Thursday, May 29, 2014

الحضانة نفقته ومشكلته

Tags

الحضانة نفقته ومشكلته


الفهرس


ـ الحضانة: يُراعى في الحضانة أمران عليهما مدار أحكام الحضانة:

أولهما: مصلحة الطفل، وسلامة نشأته وتربيته التربية الصالحة، الراشدة.
ثانياً: أولى أقارب الطفل بحضانته .. وهم بالترتيب: الأم، ثم الخالة، ثم الجدة والدة الأم، ثم الأب[ ].
أما الدليل على أن الحضانة للأم بلا منازِع، فهو للحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره، عن عبد الله بن عمرو: أنَّ امرأة قالت: يا رسولَ الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سِقاء، وحجري له حِواء، وإنَّ أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني؟!
فقال لها رسولُ الله :" أنتِ أحقُّ به ما لم تنْكِحي "[ ].

وقال :" مَن فرَّق بين والدةٍ وولدها فرَّقَ اللهُ بينه وبين أحبته يومَ القيامة "[ ].
قال تعالى: لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا البقرة:233. ومن الإضرار الوالدة بولدها انتزاعه منها بغير وجه حق .. والتضييق عليها وعلى ولدها في النفقة من أجل أن تتخلى عن ولدها للآخرين.

وعن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ إلى رسولِ الله ، فقال: يا رسولَ الله من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال:" أمُّكَ ". قال: ثم مَن؟ قال:" أمُّكَ ". قال: ثم مَن؟ قال:" أمُّكَ ". قال: ثم مَن؟ قال:" ثم أبوك " متفق عليه. دل الحديث أن الأم هي المقدمة في حسن الصحبة والحضانة على الأب ومن سواه من الأرحام .. فأولى الناس بحسن صحبة الولد وملازمته هي أمه .. كما أن الأم هي أولى الناس بحضانته ورعايته يوم أن كان صغيراً .. فالجزاء من جنس العمل، كما قال تعالى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً الإسراء:24.

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه 7/154: عن الثوري، عن عاصم، عن عكرمة قال:" خاصمت امرأة عمر إلى أبي بكر رضي الله عنهما، وكان طلَّقها، فقال: هي أعطَف، وألطَف، وأرحم، وأحنَا، وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تزوَّج ".
فتأمل كيف أن أبا بكر الصديق  اعتبر العلة التي جعلت المرأة أولى بالحضانة من الرجل .. والتي بها تتحقق مصلحة الطفل .. وهي كونها " أعطَف، وألطَف، وأرحم، وأحنَا، وأرأف ".

وفي رواية قال له:" ريحها، وحجرها، وفراشها خير له منك، حتى يَشِبَّ ويختار لنفْسِه ".
قال محمد صديق خان في كتابه الروضة الندية: وقد أجمع العلماء على أن الأم أولى بالطفل من الأب ا- هـ.

أما الدليل على أن الذي يلي الأم هي الخالة، فهو للحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره، عن علي بن أبي طالب  قال: خرجَ زيد بن حارثة إلى مكة، فقدم بابنة حمزة، فقال جعفر: أنا آخذها، أنا أحق بها؛ ابنة عمي، وعندي خالتها، وإنما الخالة أم. فقال علي: أنا أحق بها، ابنة عمي، وعندي ابنة رسول الله ، وهي أحق بها. فقال زيد: أنا أحق بها؛ أنا خرجتُ إليها، وسافرت، وقدمت بها. فخرجَ رسولُ الله ، قال:" وأما الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها؛ وإنما الخالة أم "[ ].
وفي رواية:" فقضى بها النبي  لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم "[ ].

قال صاحب الروضة 2/185: الحق أن الحضانة للأم ثم للخالة للدليل الذي قدمنا، ولا حضانة للأب ولا لغيره من الرجال والنساء إلا بعد بلوغ الصبي سن التمييز، فإن بلغ إليه ثبت تخييره بين الأم والأب ا- هـ.

