك ما محله بعد السلام؛ لأنه جبر للعبادة خارج منفرد عنها، فلم تبطل بتركه، كجبرانات الحج.
وإذا نسي سجود السهو حتى طال الفصل، لم تبطل الصلاة؛ لأنه جابر للعبادة بعدها، فلم تبطل بتركه كجبرانات الحج.
وإن طال الفصل لم يسجد، وإلا سجد.

المطلب الثاني - سجدة التلاوة:
الكلام فيها في دليل مشروعيتها، وحكمها، وشروطها، مفسداتها، أسبابها وصفتها، المواضع التي تطلب فيها من القرآن، هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة، ما يتعلق بها من أحكام فرعية.

أولًا - دليل مشروعية سجدة التلاوة: 
 ذم الله تعالى تارك السجود بقوله: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الانشقاق:٢١/ ٨٤]، وثبت عن النبي ﷺ في شأنها أحاديث كثيرة منها: خبر ابن عمر ﵁: «كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا السورة، فيقرأ السجدة، فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا مكانًا لموضع جبهته» (١) وخبره أيضًا: «أن النبي ﷺ كان يَقْرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة، كبر وسجد وسجدنا معه» (٢).
(١) متفق عليه، ولمسلم في رواية: «في غير صلاة» (نيل الأوطار:١٠٠/ ٣).
(٢) رواه أبو داود والحاكم، وفي رواية أبي داود ضعيف، وراويه عند الحاكم ثقة، وقال: على شرط الشيخين، وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر (نيل الأوطار:١٠٣/ ٣).
 
وسجودها دليل الإيمان، وطريق الجنة، روى أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: «إذا قرأ ابن آدم السجدة، فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: ياويله، أمر ابن آدم بالسجود، فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود، فعصيت، فلي النار» (١).
ويسجد القارئ والسامع، لخبر ابن مسعود: أن النبي ﷺ قرأ: «والنجم، فسجد فيها، وسجد معه الجن والإنس، إلا أمية بن خلف، فقتل يوم بدر مشركًا» (٢).
وطلب السجود في القرآن العظيم: إما أن يكون بصيغة الأمر الصريح، مثل ﴿واسجد واقترب﴾ [العلق:١٩/ ٩٦]، وإما أن يكون حكاية عن امتثال الأنبياء، أو سائر المخلوقات، مثل قوله سبحانه: ﴿إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سُجَّدًا وبكيًا﴾ [مريم:٥٨/ ١٩]، وقوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا﴾ [الرعد:١٥/ ١٣].

ثانيًا - حكمها الفقهي: 
سجدة التلاوة واجبة بالتلاوة على القارئ والسامع عند الحنفية، سنة عند بقية الفقهاء (٣)، سواء عند الحنفية والشافعية قصد السامع سماع القرآن أو لم
(١) رواه مسلم، وابن ماجه (نصب الراية: ٢/ ١٧٨).
(٢) متفق عليه في الصحيحين.
(٣) انظر ما يتعلق بالسجدة: فتح القدير: ١/ ٣٨٠ - ٣٩٢، البدائع: ١/ ١٧٩ - ١٩٥، الدر المختار: ١/ ٧١٥ - ٧٣٠،، اللباب: ١/ ١٠٣ - ١٠٥، الشرح الصغير: ٤١٦/ ١ - ٤٢٢، القوانين الفقهية: ص ٩٠ وما بعدها، مغني المحتاج: ١/ ٢١٤ - ٢١٧، المهذب: ١/ ٨٥ وما بعدها، المغني: ١/ ٦١٦ - ٦٢٧، كشاف القناع: ١/ ٥٢١ - ٥٢٦.
 
يقصد، أي فتطلب من القارئ والمستمع (وهو قاصد السماع) والسامع (وهو من لم يقصد السماع)، أما الحائض والنفساء، فلا تطلب منهما بالاتفاق، وأما عند المالكية والحنابلة فإن السجود يسن فقط للتالي والمستمع، دون السامع غير القاصد للسماع، فلا يستحب له.
استدل الحنفية على الوجوب بحديث: «السجدة على من سمعها، وعلى من تلاها» (١) وهي كلمة إيجاب وهو غير مقيد بالقصد، وبقوله تعالى: ﴿فمالهم لايؤمنون، وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾ [الانشقاق:٢٠/ ٨٤ - ٢١] ولايذم إلا على ترك واجب: ولأنه سجود يفعل في الصلاة، فكان واجبًا، كسجود الصلاة.
ودليل الجمهور على سنية التلاوة: ما روى زيد بن ثابت قال: «قرأت على النبي ﷺ النجم، فلم يسجد منا أحد» (٢)، ولأنه إجماع الصحابة، وروى البخاري والأثرم عن عمر: «أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاءت السجدة قال: يا أيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر» وفي لفظ: «إن الله لم يفرض علينا السجود، إلا إن نشاء» (٣). وعلى هذا فمن سجد فحسن، ومن ترك فلا شيء عليه.
أما دليل طلب السجدة من السامع: فهو حديث ابن عمر السابق، ولأنه
(١) قال عنه الزيلعي: حديث غريب، والصحيح أنه مروي عن عثمان وابن عمر (نصب الراية:١٧٨/ ٢).
(٢) هذا لفظ الدارقطني، رواه الجماعة إلا ابن ماجه (نيل الأوطار: ٣/ ١٠١).
(٣) نيل الأوطار: ٣/ ١٠٢.
 
سامع للسجدة، فكان عليه السجود كالمستمع، وإن كان السجود للمستمع آكد. ودليل المالكية والحنابلة على عدم مطالبة السامع بالسجدة: فعل عثمان وابن عباس وعمران، وقال عثمان: «إنما السجدة على من استمع».

هل تجب عند الحنفية على الفور أو على التراخي؟
تجب سجدة خارج الصلاة على التراخي، في وقت غير معين، إذا كان التالي أو السامع أهلًا للوجوب، سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد، بشرط كون المسموع منه آدميًا عاقلًا يقظان، ولو جُنُبًا أو حائضًا أو نفساء، أو كافرًا، أو صبيًا مميزًا أو سكران، فلو سمعها من طير كالببغاء أو صدى كآلات التسجيل لا تجب عليه، ولو سمعها من نائم أو مغمى عليه، أو مجنون أو غير مميز، فالأصح من الروايتين لا تجب عليه، لعدم صحة التلاوة بفقد التمييز.
أما في الصلاة فتجب وجوبًا مضيقًا؛ لأنها وجبت بما هو من أفعال الصلاة وهو القراءة، فالتحقت بأفعال الصلاة، وصارت جزءًا منها. فإن أنهى قراءته بآية السجدة: فإما أن يسجد بها سجودًا مستقلًا، ثم يعود للقراءة، وإما أن يضمنها في ركوعه أو سجوده، إن نواها في ركوعه، وسواء نواها أو لم ينوها في سجوده.
وإذا لم ينه قراءته بآية السجدة، وتابع فقرأ بعدها ثلاث آيات فأكثر، وجب أن يسجد لها مستقلًا، غير سجود الصلاة، ويستحب أن يعود للقراءة، فيقرأ ثلاث آيات فأكثر، ثم يركع، ويتم صلاته.

متابعة الإمام في السجدة وسماعها من غير المصلي: 
قال الحنفية: إذا تلا الإمام آية السجدة، سجدها معه المأموم، لالتزامه متابعته. وإن تلا المأموم لم يسجد الإمام ولا المأموم، لا في الصلاة ولا خارجها، لأن المقتدي محجوز عن القراءة لنفاذ تصرف الإمام عليه.
 
وإن سمع المصلي وهو في الصلاة آية سجدة من رجل في غير الصلاة لم يسجد لها في الصلاة، وسجدها بعد الصلاة، فإن سجدها في الصلاة لم يجزه، ولم تفسُد صلاته؛ لأن مجرد السجدة لا ينافي إحرام الصلاة.
وكذلك قال غير الحنفية: يلزم متابعة الإمام في السجدة، فإن سجد الإمام فتخلف المقتدي، أو سجد المأموم دون إمامه، بطلت صلاته ولا يسجد المصلي لقراءة غيره بحال، ولا يسجد مأموم لقراءة نفسه، فإن فعل بطلت صلاته؛ لأنه زاد فيها سجودًا.

