كِتَابُ الْبَيْعِ روضة الطالبين وعمدة المفتين النووي

نوفمبر 14, 2021
كِتَابُ الْبَيْعِ روضة الطالبين وعمدة المفتين النووي
الكتاب: روضة الطالبين وعمدة المفتين
المؤلف: أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)
تحقيق: زهير الشاويش الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان الطبعة: الثالثة، 1412هـ / 1991م
عدد الأجزاء: 12 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
موضوع: الفقه علي مذهب الشافعي

فهرس كِتَابُ الْبَيْعِ
  1. بَابُ مَا يَصِحُّ بِهِ الْبَيْعُ
  2. فَصْلٌ إِسْلَامُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي مُطْلَقِ التَّبَايُعِ
  3. فَصْلٌ وَأَمَّا الْقَدْرُ، فَالْمَبِيعُ قَدْ يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُعَيَّنًا
  4. فَصْلٌ وَأَمَّا الصِّفَةُ: فَفِيهَا مَسَائِلُ
  5. العودة الي كتاب روضة الطالبين وعمدة المفتين
كِتَابُ الْبَيْعِ

بَابُ مَا يَصِحُّ بِهِ الْبَيْعُ

الْبَيْعُ: مُقَابَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. وَيُعْتَبَرُ فِي صِحَّتِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ.
الْأَوَّلُ: الصِّيغَةُ، وَهِيَ الْإِيجَابُ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ، كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ أَوْ مَلَّكْتُكَ وَنَحْوِهِمَا. وَفِي مَلَّكْتُكَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ. وَالْقَبُولُ مِنَ الْمُشْتَرِي، كَقَوْلِهِ: قَبِلْتُ، أَوِ ابْتَعْتُ، أَوِ اشْتَرَيْتُ، أَوْ تَمَلَّكْتُ. وَيَجِيءُ فِي «تَمَلَّكْتُ» ذَلِكَ الْوَجْهُ، وَسَوَاءٌ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْبَائِعِ: بِعْتُ، أَوْ قَوْلُ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْحَالَيْنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ اللَّفْظَيْنِ، بَلْ لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ، أَوِ اشْتَرَيْتَ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: تَمَلَّكْتُ، أَوْ قَالَ الْبَائِعُ: مَلَّكْتُكَ. فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ، صَحَّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ.
فَرْعٌ:
الْمُعَاطَاةُ، لَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلًا مِنَ الْخِلَافِ فِي مَصِيرِ الْهَدْيِ مَنْذُورًا بِالتَّقْلِيدِ: أَنَّهُ يُكْتَفَى بِهَا فِي الْمُحَقَّرَاتِ، وَبِهِ أَفْتَى الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالْمُحَقَّرُ، كَرَطْلِ خُبْزٍ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يُعْتَادُ فِيهِ الْمُعَاطَاةُ. وَقِيلَ: هُوَ مَا دُونَ نِصَابِ السَّرِقَةِ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ فِي حُكْمِ الْمَأْخُوذِ بِالْمُعَاطَاةِ، وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ

(3/338)


إِبَاحَةٌ لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَهُ حُكْمُ الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَيُطَالِبُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ بِمَا دَفَعَهُ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ بِضَمَانِهِ إِنْ تَلِفَ. فَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ الَّذِي قَبَضَهُ الْبَائِعُ مِثْلَ الْقِيمَةِ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: هَذَا مُسْتَحِقٌّ ظَفَرَ بِمِثْلِ حَقِّهِ، وَالْمَالِكُ رَاضٍ، فَلَهُ تَمَلُّكُهُ لَا مَحَالَةَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا مُطَالَبَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُمَا بِالتَّرَاضِي، وَهَذَا يُشْكِلُ بِسَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنَّهُ لَا بَرَاءَةَ وَإِنْ وُجِدَ التَّرَاضِي. وَقَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا، وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي اسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ، هُوَ الرَّاجِحُ دَلِيلًا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي الشَّرْعِ اشْتِرَاطُ لَفْظٍ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْعُرْفِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَلْفَاظِ. وَمِمَّنِ اخْتَارَهُ: الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
لَوْ قَالَ: بِعْنِي، فَقَالَ: بِعْتُكَ. إِنْ قَالَ بَعْدَهُ: اشْتَرَيْتُ، أَوْ قَبِلْتُ، انْعَقَدَ قَطْعًا، وَإِلَّا، انْعَقَدَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ قَطْعًا. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ مِنِّي، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ، قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : هُوَ كَالصُّورَةِ السَّابِقَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَنْعَقِدُ قَطْعًا. وَلَوْ قَالَ: أَتَبِيعُنِي عَبْدَكَ بِكَذَا، أَوْ قَالَ: بِعْتَنِي بِكَذَا، فَقَالَ: بِعْتُ، لَمْ يَنْعَقِدْ، حَتَّى يَقُولَ بَعْدَهُ: اشْتَرَيْتُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ الْبَائِعُ: أَتَشْتَرِي دَارِيَ؟ أَوِ اشْتَرَيْتَ مِنِّي؟ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ، لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَقُولَ بَعْدَهُ: بِعْتُ.

(3/339)


فَرْعٌ:
كُلُّ تَصَرُّفٍ يَسْتَقِلُّ بِهِ الشَّخْصُ، كَالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالْإِبْرَاءِ، يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ كَانْعِقَادِهِ بِالصَّرِيحِ.
وَمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، بَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى إِيجَابٍ وَقَبُولٍ، ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الشَّهَادَةُ كَالنِّكَاحِ وَبَيْعِ الْوَكِيلِ إِذَا شَرَطَ الْمُوَكِّلُ الْإِشْهَادَ، فَهَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَعْلَمُ النِّيَّةَ.
وَالثَّانِي: مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا يَقْبَلُ مَقْصُودُهُ التَّعْلِيقَ بِالْغَرَرِ، كَالْكِتَابَةِ، وَالْخُلْعِ، فَيَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ. وَالثَّانِي: مَا لَا يَقْبَلُ، كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَغَيْرِهِمَا. وَفِي انْعِقَادِ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الِانْعِقَادُ كَالْخُلْعِ.
وَمِثَالُ الْكِنَايَةِ فِي الْبَيْعِ، أَنْ يَقُولَ: خُذْهُ مِنِّي، أَوْ تَسَلَّمْهُ بِأَلْفٍ، أَوْ أَدْخَلْتُهُ فِي مِلْكِكَ، أَوْ جَعَلْتُهُ لَكَ بِكَذَا وَمَا أَشْبَهَهَا. وَلَوْ قَالَ: سَلَّطْتُكَ عَلَيْهِ بِأَلْفٍ، فَفِي كَوْنِهِ كِنَايَةً وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، كَقَوْلِهِ: أَبَحْتُكَهُ بِأَلْفٍ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
لَوْ كَتَبَ إِلَى غَائِبٍ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، تَرَتَّبَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ، هَلْ يَقَعُ بِالْكَتْبِ مَعَ النِّيَّةِ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَهَذِهِ الْعُقُودُ أَوْلَى أَنْ لَا تَنْعَقِدَ، وَإِلَّا، فَفِيهَا الْوَجْهَانِ فِي انْعِقَادِهَا بِالْكِنَايَاتِ. فَإِنْ قُلْنَا: تَنْعَقِدُ، فَشَرْطُهُ أَنْ يَقْبَلَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ بِمُجَرَّدِ اطِّلَاعِهِ عَلَى الْكِتَابِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ بِالْمُكَاتَبَةِ لِحُصُولِ التَّرَاضِي، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الرَّاجِحَ انْعِقَادُهُ بِالْمُعَاطَاةِ. وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِتَرْجِيحِ صِحَّتِهِ بِالْمُكَاتَبَةِ فِي كِتَابِ

(3/340)


الطَّلَاقِ، وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا مَبْسُوطَةً فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى: أَنَّهُ يَنْعَقِدُ، قَالَ: وَإِذَا قَبِلَ الْمَكْتُوبُ إِلَيْهِ، ثَبَتَ لَهُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِ الْقَبُولِ، وَيَتَمَادَى خِيَارُ الْكَاتِبِ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَنْقَطِعَ خِيَارُ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، حَتَّى لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْإِيجَابِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ الْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ مَجْلِسَهُ، صَحَّ رُجُوعُهُ، وَلَمْ يَنْعَقِدِ الْبَيْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَبَايَعَ حَاضِرَانِ بِالْمُكَاتَبَةِ، فَإِنْ مَنَعْنَاهُ فِي الْغَيْبَةِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ. وَحُكْمُ الْكَتْبِ عَلَى الْقِرْطَاسِ، وَالرَّقِّ، وَاللَّوْحِ، وَالْأَرْضِ، وَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ - وَاحِدٌ، وَلَا أَثَرَ لِرَسْمِ الْأَحْرُفِ عَلَى الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَفْرِيعًا عَلَى صِحَّةِ الْبَيْعِ بِالْمُكَاتَبَةِ.
لَوْ قَالَ: بِعْتُ دَارِيَ لِفُلَانٍ وَهُوَ غَائِبٌ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ قَالَ: قَبِلْتُ، انْعَقَدَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ النُّطْقَ أَقْوَى مِنَ الْكَتْبِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، فِي أَنَّ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ، هَلْ يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ هُوَ فِيمَا إِذَا عُدِمَتْ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ تَوَفَّرَتْ وَأَفَادَتِ التَّفَاهُمَ، وَجَبَ الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ، لَكِنَّ النِّكَاحَ لَا يَصِحُّ بِالْكِنَايَةِ وَإِنْ تَوَفَّرَتِ الْقَرَائِنُ. وَأَمَّا الْبَيْعُ الْمُقَيَّدُ بِالْإِشْهَادِ، فَقَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : الظَّاهِرُ انْعِقَادُهُ عِنْدَ تَوَفُّرِ الْقَرَائِنِ.
قُلْتُ: قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى: لَوْ قَالَ أَحَدُ الْمُتَبَايِعَيْنِ: بِعْنِي، فَقَالَ: قَدْ بَاعَكَ اللَّهُ، أَوْ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، أَوْ قَالَ فِي النِّكَاحِ: زَوَّجَكَ اللَّهُ بِنْتِي، أَوْ قَالَ فِي الْإِقَالَةِ: قَدْ أَقَالَكَ اللَّهُ، أَوْ قَدْ رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَهَذَا كِنَايَةٌ، فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ بِكُلِّ حَالٍ. وَأَمَّا الْبَيْعُ وَالْإِقَالَةُ، فَإِنْ نَوَاهُمَا، صَحَّا، وَإِلَّا، فَلَا. وَإِذَا نَوَاهُمَا، كَانَ التَّقْدِيرُ: قَدْ أَقَالَكَ اللَّهُ لِأَنِّي قَدْ أَقَلْتُكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(3/341)


فَرْعٌ:
لَوْ بَاعَ مَالَ وَلَدِهِ لِنَفْسِهِ، أَوْ مَالَ نَفْسِهِ لِوَلَدِهِ، فَهَلْ يَفْتَقِرُ إِلَى صِيغَتَيِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، أَمْ تَكْفِي إِحْدَاهُمَا؟ وَجْهَانِ سَيَأْتِيَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِفُرُوعِهِمَا فِي بَابِ الْخِيَارِ.
فَرْعٌ:
يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَأَنْ لَا يَتَخَلَّلَهُمَا كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْعَقْدِ، فَإِنْ طَالَ، أَوْ تَخَلَّلَ، لَمْ يَنْعَقِدْ، سَوَاءٌ تَفَرَّقَا عَنِ الْمَجْلِسِ، أَمْ لَا. وَلَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَوَارِثُهُ حَاضِرٌ، فَقَبِلَ، فَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ. وَقَالَ الدَّارَكِيُّ: يَصِحُّ.
فَرْعٌ:
يُشْتَرَطُ مُوَافَقَةُ الْقَبُولِ الْإِيجَابَ. فَلَوْ قَالَ: بِعْتُ بِأَلْفٍ صَحِيحَةٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ بِأَلْفٍ قُرَاضَةٍ، أَوْ بِالْعَكْسِ. أَوْ قَالَ: بِعْتُ جَمِيعَ الثَّوْبِ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ نِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ نِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَنِصْفَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : يَصِحُّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَهُوَ غَرِيبٌ.

(3/342)


فَرْعٌ:
لَوْ قَالَ الْمُتَوَسِّطُ لِلْبَائِعِ: بِعْتَ كَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ بِعْتُ. وَقَالَ لِلْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتَ بِكَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَوِ اشْتَرَيْتُ، انْعَقَدَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِوُجُودِ الصِّيغَةِ وَالتَّرَاضِي. وَالثَّانِي: لَا، لِعَدَمِ تَخَاطُبِهِمَا.
فَرْعٌ:
لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: قَبِلْتُ، صَحَّ قَطْعًا، بِخِلَافِ النِّكَاحِ، يُشْتَرَطُ فِيهِ عَلَى رَأْيٍ أَنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا، احْتِيَاطًا لِلْأَبْضَاعِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ إِنْ شِئْتَ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ، انْعَقَدَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ.
فَرْعٌ:
يَصِحُّ بَيْعُ الْأَخْرَسِ وَشِرَاؤُهُ بِالْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ.
فَرْعٌ:
جَمِيعُ مَا سَبَقَ، هُوَ فِيمَا لَيْسَ بِضِمْنِيٍّ مِنَ الْبُيُوعِ. فَأَمَّا الْبَيْعُ الضِّمْنِيُّ فِيمَا إِذَا قَالَ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي عَلَى أَلْفٍ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الصِّيَغُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا، بَلْ يَكْفِي فِيهِ الِالْتِمَاسُ وَالْجَوَابُ قَطْعًا.