وأما الدليل على أن الذي يلي الخالة هي الجدة أم الأم، فهو للأثر الذي رواه الإمام مالك في " الموطأ " 2/767: عن يحيى بن سعيد، أنه قال:" سمعتُ القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمر بن الخطاب امرأةٌ من الأنصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إنه فارقها، فجاء عمر قُباء، فوجد ابنه عاصماً يلعب بفناء المسجد، فأخذ بعضُدِه، فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدَّةُ الغلام، فنازعته إياه، حتى أتيا أبا بكرٍ الصديق، فقال عمر: ابني، وقالت المرأةُ: ابني، فقال أبو بكرٍ: خَلِّ بينها وبينَه. قال: فما راجعَهُ عمرُ الكلامَ.
قال: وسمعت مالكاً يقول: وهذا الأمرُ الذي آخذُ به في ذلك "ا- هـ. أي أفتي وأقضي به.

قال محمد صديق خان في الروضة: قال في المسوى ـ أي قال ولي الله الدهلوي في كتابه المسوى شرح الموطأ ـ: إذا فارق الرجل امرأته وبينهما ولد صغير فالأم، وأم الأم أولى بالحضانة من الأب لرواية مالك " ا- هـ. أعلاه.
وفي رواية في المصنف لعبد الرزاق، عن القاسم بن محمد قال: أبصرَ عمر عاصماً ابنه مع جدته أُمِّ أُمِّه، فكأنه جاذبها إياه، فلما رآه أبو بكرٍ مقبلاً، قال أبو بكر: هي أحقُّ به، قال: فما راجعه الكلام.

قلت: عمل اتفق عليه الشيخان لا ينبغي ولا يجوز الحيدة عنه أو مخالفته، لقوله :" اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر "[ ]. وفي رواية:" إنِّي لا أدري ما بقائي فيكم، فاقتدوا باللذينِ من بعدي "؛ وأشارَ إلى أبي بكرٍ وعمر "[ ].
قال ابن حزم في المحلى 10/143: الأم أحق بحضانة الولد الصغير والابنة الصغيرة حتى يبلغا المحيض أو الاحتلام، أو الإنبات مع التمييز، وصحة الجسم، سواء كانت أمَة أو حرة، تزوَّجَت أم لم تتزوّج، رحلَ الأب عن ذلك البلد أو لم يرحَل، والجدَّة أم ا- هـ.

فإن شَبَّ الولَدُ وبلغ سنَّ التمييز خُيِّر بين والديه، أيهما اختار ذهب معه، للحديث الذي أخرجه النسائي وغيره، عن أبي هريرة قال: إنَّ امرأة جاءت رسولَ الله ، فقالت: فداكَ أبي وأمي، إن زوجي يريدُ أن يُذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عِنَبَة، فجاء زوجها، وقال: من يُخاصمني في ابني؟ فقال :" يا غُلام! هذا أبوك، وهذه أمُّكَ، فخذ بيدِ أيهما شئتَ ". فأخذَ بيدِ أمه، فانطلقت به[ ].

وعن عبد الحميد بن سلمة الأنصاري، عن أبيه، عن جده: أنه أسلمَ وأبت امرأته أن تُسلِم، فجاء ابن لهما صغير؛ لم يبلغ الحلم، فأجلسَ النبيُّ  الأب ههنا، والأم ههنا ثم خيره، فقال:" اللهمَّ اهدِهِ " فذهب إلى أبيه[ ]. والحديث فيه أن الولد يُخير بين أبويه حتى لو كانت أمه غير مسلمة ـ ما أُمِنَت الفتنة على الولد في دينه وأخلاقه ـ وما ذلك إلا لما لحضانة الأم من مزيّة عظيمة .. ولما لها من حقٍّ مغلّظ على ولدها.

