Wednesday, May 14, 2014

كشف الستارة عن صلاة الإستخارة

Tags

 كشف الستارة عن صلاة الإستخارة



اسم الكتاب / المقالة: كشف الستارة عن صلاة الإستخارة
المؤلف: : أبي عمرو عبدالله بن محمد الحمادي
التصنيف: الفقه الإسلامي
Book / essay title: Kashf al-Sitaroh an Shalat al-Istikharah
Author: Abu Amr Abdullah ibn Muhammad Al Hamadi
Judul kitab / makalah: Hukum Shalat Istikharah

الفهرس

بسمِ اللهِ الرَّ حمنِ الرَّحيمِ

مقدمة

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شري له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ( .
? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ? (آل عمران:102).
? يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ? (النساء:1).
? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ? (الأحزاب:70- 71).
أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد (، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
فهذه رسالة لطيفة، وصفحات أنيقة، فيها مسائل عزيزة، حول سنة مهمة في حياة المسلم، لا يستغنى عنها، لأنها تشمل كثيراً من أمور حياته اليومية، أعني صلاة الاستخارة.

فنظراً لأهمية هذه العبادة ومكانتها المرموقة بين السنن، وعلاقتها الوطيدة بالعقيدة، قررت أن أفردها في رسالة مستقلة، سهلة التداول والحمل والتناول، تحتوي على مسائلها المهمة والخافية، مع توضيحها بأسهل عبارة، وأوجز إشارة دون تنطع ولا غزارة، فيسهل على كل مسلم فهمها، وتطبيقها في كل شؤون حياته.
وسميتها بعون الله وتيسيره: كشف الستارة عن صلاة الاستخارة وعلاقتها بالعقيدة الصحيحة المختارة.
* مادة البحث: حيث إن الرسالة قليلة المحتوى، رفيعة المستوى، حصرت بحثي فيها في أبحاث ومطالب ومسائل جزأتها كما يلي:
* المقدمة: وقد احتوت على خطبة الحاجة، وسبب تأليف الرسالة واسمها وعنوانها.

* المبحث الأول: وفيه تعريف الاستخارة لغة وشرعاً، وأهميتها والأدلة على مشروعيتها.
وقيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: في تعريف الاستخارة لغة وشرعاً.
المطلب الثاني: في أهمية الاستخارة في حياة المسلم وتوصية العلماء بها.

المطلب الثالث: فيه بيان نص دعاء ودليل الاستخارة من السنة وتخريجه وشرح معانيه الغريبة.

أولاً: نص دعاء الاستخارة.
ثانياً: تخريج النص.
ثالثاً: شرح معاني غريب الحديث.

المطلب الرابع: في مسائل حول صلاة الاستخارة من حديث جابر السابق.

المسألة الأولى: حكم صلاة الاستخارة.
المسألة الثانية: فيم تكون الاستخارة؟
المسألة الثالثة: ما الحكمة من تشبيه صلاة الاستخارة بالسورة من القرآن؟
المسألة الرابعة: متى تشرع صلاة الاستخارة؟ أو متى يبدأ وقتها؟
المسألة الخامسة: هل لابد من تخصيص ركعتين لصلاة الاستخارة أم تحصل مع النوافل؟
المسألة السادسة: من عزم على الاستخارة بعد الانتهاء من صلاة النافلة وأراد أن يأتي بدعاء الاستخارة بعد الصلاة فهل يستخير أم يعيد الصلاة؟
المسألة السابعة: أين يقال دعاء الاستخارة أقبل السلام أم بعده؟
المسألة الثامنة: هل هناك آيات أو سور معينة مخصوصة لصلاة الاستخارة؟
المسألة التاسعة: هل تجوز قراءة صلاة الاستخارة من كتاب أم لابد من حفظه.
المسألة العاشرة: هل تجزئ صلاة الاستخارة بعد الفريضة؟
المسألة الحادية عشرة: ما حكم صلاة الاستخارة في أوقات النهي؟
المسألة الثانية عشرة: ماذا يفعل المستخير بعد الاستخارة؟
المسألة الثالثة عشرة: هل يصح الفصل بين الصلاة ودعاء الاستخارة؟
المسألة الرابعة عشرة: ما حكم تكرار صلاة الاستخارة؟
المسألة الخامسة عشرة: من لم يتمكن من الصلاة فهل يجوز له أن يقتصر على دعاء الاستخارة فقط دون أن يصلي ركعتين قبله؟
المسألة السادسة عشرة: ما الحكمة من تقديم صلاة ركعتين على دعاء الاستخارة؟
* المبحث الثاني: في الجمع بين الاستخارة والاستشارة، وبيان خصال من يلجأ إليه المشورة.
* المبحث الثالث: في بيان وذكر بعض الاستخارات المبتدعة.

* المبحث الرابع: في الاستخارة وعلاقتها بالتوحيد من جميع الجهات، وبيان ذلك تفصيلاً.

وفيه خمسة مطالب:

المطلب الأول: تحقيق التوحيد سبب للنصر، وفشو الشرك والبدع سبب للذل والهزائم.
المطلب الثاني: بيان تحريم إتيان الكهان والعرافين والمنجمين.
المطلب الثالث: في بيان معنى التطير وكيفية منافاته للتوحيد وصورته في الوقت الحاضر.
المطلب الرابع: في صلة الاستخارة بالتوحيد مباشرة.
* المبحث الخامس: حول بيان ضعف بعض الأحاديث في الاستخارة.
هذا ما تيسر جمعه والحديث عنه حول هذه السنة العظيمة، أسأل الله سبحانه الإخلاص في القول والعمل وأن يحيي بها سنة نبيه (، وأن ينفع بها المسلمين بمنه وكرمه.


المبحث الأول فيه تعريف الاستخارة لغة وشرعاً وأهميتها والأدلة على مشروعيتها

وفيه أربعة مطالب:


المطلب الأول في تعريف الاستخارة لغة وشرعاً

1- الاستخارة لغة: " طلب الخيرة في الشيء. وخار الله لك؛ أي أعطاك ما هو خير لك، واستخار الله: طلب منه الخيرة والاختيار: الاصطفاء وكذلك التخير، ويقال: استخر الله يخر لك"
(1).

