Friday, April 11, 2014

تاريخ الوقف عند المسلمين وغيرهم

Tags

تاريخ الوقف عند المسلمين وغيرهم


اسم الكتاب / المقالة: تاريخ الوقف عند المسلمين وغيرهم
المؤلف: فضيلة الدكتور/ أحمد بن صالح العبد السلام
التصنيف: فقه الوقف
الوظيفة: -

المحتويات



المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد..
فإن شريعة الإسلام خاتمة الشرائع، وأفضلها وأتمها وأكملها، فقد جاءت وافية بحاجات الناس ومتطلباتهم في شتى أمورهم، فشرعت لهم فعل الطاعات وترك المنهيات، تقرباً إلى الله وابتغاء مرضاته، ولم يقتصر تحصيل الأعمال الصالحة في ظلها على الحياة الدنيوية فحسب، بل أمتد ليشمل الحياة الأخروية، حيث شرعت من الأسباب ما يحقق تلك الغاية بعد الوفاة، وهي الصدقات الجارية، والتي من أهمها الوقف، ومن المعلوم أن الأوقاف الشرعية في شتى أصنافها كانت رافداً عظيماً لاستمرار حركة العلم والتعليم والتنمية، من عهد الصحابة }، إلى عصرنا الحاضر، وعبر العصور الإسلامية المختلفة، وإن المتأمل لتاريخ الوقف ليجد حرص المسلمين عليه، ويجد كذلك أن الأوقاف لم تكن محصورة على المدارس والمساجد فحسب، بل كانت تشمل أنواع احتياجات المجتمع الإسلامي في ذلك العصر حتى ذكر أهل التاريخ أن هناك وزارة للأحباس في بعض العصور الماضية في المغرب الإسلامي، تشرف على الأنشطة الوقفية في تلك العصور. والتاريخ الإسلامي خير شاهد على ما نقول، ولا يسع المتأمل لمسيرة تاريخ الوقف الإسلامي عبر العصور الإسلامية الماضية، إلا أن يقدر لهؤلاء الكرام جهدهم وأن يدعوا لهم بالرحمة والمغفرة.

وقد جاء إعداد هذا البحث بصورة سريعة ومختصرة، لبيان تاريخ الوقف عند المسلمين من عهد النبي @إلى عصرنا الحاضر، وكذلك تاريخ الوقف عند غير المسلمين، وسمت هذا البحث بعنوان: تاريخ الوقف عند المسلمين وغيرهم.

خطة البحث:

انتظمت خطة هذا البحث في مقدمة، وثلاثة فصول، وخاتمة.

الفصل الأول: في حقيقة الوقف، وبيان حكمه، وفيه مبحثان

1 – المبحث الأول: تعريف الوقف.
2 – المبحث الثاني: حكمه وأدلة مشروعيته

الفصل الثاني: تاريخ الوقف وفيه مبحثان

1 – المبحث الأول: تاريخ الوقف عند غير المسلمين.
2 – المبحث الثاني: تاريخ الوقف عند المسلمين وفيه ثمانية مطالب:
- المطلب الأول: حال الوقف في عصر النبي @.
- المطلب الثاني: حال الوقف في عصر الخلفاء الراشدين >.
- المطلب الثالث: حال الوقف في آخر عهد الصحابة }.
- لمطلب الرابع: حال الوقف في عصر الدولة الأموية.
- المطلب الخامس: حال الوقف في عصر الدولة العباسية.
- المطلب السادس: حال الوقف بعد ضعف الدولة العباسية.
- المطلب السابع: حال الوقف في العصر الحديث.
- المطلب الثامن: حال الوقف في المملكة العربية السعودية.

الفصل الثالث: إلغاء الأوقاف الذرية (الأهلية) وفيه ثلاثة مباحث

- المبحث الأول: أقسام الوقف.
- المبحث الثاني: شبه إلغاء الوقف الأهلي.
- المبحث الثالث: إلغاء الوقف الأهلي.
- الخاتمة وأهم التوصيات.

وقد بذلت الجهد والوسع في هذ البحث، رجاء إبراز هذا البحث بأسلوب علمي رصين، مع الحرص على سلامته من الأخطاء اللغوية والإملائية، ومن أراد المزيد والإطلاع، فليراجع مصادر البحث ومراجعه.

وأسأل الله تعالى أن يغفر لي ما حصل مني من خطأ أو زلل في هذا البحث، وأسأله تعالى أن يتقبله، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


الفصل الأول في حقيقة الوقف وبيان حكمه

وفيه مبحثان:


المبحث الأول: تعريف الوقف:

أولاً: الوقف فـي اللغة:

قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: الواو والقاف والفاء أصل واحد يدل على تمكث في شيء ثم يقاس عليه( ).
ويطلق الوقف ويراد به الحبس كما أنه يطلق ويراد به المنع.
فأما الوقف بمعنى الحبس فهو مصدر من قولك: وقفت الشيء وقفاً أي حبسته، ومنه وقف الأرض على المساكين، والحُبس بالضم هي ما وقف.
وأما الوقف بمعنى المنع: فلأن الواقف يمنع التصرف في الموقوف فإن، مقتضى المنع أن تحول بين الرجل وبين الشيء الذي يريده، وهو خلاف الإعطاء( ).

