Monday, May 5, 2014

حديث لا تشدُّ الرحال الحديث يدل بمفهومه على استحباب الزيارة

حديث لا تشدُّ الرحال استحباب الزيارة


الفهرس



حديث لا تشدُّ الرحال … الحديث يدل بمفهومه على استحباب الزيارة

من المعروف أن ابن تيمية انفرد في القرن السابع بمنع إنشاء السفر لزيارة النبي(ص)،وقد أكثر تلميه ابن عبد الهادي من نقل فتاوي شيخه ابن تيمية المصرحة بتحريم شد الرحل لمجرد الزيارة ، وأعقب فتيا ابن تيمية مناظرات ومصنفات وفتن .

وأكثر العلماء من رَدّ مقالته (1) .

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (5/66) بعد الإشارة لهذه الفتنة :
(( والحاصل أنهم ألزموا ابن تيمية بتحريم شدِّ الرحل إلى زيارة قبر سيدنا رسول الله (ص)، ثمقال الحافظ: وهي من أبشع(2) المسائل المنقولة

( 1 ) ومحاولة تصوير الرادين على ابن تيمية أنهم من علماء السوء تهافت وبعد عن البحث وركوب لمقام الإفساد الذي يرده الواقع ، ولا بد من المبالغة في رد أمثال هذه الوساوس .

( 2 ) قال الشيخ عبد العزيز بن باز معلقاً على عبارة الحافظ المذكورة أعلاه ( الفتح : 3 / 66 ) :
وهذا اللازم لا بأس به ، وقد التزمه الشيخ وليس في ذلك بشاعة بحمد الله عند من عرف السنة مواردها ومصادرها ، والأحاديث المروية في فضل زيارة قبر النبي ( ص ) كلها ضعيفة بل موضوعة ، كما حقق ذلك أبو العباس في منسكه وغيره ، ولو صحت لم يكن فيها حجة على جواز شد الرحال إلى زيارة قبره عليه اللاة والسلام من دون قصد المسجد ، بل تكون عامة مطلقة .

وأحاديث النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخها ويقيدها )) . اهـ .

قلت : إذا كان كلام الشيخ ابن تيمية فيه بشاعة شدد بسببها العلماء النكير عليه فالأبشع منه قولك : ولو صحت … إلخ ، فلازم كلامك تحريم السفر لطلب العلم وصلة الرحم وزيارة أخ في الله وللتجارة … إلخ ، لأن الأحاديث التي وردت في مثل هذه الأنواع عامة مطلقة ، وأحاديث =

عن ابن تيمية )) اهـ .
وقال الحافظ أبو زرعة العراقي في بعض أجوبته المسماة ( الأجوبة المرضية عن الأسئلة المكية ص96–98)، وهو بصدد الكلام على المسائل التي انفرد ابن تيمية بها :
" وما أبشع مسألتي ابن تيمية(1) في الطلاق والزيارة، وقد رد عليه فيهما معاً الشيخ تقي الدين السبكي وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن " اهـ .

وقال أيضاً في طرح التثريب ( 6 / 43 ) :
وللشيخ تقي الدين ابن تيمية هنا كلام بشع عجيب يتضمن منع شد

= النهي عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة يخها ويقيدها حسب عبارتك وهذل لم يقل به أحد من الأمة ولا يعقل وكان أولى بالكاتب أن يتقيد بمذهبه الحنبلي بله مذاهب الأئمة قاطبة وقد تقدمت بعض نوهم ، ولا يخفي على القاريء اللبيب أن الحديث المذكور في شد الرحال لا يفيد العموم ، ودونك فهم الصحابة له مثل عمر بن الخطاب ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة وسيأتي إن شاء الله تعالى والله المستعان .

