Sunday, May 4, 2014

التوسل ليس من مباحث الاعتقاد

التوسل ليس من مباحث الاعتقاد


الفهرس



التوسل ليس من مباحث الاعتقاد

التوسل من موضوعات الفروع، لأن حقيقته اتخاذ وسيلة، أى قربة إلى الله تعالى، قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ، وابتغوا إليه الوسيلة }

والتوسل على أنواعٍ وأمره يدور بين الجواز والندب، والحرمة، وما كان أمره كذلك فهو من الأحكام الشرعية التي موضوعها علم الفقه، وإقحام موضوعات الفقه في التوحيد والعقائد خطأ يجب مجانبته .

وهذا الإمام أبو حنيفة يقول : (( ويُكره أن يقول الرجل في دعائه : أسألك بمعقد العزِّ من عرشك )) . اهـ ( الجامع الصغير للإمام محمد ص 395 مع النافع الكبير ) .

فعبر الإمام أبو حنيفة رحمة الله تعالى بقوله ((يُكْرَهُ))، فدار الأمر بين الكراهية التنزيهية أو التحريمية ، كما قرره أصحابه في كتاب (( الكراهية )) أو (( الحظر والإباحة )) من مصنفاتهم الفقهية .

والسادة الفقهاء يذكرون استحباب التوسل أو جوازه، في باب الاستسقاء في كتاب الصلاة وعند زيارة قبر النبي (ص) في كتاب الحج .
أما سلك بحث التوسل في العقائد ، وجعله وسيلة من وسائل الشرك ، فبدعة قد حلت بالمسلمين ، ومسلكاً قج زرع العداوة بينهم ونفخ في بوق الخلاف بين الأح وأخيه والأب وابنه .

ومن قلَّب النظر في عشرات الكتب والرسائل التي يصنفها بعض المعاصرين التي تتحدث عن ((منهج أهل السنة والجماعة))، و(( أصول أهل السنَّة)) ، و ((عقيدة الفرقة الناجية)) ، و ((العقيدة الصحيحة)) . و (( مجمل أصول أهل السنة والجماعة )) . وخصائص … ، ومميزات …. وبلايا … ، لرأى الهول ، والجهل معاً ، ووقف على أنواع من التشدد كادت أن تأتي على الأخضر واليابس .

وينبغي على العقلاء كشف أوضار وأخطارهؤلاء الجهلة ومن على شاكلتهم ، من المتاجرين بالخلاف بين المسلمين .

وإنَّ المرء لا يعجب ممن يأخذ بأحد الرأين، ولكن لا ينقضى عجبه ممن يتبع أحد هذين الرأين ، ثمَّ يجعل ما اتبعه هو الحق الذي يجب المصير إليه ، ويجعل من اختيار الآخرين للرأي الآخر برهان كونهم مبتدعة يجب مفارقتهم ويجب …. ويجب …. ، فقل لي بربك أي عالم من علماء الأمة يقر هذا المسلك المتخلف العجيب ، ولطالما اُتهم كثير من عباد الله الصالحين بالإبتداع وغيره ، وعند المحاققة تجد الحق معهم ، والجهل مع غيرهم ، فإلى الله المشتكى مما آل إليه أمر المسلمين .

والنصيحة لإخواني المتشددين في هذا الباب توجب علىَّ أن أذكر بعض النصوص التي تؤيد الحق الذي ذكرته ، وعنيت بأن تكون للمانعين من التوسل :

1) قال الشيخ حسين بن غنام الإحسائي (‍1) في (( روضة الأفكار والإفهام لمرتاد حال الإمام )) :

(( (العاشرة ) قولهم في الستسقاء لا بأس بالتوسل بالصالحين ، وقول أحمد يتوسل بالنبي (ص) خاصة مع قولهم إنَّه لا يستغاث بمخلوق، فالفرق ظاهر جداً وليس الكلام مما نحن فيه فكون بعضهم يرخص بالتوسل بالصالحين وبعضهم يخصه بالنبي (ص)، و (( وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه ))(2)، هذه المسألة من مسائل الفقه، ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور أنه مكروه فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل الاجتهاد )) . انتهى من كتاب (( السهسواني )) ( ص 183 ) .

