Monday, April 21, 2014

أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية

Tags

أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية



اسم الكتاب / المقالة: أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية
المؤلف: الشيخ حسين حلاوة
التصنيف:
الوظيفة:
Book / essay title: The Rules of Divorce in Islamic Jurisprudence
Judul kitab / makalah: Hukum Perceraian dalam Syariah Islam
Penulis: Syaikh Husain Halawah

الفهرس



المقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا وقدوتنا محمد  وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلي يوم الدين وبعد

فإن الإسلام قد أولى الأسرة عناية خاصة فشرع لها من الأحكام ما يضمن سلامتها من التفكك ويحفظ كيانها من الضياع ويجعلها لبنة قوية تقوم عليها الأمة ، وقد أفردت مؤلفات جمة في أحكام الأسرة بل ما يخلو كتاب من كتب الفقه أو الحديث إلا وفيه كتاب يسمى كتاب"النكاح" او "الزواج" يحمل بين جنباته أحكام الأسرة بدءً من الحث على الزواج استجابة لأمر الله تعالى "وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم" مروراً بأحكام الخطبة والعقد والحقوق المترتبة عليه وانتهاء بفرق الزواج وأحكامه والتي منها موضوع هذا البحث والذي جاء تحت عنوان " أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية" حاولت البحث في أهم النقاط التي تدور حول الطلاق مثل حكم الطلاق والحكمة من تشريعه، ولم كان بيد الرجل لأرد فيه على المشككين الذين يحاولون النيل من الإسلام في مثل هذه المسائل ثم عرجت على أركان الطلاق وشروط كل ركن ثم تحدثت عن أقسام الطلاق من حيث صفته والأثر الناتج عنه ومن حيث الصيغة المستعملة فيه وزمن وقوعه مدعماً بآراء أهل العلم وادلتهم ثم ختمته بنصائح للحد من الطلاق وهذا العمل المتواضع أتقدم به بين يدي شيوخي وأساتذتي رئيس و أعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في الدورة الثالثة عشرة للمجلس والتي تدور حول الأسرة ومشكلاتها في الغرب والحلول الشرعية فإن أحسنت فمن الله وحده وإن أخطأت فمن نفسي وما أبري نفسي.

هذا وقد قسمت البحث في: مقدمة وأربعة فصول:

المقدمة.

الفصل الأول: الحكم التكليفي للطلاق.
 المبحث الأول: تعريفه.
 المبحث الثاني: الفرق بين الطلاق والفسخ.
 المبحث الثالث: مشروعيته وحكمه.
o المطلب الأول: مشروعيته
o المطلب الثاني: حكمة مشروعيته
o المطلب الثالث: حكم الطلاق

الفصل الثاني: أركان الطلاق.
 المبحث الأول: الزوج"المطلْق"
 المبحث الثاني: الزوجة"المطلَّقة".
 المبحث الثالث: الصيغة.

الفصل الثالث: أقسام الطلاق
 المبحث الأول : الطلاق من حيث صفته
o المطلب الأول: الطلاق السني.
o المطلب الثاني: الطلاق البدعي.
 المبحث الثاني: الطلاق من حيث الأثر الناتج عنه.
o المطلب الأول: الطلاق الرجعي.
o المطلب الثاني: الطلاق البائن.
 المبحث الثالث: الطلاق من حيث الصيغة المستعملة.
o المطلب الأول: الطلاق الصريح.
o المطلب الثاني: الطلاق الكناية.
 المبحث الرابع: الطلاق من حيث زمن وقوعه
o المطلب الأول: الطلاق المنجز.
o المطلب الثاني: الطلاق المعلق.
الفصل الرابع: كيف نحد من الطلاق.

