Sunday, April 13, 2014

الفصل الثاني تاريخ الوقف

Tags

الفصل الثاني تاريخ الوقف


المحتويات



الفصل الثاني تاريخ الوقف

وفيه مبحثان:


المبحث الأول: تاريخ الوقف عند غير المسلمين:

الوقف معروف عند الأمم السابقة قبل ظهور الإسلام وبعده، وإن لم يسم بهذا الإسم، فالإنسان في القدم عرف المعابد ورصد عليها العقارات، والأراضي، للإنفاق عليها من غلتها، وعلى القائمين بأمرها، ولا يفسر هذا إلا على أنه في معنى الوقف.

ومن هنا يمكن القول، إن فكرة الوقف كانت موجودة قبل الإسلام عند كثير من الأمم الكفارة، فقد وجدت عند قدماء المصريين فكانت الأراضي ترصد على الآلهة والمعابد والمقابر، وتؤخذ غلتها للنفقة عليها، كذلك ينفق على الكهنة والخدام من هذه الأموال، وكان الناس وقتها مدفوعين إلى هذا التصرف بقصد فعل الخير والتقرب إلى الآلهة كما زعموا.

وكان هذا الشيء موجوداً عند قدماء العراقيين، وعند الرومان وغيرهم( ).
ومن الأوقاف التي اشتهرت عند العرب قبل الإسلام، الوقف على الكعبة المشرفة، بكسوتها وعمارتها كلما تهدمت، وأول من كسا الكعبة، ووقف عليها (أسعد أبو كريب ملك حمير) ( ).

أما قول الشافعي ~: لم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته داراً، ولا أرضاً تبرراً بحبسها، وإنما حبس أهل الإسلام( ) فالإمام الشافعي هنا لم ينف وجود الأحباس في الجاهلية قطعاً، بل نفى وجود الأحباس التي يقصد منها القربة والبر آنذاك، وعلى هذا فإن فكرة الوقف أو حبس العين عن التمليك والتملك، وجعل منافعها مخصصة لجهة معينة، فكرة قديمة معروفة قبل ظهور الإسلام بزمن بعيد( ).

وفي العصر الحاضر: في بعض الأنظمة الغربية ما يشبه الوقف، ومن ذلك أن النظام الألماني جعل هناك ذمة مالية لمجموعة من الأموال، يصرف ريعها وغلتها على الأعمال الخيرية، ويوجد هناك مشرف لهذا المال، يشبه الناظر على الوقف في النظام الإسلامي.
كذلك يوجد ما يعرف بالإنفاق على الكنائس والمعابد من قبل الناس، بقصد القربة.


المبحث الثاني: تاريخ الوقف عند المسلمين:

وفيه ثمانية مطالب:


المطلب الأول: حال الوقف فـي عصر النبي

لقد عُرف الوقف عند المسلمين في حياة النبي @ حيث كان @ من أجود الناس في بذل الخير، والصدقات، والإحسان إلى الناس، حتى أن من تناول سيرته @ ذكروا أبواباً خاصة في بيان صدقاته @ وإنفاقه في الخير( ).
إلا أن علماء الإسلام اختلفوا في تحديد أول وقف وصدقه في حياته @.
فذهب بعضهم ـ وهم من المهاجرين ـ إلى أن أول صدقة في الإسلام هي صدقة عمر >.

وقال الأنصار: إن أول صدقة في الإسلام هي صدقة النبي @ يدل لذلك ما رواه عمر بن شبه عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: سألنا أول حبس في الإسلام فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله @ ( ).
وقال عنه ابن حجر في الفتح: في إسناده الواقدي( ).

وقد أخرج ابن خزيمة عن ابن عمر <: أن أول صدقة تُصدق بها في الإسلام، صدقة عمر بن الخطاب >، وأن عمر قال لرسول الله @:
إن لي مالاً وأنا أريد أن أتصدق به، فقال رسول الله @ ((حبس أصله وسبل ثمره)) قال: فكتب( ).

وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب أنه قال: أول صدقة في الإسلام وقف رسول الله @ أمواله لما قُتل مخيريق بأحد، وأوصى إن أصبت فأموالي لرسول الله @، فقبضها رسول الله @ وتصدق بها( ).

