أمور مشتركة بين المقامين لا تنافي التنزيه

أمور مشتركة بين المقامين لا تنافي التنزيه

وقد أخطأ كثير من الناس في فهم بعض الأمور المشتركة بين المقامين
( مقام الخالق ومقام المخلوق ) فظن أن نسبتها إلى مقام المخلوق شرك بالله تعالى .
ومن ذلك بعض الخصائص النبوية مثلاً ( ٣) ، التي يخطئ بعضهم في
فهمها فيقيسوا بمقياس البشرية ، ولذلك يستكثروا ويستعظموا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ويرون أن وصفه ا معناه وصفه ببعض صفات الألوهية ،

وهذا جهل محض لأنه سبحانه وتعالى يعطي من يشاء وكما يشاء بلا موجب ملزم
وإنما هو تفضل على من أراد إكرامه ورفع مقامه وإظهار فضله على غيره من البشر
وليس في ذلك انتزاع لحقوق الربوبية وصفات الألوهية ، فهي محفوظة بما يناسب
مقام الحق سبحانه وتعالى : وإذا اتصف المخلوق بشيء منها فيكون بما يناسب
البشرية من كوا محدودة مكتسبة بإذن الله وفضله وإرادته لا بقوة المخلوق ولا
تدبيره ولا أمره إذ هو عاجز ضعيف لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة
ولا نشورًا ، وكم من أمور جاء ما يدل على أا حق لله سبحانه وتعالى ، ولكنه
سبحانه وتعالى من ا على نبيه صلى الله عليه وسلم وغيره .

وحينئذ فلا يرفعه وصفه ا إلى مقام الألوهية أو يجعله شريكاً لله
سبحانه وتعالى.
وهي ،  قُل لِّلَّه الشفَاعةُ  : فمنها : الشفاعة ، فهي لله ، قال الله تعالى
ثابتة للرسول صلى الله عليه وسلم ولغيره من الشفعاء بإذن الله كما جاء في
الحديث : ((أوتيت الشفاعة)) ..

وحديث : ((أنا أول شافع ومشفع)) ..
٣) سيأتي في هذه الرسالة بحث خاص عن الخصائص المحمدية وموقف العلماء منها ، وما نذكره هنا هو من باب التنظير

ومنها : علم الغيب ، فهو لله سبحانه وتعالى
وقد ثبت أن الله تعالى علّم نبيه من الغيب ،   السماوات والْأَ  رضِ اْلغيب ِإلَّا اللَّه
عالم اْلغيبِ فَلَا يظْهِر علَى غَيبِه َأحدًا { ٢٦ } ِإلَّا منِ  ما علّمه وأعطاه ما أعطاه
.  ارتضى من رسولٍ

ِإنك َلا تهدي  : ومنها : الهداية فهي خاصة بالله تعالى ، قال الله تعالى
وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم له ،  من َأحببت وَلكن اللَّه يهدي من يشاءُ
والهداية الأولى غير ،  وِإنك َلتهدي ِإَلى صراط مستقيمٍ  : شيء من ذلك فقال
الهداية الثانية ، وهذا إنما يفهمه العقلاء من المؤمنين الذين يعلمون الفرق بين الخالق
والمخلوق ، ولولا ذلك لاحتاج أن يقول : وإنك لتهدي هداية إرشاد ، أو أن يقول
وإنك لتهدي هداية غير هدايتنا ، ولكن كل ذلك لم يحصل ، بل أثبت له هداية
مطلقة بلا قيد ولا شرط ، لأن الموحد منا معشر المخاطبين من أهل الإسلام يفهم
معاني الألفاظ ويدرك اختلاف مدلولاا بالنسبة لما أضيف إلى الله ، وبالنسبة لما
أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونظير هذا ما جاء في القرآن من
،   ِبالْ  مؤمنِين  ر  ؤوف رحيم  : بالرأفة والرحمة إذ يقول  وصف رسول الله
ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه بذلك أيضاً في أكثر من موضع ، فهو سبحانه
ومعلوم أن الرأفة والرحمة الثانية غير الأولى ، ولما وصف ،   ر  ؤوف رحيم   وتعالى
نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك الوصف وصفه به بالإطلاق بلا قيد ولا شرط ،

لأن المخاطب وهو موحد مؤمن بالله يعلم الفرق بين الخالق والمخلوق ، ولولا ذلك
لاحتاج أن يقول في وصفه صلى الله عليه وسلم : رؤوف برأفة غير رأفتنا ، ورحيم
برحمة غير رحمتنا أو أن يقول : رؤوف برأفة خاصة أو رحيم برحمة خاصة ، أو
أن يقول : رؤوف برأفة بشرية ورحيم برحمة بشرية ، ولكن كل ذلك لم يحصل ، بل
. ِبالْ  مؤمنِين  ر  ؤوف رحيم : أثبت له رأفة مطلقة ورحمة مطلقة بلا قيد ولا شرط،فقال

المقال التالي المقال السابق