2) قال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق النجدي :

مسألة التوسل بالنبي ( ص ) وهو أن يقول القائل : اللهمَّ إني أتوسل إليك بنبيك محمد ( ص ) ، فهى مسألة مشهورة ، والكلام فيها معروف عنج أهل العلم .

فطائفة من العلماء منعوا من ذلك سواء توسل بالمنبي أو بغيره .

(1 ) من أصحاب محمد بن عبد الوهاب ، وكتابه المذكور مطبوع . انظر روضة الناظرين : (1 / 78 ) .

( 2 ) قوله : ((وأكثر العلماء )) ربما يعني الشيخ (( علماءً مخصوين عنده )) ، والصواب أن جماهير علماء الأمة على جوازه ، والشيخ مالكي ، وأهل مذهبه متفقون على جواز التوسل بالنبي ( ص ) ولا يحفظ عن أحد من المالكية قول بكراهية التوسل بالنبي (ص ) كما حققه شيخنا العلامة المحقق السيد عبد الله بن الصديق الغماري قدس الله سره في الرد المحكم المتين ( ص89 – 91 ) .

وطائفة جوزوا ذلك بالنبي(ص)لا بغيره(1)، واستدل هؤلاء بما روى الترمذي والنسائى أن النبى (ص ) علم بعض أصحابه أن يدعوا فيقول : (( اللهمَ إنِّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة ، يا رسول لله إني أتوسل بك إلىربي في حاجتي ليقضيها ، اللهم فشفعه في )) ، فاستدلوا بهذا الحديث على جواز التوسل به صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته .

وقالوا : ليس في التوسل به صلى الله عليه وسلم دعاء للمخلوق والاستغاثة به ، وإنما هو دعاء ولكن فيه بجاهه صلى الله عليه وسلم .
قالوا : وهذه مثل قوله فيما رواه بن ماجة في دعاء الخارج إلى الصلاة : (( اللهمَّ إنِّى أسألك بحق السائلين وبحق ممشاي هذا ، فإني لم أخرج إشراً ولا بطراً خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك ، أسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي جميعاً إنه لا يفر الذنوب إلا أنت )) .

هذا حاصل ما استدل به المجوزون للتوسل به ( ص ) .

وأما المانعون من ذلك فيقولون / إنَّ صح الحديث فليس فيه دليل على جواز التوسل به صلى الله عليه وآله وسلم بعد مماته وإنما جواز ذلك في حياته بحضوره .

( 1 ) لم يذكر الشيخ من جوَّز التوسل بالنبي ( ص ) وبغيره من الأنبياء والأولياء ، وهم الجماهير فتدبر .

قالوا :والدليل على صحة ما قلناه أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس رضى الله عنهما ، فقال : اللهمَّ إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبيك فتسقينا ، وإنا نتوسل بعم نبيك فاسقنا فيسقون .

ولو كان التوسل به صلى الله عليه وسلم بعد مماته مشروعاً لما عدل عمر عن النبي(ص)إلى العباس، وهذا ما ذكره العلماء في هذه المسألة(1) .

ونحن إن قلنا بالمنع من التوسل به (ص) بهذا اللفظ أو نحوه لم نعتقده من أصحية المنع، فنحن مع ذلك لا نشدد في ذلك على من فعله مستدلاً بالحديث فضلاً عن أ، نكفره )) . اهـ ( ص 33 – 34 ) .

3)وسُئل محمد بن عبد الوهاب: عن قولهم في الاستسقاء : ( لا بأس بالتوسل بالصالحين) وقول أحمد: يتوسل بالنبي(ص)خاصة مع قولهم: ((إنُّه لا يستغاث بمخلوق )) .