كتبه
الشيخ حسين حلاوة
دبلن في 17 جمادى الأولى 1426هـ


الفصل الأول الحكم التكليفي للطلاق


المبحث الأول: تعريف الطلاق

توطئه:

العقد الذي تقوم عليه الزوجية عقد له قدسيتة في الإسلام سماه الله تعالى في كتابه الحكيم بالميثاق الغليظ حين قال: وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً وهذا العقد كسائر العقود الشرعية له التزامات وواجبات وحقوق يجب على الطرفين الوفاء بها استجابة لقوله تعالى:  يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود وخص عقد الزواج بالحث على الوفاء به فقال :"أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج" فإذا أُريد لهذا العقد أن يفرق فلا خلاف بين الفقهاء في ان الفرقة تكون

بالطلاق أو الفسخ وان اندرج تحت كل قسم من هذين القسمين أنواع قد يكون بعضها بحكم القاضي أو لا وقد يكون بعضها برضا الطرفين أو أحدهما وسوف ابدأ بتعريف الطلاق لغة واصطلاحاً ثم تعريف الفسخ كذلك لغة واصطلاحاً والفرق بين ما يعتبر طلاقاً وما يعتبر فسخاً.

الطلاق في اللغة:

رفع القيد مطلقاً سواء أكان حسياً أم معنوياً جاء في مختار الصحاح "أطلق الأسير خلاه وأطلق الناقة من عقالها فطلقت، والطليق الأسير الذي اطلق عنه اساره وخلي سبيله" وجاء فيه ايضاً طلق امرأته تطليقاً وطلقت هي تطلق بالضم طلاقاً فهي طالق وطالقة أيضاً قال الأخفش ولا يقال طُلقت بالضم .

وقال الراغب أصل الطلاق التخلية من الوثاق ويقال أطلقت البعير من عقاله إذا تركته بلا قيد ومنه استعير طلقت المرأة نحو خليتها فهي طالق اي مخلاة عن حبالة النكاح .

الطلاق في الشرع:

عرفه الحنفية: بقولهم "رفع قيد النكاح في الحال أو المآل بلفظ مخصوص.
وعرفه المالكية:بأنه إزالة القيد وارسال العصمة وقيل حل العصمة المنعقدة بين الزوجين.
وعند الشافعية: هو اسم لحل قيد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه. وأما الحنابلة فقد عرفوه بأنه حل قيد النكاح.
ويمكن أن نعرف الطلاق تعريفاً أشمل لشروطه وأركانه بأنه حل عقد الزواج الصحيح في الحال أو المآل بالصيغة الدالة على ذلك .


المبحث الثاني: الفرق بين الطلاق والفسخ.

الفسخ لغة:

النقض يقال فسخ البيع والعزم فانفسخ أي:نقضه فانتقض.

الفسخ أصطلاحاً:

اعلان ترتفع به أحكام عقد الزواج في الحال ولا يؤثر على ماكان قبله أي: إن الفسخ لا يؤثر في صحة نسب الأولاد الحاصلين للزوجية قبل الفسخ ولا تعتبر المعاشرة الزوجية التي حصلت بين الزوجين قبل الفسخ فعلاً آثماً.

الفرق بين الطلاق والفسخ:

1- الطلاق إنما يكون من زواج صحيح ويعتبر انهاءً له في الحال أو المآل أما الفسخ فهو نقض لعقد ظهر أن فيه خللاً عند نشوئه، كما لو ظهر أن الزوجة كانت محرمة عليه عند العقد بالرضاعة مثلاً، أو طرأ على عقد الزواج الصحيح أمرٌ عارض منع بقاءه صحيحاً كما لو ارتد أحد الزوجين.وقد يكون من زوج صحيح كما في الخلع عند من يرى أنه فسخ.

2- الطلاق حق يملكه الزوج ويملك ايقاعه متى شاء أو تفويض أو توكيل من شاء ليوقعه، أما الفسخ فيكون لأسباب قارنت العقد أو طرأت عليه.

3- الطلاق ينقص العدد الذي يملكه الزوج على زوجه من الطلقات أما الفسخ فلا ينقص من العدد شيئاً.