الْأَمْرُ الثَّانِي: أَهْلِيَّةُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا لِصِحَّةِ الْبَيْعِ: التَّكْلِيفُ،

(3/343)


فَلَا يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، لَا لِأَنْفُسِهِمَا، وَلَا لِغَيْرِهِمَا، سَوَاءٌ كَانَ الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ، بَاشَرَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَسَوَاءٌ بَيْعُ الِاخْتِبَارِ وَغَيْرُهُ. وَبَيْعُ الِاخْتِبَارِ: هُوَ الَّذِي يَمْتَحِنُهُ الْوَلِيُّ بِهِ لِيَسْتَبِينَ رُشْدَهُ عِنْدَ مُنَاهَزَةِ الِاحْتِلَامِ، وَلَكِنْ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ الِاسْتِيَامُ وَتَدْبِيرُ الْعَقْلِ، فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى اللَّفْظِ، أَتَى بِهِ الْوَلِيُّ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يَصِحُّ مِنْهُ بَيْعُ الِاخْتِبَارِ.
قُلْتُ: وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُتَعَاقِدَيْنِ، الِاخْتِيَارُ. فَإِنْ أُكْرِهَا عَلَى الْبَيْعِ، لَمْ يَصِحَّ، إِلَّا إِذَا أُكْرِهَ بِحَقٍّ، بِأَنْ يَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ بَيْعُ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنٍ عَلَيْهِ، أَوْ شِرَاءُ مَالٍ أُسْلِمَ إِلَيْهِ فِيهِ، فَأَكْرَهَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ إِكْرَاهٌ بِحَقٍّ. فَأَمَّا بَيْعُ الْمُصَادَرِ، فَالْأَصَحُّ: صِحَّتُهُ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي نِصْفِ الْبَابِ الثَّانِي مِنَ الْأَطْعِمَةِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ السَّكْرَانِ وَشِرَاؤُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ كَمَا تَقَرَّرَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَسَنُوَضِّحُهُ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
لَوِ اشْتَرَى الصَّبِيُّ شَيْئًا فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، أَوْ أَتْلَفَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ. وَكَذَا لَوِ اقْتَرَضَ مَالًا؛ لَأَنَّ الْمَالِكَ هُوَ الْمُضَيِّعُ بِالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ. وَمَا دَامَا بَاقِيَيْنِ، فَلِلْمَالِكِ الِاسْتِرْدَادُ. وَلَوْ سَلَّمَ ثَمَنَ مَا اشْتَرَاهُ، لَزِمَ الْوَلِيَّ اسْتِرْدَادُهُ، وَلَزِمَ الْبَائِعَ رَدُّهُ إِلَى الْوَلِيِّ. فَإِنْ رَدَّهُ إِلَى الصَّبِيِّ، لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ. وَهَذَا كَمَا لَوْ سَلَّمَ الصَّبِيَّ دِرْهَمًا إِلَى صَرَّافٍ لِيَنْقُدَهُ، أَوْ سَلَّمَ مَتَاعًا إِلَى مُقَوِّمٍ لِيُقَوِّمَهُ، فَإِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يَجُزْ رَدُّهُ إِلَى الصَّبِيِّ، بَلْ يَرُدُّهُ إِلَى وَلِيِّهِ إِنْ كَانَ الْمَالُ لِلصَّبِيِّ. وَإِنْ كَانَ لِكَامِلٍ، فَإِلَى الْمَالِكِ. فَلَوْ أَمَرَهُ الْوَلِيُّ بِدَفْعِهِ إِلَى الصَّبِيِّ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ إِنْ كَانَ الْمَالُ لِلْوَلِيِّ. وَإِنْ كَانَ لِلصَّبِيِّ، فَلَا، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِإِلْقَاءِ مَالِ الصَّبِيِّ

(3/344)


فِي الْبَحْرِ فَفَعَلَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ. وَلَوْ تَبَايَعَ صَبِيَّانِ وَتَقَابَضَا، وَأَتْلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا قَبَضَهُ، نَظَرَ، إِنْ جَرَى ذَلِكَ بِإِذْنِ الْوَلِيَّيْنِ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا، وَإِلَّا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، وَعَلَى الصَّبِيَّيْنِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُمَا لَا يُعَدُّ تَسْلِيطًا وَتَضْيِيعًا.
فَرْعٌ:
لَا يَنْعَقِدُ نِكَاحُ الصَّبِيِّ وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ، لَكِنْ فِي تَدْبِيرِ الْمُمَيِّزِ وَوَصِيَّتِهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَلَوْ فَتَحَ بَابًا وَأَخْبَرَ بِإِذْنِ أَهْلِ الدَّارِ فِي الدُّخُولِ، أَوْ أَوْصَلَ هَدِيَّةً وَأَخْبَرَ عَنْ إِهْدَاءِ مُهْدِيْهَا، فَهَلْ يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ؟ نَظَرَ، إِنِ انْضَمَّتْ قَرَائِنُ تُحَصِّلُ الْعِلْمَ بِذَلِكَ، جَازَ الدُّخُولُ وَالْقَبُولُ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عَمَلٌ بِالْعِلْمِ، لَا بِقَوْلِهِ. وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ، نَظَرَ، إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونِ الْقَوْلِ، لَمْ يُعْتَمَدْ، وَإِلَّا، فَطَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالِاعْتِمَادِ. وَالثَّانِي: عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي قَبُولِ رِوَايَتِهِ.
فَرْعٌ:
كَمَا لَا تَصِحُّ تَصَرُّفَاتُهُ اللَّفْظِيَّةُ، لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ فِي تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ، فَلَا يُفِيدُ قَبْضُهُ الْمِلْكَ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ وَإِنِ اتَّهَبَهُ الْوَلِيُّ، وَلَا لِغَيْرِهِ إِذَا أَمَرَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْقَبْضِ لَهُ. وَلَوْ قَالَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ لِمَنْ عَلَيْهِ: سَلِّمْ حَقِّي إِلَى هَذَا الصَّبِيِّ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ قَدْرَ حَقِّهِ، لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الدَّيْنِ، وَكَانَ مَا سَلَّمَهُ بَاقِيًا فِي مِلْكِهِ، حَتَّى لَوْ ضَاعَ، لَضَاعَ عَلَيْهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّ الدَّافِعَ ضَيَّعَهُ بِتَسْلِيمِهِ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ بِحَالِهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِقَبْضٍ صَحِيحٍ، فَلَا يَزُولُ عَنِ الذِّمَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْقِ حَقِّي فِي الْبَحْرِ، فَأَلْقَى قَدْرَ حَقِّهِ، لَا يَبْرَأُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مَالِكُ الْوَدِيعَةِ لِلْمُودِعِ: سَلِّمْ مَالِيَ إِلَى هَذَا الصَّبِيِّ، فَسَلَّمَ، خَرَجَ مِنَ الْعُهْدَةِ؛ لِأَنَّهُ امْتَثَلَ أَمْرَهُ فِي حَقِّهِ الْمُتَعَيَّنِ

(3/345)


كَمَا لَوْ قَالَ: أَلْقِهَا فِي الْبَحْرِ، فَامْتَثَلَ. وَلَوْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ لِلصَّبِيِّ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، ضَمِنَ، سَوَاءٌ كَانَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِذْ لَيْسَ لَهُ تَضْيِيعُهَا وَإِنْ أَمَرَهُ الْوَلِيُّ بِهِ.

فَصْلٌ فَصْلٌ إِسْلَامُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي مُطْلَقِ التَّبَايُعِ
إِسْلَامُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي مُطْلَقِ التَّبَايُعِ، لَكِنْ لَوِ اشْتَرَى كَافِرٌ عَبْدًا مُسْلِمًا، أَوِ اتَّهَبَهُ، أَوْ أُوصِيَ لَهُ بِهِ، فَقَبِلَ، لَمْ يُمَلِّكْهُ عَلَى الْأَظْهَرِ. قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : الْقَوْلَانِ فِي الْوَصِيَّةِ، إِذَا قُلْنَا: يَمْلِكُهَا بِالْقَبُولِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَوْتِ، ثَبَتَ بِلَا خِلَافٍ كَالْإِرْثِ. وَلَوِ اشْتَرَى مُصْحَفًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ. وَقِيلَ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: وَكُتُبُ الْفِقْهِ الَّتِي فِيهَا آثَارُ السَّلَفِ، لَهَا حُكْمُ الْمُصْحَفِ فِي هَذَا. وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ يَصِحُّ بَيْعُهَا لِلْكَافِرِ. وَفِي أَمْرِهِ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهَا، وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْخِلَافُ فِي بَيْعِ الْعَبْدِ، وَالْمُصْحَفِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ، إِنَّمَا هُوَ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ، مَعَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِلَا خِلَافٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ شِرَاءُ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا، فَاشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ كَأَبِيهِ وَابْنِهِ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي كُلِّ شِرَاءٍ يَسْتَعْقِبُ عِتْقًا، كَقَوْلِ الْكَافِرِ لِمُسْلِمٍ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ الْمُسْلِمَ عَنِّي بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَإِجَابَتِهِ، وَكَمَا إِذَا أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ. وَرَتَّبَ الْإِمَامُ الْخِلَافَ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ عَلَى شِرَاءِ الْقَرِيبِ. وَقَالَ: الْأُولَى أَوْلَى بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا ضِمْنِيٌّ، وَالثَّانِيَةُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِيهَا وَإِنْ حُكِمَ بِهِ، فَهُوَ ظَاهِرٌ غَيْرُ مُحَقَّقٍ، بِخِلَافِ الْقَرِيبِ. وَلَوِ اشْتَرَى الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا بِشَرْطِ الْإِعْتَاقِ، وَصَحَّحْنَا الشِّرَاءَ بِهَذَا

(3/346)


الشَّرْطِ، فَهُوَ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَحْصُلُ بِنَفْسِ الشِّرَاءِ. وَقِيلَ: هُوَ كَشِرَاءِ الْقَرِيبِ.
فَرْعٌ:
يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْكَافِرُ مُسْلِمًا عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ، كَدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ بِعَيْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا. فَعَلَى هَذَا، هَلْ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنِ الْمَنَافِعِ، بِأَنْ يُؤَجِّرَهُ مُسْلِمًا؟ وَجْهَانِ. قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: بِأَنَّهُ يُؤْمَرُ.
قُلْتُ: وَإِذَا صَحَّحْنَا إِجَارَةَ عَيْنِهِ، فَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي ارْتِهَانِهِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ، وَجْهَانِ. وَيَجُوزُ إِعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ قَطْعًا. وَكَذَا إِيدَاعُهُ عِنْدَهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: صِحَّةُ ارْتِهَانِهِ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَالْمُصْحَفَ، وَيُسَلَّمُ إِلَى عَدْلٍ. وَفِي الْإِعَارَةِ وَجْهٌ: أَنَّهَا لَا تَجُوزُ، وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّنْبِيهُ» وَالْجُرْجَانِيُّ: وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
لَوْ بَاعَ الْكَافِرُ عَبْدًا مُسْلِمًا - وَرِثَهُ، أَوْ أَسْلَمَ عِنْدَهُ - بِثَوْبٍ، ثُمَّ وَجَدَ بِالثَّوْبِ عَيْبًا، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَهُ رَدُّ الثَّوْبِ بِالْعَيْبِ. وَهَلْ لَهُ اسْتِرْدَادُ الْعَبْدِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَهُ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: لَا، بَلْ يَسْتَرِدُّ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ كَالْهَالِكِ. وَطَرَدَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، الْوَجْهَيْنِ فِي جَوَازِ رَدِّ الثَّوْبِ. وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ، وَبِهِ قُطِعَ فِي

(3/347)


التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ. وَلَوْ وَجَدَ مُشْتَرِي الْعَبْدِ بِهِ عَيْبًا، فَفِي رَدِّهِ وَاسْتِرْدَادِهِ الثَّوْبَ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ. وَالثَّانِي: عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَلَوْ بَاعَ الْكَافِرُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ، ثُمَّ تَقَايَلَا، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِقَالَةُ بَيْعٌ، لَمْ يَنْفُذْ، وَإِنْ قُلْنَا: فُسِخَ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ.
فَرْعٌ: وَلَوْ وَكَّلَ كَافِرٌ مُسْلِمًا لِيَشْتَرِيَ عَبْدًا مُسْلِمًا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ أَوَّلًا، وَيَنْتَقِلُ إِلَيْهِ آخِرًا وَلَوْ وَكَّلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ عَبْدًا مُسْلِمًا، فَإِنْ سَمَّى الْمُوَكِّلَ فِي الشِّرَاءِ، صَحَّ، وَإِلَّا، فَإِنْ قُلْنَا: يَقَعُ الْمِلْكُ لِلْوَكِيلِ أَوَّلًا، لَمْ يَصِحَّ: وَإِنْ قُلْنَا: يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ، صَحَّ.
فَرْعٌ:
لَوِ اشْتَرَى كَافِرٌ مُرْتَدًّا، فَوَجْهَانِ، لِبَقَاءِ عَلْقَةِ الْإِسْلَامِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي قَتْلِ الْمُرْتَدِّ بِذِمِّيٍّ.
فَرْعٌ:
لَوِ اشْتَرَى كَافِرٌ كَافِرًا، فَأَسْلَمَ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ كَمَنِ اشْتَرَى عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ قَبْلَ قَبْضِهِ، أَمْ لَا كَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبِقِ قَبْلَ قَبْضِهِ؟ وَجْهَانِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَبْطُلُ، فَهَلْ يَقْبِضُهُ الْمُشْتَرِي، أَمْ يُنَصِّبُ الْحَاكِمُ مَنْ يَقْبِضُ عَنْهُ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ؟ وَجْهَانِ. وَقَطَعَ الْقَفَّالُ فِي فَتَاوِيهِ: بِأَنَّهُ لَا يَبْطُلُ، وَيَقْبِضُهُ الْحَاكِمُ، وَهَذَا أَصَحُّ.

(3/348)


فَرْعٌ:
جَمِيعُ مَا سَبَقَ، تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِ الْمَنْعِ. أَمَّا إِذَا صَحَّحْنَا شِرَاءَهُ، فَإِنْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَيُمَكِّنُهُ مِنَ الْقَبْضِ، أَمْ يُنَصِّبُ مَنْ يَقْبِضُهُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَإِذَا حَصَلَ الْقَبْضُ، أَوْ عُلِمَ بِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ، أَمَرَ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ فِيهِ، كَمَا نَذْكُرُهُ فِي الْفَرْعِ بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ:
إِذَا كَانَ فِي يَدِ الْكَافِرِ عَبْدٌ، فَأَسْلَمَ، لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَلَكِنْ لَا يُقَرُّ فِي يَدِهِ، بَلْ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ، بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ غَيْرِهَا. وَلَا يَكْفِي الرَّهْنُ وَالتَّزْوِيجُ، وَالْإِجَارَةُ، وَالْحَيْلُولَةُ، وَتَكْفِي الْكِتَابَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَتَكُونُ كِتَابَةً صَحِيحَةً. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَكْفِي، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كِتَابَةٌ فَاسِدَةٌ، فَيُبَاعُ الْعَبْدُ.
وَالثَّانِي: صَحِيحَةٌ. ثُمَّ إِنْ جَوَّزْنَا بَيْعَ الْمُكَاتَبِ، بِيعَ مُكَاتَبًا، وَإِلَّا، فُسِخَتِ الْكِتَابَةُ وَالْبَيْعُ. وَلَوِ امْتَنَعَ مِنْ إِزَالَةِ مِلْكِهِ، بَاعَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ، كَمَا يَبِيعُ مَالَ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مُشْتَرِيًا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، صَبَرَ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَيَسْتَكْسِبُ لَهُ، وَتُؤْخَذُ نَفَقَتُهُ مِنْهُ. وَلَوْ أَسْلَمَتْ مُسْتَوْلِدَةُ كَافِرٍ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى نَقْلِهَا إِلَى غَيْرِهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهِمَا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إِعْتَاقِهَا؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: لَا يُجْبَرُ، بَلْ يُحَالُ بَيْنَهُمَا وَيُنْفَقُ عَلَيْهَا وَتَسْتَكْسِبُ لَهُ فِي يَدِ مُسْلِمٍ. وَلَوْ مَاتَ كَافِرٌ أَسْلَمَ عَبْدٌ فِي يَدِهِ، صَارَ لِوَارِثِهِ، وَأُمِرَ بِمَا كَانَ يُؤْمَرُ بِهِ مُورِثُهُ، فَإِنِ امْتَثَلَ، وَإِلَّا، بِيعَ عَلَيْهِ.