فأجاب بكلام منه قوله : فهذه المسألة من مسائل الفقه ، وإن كان الصواب عندنا قول الجمهور(2):إنه مكروه، فلا ننكر على من فعله، ولا

(1 ) قد تقدم أن غاية استدلاله هو استدلال بالترك ، وأجيب بأن الترك يدل على جواز ترك المتروك فقط ، على أن الصحابة توسلوا بالنبي (ص) بعد انتقاله كما في آثار عن بلال بن الحارث ، وابن عمر ، وعائشة ، والتوسل بالعباس توسل بذاته كما تقدم ، بما لا يمكن رده إلا من مكابر .

(2 ) بل العكس هو الصحيح فالجمهور على الجواز أو الندب وفي الفروع لابن مفلح الحنبلي ( 1 / 595 ) ما نصُّه : (( ويجوز التوسل بصالح وقيل يستحب ، قال أحمد في منسكه الذي كتبه للمروزي إنه يتوسل بالنبي ( ص ) في دعائه ، وجزم به في المستوعب وغيره )) . اهـ

إنكار في مسائل الإجتهاد…الخ، انظر فتاوى ابن عبد الوهاب (68: 3) .

4) وقال القِنّوجي في باب آداب الدعاء من كتب ((نزل الأبرار)) (ص37) ما نصه :

(( ومنها التوسل إلى الله سبحانه بالأنبياء ، ويدل عليه ما أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن حنيف - وذكر حديث توسل الضرير- ثم قال : ومنها التوسل بالصالحين ويدل له ما ثبت في الصحبح أن الصحابة استسقوا بالعباس عم الرسول ( ص ) ، ثم قال : ومسألة التوسل بالأنبياء والصالحين مما اختلف فيه أهل العلم اختلافاً شديداً بلغت النوبة إلى أن كفر بعضهم بعضاً أو بدع وضلل . والأمر أيسر من ذلك وأهون مما هنا للك ، وقد قضى الوطر منها صاحب كتاب ( الدين الخالص ) ، والعلامة الشوكاني في (( الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد )) .

وحاصلها : جواز التوسل بهم على ما ورد من الهيئات و على القصر على ما في الروايات، ولا يقاس عليه ولا يزاد عليه شئ، ولا نشك أنَّ من لا يرى التوسل إخلاصاً لله لعليه اثم ولا وزر .

ومن توسل فما أساء ، بل جاء بما هو جائز في الجملة، وكذلك ثبت التوسل بالأعمال الصالحة كما سبقت الإشارة إليه فيما تقدم وبالجملة ليست المسألة مستحقة لمثل تلك اللازل والقلاقل ، ولكن مفاسد الجهل والتعصب ومساوئ التقليد والتعسف لا تحصى )).اهـ.
ولابأس أن ألفت نظر القارئ الكريم لنوع من رسائل الجهل والتهويل والتضليل ، والتعدي على المسمين _ وما أكثرها _ من هذه الرسائل رسالة باسم ( وقفات مع كتاب للدعاة فقط ) يعيب المؤلف فيها على صاحب كتب للدعاة فقط مسائل منها قول الإمام حسن البنا رحمه الله تعالى : (( والدعاء إذا قرن بالتوسّل إلى الله تعالى بأحدٍمن خلقه خلافٌ فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة )) . اهـ . ( 25 ) .

وهذا حق لا مرية فيه ، ومنكره منكر للمحسوس ، ومكابر في الضروريات ، ولأن صاحب الرسالة الذكورة وقف على بعض الرسائل التي ترشح بالتهويل ، والتضليل ، وتعميق الخلاف بين المسلمين ، جرى المسكين في فلك هذه الرسائل فأبرق لمن يفتيه وفق مراده ، فأفاده بعضهم (1) بقوله المضحك المبكي :

(( التوسل في الدعاء بذوات الصالحين أو حقهم أو جاههم يعتبر أمرأً مبتدعاً، ووسيلة من وسائل الشرك ، والخلاف فيه يعتبر خلافاً في مسائل العقيدة لا في مسائل الفروع، لأن الدعاء فيه أعظم أنواع العبادة ولا يجوز فيه إلا ما ورد في الكتاب والسنَّة ….. إلخ ( ص 31 _ 32 ) .