4- الطلاق منه الرجعي الذي يملك فيه الزوج حق الرجعة قبل انقضاء عدتها، ومنه البائن بينونة صغرى ويحق للزوجين أن يعودا إلى عش الزوجية بعقد جديد ومهر جديد، ومنه البائن بينونة كبرى والذي لا تحل فيه الزوجة لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره، أما الفسخ فهو رفع للعقد من الأصل وجعله كأن لم يكن.

5- الطلاق قبل الدخول يوجب نصف المهر أما الفسخ قبل الدخول فلا يوجب شيئاً للمرأة.


المبحث الثالث: مشروعيته وحكمه.


المطلب الأول: مشروعيته

الطلاق مشروع بنص القرآن الحكيم والسنة المطهرة واجماع الأمة: أما القرآن الكريم فقد وردت نصوص عدة تدل على مشروعيته منها قوله تعالى:  الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقد سميت سورة في القرآن بسورة الطلاق وجاء فيها قوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن .

وفي السنة أخبار كثيرة تدل على مشروعيته كذلك منها حديث عمر "أن رسول الله  طلق حفصة ثم راجعها" ،وجاء في الصحيحين "أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله  عن ذلك فقال رسول الله  :"مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وأن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء" . وقد اجمعت الأمة على مشروعيته وما يخلوكتاب من كتب الأحاديث أو الفقه الجامعة إلا وفيها باب يتحدث عن الطلاق بل إن هناك من العلماء من أفرده بمؤلف خاص.

عدد الطلقات:

كان الطلاق في الجاهلية غير محصور بعدد يطلقها ما شاء وله أن يراجعها مالم تنتهي عدتها يقول الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى  الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره :ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة وكان هذا في أول الإسلام برهة يطلق الرجل امرآته ما شاء من الطلاق فإذا كادت أن تحل راجعها ما شاء فقال رجل لامرأته على عهد النبي  لا آويك ولا أدعك تحلين قالت وكيف قال: أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك فشكت المرأة ذلك لعائشة فذكرت ذلك للنبي  فأنزل الله تعالى هذه الآية بياناً لعدد الطلاق الذي للمرء أن يرتجع دون تجديد مهر وولي ونسخ ما كانوا عليه وقد حددت الآية عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجته بثلاث لحكمة سامية، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده وسمو تشريعه.


المطلب الثاني: حكمة مشروعيته

حين شرع الإسلام الزواج وضع الضوابط التي تجعله سعيداً قائماً على المودة والرحمة وحسن العشرة كما قال تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة فحث على حسن اختيار كل من الزوجين لصاحبه يقول الرسول  " تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وفي صحيح مسلم يقول المعصوم : "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة" وقال  : "إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير" . كما شرع الإسلام الخطبة كمقدمة للزواج يرى الرجل فيها شريكة حياته وترى المرأة شريك حياتها قبل العقد حتى يطمئن كل منهما إلى أن في الآخر ما يرغبه في التزوج به والحياة الطويلة معه فعن المغيرة بن شعبة  قال خطبت امرأة فقال لي النبي  "هل نظرت إليها قلت لا قال أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" ، وعن جابر  قال :قال رسول الله : "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" قال جابر: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها فتزوجتها" ، وكذلك المرأة من حقها أن تنظر إلى من يتقدم لزواجها ولها كامل الحق والحرية في أختيار شريك حياتها دون ضغط عليها أو اكراه من أحد، ،ففي حديث أبي هريرة  أن النبي ‏ ‏ ‏ ‏قال:" ‏ ‏لا تنكح الأيم حتى ‏ ‏تستأمر ‏ ‏ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال أن تسكت" وقد حدث زمن الرسول  كما حكت عائشة أم المؤمنين  أنه جاءت فتاة إلى رسول الله  فقالت يارسول الله: إن أبي زوجني ابن أخيه يرفع بي خسيسته فجعل النبي  الأمر إليها قالت: فإني أجزت ما صنع أبي" ولكن أرادت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شئ .