(3/349)


قُلْتُ: قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابِهِ «اللُّبَابِ» : لَا يَدْخُلُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فِي مِلْكِ كَافِرٍ ابْتِدَاءً، إِلَّا فِي سِتِّ مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: بِالْإِرْثِ.
الثَّانِيَةُ: يَسْتَرْجِعُهُ بِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي.
الثَّالِثَةُ: يَرْجِعُ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ.
الْخَامِسَةُ: إِذَا قَالَ لِمُسْلِمٍ: أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي، فَأَعْتَقَهُ وَصَحَّحْنَاهُ.
السَّادِسَةُ: إِذَا كَاتَبَ عَبْدَهُ الْكَافِرَ، فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ، ثُمَّ عَجَزَ عَنِ النُّجُومِ، فَلَهُ تَعْجِيزُهُ، وَهَذِهِ السَّادِسَةُ فِيهَا تَسَاهُلٌ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَزُولُ الْمِلْكُ فِيهِ لِيَتَجَدَّدَ بِالتَّعْجِيزِ.
وَتَرَكَ سَابِعَةً، وَهِيَ: إِذَا اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الْأَمْرُ الثَّالِثُ: صَلَاحِيَةُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَيُعْتَبَرُ فِي الْمَبِيعِ لِصِحَّةِ بَيْعِهِ، خَمْسَةُ شُرُوطٍ:
أَحَدُهَا: الطَّهَارَةُ، فَالنَّجَسُ ضَرْبَانِ، نَجَسُ الْعَيْنِ، وَنَجَسٌ بِعَارِضٍ. فَالْأَوَّلُ: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَمِنْهُ الْكَلْبُ، وَالْخِنْزِيرُ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَسَوَاءٌ الْكَلْبُ الْمُعَلَّمُ وَغَيْرُهُ، وَمِنْهُ الْمَيْتَةُ، وَسِرْجِينُ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ، وَالْبَوْلُ، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْفَيْلَجِ وَفِي بَاطِنِهِ الدُّودُ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ مِنْ مَصَالِحِهِ، كَالنَّجَاسَةِ فِي جَوْفِ الْحَيَوَانِ.
قُلْتُ: الْفَيْلَجُ - بِالْفَاءِ - وَهُوَ الْقَزُّ. وَيَجُوزُ بَيْعُهُ وَفِيهِ الدُّودُ، سَوَاءٌ كَانَ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا، وَسَوَاءٌ بَاعَهُ وَزْنًا، أَوْ جُزَافًا، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي بَيْعِ بَزْرِ الْقَزِّ وَفَأْرَةِ الْمِسْكِ، وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى طَهَارَتِهِمَا.
الضَّرْبُ الثَّانِي: قِسْمَانِ:
أَحَدُهُمَا: مُتَنَجِّسٌ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ، كَالثَّوْبِ،

(3/350)


وَالْخَشَبَةِ، وَالْآجُرِّ، فَيَجُوزُ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ جَوْهَرَهَا طَاهِرٌ. فَإِنِ اسْتَتَرَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالنَّجَاسَةِ الْوَارِدَةِ، خَرَجَ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ. وَالثَّانِي: مَا لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ، كَالْخَلِّ، وَاللَّبَنِ، وَالدِّبْسِ، إِذَا تَنَجَّسَتْ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. وَأَمَّا الدُّهْنُ، فَإِنْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ، كَوَدَكِ الْمَيْتَةِ، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ بِحَالٍ. وَإِنْ نَجُسَ بِعَارِضٍ، فَهَلْ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا. فَعَلَى هَذَا، لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالْبَوْلِ. وَالثَّانِي: يُمْكِنُ. فَعَلَى هَذَا، فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ، هَذَا تَرْتِيبُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ، جَازَ بَيْعُهُ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: هَذَا التَّرْتِيبُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جُزِمَ بِهِ فِي الْوَسِيطِ. وَكَيْفَ يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي: فِي بَيْعِ الصِّبْغِ النَّجِسِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: كَالزَّيْتِ. وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ، وَإِنَّمَا يُصْبَغُ بِهِ الثَّوْبُ ثُمَّ يُغْسَلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي بَيْعِ الْمَاءِ النَّجِسِ، وَجْهَانِ، كَالدُّهْنِ إِذَا قُلْنَا: يُمْكِنُ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ تَطْهِيرَ الْمَاءِ مُمْكِنٌ بِالْمُكَاثَرَةِ. وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْجَزْمِ بِالْمَنْعِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِتَطْهِيرٍ، بَلْ يَسْتَحِيلُ بِبُلُوغِهِ قُلَّتَيْنِ مِنْ صِفَةِ النَّجَاسَةِ إِلَى الطَّهَارَةِ، كَالْخَمْرِ تَتَخَلَّلُ. وَيَجُوزُ نَقْلُ الدُّهْنِ النَّجِسِ إِلَى الْغَيْرِ بِالْوَصِيَّةِ، كَالْكَلْبِ. وَأَمَّا هِبَتُهُ وَالصَّدَقَةُ بِهِ، فَعَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: مَنْعُهُمَا. وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا مَا فِي هِبَةِ الْكَلْبِ مِنَ الْخِلَافِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ بِصِحَّةِ الصَّدَقَةِ بِهِ لِلِاسْتِصْبَاحِ وَنَحْوِهِ. وَقَدْ جَزَمَ الْمُتَوَلِّي، بِأَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْيَدِ فِيهِ بِالْوَصِيَّةِ وَغَيْرِهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي «الْمُخْتَصَرِ» : لَا يَجُوزُ اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ إِلَّا لِصَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، أَوْ زَرْعٍ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا، هَذَا نَصُّهُ. وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى جَوَازِ اقْتِنَائِهِ لِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَعَلَى اقْتِنَائِهِ لِتَعْلِيمِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهُ،

(3/351)


وَالْأَصَحُّ: جَوَازُ اقْتِنَائِهِ لِحِفْظِ الدُّورِ وَالدُّرُوبِ وَتَرْبِيَةِ الْجَرْوِ لِذَلِكَ، وَتَحْرِيمُ اقْتِنَائِهِ قَبْلَ شِرَاءِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ. وَكَذَا كَلْبُ الصَّيْدِ لِمَنْ لَا يَصِيدُ. وَيَجُوزُ اقْتِنَاءُ السِّرْجِينِ، وَتَرْبِيَةُ الزَّرْعِ بِهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ. وَاقْتِنَاءُ الْخَمْرِ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ. فَمَا لَا نَفْعَ فِيهِ، لَيْسَ بِمَالٍ، فَأَخْذُ الْمَالِ فِي مُقَابَلَتِهِ بَاطِلٌ. وَلِعَدَمِ الْمَنْفَعَةِ سَبَبَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقِلَّةُ، كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُعَدُّ مَالًا، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى ظُهُورِ النَّفْعِ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ غَيْرُهُ، وَلَا إِلَى مَا يُفْرَضُ مِنْ وَضْعِ الْحَبَّةِ فِي فَخٍّ. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ زَمَانِ الرُّخْصِ وَالْغَلَاءِ. وَمَعَ هَذَا، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْحَبَّةِ مِنْ صُبْرَةِ الْغَيْرِ. فَإِنْ أَخَذَ، لَزِمَهُ رَدُّهَا. فَإِنْ تَلِفَتْ، فَلَا ضَمَانَ، إِذْ لَا مَالِيَّةَ لَهَا. وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَضْمَنُ مِثْلَهَا. وَحَكَى صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» وَجْهًا: أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِقِلَّتِهِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
السَّبَبُ الثَّانِي: الْخِسَّةُ، كَالْحَشَرَاتِ. وَالْحَيَوَانُ الطَّاهِرُ، ضَرْبَانِ: ضَرْبٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، كَالنَّعَمِ، وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ، وَالظِّبَاءِ، وَالْغِزْلَانِ. وَمِنَ الْجَوَارِحِ، كَالصُّقُورِ، وَالْبُزَاةِ، وَالْفَهْدِ. وَمِنَ الطَّيْرِ، كَالْحَمَامِ، وَالْعُصْفُورِ، وَالْعُقَابِ. وَمَا يُنْتَفَعُ بِلَوْنِهِ كَالطَّاوُوسِ، أَوْ صَوْتِهِ كَالزُّرْزُورِ. وَمِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ، الْقِرْدُ، وَالْفِيلُ، وَالْهِرَّةُ، وَدُودُ الْقَزِّ. وَبَيْعُ النَّحْلِ فِي الْكِوَارَةِ صَحِيحٌ إِنْ شَاهَدَ جَمِيعَهُ، وَإِلَّا، فَهُوَ مِنْ بَيْعِ الْغَائِبِ. وَإِنْ بَاعَهُ وَهُوَ طَائِرٌ، فَوَجْهَانِ. قُطِعَ فِي «التَّتِمَّةِ» : بِالصِّحَّةِ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» : بِالْبُطْلَانِ.

(3/352)


قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الصِّحَّةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، كَالْخَنَافِسِ، وَالْعَقَارِبِ، وَالْحَيَّاتِ، وَالْفَأْرِ، وَالنَّمْلِ، وَنَحْوِهَا، وَلَا نَظَرَ إِلَى مَنَافِعِهَا الْمَعْدُودَةِ مِنْ خَوَاصِّهَا، وَفِي مَعْنَاهَا السِّبَاعُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ لِلصَّيْدِ وَالْقِتَالِ عَلَيْهَا، كَالْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالنَّمِرِ. وَلَا يُنْظَرُ إِلَى اقْتِنَاءِ الْمُلُوكِ لَهَا لِلْهَيْبَةِ وَالسِّيَاسَةِ. وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجْهًا فِي جَوَازِ بَيْعِهَا؛ لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ. وَالِانْتِفَاعُ بِجُلُودِهَا مُتَوَقَّعٌ بِالدِّبَّاغِ. وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ وَجْهًا آخَرَ: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ النَّمْلِ فِي «عَسْكَرَ مُكْرَمٍ» وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْمَشْهُورَةُ بِخُرَاسَانَ؛ لِأَنَّهُ يُعَالَجُ بِهِ السُّكَّرُ، وَ «نَصِيبِينَ» ؛ لِأَنَّهُ تُعَالَجَ بِهِ الْعَقَارِبُ الطَّيَّارَةُ. وَالْوَجْهَانِ شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِدَأَةِ، وَالرَّخَمَةِ، وَالْغُرَابِ. فَإِنْ كَانَ فِي أَجْنِحَةِ بَعْضِهَا فَائِدَةٌ، جَاءَ فِيهَا الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ، وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ، فَإِنَّ الْجُلُودَ تُدْبَغُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَطْهِيرِ الْأَجْنِحَةِ.
قُلْتُ: وَجْهُ الْجَوَازِ، الِانْتِفَاعُ بِرِيشِهَا فِي النَّبْلِ، فَإِنَّهُ وَإِنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهِ، يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي النَّبْلِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْيَابِسَاتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَصِحُّ بَيْعُ الْعَلَقِ عَلَى الْأَصَحِّ لِمَنْفَعَةِ امْتِصَاصِ الدَّمِ، وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْحِمَارِ الزَّمِنِ الَّذِي لَا نَفْعَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ الْعَبْدِ الزَّمِنِ، فَإِنَّهُ يُتَقَرَّبُ بِإِعْتَاقِهِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ لِغَرَضِ جَلْدِهِ إِذَا مَاتَ.
فَرْعٌ:
السُّمُّ إِنْ كَانَ يَقْتُلُ كَثِيرُهُ وَيَنْفَعُ قَلِيلُهُ، كَالسُّقَمُونِيَا، وَالْأَفْيُونِ، جَازَ بَيْعُهُ. وَإِنْ قَتَلَ كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ، فَقُطِعَ بِالْمَنْعِ. وَمَالَ الْإِمَامُ وَشَيْخُهُ إِلَى الْجَوَازِ لِيُدَسَّ فِي طَعَامِ الْكَافِرِ.

(3/353)


فَرْعٌ:
آلَاتُ الْمَلَاهِي: كَالْمِزْمَارِ وَالطُّنْبُورِ وَغَيْرِهِمَا، إِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا تُعَدُّ بَعْدَ الرَّضِّ وَالْحَلِّ مَالًا، لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهَا؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا مَعْدُومَةٌ شَرْعًا. وَإِنْ كَانَ رُضَاضُهَا يُعَدُّ مَالًا، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِهَا وَبَيْعِ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْخَشَبِ وَغَيْرِهِمَا، وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ. وَتَوَسَّطَ الْإِمَامُ، فَذَكَرَ الْإِمَامُ وَجْهًا ثَالِثًا اخْتَارَهُ هُوَ وَالْغَزَالِيُّ: أَنَّهُ إِنِ اتُّخِذَتْ مِنْ جَوْهَرٍ نَفِيسٍ، صَحَّ بَيْعُهَا. وَإِنِ اتُّخِذَتْ مِنْ خَشَبٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا، وَالْمَذْهَبُ: الْمَنْعُ الْمُطْلَقُ، وَبِهِ أَجَابَ عَامَّةُ الْأَصْحَابِ.
فَرْعٌ:
الْجَارِيَةُ الْمُغَنِّيَةُ الَّتِي تُسَاوِي أَلْفًا بِلَا غَنَاءٍ، إِذَا اشْتَرَاهَا بِأَلْفَيْنِ، فِيهِ أَوْجُهٌ. قَالَ الْمَحْمُودِيُّ: بِالْبُطْلَانِ، وَالْأَوْدَنِيُّ: بِالصِّحَّةِ، وَأَبُو زَيْدٍ: إِنْ قَصَدَ الْغَنَاءَ، بَطُلَ، وَإِلَّا، فَلَا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: قَوْلُ الْأَوْدَنِيِّ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ الْقِيَاسُ السَّدِيدُ وَلَوْ بِيعَتْ بِأَلْفٍ، صَحَّ قَطْعًا. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي كَبْشِ النِّطَاحِ وَالدِّيكِ الْهَرَّاشِ. وَلَوْ بَاعَ إِنَاءً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، صَحَّ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الذَّهَبُ فَقَطْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُكْرَهُ بَيْعُ الشِّطْرَنْجِ. قَالَ: وَالنَّرْدُ، إِنْ صَلُحَ لِبَيَاذِقِ الشِّطْرَنْجِ، فَكَالشِّطْرَنْجِ، وَإِلَّا، فَكَالْمِزْمَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(3/354)


