الصحابة يطلبون من النبي الشفاعة

الصحابة يطلبون من النبي الشفاعة
في الدنيا بل  زعم بعضهم أنه لا يجوز أن تطلب الشفاعة من النبي
ذهب البعض الآخر من المتعنتين إلى أن ذلك شرك وضلال ويستدلون على ذلك
وهذا الاستدلال باطل ولا يدل على  قُل لِّلَّه الشفَاعةُ جميعاً  : بقوله تعالى
فهمهم الفاسد وذلك من وجهين .

أولاً :
أنه لم يرد نص لا في الكتاب ولا في السنة ينهى عن طلب الشفاعة من
في الدنيا .  النبي

ثانياً :
أن هذه الآية لا تدل على ذلك بل شأا شأن غيرها من الآيات التي
جاءت لبيان اختصاص الله سبحانه وتعالى بما هو ملك له دون غيره بمعنى أنه هو
المتصرف فيه ، وهذا لا ينفي أنه يعطيه من يشاء إذا أراد فهو مالك الملك يعطي
َله الْملْ  ك وَله  الملك من يشاء ويترع الملك ممن يشاء ، ونظير هذا قوله عز وجل
تؤتي الْمْلك   : ووصف نفسه أنه مالك الملك مع قوله سبحانه وتعالى ،   الْحمد
من كَانَ يرِيد الْعزةَ فَللَّه  : وقوله تعالى ،  من تشاء وتترِ  ع الْمْلك ممن تشاء
وكذلك في ،   وللَّه الْعزةُ ولرسوله وللْ  مؤمنِين  : مع قوله عز وجل  الْعزةُ جميعاً
َلا يملكُونَ  : مع قوله تعالى ..  قُل لِّلَّه الشفَاعةُ جميعاً  : الشفاعة قال
وَلا يمل  ك الَّذين  : وقوله عز وجل ،  الشفَاعةَ ِإلَّا منِ اتخذَ عند الرحمنِ عهدًا
فكما أنه سبحانه ،  يدعونَ من دوِنه الشفَاعةَ ِإلَّا من شهِد ِبالْ  ح  ق وهم يعلَمونَ
وتعالى أعطى من شاء ما شاء – وجعل من العزة التي هي له ما شاء لرسوله
والمؤمنين – كذلك الشفاعة كلها له وقد أعطاها للأنبياء وعباده الصالحين بل
وكثير من عامة المؤمنين كما نطقت به صحاح الأحاديث المتواترة معنوياً .
وأي حرج في أن يطلب الإنسان من المالك بعض ما يملكه لا سيما إذا

كان المسئول كريماً والسائل في أشد الحاجة إلى ما سأله ، وهل الشفاعة إلا الدعاء
والدعاء مأذون فيه ، مقدور عليه ، مقبول لا سيما الأنبياء والصالحين في الحياة
وبعد الوفاة في القبر ويوم القيامة فالشفاعة معطاة لمن اتخذ عند الله عهدًا ، ومقبولة
لديه عز وجل في كل من مات على التوحيد .
:  الشفاعة ، ولم يقل  وقد ثبت أن بعض الصحابة سأل النبي
إن طلبك الشفاعة مني شرك فاطلبها من الله ولا تشرك بربك أحدًا .
هذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : يا نبي الله اشفع لي يوم القيامة
:  فيقول له
((أنا فاعل إن شاء الله)) ..
رواه الترمذي في السنن وحسنه في باب ما جاء في صفة الصراط ، وكذلك
سأل الشفاعة غير أنس .

:  فهذا سواد بن قارب يقول بين يدي رسول الله
وأشهد أن الله لا رب غيره :: وأنك مأمون على كل غائب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة :: إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
إلى أن يقول :

فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة :: سواك مغن عن سواد بن قارب
رواه البيهقي في دلائل النبوة ، ورواه أيضاً ابن عبد البر في الاستيعاب ،

ولم ينكر طلب الشفاعة منه .  وأقره رسول الله
وطلب الشفاعة منه أيضاً مازن بن العضوب لما جاء مسلماً وأنشد يقول :
إليك رسول الله خبت مطيتي :: تجوب الفيافي من عمان إلى العرج
لتشفع لي يا خير من وطئ الحصا :: فيغفر لي ربي فأرجع بالفلج
( (رواه أبو نعيم في دلائل النبوة ص ٧٧

السبعين ألفاً الذين  وطلب الشفاعة منه عكاشة بن محصن حين ذكر
يدخلون الجنة بغير حساب ، فقال عكاشة : أدع الله أن يجعلني منهم ، فقال
مباشرة وبلا مراجعة : (أنت منهم) .