(1) وكأن ابن تيمية يمنع من الزيارة مطلقاً كما يفهم من كلامه فقلا في الرد على الأخنائي ( ص 102 ) : والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد ، وإذا سمى هذا زيارة لقبره فهو اسم لا مسمى له إنما هو تيان إلى مسجده . اهـ .وقلده ابن عبد الهادي فقال : ولأن زيارة قبره ( ص ) لا يتمكن منها أحد كما يتمكن من الزيارة المعروفة عند قبر غيره . اهـ .
قلت : مشيا رحمهما الله على اشتراط مشاهدة القبر في الزيارة وهو أمر لم يصرح به أحد من المسلمين ، على أنه قد استفاض لفظ القبر الشريف مع الزيارة والسلام والدعاء وطلب الاستسقاء والله المستعان .

الرحل للزيارة ، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك،ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في شفاء السِّقام فشفى صدور قوم مؤمنين اهـ .

وذكر الحافظ العلائي المسائل التي انفرد بها ابن تيمية فقال :
((ومنها … أنَّ إنشاء السفر لزيارة نبينا (ص) معصية لا تقصر فيها الصلاة، وبالغ في ذلك ولم يقل به أحد من المسلمين قبله(1) )) .

انظر تكملة الردِّ على النونية (ص 143) وبمقولة ابن تيمية فُتِح في الأمة باب فتنة ، وقضى الله ولا راد لقضائه .
وعمدة ابن تيمية على هذا المنع حديث: لا تشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد . المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا .
والجواب على هذا من وجوه :

الوجه الأول :

هذا الاستثناء المذكور في الحديث استثناء مفرغٌ، ولا بدَّ من تقدير المستثنى منه ، وهو إما أن يُحمَل على عمومه فيقدر له أعمَّ العام لأن الاستثناء معيار العموم ، فيكون التقدير لا تشدُ الرحالُ إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة .
وهذا باطل بداهة لأنه يستلزم تعطيل السفر مطلقاً إلا للمساجد الثلاثة .

( 1 ) وكلمة الحافظ صلاح الدين العلائي مثبتة للإجماع ، نافية للشذوذ .
ولكن لا بد أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه .

قال ابن النجار الحنبلي في" شرح الكوكب المنير" (3/286) :
ولا يصح الإستثناء أيضاً من غير الجنس نحو جاء القوم إلا حماراً ، لأن الحمار لم يدخل في القوم ، وكذا : له عندي مائة درهم إلا ديناراً ونحوه ، وهذا هو الصحيح من الروايتين عن الإمام أحمد رضي الله عنه واختيار الأكثر من أصحابنا وغيرهم . اهـ .

واختاره الإمام الغزالي في المنخول ( ص 159 ) .
ومن قال بجواز الاستثناء من غير الجنس قال : إنه مجاز .

وعليه فلا يصح أن يقال: قام القوم إلا حماراً مع إرادة الحقيقة. فإن أراد المجاز صح هنا بأن يجعل الحمار كناية عن البليد، كذا في المدخل لابن بدران الحنبلي ( ص117 ) .
وفيه أيضاً قول الخرقي في مختصره : ومن أقر بشئ واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلاً . اهـ .

واستظهر أبو إسحق الشيرازي كونَ الاستثناء من غير الجنس من باب المجاز ، كذا في نزهة المشتاق شرح لمع أبي إسحاق ( ص230 _ 231 ) لشيخ مشايخنا الشيخ يحيى أمان المكي رحمه الله تعالى .
وصفوة القول أن كون المستثنى لا بد أن يكون من جنس المستثنى منه هو مذهب الحنابلة .
وأن من جوزه جعله من باب المجاز ، فرجع خلافهم إلى وفاق .

وعلى ما سبق تقريره ينبغي أن يقدر مستثنى منه يوافق المستثنى ( المساجد ) المذكور في الحديث . فيكون نظم الحديث كالآتي :
لا تشد الرحال إلى ( مسجد ) إلا إلى ثلاثة ( مساجد ) .
ورواية شهر بن حوشب في تعيين المستثنى منه مشهورة وقد أخرجها أحمد في المسند (3/64،93)، وأبو يعلى في مسنده (2/489) .
وقال الحافظ في الفتح (3/65): وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف . اهـ .