ثالثًا - شروط سجود التلاوة: 
 
 ١ ً - شرائط الوجوب: 
يشترط لوجوب سجدة التلاوة عند الحنفية: أهلية وجوب الصلاة من الإسلام والعقل والبلوغ، والطهارة من الحيض والنفاس، فلا تجب على الكافر والصبي والمجنون والحائض والنفساء.
ولا تسن عند المالكية للمستمع إلا إن صلح القارئ للإمامة، بأن يكون ذكرًا بالغًا عاقلًا، وإلا فلا سجود عليه، بل على القارئ وحده.
وتسن عند الشافعية ولو كان القارئ صبيًا مميزًا، والمستمع رجلًا، أو محدثًا، أو كافرًا، ولا تسن لقراءة جنب وسكران؛ لأنها غير مشروعة لهما.
ويشترط لسجود المستمع عند الحنابلة: أن يكون القارئ يصلح إمامًا للمستمع له، أي يجوز اقتداؤه به، أي كما قال المالكية، لما روى عطاء: «أن رجلًا من الصحابة قرأ سجدة، ثم نظر إلى النبي ﷺ فقال: إنك كنت إمامنا، فلو
 
سجدت، سجدنا معك» (١)، وقال ابن مسعود لتميم بن حَذْلم وهو غلام: اقرأ، فقرأ عليه سجدة، فقال: «اسجد، فإنك إمامنا فيها» (٢)، فلا يسجد المستمع قُدَّام القارئ، ولا عن يساره، مع خلو يمينه، ولا يسجد رجل لتلاوة امرأة وخنثى؛ لأن القارئ لا يصلح إمامًا له في هذه الأحوال.
ويسجد المستمع لتلاوة أمي وزمِن (مريض) وصبي؛ لأن اقتداء الرجل بالصبي يصح في النفل، وقراءة الفاتحة والقيام ليسا بواجب في النفل.

٢ً - شرائط الجواز أو الصحة: 
يشترط لصحة سجدة التلاوة ما يشترط لصحة الصلاة: من طهارة الحدث (وهي الوضوء والغسل) وطهارة النجس (وهي طهارة البدن والثوب ومكان السجود والقيام والقعود)، وستر العورة، واستقبال القبلة والنية. وهذه شروط متفق عليها، واختلفوا فيما عداها.

فقال الحنفية: 
لا يشترط لها التحريمة ونية تعين الوقت، كما لا يشترط لها السلام كالصلاة. وتجب آية السجدة على خطيب الجمعة والعيدين، وعلى السامعين، لكن يكره للإمام الإتيان بها فوق المنبر، فينزل ويسجد ويسجد الناس معه.

وقال المالكية أيضًا: 
لا إحرام ولا تسليم. ويشترط في المستمع شروط ثلاثة، كما قدمنا:
أولًا - أن يكون القارئ صالحًا للإمامة في الفريضة: بأن يكون ذكرًا بالغًا
(١) رواه الشافعي مرسلًا، وفيه إبراهيم بن يحيى، وفيه كلام.
(٢) رواه البخاري تعليقًا.
 
عاقلًا مسلمًا متوضئًا.
فلو كان القارئ امرأة أو مجنونًا أو صبيًا أو كافرًا أو غير متوضئ، فلا يسجد المستمع ولا السامع، ويسجد القارئ فقط إن كان امرأة أو صبيًا.
ثانيًا - ألا يقصد القارئ إسماع الناس حسن صوته: فإن كان ذلك فلا يسجد المستمع.
ثالثًا - أن يكون قصد السامع من السماع أن يتعلم من القارئ القراءة أو أحكام التجويد من مدّ وقصر وإخفاء وإدغام ونحو ذلك. ولا سجود في صلاة الجنازة، ولا في خطبة الجمعة.

وقال الشافعية: 
 يشترط مع النية تكبيرة الإحرام على الصحيح، كماأخرجه أبو داود، لكن بإسناد ضعيف، وقياسًا على الصلاة، ويشترط السلام أيضًا في الأظهر بعد القعود كالصلاة، ولا يشترط التشهد في الأصح.
وتشترط شروط أخرى في المصلي وغيره:
أولًا - أن تكون القراءة مشروعة: فإن كانت محرمة كقراءة الجنب، أو مكروهة كقراءة المصلي في حال الركوع مثلًا، فلا يسن السجود للقارئ ولا للسامع.
ثانيًا - أن تكون مقصودة: فلو صدرت من ساهٍ ونحوه كالطير وآلة التسجيل، فلا يشرع السجود.
ثالثًا - أن يكون المقروء كل آية السجدة: فلو قرأ بعضها، لم يسجد.
رابعًا - أن تكون قراءة آية السجدة بدلًا من قراءة الفاتحة لعجزه عنها.
خامسًا - ألا يطول الفصل بين قراءة الآية والسجود، وألا يعرض عنها: فإن
 
طال وأعرض عنها، فلا سجود. والطول: أن يزيد على مقدار صلاة ركعتين بقراءة متوسطة.
سادسًا - أن تكون قراءة آية السجدة من شخص واحد: فلو قرأ واحد بعض الآية، وكملها آخر، فلا سجود.
سابعًا - يشترط لها ما يشترط للصلاة من طهارة وغيرها كما بينا مما هو متفق عليه. وبناء عليه: لا يسجد السامع لقراءة النائم والجنب والسكران والساهي والطيور المعلمة.
ويشترط في المصلي شرطان آخران:
أولًا - ألا يقصد بقراءة الآية السجود، فإن قصده بطلت الصلاة، إلا قراءة سورة السجدة في صبح الجمعة، فإنها سنة، وإلا المأموم فيسجد إن سجد إمامه. وكما لا يصح قصد آية السجدة في الصلاة بقصد السجود، لا يصح قصد قراءتها في وقت الكراهة، فإن قصدها فلا يسجد لحرمتها.
ثانيًا - أن يكون هو القارئ: فإن كان القارئ غيره وسجد فلا يسجد، فإن سجد بطلت صلاته، إن كان عالمًا عامدًا. ولا سجود في صلاة الجنازة، ويسجد خطيب الجمعة لما يقرأ، دون المصلين، فيحرم عليهم السجود، للإعراض عن الخطبة. ويشترط للسامع سماع الآية بكاملها كالقراءة، فلا يكفي كلمة السجدة ونحوها، فلو سجد قبل الانتهاء إلى آخر السجدة، ولو بحرف واحد لم يجز.

وقال الحنابلة:
  يزاد على الشروط المتفق عليها في المستمع شرطان كما قدمنا:
أولًا - أن يصلح القارئ للإمامة: فلو سمع الآية من امرأة أو غير آدمي كالببغاء وآلة التسجيل لا يسن له السجود.
 
ثانيًا - أن يسجد القارئ: فإذا لم يسجد فلا يسن للمستمع.

رابعًا - مفسدات سجود التلاوة:
يبطل سجدة التلاوة كل ما يبطل الصلاة: من الحدث والعمل الكثير، والكلام والقهقهة، وعليه إعادتها. 
 
إلا عند الحنفية: 
لا وضوء عليه في القهقهة، ولا يفسدها محاذاة المرأة الرجل فيها، وإن نوى إمامتها، لانعدام الشركة، إذ هي مبنية على التحريمة، ولا تحريمة لهذه السجدة عندهم. وبناء عليه: يشترط بالاتفاق الكف عن مفسدات الصلاة، كالأكل ودخول وقت السجود، بأن يكون قد قرأ الآية أو سمعها.

خامسًا - أسباب سجدة التلاوة وصفتها:
تتردد أسباب سجود التلاوة لآية سجدة، والسماع لها، والاستماع، كما هو موضح في المذاهب.

فقال الحنفية: أسباب سجدة التلاوة ثلاثة أمور:
الأول - التلاوة: فتجب على التالي، ولو لم يسمع نفسه كأن كان أصم.
الثاني - سماع آية سجدة أو الاستماع إليها، والاستماع يكون بقصد دون السماع.
الثالث - الاقتداء، فلو تلاها الإمام، وجبت على المقتدي، وإن لم يسمعها. وصفة السجود عندهم: أن يكبر للوضع، دون رفع يديه كسجدة الصلاة، ويسجد بين كفيه، واضعًا جبهته على الأرض للسجود، ثم يكبر للرفع، وكل من هاتين التكبيرتين سنة، ويرفع رأسه. ولا يقرأ التشهد، ولا يسلم، لعدم وجود التحريمة.
 
ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة، على الأصح وهو: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا.

وقال المالكية: سبب سجدة التلاوة أمران فقط: 
التلاوة والاستماع بشرط أن يقصده، كما ذكر في شروطها.
وصفتها: هي سجدة واحدة، بلا تكبير إحرام ولا سلام، بل يكبر للسجود، ثم للرفع منه استحبابًا في كل منهما. ويكبر القائم من قيام ولا يجلس، والجالس من جلوس، وينزل لها الراكب، إلا إذا كان مسافرًا، فيسجدها صوب سفره بالإيماء؛ لأنها نافلة. ويسبح فيها كالصلاة: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا.
فيكون مذهب المالكية قريبًا في بيان الصفة من الحنفية. ويزيد في سجوده ما ورد في الحديث الصحيح: «اللهم اكتب لي بها أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وتقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود» (١)

وقال الشافعية: سبب سجود التلاوة: 
التلاوة والسماع والاستماع، كما قال الحنفية، بالشروط المتقدمة.
ولها ركنان: النية لغير المأموم، أما المأموم فتكفيه نية الإمام. وسجدة واحدة، كسجدة الصلاة. والمصلي ينوي بالقلب.
وغير المصلي: يزاد له ثلاثة أركان: تكبيرة الإحرام، والجلوس بعد السجدة، والسلام. ويسن له التلفظ بالنية.
وصفتها: أن يكبر للهُوي، وللرفع، ولا يسن له رفع يديه في الصلاة، ويسن الرفع خارج الصلاة، ولا يجلس للاستراحة في الصلاة. ويقول في سجوده:
(١) رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي (نيل الأوطار: ٣/ ١٠٣).
 