2- والاستخارة في الاصطلاح الشرعي: طلب الاختيار؛ أي طلب صرف الهمة لما هو المختار عند الله والأولى، بالصلاة والدعاء الوارد في الاستخارة " (2).
وبعبارة أوضح هي عبارة عن دعاء معين ورد في السنة يقوله المسلم ويدعو به أو يأتي به بعد صلاة ركعتين من غير الفريضة، إذا عزم على فعل شيء ما من زواج أو تجارة أو سفر أو نحو ذلك، فيطلب من الله سبحانه وتعالى أن يختار له الخير ويعينه عليه، وييسره له، ويطلب منه سبحانه أن يصرفه عما يريد إذا كان فيه شر له، وسيأتي ذكر هذا الدعاء ومزيد من التفصيل فيه.


المطلب الثاني في أهمية الاستخارة في حياة المسلم وتوصية العلماء بها

إن الإنسان مخلوق ضعيف، بحاجة إلى إعانة الله تعالى في أموره كلها؛ وذلك لأنه لا يعلم الغيب، فلا يدري أين موطن الخير والشر فيما يستقبله من حوادث ووقائع؟
لذا كان من حكمة الله سبحانه ورحمته بعباده أن شرع لهم هذا الدعاء، لكي يتوسلوا بربهم ويستغيثوا به في توجيه السير نحو الخير والنفع.

وإن العبد المسلم على يقين لا يخالطه شك أن تدابير الأمور وصرفها بيد الله سبحانه وتعالى وأنه يقدر ويقضي بما شاء، في خلقه.
قال تعالى: ? وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ( وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ? (القصص:68-70).
قال العلامة محمد بن أحمد القرطبي المالكي - رحمه الله - : (( قال بعض العلماء: لا ينبغي لأحد أن يقدم على أمر من أمور الدنيا حتى يسأل الله الخيرة في ذلك، بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة)) (3).
ولقد فهم السلف الصالح هذا المعنى فكانوا يستخيرون ربهم في أمورهم كلها.

ومن الأدلة على ذلك قصة زينب رضي الله عنها في زواجها من النبي (، فقد استخارت ربها في ذلك.
عن أنس رضي الله عنه قال: (( لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ( لزيد: ( فاذكرها علي). قال زيد: فانطلقت فقلت: يا زينب أبشري أرسلني إليك رسول الله ( يذكرك فقالت: ما أنا صانعة شيئاً حتى أتسأمر ربي، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن. وجاء رسول الله ( فدخل بغير أمر)) (4).

ومعنى قول زينب: (( حتى أستأمر)) أي: حتى أستخير.
ومعنى قوله: (( إلى مسجدها)) أي: موضع صلاتها من بيتها.
ومعنى قول النبي (: ( اذكرها علي) أي: اخطبها لي من نفسها (5).
قال محي الدين النووي الشافعي رحمه الله مبيناً ما في هذا الحديث من حكم وفقه قال: (( وفيه - أي في الحديث - استحباب صلاة الاستخارة لمن هم بأمر، سواء كان ذلك الأمر ظاهر الخير أم لا)) (6).
وقال النووي أيضاً: (( ولعلها استخارت لخوفها من تقصير في حقه ( )) (7).
والنووي رحمه الله قال هذه العبارة الأخيرة ليرفع الإشكال الذي قد يرد وهو أن الاستخارة تكون في الأمر الذي لا يعرف أهو خير أم شر؟ وأما زواج المرأة من النبي ( فخير لها، أي خيره ظاهر فكيف تستخيره؟ فبين ذلك رحمه الله.
هكذا كان حرصهم رضي الله عنهم على تطبيق هذه السنة في حياتنا، ونتوكل على ربنا سبحانه، فهو نعم المولى ونعم الوكيل.

ولقد أحسن من قال:
توكل على الرحمن في كل حاجة
إذ ما يرد ذو العرش أمراً بعبده
وقد يهلك الإنسان من وجه حذره
أردت فإن الله يقضي ويقدر
يصبه وما للعبد ما يتخير
وينجو بحمد الله من حيث يحذر(8).

ف
المطلب الثالث في بيان نص دعاء ودليل صلاة الاستخارة من السنة وتخريجه وشرح معانيه الغريبة

* أولاً: نص دعاء الاستخارة:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( كان رسول الله ( يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الْأَمْرَ ثُمَّ تُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ قَالَ أَوْ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ) (9).

* ثانياً: تخريج النص:

الحديث: أخرجه أحمد في مسنده (11/520) (4642) والبخاري في عدة مواضع من صحيحه، فقد أخرجه في كتاب التهجد باب: ما جاء في التطوع مثنى مثنى، برقم (1162) ، الفتح (3/61 - 62) وأخرجه أيضاً في الدعوات، باب: الدعاء عند الاستخارة، برقم (6382)، الفتح (11/218، 219).
وأخرجه أيضاً في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ? قُلْ هُوَ الْقَادِرُ ? (الأنعام: من الآية65) برقم (7390)، الفتح (13/464).
وأخرجه أبو داود في سننه، في كتاب الصلاة، باب: في الاستخارة، برقم (1583) (2/91).
وأخرجه الترمذي في سننه، في أبواب الوتر، ما جاء في صلاة الاستخارة، برقم (480) (2/345).
وأخرجه النسائي في سننه، في كتاب النكاح، باب: كيفية الاستخارة، برقم (3253) (3/3389). وأخرجه أبو يعلى في مسنده (2/411) (2082)، وابن حبان في صحيحه (3/169) (887).

* ثالثاً: شرح معاني غريب الحديث:

وبعد
أن بينا بعض من أخرجه لكي تطمئن النفوس على صحة الحديث نشرع الآن في بيان ما يشكل من بعض معانيه الغريبة.
قوله: ( إذا هم)، أي إذا قصد.
قوله: ( بالأمر) أي: بأمر من الأمور.
قوله: ( فليركع ركعتين): أي: ليصل، وقد يذكر الركوع ويراد به الصلاة كما يذكر السجود ويراد به الصلاة، من قبل ذكر الجزء وإرادة الكل.
قوله: ( من غير الفريضة) يعني: النوافل: أي تكون تلك الركعتان من النافلة.
قوله: ( أستخيرك ) أي: أطلب الخير، أن تخير لي أصلح الأمرين؛ أي تختاره، لأنك عالم به وأنا جاهل.
قوله: ( وأستقدرك): أي: أطلب أن تقدرني على أصلح الأمرين، إذ أطلب منك القدرة على ما نويته، فإنك قادر على إقداري عليه، أو أن تقدر لي الخير بسبب قدرتك عليه.
قوله: ( تسميه باسمه) أي: تسمي أمرك وحاجتك التي قصدت الاستخارة لها في هذا الموضع.
مثلاً تقول: اللهم إن كنت تعلم أن هذا السفر خير لي، أو هذا الزواج، أو هذا النوع من التجارة، أو هذه السيارة، ونحو ذلك مما تريد.
قوله: ( في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله) يعني: إن كان فيه خير يرجع لديني ولمعاشي وعاقبة أمري. وإنما ذكر عاقبة الأمر، لأنه رب كل شيء يهمه الرجل يكون فيه خير في ذل الحال، ولكن لا يكون خيراً في آخر الأمر، بل ينقلب إلى عكسه، فزاد ( في الدعاء بقوله: ( وعاقبة أمري).
قوله: ( فاقدره) بضم الدال، أي: اقض لي به وهيئه.
قوله: (فاصرفه عني)، أي: لا تقض لي به، ولا ترزقني إياه.
قوله: ( واصرفني عنه) أي: لا تيسر لي أن أفعله وأقلعه من خاطري، أي لا أهتم به ولا أهمه بعد ذلك.
قوله: ( حيث كان) أي: اقض لي بالخير حيث كان الخير.
قوله: (ثم رضني به) أي: اجعلني راضياً بذلك، أي: بخير المقدور (10).