وذكره الذهبي فيمن تكلم فيه وهو موثق (ص100)، فهو ممن يحسن حديثه عند الذهبي أيضاً .
فهذان حافظان جبلان في الحفظ ومعرفة الرجال ذهبا إلى تحسين حديث شهر بن حوشب، فلا تنظر بعد لتشغيب الألباني وقد رددت عليه بما سيأتي في مكانه إن شاء الله تعالى ، وقد تتابع على تقدير المستثنى بالمساجد شراح الحديث . وقال الكرماني في شرحه على البخاري (7/12) عند قوله " لا إلى ثلاثة مساجد " :

والاستثناء مفرغ ، فإن قلت : فتقدير لكلام لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان ، فيلزم أن لا يجوز السفر إلى مكان غير المستثنى حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل عليه السلام ونحوه ، لأن المستثنى منه في المفرغ لا بد أن يقدر أعم العام، قلت: المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى
نوعاً ووصفاً كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيداً كان تقديره : ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً ، فهاهنا تقديره : لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة . وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا مناظرات كثيرة في البلاد الشامية، وصنف فيها رسائل من الطرفين لسنا الآن لبيانها . اهـ .

وقال العلامة البدر العينى الحنفي ( 6 / 276 ) :
وشد الرحال كناية عن لسفر لأنه لازم للسفر ، والاستثناء مفرغ، فتقدير لكلام : لا تشد الرحال إلى موضع أو مكان، فإن قيل: فعلى هذا يلزم أن لا يجوز السفر إلى ما كان غير المستثنى حتى لا يجوز السفر لزيارة إبراهيم الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه ونحوه ، لأن المستثنى منه في المفرغ لا بد أن يقدر أعم العام . وأجيب بن المراد بأعم العام ما يناسب المستثنى نوعاً ووصفً كما إذا قلت : ما رأيت إلا زيداً كان تقديره : ما رأيت رجلاً أو أحداً إلا زيداً ، لا ما رأيت شيئاً أو حيواناً إلا زيداً ، فها هنا تقديره لا تشد إلى مسجد إلا إلى ثلاثة . اهـ .

وفي فتح الباري ( 3 /66 ) :
قال بعض المحققين : قوله : " إلا إلى ثلاثة مساجد " المستثنى منه محذوف ، فإما إن يقدر عاماً فيصير : لا تشد الرحل إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة أو أخص من ذلك، لا سبيل إلى الأول لإفاضه إلى سد
باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم ويرها فتعين الثاني ، والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو : لا تشد الرحال إلى مسجد لللاة إلا إلى الثلاثة ، فيبطل بلك قول من منع شدَّ الرحال إلى زيارة القبر الشريف وغيره من قبور الصالحين والله أعلم . اهـ .

إيقاظ

كون المستثنى منه (مسجد) هو ما وافق عليه بن تيمية فقال في الفتاوي ( 27 / 12 ) .
" والتقدير في أحد أمرين " :
أما أن يقال: "لاتشد الرحال" إلى مسجد" إلا إلى المساجد الثلاثة".
فيكون نهياً عنها باللفظ . اهـ.

وياليته اقتصر على لك ولكنه قل :
"فيكون نهياً عنها باللفظ ، ونهياً عن سائر البقاع التي يعتقد فضيلتها بالتنبيه والفحوى وطريق الأولى … ثم قال : فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه فالسفر إلى المفضولة أولى وأحرى " . اهـ .

قلت :
العكس هو الصواب تماماً وما قاله ابن تيمية ملزم له ، فإن هذه المساجد اختصت بزيادة فضل ، واستحب السفر لها ، فبدلالة النص ، وطريق الأولى ، فإن السفر لهذه البقعة الشريفة أولى من السفر للمساجد الثلاثة، لأن البقعة التي ضمت جسده الشريف أفضل من المساجد الثلاثة ، ولا يقارن مسلم عاقل بين الجص والحجارة وبين بقعة ضمت جسد النبي ( ص ) (‍1) .