(سبحان ربي الأعلى ثلاثًا)، ويضيف قائلًا: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين) ويقول أيضًا: «اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود» (١).
ويندب كما ثبت عن الشافعي: أن يقول: (سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولًا) ولو قال ما يقوله في سجوده فقط، جاز وكفى.
ويقوم مقام سجود التلاوة ما يقوم مقام تحية المسجد، فمن لم يرد فعلها قال أربع مرات: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر).

وقال الحنابلة: سببها:
 التلاوة والاستماع بالشروط المتقدمة. وبشرط ألا يطول الفصل عرفًا بينها وبين سببها. فإن كان القارئ أو السامع محدثًا، ولا يقدر على استعمال الماء تيمم. ولا يسجد المقتدي إلا لمتابعة إمامه. ويكره للإمام سجوده لقراءة سجدة في صلاة سرية، لئلا يخلط على المأمومين، فإن فعل خير المأموم بين المتابعة وتركها؛ لأنه ليس بتال ولا مستمع، والأولى السجود متابعة للإمام.
وأركانها ثلاثة: السجود والرفع منه، والتسليمة الأولى، أما الثانية فليست بواجبة، أما التكبير للهوي والرفع من السجود والذكر في السجود فهو واجب، كما في سجود صلب الصلاة. والجلوس للتسليم مندوب. والأفضل سجوده عن قيام، لما روى إسحاق بن راهويه عن عائشة: «أنها كانت تقرأ في المصحف، فإذا انتهت إلى السجدة، قامت، فسجدت» وتشبيهًا له بصلاة النفل.
(١) رواهما الحاكم وصححهما، وروى الأول الترمذي أيضًا عن عائشة وقال: هذا حديث حسن صحيح، وروى الثاني أيضًا وابن ماجه عن ابن عباس ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث غريب. وهو حسن (نيل الأوطار: ٣/ ١٠٣ - ١٠٤).
 
وصفتها: أن يكبر إذا سجد وإذا رفع، ويرفع يديه مع تكبيرة السجود إن سجد في غير الصلاة؛ لأنها تكبيرة افتتاح، كما قال الشافعية. أما في الصلاة فقياس المذهب ألا يرفع يديه، لأن في حديث ابن عمر «أن النبي ﷺ كان لا يفعله في السجود» (١) يعني رفع يديه، ويسلم إذا رفع.
ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة، ويزيد ما زاده الشافعية (سجد وجهي ...) (اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا ...) ٠.
ولا يقوم الركوع مقام السجود عند غير الحنفية؛ لأنه سجود مشروع، فلا ينوب عنه الركوع، كسجود الصلاة.

سادسًا - المواضع التي تطلب فيها السجدة: 
عدد السجدات عند المالكية (٢) في المشهور: إحدى عشرة، منها عشر بالإجماع: وهي في سورة الأعراف الآية (٢٠٦)، والرعد (١٥)، والنحل (٤٩)، والإسراء (١٠٧)، ومريم (٥٨)، وفي أول الحج (١٨)، وفي الفرقان (٦٠)، وفي النمل (٢٥)، وفي الم السجدة (١٥)، وفي فصّلت (٣٨)، وفي ص (٢٤).

واتفق الحنفية (٣) مع المالكية على سجدة (ص) وهي عندهم أربع عشرة، بإضافة ثلاث أخر:
في سورة النجم (٦٢)، وإذا السماء انشقت (٢١)، واقرأ باسم ربك الذي خلق (١٩). أما سجدة الحج الثانية فإنها للأمر بالصلاة بدليل اقترانها بالركوع. والأحاديث الواردة بتفضيل سورة الحج بسجدتين فيها راويان ضعيفان.
(١) متفق عليه.
(٢) القوانين الفقهية: ص ٩٠ وما بعدها، الشرح الصغير: ١/ ٤١٨.
(٣) الكتاب مع اللباب: ١/ ١٠٣.
 
وقال الشافعية والحنابلة (١):
 السجدات أربع عشرة، منها سجدتان في سورة الحج، وفي أولها وآخرها (٧٧)، أما سجدة ص فهي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، وتحرم في الصلاة على الأصح وتبطلها، لما روى البخاري عن ابن عباس، قال: «ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت النبي ﷺ يسجد فيها» وقال النبي ﷺ: «سجدها داود توبة، ونحن نسجدها شكرًا» (٢).
ويؤيد هذا الرأي حديث عمرو بن العاص: «أن رسول الله ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصَّل، وفي الحج سجدتان» (٣) فدل على أن السجدات خمس عشرة، منها سجدتان في الحج، وفي ص.
وحجة المالكية على نفي سجدات المفصل (النجم، الانشقاق، العلق): حديث ابن عباس عند أبي داود وابن السكن في صحيحه بلفظ: «لم يسجد النبي ﷺ في شيء من المفصَّل منذ تحول إلى المدينة» (٤).
واستدل الجمهور (غير المالكية) على إثبات سجدات المفصل بحديث أبي هريرة قال: «سجدنا مع النبي ﷺ في: ﴿إذا السماء انشقت﴾ [الانشقاق:١/ ٨٤]، و﴿اقرأ باسم ربك﴾ [العلق:١/ ٩٦] (٥) علمًا بأن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة.
واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم أيضا: «أن النبي ﷺ قرأ والنجم، فسجد
(١) مغني المحتاج: ١/ ٢١٤ وما بعدها، كشاف القناع: ١/ ٥٢٤.
(٢) رواه النسائي.
(٣) رواه أبو داود وابن ماجه.
(٤) لكن في إسناده ضعيفان، وإن كانا من رجال مسلم، قال النووي: حديث ابن عباس ضعيف الإسناد لا يصح الاحتجاج به. وعلى فرض صحته فالأحاديث الأخرى مثبتة، وهي مقدمة على النفي.
(٥) رواه الجماعة إلا البخاري (نيل الأوطار:٩٨/ ٣).
 
فيها، وسجد من كان معه، غير أن شيخًا من قريش أخذ كفًا من حصى أو تراب، فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، قال عبد الله: فلقد رأيته بعدُ قتل كافرًا» (١).

سابعًا - هل تتكرر السجدة بتكرر التلاوة؟
 تتكرر السجدة بتكرر التلاوة عند الجمهور، ولا تتكرر عند الحنفية إن كانت التلاوة لآية في مجلس واحد.
قال الحنفية (٢): من كرر تلاوة آية سجدة واحدة في مجلس واحد، أجزأته سجدة واحدة، وفعلها بعد الأولى أولى، وقيل: التأخير أحوط، أي أنه يشترط اتحاد الآية والمجلس.
أما إن كرر آية السجدة في عدة أماكن، أي اختلف المجلس، فيجب تكرار السجود.
فإن قرأ عدة آيات فيها سجدات مختلفة، فيجب لكل آية سجدة سواء اتحد المجلس أم اختلف.
ويتبدل المجلس بالانتقال منه بثلاث خطوات في الصحراء والطريق، وبالانتقال من غصن شجرة إلى غصن، وبسباحة في نهر أو حوض كبير في الأصح. ولا يتبدل بزوايا البيت الصغير، والمسجد ولو كان كبيرًا، ولا بسير سفينة أو سيارة، ولا بركعة وبركعتين، وشربة وأكل لقمتين، ومشي خطوتين، ولا باتكاء وقعود وقيام وركوب ونزول في محل تلاوته، ولا بسير دابته مصليًا.
(١) متفق عليه.
(٢) مراقي الفلاح: ص ٨٤ وما بعدها، الدر المختار ورد المحتار: ٧٢٦/ ١ - ٧٢٨.
 
ويتكرر الوجوب على السامع بتبديل مجلسه، وإن اتحد مجلس القارئ، فلو كررها راكبًا يصلي، وغلامه يمشي، تتكرر على الغلام، لا الراكب، ولا تتكرر على السامع في عكسه وهو تبدل مجلس القارئ دون السامع على المفتى به (١)، ومن تلا آية سجدة، فلم يسجد لها، حتى دخل في الصلاة، فتلاها، وسجد لها، أجزأته السجدة عن التلاوتين.
وإن تلاها في غير الصلاة، فسجد لها، ثم دخل في الصلاة، فتلاها، سجد لها، ولم تُجْزه السجدة الأولى. وإذا تلا آية سجدة في الصلاة ثم أعادها بعد سلامه، يسجد سجدة أخرى. ولا تقضى السجدة التي تتلى في الصلاة خارجها؛ لأن لها مزية، فلا تتأدى بناقص، وعليه التوبة.
وقال المالكية: إذا كرر المعلم أو المتعلم آية السجدة، فيسن السجود لكل منهما عند قراءتها أول مرة فقط دفعًا للمشقة. ويسجد إن تجاوز آية السجدة تجاوزًا يسيرًا كآية أو آيتين، فإن كان التجاوز كثيرًا أعاد آية السجدة وسجد، ولو كان في صلاة فرض، ولكن لا يسجد في الفرض إذا لم ينحن للركوع.
وقال الشافعية: لو كرر آية في مجلسين، أوفي مجلس في الأصح، سجد لكل من المرتين عقبها، والركعة كمجلس واحد، والركعتان كمجلسين. فإن لم يسجد وطال الفصل عرفًا ولو بعذر، لم يسجد أداء؛ لأنه من توابع القراءة.
وقال الحنابلة: إذا كرر تلاوة الآية أو استماعها، يسن له تكرار السجود بمقدار ذلك، لتعدد السبب.
(١) أما الصلاة على الرسول ﷺ فتتكرر على الراجح وهو رأي متأخري الحنفية بتكرر ذكره، وإن اتحد المجلس. وأما العطاس: فالأصح أنه إن زاد على الثلاث لا يشمته.
 