المطلب الرابع في بيان مسائل حول صلاة الاستخارة من حديث جابر السابق

المراد بهذه المسألة: بيان الحكم الشرعي للاستخارة، فهل هي واجبة أم سنة؟
لا خلاف بين العلماء أن صلاة الاستخارة سنة وليست بواجبة، ومعنى ذلك أن من عزم على فعل أمر ما كسفر أو زواج أو تجارة يسن له أن يصلي الاستخارة قبل أن يفعل ولا يجب عليه، ولكن لا يترك هذه السنة لأن فيها خيراً كثيراً، والله يعلم الغيب والعبد لا يعلمه. فالحاصل أنها سنة مع أن النبي ( قال: " فليركع ركعتين" ومع ذلك حكم العلماء أنها سنة.
قال العلامة زين الدين العراقي الشافعي - رحمه الله - : ( ولم أر من قال بوجوب الاستخارة) (11).
وقال الحافظ ابن حجر الشافعي - رحمه الله - : ( فكأنهم فهموا أن الأمر فيه للإشارة فعدلوا به عن سنن الوجوب، ولما كان مشتملاً على ذكر الله والتفويض إليه كان مندوباً والله أعلم) (12).

وقال محي الدين النووي الشافعي - رحمه الله -: ( صلاة الاستخارة سنة) (13).
وقال العلامة عبد العزيز ابن باز - رحمه الله -: ( صلاة الاستخارة سنة) (14).
ومما يدل على أنها سنة حديث الأعرابي الذي أتى يسأل النبي ( ما يجب عليه من الفرائض، وهو الحديث الذي من مسند طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه قال: ( جاء رجل إلى رسول الله ( من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله (، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله (: ( خمس صلوات في اليوم والليلة) فقال: هل علي غيرهن؟ قال: (لا، إلا أن تطوع، صيام شهر رمضان ) قال: هل علي غيره؟ فقال: ( لا إلا أن تطوع) قال: وذكر له رسول الله ( الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: ( لا، إلا أن تطوع). قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله ( : (أفلح إن صدق) (15).
والشاهد من الحديث قول النبي (: (خمس صلوات في اليوم والليلة).
فدل على أن الفرض من الصلاة انحصر في هذه الفروض الخمس، وما سواها نفل.

قال بدر الدين العيني الحنفي - رحمه الله - : ( فأما الاستخارة فدل على عدم وجوبها للأحاديث الصحيحة الدالة على انحصار فرض الصلاة في الخمس) (16).
وقال العراقي: (( ودل على عدم وجوب الاستخارة ما دل على عدم وجوب صلاة زائدة على الخمس في حديث: هل علي غيرها؟ قال: ( لا إلا أن تطوع) )) (17).
ولكن هذا الدليل يصلح للاستدلال به على عدم وجوب ركعتي الاستخارة، فهو صرف الأمر في حديث جابر إلى الندب، وبقي الأمر في الدعاء على ظاهره يدل على الوجوب يحتاج إلى صارف.
وبين الحافظ رحمه الله كيف أن الدعاء مندوب أيضاً وليس بواجب وذلك كما في قوله السابق قبل قليل وهو قوله: (( فكأنهم فهموا أن الأمر فيه للإشارة فعدلوا به عن سنن الوجوب، ولما كان مشتملاً على ذكر الله والتفويض إليه كان مندوباً والله أعلم)) (18) اهـ.
ومعنى كلام الحافظ رحمه الله أن الصارف للأمر شيئان.
الأول منهما: أن العلماء فهموا أن الأمر في قوله: " فليركع ركعتين من دون الفريضة ثم يقول" فهموا أن الأمر فيه من باب المشورة، لا من باب الإلزام، أي: يشير عليهم النبي ( إلى الأفضل، وذلك كأن ننصح رجلاً ما يريد وجهة ما فنقول له: اذهب من ذاك الطريق الغربي فهو أيسر لك، فالمشورة هنا واضحة أنها للإلزام والوجوب؛ فكأن النبي ( يشير عليهم وينصحهم بالاستخارة.
والثاني منهما: حيث إن الأمر هنا في باب الدعاء، وأصل الدعاء من باب الندب والاستحباب كان هذا كذلك.
وحيث إن هذا الدعاء فيه تفويض الأمر لله، وترك الأمر له كان ندباً والله أعلم.

المسألة الثانية: فيم تكون الاستخارة؟
تكون الاستخارة في الأمور المباحة كالزواج والتجارة المباحة وغيرها. وكذلك تكون الاستخارة في المندوبات إذا حصل للمرء بينها تعارض، كأن يحتار الرجل بين أمرين فيختار الأصلح منهما والأقرب نفعاً ثم يستخير الله فيه. ولا تكون الاستخارة في ترك المحرمات والمكروهات، فلا يستخير أحد هل يسر أو لا؟
كما أنها لا تكون في الواجبات وصنائع المعروف، مما هو معروف خيره ونفعه، فلا يستخير أحد هل يصلي الظهر و لا؟ لأن ذلك واجب عليه، فهي إذن في الأمور التي لا يدري العبد وجه الصواب والخير والنفع فيها، أما الواجبات وصنائع المعروف كالعبادات فلا حاجة للاستخارة فيها.
وقد يستخير الإنسان في شيء يتعلق بالعبادة، وذلك مثل السفر للحج، فيستخير الله هل يسافر هذه السنة؛ وذلك لاحتمال عدو أو فتنة؟ واختيار الرفقة هل يرافق فلاناً أم لا(19).؟
قال الحافظ ابن حجر: ( قال ابن أبي جمرة: فإن الواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما، والحرام والمكروه لا يستخار في تركهما، فانحصر في الأمر المباح، وفي الأمر المستحب إذا تعارض منه أمران أيهما يبدأ به ويقتصر عليه ) (20).
ولا تحتقرن شيئاً في الأمر فاستخر الله في الأمر الصغير والكبير، والعظيم والحقير مما يشرع الاستخارة فيه (فرب حقير يترتب عليه الأمر العظيم) (21).