(1 ) انظر في علو مقام سيدنا رسول الله (ص) " دلالة القرآن المبين على أن النبي ( ص ) أفضل العالمين " لسيدي الإمام عبد الله بن الصديق الحسني رحمه الله تعالى وطيب ثراه ، وهو مطبوع .
قال الإمام مالك: "إن البقعة التي فيها جسد النبي (ص) أفضل من كل شئ حتي الكرسي والعرش ثم الكعبه ثم المسجد النبوي ثم المسجد الحرام ثم مكة " .
وقد حكى القاضي عياض الإجماع على أنها أفضل بقاع الأرض كما في الشفا .

وحكاه قبله أبو الوليد الباجي وغيره وبعده القررافي وغيره من المالكية ويطلب تفصيل ذلك من معارف السنن شرح سنن الترمذي للسيد العلاَّمة المحقق محمد يوسف البنوري الحنفي ( 3 / 323 ) .
وعليه فقول ابن تيمية المتقدم: "فإذا كان السفر إلى البقاع الفاضلة قد نهى عنه فالسفر إلى المفضولة أولى وأحرى". اهـ، ينبغي أن يزاد عليه:
والسفر إلى المكان الأفضل بالإجماع (وهو القبر النبوي الشريف) أولى وأحرى أيضاً بدلالة النص ، الله الموفق ، والهادي للصواب .

الوجه الثاني :

قال شيخ الإسلام التقي السبكي في شفاء السقام ( ص 118 ) :
اعلم أن هذا الاستثناء مفرغ تقديره لا تشد الرحال إلى مسجد إلا إلى المساجد الثلاثة ، أو لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة ولا بد من أحد هذين التقديرين ليكون المستثنى مندرجاً تحت المستثنى منه والتقدير الأول أولى لأنه جنس قريب . اهـ .
وعلى اعتبار عموم الحديث أي لا تشد الرحال إلى مكان إلا إلى المساجد الثلاثة ، أي العموم الذي يذهب إليه ابن تيمية ، قال التقي السبكي في شفاء السقام(1) ما ملخصه (ص119 _ 121):

((السفر فيه أمران، الأول: باعث عليه كطلب لعلم وزيارة الوالدين وما أشبه ذلك ، وهو مشروع بالتفاق .
الثاني : المكان الذي هو نهاية السفر كالسفر إلى مكة أو المدينة أو بيت المقدس ويشمله الحديث والمسفر لزيارة النبي (ص)لم يدخل في الحديث لأنه لم يسافر لتعظيم البقعة،وإنما سافر لزيارة من فيها فإنه لم يدخل في الحديث قطعاً ، وإنما يدخل في النوع الأول المشروع . فالنهى عن السفر مشروط بأمرين :

أحدهما: أن يكون غايته المساجد الثلاثة .
والثاني : أن تكون علته تعظيم البقعة .
والسفر لزيارة النبي (ص ) ايته أحد المساجد الثلاثة وعلته تعظيم ساكن البقعة لا البقعة ، فكيف يقال بالنهي عنه ؟ بل أقول : إن للسفر المطلوب سببين أحدهما : ما يكون غايته أحد المساجد الثلاثة،والثاني : ما يكون لعبادة وإن كان إلى غيرها .

(1 ) تقرير الإمام السبكي عال وجيد خرج من إمام مجتهد محقق ، وهو وحده كافٍ لحل الإشكال الضعيف الذي ابتدع في القرن الثامن .