فَرْعٌ:
بَيْعُ الْمَاءِ الْمَمْلُوكِ صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَسَتَأْتِي تَفَارِيعُهُ فِي إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِذَا صَحَّحْنَاهُ، فَفِي بَيْعِهِ عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، وَبَيْعِ التُّرَابِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَبَيْعِ الْحِجَارَةِ بَيْنَ الشِّعَابِ الْكَثِيرَةِ، وَالْأَحْجَارِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ.
فَرْعٌ:
بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ صَحِيحٌ.
قُلْتُ: وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ نَجِسٌ، فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، حَكَاهُ فِي «الْحَاوِي» عَنِ الْأَنْمَاطِيِّ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ، وَسَبَقَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ «الطَّهَارَةِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مَمْلُوكًا لِمَنْ يَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ. فَإِنْ بَاشَرَ الْعَقْدَ لِنَفْسِهِ، فَلْيَكُنْ لَهُ، وَإِنْ بَاشَرَهُ لِغَيْرِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ وِكَالَةٍ، فَلْيَكُنْ لِذَلِكَ الْغَيْرِ. فَلَوْ بَاعَ مَالَ غَيْرِهِ بِلَا إِذْنٍ وَلَا وِلَايَةٍ، فَقَوْلَانِ. الْجَدِيدُ: بُطْلَانُهُ. وَالْقَدِيمُ: أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْمَالِكِ، فَإِنْ أَجَازَ، نَفَذَ، وَإِلَّا، لَغَا. وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ أَوِ ابْنَتَهُ، أَوْ طَلَّقَ مَنْكُوحَتَهُ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ، أَوْ أَجَّرَ دَارَهُ، أَوْ وَهَبَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ. وَلَوِ اشْتَرَى الْفُضُولِيُّ لِغَيْرِهِ، نَظَرَ، إِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْغَيْرِ، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ، وَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ، نَظَرَ، إِنْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى كَوْنَهُ لِلْغَيْرِ، فَعَلَى الْجَدِيدِ: يَقَعُ لِلْمُبَاشِرِ، وَعَلَى الْقَدِيمِ: يَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ، فَإِنْ رَدَّ،

(3/355)


نَفَذَ فِي حَقِّ الْفُضُولِيِّ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَهُوَ كَاشْتِرَائِهِ بِعَيْنِ مَالِ الْغَيْرِ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ بِأَلْفٍ، وَلَمْ يُضِفِ الثَّمَنَ إِلَى ذِمَّتِهِ، فَعَلَى الْجَدِيدِ: وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَلْغُو الْعَقْدُ، وَالثَّانِي: يَقَعُ عَنِ الْمُبَاشِرِ. وَعَلَى الْقَدِيمِ: يَقِفُ عَلَى إِجَازَةِ فُلَانٍ، فَإِنْ رَدَّ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ. وَلَوِ اشْتَرَى شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِمَالِ نَفْسِهِ، نَظَرَ، إِنْ لَمْ يُسَمِّهُ، وَقَعَ الْعَقْدُ عَنِ الْمُبَاشِرِ، سَوَاءٌ أَذِنَ ذَلِكَ الْغَيْرُ، أَمْ لَا. وَإِنْ سَمَّاهُ، نَظَرَ، إِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ، لَغَتِ التَّسْمِيَةُ. وَهَلْ يَقَعُ عَنْهُ، أَمْ يَبْطُلُ؟ وَجْهَانِ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ، فَهَلْ تَلْغُو التَّسْمِيَةُ؟ وَجْهَانِ. فَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَهَلْ يَبْطُلُ مِنْ أَصْلِهِ، أَمْ يَقَعُ عَنِ الْمُبَاشِرِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا، وَقَعَ عَنِ الْآذِنِ. وَهَلْ يَكُونُ الثَّمَنُ الْمَدْفُوعُ قَرْضًا، أَمْ هِبَةً؟ وَجْهَانِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَحَيْثُ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ، فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَقْدِ مُجِيزٌ فِي الْحَالِ، مَالِكًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. حَتَّى لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَ الطِّفْلِ، أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِجَازَتِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَالْمُعْتَبَرُ إِجَازَةُ مَنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ عِنْدَ الْعَقْدِ. حَتَّى لَوْ بَاعَ مَالَ الطِّفْلِ، فَبَلَغَ وَأَجَازَ، لَمْ يَنْفُذْ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ، ثُمَّ مَلَكَهُ وَأَجَازَ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَمْ يَعْرِفِ الْعِرَاقِيُّونَ هَذَا الْقَوْلَ الْقَدِيمَ، وَقَطَعُوا بِالْبُطْلَانِ.
قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ هَذَا الْقَدِيمَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، الْمَحَامِلِيُّ فِي «اللُّبَابِ» ، وَالشَّاشِيُّ، وَصَاحِبُ «الْبَيَانِ» ، وَنُصَّ عَلَيْهِ فِي «الْبُوَيْطِيِّ» ، وَهُوَ قَوِيٌّ، وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ هُوَ الْجَدِيدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
لَوْ غَصَبَ أَمْوَالًا وَبَاعَهَا وَتَصَرَّفَ فِي أَثْمَانِهَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: بُطْلَانُ الْجَمِيعِ. وَالثَّانِي: لِلْمَالِكِ أَنْ يُجِيزَهَا وَيَأْخُذَ الْحَاصِلَ مِنْهَا، لِعُسْرِ تَتَبُّعِهَا بِالْإِبْطَالِ.

(3/356)


فَرْعٌ:
لَوْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ وَهُوَ فُضُولِيٌّ، فَبَانَ مَيِّتًا حِينَئِذٍ، وَأَنَّهُ مَلَكَ الْعَاقِدَ، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: أَنَّ الْبَيْعَ صَحِيحٌ، لِصُدُورِهِ مِنْ مَالِكٍ. وَالثَّانِي: الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُعَلَّقِ بِمَوْتِهِ، وَلِأَنَّهُ كَالْغَائِبِ. وَلَا يَبْعُدُ تَشْبِيهُ هَذَا الْخِلَافِ بِبَيْعِ الْهَازِلِ - هَلْ يَنْعَقِدُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ - وَبِالْخِلَافِ فِي بَيْعِ التَّلْجِئَةِ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَخَافَ غَصْبَ مَالِهِ، أَوِ الْإِكْرَاهَ عَلَى بَيْعِهِ، فَيَبِيعَهُ لِإِنْسَانٍ بَيْعًا مُطْلَقًا. وَقَدْ تَوَافَقَا قَبْلَهُ عَلَى أَنَّهُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْبَيْعِ. وَالصَّحِيحُ: صِحَّتُهُ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ آبِقٌ أَوْ مَكَاتَبٌ، فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ رَجَعَ، وَفَسَخَ الْكِتَابَةَ. وَيَجْرِي فِيمَنْ زَوَّجَ أَمَةَ أَبِيهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ، فَبَانَ مَيِّتًا، هَلْ يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَقَدْ نَقَلُوا وَجْهَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ مَاتَ أَبِي فَقَدْ زَوَّجْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ.
فَرْعٌ:
الْقَوْلَانِ فِي أَصْلِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، وَفِي الْفَرْعَيْنِ بَعْدَهُ يُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِقَوْلَيْ وَقْفِ الْعُقُودِ. وَحَيْثُ قَالُوا: فِيهِ قَوْلَا وَقْفِ الْعُقُودِ، أَرَادُوا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. وَسُمِّيَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ آيِلٌ إِلَى أَنَّ الْعَقْدَ، هَلْ يَنْعَقِدُ عَلَى التَّوَقُّفِ، أَمْ لَا بَلْ يَكُونُ بَاطِلًا؟ ثُمَّ ذَكَرَ الْإِمَامُ: أَنَّ الصِّحَّةَ عَلَى قَوْلِ الْوَقْفِ نَاجِزَةٌ، لَكِنَّ الْمِلْكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا عِنْدَ الْإِجَازَةِ. قَالَ: وَيَطَّرِدُ الْوَقْفُ فِي كُلِّ عَقْدٍ يَقْبَلُ الِاسْتِنَابَةَ، كَالْبُيُوعِ، وَالْإِجَارَاتِ، وَالْهِبَاتِ، وَالْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ، وَالنِّكَاحِ، وَغَيْرِهَا.

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَلَا بُدَّ مِنْهَا. وَفَوَاتُهَا قَدْ يَكُونُ حِسًّا، وَقَدْ يَكُونُ شَرْعًا. وَفِيهِ مَسَائِلُ.

(3/357)


إِحْدَاهَا: بَيْعُ الْآبِقِ وَالضَّالِّ بَاطِلٌ، عَرَفَ مَوْضِعَهُ، أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ فِي الْحَالِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ. قَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحُكْمِ بِالْبُطْلَانِ، الْيَأْسُ مِنَ التَّسْلِيمِ، بَلْ يَكْفِي ظُهُورُ التَّعَذُّرِ. وَأَحْسَنَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، فَقَالَ: إِذَا عَرَفَ مَوْضِعَهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَصِلُهُ إِذَا رَامَ وُصُولَهُ، فَلَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْآبِقِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا بَاعَ الْمَالِكُ مَالَهُ الْمَغْصُوبَ، نَظَرَ، إِنْ قَدَرَ الْبَائِعُ عَلَى اسْتِرْدَادِهِ وَتَسَلُّمِهِ، صَحَّ الْبَيْعُ، كَمَا يَصِحُّ بَيْعُ الْوَدِيعَةِ. وَإِنْ عَجَزَ، نَظَرَ، إِنْ بَاعَهُ لِمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى انْتِزَاعِهِ مِنَ الْغَاصِبِ، لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ بَاعَهُ مِنْ قَادِرٍ عَلَى انْتِزَاعِهِ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. ثُمَّ إِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْحَالِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ. لَكِنْ لَوْ عَجَزَ عَنِ انْتِزَاعِهِ لِضَعْفٍ عَرَضَ لَهُ أَوْ قُوَّةٍ عَرَضَتْ لِلْغَاصِبِ، فَلَهُ الْخِيَارُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا حَالَ الْعَقْدِ، فَلَهُ الْخِيَارُ. وَلَوْ بَاعَ الْآبِقَ مِمَّنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ رَدُّهُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ فِي الْمَغْصُوبِ. وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الْآبِقَةِ وَالْمَغْصُوبَةِ، وَإِعْتَاقُهُمَا. قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : لَا يَجُوزُ كِتَابَةُ الْمَغْصُوبِ؛ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي التَّمْكِينَ مِنَ التَّصَرُّفِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ، وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ. وَلَوْ بَاعَ السَّمَكَ فِي بِرْكَةٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً يُمْكِنُ أَخْذُهُ بِغَيْرِ تَعَبٍ وَمَشَقَّةٍ، صَحَّ. وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَا يُمْكِنُ أَخْذُهُ إِلَّا بِتَعَبٍ شَدِيدٍ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَحَيْثُ صَحَّحْنَا، فَهُوَ إِذَا لَمْ يَمْنَعِ الْمَاءُ رُؤْيَتَهُ، فَإِنْ مَنَعَهَا، فَعَلَى قَوْلَيْ بَيْعِ الْغَائِبِ إِنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَصِفَتَهُ، وَإِلَّا، فَلَا يَصِحُّ قَطْعًا. وَبَيْعُ الْحَمَامِ فِي الْبُرْجِ عَلَى تَفْصِيلِ بَيْعِ السَّمَكِ فِي الْبِرْكَةِ. وَلَوْ بَاعَهَا وَهِيَ طَائِرَةٌ اعْتِمَادًا عَلَى عَادَةِ عَوْدِهَا لَيْلًا، فَوَجْهَانِ كَمَا سَبَقَ فِي النَّحْلِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ: الصِّحَّةُ، كَالْعَبْدِ الْمَبْعُوثِ فِي شُغُلٍ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْمَنْعُ، إِذْ لَا وُثُوقَ بِعَوْدِهَا، لِعَدَمِ عَقْلِهَا.
قُلْتُ: وَلَوْ بَاعَ ثَلْجًا أَوْ جَمَدًا وَزْنًا، وَكَانَ يَنْمَاعُ إِلَى أَنْ يُوزَنَ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى

(3/358)


الْأَصَحِّ، وَسَيَأْتِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْإِجَارَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ بَاعَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ سَيْفٍ أَوْ إِنَاءٍ وَنَحْوِهِمَا، صَحَّ وَصَارَ مُشْتَرَكًا. وَلَوْ عَيَّنَ بَعْضَهُ وَبَاعَهُ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِقَطْعِهِ، وَفِيهِ نَقْصٌ وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ. وَلَوْ بَاعَ ذِرَاعًا فَصَاعِدًا مِنْ ثَوْبٍ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنِ الذِّرَاعَ، فَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ عَيَّنَهُ، فَإِنْ كَانَ الثَّوْبُ نَفِيسًا تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِالْقَطْعِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ كَذِرَاعٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَمَا يَصِحُّ بَيْعُ أَحَدِ زَوْجَيِ الْخُفِّ وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُمَا بِتَفْرِيقِهِمَا، وَالْقِيَاسُ طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَسْأَلَةِ السَّيْفِ وَالْإِنَاءِ. وَإِنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ بِالْقَطْعِ كَغَلِيظِ الْكِرْبَاسِ، صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى الْإِمَامُ وَشَيْخُهُ فِيهِ وَجْهَيْنِ. وَلَوْ بَاعَ جُزْءًا مُعَيَّنًا مِنْ جِدَارٍ أَوْ أُسْطُوَانَةٍ، فَإِنْ كَانَ فَوْقَهُ شَيْءٌ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إِلَّا بِهَدْمِ مَا فَوْقَهُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ قِطْعَةً وَاحِدَةً مِنْ طِينٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ; لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ كَانَ مِنْ لَبَنٍ أَوْ آجُرٍّ ; جَازَ. هَكَذَا أَطْلَقَهُ فِي «التَّلْخِيصِ» ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ عَلَى مَا لَوْ جُعِلَتِ النِّهَايَةُ صَفًّا مِنَ الْآجُرِّ أَوِ اللَّبِنِ دُونَ أَنْ يُجْعَلَ الْمَقْطَعُ نِصْفَ سُمْكِهَا. وَفِي تَجْوِيزِ الْبَيْعِ إِذَا كَانَ مِنْ لَبِنٍ أَوْ آجُرٍّ إِشْكَالٌ، وَإِنْ جُعِلَ النِّهَايَةُ مَا ذَكَرُوهُ ; لِأَنَّ مَوْضِعَ الشَّقِّ قِطْعَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلِأَنَّ رَفْعَ بَعْضِ الْجِدَارِ يَنْقُصُ قِيمَةَ الْبَاقِي، فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ. وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْ بَاعَ جِذْعًا فِي بِنَاءٍ ; لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ الْهَدْمَ يُوجِبُ النَّقْصَ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْجِذْعِ وَالْآجُرِّ، وَكَذَا لَوْ بَاعَ فَصًّا فِي خَاتَمٍ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ لِـ «الْمِفْتَاحِ» : أَنَّهُ لَوْ بَاعَ دَارًا إِلَّا بَيْتًا فِي صَدْرِهَا لَا يَلِي شَارِعًا وَلَا مِلْكًا لَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَمَرَّ لَهُ فِي الْمَبِيعِ، لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ.
الْخَامِسَةُ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَرْهُونِ بَعْدَ الْإِقْبَاضِ قَبْلَ الْفِكَاكِ.
السَّادِسَةُ: جِنَايَةُ الْعَبْدِ، إِنْ أَوْجَبَتْ مَالًا مُتَعَلِّقًا بِذِمَّتِهِ، لَمْ يُمْنَعْ بَيْعُهُ بِحَالٍ. وَإِنْ أَوْجَبَتْهُ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ، فَإِنْ بَاعَهُ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْفِدَاءِ، صَحَّ، كَذَا أَطْلَقَهُ فِي