المسألة الثالثة: ما الحكمة من تشبيه صلاة الاستخارة بالسورة من القرآن؟
المراد بهذه المسألة معرفة الحكمة التي قال لأجلها جابر رضي الله عنه: ( كان النبي ( يعلما الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن).
فشبه جابر رضي الله عنه تعليمهم النبي ( صلاة الاستخارة والدعاء كما كان يعلمهم السورة من القرآن. وقيل: ( وجه التشبيه عموم الحاجة في الأمور كلها إلى الاستخارة كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة) (22).
أي كما أنه يحتاج إلى قراءة القرآن في الصلاة، فكذلك يحتاج إلى الاستخارة في الحياة.
هذا ( فيه إشارة إلى الاعتناء التام البالغ بهذا الدعاء، وهذه الصلاة لجعلها تلوين للفريضة والقرآن) (23).
ولعل هناك حكمة أكبر ومعنى أغزر في هذا التصوير والتشبيه وهي: عدم جواز الابتداع في صلاة الاستخارة وهيئتها بشكل عام، وألفاظ دعائها بشكل خاص، فلا تدخل الألفاظ المستحدثة، والأفعال المبتدعة فيها، ويجب الاقتصار على ما ورد النص به من قول وفعل.
فيكون المعنى والحكمة: كما أنه لا يجوز التغيير في القرآن عموماً ومطلقاً، فلا يزاد فيه، ولا ينقص منه، كذلك صلاة الاستخارة وألفاظها لا يزاد فيها ولا ينقص منها كالسورة من القرآن تماماً، والله أعلم.
وهذا من معجزاته (، فقد حذر من ذلك بإشارة لطيفة، ومع ذلك فقد استحدثت اليوم أنواع مبتدعة وجديدة للاستخارة، كاستخارة الكف والفنجان والأبراج وغير ذلك كما سيأتي طرحه في مبحث مستقل من هذه الرسالة.
قال العلامة محمد بن عبد الله بن الحاج المالكي رحمه الله وهو يتحدث عن عدم جواز إضافة شيء إلى الاستخارة ليس منها، فبعد أن منع ذلك ونبه عليه قال: ( فيا سبحان الله ! صاحب الشرع اختار لنا ألفاظاً منتقاة جامعة لخيري الدنيا والآخرة حتى قال الراوي للحديث في صفتها على سبيل التخصيص والحض على التمسك بألفاظها وعدم العدول إلى غيرها ( كان رسول الله ( يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن ) والقرآن قد علم أنه لا يجوز أن يغير ولا يزاد فيه ولا ينقص منه، وإذا نص فيه على الحكم نصاً لا يحتمل التأويل لا يرجع لغيره) (24). اهـ.

المسألة الرابعة: متى تشرع صلاة الاستخارة؟ ( أو متى يبدأ وقتها؟):
المراد بهذه المسألة: تحديد الوقت الذي تشرع في الاستخارة.
يبدأ وقت الاستخارة عند العزم على فعل شيء من الأشياء، والإقدام على أمر من الأمور المباحة.
ويدل على ذلك قول النبي ( في الحديث السابق من رواية جابر رضي الله عنه حيث جاء فيه: ( إذا هم ) ؛ أي: إذا قصد وعزم.
وقيل: إذا ورد على قلبه الخاطر للفعل أو فعل الشيء فإنه يستخير فيظهر له ببركة الدعاء والصلاة ما هو خير له.
ولكن الاستخارة عند العزم على الأمر والتصميم على فعله وقبل الشروع أرجح؛ لأن الخواطر التي ترد على القلب كثيرة، فلو استخار في كل ما بدا له وخطر على قلبه لضاعت عليه أوقاته(25).
ومما ينبغي التنبه له أن المستخير حال استخارته ينبغي أن يكون خالي الذهن غير متعص لأمر بعينه؛ أي: لا يميل لهواه ورغبته، بل يتجرد من ذلك ويكل الأمر لله سبحانه ليظهر له الخير فيما عز وأراد.

المسألة الخامسة: هل لابد من تخصيص ركعتين لصلاة الاستخارة أم تحصل مع النوافل؟
المراد بهذه المسألة: هل إتيان دعاء الاستخارة دبر النوافل وذلك كالرواتب مثلاً؛ كأن يصلي المرء راتبة الظهر، وهي: أربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعدها أو راتبة المغرب وهي ركعتان بعد صلاة المغرب، فلو صلى المسلم راتبة المغرب واستخار بعدها، فهل ذلك كاف ومجزئ أم لابد من أن يصلي ركعتين خاصتين لكي يستخير بعدهما؟
الصحيح الراجح في هذه المسألة - والله أعلم - أنه إن صلى نافلة من النوافل مع نية الاستخارة أجزأه ذلك بإذن الله تعالى، ولكن عليه أن يعقد العزم والنية على أنه يريد بهذه الصلاة النافلة والاستخارة معاص، قبل الشروع في النافلة.
قال محي الدين النووي - رحمه الله - : (والظاهر أنها تحصل بركعتين من السنن الرواتب، وبتحية المسجد وغيرها من النوافل).
وقال زين الدين العراقي - رحمه الله- : ( إن كان همه بالأمر قبل الشروع في الراتبة ونحوها ثم صلى من غير نية الاستخارة وبدا له بعد الصلاة الإتيان بدعاء الاستخارة فالظاهر حصول ذلك).
وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: ( إن نوى تلك الصلاة بعينها وصلاة الاستخارة معاً أجزأ بخلاف ما إذا لم ينو) (26).
والدليل على جواز ذلك قول النبي (: ( من غير الفريضة) فهذا المنطوق مفهومه أنها تحصل بعد النافلة، أما بعد الفرض فلا تجزئ، فلو صلى فريضة الصبح - مثلاً - واستخار بعدها لم يكن عمله صحيحاً.
المسألة السادسة: من عزم على الاستخارة بعد الانتهاء من صلاة النافلة، وأراد أن يأتي بدعاء الاستخارة بعد الصلاة فهل يستخير أم يعيد الصلاة؟
المراد بالمسألة: من صلى نافلة من النوافل ثم عرض له طلب الاستخارة لأمر من الأمور وهو ممن يقصد الاستخارة بعد صلاة ركعتين، فهي يكفيه صلاة النافلة التي صلاها أم يعيد صلاة أخرى؟
الظاهر - والله أعلم - أنه يعيد ركعتين لأجل الاستخارة غير التي صلاها منذ قليل؛ وذلك لأنه لابد من وجود الإرادة والنية؛ أي نية الاستخارة قبل الشروع أو الانتهاء من الصلاة؛ وذلك لعموم حديث النبي (: ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - : ( ويبعد الإجزاء لمن عرض له الطلب بعد فراغ الصلاة لأن ظاهر الخبر أن تقع الصلاة والدعاء بعد وجود إرادة الأمر) (27).