والسفر لزيارة المصطفى (ص) اجتمع فيه الأمران، فهو في الدرجة العليا من الطلب ودونه ما وجد في أحد أمرين ، ون كان السفر الذي غايته أحد الأماكن الثلاثة لا بد في كونه قربة من قصد صالح، وأما السفر لمكان غير الأماكن الثلاثة لتعظيم ذلك المكان، فهو الذي ورد فيه الحديث ، ولهذا جاء عن بعض التابعين أنه قال : قلت لابن عمر إني أريد أن آتي الطور. قال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد رسول الله ( ص ) ، ومسجد الأقصى . ودع الطور فلا تأته . اهـ .
والحاصل أن الحديث إن حُمِلَ على عمومه وفق مراد ابن تيمية فهو لا يَردُ على الزيارة مطلقاً، لأن المسافر للزيارة مسافر لساكن البقعة كالعالم والقريب وهذه جائز إجماعاً ، أما الحديث فوارد في الأماكن فقط ، فتدبر تستفد ، ولله در التقيِّ السبكي .

إيقاظ

تقرير التقي السبكي يصرح بأن الحديث خاص بالنهي عن السفر للأماكن فقط .
وهو يتفق مع ما صرح به ابن تيمية فقد قال (الفتاي27/21):
"قوله (ص) (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) يتناول المنع من السفر إلى كل بقعة مقصودة ، بخلاف السفر للتجارة وطلب العلم ونحو ذلك فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت ، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود حيث كان " اهـ .
قلت : وعليه فالحديث خاص بالنهى عن السفر إلى تلك الأمكنة .
إذا علم ذلك فزيارة النبي (ص) لا تدخل في الحديث البتة لأنها زيارة وسفر لساكن البقعة وليس للبقعة ، فتدبر .
وبعد فلعل اللبيب يدرك ن الاستدلال بحديث "لا تشد الرحل " _ بعد ذلك _ على منع السفر للزيارة هو استدلال بأجنبي .

الوجه الثالث :

إن النهي هنا ليس على وجه واحد، وهو التحريم، فقد اختلفوا على أي وجه هو ؟
قال ابن بطال: هذا الحديث، إنم هو عند العلماء فيمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير المساجد الثلاثة . اهـ .
وقال الإمام أبو سليمان الخطابي في معالم السنن :

هذا "أي حديث لا تشد الرحال …" في النذر ، ينذر الإنسن أن يصلي في بعض المساجد فإن شاء وفَّى به ، وإن شاء صلى في غيره إلا أن يكون نذر اللاة في واحد من هذه المساجد ، فإن الوفاء يلزمه بما نذره فيها . وإنما خصَ هذه المساجد بذلك لأنها مساجد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين وقد أمرنا بالاقتداء بهم . ا هـ . (معالم السنن 2/443).
ومن المقرر أن النذر لا يجب إلا في طاعة (1) ، فمعنى لحديث يجب الوفاء لمن نذر إتيان أحد المساجد الثلاثة للصلاة فيها ، فمن نذر إتيان غير هذه المساجد لا يجب عليه الوفاء بالنذر .

( 1) وزيارة النبي (ص) طاعة لذلك يلزم الوفاء الوفاء بالنذر لمن نذر إتيات القبر الشريف. قال القاضي ابن كج الشافعي : إذا نذر أن يزور قبر النبي ( ص) فعندي أنه يلزم الوفاء بلك وجهاً واحداً . اهـ . ( المجموع : 8/376 ) .
وابن كج - بفتح الكاف - هو يوسف بن أحمد الدينوري ، قال ابن قاضي شبهة ( الطبقات 1 / 196 ) : أحد الأئمة المشهورين ، وحفاظ المذهب المصنفين ، وأصحاب الوجوه المتقنين ، كان يضرب به المثل في حفظ المذهب . اهـ .

قال الإمام النووي: لا خلاف في ذلك إلا ما روي عن الليث أنه قال:

يجب الوفاء به ، وعن الحنابلة رواية: يلزمه كفارة يمين ، ولا ينعقد نذره ، وعن المالكية رواية: إذا تعلقت به عبادة تختص به كرباط لزمه ، وإلا فلا، وذكر عن نحند بن مسلمة المالكي في مسجد قباء لأن النبي(ص) كان يأتيه كل سبت . اهـ المجموع ( 8 / 377 ) .
قال ابن بطال: وأما من أراد الصلاة في مساجد الصالحين والتبرك بها متطوعً بلك فمباح إن قصدها بإعمال المطي ويره ولا يتوجه إليه الذي في هذا الحديث . اهـ .