وقال الحافظ في الفتح: وفي مغازي الواقدي إن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام أراضي مخيريق التي أوصى بها إلى النبي @ فوقفها النبي @ ( ).

وعند النظر في هذه الأدلة يتبين تقدم وقف النبي @ على وقف عمر > بسنوات؛ ولذلك أخرج الخصاف في كتابه الأوقاف عن صالح بن جعفر عن المسور عن رفاعة عن ابن كعب قال: أول صدقة في الإسلام وقف رسول الله @ أمواله، فقلت لابن كعب: فإن الناس يقولون صدقة عمر > أول، فقال: قتل مخيريق بأحد على رأس اثنين وثلاثين شهراً من مهاجر رسول الله @، وأوصى إن أُصبتُ فأموالي لرسول الله @، فقبضها رسول الله @، وتصدق بها، وهذا قبل ما تصدق به عمر، وإنما تصدق عمر سنة ثمان حين رجع رسول الله @ من خيبر سنة سبع من الهجرة( ).

أوقاف النبي فـي المدينة:

أولاً: أموال مخيريق اليهودي بالمدينة المنورة:

قال الخصاف: حدثني محمد بن بشر بن حميد عن أبيه قال: سمعت عمر ابن عبدالعزيز يقول في خلافته بخناصره: سمعت بالمدينة والناس يومئذ كثير من مشيخة من المهاجرين والأنصار أن حوائط رسول الله @ السبع التي وقف من أموال مخيريق، وقال: إن أُصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله، وقد قتل يوم أحد، قال رسول الله @: ((مخيريق خير يهود، ثم دعا لنا بتمر، فأتى به تمر في طبق، فقال: كتب إلى أبوبكر بن حزم يخبرني أن هذا التمر من العذق الذي كان على عهد رسول الله @، وكان رسول الله @ يأكل منه فقلت: يا أمير المؤمنين فاقسمه بيننا، فقسمه، فأصاب كل واحد منا تسع تمرات.

قال عمر بن عيد العزيز وقد دخلتها إذ كنت والياً بالمدينة، وأكلت من هذه النخلة ولم أر مثلها من التمر أطيب ولا أعذب( ).

ثانياً: ذكر الخصاف بسنده عن أبي كعب القرظي قال:

كانت الحبس على عهد رسول الله @ سبعة حوائط بالمدينة: الأعواف، والصافية، والدلال، والمثيب، وبرقه، وحسنى، ومشربة أم إبراهيم( ).

وقد ذكر الخصاف بسنده إلى محمد بن سهل بن أبي خيثمة قال: كانت صدقة رسول الله @ من أموال بني النضير وهي سبعة، الأعوف، والصافية، والدلال، والمثيب، وبرقه، وحسنى، ومشربة أم إبراهيم؛ لأن أم إبراهيم ماريِّة كانت تنزلها، وكان ذلك المال لسلام بن مشكم النضيري( ).

ثالثاً: أموال خيبر وفدك وبعض قرى المدينة:

ذكر الإمام ابن شبه بسنده عن حسيل بن خارجة قال: بعث يهود فدك إلى رسول الله @ حين افتتح خيبر فقالوا: أعطنا الأمان منك وهي لك، فبعث إليهم محيصة بن حرام، فقبضها @ فكانت له خاصة، وصالحه أهل الوطيح وسلالم، من أهل خيبر على الوطيح وسلالم وهي أموال خيبر، فكانت له خاصة، وخرجت الكتيبة من الخمس، وهي مما يلي الوطيح وسلالم، فجعلت شيئاً واحدا، فكانت مما ترك رسول الله @ من صدقاته، وفميا أطعم أزواجه( ).

(ناظر الوقف) والي أوقاف النبي

لقد باشر النبي @ النظر في شؤون صدقاته، وجعل مولاه أبا رافع واليا عليها، فكان يأخذ منها كفايته، وكفاية أهل بيته لمدة عام، والباقي يصرفه صدقات في مصالح المسلمين.