المسألة السابعة: أين يقال دعاء الاستخارة قبل السلام أم بعده؟
المقصود بهذه المسألة: أن دعاء الاستخارة الذي جاء في حديث جابر رضي الله عنه يقال بعد السلام والانتهاء من الصلاة أم قبل السلام؟
الأمر في هذه المسألة فيه سعة، فمن ذكر الدعاء بعد التشهد وقبل السلام فذلك جائز وهو ترجيح شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله حيث قال: ( يجوز الدعاء في صلاة الاستخارة وغيرها قبل السلام وبعده، والدعاء قبل السلام أفضل؛ فإن النبي ( أكثر دعائه كان قبل السلام، والمصلي قبل السلام لم ينصرف، فهذا أحسن، والله تعالى أعلم) (28).
ومن أتى بالدعاء بعد السلام - أيضاً - جاز له ذلك، والأرجح والأقرب والله أعلم أن الدعاء يكون بعد السلام والانتهاء من الصلاة، وذلك ظاهر في حديث النبي ( كما مر في حديث جابر حيث قال: ( فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم يقول: اللهم إني أستخيرك ...).
فقول النبي (: ( ثم يقول) يدل على تأخير الدعاء عن الصلاة؛ لأن ثم في اللغة تفيد الترتيب مع التراخي، أي: يصلي أولاً ثم يذكر الدعاء.
قال الشوكاني - رحمه الله -: ( والحديث - أي حديث جابر - يدل على مشروعية صلاة الاستخارة والدعاء عقيبها، ولا أعلم في ذلك خلافاً) (29).

وقال الحافظ ابن حجر: (هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة، فلو دعا به أثناء الصلاة احتمل الأجزاء، ويحتمل الترتيب على تقديم المشروع في الصلاة قبل الدعاء فإن موطن الدعاء في الصلاة السجود أو التشهد) (30).
وقال الشيخ العلامة عبد العزيز ابن باز رحمه الله لما سئل عن موضع دعاء الاستخارة ومتى يكون قال: (والدعاء فيها - أي في صلاة الاستخارة - يكون بعد السلام كما جاء بذلك الحديث الشريف) (31).
وقال فضيلة الشيخ محمد بن عمر بازمول حفظه الله تعالى: (محل الدعاء - دعاء الاستخارة - يكون بعد السلام لقوله عليه الصلاة والسلام: ( إذا هم أحدكم بالأمر؛ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل.....) إذ ظاهره أنه بعد الركعتين؛ يعني بعد السلام) (32).
وبأرجحية وقوع دعاء الاستخارة بعد السلام أفتى أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء - وفق الله القائمين عليها - برئاسة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى حيث ورد على اللجنة العلمية للإفتاء السؤال الآتي:
(س): هل دعاء الاستخارة يكون قبل التسليم أم بعد التسليم والخروج من الصلاة؟
(ج): (دعاء الاستخارة يكون بعد التسليم من صلاة الاستخارة) (33).
المسألة الثامنة: هل هناك آيات أو سور معينة مخصوصة لصلاة الاستخارة؟
لا يوجد دليل ما يدل على قراءة سور أو آيات معينة مخصوصة بصلاة الاستخارة؛ لذا فالصحيح في المسألة أن المسلم إذا صلى الاستخارة يقرأ الفاتحة في الركعتين ثم ما تيسر له من القرآن. فيقرأ ما يحفظ من كتاب الله دون تحديد أو تقييد لشيء معين فيه، فهذا هو الصواب. وإن استحب بعض أهل العلم آيات أو سور معينة فلا يلتفت إليه؛ لأنه لا يجوز تقييد ما أطلقه الشرع، ولا تخصيص العموم إلا بدليل، والاستحباب حكم شرعي يحتاج لدليل.

قال العلامة زين الدين العراقي - رحمه الله -: ( لم أجد في شيء من طرق أحاديث الاستخارة تعيين ما يقرأ فيها) (34).
ولما سئل العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله عن صفة صلاة الاستخارة قال: ( وصفتها أنها تصلى ركعتين مثل بقية صلاة النافلة، يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن ثم يدعو) (35).
تأمل قوله - رحمه الله-: ( فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن) فإنه في غاية الأهمية والحكمة.
وقال أعضاء اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله وقد سئلوا: هل تقرأ سور أو آيات معينة في صلاة الاستخارة قالوا: ( أما القراءة فيها بالفاتحة وما تيسر بعدها من القرآن سورة كاملة أو بعض سورة) (36).
وأقول: إن عدم تقييد صلاة الاستخارة بسورة أو آيات معينة - سوى الفاتحة - هو الذي يناسب حكمة الشرع وسهولته ويسره؛ وذلك لأن هذه الصلاة مطلوب تطبيقها والاعتناء بها من كل الناس، والناس درجات: منهم من يحفظ القرآن ومنهم من يحفظ آيات أو سوراً معينة من قصار السور، فلو حددها الشرع وقيدها بسور معينة قد لا يكون كل الناس يحفظون هذه الآيات أو السور المخصوصة بهذه الصلاة، وحينئذ يحرم كثير من الناس تطبيق هذه السنة العظيمة والتي يوفق الله بها كثيراً من البشر إلى الخير، ولكن لما شرعت هذه الصلاة وترك أمر القراءة فيها مفتوحاً للناس دل على تيسير الأمر لهمن فكل منهم يقرأ ما يحفظ ليمكنه تطبيق هذه السنة واستخارة الله عز وجل في شؤون الحياة.

فتقييد صلاة الاستخارة بآيات معينة فيه نوع تضييق على المسلمين، والدين العبادات فيه مبناها على اليسر والسهولة، فالله عز وجل الذي أوحى إلى نبيه تشريع هذه الصلاة والدعاء كان قادراً على تقييدها بآيات معينة لكنه سبحانه بحكمته وتيسيره للناس، ورحمة بهم ترك الأمر لهم يختارون ما يشاءون من كتابه، فلله الحمد والمنة، فتأمل.