وقال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم :
والصحيح عند أصحابنا وهو الذى اختاره مام الحرمين والمحققون أنه لا يحرم ولا يكره . قالوا : والمراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة والله أعلم . ( 9 / 106 ) .

وقال الشيخ الإمام أبو محمد ابن قدامة المقدسي الحنبلي : فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد، فقال ابن عقيل:لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها. قال النبي (ص):(لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) متفق عليه والصحيح إباحته وجواز القصر فيه لأن النبي ( ص ) كان يأتي قباء راكباً وماشياً وكان يزور القبور وقال : (زوروها(1) تذكركم الآخرة) ،
(1 ) والزيارة تقتضي الانتقال مطلقاً فيحمل لفظ الزيارة على انتقال بسفرٍ وبدون سفرٍ ، فاستدلال ابن قدامة استدلال ففيه عارف ، وقد حاول ابن تيمية تعقب ابن قدامة فقصر لفظ =

وأما قوله عليه السلام (( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )) فيحمل على نفي التفضيل لا على التخريم وليست الفضيلة شرطاً في إباحة القصر، فلا يضر انتفاؤها ، (( النغني 2/103 _ 104 )) .
ومثله لأبي الفرج ابن قدامة في الشرح الكبير (2 / 93 ) .

وقال إمام الحرمين : (( والظاهر أنه ليس فيه تحريم ، ولا كراهة ، وبه قال الشيخ أبو علي : ومقصود الحديث تخيص القربة بقصد المساجد الثلاثة ). اهـ (الروضة: 3/324)، و (المجموع: 8/375) .
وصفوة ما سبق: أن الصلاة في هذه المساجد تخت بصطاعة زائدة على ما سواها من المساجد ، ولما كان الأمر كذلك فلا يصح الوفاء بالنذر إلا إليها .

أما غيرها من المساجد فيستوي ثواب الصلاة فيها، والسفر إليها سفر مباح يجوز قصر الصلاة فيه .
فإن قيل : هلاَّ كشفت لنا ما يؤيد ما ذكرته ؟
قلت: وبالله استعنت : ويؤيد من ذهب إلى أن الحديث خا بالنذر الآتي :
1) ما صح يبإسناد رجاله رجال مسلم أن الرسول ( ص ) قال : ( إن خير ما ركبت إليه الرواحل مسجدي هذا والبيت العتيق ) ،

= الزيارة على أنه انتقال بدون سفر وفي كلام ابن تيمية نظر وتقدم الكلام عليه (ص 83 ، 84 ) ، فقد سمى الشارع السفر زيارة ، والصواب مع ابن قدامة .
وسيأتي تخريجه إن شاء الله تعالى .
والحديث يصرح بأنه يجوز ركوب الرواحل إلى غيرهما من المساجد والبقاع .
2) فهم الصحابة وهاك بعض الأمثلة :
أ) فقد روى عن عمر بن شبه في "تاريخ المدينة " (1/42) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا صخر بن جويرية ، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: سمعت أبي يقول : (( لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين ، أحب إلىَّ من أن آتي بيت المقدس مرتين، ولو يعلمون ما في قباء لضربوا إليه أكباد الإبل )) .
قال الحافظ ابن حجر : إسناده صحيح (( الفتح : 3 /69 ) .

ب) وروى ابن أبي شيبة نحوه في المصنف (2/373) .
ج) وروى عبد الرازق في المصنف (5 / 133 ) عن الثوري ، عن يعقوب بن مجمع بن جارية ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب أنه قال: "لو كان مسجد قباء في أفق من الآفاق، ضربنا إليه أكباد المطي".
إسناده حسن
فإن يعقوب بن مجمع وثقة ابن حبان وروى عنه إمام كالثوري .
وقال الحافظ الذهبي في الكاشف(2/395):وثق ومجمع بن جارية صحابي .
ولهذا الأثر طريق آخر أخرجه عمر بن شبه في أخبار المدينة (1 / 49 )
فيه أسامة بن زيد بن أسلم وهو وإن ضعف من قبل حفظه ، فهو يلح في المتابعات والشواهد .