وروى البخاري في صحيحه أن علي > قد تولى الإشراف ونظارة بعض أموال النبي @، فروى عن عمر بن الزبير قال: صدق بن أوس، أنا سمعت عائشة < زوج النبي @ تقول: أرسل أزواج النبي @ عثمان إلى أبي بكر يسأله ثمنهن مما أفاء الله على رسوله، فكنت أردهن فقلت لهن: ألا تتقين الله، ألم تعلمن أن النبي @ كان يقول: لا نورث، وما تركناه صدقة، – يريد بذلك نفسه – يأكل آل محمد @ من هذا المال، فانتهى ازواج النبي @ إلى ما أخبرتهن( ). قال ابن حجر: فكانت هذه الصدقة بيد عليِّ، ومنعها عباساً فغلبه عليها، ثم كانت بيد حسن بن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن حسين وحسن بن حسن، وكلاهما كان يتداولها ثم بيد زيد بن حسن، وهي صدقة رسول الله @. أوقاف الصحابة في عهد النبي

ذكر الخصاف في الأوقاف عن محمد بن عبدالرحمن عن سعد بن زراة قال: ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله @ من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلا وقد وقف من ما له حبساً، لا يشترى، ولا يورث ولا يوهب، حتى يرث الله الأرض ومن عليها( ).

ومن أوقاف الصحابة } ما يلي:

1 – وقف عمر بن الخطاب > ( ).
2 – وقف عثمان >، حيث إنه لما حصر وأحيط بداره، أشرف على الناس فقال: أنشدكم بالله، أتعلمون أن رسول الله @ لما قدم المدينة لم يكن بها بئر يستعذب إلا بئر رومة، فقال رسول الله @: من يشتريها من خالص ماله، فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، وله خير منها في الجنة، فاشتريتها من خالص مالي، فأنتم تمنعوني أن أشرب منها( ).
3 – وقف أبي طلحة( ).

4 – وقف خالد بن الوليد، فقد روى أبوهريرة > قال: بعث رسول الله @ عمر على الصدقة، فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبدالمطلب، فقال رسول الله @: ((ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله، وأما العباس بن عبدالمطلب فعم رسول الله @ فهي عليّ صدقة ومثلها معها ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنواُبيه))( ).

5 – وقف الزبير >، فعن هشام عن أبيه أن الزبير جعل دوره صدقة على بنيه لاتباع ولا تورث، وأن للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضار بها، فإن هي استغنت بزوج فلا حق لها( ).

6 – وقف أنس > فقد، روى البيهقي في سننه أن أنساً وقف داراً له بالمدينة، فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل في داره( ).
7 – وقف فاطمة <، فقد روى البيهقي أن فاطمة بنت رسول الله @ تصدقت بمالها على بني هاشم وبني المطلب( ). وقال الحميدي ~: (تصدق أبوبكر بداره على ولده، وعمر بربعة عند المروة على ولده، وعثمان برومة بئر بالمدينة، وتصدق علي بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بداره بمكة، وداره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، وتصدق سعد بداره بالمدينة وداره بمصر على ولده، وعمرو بن العاص بالوهط، وبداره بمكه على ولده، وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده، فذلك كله إلى اليوم) أ.هـ( ).
المطلب الثاني: حال الوقف فـي عصر الخلفاء الراشدين

يعد عصر الخلفاء الراشدين أفضل العصور الإسلامية بعد عصر النبوة، حيث اتسعت رقعة الدولة الإسلامية، وتطور المجتمع الإسلامي.
وتطلّب ذلك توجه الناس للنشاطات المختلفة. في مجال البر والإحسان وكان من أثر ذلك أن كثرت الأوقاف الإسلامية في مختلف المجالات( ) ولعلنا نبرز هنا بعض النماذج للأوقاف، التي وجدت في عصر الخلفاء الراشدين }.

1 – المساجد:

إن إيقاف المساجد في عصر الراشدين بلغ ذروته، حيث كانت المساجد مربوطة بالخلفاء الراشدين، والأمراء مباشرة، فهم أئمة المساجد، والجوامع الكبرى.

ففي زمن عمر > كثرت المساجد، وأمر ببنائها في مختلف الأمصار الإسلامية.
فقد أمر سعد بن أبي وقاص بتأسيس مسجد الكوفة( )، كما أن عمر > قد قام بتوسعة المسجد الحرام حيث اشترى بعض الدور المجاورة له وأدخلها فيه( ).