المسألة التاسعة: هل تجوز قراءة دعاء الاستخارة من كتاب أم لابد من حفظ هذا الدعاء؟
إن بعض الناس قد يحتج لتركه صلاة الاستخارة بعدم حفظه لدعائها وأنه لا يستطيع حفظه لطوله.
ويقال لمثل هذا: إن استطعت أن تحفظ الدعاء فذلك خير لك وأنفع، وإن لم تستطع حفظه، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ويجوز لك أن تقرأ الدعاء من كتاب مفتوح من كتب الأدعية وهي متوفرة، أو تكتبه في ورقة تقرأ منها بعد الصلاة، فالأمر فيه سعة ولله الحمد على تيسيره.
ومع كثر تطبيق هذه السنة وتكرارها يحفظ الدعاء تلقائياً مع مرور الأيام.
وبجواز قراءة دعاء الاستخارة من كتاب ما، أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، فقد سئلت اللجنة سؤالاً نصه:
(س): بالنسبة إلى صلاة الاستخارة لعمل ما، أو حاجة ما أو أي شيء؛ هل يشترط أن أحفظ الدعاء الوارد عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام (دعاء الاستخارة) أم يمكن قراءته في الكتاب فقط وبعد أداء الصلاة؟
فكان الجواب كما يلي: ( إن حفظت الدعاء للاستخارة أو قرأته من الكتاب فالأمر في ذلك واسع، وعيك الاجتهاد في إحضار قلبك والخشوع لله، والصدق في الدعاء..) (37).

المسألة العاشرة: هل تجزئ صلاة الاستخارة بعد الفريضة؟
المراد بهذه المسألة: إن صلى الفرض كصلاة الفجر مثلاً ثم دعاء بدعاء الاستخارة فهل يجزئ ذلك ويجوز أم لا؟
ويقال في تفصيل هذه المسألة: إن دعا بدعاء الاستخارة بعد أداء صلاة الفرض فلا يجزئه ذلك، ومعنى لا يجزئ: أي: لم يقع منه الفعل الصحيح للعبادة، فلم تقبل منه.
والدليل على ذلك قول النبي ( في صفة صلاة الاستخارة: ( فليركع ركعتين من غير الفريضة).
فقوله: ( من غير الفريضة) قال بدر الدين العيني - رحمه الله -: ( دليل على أنه لا تحصل سنة صلاة الاستخارة بوقوع الدعاء بعد صلاة الفريضة لتقييد ذلك في النص بغير الفريضة) (38).
وقال العلامة محمد بن عبد الرحمن المباركفوري رحمه الله في شرح قول النبي (: (من غير الفريضة):

( في دليل على أنه لا تحصل سنة صلاة الاستخارة بوقوع الدعاء بعد صلاة الفريضة) (39).
وقال الحافظ ابن حجر: ( فيه احتراز عن صلاة الصبح مثلاً) (40).
المسألة الحادية عشرة: ما حكم صلاة الاستخارة في أوقات النهي؟
هناك أوقات معينة نهى النبي ( عن الصلاة فيها، فهل يجوز أداء صلاة الاستخارة في مثل هذا الوقت المنهي عنه؟
وجاءت هذه الأوقات الثلاثة في حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: ( ثلاث ساعات كان رسول الله ( ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب) (41).

ومعنى قول النبي (: (حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع) أي: أول ما تطلع، فالوقت وقت نهي إلى أن ترتفع قيد رمح، وكذلك بعد صلاة الفجر وقت نهي عن الصلاة إلى أن ترتفع قيد رمح، حينها يجوز التنفل كصلاة الضحى والاستخارة.
ومعنى قوله: (حين يقوم قائم الظهيرة) أي: حين تكون الشمس في كبد السماء أي وسطها عند الظهيرة حتى تزول وتميل بعدها يدخل وقت الظهر.
ومعنى قوله: (حين تضيف الشمس للغروب) أي: تميل للغروب (42). فبعد صلاة العصر وقت منهي عنه، وكذلك حين تبدأ الشمس في الغروب يكون النهي ساعتها آكد.
فهذه الأوقات نهي عن الصلاة فيها إلا لضرورة، كمن نام عن صلاة العصر أو الفجر واستيقظ في هذه الأوقات المنهي عنها جاز له أن يصلي لأن هذا الوقت بالنسبة له وقت أداء الصلاة المفروضة عليه.
فالأفضل للمسلم أن لا يؤدي صلاة الاستخارة في هذه الأوقات المنهي عنها كبعد العصر أو الفجر، ولكن إن اضطر إلى صلاة الاستخارة بأن كان الأمر عاجلاً لا يمكن ولا يحتمل التأخير جاز له الاستخارة وإن كان الوقت وقت نهي؛ كأن يحتاج إلى شراء سيارة بعد صلاة العصر ولا يستطيع التأجيل إلى بعد غروب الشمس فحينئذ يجوز له الاستخارة لأنها تكون حينئذ من ذوات الأسباب التي يشرع فعلها في وقت النهي مثل تحية المسجد وصلاة الجنازة، وكسوف الشمس، فلو مات ميت واحتجنا إلى الصلاة عليه بعد العصر ودفنه حينئذ جاز الصلاة عليه، ولو كسفت الشمس بعد صلاة العصر جازت صلاة الكسوف وإن كان الوقت وقت نهي؛ لأن هذه الصلوات من ذوات الأسباب؛ أي: التي لها سبب يدفع لفعلها في وقت النهي؛ وكذلك صلاة الاستخارة إذا كان الذي يستخير لأجله يفوت بانتهاء وقت الكراهة.

فذوات الأسباب من الصلاة يجوز فعلها في وقت الكراهة أو النهي لأنها تفوت إذا أخرت عن وقت النهي، وتنتهي بانتهاء وقت الكراهة.
ولأنه أيضاً من المستقر والمعروف في الشرع أن الصلاة والعبادات إذا أخرت لسبب ما ويفوت وقتها تفعل حسب الإمكان والقدرة، فالمريض الذي لا يستطيع الوضوء لمرض ألم به يتيمم، وإن لم يستطع التيمم صلى على حاله التي هو عليها ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، والمريض الذي لا يستطيع استقبال القبلة صلى ولو إلى غير القبلة ولا ينتظر ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، وقس على ذلك الكثير، فاعتبار الوقت في الصلاة مقدم على بقية الواجبات وكذلك الأمر في التطوع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: (ذوات الأسباب تفعل في وقت النهي، فقد كتبنا فيما تقدم في الإسكندرية وغيرها كلاماً مبسوطاً في أن أصح قولي العلماء وهو مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه، اختارها أبو الخطاب).

ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الأدلة على جواز فعل الصلوات ذوات الأسباب في وقت النهي ثم قال: ( فالشرع قد استقر على أن الصلاة بل العبادة التي تفوت إذا أخرت تفعل بحسب الإمكان والوقت ولو كان في فعلها من ترك الواجب، وفعل المحظور ما لا يسوغ عن إمكان فعله في الوقت، مثل الصلاة بل قراءة، وصلاة العريان، وصلاة المريض، وصلاة المستحاضة، ومن به سلس البول، والصلاة مع الحديث بلا اغتسال ولا وضوء، والصلاة إلى غير القبلة، وأمثال ذلك من الصلوات التي يحرم فعلها، إذا قدر أن يفعلها على الوجه المأمور به في الوقت.
ثم إنه يجب عليه فعلها في الوقت مع النقص لئلا يفوت، وإن أمكن فعلها بعد الوقت على وجه الكمال.

فعلم أن اعتبارات الوقت في الصلاة مقدم على سائر واجباتها، وهذا في التطوع كذلك فإنه إذا لم يمكنه أن يصلي عرياناً، أو إلى غير القبلة أو مع سلس البول، صلى كما الفرض؛ لأنه لو لم يفعل إلا مع الكمال تعذر فعله فكان فعله مع النقص خيراً مع تعطيله.
وإن كان كذلك فذوات الأسباب إن لم تفعل وقت النهي فاتت وتعطلت، بطلب المصلحة الحاصلة به، بخلاف التطوع المطلق، فإن الأوقات فيها سعة، فإذا ترك في أوقات النهي حصلت حكمة النهي، وهو قطع للتشبه بالمشركين الذين يسجدون للشمس في الوقت (43)، وهذه الحكمة لا يحتاج حصولها إلى المنع من جميع الصلوات كما تقدم، بل يحصل المنع فيكفي التطوع المطلق).
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ( وذوات الأسباب كلها تفوت إذا أخرت عن وقت النهي مثل: سجود التلاوة، وتحية المسجد وصلاة الكسوف، ومثل الصلاة عقب الطهارة كما في حديث بلال، وكذلك صلاة الاستخارة إذا كان الذي يستخير له يفوت إذا أخرت الصلاة (44). انتهى.
إذن فإذا كان الذي يستخير له يفوت عليه إن أخرت الصلاة حتى ينتهي وقت النهي جاز له الاستخارة في وقت النهي، والله أعلم.

المسألة الثانية عشرة: ماذا يفعل المستخير بعد الاستخارة؟
إذا صلى المسلم الاستخارة واستمر أقدم على ما ينوي فعله، فإن كان خيراً يسره الله له، وإن كان شراً صرفه الله عنه وأبعده منه.
ويعتقد كثير من الناس أو بعضهم أن المستخير إذا استخار ربه في شيء عليه أن ينتظر حتى يرى مناماً في نومه، وبناء على الرؤيا التي يراها يفعل أو لا يفعل، وهذه خرافة لا اصل لها من الدين، ولا تبنى الأحكام الشرعية على المنامات، فمتى استخرت الله لعمل ما، تول عليه واستمر وأقدم على ما تريد، ولا تنتظر مناماً ولا انشراح صدر، لأن انشراح الصدر لا ضابط له، فقد ينشرح الصدر لهوى في النفس داخلها قبل الاستخارة.
قال عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله -: ( يفعل ما اتفق) (45).

وقال محمد بن علي كمال الدين الزملكاني - رحمه الله- : (إذا صلى الإنسان ركعتي الاستخارة لأمر، فليفعل بعدها ما بدا له، سواء انشرحت نفسه له أم لا، فإن فيه الخير وإن لم تنشرح نفسه ) قال: ( وليس في الحديث انشراح النفس) (46).
وينبغي على المستخير أن يجرد نفسه من الهوى، فلا يتبع هواه وما تميل إليه نفسه، بل يخلع ذلك كله ثم يستخير ويتوكل على الله سبحانه.
قال القرطبي المالكي - رحمه الله -: ( قال العلماء: وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر حتى لا يكون مائلاً إلى أمر من الأمور) (47).
وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: (والمعتمد أنه لا يفعل ما ينشرح به صدره مما له فيه هوى قوي قبل الاستخارة) (48).
المسألة الثالثة عشرة: هل يصح الفصل بين الصلاة ودعاء الاستخارة؟
والمراد بالمسألة أن من صلى صلاة الاستخارة ثم فصل بينها وبين الدعاء بفاصل قليل (49). أو ذكر الله وحمده قبل الشروع في الدعاء فهل جائز وتصح به الاستخارة أم لا؟
أهل العلم قالوا: إن كان الفاصل قليلاً ولم يطل لا يضر ذلك، كما أن الفصل بين الصلاة والدعاء بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ( لا إشكال فيه، أيضاً لأنه دعاء والدعاء يفتح بحمد الله والثناء عليه قبل الشروع فيه قال محي الدين النووي - رحمه الله-: ( ويستحب افتتاح الدعاء المذكور (50) وختمه بالحمد لله والصلاة والتسليم على رسول الله ( ) (51).

وقال بدر الدين العيني رحمه الله مبيناً قول النبي ( في دعاء الاستخارة: ( ثم ليقل اللهم ...).
قال: (دليل على أنه لا يضر تأخير دعاء الاستخارة عن الصلاة ما لم يطل الفصل) (52).
وقال الشوكاني - رحمه الله -: (قوله: "ثم ليقل" فيه أنه لا يضر تأخير دعاء الاستخارة عن الصلاة ما لم يطل الفصل، وأنه لا يضر الفصل بكلام آخر يسير خصوصاً إن كان من آداب الدعاء لأنه أتى بثم المقتضية للتراخي) (53).

المسألة الرابعة عشرة: ما حكم تكرار صلاة الاستخارة؟
قد يستخير المسلم ربه في أمر ما، ثم يشعر أن الأمور لم تنجل جيداً، ولم تتضح له الصورة ولا وجه الخير فيما عزم عليه، فيحتاج إلى تكرار وإعادة الاستخارة مرة أخرى فهل يشرع له ذلك؟
قال بدر الدين العيني - رحمه الله -: ( فإن قلت: هل يستح تكرار الاستخارة في الأمر الواحد إذا لم يظهر له وجه الصواب في الفعل أو الترك ما لم ينشرح صدره لما يفعل. قلت: بلى، يستحب تكرار الصلاة والدعاء لذلك) (54).
وقال علي القاري - رحمه الله -: ( ويمضي بعد الاستخارة لما ينشرح له صدره انشراحاً خالياً عن هوى النفس، فإن لم ينشرح لشيء فالذي يظهر أن يكرر الصلاة حتى يظهر له الخير) (55).
وقال الشوكاني (56) - رحمه الله -: ( وهل يستحب تكرار الصلاة والدعاء؟ قال العراقي: الظاهر يستحب) (57).