والجمع أوقاف وأحباس.
وسمى وقفاً: لأن العين موقوفة، وحبساً؛ لأن العين محبوسة( ).

ثانياً: الوقف فـي الاصطلاح:

عرفه الفقهاء بتعاريف مختلفة، باعتبارات مختلفة، حتى أننا نجد لفقهاء المذهب الواحد أكثر من تعريف.

أولاً: تعريف الحنفية:

أختلف فقهاء الحنفية في تعريف الوقف، والسبب في هذا يرجع إلى اختلافهم في الوقف هل هو لازم أم لا؟ ولذلك فإن فقهاء الحنفية في تعريفهم للوقف يفرقون بين تعريفه على رأي أبي حنيفة وبين تعريفه على رأي الصاحبين.
وتعريف أبي حنيفة للوقف هو: حبس العين على حكم ملك الواقف، والتصدق بالمنفعة على جهة الخير.
وبناء عليه يصح للواقف الرجوع عن الوقف وله بيعه؛ لأن الوقف عند أبي حنيفة غير لازم كالعارية( ).
أما عند الصاحبين الذين يريان أن الموقوف يخرج عن ملك الواقف فالوقف هو: حبس العين على ملك الله تعالى، وصرف منفعتها على من أحب( ).

ثانياً: تعريف المالكية للوقف:

عرّف فقهاء المالكية الوقف بأنه:
إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيها ولو تقديراً( ).
وعليه فإن المالك يحبس العين عن أي تصرف تمليكي، وتبرع بريعها لجهة خيرية شرعاً، لازماً، مع بقاء العين على ملك الواقف، فلا يشترط فيه التأبيد.

ثالثاً: تعريف الشافعية:

من أشهر تعاريف الشافعية للوقف هو تعريف الشربيني حيث قال: إنه حبس مال يمكن الإنتفاع به، مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود.

وعليه يخرج المال عن ملك الواقف، ويصير حبيساً على حكم ملك الله تعالى( ).
رابعاً: تعريف الحنابلة:
عرفه فقهاء الحنابلة بأنه: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة( ).

وبهذا التعريف تخرج العين عن ملك الواقف وتكون في سبيل الله، لا يجوز بيعها ولاهبتها، ولا الرجوع فيها،
ولعل هذا التعريف هو أرجح التعريفات للوقف وذلك لما يأتي:-

1 – أنه مقتبس من قول الرسول @ لعمر بن الخطاب > (أحبس أصله، وسبّل ثمرته) ( ).

2 – أن هذا التعريف اقتصر على ذكر حقيقة الوقف فقط، ولم
يدخل في تفصيلات أخرى دخلت فيها بقية التعريفات، بل ترك بيان ذلك وتفصيله عند الكلام على الأركان والشروط،
إذ إن الدخول في التفاصيل يخرج التعريف عن دلالته.
والله أعلم.


المبحث الثاني: حكم الوقف وأدلة مشروعيته:

أولاً: حكم الوقف:

الوقف جائز شرعاً، وهذا قول جماهير أهل العلم من الحنفية( )، والمالكية( )، والشافعية( )، والحنابلة( )، وهو قول الظاهرية( ).
قال في المغني: وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف( ).

ثانياً: أدلة مشروعية الوقف:

دل على مشروعية الوقف الكتاب، والسنة، والإجماع، وعمل الصحابة.

1 – الكتاب.

قوله تعالى: لَن تَنَالُوا الْبِرَّ‌ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92].

يقول أنس : لما نزلت هذه الآية لَن تَنَالُوا الْبِرَّ‌ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ [آل عمران:92

قام أبو طلحة إلى رسول الله @ فقال يا رســول الله: يقول الله في كتابه "لَن تَنَالُوا الْبِرَّ‌ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ" وإن أحب أموالي إليَّ بيرحى، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عندالله، فضعها يارسول الله حيث شئت، فقال رسول الله @: ((بخ ذلك مال رابح، ذلك مال الرابح، قد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه)) ( ).

وفي لفظ قال النبي @: ((أجعلها في قرابتك)) فجعلها في حسان بن ثابت، وأبي بن كعب.

2 – السنة:

استدلوا بأحاديث كثيرة منها:
(أ) عن أبي هريرة > أن النبي @ قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالـح يدعو له))( ).