(3/359)


«التَّهْذِيبِ» . وَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَلَا، وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ الْخِلَافَ الْآتِيَ فِي الْمُوسِرِ، وَحَكَمَ بِالْخِيَارِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ إِنْ صَحَّحْنَا. وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ قَطْعًا. وَقِيلَ: مَوْقُوفٌ. فَإِنْ فَدَاهُ، نَفَذَ، وَإِلَّا، فَلَا. فَإِنْ لَمْ نُصَحِّحِ الْبَيْعَ، فَالسَّيِّدُ عَلَى خِيرَتِهِ، إِنْ شَاءَ فَدَاهُ، وَإِلَّا، فَيُسَلِّمُهُ لِيُبَاعَ فِي الْجِنَايَةِ. وَإِنْ صَحَّحْنَاهُ، فَالسَّيِّدُ مُلْتَزِمٌ لِلْفِدَاءِ بِبَيْعِهِ مَعَ الْعِلْمِ بِجِنَايَتِهِ، فَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْفِدَاءِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ قَتَلَهُ. وَقِيلَ: هُوَ عَلَى خِيرَتِهِ، إِنْ فَدَى، أَمْضَى الْبَيْعَ، وَإِلَّا، فَسَخَ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِلْفِدَاءِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ الْفِدَاءِ أَوْ تَأَخَّرَ لِإِفْلَاسِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ أَوْ صَبْرِهِ عَلَى الْحَبْسِ، فُسِخَ الْبَيْعُ، وَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ سَبَقَ حَقَّ الْمُشْتَرِي. هَذَا كُلُّهُ إِذَا أَوْجَبَتِ الْجِنَايَةُ الْمَالَ، لِكَوْنِهَا خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، أَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ الْقِصَاصِ عَلَى مَالٍ، أَوْ أَتْلَفَ الْعَبْدُ مَالًا. أَمَّا إِذَا أَوْجَبَتْ قِصَاصًا وَلَا عَفْوَ، فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْبَيْعِ كَبَيْعِ الْمَرِيضِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْمَوْتِ. وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَإِذَا اخْتَصَرْتَ، قُلْتَ: الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ إِنْ تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ، وَيَصِحُّ إِنْ تَعَلَّقَ بِهِ قِصَاصٌ. وَلَوْ أَعْتَقَ الْجَانِي، فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُعْسِرًا، لَمْ يَنْفُذْ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: لَا يَنْفُذُ قَطْعًا. وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا، نَفَذَ عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ. وَالثَّالِثُ: مَوْقُوفٌ. إِنْ فَدَاهُ، نَفَذَ، وَإِلَّا، فَلَا. وَاسْتِيلَادُ الْجَانِيَةِ، كَإِعْتَاقِهَا. وَمَتَى فَدَى السَّيِّدُ الْجَانِي، فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَفْدِيهِ بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْأَرْشِ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ. وَالثَّانِي: يَتَعَيَّنُ الْأَرْشُ وَإِنْ كَثُرَ.
قُلْتُ: وَلَوْ وَلَدَتِ الْجَارِيَةُ، لَمْ يَتَعَلَّقِ الْأَرْشُ بِالْوَلَدِ قَطْعًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي «نَمَاءِ الرَّهْنِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الشَّرْطُ الْخَامِسُ: كَوْنُ الْمَبِيعِ مَعْلُومًا. وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِعَيْنِ الْمَبِيعِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ. أَمَّا الْعَيْنُ، فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ عَبْدًا مِنَ الْعَبِيدِ، أَوْ أَحَدَ عَبْدَيَّ أَوْ عَبِيدِي هَؤُلَاءِ، أَوْ شَاةً مِنْ هَذَا الْقَطِيعِ،

(3/360)


فَهُوَ بَاطِلٌ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: بِعْتُهُمْ، إِلَّا وَاحِدًا، مُبْهَمًا. وَسَوَاءٌ تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْعَبِيدِ وَالشِّيَاهِ، أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ قَالَ: وَلَكَ الْخِيَارُ فِي التَّعْيِينِ، أَمْ لَا. وَحَكَى فِي «التَّتِمَّةِ» قَوْلًا قَدِيمًا: أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ أَحَدَ عَبِيدَيَّ، أَوْ عَبِيدِي الثَّلَاثَةَ، عَلَى أَنْ تَخْتَارَ مَنْ شِئْتَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ، صَحَّ الْعَقْدُ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ فَاخْتَلَطَ بِعَبِيدٍ لِغَيْرِهِ، فَقَالَ: بِعْتُكَ عَبْدِي مِنْ هَؤُلَاءِ، وَالْمُشْتَرِي يَرَاهُمْ وَلَا يَعْرِفُ عَيْنَهُ. قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : لَهُ حُكْمُ بَيْعِ الْغَائِبِ. وَقَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : عِنْدِي أَنَّهُ بَاطِلٌ.
فَرْعٌ:
بَيْعُ الْجُزْءِ الشَّائِعِ مَنْ كُلِّ جُمْلَةٍ مَعْلُومَةٍ، مِنْ دَارٍ، وَأَرْضٍ، وَعَبْدٍ، وَصُبْرَةٍ، وَثَمَرَةٍ، وَغَيْرِهَا، صَحِيحٌ. لَكِنْ لَوْ بَاعَ جُزْءًا شَائِعًا مِنْ شَيْءٍ بِمِثْلِهِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، كَالدَّارِ وَالْفَرَسِ، [كَمَا إِذَا كَانَ] بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، بَاعَ نِصْفَهُ بِنِصْفِ صَاحِبِهِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ. وَأَصَحُّهُمَا: يَصِحُّ، لِوُجُودِ شَرَائِطِهِ، وَلَهُ فَوَائِدُ:
مِنْهَا: لَوْ كَانَا جَمِيعًا أَوْ أَحَدُهُمَا مِلْكَ نَصِيبِهِ بِالْهِبَةِ مِنْ أَبِيهِ، انْقَطَعَتْ وَلَايَةُ الرُّجُوعِ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَلَكَهُ بِالشِّرَاءِ، ثُمَّ اطَّلَعَ بَعْدَ هَذَا التَّصَرُّفِ عَلَى عَيْبٍ، لَمْ يَمْلِكِ الرَّدَّ عَلَى بَائِعِهِ.
وَمِنْهَا: لَوْ مَلَّكَتْهُ بِالصَّدَاقِ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ.
قُلْتُ: وَلَوْ بَاعَ نِصْفَهُ بِالثُّلُثِ مِنْ نِصْفِ صَاحِبِهِ، فَفِي صِحَّتِهِ الْوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ، وَيَصِيرُ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا، وَبِهَذَا قَطَعَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» ، وَاسْتَبْعَدَهُ الْإِمَامُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ «الصُّلْحِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ بَاعَ الْجُمْلَةَ، وَاسْتَثْنَى مِنْهَا جُزْءًا شَائِعًا، جَازَ. مِثَالُهُ: بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هَذَا الْبُسْتَانِ، إِلَّا رُبُعَهَا وَقَدْرَ الزَّكَاةِ مِنْهَا. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ ثَمَرَةَ هَذَا الْبُسْتَانِ بِثَلَاثَةِ

(3/361)


آلَافِ دِرْهَمٍ، إِلَّا مَا يَخُصُّ أَلْفًا، فَإِنْ أَرَادَ مَا يَخُصُّهُ إِذَا وُزِّعَتِ الثَّمَرَةُ عَلَى الْمَبْلَغِ الْمَذْكُورِ، صَحَّ، وَكَانَ اسْتِثْنَاءً لِلثُّلُثِ. وَإِنْ أَرَادَ مَا يُسَاوِي أَلْفًا عِنْدَ التَّقْوِيمِ، فَلَا؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ.
فَرْعٌ:
إِذَا بَاعَ أَذْرُعًا مِنْ أَرْضٍ أَوْ دَارٍ أَوْ ثَوْبٍ، فَإِنْ كَانَا يَعْلَمَانِ جُمْلَةَ ذُرْعَانِهَا، بِأَنْ بَاعَ ذِرَاعًا مِنْ عَشَرَةٍ، وَيَعْلَمَانِ أَنَّ الْجُمْلَةَ عَشَرَةٌ، صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَأَنَّهُ بَاعَهُ الْعَشْرَ. قَالَ الْإِمَامُ: إِلَّا أَنْ يَعْنِيَ مُعَيَّنًا فَيَبْطُلُ، كَشَاةٍ مِنَ الْقَطِيعِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: أَرَدْتُ الْإِشَاعَةَ، فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْبَائِعُ: بَلْ أَرَدْتُ مُعَيَّنًا، فَفِيمَنْ يُصَدَّقُ؟ احْتِمَالَانِ.
قُلْتُ: أَرْجَحُهُمَا: الْبَائِعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَعْلَمُ جُمْلَةَ الذُّرْعَانِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى طَرَفِ الْأَرْضِ وَقَالَ: بِعْتُكَ كَذَا ذِرَاعًا مِنْ مَوْقِفِي هَذَا فِي جَمِيعِ الْعَرْضِ إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي فِي الطُّولِ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ:
إِذَا قَالَ: بِعْتُكَ صَاعًا مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْلَمَا مَبْلَغَ صِيعَانِهَا فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ قَطْعًا، وَيُنَزَّلُ عَلَى الْإِشَاعَةِ. وَلَوْ كَانَتِ الصُّبْرَةُ مِائَةَ صَاعٍ، فَالْمَبِيعُ عُشْرُ الْعُشْرِ، فَلَوْ تَلِفَ بَعْضُهَا، تَلِفَ بِقَدْرِهِ مِنَ الْمَبِيعِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى الْإِمَامُ فِي تَنْزِيلِهِ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: هَذَا. وَالثَّانِي: الْمَبِيعُ صَاعٌ مِنَ الْجُمْلَةِ غَيْرُ مُشَاعٍ، أَيُّ صَاعٍ كَانَ. فَعَلَى هَذَا، يَبْقَى الْمَبِيعُ مَا بَقِيَ صَاعٌ.

(3/362)


الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَعْلَمَا أَوْ أَحَدُهَا مَبْلَغَ صِيعَانِهَا، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ: لَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ صِيعَانَ الصُّبْرَةِ، وَقَالَ: بِعْتُكَ صَاعًا مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَأَصَحُّهُمَا: يَصِحُّ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، يُفْتِي بِهَذَا الثَّانِي مَعَ ذَهَابِهِ إِلَى الْأَوَّلِ، وَيَقُولُ: الْمُسْتَفْتِي يَسْتَفْتِينِي عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، لَا عَمَّا عِنْدِي. وَعَلَى هَذَا، الْمَبِيعُ صَاعٌ مِنْهَا، أَيُّ صَاعٍ كَانَ. فَلَوْ تَلِفَ جَمِيعُهَا إِلَّا صَاعًا، تَعَيَّنَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ صَاعًا مِنْ أَعْلَى الصُّبْرَةِ أَوْ أَسْفَلَهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْأَسْفَلُ مَرْئِيًّا؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ كَرُؤْيَةِ كُلِّهَا.
قُلْتُ: وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ لَوْ فُرِّقَتْ صِيعَانُهَا فَبَاعَ صَاعًا لَمْ يَصِحَّ، فَهَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَحَكَى صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» فِي تَعْلِيقِهِ فِي الْخِلَافِ عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ صِحَّةَ بَيْعِهِ، لِعَدَمِ الْغَرَرِ. وَالصَّحِيحُ: الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
إِبْهَامُ مَمَرِّ الْأَرْضِ الْمَبِيعَةِ، كَإِبْهَامِ نَفْسِ الْمَبِيعِ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَبِيعَ أَرْضًا مَحْفُوفَةً بِمِلْكِهِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، وَيَشْرُطُ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْمَمَرِّ مِنْ جَانِبٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِالْمَمَرِّ. فَإِنْ عَيَّنَ الْمَمَرَّ مِنْ جَانِبٍ، صَحَّ الْبَيْعُ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهَا بِحُقُوقِهَا، صَحَّ، وَثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْمَمَرِّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ كَمَا كَانَ ثَابِتًا لِلْبَائِعِ قَبْلَ الْبَيْعِ. وَإِنْ أَطْلَقَ الْبَيْعَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَمَرِّ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَصِحُّ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَهَا بِحُقُوقِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْمَمَرَّ، فَعَلَى هَذَا هُوَ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْمَمَرِّ، وَفِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: بُطْلَانُ الْبَيْعِ، لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ فِي الْحَالِ، وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ؛ لِإِمْكَانِ تَحْصِيلِ الْمَمَرِّ، وَقَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : إِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ مَمَرٍّ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِلَّا، فَلَا. وَلَوْ

(3/363)


كَانَتِ الْأَرْضُ الْمَبِيعَةُ مُلَاصِقَةً لِلشَّارِعِ، فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي سُلُوكُ مِلْكِ الْبَائِعِ، فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْلِهَا الدُّخُولُ مِنَ الشَّارِعِ، فَيُنَزَّلُ الْأَمْرُ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَتْ مُلَاصِقَةً مِلْكِ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْمُرُورِ فِيمَا بَقِيَ لِلْبَائِعِ، بَلْ يَدْخُلُ مِنْ مِلْكِهِ الْقَدِيمِ. وَأَبْدَى الْإِمَامُ فِيهِ احْتِمَالًا، قَالَ: وَهَذَا إِذَا أَطْلَقَ الْبَيْعَ، أَمَّا إِذَا قَالَ: بِحُقُوقِهَا، فَلَهُ الْمَمَرُّ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ. وَلَوْ بَاعَ دَارًا وَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ بَيْتًا فَلَهُ الْمَمَرُّ، فَإِنْ نَفَى الْمَمَرَّ، نَظَرَ، إِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُ مَمَرٍّ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانُ كَمَنْ بَاعَ ذِرَاعًا مِنْ ثَوْبٍ يَنْقُصُ بِالْقَطْعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ أَمَّا الْقَدْرُ، فَالْمَبِيعُ قَدْ يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ مُعَيَّنًا

وَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ السَّلَمُ، وَالثَّانِي هُوَ الْمَشْهُورُ بِاسْمِ الْبَيْعِ، وَالثَّمَنُ فِيهِمَا جَمِيعًا قَدْ يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ وَإِنْ كَانَ يُشْتَرَطُ فِي السَّلَمِ تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، وَقَدْ يَكُونُ مُعَيَّنًا، فَمَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ مِنَ العِوَضَيْنِ، اشْتُرِطَ كَوْنُهُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ مِلْءَ هَذَا الْبَيْتِ حِنْطَةً، أَوْ بِزِنَةِ هَذِهِ الصَّنْجَةِ ذَهَبًا، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ بِمَا بَاعَ بِهِ فُلَانٌ فَرَسَهُ أَوْ ثَوْبَهُ، وَأَحَدُهُمَا لَا يَعْلَمُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ، لِلْغَرَرِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ، لِلتَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ، كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، يَصِحُّ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ مَجْهُولَةً فِي الْحَالِ. وَقِيلَ: إِنْ حَصَلَ الْعِلْمُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، صَحَّ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَا قِيمَةَ الدِّينَارِ بِالدَّرَاهِمِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَلَّا يَكْفِيَ عِلْمُهُمَا بِالْقِيمَةِ، بَلْ يُشْتَرَطُ مَعَهُ قَصْدُهُمَا اسْتِثْنَاءَ الْقِيمَةِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ «الْمُسْتَظْهَرِيِّ» فِيمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمَا حَالَ الْعَقْدِ قِيمَةَ الدِّينَارِ بِالدَّرَاهِمِ،

