المجاز العقلي واستعماله

المجاز العقلي واستعماله

ولا شك أن ااز العقلي مستعمل في الكتاب والسنة ، فمن ذلك قوله
فإسناد الزيادة إلى الآيات مجاز ،  وِإذَا تليت علَيهِم آياته زادتهم إِيماناً  : تعالى
عقلي لأا سبب في الزيادة ، والذي يزيد حقيقة هو الله تعالى وحده .

فإسناد الجعل إلى اليوم مجاز عقلي ، ،  يوماً يجعلُ الْوِلْدانَ شيباً   : وقوله تعالى
لأن اليوم محل جعلهم شيباً فالجعل المذكور واقع في اليوم ، والجاعل حقيقة هو الله
فإن إسناد ،  وَلا يغوثَ ويعوق ونسرًا وقَد أَضلُّوا كَثيرًا  : تعالى ، وقوله تعالى
الإضلال إلى الأصنام مجاز عقلي لأا سبب في حدوث الإضلال ، والهادي
يا هامانُ ابنِ لي   : والمضل هو الله تعالى وحده . وقوله تعالى حكاية عن فرعون
فإسناد البناء إلى هامان مجاز عقلي لأنه سبب فهو آمر يأمر ولا يبني ،  صرحاً
بنفسه ، والباني إنما هم الفعلة ((من العمال)) .

وأما الأحاديث ففيها شيء كثير يعرفه من وقف عليها ، وكان ممن يعرف
الفرق بين الإسناد الحقيقي واازي فلا حاجة إلى الإطالة بنقلها ، وقال العلماء :
إن صدور ذلك الإسناد من موحد كاف في جعله إسنادًا مجازياً لأن الاعتقاد
الصحيح هو اعتقاد أن الخالق للعباد وأفعالهم هو الله وحده فهو الخالق للعباد
وأفعالهم لا تأثير لأحد سواه لا لحي ولا لميت فهذا الاعتقاد هو التوحيد المحض ،
بخلاف ما لو اعتقد غير هذا فإنه يقع في الإشراك .

ضرورة ملاحظة النسبة اازية
في مقياس الكفر والإيمان
وقد تمسكت طوائف من أهل الضلالات بذيل شبهة ظواهر الألفاظ دون
نظر إلى القرائن والمقاصد وبدون نظر إلى الجمع بما لا يؤدي إلى التعارض بين الوارد
،  ِإنا جعلْناه قُرآناً عرِبياً  : كالقائلين بخلق القرآن تمسكوا بنحو قوله تعالى
،   فَبِما كَسبت َأيديكُم  : والقائلين بالقدر تمسكوا بنحو قوله تعالى
إلى غير ذلك ، والقائلين بالجبر تمسكوا بنحو قوله تعالى :  ِبما كُنتم تعملُونَ  و
.  وما رميت ِإذْ رميت وَلكن اللّه رمى

وكشف الغطاء عن ذلك أن جميع الأمة غير القدرية على أن أفعال العباد
وما رميت ِإذْ  : وقوله تعالى ،  واللَّه خلَقَكُم وما تعملُونَ  : مخلوقة لله تعالى
وإن كان يجوز أن يوصف ا العبد على وجه آخر من ،  رميت وَلكن اللّه رمى
َلها ما كَسبت وعلَيها  : التعلق يعبر عنه بالاكتساب كما في قوله تعالى
إلى غير ذلك من الآيات   فَبِما كَسبت َأيديكُم  : وقوله تعالى ،   ما اكْتسبت
المصرحة بإضافة الكسب إلى العبد ، وليس من ضرورة تعلق القدرة بالمقدور أن
يكون بالاختراع فقط لأن قدرة الله تعالى في الأزل كانت متعلقة بالعالم قبل اختراعه
تعالى لوجوده ، وهي عند اختراعه متعلقة به بنوع آخر من التعلق .

حقيقة نسبة الأفعال للعباد :
ومن هذا يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور ا . وأفعال
العباد نسبتها إليهم على طريق الكسب لا الاختراع لأن الله تعالى هو المخترع لها ،
والمقدر لها ، والمريد لها ، ولا يرد أنه كيف يريد ما ى عنه ، لأن الأمر يغاير
وما  : الإرادة بدليل أمره جميع الناس بالإيمان ، ولم يرده من أكثرهم لقوله تعالى
فنسبة الأفعال إلى العباد من نسبة المسبب ،   َأ ْ كثَر الناسِ وَلو حرصت ِبمؤمنِين
إلى السبب أو الواسطة ، وهذا لا منافاة فيه ، لأن مسبب الأسباب هو الذي
خلق الواسطة وخلق فيها معنى الوساطة ولولا ذلك الذي أودع الله تعالى فيها لم
تصلح أن تكون واسطة وسواء كانت مما لم يودع العقل كالجماد والأفلاك والمطر
والنار ، أو كانت عاقلة نم ملك أو إنسي أو جني .