قلت : لا يخفى أن الأحاديث والآثار الصحيحة والحسنة ترد قوله،

(1 ) هو صالح الفوزان .

ولو استحضر هذا المجيب حديثاً واحداً منها ، وليكن حديث توسل الأعمى بالنبي ( ص ) واستعمال عثمان بن حنيف له وزياد حمّاد بن سلمة الصحيحة ، وكان مع استحضاره منصفاً وترك تقليد غيره لأعرض عما تفوه به، فإن أبى ترك التقليد فأولى به تقليد إمامه في توسله بالنبي(ص) بل وجماعة من السلف كما نقله ابن تيمية في التوسل والوسيلة (65،98) فإذا كان أحمد وجماعة من السلف لا يعرفون الشرك ووسائله وعرفه هذا المستدرك عليهم فليكن ما عرفه هو سبُّ السلف وأئمة الدين ورميهم بالعظائم لا غير .

نعم الدعاء من أعظم أنواع العبادة، كلمة حق أريد بها الباطل، لكنَّ المتوسل لا يدعوا إلا الله عز وجل ، ولكنه اتباعاً لقولٍ بقول الله تعالى : (( وابتوا إليه الوسيلة )) توسل في دعائه . وهذه الوسيلة مختلف في بعض أنواعها منها ما يجوز، ومنها ما لا يجوز فالأمر فيه خلاف وهو ضعيف، ومحل هذا الخلاف موضوع علم الفقه، أما علم العقيدة أو التوحيد فيتكلم في الآلهيات والنبويات والسمعيات، فلا معنى لإدخال بحث التوسل في العقيدة وبون كبير بين العلمين .

ومن جملة ما استدل به في جوابه قول الله تعالى : (( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم )) ، (( فادعوا الله مخلصين )) .

وهذا الاستدلال عجيب لأنه استدل بخارج عن النزاع أجنبي عنه وتقدم جواب مسكت لأمثال هؤلاء عن العلامة الشوكاني .

والآية الأولى فيها طلب دعاء الله تعالى ، والثانية فيها حث على الدعاء مع الإخلاص، أما التوسل فهو اتخاذ قربة لله رغبة في إجابة الدعاء ، وهذه القربة على أنواع كما معلوم فلا تنافي بأي وجه مع الآيتين، بل التوسل يوفقهما من حيث أن يدعوا الله تعالى ولا يدعو غيره.

ثم رأيت المجيب عن السؤال إعني صالحاً الفوزان يقول في رسالة له مطبوعة باسم (( تعقيبات على كتاب السلفية ليست مذهباً )) عن التوسل : (( إنها لمسألة خطيرة تمس العقيدة ، وتجر إلى الشرك ، فكيف تكون هينة )) . اهـ .

قلت : هون على نفسك يا شيخ، فإذا كان التوسل يجر إلى الشرك فقل لي برب هؤلاء الأئمة الذين توسلوا بالنبي (ص) أحمد بن حنبل وغيره من السلف ، ومن بعدهم هل علمت أنهم انجروا إلى الشرك ؟!! حاشهم من ذلك ، وهم من أئمة الدين .

وكلامك يعني أن التوسل يستلزم بالضرورة الإنجرار للشرك ، وهو لازم باطل لا ينكره إلا مكابر .