وكما يبحث الرجل عن الجمال والحسن فإن المرأة كذلك تبحث عما يبحث عنه الرجل قال عمر  :"لا تزوجوا بناتكم من الرجل الذميم فإنه يعجبهن منهم مايعجبه منهن" .

وحث الإسلام كذلك على حسن معاملة كل من الزوجين لصاحبه فقال  مخاطباً الأزواج:" خيركم خيركم لأهله" . وضرب  المثل الأعلى والقدوة العليا في حياته مع أزواجه حتى أنه  كان يعاون أهله في المنزل ويكون في حاجتهم كما كان جميل العشرة دائم البشر يداعب أهله ويتلطف بهم ويوسعهم نفقة ويضاحك نساءه حتى إنه كان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام يؤانسهم بذلك" .وهذا تطبيق عملي منه  لقوله تعالى: وعاشروهن بالمعروف .

ورغب كذلك الزوجة في حسن معاشرة زوجها فقد روى الإمام الترمذي عن أم سلمة  قالت: قال رسول الله  "أيما امرأة باتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة" ، ويقول الإمام الشوكاني في تعليقه على هذا الحديث: "وفيه الترغيب العظيم إلى طاعة الزوج وطلب مرضاته وأنها موجبة للجنة" ، وجعل الإسلام الحقوق والواجبات بين الزوجين مشتركة كل له حقوق على الآخر وعليه واجبات تجاهه فقال تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف . ورغم هذا راعى طبيعة البشرية في الإنسان واختلاف الطباع بين الزوجين فقد يحدث بينهما ما يعكر الصفو ويكدر الحياة وقد يكون السبب في ذلك الزوج أو الزوجة أو هما معاً فقدم القرآن الكريم من الادواء ما يعالج ذلك كله فقال تعالى: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو أعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير . وقال تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً ، وقال تعالى : وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا أصلاحاً يوفق الله بينهما
ومع هذا كله قد تستحيل العشرة وتتحول الحياة إلى جحيم لا يطاق وبدلاً من السكن والمودة والرحمة يصبح الشقاق والخصام وسوء الأخلاق ويقع الضرر المحقق على الزوجين أو أحدهما ومعهما الأولاد ومن حولهما الأهل والأصحاب وبهذا تفوت الحكمة التي من أجلها شرع الزواج فإما أن يأمر الشرع بالابقاء على الزوجة وهنا قد تحدث فتنة وجرائم تصل أحياناً إلى أن يفكر كل واحد من الزوجين بالتخلص من صاحبه ولو بالقتل أو يعمد إلى الخيانة الزوجية تنفيساً عن نفسه كا يحدث في المجتمعات التي تمنع الطلاق وإما أن يتعامل الإسلام بروح الواقعية ويراعي المفاسد والمصالح بأن يقدم الضرر الأخف على الضرر الأشد ويختار أهون الشرين ويبيح الطلاق ويضع الضوابط والأصول التي تحفظ الحقوق لكل منهما. يقول ابن قدامة الحنبلي رحمه الله:" ربما فسدت الحال بين الزوجين فيصير بقاء النكاح مفسدة وضرراً محضاً بإلزام الزوج النفقة والسكنى وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه" ويقول العلامة الكاساني رحمه الله :" شرع الطلاق في الأصل لمكان المصلحة لأن الزوجين قد تختلف أخلاقهما وعند اختلاف الأخلاق لا يبقى النكاح مصلحة لأنه لا يبقى وسيلة إلى المقاصد –أي مقاصد النكاح- فتغلب المصلحة إلى الطلاق ليصل كل واحد منهما إلى زوج يوافقه فيستوفي مصالح النكاح منه" ، وهذا ماحدا بكثير من البلاد الأوروبية التي كانت تحرم الطلاق وفقاً لمذهبها ودينها أن تتراجع أمام الاشكاليات الكثيرة التي تقع نتيجة لتحريم الطلاق وتصدر القوانين التي تسمح بالانفصال والطلاق.
لكن الإسلام حين شرع الطلاق دلل على فهمه للطبيعة البشرية ونظرته العميقة إلى المشاكل التي تقع ومع هذا فقد تدرج الإسلام في استعمال أخر الدواء وهو الطلاق فجعله ثلاثاً يستطيع الرجل أن يراجع اهله دون عقد أو مهر جديدين بعد الطلقة الأولى أو الثانية قبل انقضاء العدة كما حرم الطلاق أثناء الحيض أو في طهر حصل فيه لقاء بين الرجل وزوجه كل ذلك حتى يفسح المجال لمزيد من التفكير ومحاولة لجمع الشمل ورأب الصدع بل أمر أن تبقى المطلقة في بيت زوجها طيلة فترة العدة لعل النفس تهدأ ويعود إليها صفاؤها فتعود المياه إلى مجاريها ويراجع الرجل زوجه أثناء العدة فإن باءت الرجعة بالفشل فتسريح بإحسان وقد أستعمل القرآن الكريم أثناء عرضه لأحكام الطلاق من أساليب الأيحاء بصفات الله تعالى من الحلم والرحمة والمغفرة والعلم وأساليب الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والتذكير بنعم الله تعالى وآلائه والتحذير من تجاوز حدوده مايلفت المسلم الواعي ويجعله يحسب ألف حساب وحساب حين يقدم على هذا الأمر .قال تعالى: وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولاتتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم .


المطلب الثالث: حكم الطلاق.

القول الأول.

أختلف العلماء في الحكم الأصلي للطلاق هل هو الإباحة أو الحظر فهناك من يرى أن الأصل فيه الإباحة وإلى هذا ذهب الإمام القرطبي فقال عند تفسيره لقوله تعالى:  الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان دل الكتاب والسنة واجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور وقال ابن المنذر وليس في المنع منه خبر يثبت . وجاء في المبسوط للإمام السرخسي" وايقاع الطلاق مباح وإن كان مبغضاً في الأصل عند عامة العلماء" وفي رد المختار "وايقاعه مباح عند العامة لاطلاق الآيات" .

وقد استدل القائلون بالإباحة بأدلة منها:

1. قوله تعالى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء فالتعبير القرآني "لا جناح عليكم" يفيد رفع الحرج عن الأمة وهو ما يعني الإباحة.

2. وقوله تعالى:  يا أيها النبي إذا طلقتم الناس فطلقوهن لعدتهن فالآية تفيد طريقة ايقاع الطلاق أما حكم الطلاق فلم نتحدث عنه مما يعني إباحته ولو لم يكن مباحاً لما ذكرت الآية طريقة ايقاعه.

3. فعل النبي  فقد طلق حفصة  حتى نزل عليه الوحي يأمره بأن يراجعها" والنبي  لا يفعل ما فيه حظر على الأمة إلا إذا دل دليل على خصوصيته  بذلك كوصل الصيام ولا يوجد هنا دليل يصرف فعله  عن الإباحة.

4. فعل الصحابة  فقد طلق عمر بن الخطاب  زوجه أم عاصم وفعل ذلك غيره كعبدالرحمن بن عوف والمغيرة بن شعبة والحسن بن علي  جميعاً.

القول الثاني.

وذهب فريق آخر إلى أن الأصل فيه الحظر وإنما أبيح لحاجة قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ان الأصل في الطلاق الحظر وإنما ابيح منه قدر الحاجة" ويقول في موضع آخر: "ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضي تحريمه كما دلت عليه الآثار والأصول ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه أحياناً" .

وإلى هذا ذهب الأحناف على الأرجح من اقوالهم يقول العلامة ابن عابدين "وأما الطلاق فالأصل فيه الحظر بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه وهو معنى قولهم الأصل فيه الحظر والإباحة للحاجة إلى الخلاص فإذا كان بلا سبب أصلاً لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص بل يكون حمقاً وسفاهة رأي ومجرد كفران النعمة واخلاص الايذاء بها وبأهلها وأولادها" وجاء في كشف القناع "ويباح الطلاق عند الحاجة إليه ويكره الطلاق من غير حاجة إليه"

وقد استدل القائلون بهذا الرأي بأدلة منها:

1. حديث رسول الله  "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة" ولولا أنه محظور ما استحقت المرأة هذا العقاب الشديد.