وعمر رضىالله عنه من رواة حديث "لا تشد الرحال" فلو علم أن النهي في الحديث للتحريم لما قال مقولته في مسجد قباء .
فتدبر تستفد .
د) وأخرج الفاكهي في تاريخ مكة (رقم 2596) بإسناد لا بأس به حدثنا أحمد بن صالح قال: ثنا محمد بن عبد الله ، عن صخر بن جويرية ، عن عائشة بنت سعد قالت: كان سعد رضي الله عنه يقول: لو كنت من أهل مكة ما أحطأني جمعة لا أصلي فيه _ يعني مسجد الخيف _ ولو يعلم الناس ما فيه لضربوا إليه أكباد الإبل ، لأن أصلي في مسجد الخيف ركعتين أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين فأصلي فيه .
وغير خفي أن سعد بن أبي وقاص كان من أكابر الصحابة، ولو علم أن النهي في الحديث للتحريم لعلم أن كلامه فيه ردٌ على رسول الله ( ص ) .

هـ) وروى أحمد في المسند (6/397)، الطبراني في المعجم الكبير ( 2 / 310 ) من حديث مرثد بن عبد الله اليزني عن أبي بصرة الغفاري قالت: لقيت أبا هريرة وهو يسير إلى مسجد الطور ليصلي فيه قال: فقلت له : لو أدركتك قبل أن ترتحل ما ارتحلت قال : فقال ولم ؟ قال : فقلت: إني سمعت رسول الله (ص) يقول:(لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد:
المسجد الحرام ، المسجد الأقصى ، ومسجدي )) .

فأبو هريرة لقى أبا بصرة رضي الله عنهما : وكان أبو هريرة يسير إلى مسجد الطور (1) ، ولما أعلمه أبو بصرة بنص الحديث لم يرجع أبو هريرة .
ولو كان أبو هريرة قد فهم من الحديث التحريم لرجع ولكنه لم يفعل، بل ولم يخرج أصلاً لأنه من رواة هذا الحديث، فدل فعله على أن النهي الذي في الحديث لا يفيد التحريم عند أبي هريرة رضي الله عنه .
فأي حجةٍ، وأي برهان، وأي دليلٍ، يطلب بعد فهم أكابر الصحابة رضي الله عنهم للحديث ؟
ومما سبق يعلم أنه ليس من منطوق أو مفهوه حديث " لا تشد الرحال … الحديث " نهي عن شد الرحال لزيارة القبر النبوي الشريف، والله أعلم .

وتعجبني كلمة الفقيه اللغوي مجد الدين الفيروز آبادي إذ قال في كتابه الصلات والبشر (ص 127) :
أما حديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد فلا دلالة فيه على النهي عن الزيارة بل هو حجة في ذلك ومن جعله دليلاً على حرمة الزيارة فقد أعظم الجراءة على الله ورسوله وفيه برهان قاطع على غباوة
( 1) فكلام إبي هريرة وأبي بصرة خاص بالمساجد التي تقصد للصلاة ومثله تماماً نهي ابن عمر لقزعة على السفر للطور ، نهى عن السفر إلى موضع يقصد للصلاة فيه أي المساجد ، انظره في مجمع الزوائد ( 4/4) .

قائله ، وقصوره عن نيل درجة كيفية الاستنباط والاستدلال . اهـ .
فلا تنظر بعد لمن يردد صدى كلام لا يفقه ، ونما هو مؤيد فقط لرأي غيره بدون تأمل أو من يلخص ويتعصب !!
وبعد … فهذا أان الشروع في المقصود بالذات من هذا المصنف وهو تخريج أحاديث التوسل ، والزيارة
أسأل الله الإعانة التوفيق .



EmoticonEmoticon