(3/364)


ثُمَّ عَلِمَا فِي الْحَالِ طَرِيقَيْنِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ كَمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي: عَلَى وَجْهَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، لَمْ يَصِحَّ.
فَرْعٌ:
إِذَا بَاعَ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، اشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِنَوْعِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدٌ وَاحِدٌ، أَوْ نُقُودٌ يَغْلِبُ التَّعَامُلُ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، انْصَرَفَ الْعَقْدُ إِلَى الْمَعْهُودِ وَإِنْ كَانَ فُلُوسًا، إِلَّا أَنْ يُعَيَّنَ غَيْرُهُ. فَإِنْ كَانَ نَقْدُ الْبَلَدِ مَغْشُوشًا، فَفِي صِحَّةِ الْمُعَامَلَةِ بِهِ وَجْهَانِ ذَكْرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ «الزَّكَاةِ» ، إِلَّا أَنَّا خَصَّصْنَاهُمَا بِمَا إِذَا كَانَ قَدْرُ النَّقْرَةِ مَجْهُولًا، وَرُبَّمَا نَقَلَ الْعِرَاقِيُّونَ الْوَجْهَيْنِ مُطْلَقًا، وَوَجَّهُوا الْمَنْعَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ عَمَّا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ، فَصَارَ كَمَا لَوْ شِيبَ اللَّبَنُ بِالْمَاءِ وَبِيعَ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ. وَحُكِيَ وَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْغِشُّ غَالِبًا، لَمْ يَجُزِ التَّعَامُلُ بِهَا. وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا، جَازَ. وَعَلَى الْجُمْلَةِ، الْأَصَحُّ الصِّحَّةُ مُطْلَقًا، وَعَلَى هَذَا، يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ الْعَقْدُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَلَوْ بَاعَ بِمَغْشُوشَةٍ، ثُمَّ بَانَ أَنَّ فِضَّتَهَا قَلِيلَةٌ جِدًّا، فَلَهُ الرَّدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. أَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ أَوْ نُقُودٌ لَا غَلَبَةَ لِبَعْضِهَا، فَلَا يَصِحُّ الْبَيْعُ حَتَّى يُعَيَّنَ. وَتَقْوِيمُ الْمُتْلَفِ يَكُونُ بِغَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ. فَإِنْ كَانَ فِيهِ نَقْدَانِ فَصَاعِدًا، وَلَا غَالِبَ، عَيَّنَ الْقَاضِي وَاحِدًا لِلتَّقْوِيمِ. وَلَوْ غَلَبَ مِنْ جِنْسِ الْعُرُوضِ نَوْعٌ، فَهَلْ يَنْصَرِفُ الذِّكْرُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَنْصَرِفُ كَالنَّقْدِ. وَمِنْ صُوَرِهِ: أَنْ يَبِيعَ صَاعًا مِنَ الْحِنْطَةِ بِصَاعٍ مِنْهَا أَوْ بِشَعِيرٍ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ يُحْضِرُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ. وَكَمَا يَنْصَرِفُ الْعَقْدُ إِلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ، يَنْصَرِفُ فِي الصِّفَاتِ إِلَيْهِ أَيْضًا. حَتَّى لَوْ بَاعَ بِدِينَارٍ أَوْ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَالْمَعْهُودُ فِي الْبَلَدِ الصِّحَاحُ، انْصَرَفَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْهُودُ الْمُكَسَّرَ، انْصَرَفَ إِلَيْهِ. قَالَ فِي «الْبَيَانِ» : إِلَّا أَنْ تَتَفَاوَتَ قِيمَةُ

(3/365)


الْمُكَسَّرِ، فَلَا يَصِحُّ. وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، لَوْ كَانَ الْمَعْهُودُ، أَنْ يُؤْخَذَ نِصْفُ الثَّمَنِ مِنْ هَذَا، وَنِصْفُهُ مِنْ ذَاكَ، أَوْ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى نِسْبَةٍ أُخْرَى، فَالْبَيْعُ صَحِيحٌ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ يُعْهَدُ التَّعَامُلُ بِهَذَا مَرَّةً، وَبِهَذَا مَرَّةً، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ، صَحَّ الْبَيْعُ، وَسَلَّمَ مَا شَاءَ مِنْهُمَا. وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ بَطَلَ الْبَيْعُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ نَقْدَانِ غَالِبَانِ وَأُطْلِقَ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ بِأَلْفٍ صِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْبَيْعُ بَاطِلٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ صَحِيحٌ وَيُحْمَلُ عَلَى التَّنْصِيفِ. وَيُشْبِهُ أَنْ يَجْرِيَ هَذَا الْوَجْهُ فِيمَا إِذَا قَالَ: بِعْتُ بِأَلْفٍ ذَهَبًا وَفِضَّةً.
قُلْتُ: لَا جَرَيَانَ لَهُ هُنَاكَ، وَالْفَرْقُ كَثْرَةُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَعْظُمُ الْغَرَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِدِينَارٍ صَحِيحٍ، فَجَاءَ بِصَحِيحَيْنِ وَزْنُهُمَا مِثْقَالٌ، لَزِمَهُ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ. وَإِنْ جَاءَ بِصَحِيحٍ وَزْنُهُ مِثْقَالٌ وَنِصْفٌ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : لَزِمَهُ قَبُولُهُ، وَالزِّيَادَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ. وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ، لِمَا فِي الشَّرِكَةِ مِنَ الضَّرَرِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي «الْبَيَانِ» نَحْوُ هَذَا، فَلَوْ تَرَاضَيَا بِهِ، جَازَ. وَحِينَئِذٍ لَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا كَسْرَهُ، وَامْتَنَعَ الْآخَرُ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، لِمَا فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ مِنَ الضَّرَرِ. وَلَوْ بَاعَ بِنِصْفِ دِينَارٍ صَحِيحٍ بِشَرْطِ كَوْنِهِ مُدَوَّرًا، جَازَ إِنْ كَانَ يَعُمُّ وُجُودُهُ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، فَعَلَيْهِ شَقٌّ وَزْنُهُ نِصْفُ مِثْقَالٍ. فَإِنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ صَحِيحًا أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ مِثْقَالٍ وَتَرَاضَيَا بِالشَّرِكَةِ فِيهِ، جَازَ. وَلَوْ بَاعَهُ شَيْئًا بِنِصْفِ دِينَارٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ بَاعَهُ شَيْئًا آخَرَ بِنِصْفِ دِينَارٍ صَحِيحٍ، فَإِنْ سَلَّمَ صَحِيحًا عَنْهُمَا، فَقَدْ زَادَ خَيْرًا، وَإِنْ سَلَّمَ قِطْعَتَيْنِ وَزْنُ كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ دِينَارٍ، جَازَ. فَلَوْ شَرَطَ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي تَسْلِيمَ صَحِيحٍ عَنْهُمَا، فَالْعَقْدُ الثَّانِي فَاسِدٌ، وَالْأَوَّلُ مَاضٍ

(3/366)


عَلَى الصِّحَّةِ إِنْ جَرَى الثَّانِي بَعْدَ لُزُومِهِ، وَإِلَّا، فَهُوَ إِلْحَاقُ شَرْطٍ فَاسِدٍ بِالْعَقْدِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَرْعٌ:
لَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ قَدِ انْقَطَعَ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ. وَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ، وَيُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ حَالًّا، أَوْ مُؤَجَّلًا إِلَى مُدَّةٍ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ فِيهَا، فَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا. وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا إِلَى مُدَّةٍ يُمْكِنُ نَقْلُهُ فِيهَا، صَحَّ. ثُمَّ إِنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَقَدْ أَحْضَرَهُ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ الِاسْتِبْدَالَ عَنِ الثَّمَنِ، هَلْ يَجُوزُ؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَهُوَ كَانْقِطَاعِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ. وَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، اسْتُبْدِلَ، وَلَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي وَجْهٍ: يَنْفَسِخُ. فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي الْبَلَدِ، إِلَّا أَنَّهُ عَزِيزٌ، فَإِنْ جَوَّزْنَا الِاسْتِبْدَالَ، صَحَّ الْعَقْدُ. فَإِنْ وُجِدَ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَيُسْتَبْدَلُ. وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهُ، لَمْ يَصِحَّ. فَلَوْ كَانَ النَّقْدُ الَّذِي جَرَى بِهِ التَّعَامُلُ مَوْجُودًا، ثُمَّ انْقَطَعَ. فَإِنْ جَوَّزْنَا الِاسْتِبْدَالَ، اسْتُبْدِلَ، وَإِلَّا، فَهُوَ كَانْقِطَاعِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ.
فَرْعٌ:
لَوْ بَاعَ بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مُطْلَقٍ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى نَقْدِ الْبَلَدِ، فَأَبْطَلَ السُّلْطَانُ ذَلِكَ النَّقْدَ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ إِلَّا ذَاكَ النَّقْدُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي حِنْطَةٍ فَرَخُصَتْ، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا. وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ أَجَازَ الْعَقْدَ بِذَلِكَ النَّقْدِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَهُ، كَمَا لَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ الْقَبْضِ.

(3/367)


فَرْعٌ:
لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ، كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ هَذِهِ الْأَرْضَ، أَوِ الثَّوْبَ، كُلُّ ذِرَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ هَذِهِ الْأَغْنَامَ، كُلُّ شَاةٍ بِدِرْهَمٍ، صَحَّ الْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا تَضُرُّ جَهَالَةُ جُمْلَةِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومُ التَّفْصِيلِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا يَصِحُّ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ عَشَرَةً مِنْ هَذِهِ الْأَغْنَامِ بِكَذَا، لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ عَلِمَ عَدَدَ الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ مِثْلِهِ فِي الثَّوْبِ وَالصُّبْرَةِ وَالْأَرْضِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الشِّيَاهِ تَخْتَلِفُ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ، كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، لَمْ يَصِحَّ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَصِحُّ فِي صَاعٍ فَقَطْ.
قُلْتُ: وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ كُلَّ صَاعٍ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ بِدِرْهَمٍ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ وَشَيْخُهُ الصِّحَّةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، كُلُّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ، أَوْ قَالَ مِثْلَهُ فِي الْأَرْضِ وَالثَّوْبِ، نَظَرَ، إِنْ خَرَجَ كَمَا ذَكَرَ، صَحَّ الْبَيْعُ. وَإِنْ خَرَجَ زَائِدًا أَوْ نَاقِصًا، فَفِيهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ، لِإِشَارَتِهِ إِلَى الصُّبْرَةِ وَيَلْغُو الْوَصْفُ. فَعَلَى هَذَا، إِنْ خَرَجَ نَاقِصًا، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ. فَإِنْ أَجَازَ، فَهَلْ يُجِيزُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِمُقَابَلَةِ الصُّبْرَةِ بِهِ، أَمْ بِالْقِسْطِ لِمُقَابَلَةِ كُلِّ صَاعٍ بِدِرْهَمٍ؟ وَجْهَانِ. وَإِنْ خَرَجَ زَائِدًا، فَلِمَنْ تَكُونُ الزِّيَادَةُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لِلْمُشْتَرِي، فَلَا خِيَارَ لَهُ قَطْعًا، وَلَا لِلْبَائِعِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي: يَكُونُ لِلْبَائِعِ، فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عَلَى الْأَصَحِّ.

(3/368)


فَرْعٌ:
هَذَا الَّذِي سَبَقَ، هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا، فَلَا تُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ. فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ، أَوْ بِعْتُكَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، صَحَّ وَتَكْفِي الْمُشَاهَدَةُ، لَكِنْ هَلْ يُكْرَهُ بَيْعُ الصُّبْرَةِ جُزَافًا؟ قَوْلَانِ.
قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا: يُكْرَهُ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَكَذَا الْبَيْعُ بِصُبْرَةِ الدَّرَاهِمِ مَكْرُوهٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَتِ الصُّبْرَةُ عَلَى مَوْضِعٍ مِنَ الْأَرْضِ فِيهِ ارْتِفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ، أَوْ بَاعَ السَّمْنَ أَوْ نَحْوَهُ فِي ظَرْفٍ مُخْتَلِفِ الْأَجْزَاءِ رِقَّةً وَغِلَظًا، فَثَلَاثُ طُرُقٍ. أَصَحُّهَا: أَنَّ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ قَوْلَيْ بَيْعِ الْغَائِبِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ، وَالثَّالِثُ: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى الْمُحَقِّقِينَ. فَإِنْ قُلْنَا: بِالصِّحَّةِ فَوَقْتُ الْخِيَارِ هُنَا مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الصُّبْرَةِ، أَوِ التَّمَكُّنُ مِنْ تَخْمِينِهِ بِرُؤْيَةِ مَا تَحْتَهَا، وَإِنْ قُلْنَا: بِالْبُطْلَانِ، فَلَوْ بَاعَ الصُّبْرَةَ وَالْمُشْتَرِي يَظُنُّهَا عَلَى اسْتِوَاءِ الْأَرْضِ، ثُمَّ بَانَ تَحْتَهَا دَكَّةٌ، فَهَلْ نَتَبَيَّنُ بُطْلَانَ الْعَقْدِ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: لَا، وَلَكِنْ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، كَالْعَيْبِ وَالتَّدْلِيسِ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «الشَّامِلِ» وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ:
لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الصُّبْرَةَ إِلَّا صَاعًا، فَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الصِّيعَانِ، صَحَّ، وَإِلَّا، فَلَا.