ثامنًا - أحكام فرعية لسجدة التلاوة: 
 
قال الحنفية (١):
أـ يكره تحريمًا ترك آية سجدة، وقراءة باقي السورة؛ لأن فيه قطع نظم القرآن وتغيير تأليفه الإلهي، واتباع النظم والتأليف مأمور به. ولا يكره عكسه: وهو قراءة آية السجدة من بين السورة؛ لأنها من القرآن، وقراءة ما هو من القرآن طاعة، كقراءة سورة من بين السور، ولكن يندب ضم آية أو آيتين إليها قبلها أو بعدها، لدفع وهم التفضيل، إذ الكل من حيث إنه كلام الله في رتبة واحدة، وإن كان لبعضها زيادة فضيلة باشتماله على صفاته تعالى.
ب - يستحسن إخفاء آية السجدة عن سامع غير متهيء للسجود. والراجح وجوب السجود على متشاغل بعمل، وقد سمع آية السجدة، زجرًا له عن تشاغله عن كلام الله.
ويكره للإمام أن يقرأ آية سجدة في صلاة سرية لئلا يشتبه على المقتدين، وفي نحو جمعة وعيد، إلا أن تكون بحيث تؤدى بركوع الصلاة أو سجودها، ولو تلا على المنبر آية سجدة سجد الإمام فوق المنبر مع الكراهة أو تحته وسجد السامعون.
جـ - لو سمع شخص آية السجدة من قوم، من كل واحد منهم حرفًا، لم يسجد لأنه لم يسمعها من تال، لأن اتحاد التالي شرط.
د - يندب القيام ثم السجود لآية السجدة، ويندب ألا يرفع السامع رأسه من السجود قبل رفع رأس التالي لآية السجدة، ولا يؤمر التالي بالتقدم، ولا السامعون بالاصطفاف، وإنما يسجدون كيف كانوا.
(١) الدر المختار: ٧٢٩/ ١ - ٧٣٢، مراقي الفلاح: ص ٨٥.
 
هـ - قيل: من قرأ آي السجدة كلها في مجلس، وسجد لكل منها، كفاه الله ما أهمه. وظاهره أنه يقرؤها ولاء، ثم يسجد، ويحتمل أن يسجد لكل آية بعد قراءة الكل، وهو غير مكروه.

وقال المالكية (١):
أـ يكره الاقتصار على قراءة الآية للسجود، كما قال الحنفية؛ كأن يقرأ ﴿إنما يؤمن بآياتنا﴾. [السجدة:١٥/ ٣٢] وعلى القول بالكراهة: لو قرأها لا يسجد.
ب - يكره لمصلٍ تعمد السجدة، بأن يقرأ ما فيه آيتها، بفريضة، ولو صبح جمعة على المشهور، لا في نفل، فلا يكره. فإن قرأها بفرض عمدًا أو سهوًا سجد لها، ولو بوقت نهي، أما إن قرأها في خطبة جمعة أو غيرها فلا يسجد لها، لاختلال نظامها.
جـ - يندب لإمام الصلاة السرية كالظهر الجهر بآية السجدة، ليسمع المأمومون فيتبعوه في سجوده، فإن لم يجهر بها، بل قرأها سرًا وسجد، اتبعه المقتدون؛ لأن الأصل عدم السهو، فإن لم يتبعوه صحت صلاتهم؛ لأن اتباعه واجب غير شرط؛ لأن السجدة ليست من الأفعال المقتدى به فيها أصالة، وترك الواجب الذي ليس بشرط لا يوجب البطلان.
د - من تجاوز السجدة في القراءة بآية أو آيتين، يسجد، بلا إعادة القراءة لمحل السجدة. وإن تجاوز بكثير يعيدها، أي يعيد القراءة لآية السجدة، سواء في الصلاة ولو بفرض أم في غيرها. ويسجد لها ما لم ينحن بقصد الركوع في نفل أو فرض، فإن ركع بالانحناء فات تداركها. ويندب إعادة القراءة بالنفل لافي الفرض في
(١) الشرح الصغير: ١/ ٤١٩ - ٤٢٢.
 
الركعة الثانية، إذا لم تكن قراءتها في الثانية. والظاهر إعادتها قبل الفاتحة لتقدم سببها.
هـ - يندب لساجد السجدة في الصلاة قراءة شيء من القرآن قبل الركوع ولو من سورة أخرى، ليقع ركوعه عقب قراءة.
ولو قصد أداء السجدة بعد قراءة محلها، وانخفض بنيتها، فركع ساهيًا صح ركوعه عند الإمام مالك، بناء على أن الحركة للركن لا تشترط، ثم يسجد للسهو لهذه الزيادة بعد السلام إن اطمأن بركوعه، فإن لم يطمئن سجدها، ولا سجود سهو عليه.

وقال الحنابلة (١):
أـ لا يسجد المرء سجدة التلاوة في الأوقات المنهي عنها التي لا يجوز فيها التطوع بالصلاة، خلافًا للشافعية، لعموم قوله ﵇: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» وهذا مروي عن ابن عمر، وعن أبي بكر وعمر وعثمان.
ب - إن قرأ السجدة في الصلاة في آخر السورة: فإن شاء ركع، وإن شاء سجد، ثم قام فركع، قال ابن مسعود: «إن شئت ركعت، وإن شئت سجدت».
جـ - إن كان القارئ على الراحلة في السفر، جاز أن يومئ بالسجود حيث كان اتجاهه، كصلاة النافلة. وهذا متفق عليه بين المذاهب (٢). لما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ قرأ عام الفتح سجدة، فسجد الناس كلهم، منهم الراكب، والساجد في
(١) المغني: ١/ ٦٢٣، ٦٢٦،٦٢٧.
(٢) انظر أيضًا مغني المحتاج: ١/ ٢١٩.
 
الأرض، حتى إن الراكب ليسجد على يده» (١).
د - يكره اختصار السجود: وهو أن ينتزع الآيات التي فيها السجود، فيقرؤها ويسجد فيها؛ لأنه ليس بمروي عن السلف فعله، بل كراهته. وقد قدمنا جوازه عند الحنفية.
هـ - يكره للإمام السجدة في صلاة سرية، وإن قرأ لم يسجد؛ لأن فيها إبهامًا على المأموم. وهذا متفق مع رأي الحنفية، ولم يكرهه الشافعي؛ لحديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ سجد في الظهر، ثم قام فركع، فرأى أصحابه أنه قرأ سورة السجدة» (٢). وذكر المالكية أن الإمام يجهر بالسجدة حينئذ كما أسلفنا.

المطلب الثالث - سجدة الشكر:
تستحب سجدة الشكر عند الجمهور، وتكره عند المالكية، وعبارات الفقهاء في شأنها ما يأتي:
قال الحنفية (٣): هي مكروهة عند أبي حنيفة لعدم إحصاء نعم الله تعالى. وهي قربة يثاب عليها، لما روى الأئمة الستة إلا النسائي عن أبي بكرة «أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره، أو بشر به، خر ساجدًا» وهيئتها: مثل سجدة التلاوة.
والمفتى به أنها مستحبة، لكنها تكره بعد الصلاة؛ لأنه الجهلة يعتقدونها سنة أو واجبة، وكل مباح يؤدي إلى هذا الاعتقاد فهو مكروه. وعلى هذا ما يفعل عقب الصلاة من السجدة مكروه إجماعًا؛ لأن العوام يعتقدون أنها واجبة أو سنة، وكل
(١) رواه أبو داود (نيل الأوطار: ٣/ ١٠٢).
(٢) رواه أحمد وأبو داود (نيل الأوطار: ٣/ ١٠٠).
(٣) الدر المختار ورد المحتار: ١/ ٣٤٤،٧٣١، مراقي الفلاح: ص ٨٥ وما بعدها.
 