وهذا الرجل (1) الذي يتشدد هنا التشتت الممقوت ويخالف مذهبه _

(1) هو صالح الفوزان، ودعوى البدعة والشرك عنده سهلة جدا ً، حتى أنني رأيت منسكاً له عدَّ فيه الدعاء عند القبر الشريف من الأخطاء العظيمة لأنه ( وإن كان الد اعي لا يدعو إلى الله ) بدعة ووسيلةإلى الشرك. كذا في منسكه (ص52) وغير خفي أن الدعاء عند القبر الشريف تضافرت النقول عليه عن السلف والخلف وابن تيمية نقل الدعاء عند القبر الشريف ……… =
= عن جماعات في رده على العلامة الأخنائي (ص37_38) فانظره.

ثم رأيت أن اتحف القارئ الكريم بهذه الفائدة من معجم الشيوخ للحافظ الذهبي الذي قال في (1/73-74 ) ما نصه : عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر : (( أنه كان يكره مس قبر النبي (ص) )) قلت : كره ذلك لأنه رآه إساءة أدب .

وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك إساءة أدب .

وقد سئل أحمد بن حنبل عن مس القبر النبوي وتقبيله فلم ير بذلك بأساً، ورواه عنه ولده عبد الله بن أحمد .

فإن قيل: فهلاً فعل ذلك من الصحابة قيل : لأنهم عاينوه حياً ، وتملوا به ، وقبوا يده ، وكادوا يقتتلون على وضوئه واقتسموا شعره المطهر يوم الحج الأكبر ، وكان إذا تنخم لا تكاد نخامته تقع إلا في يد رجل فيدلك بها وجهه .

ونحن فلما لا يصح لنا مثل هذا النصيب الأوفر ترامينا على قبره بالالتزام والتبجيل والاستسلام والتقبيل .

ألا ترى كيف فعل ثابت البناني ، كان يقبل يد أنس بن مالك ويضعها على وجهه ويقول : يد مست يد رسول الله ( ص ) .

وهذه الأمور لا يحركها من المسلم إلا فرط حبه للنبي ( ص ) إذ هو مأمور بأن يحب الله ورسوله أشد من حبه لنفسه ، وولده ، والناس أجمعين ، ومن أمواله ومن الجنة وحورها ، بل خلق من المؤمنين يحبون أبا بكر وعمر أكثر من حب أنفسهم .

حكى لنا جندار أنه كان يجبل البقاع فسمع رجلاً سبَّ أبا بكر فسل سيفه وضرب عنقه ، ولو كان سمعه يسبه أو يسب أباه لما استباح دمه .
ألا ترى الصحابة في فرط حبهم للنبي ( ص ) قالوا : ألا نسجد لك ؟ فقال : لا ، فلو أذن لهم لسجدوا سجود إجلال وتوقير لا سجود عبادة كما سجد إخوة يوسف _ عليهم السلام _ ليوسف .

وكذلك القول في سجود المسلم لقبر النبي ( ص ) على سبيل التعظيم والتبجيل لا يكفر به أصلاً بل يكون عاصياً فليعرف أن هذا منهى عنه ، وكذلك الصلاة إلى القبر )) . انتهى كلام الذهبي .

في أمرفرعي، تجده في مكان آخر يتساهل في محض الإعتقاد تساهلاً مذموماً فتجده يقول في رسالته المذكورة تعقيباً على من نقل الإجماع على بقاء النار فقال :

(( وتعقيبنا عليه من وجهين :

(الوجه الأول) : أنه لم يحصل إجماع على تخطئة القول بفناء النّار وعده من البدع كما زعم . فالمسألة خلافية ، وإن كان الجمهور لا يرون القول بذلك ، لكنه لم يتم إجماع على إنكاره ، وإنما هو من المسائل الخلافية التي لا يبدع فيها .

( الوجه الثاني ) : أن الذين قالوا بفنائها استدلوا بأدلة من القرآن والسنة، وبقطع النظر عن صحة استدلالهم بها ، أو عدم صحته ، فإن هذا القول لا يعتبر من البدع ما دام أن أصحابه يستدلون له ، لأن البدع ما ليس لها دليل أصلاً ، وغاية ما يقال إنه قول حطأ أور رأي ير صواب ولا يقال بدعة ، وليس قصدي الدفاع عن هذا القول، ولكن قصدي بيان أنه ليس بدعة ولا ينطبق عليه طابق البدعة و هو من المسائل الخلافية . اهـ ( ص39 _ 40 ) .