ومعلوم أنه لا ينال أحد كائناً من كان هذه الأسبقية إلا بعد شفاعته
في أهل الموقف كما هو ثابت في الأحاديث المتواترة ، فهذا في معنى  الكبرى
طلب الشفاعة .

ونظائر هذا كثيرة في كتب السنة المشرفة وهي كلها تدل على جواز طلب
في الدنيا ، منهم من طلبها بالتعيين بقوله : إشفع لي أو طلب  الشفاعة منه
دخول الجنة أو طلب أن يكون من السابقين ، أو طلب أن يكون من أهل
الحوض أو طلب مرافقته في الجنة كما حصل من ربيعة الأسلمي إذ قال : أسألك
مرافقتك في الجنة فأرشده النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطريق بقوله :
أعني على نفسك بكثرة السجود ، ولم يقل له ولا لغيره ممن طلب الجنة أو طلب
المعية أو تمنى أن يكون من أهل الجنة ، أو أن يكون من أهل الحوض ، أو أن
يكون من المغفور لهم : إن هذا حرام ، ولا يجوز أن يطلب الآن ، وأن وقته
لم يأت ، وانتظر حتى يأذن الله في الشفاعة ، أو في دخول الجنة ، أو في الشرب
من الحوض مع أن هذه الأمور المطلوبة كلها لا تكون إلا بعد الشفاعة العظمى
بشرهم بذلك ووعدهم بما جبر خواطرهم  فهي في معنى طلب الشفاعة والنبي
وأقر أعينهم ، وحاشا أن يكون ذلك ممنوعاً ثم لا يبين لهم حكمه مجاملة أو مداراة
وهو الذي لا تأخذه في الحق لومة لائم ، وإنما يجبر الخواطر ويرضي النفوس بما هو
دائر في فلك الحق ونابع من أصل الدين وبعيد عن كل باطل أو نفاق .
وإذا صح طلب الشفاعة منه في الدنيا قبل الآخرة فإن معنى ذلك أنه
سينالها حقيقة في محلها يوم القيامة وبعد أن يأذن الله تعالى للشفعاء بالشفاعة ،
لا أنه ينالها هنا قبل وقتها .

وهذا في الحقيقة نظير بشارته بالجنة لكثير من المؤمنين فإن معناه أم
سيدخلون الجنة يوم القيامة وبعد أن يأذن الله تعالى بالدخول في الوقت المعلوم ،

لا أنه سيدخلها هنا في الدنيا أو البرزخ ، ولا أظن أن عاقلاً من عوام المسلمين
يعتقد خلاف ذلك .

وإذا صح طلب الشفاعة منه في الدنيا في حياته فإننا نقول : لا بأس
بطلبها منه أيضاً بعد موته بناء على ما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة من حياة
الأنبياء الحياة البرزخية ، ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكملهم وأعظمهم في
ذلك إذ يسمع الكلام وتعرض عليه أعمال الأمة ويستغفر الله لهم ويحمد الله ،
وتبلغه صلاة من يصلي عليه ولو كان في أقصى المعمورة ، كما جاء في الحديث
الذي صححه جمع من الحفاظ وهو : حياتي خير لكم تحدثون وتحدث لكم ،
ومماتي خير لكم تعرض أعمالكم علي فإن وجدت خيرًا حمدت الله ، وإن وجدت
شرًا استغفرت الله لكم .

وهذا الحديث صححه من الحفاظ ، العراقي والهيثمي والقسطلاني والسيوطي
وإسماعيل القاضي ، وقد فصلنا تخريجه في غير هذا الموضع .
فلو طلبت منه الشفاعة فإنه قادر على أن يدعو الله ويسأله ، كما كان
يفعل في حياته ، ثم ينالها العبد في محلها بعد أن يأذن الله تعالى ، كما تحصل الجنة
لمن بشر ا في الدنيا ، فإنه ينالها في وقتها بعد أن يأذن الله بدخول الجنة ، فهذه
وتلك سواء .
هذا ما نعتقده ونعقد عليه قلوبنا .
]
المقال التالي المقال السابق