قال النووي ~ في شرح هذا الحديث: فيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه أ.هـ( ).
(ب) عن ابن عمر <: أن عمر بن الخطاب > أصاب أرضاً بخيبر، فأتى النبي @ يستأمره فيها، فقال: يارسول الله إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني به؟ قال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها))، قال: فتصدق بها عمر، أنه لا يباع ولا يبتاع، ولا يورث أو لا يوهب، قال: فتصدق عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، في سبيل الله، وابن السبيل والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه( ).
يقول النووي ~: في هذا الحديث دليل على صحة أصل الوقف، وأنه مخالف لشوائب الجاهلية أ.هـ( ).

3 – الإجماع:

يقول الترمذي معلقاً على حديث ابن عمر < السابق في وقف عمر > للأرض التي أصابها بخيبر.. (والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي @ وغيرهم، لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك) ( ).
وقد حكى الكاساني في البدائع: الإجماع على جواز وقف المساجد( ).
وقال القرطبي ~: لا خلاف بين الأئمة في تحبيس القناطر والمساجد واختلفوا في غير ذلك( ).

4 – عمل الصحابة:

قال جابر >: ما أعلم أحدً كان له مال من المهاجرين والأنصار، إلا حبس مالاً من ماله صدقه مؤبدة لا تشترى أبداً، ولا توهب، ولا تورث( ).

وقال الحميدي شيخ البخاري: (تصدق أبو بكر بداره على ولده، وعمر بربعة عند المروة، وعثمان برومة، بئر بالمدينة، وتصدق علي بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بداره بمكه، و داره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده،وتصدق سعد بداره بالمدينة، و داره بمصر على ولده، وعمرو بن العاص بالوهط، وداره بمكه على ولده، وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده.
قال: فذلك كله إلى اليوم، فإن الذي قدر منهم على الوقف، وقف، واشتهر ذلك فلم ينكره أحد، فكان إجماعاً) ( ).


تعليق ختامي

( ) انظر: معجم مقاييس اللغة لابن فارس 6/135 مادة (وقف).
( ) انظر: الصحاح 3/915، ولسان العرب 8/343.
( ) انظر: المصباح المنير 2/669، والمطلع ص285.
( ) انظر: فتح القدير لابن الهمام 5/37، وحاشية ابن عابدين 4/136، 495..
( ) انظر: فتح القدير 5/37، وحاشية ابن عابدين 4/364..
( ) انظر: مواهب الجليل 6/18، ومنح المجليل 3/34..
( ) انظر: مغني المحتاج 2/367، ونهاية المحتاج 5/358.
( ) انظر: المغني 8/184.
( ) اخرجه الإمام أحمد في مسنده 2/157، ورواه النسائي في السنن في كتاب الأحباس، باب حبس المشاع 6/232، وابن ماجه في أبواب الأحكام، باب من وقف 2/54، برقم (2419) والطحاوي في معاني الأثار 4/95، والبيهقي في السنن 6/162.
( ) انظر: للحنفية في: المبسوط 12/27، والإسعاف في أحكام الأوقاف ص7.
( ) انظر للمالكية في: الإشراف 2/79، وعقد الجواهر الثمينة، والذخيرة 6/322.
( ) انظر للشافعية في: حلية العلماء 6/7، وروضة الطالبين 5/342.
( ) انظر للحنابلة في: المغني 8/185، والشرح الكبير 3/391.
( ) انظر للظاهرية في: المحلى 9/175.
( ) انظر: المغني 8/185.
( ) اخرجه البخاري في الوصايا، باب من تصدق إلى وكيله ثم رد الوكيل إليه، ومسلم في الزكاة برقم (998)، 2/443..
( ) اخرجه مسلم في كتاب الوصية، باب، ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته 11/84، وأحمد في المسند2/372، والترمذي في كتاب الأحكام، باب الوقف برقم (1376) والنسائي في الوصايا، باب فضل الصدقة عن الميت 6/251، والبغوي في شرح السنة 1/100، وابن ماجه في باب ثواب معلم الناس الخير برقم (241)، والطحاوي في مشكل الآثار برقم (246)، وأبو داود في كتاب الوصية، في باب ما جاء في الصدقة عن الميت برقم (2880) والبيهقي في كتاب الوصية، باب الدعاء للميت 6/278، وابن حبان وفي صحيحه بترتيب ابن بلبان في كتاب الجنائز برقم (3016)..
( ) انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 11/85.
( ) أخرجه البخاري في باب الشروط في الوقف برقم (2737)، ومسلم في كتاب الوصية، في باب الوقف برقم (1632).
( ) شرح صحيح مسلم 11/86.
( ) سنن الترمذي 3/660.
( ) انظر: بدائع الصنائع للكاساني 6/219.
( ) انظر: الجامع لأحكام القرآن 6/339.
( ) هذا الأثر ذكره صاحب المغني 8/185ن، وصاحب البحر الزخار 4/148.
( ) اخرج هذا الأثر بكامله البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الوقف 6/161، وذكره الزيلعي في نصب الراية وعزاه إلى الخلافيات للبيهقي.


EmoticonEmoticon