قلت : وغير خفي على اللبيب والبليد أن كلامه نهاية في البطلان والتعصب، وأن القول بفناء النار هو قول المبتدعة من جهمية المعتزلة، وأن من يعتد به في الإجماع من الأئمة فارق هذا القول وخالفه ، وقد قال الطحاوي في العقيدة المشهورة :

(( والجنة و النار مخلوقتان أبداً لا تفنيان ولا تبيدان )) . اهـ ( ص 476 مع الشرح ) .

وبسط الرد على هذه البدعة في كتاب (الاعتبار ببقاء الجنة والنار) للتقي السبكي، ( ورفع الإستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار ) للأمير الصنعاني وقد طبعا وقد وفيا الكيل صاعاً بصاع خاصة أولهما .

وصفوة القول : أنه تشدد فيما هو سهل وتساهل في أمر الاعتقاد وما أرى ذلك إلابسبب اتباع الهوى والانتصار للأشخاص لا ير ، وهذا هو اللو الذي قاموا وقعدوا ولفوا وداروا حوله ، ووقعوا في أئمة الدين بسببه ، ف لله الأمر من قبل ومن بعدنعوذ بالله من الهوى والمناكدة ، وإن كل متمسك بالحق خلا قلبه من شوائب العصبيات والأهواء ليبرأ إلى الله تعالى من التلاعب بالدين .

وإذا كان صاحب رسالة (( وقفات مع كتب للدعاة فقط )) قد اعتمد على غيره .

فإن أبابكر الجزائري قد اعتمد على نفسه، فزاد الطين بلة وكفَّر قسطاً وافراً من المسلمين فقال ما نصُّه :

((إنُّ دعاء الصالحين ، والاستغاثة بهم ، والتوسل بجاههم، لم يكن في دين الله تعالى قربة ولا عملاً صالحاً فيتوسلُ به أبداً وإنما كان شركاً في عبادة الله محرماً يخرج فاعله من الدين ويوجب له الخلود في جهنم )) انتهى بحرفه من كتابه ( عقيدة المؤمن )) ( ص 144 ) ؟
والصحيح أن المؤمن لا يعتقد في ذلك إخوانه المؤمنين الذين يعتقدون ألا مؤثر إلا الله عز وجل ، وغاية عملهم أن علموا منزلة النبي (ص) عند ربه فتوسلوا به واتبعوا الأدلة الصحيحة، وقد تأسوا في ذلك بالصحابة رضوان الله عليهم .

وقد أخطأ ( أبو بكر الجزائري ) فكفر عباد الله الصالحين ، وهذا التكفير الجزاف لا ارتباط له بكتاب أو سنة ولا بما عليه السواد الأعظم، ولم يقل ذو عقل، ودين بمقولته الفاسدة إلا من كان على رأى الخوارج، نسأل الله العافية .

وللأسف قد طبع كتابه عدة مرات ، وليتأمل القارئ المنصف كم من المسلمين فتنوا بهذا الباطل ، والله المستعان .

ولا بد أن يفرق المصنف بين وقوع الفعل في حدود ما أباحه الشارع ووقوعه إذا خرج عن المحدود وإن كان جائزاً في نفسه ، فلا يعني وقوع بعض الألفاظ المتوهمة من العوام ضرورة منع الأصل الذي أباحه الشرع ، فتدبر .