جائز أدى إلى اعتقاد ذلك كره. وإذا نواها ضمن ركوع الصلاة أو سجودها، أجزأته.
ويكره أن يسجد شكرًا بعد الصلاة في الوقت الذي يكره فيه النفل، ولا يكره في غيره.
وقال المالكية (١): يكره سجود الشكر عند سماع بشارة، والسجود عند زلزلة، وإنما المستحب عند حدوث نعمة أو اندفاع نقمة: صلاة ركعتين؛ لأن عمل أهل المدينة على ذلك.
وأجاز ابن حبيب المالكي سجد ة الشكر لحديث أبي بكر السابق (٢).
وقال الشافعية (٣): سجدة الشكر لا تدخل في الصلاة. وتسن لهجوم نعمة، كحدوث ولد أو جاه أو اندفاع نقمة كنجاة من حريق أو غريق، أو رؤية مبتلى في بدنه أو غيره، أو رؤية عاص يجهر بمعصيته، ويظهرها للعاصي، لا للمبتلى.
وهي كسجدة التلاوة، والأصح جوازهما على الراحلة للمسافر بالإيماء لمشقة النزول، فإن سجد الراكب لتلاوة صلاة، جاز الإيماء على الراحلة قطعًا تبعًا للنافلة كسجود السهو.
وأدلتهم في حالة تجدد نعمة أو اندفاع نقمة: حديث أبي بكرة السابق، وحديث عبد الرحمن بن عوف، قال: خرج النبي ﷺ، فتوجه نحو صَدَفَته (٤)،
(١) الشرح الصغير: ١/ ٤٢٢.
(٢) قال الترمذي عنه: هو حسن غريب، وفي إسناده بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبيه عن جده، وهو ضعيف عند العقيلي وغيره. وقال ابن معين: إنه صالح الحديث (نيل الأوطار: ٣/ ١٠٤ وما بعدها).
(٣) مغني المحتاج: ١/ ٢١٩.
(٤) الصدفة: من أسماء البناء المرتفع، فهي كل بناء عظيم مرتفع.
 
فدخل، فاستقبل القبلة، فخر ساجدًا، فأطال السجود، ثم رفع رأسه، وقال: إن جبريل أتاني، فبشرني، فقال: إن الله ﷿ يقول لك: «من صلى عليك صليت عليه، ومن سلّم عليك سلمت عليه، فسجدت شكرًا لله» (١).
وروى أبو داود بإسناد حسن «أنه ﷺ قال: سألت ربي، وشفعت لأمتي، فأعطاني ثلث أمتي، فسجدت شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي، فأعطاني ثلث أمتي، فسجدت شكرًا لربي، ثم رفعت رأسي، فسألت ربي فأعطاني الثلث الآخر، فسجدت شكرًا لربي».
ودليلهم لحالة رؤية المبتلى: حديث رواه البيهقي، وشكر الله على سلامته. وأما حالة رؤية العاصي: فلأن المصيبة في الدين أشد منها في الدنيا، قال ﷺ: «اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا»، وعند رؤية الكافر أولى.
وقال الحنابلة (٢): يستحب سجود الشكر عند تجدد النعم، واندفاع النقم لحديث أبي بكرة السابق، وسجد الصديق حين فتح اليمامة.
ويشترط لسجود الشكر ما يشترط لسجود التلاوة. ولا يسجد للشكر وهو في الصلاة؛ لأن سبب السجدة ليس منها، فإن فعل بطلت صلاته، إلا أن يكون ناسيًا أو جاهلًا بتحريم ذلك.

المبحث الثاني - قضاء الفوائت:

معناه وحكمه شرعًا، أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها، كيفية القضاء سفرًا
(١) رواه أحمد ورواه أيضًا البزار وابن أبي عاصم، والعقيلي في الضعفاء، والحاكم (نيل الأوطار:١٠٥/ ٣).
(٢) المغني: ١/ ٦٢٧ وما بعدها.
 
وحضرًا سرًا وجهرًا، الترتيب في قضاء الفوائت، متى يسقط الترتيب، القضاء إن جهل العدد، القضاء في وقت النهي عن الصلاة.

أولًا - معنى القضاء وحكمه شرعًا: 
الأداء: فعل الواجب في وقته، وبإدراك التحريمة يكون أداء عند الحنفية والحنابلة، أما عند الشافعية والمالكية: فبإدراك ركعة من الصلاة، كما بينا في بحث أوقات الصلاة.
والإعادة: فعل مثل الواجب في وقته، لخلل غير الفساد، قال الحنفية: كل صلاة أديت مع كراهة التحريم تعاد وجوبًا في الوقت، وخارج الوقت.
والقضاء: فعل الواجب بعد وقته (١). أو إيقاع الصلاة بعد وقتها.
والشأن في المسلم دينًا وعقلًا أن يبادر إلى أداء الصلاة في وقتها، ويأثم بتأخيرها عن وقتها بغير عذر، كما بينا في فضل الصلاة، لقوله تعالى: ﴿فإذا اطمأننتم، فأقيموا الصلاة، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا﴾ [النساء:١٠٣/ ٤]. وتأخير الصلاة من غير عذر معصية كبيرة لا تزول بالقضاء وحده، بل بالتوبة أو الحج بعد القضاء.
ومن أخر الصلاة عن وقتها لعذر مشروع فلا إثم عليه، ومن العذر: خوف العدو، وخوف القابلة موت الولد، أو خوف أمه إذا خرجه رأسه، لأنه ﵇ أخر الصلاة يوم الخندق: قال ابن مسعود: «إن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ عن أربع صلوات يوم الخندق، حتى ذهب من الليل ما شاء الله، فأمر بلالًا
(١) الدر المختار: ١/ ٦٧٦ - ٦٧٩.
 
فأذن، ثم أقام، فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء» (١).
ومن شغلت ذمته بأي تكليف لا تبرأ إلا بتفريغها أداء أو قضاء، لقوله ﷺ: «فدين الله أحق أن يقضى» (٢). فمن وجبت عليه الصلاة، وفاتته بفوات الوقت المخصص لها، لزمه قضاؤها (٣) فهو آثم بتركها عمدًا، والقضاء عليه واجب، لقوله ﷺ: «إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، فإن الله ﷿ يقول: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ [طه:١٤/ ٢٠] (٤) وللبخاري: «من نسي صلاة، فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك» ومجموع الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها» فمن فاتته الصلاة لنوم أو نسيان قضاها، وبالأولى من فاتته عمدًا بتقصير يجب عليه قضاؤها.
وعليه: يجب القضاء بترك الصلاة عمدًا أو لنوم أو لسهو، ولوشكًا. ولا يجب القضاء عند المالكية لجنون أو إغماء أو كفر، أو حيض أو نفاس، أو لفقد الطهورين.
(١) رواه الترمذي والنسائي وأحمد، قال الترمذي: ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة (راويه عن أبيه عن ابن مسعود) لم يسمع من أبيه. ورواه النسائي أيضًا عن أبي سعيد الخدري، ورواه البزار عن جابر ابن عبد الله (نصب الراية: ٢/ ١٦٤ - ١٦٦).
(٢) رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس. وهناك أحاديث أخرى في الحج في معناه (نيل الأوطار:٢٨٥/ ٤ وما بعدها).
(٣) الكتاب مع اللباب: ١/ ٨٨، الشرح الصغير: ١/ ٣٦٤، مغني المحتاج: ١/ ١٢٧، المهذب: ١/ ٥٤، المجموع: ٣/ ٧٢ وما بعدها، المغني: ٢/ ١٠٨، بداية المجتهد:١٧٥/ ١.
(٤) رواه مسلم عن أنس بن مالك (نيل الأوطار: ٢/ ٢٥).
 
ولا يأثم من أخر الصلاة لعذر النوم أو النسيان، لحديث أبي قتادة قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة، فقال: إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها، فليصلها إذا ذكرها» (١).

ثانيًا - أعذار سقوط الصلاة وتأخيرها:
 
 أـ أعذار سقوط الصلاة:
اتفق العلماء على أن الصلاة تسقط عن المرأة أيام الحيض والنفاس، فلا يجب عليها قضاء ما فاتها من الصلوات أثناء الحيض أو النفاس، كما لاقضاء على الكافر الأصلي والمجنون اتفاقًا.
وذكر الحنفية (٢): أن الصلاة تسقط عن المجنون والمغمى عليه إذا استمر الجنون أو الإغماء أكثر من خمس صلوات، أما إن استمر أقل من ذلك، خمس صلوات فأقل، وجب عليهما القضاء لصلاة ذلك الوقت إذا بقي من الوقت ما يسع أكثر من التحريمة. فلو لم يبق من الوقت ما يسع قدر التحريمة، لم تجب عليهما صلاة ذلك الوقت. وأما المرتد: فلا يقضي ما فاته زمن الردة ولا ما قبلها إلا الحج؛ لأنه بالردة يصير كالكافر الأصلي. ويعذر حربي أسلم بدار الحرب بالجهل، فلا يقضي ما عليه إذا مكث مدة؛ لأن العلم بالخطاب شرط التكليف.
وبينا أن المالكية قالوا: لا يجب القضاء في حال الجنون والإغماء والكفر والحيض والنفاس وفقد الطهورين (٣).
(١) رواه النسائي والترمذي وصححه (نيل الأوطار: ٢/ ٢٧).
(٢) الدر المختار ورد المحتار: ١/ ٣٣٠،٦٨٨.
(٣) الشرح الصغير: ١/ ٣٦٤.
 