اختلاف المعنى باختلاف النسبة اللفظية :
ولعلك تقول : لا تعقل نسبة الفعل الواحد إلى فاعلين لاستحالة اجتماع
مؤثرين على أثر واحد ، فنقول : نعم ، هو كما قلتم لكن محله إذا لم يكن الفاعل
إلا معنى واحد في الاستعمال .

أما إذا كان له معنيان فيكون الاسم مجملاً مترددًا بينهما في الاستعمال ،
وحينئذ لا يمتنع إطلاقه على كل منهما كما هو المعلوم من الاستعمال في الأسماء
المشتركة أو في الحقيقة وااز كما يقال : قتل الأمير فلاناً ، ويقال : قتله السياف

فإطلاق القتل على الأمير بمعنى غير المعنى الذي أطلق به على السياف ، فقولنا :
إن الله تعالى فاعل بمعنى أنه المخترع الموجد ، وقولنا : إن المخلوق فاعل فمعناه أنه
المحل الذي خلق الله تعالى فيه القدرة بعد أن خلق فيه الإرادة بعد أن خلق فيه
العلم ، فارتباط القدرة بالإرادة والحركة بالقدرة ارتباط المعلول بالعلة وارتباط
المخترع بالمخترع هذا إذا كان المحل عاقلاً وإلا فهو من ترتيب المسببات على أسباا
، فصح أن يسمى كل ما له ارتباط بقدرة فاعلاً كيفما كان الارتباط ، كما يسمى
السياف قاتلاً باعتبار ، والأمير قاتلاً باعتبار ، لأن القتل ارتبط بكليهما ، وإن كان
ارتباطه على وجهين مختلفين ساغ تسمية كل منهما فاعلاً ، فمثل ذلك اعتبار
المقدورات بالقدرتين ، والدليل على جواز هذه النسبة وتطابقها نسبة الله تعالى
الأفعال إلى الملائكة تارة وتارة إلى غيرهم من العباد ، ومرة أخرى نسبها بعينها إلى
وقال تعالى : ،   قُلْ يتوفَّاكُم ملَ  ك الْم  وت الَّذي وكِّلَ ِبكُم  : نفسه ، فقال تعالى
بالإضافة  َأفَرَأيتم ما تحرُثونَ  : وقال تعالى ،  اللَّه يتوفَّى الْأَنُفس حين موتها 
َأنا صببنا الْماء صباً ُثم شقَقْنا الْأَ  رض شقّاً فَأَنبتنا فيها  : إلينا ، ثم قال تعالى
ثم قال ،  فَأَرسلْنا ِإَليها روحنا فَتمثَّلَ َلها بشرًا سوِياً  : الآيات ، وقال تعالى  حباً

والنافخ جبريل عليه السلام ، وقال تعالى : ،  فَنَفخنا فيها من روحنا  : تعالى
والقارئ الذي يسمع النبي قراءته جبريل ، وقال ،   َفإِذَا قَرأْناه فَاتبِع قُرآنه 
وما رميت ِإذْ رميت وَلكن اللّه  ..   فَلَم تقْتلُوهم وَلكن اللّه قَتلَهم  : تعالى

فنفى عنهم القتل وأثبته لنفسه ، ونفى عنه الرمي وأثبته لنفسه ، وليس ،  رمى
المراد نفي الحس من قتلهم الكفار ورميه لهم عليه السلام بالحصباء ولكن المعنى
أم ما قتلوهم ولا رموهم بالمعنى الذي يكون الرب به قتلهم ورماهم وهو الاختراع
وَلو : والتقدير إذ هما معنيان مختلفان ، وتارة ينسب الفعل إليهما معاً كقوله تعالى
. َأنهم ر  ضواْ ما آتاهم اللّه ورسوُله وقَاُلواْ حسبنا اللّه سيؤتينا اللّه من فَضله ورسوُله
وروت عائشة – رضي الله عنها - : أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يخلق
الجنين يبعث ملكاً فيدخل الرحم فيأخذ النطفة بيده ثم يصورها جسدًا ، فيقول :

يا رب ! أذكر أم أنثى ؟ أسوي أم معوج ؟ فيقول تعالى ما شاء ، ويخلق الملك ،
وفي لفظ آخر : فيصور الملك ثم ينفخ فيه الروح بالسعادة أو بالشقاوة .
فإذا فهمت هذا اتضح لك أن الفعل يستعمل على وجوه مختلفة ولا تناقض
تؤتي ُأكُلَها كُلَّ   : بينهما ، ولذلك الفعل ينسب تارة للجماد كما في قوله تعالى
فالشجرة لا يتأتى منها الإتيان بثمرها ، وكما في قوله صلى الله ،  حينٍ ِبإِذْن ربها
عليه وسلم للذي ناوله تمرة : خذها لو لم تأا لأتتك .. كما في الطبراني وابن حبان ،
فإضافة الإتيان تختلف إلى الرجل وإلى التمرة ، فمعنى إتيان التمرة غير معنى إتيان
الرجل ، فالإتيان منهما مجازان مختلفان في الاعتبار ، فمجاز إطلاق الإتيان على
الرجل بمعنى أن الله خلق فيه القدرة والإرادة للإتيان ا .