وإذا كان أبو بكر الجزائري قد تفوه بالتكفير، فهناك آخر هو ( محمد صالح العثيمين) الذي أصر على اعتبار أن التوسل من مباحث الإعتقاد واستدل على مقولته بما لم يصرح به مسلم فقال :

((بالنسبة للتوسل فهو داخل في العقيدة لأن المتوسل يعتقد أن لهذه الوسيلة تأثيرأ في حصول مطلوبه ودفع مكروهه ، فهو فى الحقيقة من مسائل العقيدة ، لأن الإنسان لا يتسل بشئ لا وهو يعتقد أن له تأثيراً فيما يريد )) اهـ من فتاوي ابن عثيمين (100: 3)كما نقله عنه جامع ( فتاوي مهمة لعموم الأمة ص 89 ) .

قلت : اثبت العرش ثم انقش ، فمن الذي أطلعك على ما في صدور المتوسلين حتى تصرح بهذه المقولة الشنيعة ، التي يلزم منها تكفير المتوسلين جميعاً .

إنَّ ما قاله منافٍ للإعتقاد تماماً فكل مسلم يعتقد اعتقاداً جازماً أنَّ الله عز وجل هو النافع ، وهو الضار ، وأن المؤثر الحقيقي هو الله ، وأنه وحده مسبب الأسباب، فلا فاعل إلا الله، ولا خالق سواه، وإليه يرجع الأمر كله، فلا حول ولا قوة إلا بالله .

وغاية ما في المتوسل أن يقول : اللهم إني أسألك أو أتوسل ليك بنبيك ( ص ) أو بالولي الفلاني مثلاً .

فالمتوسل سأل الله تعالى ولم يسأل سواه، ولم ينسب إلى المتوسَل به

تأثيرأً أو فعلاً أو خلقاً، إنما أثبت له القربة والمنزلة عند الله تعالى فقط، وتلك المنزلة ثابتة له في الدنيا والآخرة ، وإليه نذهب يوم القيامة طلباً للشفاعة .

ومن يعتقد أن إخوانه المسلمين يعتقدون أن المتوسَّل به له تأثير فيكون قد كفرهم، ونصَّب نفسه مقام العارف بما فى الصدور، وهذه فتاوي يضحك بها هؤلاء الشيوخ على البسطاء ليوضحوا لهم أن المتوسلين من جلدة أخرى وكلام العثيمين ينسحب إلى التوسل كله والحق يقال: إنه كلام لا علاقة له بالعلم ، بل هو نوع من أنواع الجهل ، والتعالم وسوء الظن بالمسلمين ، وكم من حوادث وفتن تتبع هذه الفتاوي .

وكم من جاهل كفَّر أبويه أو أهل خطته بسبب اغتراره بمثل هذه الفتاوي، لو تمهل المفتي وفكر قليلاً لأدرك سخف مقولته .

والعجب أنه أطلق وما قيد ، فهل للعمل الصالح المتوسَّل به تأثير بذاته ؟
ومحال أن الصحابة اعتقدوا هذا الإعتقاد في النبي (ص) والعباس ويزيد عندما توسلوا بهم .

ومحال أن يعتقد السلف ومنهم الإمام أحمد الذين توسلوا بالنبي ( ص )
( كما صرح به ابن تيمية في التوسل والوسيلة ص 98 ) هذا الإعتقاد الفاسد .

والحنابلة يجوزون أو يستحبون التوسل بالنبي (ص) كما صرح إمامهم ابن قدامة بذلك في المغني ، فهل يراهم يعتقدون مثل هذا الإعتقاد ؟!!!

إن من الآفات المردية التسرع في رمى العباد بالعظائم، والحاصل أن ما قاله العثيمين لا يصلح دليلاً على ما ادعى بل هو مما يدوم ضررة ، لأن آثارها نراها دارجة تفرق بين المسلمين ، نسأل الله تعالى لنا جميعاً الهداية والتوفيق .
ولو حسَّن الشيخ الظن بإخوانه المسلمين لكان له موقف آخر، ولهذه الفتوى وصاحبها محمد بن صالح العثيمين نظائر ، والله المستعان .
وليكن هذا آخر الكلام على مبحث التوسل ، والحمد لله أولاً وآخراً ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه .


EmoticonEmoticon