وقال الشافعية (١): لا تجب الصلاة على الحائض والنفساء كغيرهم من المذاهب، أما الكافر الأصلي إذا أسلم فلا يخاطب بقضاء الصلاة، لقوله ﷿: ﴿قل للذين كفروا: إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال:٣٨/ ٨] ولأن في إيجاب ذلك عليه تنفيرًا عن الإسلام، فعفي عنه. وأما المرتد إذا أسلم: فيلزمه قضاء الصلاة، لأنها وجبت عليه، واعتقد وجوبها، وقدر على التسبب إلى أدائها فهو كالمحدث، حتى إنه إن جن حال الردة ففاته صلوات، لزمه قضاؤها.
ومن زال عقله بجنون أو إغماء أو مرض أو بسب مباح: فلا تجب عليه الصلاة ولا قضاء عليه لقوله ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة» فنص على المجنون، وقيس عليه كل من زال عقله بسب مباح. أما من زال عقله بسبب محرم كمن شرب المسكر، أو تناول دواء من غير حاجة، فزال عقله، فيجب عليه القضاء إذا أفاق؛ لأنه زال عقله بمحرم، فلم يسقط عنه الفرض ..
وقال الحنابلة (٢): لا تجب الصلاة على صبي ولا كافر ولا حائض أو نفساء. أما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره، بغير خلاف للآية السابقة: ﴿قل للذين كفروا ..﴾ [الأنفال:٣٨/ ٨] وأسلم في عصر النبي ﷺ خلق كثير وبعده، فلم يؤمر أحد منهم بقضاء، ولأن في إيجاب القضاء عليه تنفيرًا عن الإسلام، فعفي عنه، كما قال الشافعية.
وأما المرتد: ففي وجوب القضاء عليه روايتان عن أحمد:
إحداهما كالحنفية: لا يلزمه؛ لأن عمله قد حبط بكفره بدليل قوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليَحْبطنَّ عملُك﴾ [الزمر:٦٥/ ٣٩]، ولو حج لزمه استئناف حجه. فصار كالكافر الأصلي في جميع أحكامه.
(١) المهذب: ١/ ٥٠ وما بعدها.
(٢) المغني: ١/ ٣٩٨ - ٤٠١.
 
والثانية كالشافعية: يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال ردته، وإسلامه قبل ردته، ولا يجب عليه إعادة الحج؛ لأن العمل إنما يحبط بالإشراك مع الموت، لقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾ [البقرة:٢١٧/ ٢].
والمجنون غير مكلف، ولا يلزمه قضاء ما ترك في حال جنونه، إلا أن يفيق في وقت الصلاة، فيصير كالصبي يبلغ، ولا خلاف في ذلك، للحديث السابق: «رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل» (١)، ولأن مدته تطول غالبًا، فوجوب القضاء عليه يشق، فعفي عنه.
والمغمى عليه: يقضي جميع الصلوات التي كانت عليه في حال إغمائه، فحكمه حكم النائم، لا يسقط عنه قضاء شيء من الواجبات التي يجب قضاؤها كالصلاة والصيام. بدليل ما روى الأثرم أن عمارًا أغمي عليه ثلاثًا، فقضى ما عليه، وأن سمرة بن جندب سئل عن صلاة المغمى عليه فقال: «ليصليهن جميعًا» وهذا الرأي خلاف ما عليه الحنفية والمالكية والشافعية كما بينا.
ومن شرب دواء فزال عقله به نظر: فإن كان زوالًا لا يدوم كثيرًا فهو كالإغماء، وإن كان يتطاول فهو كالجنون.
وأما السكر ومن شرب محرمًا يزيل عقله وقتًا دون وقت: فلا يؤثر في إسقاط التكليف، وعليه قضاء ما فاته في حال زوال عقله، بلا خلاف، ولأنه إذا وجب عليه القضاء بالنوم المباح، فبالسكر المحرم أولى.
(١) أخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: حديث حسن.
 
إسقاط الصلاة والصوم وغيرهما عن المريض العاجز الذي مات:
قال الحنفية (١): إذا مات المريض الذي عجز في الحياة عن الصلاة بالإيماء برأسه، لا يلزمه الإيصاء بها، وإن قلت.
وكذا المسافر والمريض إن أفطرا في الصوم، وماتا قبل الإقامة والصحة، فلا يلزمهما الإيصاء به. لكن تكون الوصية مستحبة بفدية الصلاة والصيام ونحوها.
ومن مات وعليه صلوات فائتة بغير عذر بأن كان يقدر على أدائها ولو بالإيماء، فيلزمه الإيصاء بالكفارة عنها، وإلا فلا يلزمه وإن قلّت بأن كانت دون ست صلوات، لقوله ﷺ: «فإن لم يستطع فالله أحق بقبول العذر منه».
وكذلك من أفطر في رمضان ولو بغير عذر، يلزمه الوصية بفدية ما عليه بما قدر عليه، ويبقى في ذمته، ويخرجه عنه وليه من ثلث تركته. وللولي التبرع بالفدية إن لم يوص أو لم يترك مالًا.
ومقدار الكفارة عن الصلاة ومنها الوتر عند الحنفية، والصوم: أن يعطى لكل صلاة وصوم يوم نصف صاع من بُرّ (ربع مد دمشقي من غير تكريم، بل قدر مَسْحة)، كفطرة الصيام لكل من الصلاة والصوم على حدة، وتقدر بـ ١٠٨٧،٥غم.
وتؤخذ الكفارة وفدية الصوم: من ثلث مال المتوفى. فإن لم يكن له مال يستقرض وارثه نصف صاع مثلًا، ويهبه للفقير، ثم يهبه الفقير لولي الميت ويقبضه، ثم يدفعه الولي للفقير، فيسقط من الصلاة والصوم بقدره، وهكذا حتى يتم إسقاط ما كان عليه من صلاة وصوم.
(١) الدر المختار: ١/ ٦٨٥وما بعدها، ٥/ ٤٥٨، مراقي الفلاح: ص ٧٤وما بعدها.
 
لكن يلاحظ أن مثل هذه الحيلة غير مقبولة؛ لأن الصلاة عبادة بدنية، ولا تسقطها شكليات فارغة وطقوس جوفاء.
ويجوز إعطاء فدية صلوات لواحد جملة، بخلاف كفارة اليمين، كما يجوز إعطاء الفقير أقل من نصف صاع. ولا يصح للمرء في حال حياته أن يفدي عن صلاته في مرضه، فلا فدية في الصلاة حال الحياة بخلاف الصوم فإنه يجوز بل تجب الفدية عنه. ولا يجوز للورثة قضاء الصلاة عن الميت بأمره؛ لأن الصلاة عبادة بدنية شخصية، بخلاف الحج فإنه يقبل النيابة.

ب - أعذار تأخير الصلاة عن وقتها:
عرفنا سابقًا أن تأخير الصلاة بعذر كالنوم والنسيان والغفلة، يوجب القضاء ويسقط الإثم، للحديث السابق عن أبي قتادة «إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة» إلا أن الشافعية قالوا: يكون النسيان عذرًا إذا لم يكن ناشئًا عن تقصير، فإن نسي الصلاة لاشتغاله بلعب مثلًا فلا يكونن معذورًا ويأثم بتأخير الصلاة عن وقتها.

ثالثًا - كيفية قضاء الفائتة أو صفتها: قال الحنفية (١):
 تقضى الصلاة على الصفة السابقة التي فاتت عليها حضرًا أو سفرًا، فمن فاتته صلاة مقصورة في السفر، قضاها ركعتين ولو في الحضر. ومن فاتته صلاة تامة في الحضر، قضاها أربعًا ولو في السفر.
أما صفة القراءة في القضاء سرًا أو جهرًا، فيراعى نوع الصلاة: فإن كانت
(١) اللباب شرح الكتاب: ١/ ١١٠، فتح القدير: ١/ ٤٠٥.
 