فإن قيل: كيف نفسر قوله :" :" أنتِ أحقُّ به ما لم تنْكِحي "؟
أقول: يُفسر كالتالي: أي أن هذا الحق محفوظ لكِ .. فإذا نكحتي وتزوجتي .. لم يعد هذا الحق خالصاً لكِ .. وإنما يُنظَر في أمرِك ومدى عطائك لطفلك في ظل زواجك الثاني .. فإن وجِد أن حضانتك لطفلك ستتأثر سلباً بسبب زواجك .. وكان زوجك غير مأمون على أبنائك .. انتقلت الحضانة إلى غيرك بحسب التسلسل الوارد أعلاه .. لأن الجانب الأهم في الحضانة هو اعتبار مصلحة الطفل قبل غيره.
وهذا لا يعني بالضرورة أن تنتقل الحضانة مباشرة إلى الأب مهما كانت النتائج والآثار[ ] .. بدليل أن الحضانة بعد الأم للخالة، وإن كانت ذات زوج، كما في قصة ابنة حمزة؛ فقد قضى لها النبي  أن تكون عند خالتها، علماً أن خالتها لها زوج، وزوجها هو جعفر بن أبي طالب . وأنس ابن مالك ـ خادم رسول الله  ـ كان في حضانة أمه، وهي زوجة لأبي طلحة، ولم ينكر عليها النبي .
قال صاحب الروضة 2/185: حديث " أنتِ أحقُّ به ما لم تنْكِحي " يُفيد ثبوت أصل الحق في الحضانة للأب بعد الأم ومن هو بمنزلتها؛ وهي الخالة، فتكون أهل الحضانة الأم ثم الخالة ثم الأب ا- هـ.

قال ابن حزم في المحلى 10/153:" ومن طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج عن أجلح: أن شريحاً قضى بالصبي للجدّة إذا تزوجت أمه ".
قلت: المهم في الحاضن ـ إضافة إلى مراعاة من له الأولوية في الحضانة ـ أن يكون مأمون الجانب في دينه وأخلاقه، كفأ لمهمة الحضانة، أما إن كان غير مأمون الجانب في دينه وأخلاقه، وكان ممن يقترف الفواحش والمنكرات، ويتعاطى المسكرات والمخدرات، وخُشي على الطفل من سوء دينه وأخلاقه .. انتقلت الحضانة منه ـ مهما علا كعبه وشأنه حتى لو كانت الحاضنة هي الأم أو الأب ـ إلى من يليه من أولي الأرحام بحسب الأولوية، بشرط أن يكون مأموناً في دينه وأخلاقه .. ويُرجى منه الخير للطفل أكثر من غيره .. لأن الغرض الأساس من الحضانة ـ كما ذكرنا من قبل ـ هي سلامة الطفل ومصلحته الدينية والدنيوية سواء.

قال تعالى: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ المائدة:2. فوضع الطفل في حضانة ضارة غير مأمونة النتائج والعواقب هو من التعاون على الإثم والعدوان، والعكس إذا وضع الطفل في حضانة سليمة مأمونة النتائج والعواقب فإن ذلك يُعد من التعاون على البر والتقوى.

كذلك دعاء النبي  للغلام بأن يهديه الله لاختيار والده المسلم على والدته غير المسلمة .. علماً أن أولوية الحضانة هي للأم كما تقدم .. ولكن هنا رُوعيت مصلحة الطفل؛ التي تتحقق في حضانة المسلم أكثر مما هي في حضانة غير المسلم .. وإن كان هذا الغير هي الأم!
قال ابن حزم في المحلّى 10/145: اختصمَ خال وعم إلى شريح في صبي فقضى به للعم، فقال الخال: أنا أنفق عليه من مالي؟ فدفعه إليه شريح. وهذا نص قولنا ا- هـ.

والشاهد أن القاضي العادل شريح لما لمس أن الخال أقدر على تمتيع ورعاية الطفل مادياً ودنيوياً من العم أوكل إليه مهمة الحضانة .. بعد أن كان قراره الأول لصالح العم.
قال ابن القيم رحمه الله: فمن قدّمناه بتخيير، أو قرعة، أو بنفسه، فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد. ولو كانت الأم أصوَن من الأب، وأغير منه، قُدّمت عليه، ولا التفات إلى قرعة، ولا اختيار للصبي في هذه الحالة؛ فإنه ضعيف العقل، يُؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك لم يُلتفَت إلى اختياره، وكان عنده من هو أنفع له، وأخير، ولا تحتمل الشريعة غير هذا، والنبي  قد قال:" مُروهم بالصلاة لسبعٍ، واضربوهم على تركها لعشر، وفرّقوا بينهم في المضاجع ". والله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ التحريم:6. وقال الحسن: علموهم وأدبوهم وفقهوهم، فإذا كانت الأم تتركه في المكتب، وتعلمه القرآن، والصبي يُؤثر اللعب، ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، فإنها أحق به بلا تخيير، ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى أخلّ أحد الأبوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطّله، والآخر مُراعٍ له فهو أحق وأولى به.

قال: وسمعت شيخنا ـ ابن تيمية رحمه الله ـ يقول: تنازع أبوان صبياً عند بعض الحكام، فخيره بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمه: سلْه لأي شيء يختار أباه؟ فسأله؟ فقال: أُمّي تبعثني كل يوم للكتّاب، والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع الصبيان. فقضى به للأم، قال: أنتِ أحق به.

قال: قال شيخنا: وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي، وأمره الذي أوجبه الله تعالى عليه، فهو عاصٍ، ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له، بل إما أن تُرفَع يده عن الولاية، ويُقام من يفعل بالواجب، وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب؛ إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان[ ]ا- هـ.


ـ نفقة الحضانة:

لا خلاف أن نفقة الحضانة المتضمنة والشاملة للنفقة على الحاضنة " الأم " والأبناء سواء، هي واجبة على الوالد .. وهي تشمل تكاليف السكن، والملبس، والمأكل، والمشرَب.
كما قال تعالى: وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا البقرة:233. ومن إضرار الوالدة بولدها الامتناع عن النفقة عليها وعلى ولدها عساها أن تتخلى عن ولدها للآخرين .. فيتحقق لها الإضرار من وجهين: حرمان حقها وحق ولدها من النفقة .. وانتزاع ولدها منها لعدم وجود النفقة التي تكفيها وولدها .. وهو أشد عليها ضرراً وحرجاً من مجرد قطع النفقة عنها.

وقال تعالى: وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً النساء:5.
وقال تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ الطلاق:6.
وقال تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ الطلاق:7.
وفي الصحيحين: قالت هند أم معاوية لرسول الله : إن أبا سُفيان رجلٌ شحيحٌ، فهل عليَّ جناحٌ أن آخذَ من ماله سِرّاً؟ قال:" خذي أنتِ وبنوكِ ما يكفيكِ بالمعروف ".
وقال :" كفى بالمرءِ إثماً أن يُضيِّعَ من يَقوت "[ ].


ـ مشكلة في بلاد الشرق وبلاد الغرب حول الحضانة:

في بلاد الشرق؛ العربية منها والأسوية يتهرب الرجل ـ إلا من رحم الله ـ من حضانة أبنائه؛ لكي لا يلتزم بالنفقة الشرعية لهم، وحتى لا تستفيد الحاضنة " أمهم " من النفقة .. وفي كثير من الأحيان .. يجد من عادات وتقاليد وقوانين بلده ما يُعينه على هذا الظلم والعدوان .. مما يدفع المرأة لفقرها وضعفها أن تتخلى عن حضانة أبنائها لأبيهم ولذوي وقرابة أبيهم .. فيتحقق بذلك الضرر للأم وللأبناء سواء؛ لفقدانهم المحضن الأسلم والأكثر أماناً لهم من غيره .. ثم أن هذا الفصل بين الأبناء وأمهم قد يمتد لسنوات طوال من دون أن يسمح الأب لأبنائه بزيارة أمهم أو التعرف عليها .. وإنّي لأعلم عن حالات بلغ فيها الأبناء سن الشباب والرجولة .. وهم لا يعرفون شيئاً .. ولا يريدون أن يعرفوا شيئاً عن أمهم!