(3/369)

فَصْلٌ وَأَمَّا الصِّفَةُ: فَفِيهَا مَسَائِلُ:

إِحْدَاهَا: فِي بَيْعِ الْأَعْيَانِ الْغَائِبَةِ وَالْحَاضِرَةِ الَّتِي لَمْ تُرَ، قَوْلَانِ. قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَ «الْإِمْلَاءِ» : وَالصَّرْفُ مِنَ الْجَدِيدِ يَصِحُّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، وَقَالَ بِتَصْحِيحِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا، وَأَفْتَوْا بِهِ، مِنْهُمُ، الْبَغَوِيُّ، والرُّويَانِيُّ. وَقَالَ فِي «الْأُمِّ» وَ «الْبُوَيْطِيُّ» : لَا يَصِحُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ. وَفِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ، ثَلَاثُ طُرُقٍ. أَصَحُّهَا: أَنَّهُمَا فِيمَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِلَا فَرْقٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا فِيمَا شَاهَدَهُ الْبَائِعُ دُونَ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْهُ الْبَائِعُ، فَبَاطِلٌ قَطْعًا. وَالثَّالِثُ: إِنْ رَآهُ الْمُشْتَرِي، صَحَّ قَطْعًا، وَإِلَّا، فَالْقَوْلَانِ.
الثَّانِيَةُ: الْقَوْلَانِ فِي شِرَاءِ الْغَائِبِ وَبَيْعِهِ يَجْرِيَانِ فِي إِجَارَتِهِ، وَفِيمَا إِذَا أَجَّرَ بِعَيْنٍ غَائِبَةٍ، أَوْ صَالَحَ عَلَيْهَا، أَوْ جَعَلَهَا رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ وَسَلَّمَهَا فِي الْمَجْلِسِ. أَمَّا إِذَا أَصْدَقَهَا عَيْنًا غَائِبَةً، أَوْ خَالَعَهَا عَلَيْهَا، أَوْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى عَيْنٍ غَائِبَةٍ، فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ قَطْعًا. وَفِي صِحَّةِ الْمُسَمَّى، الْقَوْلَانِ. فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الرَّجُلِ فِي النِّكَاحِ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ فِي الْخُلْعِ، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ عَلَى الْمَعْفُوِّ عَنْهُ. وَيَجْرِيَانِ فِي رَهْنِ الْغَائِبِ وَهِبَتِهِ، وَهُمَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ؛ لِعَدَمِ الْغَرَرِ. وَلِهَذَا، إِذَا صَحَّحْنَاهُمَا، فَلَا خِيَارَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ.
الثَّالِثَةُ: إِنْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْغَائِبِ وَشِرَاؤُهُ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُ الْأَعْمَى وَشِرَاؤُهُ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ أَيْضًا، إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى رُؤْيَتِهِ، فَيَكُونُ كَبَيْعِ الْغَائِبِ عَلَى أَنْ لَا خِيَارَ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ، وَيُقَامُ وَصْفُ غَيْرِهِ لَهُ مَقَامَ رُؤْيَتِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ، لَمْ يَصِحَّ

(3/370)


مِنْهُ الْإِجَارَةُ وَالرَّهْنُ وَالْهِبَةُ أَيْضًا. وَهَلْ لَهُ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدَهُ؟ قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : لَا. وَقَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : الْمَذْهَبُ جَوَازُهُ، تَغْلِيبًا لِلْعِتْقِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ، وَلِلْعَبْدِ الْأَعْمَى أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ، وَأَنْ يَقْبَلَ الْكِتَابَةَ عَلَى نَفْسِهِ لِعِلْمِهِ بِنَفْسِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَ. وَإِذَا زَوَّجَ مُوَلِّيَتَهُ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْعَمَى غَيْرُ قَادِحٍ فِي الْوِلَايَةِ، وَالصَّدَاقَ عَيْنُ مَالٍ، لَمْ يَثْبُتِ الْمُسَمَّى، وَكَذَا لَوْ خَالَعَ الْأَعْمَى عَلَى مَالٍ. أَمَّا إِذَا أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، أَوْ أَسْلَمَ إِلَيْهِ، فَيَنْظُرُ، إِنْ عَمِيَ بَعْدَ بُلُوغِهِ سِنَّ التَّمْيِيزِ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ الْأَوْصَافَ، ثُمَّ يُوَكِّلُ مَنْ يَقْبِضُ عَنْهُ عَلَى الْوَصْفِ الْمَشْرُوطِ، وَلَا يَصِحُّ قَبْضُهُ بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمُسْتَحِقِّ وَغَيْرِهِ. وَإِنْ خُلِقَ أَعْمَى، أَوْ عَمِيَ قَبْلَ التَّمْيِيزِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْأَكْثَرِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ: الصِّحَّةُ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ بِالسَّمَاعِ. فَعَلَى هَذَا، إِنَّمَا يَصِحُّ إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ مَوْصُوفًا مُعَيَّنًا فِي الْمَجْلِسِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا، فَهُوَ كَبَيْعِهِ الْعَيْنَ. ثُمَّ كُلُّ مَا لَا يَصِحُّ مِنَ الْأَعْمَى مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، فَطَرِيقُهُ أَنْ يُوَكِّلَ، وَيُحْتَمَلُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ.
قُلْتُ: لَوْ كَانَ الْأَعْمَى رَأَى شَيْئًا مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ، صَحَّ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ إِيَّاهُ إِذَا صَحَّحْنَا ذَلِكَ مِنَ الْبَصِيرِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا لَمْ نُجَوِّزْ بَيْعَ الْغَائِبِ وَشِرَاءَهُ، فَعَلَيْهِ فُرُوعٌ.
أَحَدُهَا: لَوِ اشْتَرَى غَائِبًا رَآهُ قَبْلَ الْعَقْدِ، نَظَرَ، إِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَتَغَيَّرُ غَالِبًا، كَالْأَرْضِ، وَالْأَوَانِي، وَالْحَدِيدِ، وَالنُّحَاسِ، وَنَحْوِهَا، أَوْ كَانَ لَا يَتَغَيَّرُ فِي الْمُدَّةِ الْمُتَخَلِّلَةِ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ وَالشِّرَاءِ، صَحَّ الْعَقْدُ؛ لِحُصُولِ الْعِلْمِ الْمَقْصُودِ. وَقَالَ الْأَنْمَاطِيُّ: لَا يَصِحُّ، وَهُوَ شَاذٌّ مَرْدُودٌ. فَإِذَا صَحَّحْنَاهُ، فَوَجَدَهُ كَمَا رَآهُ أَوَّلًا، فَلَا خِيَارَ. وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، وَلَهُ الْخِيَارُ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ.

(3/371)


وَذَكَرَ فِي «الْوَسِيطِ» وَجْهًا: أَنَّهُ يَتَبَيَّنُ بُطْلَانُ الْبَيْعِ لِتَبَيُّنِ انْتِفَاءِ الْمَعْرِفَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتَغَيُّرِهِ حُدُوثَ عَيْبٍ، فَإِنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ لَا يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، بَلِ الرُّؤْيَةُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ فِي الصِّفَاتِ الْكَائِنَةِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ. فَكُلُّ مَا فَاتَ مِنْهَا، فَهُوَ كَتَبَيُّنِ الْخُلْفِ فِي الشَّرْطِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يَتَغَيَّرُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ غَالِبًا، بِأَنْ رَأَى مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ مِنَ الْأَطْعِمَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بَعْدَ مُدَّةٍ صَالِحَةٍ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ. وَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَتَغَيَّرَ، أَوْ كَانَ حَيَوَانًا، فَالْأَصَحُّ الصِّحَّةُ. فَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، فَلَهُ الْخِيَارُ. وَإِذَا اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: تَغَيَّرَ. وَقَالَ الْبَائِعُ: هُوَ بِحَالِهِ، فَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ يَدَّعِي عَلَيْهِ عِلْمَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَلَمْ يَقْبَلْ كَادِّعَائِهِ اطِّلَاعَهُ عَلَى الْعَيْبِ. وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ.
الثَّانِي: اسْتِقْصَاءُ الْأَوْصَافِ عَلَى الْحَدِّ الْمُعْتَبَرِ فِي السَّلَمِ، هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيَةِ - وَكَذَا سَمَاعُ وَصْفِهِ - بِطُرُقِ التَّوَاتُرِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ.
الثَّالِثُ: لَوْ رَأَى بَعْضَ الشَّيْءِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ عَلَى الْبَاقِي، صَحَّ الْبَيْعُ قَطْعًا، وَذَلِكَ مِثْلُ رُؤْيَةِ ظَاهِرِ صُبْرَةِ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا. ثُمَّ لَا خِيَارَ إِذَا رَأَى بَاطِنَهَا، إِلَّا إِذَا خَالَفَ ظَاهِرَهَا. وَحُكِيَ قَوْلٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي رُؤْيَةُ ظَاهِرِ الصُّبْرَةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقَلِّبَهَا لِيَعْرِفَ بَاطِنَهَا، وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ. وَفِي مَعْنَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، صُبْرَةُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالدَّقِيقِ. فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْهَا فِي وِعَاءٍ، فَرَأَى أَعْلَاهُ، أَوْ رَأَى أَعْلَى السَّمْنِ وَالْخَلِّ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ فِي ظُرُوفِهَا، كَفَى. وَلَوْ كَانَتِ الْحِنْطَةُ فِي بَيْتٍ مَمْلُوءٍ مِنْهَا، فَرَأَى بَعْضَهَا مِنَ الْكُوَّةِ أَوِ الْبَابِ، كَفَى إِنْ عَرَفَ سِعَةَ الْبَيْتِ وَعُمْقِهِ، وَإِلَّا، فَلَا. وَكَذَا حُكْمُ الْجَمَدِ فِي الْمُجَمَّدَةِ. وَلَا تَكْفِي رُؤْيَةُ صُبْرَةِ الْبِطِّيخِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالرُّمَّانِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا. وَلَا يَكْفِي فِي سَلَّةِ الْعِنَبِ وَالْخَوْخِ وَنَحْوِهِمَا، رُؤْيَةُ أَعْلَاهَا؛ لِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافِ فِيهَا، بِخِلَافِ الْحُبُوبِ. وَأَمَّا التَّمْرُ، فَإِنْ لَمْ تَلْزَقْ حَبَّاتُهُ، فَصُبْرَتُهُ

(3/372)


كَصُبْرَةِ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ. وَإِنِ الْتَزَقَتْ كَالْقَوْصَرَّةِ، كَفَى رُؤْيَةُ أَعْلَاهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَأَمَّا الْقُطْنُ فِي الْعِدْلِ، فَهَلْ تَكْفِي رُؤْيَةُ أَعْلَاهُ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ جَمِيعِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الصَّيْمَرِيُّ وَقَالَ: الْأَشْبَهُ عِنْدِي، أَنَّهُ كَقَوْصَرَّةِ التَّمْرِ.
الرَّابِعُ: لَوْ أَرَاهُ أُنْمُوذَجًا وَبَنَى أَمْرَ الْبَيْعِ عَلَيْهِ، نَظَرَ، إِنْ قَالَ: بِعْتُكَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَذَا، فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ مَالًا وَلَمْ يُرَاعِ شُرُوطَ السَّلَمِ، وَلَا يَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الْوَصْفِ فِي السَّلَمِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ بِاللَّفْظِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ النِّزَاعِ. وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ الْحِنْطَةَ الَّتِي فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَهَذَا الْأُنْمُوذَجُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلِ الْأُنْمُوذَجُ فِي الْبَيْعِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ. وَإِنْ أَدْخَلَهُ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَسْأَلَةَ الْأُنْمُوذَجِ، مَفْرُوضَةٌ فِي الْمُتَمَاثِلَاتِ.
الْخَامِسُ: إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا لَا يُسْتَدَلُّ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِ عَلَى الْبَاقِي. فَإِنْ كَانَ الْمَرْئِيُّ صِوَانًا لَهُ، كَقِشْرِ الرُّمَّانِ وَالْبَيْضِ، كَفَى رُؤْيَتُهُ، وَكَذَا شِرَاءُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي الْقِشْرِ الْأَسْفَلِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ اللُّبِّ وَحْدَهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَهُ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِكَسْرِ الْقِشْرِ فَيَنْقُصُ عَيْنُ الْمَبِيعِ. وَلَوْ رَأَى الْمَبِيعَ مِنْ وَرَاءِ قَارُورَةٍ هُوَ فِيهَا، لَمْ يَكْفِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ التَّامَّةَ لَا تَحْصُلُ بِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ صَلَاحٌ لَهُ، بِخِلَافِ السَّمَكِ يَرَاهُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي، يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَكَذَا الْأَرْضُ يَعْلُوهَا مَاءٌ صَافٍ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ صَلَاحِهِمَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ تَكْفِ رُؤْيَةُ الْبَعْضِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي تَفَرَّعَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَيَأْتِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ.
السَّادِسُ: الرُّؤْيَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِهِ. فَفِي شِرَاءِ الدَّارِ، لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ الْبُيُوتِ، وَالسُّقُوفِ وَالسُّطُوحِ، وَالْجُدْرَانِ، دَاخِلًا وَخَارِجًا، وَالْمُسْتَحَمِّ وَالْبَالُوعَةِ. وَفِي الْبُسْتَانِ، يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الْأَشْجَارِ، وَالْجُدْرَانِ، وَمَسَايِلِ الْمَاءِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى رُؤْيَةِ أَسَاسِ الْبُنْيَانِ وَعُرُوقِ الْأَشْجَارِ وَنَحْوِهِمَا. وَقِيلَ: فِي

(3/373)


اشْتِرَاطِ رُؤْيَةِ طَرِيقِ الدَّارِ، وَمَجْرَى الْمَاءِ الَّذِي تَدُورُ بِهِ الرَّحَى، وَجْهَانِ. وَيُشْتَرَطُ فِي شِرَاءِ الْعَبْدِ رُؤْيَةُ الْوَجْهِ، وَالْأَطْرَافِ، وَلَا يَجُوزُ رُؤْيَةُ الْعَوْرَةِ. وَفِي بَاقِي الْبَدَنِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الِاشْتِرَاطُ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبَا «التَّهْذِيبِ» وَ «الرَّقْمِ» . وَفِي الْجَارِيَةِ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: كَالْعَبْدِ. وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ مَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْخِدْمَةِ. وَالثَّالِثُ: تَكْفِي رُؤْيَةُ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَفِي الْأَسْنَانِ وَاللِّسَانِ، وَجْهَانِ. وَيُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ الشَّعْرِ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنَّهَا كَالْعَبْدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّوَابِّ رُؤْيَةُ مُقَدَّمِهَا، وَمُؤَخَّرِهَا وَقَوَائِمِهَا، وَيُشْتَرَطُ رَفْعُ السَّرْجِ وَالْإِكَافِ، وَالْجُلِّ. وَفِي وَجْهٍ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَجْرِيَ الْفَرَسُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَعْرِفَ سَيْرَهُ، وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّوْبِ الْمَطْوِيِّ نَشْرُهُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُصَحَّحَ بَيْعُ الثِّيَابِ الَّتِي لَا تُنْشَرُ أَصْلًا إِلَّا عِنْدَ الْقَطْعِ، لِمَا فِي نَشْرِهَا مِنَ النَّقْصِ.
قُلْتُ: قَالَ الْقَفَّالُ فِي «شَرْحِ التَّلْخِيصِ» : لَوِ اشْتَرَى الثَّوْبَ الْمَطْوِيَّ وَصَحَّحْنَاهُ، فَنَشَرَهُ، وَاخْتَارَ الْفَسْخَ، وَكَانَ لِطَيِّهِ مُؤْنَةٌ، وَلَمْ يُحْسِنْ طَيَّهُ، لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ مُؤْنَةُ الطَّيِّ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا وَنَقَلَهُ إِلَى بَيْتِهِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا، فَإِنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِذَا نُشِرَتْ، فَمَا كَانَ صَفِيقًا كَالدِّيبَاجِ الْمُنَقَّشِ، فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ وَجْهَيْهِ، وَكَذَا الْبُسُطُ وَالزِّلَّالِيُّ. وَمَا كَانَ رَقِيقًا، لَا يَخْتَلِفُ وَجْهَاهُ، كَالْكِرْبَاسِ، كَفَى رُؤْيَةُ أَحَدِ وَجْهَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الثِّيَابِ التُّوزِيَّةِ فِي الْمُسُوحِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَلَا بُدَّ فِي شِرَاءِ الْمُصْحَفِ وَالْكُتُبِ مِنْ تَقْلِيبِ الْأَوْرَاقِ وَرُؤْيَةِ جَمِيعِهَا. وَفِي الْوَرَقِ الْبَيَاضِ، لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ جَمِيعِ الطَّاقَاتِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ: الْفُقَّاعُ يُفْتَحُ رَأْسُهُ فَيَنْظُرُ فِيهِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، لِيَصِحَّ بَيْعُهُ. وَأَطْلَقَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْإِحْيَاءِ» : الْمُسَامَحَةُ بِهِ.