وإتيان التمرة بمعنى أن الله يسبب من يأتي ا ، والحقيقة إنما هي إضافة الإتيان إلى
الله تعالى في كل منهما ، ولأجل اختلاف الاعتبار في الوسائط تارة تكون ملاحظة
ِإنما  : الوسائط في الأفعال كفرًا كما في جواب قارون لموسى عليه السلام بقوله
وكما في حديث : أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، ،  ُأوتيته علَى علْمٍ عندي
فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من
قال : مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ، وهذا الكفر باعتبار
أن الواسطة مؤثرة ومخترعة ، قال النووي : اختلف العلماء في كفر من قال : مطرنا
بنوء كذا على قولين :
أحدهما
هو كفر بالله تعالى سالب لأصل الإيمان مخرج من ملة الإسلام ، قالوا :
وهذا فيمن قال ذلك معتقدًا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر كما كان بعض
أهل الجاهلية يزعم ، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره ، وهذا القول هو الذي
ذهب إليه جماهير العلماء ، والشافعي منهم وهو ظاهر في الحديث ، قالوا : وعلى
هذا لو قال : مطرنا بنوء كذا معتقدًا أنه من الله تعالى وبرحمته وأن النوء ميقات له
وعلامة اعتبارًا بالعادة ، فكأنه قال : مطرنا في وقت كذا ، فهذا لا يكفر .


واختلفوا في كراهته لكنها كراهة تتريه لا إثم فيها ، وسبب الكراهة أا
كلمة مترددة بين الكفر وغيره ، فيساء الظن بصاحبها ولأا شعار الجاهلية ، ومن
سلك مسلكهم .

والقول الثاني :
في أصل تأويل الحديث : أن المراد كفر نعمة الله تعالى لاقتصاره على
إضافة الغيث إلى الكوكب ، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب ، ويؤيد هذا
التأويل الرواية الأخيرة في الباب : أصبح من الناس شاكر وكافر ، وفي الرواية
الأخرى : ما أنزل الله تعالى من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس ا
كافرين . فقوله : ا يدل على أنه كفر النعمة ، والله أعلم اه .

فأنت تراه قال باتفاق العلماء على أن من نسب الفعل إلى الواسطة لا
يكفر إلا إذا اعتقد أا هي الفاعلة المدبرة المخترعة ، وإذا لم تكن ملاحظة الواسطة
ذا الاعتبار بحيث أن الواسطة علامة أو ظرف الخلق المقدور فيها فلا كفر ، بل
تارة يندب الشرع إلى ملاحظتها كقول النبي صلى الله عليه وسلم :
(( من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى
تعلموا أنكم قد كافأتموه )) .

وقوله صلى الله عليه وسلم :
((من لم يشكر الناس لم يشكر الله)) ..
وذلك لأن ملاحظة الواسطة ذا الاعتبار لا ينافي رؤية المنة لله سبحانه
وتعالى ، وقد أثنى الله عز وجل على عباده في مواضع على أعمالهم بل وأثام عليها
ِنعم الْعبد ِإنه  : وهو الباعث لإرادم لها . والخالق لقدرم عليها كقوله تعالى
قَد  : وقال تعالى ،  لِّلَّذين َأحسنواْ الْحسنى وزِيادةٌ  : وقوله تعالى ،   َأواب
الآية .  َأفْلَح من زكَّاها

وإذا ظهر لك أن الفعل يستعمل على وجوه مختلفة فلا تتناقض هذه المعاني
إذا فهمت الفهم الصحيح السليم .

فالمعاني أوسع من العبارات ، والصدور أوسع من الكتب المؤلفات ، ولو
وقفنا مع حقيقة اللفظ دون ااز ، لم نجد إلى الجمع بين النصوص أو التفرقة من
رب  : جواز ، ألا ترى إلى ما أخبر الله تعالى به عن إبراهيم عليه السلام من قوله
أترى أن إبراهيم يشرك مع الله تعالى الجماد وهو ،  ِإنهن أَضلَلْن كَثيرًا من الناسِ
والأمر الجامع في ذلك ،  َأتعبدونَ ما تنحتونَ واللَّه خلَقَكُم وما تعملُونَ  : القائل
أن من أشرك مع الله جل جلاله غيره في الاختراع والتأثير فهو مشرك سواء كان
الملحوظ معه جمادًا أو آدمياً نبياً أو غيره ، ومن اعتقد السببية في شيء من ذلك
اطردت أو لم تطرد ، فجعل الله تعالى لها سبباً لحصول مسبباا ، وأن الفاعل هو
الله وحده لا شريك له فهو مؤمن ، ولو أخطأ في ظنه ما ليس بسبب سبباً لأن
خطأه في السبب لا في المسبب الخالق المدبر جل جلاله وعظم شأنه
المقال التالي المقال السابق