2. من عمل السحرة والشياطين التفريق بين المرء وزوجه قال تعالى: فيتعلمون منهما مايفرقون به بين المرء وزوجه . وعن النبي  أنه قال:" إن الشيطان ينصب عرشه على البحر ويبعث جنوده فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتي أحدهم فيقول مازلت به حتى شرب الخمر فيقول الساعة يتوب ويأتي الآخر فيقول مازلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته فيقبله بين عينه ويقول أنت أنت" .
3. الزواج نعمة من نعم الله تعالى على الإنسان وآية من آياته تعالى قال تعالى:ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة وفي الطلاق من غير حاجة كفران للنعمة وجحود بها.

4. حرم الله تعالى الظلم فقال تعالى في الحديث القدسي:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا"،ونهى رسول الله  عن الضرر والضرار فقال "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام" ، والطلاق من غير بأس ظلم للمرأة وضرر بها وبأهلها وأولادها بل هو من أكبر الظلم.

تحقيق المسألة :

الأولى أن يقال إن الطلاق كالزواج تعتريه الأحكام الخمسة حسب الظروف والأحوال التي ترافقه جاء في المغني لابن قدامة"والطلاق على خمسة أضرب واجب ومكروه ومباح ومندوب إليه ومحظور" . وجاء في الشرح الكبير للدردير"إن الطلاق من حيث هو جائز قد تعتريه الأحكام الأربعة من حرمة وكراهة ووجوب وندب" .

وعليه يحمل ما ورد من أدلة يبدوا ظاهرها الإباحة المحضة مثل قوله تعالى:لاجناح عليكم ان طلقتم النساء ، وما وقع منه  ومن أصحابه الكرام أن ذلك إنما كان لحاجة ولهذا قال تعالى:فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيرا ، يقول الإمام القرطبي في تفسيره فإن أطعنكم أي: تركوا النشوز فلا تبغوا عليهن سبيلا أي: لا تجنوا عليهن بقول أو فعل وهذا نهي عن ظلمهن" ، وهل ثمة ظلم وجناية على المرأة أكبر من طلاقها من غير سبب ولذلك فقد يكون:

1. واجباً كطلاق المولى بعد التربص وعدم الفيئة على رأي الجمهور، أما الأحناف فإنهم يوقعون الفرقة بانتهاء المدة حكماً وكذلك طلاق الحكمين في الشقاق إذ رأيا ذلك أصلح للزوجين وكل طلاق تكون الحياة بدونه فيها ضرر لا يحتمل ومفسدتها أكبر من مصلحتها.

2. قد يكون مكروهاً وهو الطلاق من غير حاجة وقيل هو حرام لأنه ضرر بنفسه وبزوجه واعدام للمصلحة القائمة بينهما من غير حاجة.
3. قد يكون مباحاً عند الحاجة إليه لسوء خلق زوجة وسوء عشرتها مع عدم نفع النصح والموعظة وتماديها في ذلك.

4. قد يكون مندوباً إذا فرطت المرأة في حقوق الله تعالى الواجبة عليها مثل ترك الصلاة ونحو ذلك إذا لم يجد معها وسائل الاصلاح والتقويم وخشى على نفسه وولده.

5. قد يكون حراماً وهو الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه وهو المسمى عند الفقهاء بطلاق البدعة وكذلك الطلاق من غير سبب.