(3/374)


قُلْتُ: الْأَصَحُّ: قَوْلُ الْغَزَالِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: إِذَا جَوَّزْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ، فَعَلَيْهِ فُرُوعٌ.
أَحَدُهَا: بَيْعُ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ بَاطِلٌ. فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ مِنَ اللَّبَنِ الَّذِي فِي ضَرْعِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ كَذَا، لَمْ يَجُزْ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ وُجُودِ ذَلِكَ الْقَدْرِ. وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَا بَيْعِ الْغَائِبِ. وَلَوْ حَلَبَ شَيْئًا مِنَ اللَّبَنِ فَأَرَاهُ، ثُمَّ بَاعَهُ رَطْلًا مِمَّا فِي الضَّرْعِ، فَوَجْهَانِ كَالْأُنْمُوذَجِ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ الْوَجْهَيْنِ، فِيمَا لَوْ قَبَضَ قَدْرًا مِنَ الضَّرْعِ وَأَحْكَمَ شَدَّهُ وَبَاعَ مَا فِيهِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ فِي الصُّورَتَيْنِ الْبُطْلَانُ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِطُ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَنْصَبُّ فِي الضَّرْعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِي: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ. وَفِي وَجْهٍ: يَجُوزُ بِشَرْطِ الْجَزِّ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَيَجُوزُ بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ بَعْدَ الذَّكَاةِ، وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ.
الثَّالِثُ: بَيْعُ الشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ قَبْلَ السَّلْخِ، بَاطِلٌ، سَوَاءٌ بِيعَ الْجِلْدُ وَاللَّحْمُ مَعًا، أَوْ أَحَدُهُمَا. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَكَارِعِ وَالرُّءُوسِ قَبْلَ الْإِبَانَةِ. وُفِي الْأَكَارِعِ وَجْهٌ شَاذٌّ. وَيَجُوزُ بَيْعُهَا بَعْدَ الْإِبَانَةِ نَيِّئَةً وَمَشْوِيَّةً. وَكَذَا الْمَسْمُوطُ نَيِّئًا وَمَشْوِيًّا. وَفِي النَّيِّءِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ.
الرَّابِعُ: بَيْعُ الْمِسْكِ فِي الْفَأْرَةِ، بَاطِلٌ، سَوَاءٌ بِيعَ مَعَهَا أَوْ دُونَهَا، كَاللَّحْمِ فِي الْجِلْدِ، سَوَاءٌ فَتَحَ رَأْسَ الْفَأْرَةِ، أَمْ لَا. وَقَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : إِذَا كَانَتْ مَفْتُوحَةً، نَظَرَ، إِنْ لَمْ يَتَفَاوَتْ ثَخْنُهُا، وَشَاهَدَ الْمِسْكَ فِيهَا، صَحَّ الْبَيْعُ، وَإِلَّا، فَلَا. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ الْفَأْرَةِ مُطْلَقًا، كَالْجَوْزِ. وَلَوْ رَأَى الْمِسْكَ خَارِجَ الْفَأْرَةِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ بَعْدَ الرَّدِّ إِلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ رَأْسُهَا مَفْتُوحًا فَرَآهُ، جَازَ، وَإِلَّا، فَعَلَى قَوْلَيْ بَيْعِ الْغَائِبِ.

(3/375)


قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ بَاعَ الْمِسْكَ الْمُخْتَلِطَ بِغَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَجْهُولٌ. كَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ اللَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِمَاءٍ. وَلَوْ بَاعَ سَمْنًا فِي ظَرْفٍ، وَرَأَى أَعْلَاهُ مَعَ ظَرْفِهِ أَوْ دُونَهُ، صَحَّ. فَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِظَرْفِهِ، كُلُّ رَطْلٍ بِدِرْهَمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلظَّرْفِ قِيمَةٌ، بَطَلَ. وَإِنْ كَانَ، فَقَدْ قِيلَ: يَصِحُّ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا، كَمَا لَوْ بَاعَ فَوَاكِهَ مُخْتَلِطَةً، أَوْ حِنْطَةً مُخْتَلِطَةً بِشَعِيرٍ وَزْنًا أَوْ كَيْلًا. وَقِيلَ: بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ السَّمْنُ، وَهُوَ مَجْهُولٌ، بِخِلَافِ الْفَوَاكِهِ، فَكُلُّهَا مَقْصُودَةٌ. وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَا وَزْنَ الظَّرْفِ وَالسَّمْنِ، جَازَ، وَإِلَّا، فَلَا، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ مُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ. وَإِنْ بَاعَ الْمِسْكَ بِفَأْرَةٍ، كُلُّ مِثْقَالٍ بِدِينَارٍ، فَكَالسَّمْنِ بِظَرْفِهِ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسُ: لَوْ رَأَى بَعْضَ الثَّوْبِ، وَبَعْضُهُ الْآخَرُ فِي صُنْدُوقٍ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْغَائِبِ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: بَاطِلٌ قَطْعًا. وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ شَيْئَيْنِ، رَأَى أَحَدَهُمَا فَقَطْ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ، بَطَلَ فِيمَا لَمْ يَرَهُ، وَفِي الْمَرْئِيِّ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَإِلَّا، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ فِيهِمَا، الْقَوْلَانِ فِيمَنْ جَمَعَ فِي صَفْقَةٍ بَيْنَ مُخْتَلِفَيِ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ مَا رَآهُ لَا خِيَارَ فِيهِ، وَمَا لَمْ يَرَهُ فِيهِ الْخِيَارَ. فَإِنْ صَحَّحْنَا، فَلَهُ رَدُّ مَا لَمْ يَرَهُ وَإِمْسَاكُ مَا رَآهُ.
السَّادِسُ: إِذَا لَمْ يَشْرُطِ الرُّؤْيَةَ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ جِنْسِ الْمَبِيعِ وَنَوْعِهِ، بِأَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ عَبْدِيَ التُّرْكِيَّ، أَوْ فَرَسِيَ الْعَرَبِيَّ. وَلَا يَكْفِي: بِعْتُكَ مَا فِي كُمِّي أَوْ كَفِّي أَوْ خِزَانَتِي، أَوْ مِيرَاثِي مِنْ فُلَانٍ، إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُشْتَرِي. وَفِي وَجْهٍ: يَكْفِي. وَفِي وَجْهٍ آخَرَ: يَكْفِي ذِكْرُ الْجِنْسِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى النَّوْعِ، فَيَقُولُ: عَبْدِي، وَهُمَا شَاذَّانِ ضَعِيفَانِ. وَإِذَا ذَكَرَ الْجِنْسَ وَالنَّوْعَ، لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى ذِكْرِ الصِّفَاتِ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ فِي «الْإِمْلَاءِ» وَالْقَدِيمِ. وَفِي وَجْهٍ: يَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُعْظَمِ الصِّفَاتِ، وَضَبْطُ ذَلِكَ بِمَا يَصِفُ بِهِ الْمُدَّعَى عِنْدَ الْقَاضِي، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ. وَفِي وَجْهٍ أَضْعَفَ

(3/376)


مِنْهُ: يَفْتَقِرُ إِلَى صِفَاتِ السَّلَمِ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ. فَعَلَى الْأَصَحِّ: لَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ مِنْ أَنْوَاعٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ يَقَعُ بِهَا التَّمْيِيزُ كَالتَّعَرُّضِ لِلسِّنِّ أَوْ غَيْرِهِ.
السَّابِعُ: إِذَا قُلْنَا: يُشْتَرَطُ الْوَصْفُ فَوَصَفَ، فَإِنْ وَجَدَهُ كَمَا وَصَفَ، فَلَهُ الْخِيَارُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَهُ الْخِيَارُ قَطْعًا. وَإِنْ وَجَدَهُ دُونَ وَصْفِهِ، فَلَهُ الْخِيَارُ قَطْعًا. وَإِنْ قُلْنَا: لَا حَاجَةَ إِلَى الْوَصْفِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، سَوَاءٌ شَرَطَ الْخِيَارَ، أَمْ لَا. وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ إِلَّا أَنْ يَشْرُطَهُ. وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ. وَهَلْ لَهُ الْخِيَارُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَنْفُذُ فَسْخُهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، وَلَا تَنْفُذُ إِجَازَتُهُ. وَالثَّانِي: يَنْفُذَانِ. وَالثَّالِثُ: لَا يَنْفُذَانِ. وَأَمَّا الْبَائِعُ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ رَأَى الْمَبِيعَ، أَمْ لَا. وَقِيلَ: لَهُ الْخِيَارُ فِي الْحَالَيْنِ. وَقِيلَ: لَهُ الْخِيَارُ إِنْ لَمْ يَكُنْ رَآهُ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ وَمُتَابِعُوهُ كَالْمُشْتَرِي. ثُمَّ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ حَيْثُ ثَبَتَ، هَلْ هُوَ عَلَى الْفَوْرِ، أَمْ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ مَجْلِسِ الرُّؤْيَةِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَمْتَدُّ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى وَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَثْبُتُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ مَعَ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ كَشِرَاءِ الْعَيْنِ الْحَاضِرَةِ، أَمْ لَا يَثْبُتُ لِلِاسْتِغْنَاءِ بِخِيَارِ الرُّؤْيَةِ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ: خِيَارُ الرُّؤْيَةِ عَلَى الْفَوْرِ، لِئَلَّا يَثْبُتَ خِيَارُ مَجْلِسَيْنِ. وَعَلَى الثَّانِي: يَمْتَدُّ.
الثَّامِنُ: لَوْ تَلِفَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، فَفِي انْفِسَاخِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ، كَنَظِيرِهِ فِي خِيَارِ الشَّرْطِ. وَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ، لَمْ يَصِحَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَهُ فِي زَمَنِ خِيَارِ الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُجِيزًا لِلْعَقْدِ، وَهُنَا لَا إِجَازَةَ قَبْلَ الرُّؤْيَةِ.
التَّاسِعُ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُوَكِّلَ فِي الرُّؤْيَةِ مَنْ يَفْسَخُ أَوْ يُجِيزُ مَا يَسْتَصْوِبُهُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَجُوزُ كَالتَّوْكِيلِ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ وَالْخُلْفِ. وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ خِيَارُ شَهْوَةٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْصٍ وَلَا غَرَضٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، يُوَكِّلُ فِي الِاخْتِيَارِ.
الْعَاشِرُ: نَقَلَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» وَالرُّويَانِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ يُعْتَبَرُ عَلَى قَوْلِ اشْتِرَاطِ

(3/377)


الرُّؤْيَةِ، الذَّوْقُ فِي الْخَلِّ وَنَحْوُهُ، وَالشَّمُّ فِي الْمِسْكِ وَنَحْوُهُ، وَاللَّمْسُ فِي الثِّيَابِ وَنَحْوُهَا، وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّهَا لَا تُعْتَبَرُ.
الْحَادِيَ عَشَرَ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَوْضِعِ الْمَبِيعِ الْغَائِبِ. فَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّبَايُعِ، وَجَبَ تَسْلِيمُهُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَسْلِيمِهِ فِي بَلَدِ التَّبَايُعِ. بِخِلَافِ السَّلَمِ، فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ. وَالْعَيْنُ الْغَائِبَةُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتِرَاطُ نَقْلِهَا، يَكُونُ بَيْعًا وَشَرْطًا.
الثَّانِيَ عَشَرَ: لَوْ رَأَى ثَوْبَيْنِ فَسَرَقَ أَحَدَهُمَا، فَاشْتَرَى الْبَاقِيَ وَلَا يَعْلَمُ أَيَّهُمَا الْمَسْرُوقُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْوَسِيطِ» : إِنْ تَسَاوَتْ صِفَتُهُمَا وَقَدْرُهُمَا وَقِيمَتُهُمَا، كَنِصْفَيْ كِرْبَاسٍ وَاحِدٍ، صَحَّ قَطْعًا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، خَرَجَ عَلَى بَيْعِ الْغَائِبِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: إِذَا لَمْ نَشْرُطِ الرُّؤْيَةَ، فَاخْتَلَفَا، فَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي: رَأَيْتَ الْمَبِيعَ فَلَا خِيَارَ لَكَ، فَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ شَرَطْنَا الرُّؤْيَةَ فَاخْتَلَفَا، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ إِقْدَامَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْعَقْدِ، اعْتِرَافٌ بِصِحَّتِهِ، وَلَا يَنْفَكُّ هَذَا عَنْ خِلَافٍ.
قُلْتُ: هَذِهِ مَسْأَلَةُ اخْتِلَافِهِمَا فِي مُفْسِدٍ لِلْعَقْدِ، وَفِيهَا الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ. وَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، وَعَلَيْهِ فَرَّعَهَا الْغَزَالِيُّ.
وَبَقِيَتْ مَسَائِلُ تَعْلَقُ بِالْبَابِ، مِنْهَا بَيْعُ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فِيهِ خِلَافٌ قَدَّمْتُهُ فِي أَوَاخِرِ الْحَجِّ. وَبَيْعُ أَشْجَارِ الْحَرَمِ وَصَيْدِهِ، حَرَامٌ بَاطِلٌ. قَالَ الْقَفَّالُ: إِلَّا أَنْ يَقْطَعَ شَيْئًا يَسِيرًا لِدَوَاءٍ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ حِينَئِذٍ. وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ كَالطَّعَامِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ أَكْلُهُ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. قَالَ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : حُكْمُ شَجَرِ النَّقِيعِ - بِالنُّونِ - الَّذِي هُوَ الْحِمَى، حُكْمُ أَشْجَارِ الْحَرَمِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَمِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنْ بَيْعِ نَصِيبِهِ مِنَ الْمَاءِ الْجَارِي مِنَ النَّهْرِ. قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي «اللُّبَابِ» : هَذَا بَاطِلٌ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ مَعْلُومِ الْقَدْرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ

(3/378)


غَيْرُ مَمْلُوكٍ، وَسَيَأْتِي هَذَا مَعَ غَيْرِهِ مَبْسُوطًا فِي آخِرِ كِتَابِ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

0 التعليقات