كما أن عثمان > قد وسّع المسجد الحرام، حيث اشترى عدداً من الدور المجاورة له، وأدخلها فيه( ).
كما أن علي > قد قام ببناء عدد كبير من المساجد في مناطق مختلفة( ).

2 – أوقاف عامة:

لقد اهتم الصحابة } في عصر الخلفاء الراشدين بالأوقاف العامة والتي من أهمها( ).
(أ) وقف الدور، وهي أشهر الأوقاف عند الصحابة }.

(ب) وقف الأراضي الزراعية، ومن أشهر الموقفين لها عمر بن الخطاب وعثمان وعلي والزبير بن العوام }.
(ج) حبس المال والدواب والسلاح للجهاد في سبيل الله كما في الحديث السابق ((أما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله)) ( ).

وقد كان عمر > يجهز الكثير من الغزاة في سبيل الله، بأمتعة خاصة للجهاد في سبيل الله( ).

(د) حفر الآبار وتسبيل المياه، ومن أشهرها بئر رومة، ومن ذلك أن عمر >، أمر سعد بن أبي وقاص أن يحفر نهراً لأهل الكوفة( ).
وقد أمر أبا موسى الأشعري كذلك بحفر نهر لأهل البصرة أثناء ولايته لها( ).


المطلب الثالث: حال الوقف فـي آخر عهد الصحابة

لقد شاع بين كثيرين اتخاذ الوقف ذريعة لحرمان بعض البنات من نصيبهن – وخصوصاً فيما يتعلق بالوقف الأهلي – وقد أنكرت عائشة أم المؤمنين < هذا الفعل وقالت: ما وجدت للناس مثلاً اليوم في صدقاتهم إلا ما قال الله: وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَـٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِ‌نَا وَمُحَرَّ‌مٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَ‌كَاءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: 139]. والله إنه ليتصدق الرجل بالصدقة العظيمة على ابنته، فترى غضارة صدقته عليها، وترى ابنته الأخرى، وإنه لتعرف عليها الخصاصة، لما حرمها من صدقته. ولقد همَّ الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ~، أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها النساء، ولكن المنية وافته قبل أن يعمل هذا الشيء( ). قال الإمام مالك ~: وما كان من عزم عمر بن عبد العزيز على أن يرد ما أخرجوا منه البنات، يدل على أن عمر ثبت عنده أن الصدقات كانت على البنين والبنات أ.هـ( ).
المطلب الرابع: حال الوقف فـي العصر الأموي:

لقد ازدهرت الأوقاف في العصر الأموي ازدهاراً عظيماً، وذلك في مصر والشام وغيرهما من البلاد المفتوحة، وذلك بسبب كثرة الأموال التي تحصّل عليها المجاهدون من الفتوحات الإسلامية، وكان من ثمار ذلك، أن اتسعت مجالات الوقف في ذلك العصر. فلم يعد الوقف قاصراً على جهات الفقراء والمساكين فقط بل تعدى ذلك إلى بناء دور العلم والإنفاق على طلاب العلم، وإنشاء المساجد والدور الخيرية.
وقد أدى إقبال الناس على الوقف والاهتمام به، إلى إنشاء هيئات تتولى الإشراف عليه، وتتولى مصالحه، وقد كانت الأوقاف في بادىء الأمر تدار من قبل الواقفين، أو ممن يوكلون إليه إدارتها والقيام بمصالحها، إلا أن كثرة الأوقاف وتنوعها، استدعى ذلك أن تقوم بعض الأجهزة بالاهتمام بالأوقاف.

وقد كان القضاة في بغداد وغيرها من حواضر العالم الإسلامي يتولون الإشراف على الأوقاف بأنفسهم ويحاسبون المتولين عليها، فإذا رأوا منهم أي تقصير، أو تهاون في حفظ الأوقاف وصيانتها قاموا بتأديبهم والأخذ عليهم( ).

وقد ولي قضاء مصر في زمن هشام بن عبد الملك (توبة بن نمر بن حومل الحضرمي) (ت 120هـ) ( )، فقال: ما أرى موضع هذه الصدقات إلا إلى الفقراء والمساكين، فأرى أن أضع يدي عليها حفظاً لها من الثواء والتوارث.