تعليق ختامي

سورة النساء 21
سورة المائدة الآية 1
رواه البخاري ومسلم.
مختار الصحاح .
المفردات في غريب القرآن 306.
الدر المختار 426
حاشية العدوي ج2ص102
كفاية الأخبار ص 517.
المغني لابن قدامة ج8ص233
المفصل لإي أحكام المرأة ج7ص347.
احكام الزواج والطلاق والميراث ص 154
سورة البقرة الآية 229.
سورة الطلاق الآية 1.
أخرجه أبو داود ج2ص712، والحاكم ج2ص197. وصححه ووافقه الذهبي على ذلك.
متفق عليه واللفظ
سورة البقرة الآية 229 وما بعدها.
تفسير القرطبي ج2ص111.
سورة الروم الآية 121.
متفق عليه.
رواه مسلم والنسائي والترمذي.

أخرجه الترمذي والنسائي واسناده صحيح.
أخرجه أحمد وأبوداود وحسنة الحافظ في الفتح وقال في بلوغ المرام رجاله ثقات.
رواه البخاري ومسلم.
أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه.
المجموع للنووي
سنن ابن ماجه ج1ص636.
تفسير ابن كثير ج1ص466
سورة النساء الآية 19.
الترمذي ج4ص325.
نيل الاوطار ج6ص2201.
سورة البقرة الآية 34.
سورة النساء الآية 128.
سورة النساء الآية 34.
سورة النساء الآية
المغني لابن قدامة ج8ص234.
البدائع ج3 ص112.
مثل أيرلندا والسويد وغيرها من الدول المسيحية وقد نشرت جريدة الأهرام المصرية في تاريخ 17/12/1967م خبراً تحت عنوان مشكلة الطلاق بين الحكومة والكنيسة الإيطالية مانصه: لأول مرة منذ عشرين سنة تجرؤ الحكومة الإيطالية على التدخل في مسالة تخص الكنيسة وحدها وهي مشكلة الطلاق ففي البرلمان مشروع قانون يطالب بإباحة الطلاق في أيطاليا هذا المشروع مقدم منذ سنتين ولكن لم يبث في أمره بسبب المذكرة التي رفعها البابا بولس السادس يرفض فيها رفضاً باتاً دراسة أي موضوع يخص الفاتيكان وحده وخاصة إذا كان هذا الموضوع يتعلق بالطلاق ولكن لم ييأس أصحاب المشروع ظلوا يعقدون الاجتماعات والندوات ويصدرون النشرات ويعلنون أن هناك خمسة ملايين امرأة منفصلة عن زوجها بسبب الفشل في الحياة الزوجية وأن هناك نصف مليون رجل يعيش مع امرأة غير زوجته وأن 300 طفل غير شرعي يولدون عن هذه العلاقات وأخيراً خرج مشروع القانون الخاص بإباحة الطلاق إلى الضو من جديد ومازالت المعارك الحامية تدور حوله داخل البرلمان نفسه وينص المشروع بإباحة الطلاق في حالات معينة منها الإصابة بالجنون والحكم بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات والسجن بسبب ارتكاب جريمة جنسية والهجر لمدة خمس سنوات" وقد صدر القانون بموافقة مجلس الشيوخ أولاً ثم المجلس النيابي في مساء يوم 1/11/1970م صحيفة الأنوار اللبنانية تاريخ 2/11/1970 العدد 3622.
يأتي توضيج ذلك عند الحديث عن حكم طلاق البدعة.
الإسلام وبناء المجتمع ص262.
سورة البقرة 231.
سورة البقرة الآية 229.
تفسير القرطبي ج2ص111
المبسوط ج6ص2.
رد المختار ج4ص427.
سورة البقرة الآية 236.
سورة الطلاق الآية 1
رواه ابن ماجه في سننه 1/650.
الفتاوى ج3ص16.
الفتاوى ج3ص62
رد المختار لابن عابدين ج3ص228.
كشاف القناع ج3ص139
رواه
سورة البقرة الآية
رواه
سورة الروم.
رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي.
المغني لابن قدامة ج8ص234.
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج3ص239.
سورة البقرة الآية 236.
سورة النساء الآية 34.
القرطبي ج3ص157.


EmoticonEmoticon