أمّا في بلاد الغرب " الأوربية "؛ لما تستحقه المرأة المطلقة في قانونهم من نفقة ورعاية كاملتين تشملان نفقات المسكن، والملبس، والمأكل، والمشرب، والتعليم، والعلاج الطبي للأبناء ولحاضنتهم معاً .. فإن من الآباء ـ وللأسف ـ من يزاحم امرأته على هذه الحضانة .. ليس رغبة منه في الحضانة .. أو لأنه الأكفأ في الحضانة .. والرعاية .. وإنما لكي يحصل على تلك النفقات التي تصرفها الحكومة على الأبناء وحاضنتهم .. ويحرم أمهم من هذا الحق .. وهو ما إن يتحقق له ذلك .. يكفيه من شؤون الحضانة أن يأتي لأبنائه بخادمة أجنبية ـ لا تراعي فيهم حقّاً ولا واجباً ـ لكي ترعاهم .. ليضرب هو في الأرض .. ويتمتع ببقية حياته .. ساهياً لاهياً!
أما إن صُرِفت نفقة الحضانة للأم ـ وهي في الغالب تُصرَفَ لها ـ فإن الأب ـ إلا من رحم الله ـ لا يتعرّف على أبنائه في شيء .. وتراه يتهرب من واجباته نحوهم والتي منها النفقة عليهم وعلى الحاضنة .. بحجة أن الحكومة تنفق عليهم وعلى أمهم .. وهو بعد ذلك .. لا يستحي بأن يُطالب بجميع وكامل حقوق الأبوة على أبنائه .. وعلى كل ما يمت بصلة بأبنائه!

هذا واقع ظالم .. نشاهده .. ونعايشه .. ونكابده .. والمرأة وأبناؤها هم ضحاياه .. وعلاجه أن يتقي الرجالُ اللهَ  فيما استرعاهم إياه، واستأمنهم عليه .. وسائلهم عنه يوم القيامة  يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ الشعراء:88-89.

الهامش

مهمة الحضانة مهمة أنوثية أكثر مما هي مهمة ذكورية، والنساء يصلحن لها أكثر من الرجال .. وهذا المعنى قد راعته الشريعة عند التقرير لمن له حق الحضانة.
صحيح سنن أبي داود: 1991.
رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: 6412.
صحيح سنن أبي داود: 1993.
صحيح سنن أبي داود: 1995.
صحيح سنن الترمذي: 2895.
صحيح سنن الترمذي: 2896.
صحيح سنن النسائي: 3271.
صحيح سنن النسائي: 3270. قدَّر أهل العلم سن التمييز الذي فيه يُخير الطفل بسبع أو ثمان سنوات، إذا كان يعي ما يعيه أقرانه من الأطفال في هذا السن، وهذا المستفاد من قوله " لم يبلغ الحلم "، وقولها:" وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عِنَبَة "؛ أي قد بلغ مبلغاً قادراً معه على إسدال خدمة لنفسه وللآخرين. وذكر صاحب الروضة: أن علياً رضي الله عنه خير صبياً كان ابن سبع سنين أو ثمان سنين بين الأم والعم، وفي المصنف لعبد الرزاق:" أنه اختُصِم إلى عمر في صبي، فقال: هو مع أمه حتى يُعرب عنه لسانه فيختار "، والله تعالى أعلم.
انتقال الحضانة إلى الأب؛ يعني في الغالب انتقالها إلى امرأة الأب ـ إن لم تكن إلى خادمة مستأجرة ـ وامرأة الأب لا يمكن أن تكون مخلصة لأبناء زوجها كالأم أو الخالة أو الجدة؛ أم الأم .. وما أكثر القصص التي نسمعها ونشاهدها عن تعذيب واضطهاد وظلم المرأة لأبناء زوجها من امرأة ثانية .. من قبيل الغيرة والحسد .. وهي أكثر ـ بأضعاف مضاعفة ـ من القصص التي تحكي ظلم الرجل لأبناء امرأته من زوجٍ ثانٍ!
قال ابن حزم في المحلى 10/146: لا فرق في النظر والحياطة بين الربيب زوج الأم، والربيبة زوجة الأب، بل في الأغلب الربيب أشفق، وأقل ضرراً من الربيبة، وإنما يُراعى في كل ذلك الدين، ثم صلاح الدنيا فقط ا- هـ.
نقلاً عن كتاب فقه السنة: 3/103-104.
رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، صحيح الجامع: 273.


EmoticonEmoticon