ولم يمت حتى صار للأحباس ديوان مستقل عن بقية الدواوين،
تحت إشراف القاضي، وهذا الفعل من توبه، أمر لا بد منه، فقد جاء في حيثياته أنه يخشى على الأوقاف من الالتواء والتوارث، فحفظها من الاغتيال( ).

ويُعدُ هذا الديوان أول تنظيم للأوقاف، ليس في مصر فحسب، بل في الدولة الإسلامية كافة. وصار من المتعارف عليه في ذلك العصر، أن يتولى القضاة النظر على الأوقاف( ).

ويسجل لنا التاريخ عناية بعض القضاة بالأوقاف في ذلك العصر، ومن هذه المواقف، أن القاضي أبا الطاهر عبد الملك بن محمد الحزمي الأنصاري، كان يتفقد الأحباس بنفسه كل ثلاثة أيام من كل شهر، ويأمر برمتها وإصلاحها، وكنس ترابها، ومعه طائفة من عماله عليها، فإن رأى خللاً في شيء منها ضرب المتولي عليها عشر جلدات( ).


المطلب الخامس: حال الوقف فـي العصر العباسي:

لقد توسع نظام الوقف في العصر العباسي، فلم يعد الوقف قاصراً على جهة الفقراء والمساكين أو طلاب العلم، بل تعدى ذلك إلى تأسيس المكتبات والإنفاق عليها، وإنشاء المصحات وكانت مخصصة لعلاج المرضى بالمجان، وكذلك إنشاء الدور لسكن الفقراء والمساكين.
كذلك في العهد العباسي كان لإدارة الوقف رئيساً يسمى (صدر الوقوف) أنيط به الإشراف على إدارتها وتعيين الأعوان لمساعدته على النظر عليها. وفي عهد المأمون الخليفة العباسي نظّم قاضيه بمصر، (لهيعة بن عيسى الحضرمي) الأحباس.

يقول الكندي عنه: كان من أحسن ما عمله لهيعة في ولايته أن قضى في أحباس مصر كلها، فلم يبق منها حبساً حتى حكم فيه، إما ببينة، وإما بإقرار أهل الحبس وكان يقول: سألت الله أن يبلغني الحكم فيها، فلم أترك شيئاً منها حتى حكمت فيه وجددت الشهادة به( ).

وكان العمري من أشد الناس لعمارة الأحباس والأوقاف. فقد كان يقف عليها بنفسه، ويجلس مع البنائين أكثر نهاره، والعمرى هذا ولي قضاء مصر من قبل هارون الرشيد سنة (185هـ) ( ).

ولم يستمر هذا الأمر طويلاً فمع بداية النصف الأول من القرن الرابع الهجري، كان يعين هناك متولي للأحباس، ونفقة الأيتام، بالإضافة إلى القاضي، ولعل أهم من تولى النظر في الأحباس ونفقة الأيتام بعد فصلها عن القضاء، بكران بن الصباغ، وقام معه أحمد بن عبدالله الكشي، وقد جعل لهما النظر في الأحباس في عهد الخليفة العباسي الراضي في ربيع الأخر سنة (321هـ).

وكانت هذه الخطوة بداية إنشاء ديوان مستقل للأحباس منفصل عن ديوان القضاء( ).
وكانت الأحباس والأوقاف تلقى دعماً من خلفاء الدولة العباسية، فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة (631هـ) أنه كمل فيها بناء المدرسة المستنصرية ببغداد، والتي بناها المستنصر بالله، ولم يُبن مدرسة قبلها مثلها، ووقفت على المذاهب الأربعة، من كل طائفة اثنان وستون فقيهاً، وأربعة معيدين، ومدرس لكل مذهب، وشيخ حديث، وقارئان، وعشرة مستمعين، وشيخ طب، وعشرة من المسلمين يشتغلون بعلم الطب، ومكتب للأيتام، وقدر للجميع من الخبز واللحم والحلوى والنفقة مافيه كفاية لكل واحد( ).