إذن من أهل العلم من قال إنه يستحب فضلاً عن الجواز، مما يؤكد جواز تكرار الاستخارة. وبجوز التكرار - أيضاً - أي: تكرار صلاة الاستخارة أفتى سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى وسماحة الشيخ المحدث العلامة محمد ناصر الدين الألباني (58)، وقيد التكرار بقيد من لم تطمئن نفسه لصلاته الأولى).

والدليل على جواز تكرار الاستخارة ما يلي:

أولاً: أن النبي ( كان إذا دعا دعا ثلاثاً، والاستخارة دعاء بصورة مخصوصة فهي صلاة ثم دعاء، بمعنى أنها إلى الدعاء أقرب.
ثانياً: ما أخرجه مسلم في صحيحه، في قصة غزو أهل الشام الكعبة واحتراقها في زمن معاوية، وأراد عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أن ينقض بناءها قبل إصلاحها ثم يبنيها على قواعد إبراهيم عليه السلام فقال ابن الزبير: (يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة: أنقضها ثم ابني بناءها، أو أصلح ما وهي منها؟) قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها، أي أن تصلح ما وهي منها، وتدع بيتاً أسلم الناس عليه، وأحجاراً أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي (. قال ابن الزبير: ( لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجده (59) فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثاً ثم عازم على أمري ...) (60).
والشاهد من الأثر والقصة قول الزبير: (إني مستخير ربي ثلاثاً) فهو دليل على جواز تكرار صلاة الاستخارة لأنه قول وفعل صحابي، فهو حجة إذا لم يعارض بل الأدلة العامة في مشروعية تكرار الدعاء والإلحاح فيه تؤيد هذا العمل.
ثالثاً: ( إن صلاة الاستخارة أشبه ما تكون بصلاة الاستسقاء من حيث إنها صلاة حاجة، وتشابهاً من حيث ارتباط الصلاة بالدعاء، وهذا النوع من الصلاة أشبه ما يكون دعاء بصورة مخصوصة، فإذا انضم إلى هذا المعنى اللغوي للصلاة - وهو الدعاء وكان الإكثار من الدعاء مطلوباً - فلا نرى مانعاً من تكرارها.....
ومهما قيل فهي دعاء، والدعاء يستحب تكراره، والإلحاح فيه، سواء كان مخصوصاً أو غير مخصوص) (61).
وأما حديث أنس رضي الله عنه الذي فيه تكرار الاستخارة سبع مرات فلا يصح ولا يجوز الاحتجاج به على أنها تكرر سبع مرات (62).

المسألة الخامسة عشرة: من لم يتمكن من الصلاة فهل يجوز له أن يقتصر على دعاء الاستخارة دون أن يصلي ركعتين قبله؟
معلوم أن الاستخارة تكون بركعتين، ثم الدعاء بعد الصلاة، ولكن إن لم يستطع المسلم الصلاة فهل يستخير بالدعاء الوارد فقط دون الصلاة؟
وذلك كالمرأة الحائض مثلاً، إذا طرأت لها حاجة وأرادت أن تستخير فهي لا تستطيع الصلاة، فهل يشرع لها الاستخارة بالدعاء فقط؟
الجواب: نعم تجوز الاستخارة بالدعاء دون الصلاة لمن لا يمكنه الصلاة، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية، حيث أجازوا الاستخارة بالدعاء فقط من غير صلاة إذا تعذرت الاستخارة بالصلاة والدعاء معاً(63).
قال محي الدين النووي رحمه الله تعالى: " ولو تعذرت عليه الصلاة استخار بالدعاء"(64).

المسألة السادسة عشرة: ما الحكمة من تقديم صلاة ركعتين على دعاء الاستخارة؟
إن الله سبحانه وتعالى موصوف بالحكمة، وديننا الإسلامي دين حكمة وتدبر. وقد يحاول الإنسان التوصل إلى شيء من الحكم التي في النصوص الشرعية، فيعرف حكمة التشريع فيزداد إيماناً وثباتاً، وإن لم تظهر لنا الحكمة قلنا. سمعنا وأطعنا.
ودعاء الاستخارة مسبوق بصلاة ركعتين، فحاول بعض أهل العلم معرفة الحكمة من ذلك.
فقالوا: إن الهدف من الاستخارة أن يجمع بين خيري الدنيا والآخرة، وأن يبعد الله عنه شر ما يريد الإقدام عليه، فهذا الطلب نوع دعاء يحتاج إلى مقدمة فيها ذل وخشوع ومناجاة واعتراف يقرع بها باب الملك قبل الشروع في الطلب وليس أفضل وأنجح لذلك من الصلاة.

قال الحافظ ابن حجر: " قال ابن أبي جمرة: " الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء أن المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب الملك، ولا شيء لذلك أنجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مآلاً وحالاً" "(65).
وقال العلامة ابن الحاج المالكي - رحمه الله -: " ثم انظر رحمنا الله وإياك إلى حكمة أمره عليه الصلاة والسلام المكلف بأن يركع ركعتين من غير الفريضة، وما ذاك إلا لأن صاحب الاستخارة يريد أن يطلب من الله قضاء حاجته.
وقد قضت الحكمة أن من الأدب قرع باب من تريد حاجتك منه، وقرع باب المولى سبحانه وتعالى إنما هو بالصلاة...، ولأنها جمعت بين آداب جملة (66) فمنها خروجه عن الدنيا كلها وأحوالها بإحرامه بالصلاة، ألا ترى إلى الإشارة برفع اليدين عند الإحرام إلى أنه خلف الدنيا وراء ظهره، وأقبل على مولاه يناجيه، ثم ما فيها من الخضوع والندم والتذلل بين يدي المولى الكريم بالركوع والسجود؟ إلى غير ذلك مما احتوت عليه من المعاني الجليلة ليس هذا موضع ذكرها.
فلما أن فرغ من تحصيل هذه الفضائل الجمة حينئذ أمره صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام بالدعاء"(67).


EmoticonEmoticon