سرية كالظهر، يسر في القراءة، وإن كانت جهرية يجهر فيها إن كان إمامًا، ويخير بين الجهر والإسرار إن كان منفردًا.
ويجب القضاء فورًا، ويجوز تأخيره لعذر السعي على العيال وفي الحوائج على الأصح، كما أن أداء سجدة التلاوة خارج الصلاة والنذر المطلق وقضاء رمضان موسع يجوز تأخيره للعذر السابق.
وقال المالكية (١) كالحنفية: يقضيها بنحو ما فاتته سفرًا أو حضرًا، جهرًا أو سرًا، فورًا، ويحرم عليه تأخير القضاء، ولو كان وقت نهي كطلوع شمس وغروبها وخطبة جمعة، إلا وقت الضرورة كوقت الأكل والشرب والنوم الذي لا بد منه، وقضاء حاجة الإنسان، وتحصيل ما يحتاج له في معاشه.
وعلى هذا تقضى الحضرية كاملة ولو قضاها في السفر، وتقضى النهارية سرًا ولو قضاها ليلًا، وتقضى الليلية جهرًا ولو قضاها نهارًا؛ لأن القضاء يحكي ما كان أداء.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): ينظر لمكان القضاء ووقت القضاء، فيقضي المسافر الصلاة الرباعية ركعتين، سواء فاتته في السفر أم في الحضر، فإن كان في الحضر فيقضي الرباعية أربعًا، وإن فاتته في السفر، لأن الأصل الإتمام، فيرجع إليه في الحضر، ولأن سبب القصر هو السفر وليس متوفرًا في الحضر.
وفائتة السفر تقضى قصرًا في السفر دون الحضر، في الأظهر عند الشافعية، نظرًا لوجود السبب.
(١) الشرح الصغير: ١/ ٣٦٥، الشرح الكبير مع الدسوقي: ١/ ٢٦٣، القوانين الفقهية: ص ٧١.
(٢) مغني المحتاج: ١/ ١٢٧/‏١، ١٦٢،٢٦٣، المغني: ١/ ٥٦٩ وما بعدها،٦١٤، و٢/ ٢٨٢ وما بعدها.
 
ويسر ويجهر في الصلاة بحسب الوقت، فإن صلى في النهار من طلوع الشمس إلى غروبها أسر، وإن صلى في الليل من مغيب الشمس إلى طلوعها جهر. إلا أن الحنابلة قالوا: إن كان القضاء ليلًا يجهر الإمام لتشابه القضاء مع الأداء، فإن كان منفردًا أسر مطلقًا، قال الإمام أحمد: إنما الجهر للجماعة.

قضاء الفائتة بجماعة، وقضاء السنن: 
وأضاف الحنابلة: أنه يستحب قضاء الفوائت في جماعة، كما فعل النبي ﷺ يوم الخندق، حينما فاتته صلوات أربع، فقضاهن في جماعة. ولا يكره قضاء السنن الرواتب قبل الفرض، ويستحب أن يقضي ركعتي الفجر قبل الفريضة، لما روى أبو هريرة قال: عرَّسْنا - نزلنا ليلًا - مع رسول الله ﷺ، فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال رسول الله ﷺ: ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته، فإن هذا منزل حضر فيه الشيطان، قال: ففعلنا، ثم دعا بالماء فتوضأ، ثم سجد سجدتين، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الغداة (١).

القضاء على الفور:
ويجب أن يكون القضاء فورًا باتفاق الفقهاء، سواء فاتت الصلاة بعذر أم بغير عذر.
إلا أن الشافعية فصلوا في الأمر فقالوا: يبادر بالفائت ندبًا إن فاته بعذر كنوم ونسيان، ووجوبًا إن فاته بغير عذر، على الأصح فيهما، تعجيلًا لبراءة ذمته، ودليل إيجاب الفورية قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه:١٤/ ٢٠] ولأن تأخير الصلاة بعد الوقت معصية يجب الإقلاع عنها فورًا.
(١) متفق عليه، وروى نحوه أبو قتادة وعمران بن حصين.
 
رابعًا - الترتيب في قضاء الفوائت ومتى يسقط الترتيب؟ 
 يجب ترتيب قضاء الفوائت عند الجمهور، وهو سنة عند الشافعية، على التفصيل التالي:

قال الحنفية (١): 
الترتيب بين الفروض الخمسة والوتر وبين الفائتة والوقتية مستحق لازم إلا أن يخاف فوات صلاة الوقت، فيقدم صلاة الوقت ثم يقضي الفائتة. بدليل قول ابن عمر: «من نام عن صلاة أو نسيها، فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليصل التي هو فيها، ثم ليصل التي ذكرها، ثم ليعد التي صلى مع الإمام» (٢).
ومن فاتته صلوات رتبها في القضاء، كما وجبت عليه في الأصل؛ لأن النبيصلّى الله عليه وسلم شغل عن أربع صلوات يوم الخندق، فقضاهن مرتبًا، ثم قال «صلوا كما رأيتموني أصلي» (٣) إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات غير الوتر، فيسقط الترتيب بينها، كما سقط فيما بينها وبين الوقتية؛ لأن الفوائت قد كثرت، ولخروج وقت الصلاة السادسة، ولا يعود الترتيب بعودها إلى القلة، على المختار.
وقال صاحب الهداية: يعود الترتيب عند البعض، وهو الأظهر.
وبناء عليه: لو صلى فرضًا ذاكرًا فائتة، ولو كانت وترًا، فسد فرضه فسادًا موقوفًا، فلو فاتته صلاة الصبح، ثم صلى الصبح، ثم صلى الظهر بعدها، وهو
(١) البدائع: ١/ ١٣١ وما بعدها، الدر المختار: ١/ ٦٧٩ - ٦٨٥، الكتاب مع اللباب:٨٩/ ١، مراقي الفلاح: ص ٧٥ وما بعدها، فتح القدير: ١/ ٣٤٦ - ٣٥٢.
(٢) أخرجه الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر بلفظ «من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام، فليتم صلاته، فإذا فرغ من صلاته فليعد التي نسي، ثم ليعد التي صلاها مع الإمام» والصحيح أنه من قول ابن عمر (نصب الراية: ٢/ ١٦٢).
(٣) روي الحديث عن ابن مسعود والخدري وجابر: وقد سبق تخريجه (نصب الراية:١٦٤/ ٢ - ١٦٦).
 
ذاكر فسدت صلاة الظهر فسادًا موقوفًا، ولو صلى العصر قبل قضاء الصبح وقعت صلاة العصر فاسدة فسادًا موقوفًا كذلك، وهكذا إلى خروج وقت صلاة صبح اليوم التالي، فإن قضى فائتة صبح اليوم الأول قبل ذلك، فسدت فرضية كل ما صلاه، وانقلب نفلًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولزمه إعادته (١).
وتوضيح الأمر: أن فساد أصل الصلاة بترك الترتيب موقوف عند أبي حنيفة سواء ظن وجوب الترتيب أو لا، وعند الصاحبين: الفساد بات.
وعلى رأي أبي حنيفة: إن كثرت الفوائت، وصارت الفواسد مع الفائتة ستًا، ظهر صحتها، بخروج وقت الخامسة التي هي سادسة الفوائت. وإن لم تصر ستًا، لا تظهر صحتها، بل تصير نفلًا.
فإذا فاتته صلاة ولو وترًا، فكلما صلى بعدها، وهو ذاكر لتلك الفائتة، فسدت تلك الوقتية فسادًا موقوفًا على قضاء تلك الفائتة، فإن قضاها قبل أن يصلي بعدها خمس صلوات، صار الفساد باتًا، وانقلبت الصلوات التي صلاها قبل قضاء المقضية نفلًا. وإن لم يقضها حتى خرج وقت الخامسة، وصارت الفواسد مع الفائتة ستًا، انقلبت صحيحة؛ لأنه ظهرت كثرتها، ودخلت في حد التكرار المسقط للترتيب.
ويسقط الترتيب بأحد ثلاثة أمور:
الأول - أن تصير الفوائت ستًا، كما بينا، ولا يدخل الوتر في العدد المذكور.
الثاني - ضيق الوقت المستحب عن أن يسع الفائتة والوقتية الحاضرة.
(١) وهكذا يقال: صلاة واحدة تفسد خمسًا، وأخرى تصحح خمسًا، فالمتروكة تفسد الخمس بقضائها في وقت الخامسة من المؤديات، والسادسة من المؤديات تصحح الخمس قبلها. والحقيقة: خروج وقت الخامسة هو المصحح لها.
 
الثالث - نسيان الفائتة وقت الأداء، لقوله ﷺ: «إن الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (١).

وقال المالكية (٢): 
يجب الترتيب مع التذكر والقدرة بأن لا يكره على عدمه. والترتيب شرط في صلاتين حاضرتين مشتركتي الوقت وهما الظهران والعشاءان، فمن تذكر الظهر وهو في أثناء العصر، فالعصر باطلة، وكذا العشاء مع المغرب؛ لأن ترتيب الحاضرة واجب شرطًا. ويقطع الحاضرة إن لم يتم ركعة، ويندب أن يضم إليها ركعة أخرى إن أتم ركعة ويجعلها نفلًا.
ويجب الترتيب مع الشرطين السابقين (التذكر والقدرة) بين الفوائت اليسيرة والصلاة الحاضرة، فتقدم الفائتة على الحاضرة، كمن عليه المغرب والعشاء والصبح، يجب تقديمها على الصبح الحاضرة، وإن خرج وقت الحاضرة، بتقديمه يسير الفوائت الواجب تقديمه عليها. وهذا واجب لا شرط، فلو خالفه لا تبطل المُقدَّمة على محلها، ولكنه يأثم، ولا إعادة عليه لخروج وقتها بمجرد فعلها، فإن قدمها ناسيًا أو مكرهًا صحت ولا إثم عليه. ويندب إعادة الحاضرة لو قدمها على يسير الفائتة ولو عمدًا، بوقت ضروري (وهو في الظهرين للاصفرار، وفي العشاءين لطلوع الفجر).
ويسير الفوائت: خمس فأقل، فيصليها قبل الحاضرة ولو ضاق وقتها.
ولو تذكر المصلي اليسير من الفوائت في أثناء فرض الصلاة، ولو صبحًا أو
(١) رواه ابن ماجه عن أبي ذر، ورواه الطبراني والحاكم عن ابن عباس، ورواه الطبراني أيضًا عن ثوبان، وهو صحيح.
(٢) الشرح الكبير: ١/ ٢٦٥ وما بعدها، الشرح الصغير:٣٦٦/ ١ - ٣٧٠،٣٧٤، القوانين الفقهية: ص ٧١ وما بعدها، بداية المجتهد: ١/ ١٧٧.
 