تعليق ختامي

( ) انظر: أحكام الوقف د/ الكبيسي 1/21، والوقف الأهلي. د/ بافقيه ص16، ومحاضرات في الوقف ابو زهرة. ص5.
( ) انظر: مقدمة ابن خلدون 3/842، والوقف مشروعية وأهمية د/ الدريويش ص29.
( ) انظر: الأم 3/275.
( ) انظر: الوقف في الفكر الإسلامي لمحمد عبدالعزيز 1/73، وأحكام الوقف د/ الكبيسي 1/22.
( ) انظر: الطبقات لابن سعد 1/188.
( ) انظر: فتح الباري 5/403، ونيل الأوطار 6/26.
( ) انظر: المرجع السابق.
( ) انظر: صحيح ابن خزيمة برقم (2483)، تحقيق محمد الأعظمي.
( ) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 1/388.
( ) فتح الباري 5/402.
وانظر: أحكام الاحكام لابن دقيق العيد 3/209، وأحكام الأوقاف للخصاف ص1، والروض الأنف للسهيلي 3/180.
( ) انظر: أحكام الأوقاف للخصاف ص4.
( ) أحكام الأوقاف للخصاف ص2.
( ) انظر: المرجع السابق.
( ) أحكام الأوقاف للخصاف ص3.
( ) انظر: أخبار المدينة لابن شبه 1/187.
( ) صحيح البخاري مع الفتح 6/197.
( ) أحكام الأوقاف للخصاف ص15.
( ) سبق ذلك في ص 10.
( ) هذا الأثر أخرجه البخاري تعليقاً في كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضاً أو بئراً، واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين برقم (2778) من فتح الباري 5/406، وأحمد في المسند 1/75، والترمذي في المناقب 5/288 برقم (3883)، والنسائي في الأحباس، باب وقف المشاع 6/233.
( ) تقدم الكلام عليه.
( ) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة برقم (1468) من فتح الباري، ومسلم في صحيحه في كتاب الزكاة، في باب تقديم الزكاة ومنعها 7/56 من صحيح مسلم بشرح النووي.
( ) أخرج هذا الأثر البخاري تعليقاً في الوصايا، باب إذا وقف أرضاً أو بئراً واشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين 3/ واخرجه ابن أبي شيبه في مصنفه 6/251، والدارمي في سننه 2/307، والبيهقي في سننه 6/166، وقال عنه العلامة الألباني ~ كما في الإرواء 6/40: هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين أ.هـ.
( ) أنظر: السنن الكبرى للبيهقي 6/161.
( ) أنظر: فتح الباري 5/407، والسنن الكبرى للبيهقي 6/161.
( ) سبق تخريجه.
( ) انظر: الوقف وأثره في التنمية في عصر الخلفاء الراشدين. د/ عبدالعزيز العُمري ص15.
( ) انظر: تاريخ الطبري 4/192، والكامل لابن الأثير 2/259.
( ) انظر: أخبار مكة للفاكهي 2/159.
( ) انظر: البداية والنهاية 7/151، وأخبار مكة للفاكهي 2/157.
( ) انظر: الوقف وأثره في التنمية ص18.
( ) أنظر: الوقف وأثره في التنمية في عصر الخلفاء الراشدين ص14 وما بعدها.
( ) سبق تخريجه.
( ) انظر: الموطأ للإمام مالك كتاب الجهاد ص361 باب العمل فيمن أعطى شيئاً في سبيل الله.
( ) انظر: فتوح البلدان للبلاذري ص273، والأوقاف النبوية، ووقفيات بعض الصحابة د/عبدالله الحجيلي ص38.
( ) انظر: فتوح البلدان ص351 – 352.
( ) انظر: المدونة 6/106.
( ) انظر: المرجع السابق.
( ) انظر: حسن المحاضرة للسيوطي 2/167.
( ) انظر: حسن المحاضرة للسوضي 2/135.
( ) انظر: الأوقاف والحياة الإجتماعية في مصر ص48.
( ) انظر: أحكام الوصايا لمحمد شلبي ص288، وأحكام الوقف د/ الكبيسي 1/38.
( ) انظر: تاريخ الكندي ص383.
( ) انظر: كتاب الولاة وكتاب القضاة للكندي ص444.
( ) انظر: تاريخ الكندي ص383.
( ) انظر: الوقف والحياة الاجتماعية بمصر ص52 إلى 54.
( ) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 13/139.


EmoticonEmoticon