جمعة، إمامًا أو غيره، قطع صلاته وجوبًا إذا لم يتم ركعة بسجدتيها، إذا كان منفردًا أو إمامًا، ويتبعه المأموم. فإن كان مأمومًا فلا يقطع الفوائت في وقت ضروري.
فإن كان قد أتم ركعة بسجدتيها، ندب له أن يضم إليها ركعة أخرى بنية النفل، وسلم، ورجع للفائتة.
وإن تذكر بعد ركعتين من الثنائية، أو الثلاثية، أو بعد ثلاث من الرباعية أتمها؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، ثم صلى الفوائت، ثم يعيد الحاضرة ندبًا في وقتها إن كان باقيًا.
وإن تذكر يسير الفوائت وهو في نفل أتمه مطلقًا، إلا إذا خاف خروج وقت الصلاة الحاضرة، ولم يكن قد أكمل ركعة، فيقطعه حينئذ، ويصلي الفرض.
وإذا كانت الفوائت كثيرة أكثر من خمس، فلا يجب تقديمها على الحاضرة، بل يندب تقديم الحاضرة إن اتسع وقتها، فإن ضاق قدمها وجوبًا.

وقال الحنابلة على الصحيح من المذهب (١):
  الترتيب بين الفوائت في نفسها كثيرة أو قليلة، أو بينها وبين الحاضرة واجب إن اتسع الوقت لقضاء الفائتة، فإن لم يتسع سقط الترتيب. ولايسقط الترتيب في ظاهر المذهب من أجل إدراك الجماعة للصلاة الحاضرة، لأنه آكد من الجماعة، بدليل اشتراطه لصحة الصلاة، بخلاف الجماعة، كما لايسقط الترتيب بجهل وجوبه؛ لأنه ترتيب واجب في الصلاة، ولا عذر بالجهل بالأحكام الشرعية.
فإن صلى العصر قبل الظهر الفائتة، لم تصح المتقدمة على محلها. وإن تذكر
(١) المغني: ١/ ٦٠٧ - ٦١٣، كشاف القناع: ١/ ٣٠٤ وما بعدها.
 
الأولى في أثناء الثانية، بطلت الثانية، لكن من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، أتمها، وقضى المذكورة، وأعاد التي كان فيها إذا كان الوقت باقيًا، وذلك سواء أكان إمامًا أم مأمومًا أم منفردًا.
والدليل على إتمامها قوله تعالى: ﴿ولاتبطلوا أعمالكم﴾ [محمد:٣٣/ ٤٧]. ودليل إيجاب الترتيب: ما روي «أن النبي ﷺ فاته يوم الخندق أربع صلوات، فقضاهن مرتبات».
وإذا كثرت عليه الفوائت يتشاغل بالقضاء ما لم يلحقه مشقة في بدنه أو ماله.
ومن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها، أعاد صلاة يوم وليله، عند أكثر أهل العلم؛ لأن التعيين شرط في صحة الصلاة المكتوبة، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بإعادة الصلوات الخمس.
ويندب عمومًا تقديم صلاة الظهر؛ لأنها أول فريضة ظهرت في الإسلام، ما لم يعلم أن أول ما تركه غير الظهر.

وقال الشافعية (١): 
يسن ترتيب الفائت، وتقديمه على الحاضرة التي لا يخاف فوت وقتها، عملًا بفعل النبي ﷺ يوم الخندق، وخروجًا من خلاف من أوجبه، فترتيب الفائتة وتقديمها على الحاضرة مشروط بشرطين:
الأول - ألا يخشى فوات الحاضرة، بعدم إدراك ركعة منها في الوقت.
الثاني - أن يكون متذكرًا للفوائت قبل الشروع في الحاضرة. فإن لم يتذكرها حتى شرع في الحاضرة، وجب إتمامها، ضاق الوقت أو اتسع، ولو شرع في فائتة معتقدًا سعة الوقت، فبان ضيقه عن إدراكها أداء، وجب قطعها لئلا تصير فائتة،
(١) مغني المحتاج: ١/ ١٢٧ وما بعدها، المهذب: ١/ ٥٤.
 
والأفضل أن يقلبها نفلًا بعد أداء ركعتين. ولو خاف فوت جماعة حاضرة، فالأفضل الترتيب، للخلاف في وجوبه.
وترتيب الحاضرتين المجموعتين تقديمًا واجب، وأما تأخيرًا فهو سنة.

خامسًا - القضاء إن جهل عدد الفوائت: قال الحنفية (١): 
من عليه فوائت كثيرة لا يدري عددها، يجب عليه أن يقضي حتى يغلب على ظنه براءة ذمته. وعليه أن يعين الزمن، فينوي أول ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، أو ينوي آخر ظهر عليه أدرك وقته ولم يصله، وذلك تسهيلًا عليه.
وقال المالكية والشافعية والحنابلة (٢): يجب عليه أن يقضي حتى يتيقن براءة ذمته من الفروض، ولا يلزم تعيين الزمن، بل يكفي تعيين المنوي كالظهر أو العصر مثلًا.

سادسًا - القضاء في وقت النهي عن الصلاة: 
 قال الحنفية: ثلاثة أوقات لا يصح فيها شيء من الفرائض والواجبات التي لزمت في الذمة قبل دخولها: عند طلوع الشمس إلى أن ترتفع وتبيضّ قدر رمح أو رمحين. وعند استواء الشمس في وسط السماء إلى أن تزول أي تميل إلى جهة المغرب. وعند اصفرار الشمس إلى أن تغرب، لقول عقبة بن عامر ﵁:
ثلاثة أوقات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، وأن نقبر موتانا: عند طلوع
(١) مراقي الفلاح: ص ٧٦.
(٢) القوانين الفقهية: ص ٧٢، مغني المحتاج: ١/ ١٢٧، كشاف القناع: ١/ ٣٠٥.
 
الشمس حتى ترتفع، وعند زوالها حتى تزول، وحين تتضيف للغروب حتى تغرب» (١).
وما عدا ذلك يجوز فيه القضاء ولو بعد العصر والصبح.
ويصح أداء ما وجب في هذه الأوقات كجنازة حضرت، وسجدة آية تليت فيها، كما صح عصر اليوم عند الغروب مع الكراهة كما بينا.
لكن - كما بينا سابقًا - يكره تحريمًا صلاة النافلة ولو كان لها سبب كالمنذورة وركعتي الطواف في الأوقات الثلاثة. كما يكره التنفل بعد الفجر بأكثر من سنته وبعد صلاته، وبعد صلاة العصر، وقبل صلاة المغرب، وعند خروج الخطيب إلى الخطبة حتى يفرغ من الصلاة. وعند إقامة الصلاة إلا سنة الفجر، وقبل صلاة العيد ولو تنفل في المنزل، وكذا يكره التنفل بعد العيد في المسجد، وبين الجمعين في عرفة ولو بسنة الظهر، وجمع مزدلفة ولو بسنة المغرب على الصحيح؛ لأنه ﷺ لم يتطوع بينهما.
وعند ضيق وقت المكتوبة لتفويته الفرض عن وقته، وفي حال مدافعة الأخبثين، وحضور طعام تتوقه نفسه، وما يشغل البال ويخل بالخشوع (٢).
وقال المالكية والشافعية والحنابلة (٣): يجوز قضاء الفرائض الفائتة في جميع أوقات النهي وغيرها، روي ذلك عن علي ﵁ وغير واحد من الصحابة، وللحديث السابق: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (٤) ولحديث
(١) رواه مسلم.
(٢) مراقي الفلاح: ص ٣١.
(٣) الشرح الصغير: ١/ ٣٦٥، مغني المحتاج: ١/ ١٢٩، المغني: ٢/ ١٠٢.
(٤) متفق عليه.
 
أبي قتادة السابق: «إنما التفريط في اليقظة على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها» (١).
وخبر النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة السابقة مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين، وبعصر يومه، فنقيس محل النزاع على المخصوص.
ولو طلعت الشمس وهو في صلاة الصبح، أتمها، لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا أدرك سجدة من صلاة العصر، قبل أن تغيب الشمس، فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته» (٢). وهذا نص في المسألة يقدم على عموم غيره.
وقال الحنفية: تفسد الصلاة حينئذ؛ لأنها صارت في وقت النهي.
(١) متفق عليه.
(٢) متفق عليه.

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية