Sunday, March 30, 2014

خروج النبي مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب

خروج النبي مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب


المحتويات



خروجه عليه الصلاة والسلام مع عمه أبي طالب إلى الشام وقصته مع بحيرى الراهب

روى الحافظ أبو بكر الخرائطي من طريق يونس بن أي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال:
خرج أبو طالب إلى الشام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش، لما أشرفوا على الراهب- يعني : بحيرى- هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج ولا يلتفت إليهم. قال:

فنزل وهم يحلون رحالهم ، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ذا سيد العالمين (وفي رواية البيهقي زيادة: هذا رسول رب العالمين؛ يبعثه الله رحمة للعالمين).
فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجداً، ولا يسجدون إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه.
ثم رجع فصنع هم طعاماً، فلما أتاهم به- وكان هو في رعية الإبل- فقال:

أرسلوا إليه. فأقبل وغمامة تظله، فلما دنا من القوم قال: انظروا إليه عليه غمامة! فلما دنا القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء شجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه.

قال: فبينما هو قائم عليهم وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقلتوه، فالتفت، فإذا هو سبعة نفر من الروم قد أقبلوا، قال: فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: فهل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: لا؛ إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه؛ هل يستيع أحد رده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه وأقاموا معه عنده، قال:

فقال الراهب: أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب.
فلم يزل يناشده حتى رده، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوده الراهب من الكعك والزيت.
وهكذا رواه الترمذي والحاكم والبيهقي وابن عساكر وغير واحد من الحفاظ وقال الترمذي :
((حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه)).

قلت: فيه ن الغرائب أنه مرسلات الصحابة؛ فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر سنة سبع من الهجرة، فهو مرسل، فإن هذه القصة كانت ولرسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر فيما ذكره ثنتا عشرة سنة، ولعل أبا موسى تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم، أو كان هذا مشهور مذكوراً أخذه من طريق الاستفاضة.
[المستدرك]

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((ما زالت قريش كاعّة حتى توفي أبو طالب)).
أخرجه الحاكم (2/622) وقال: ((صحيح على شرط الشيخين)).
قلت: فيه عقبة المجَدّر، ولم يخرج له الشيخان، وهو صدوق، فالإسناد جيد. وسيذكره المؤلف رحمه الله بلفظ آخر من رواية ابن إسحاق في (وفاة أبي طالب) مع روايات أخرى تناسب هذا الفصل. [انتهى المستدرك].

فصل

في منشئه عليه الصلاة والسلام ومرباه وكفاية الله له وحياطته وكيف كان يتيماً فآواه وعائلاً فأغناه

قال جابر بن عبد الله:
لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة، فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة. ففعل، فخرّ إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، ثم قام فقال: ((إزاري)). فشد عليه إزاره.

أخرجاه في ((الصحيحين)).
وروى البيهقي عن زيد بن حارثة قال:
(إسناده حسن)
كان صنم من نحاس- يقال له: (إساف) و(نائلة)- يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تمسه)). قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون. فمسحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ألم تُنه؟!)). زاد غيره: قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب؛ ما استلم صنماً قط حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه وأنزل عليه)).

وثبت في الحديث أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة؛ بل كان يقف مع الناس بـ(عرفات)؛ كما قال محمد بن إسحاق ... عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير قال:
لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على دين قومه، وهو يقف على بعير له بـ(عرفات) من بين قومه، حتى يدفع معهم؛ توفيقاً من الله عز وجل له.
قال البيهقي: معنى قوله: ((على دين قومه)): ما كان بقي من إرث إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، ولم يشرك بالله قط؛ صلوات الله وسلامه عليه دائماً أبداً.
قلت: ويفهم من قوله هذا أيضاً أنه كان يقف بـ(عرفات) قبل أن يوحى إليه، وهذا توفيق من الله له.

ورواه الإمام أحمد والطبراني (1577) عن محمد بن إسحاق، ولفظه:
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم – قبل أن ينزل عليه – وإنه لواقف على بعير له مع الناس بـ(عرفات) حتى يدفع معهم توفيقاً من الله.
وله شاهد من حديث ربيعة بن عباد رواه الطبراني (4592).
ورواه الإمام أحمد من طريق أخرى عن جبير بن مطعم قال:
أضللت بعيراً لي بـ(عرنة)، فذهبت أطلبه، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف، فقلت: إن هذا من (الحمس)؛ ما شأنه ها هنا؟!
وأخرجاه.
[المستدرك]

وعن سالم بن عبد الله أنه سمع ابن عمر يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل (بلدح)، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، فقدم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منه وقال: إني لا آكل مما تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
أخرجه أحمد (2/89)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وانظر : ((السيرة)) للذهبي (ص44).
وله شاهد من حديث سعيد بن زيد أتم منه.
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (350)، وعنه الذهبي (ص46).
وفي رواية : عن زيد بن حارثة عند الطبراني (4663 و4664)، والحاكم (3/216-217)، وانظر: ((مجمع الزوائد)) (9/418). [انتهى المستدرك].


شهوده عليه الصلاة والسلام حلف الفضول

روى الحافظ البيهقي بسنده عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( شهدت مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحب أن أنكُثه- أو كلمة نحوها – وأن لي حُمْر النعم)).
ثم روى البيهقى عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(إسناده حسن)

(( ما شهدت حلفاً لقريش إلا حلف المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته)).
قال: و(المطيبون): هاشم ، وأمية ، وزهرة، ومخزوم.
قال البيهقي: كذا روى هذا التفسير مدرجاً في الحديث، ولا أدري قائله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين.
قلت: هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشاً تحالفوا بعد موت قصي، وتنازعوا في الذي جعله قصي لابنه عبد الدار من الساقية، والرفادة، واللواء، والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد مناف، وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش، وتحالفوا على النصرة لحزبهم، فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب، فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا، فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت، فسموا المطيبين؛ كما تقدم، وكان هذا قديماً.
ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول، وكان في دار عبد الله بن جدعان؛ كما رواه الحميدي وابن إسحاق.

وكان حلف الفضول أكرم حلف سُمع به وأشرفه في العرب.
روى ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي:
أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان – والوليد يومئذ أمير المدينة، أمّره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان – منازعة في مال كان بينهما بـ(ذي المروة)، فكأن الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم لأدعون بحلف الفضول.
قال: فقال عبد الله بن الزبير- وهو عند الوليد حيث قال له الحسين ما قال- : وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي، ثم لأقومن معه من حقه أو نموت جميعاً. قال:
وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك.
وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التميمي، فقال مثل ذلك.
فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي.

فصل

في تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة بنت خويلد ابن أسد بن عبد العزى بن قصي
قال البيهقي باب ما كان يشتغل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج خديجة)).
ثم روى بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
((ما بعث الله نبياً إلا راعي غنم)). فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال:
((وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط)).
ورواه البخاري.
[المستدرك]

عن عائشة رضي الله عنها قالت:
ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة، وإني لم أدركها. قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يقول: ((أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة )). قالت: فأغضبته يوماً فقلت: خديجة؟ فقال: ((إني رزقت حبها)).
رواه مسلم (7/134). [انتهى المستدرك].

فصل

في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين
قال الله تعالى : ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين. فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: 96 و97].
وثبت في ((الصحيحين)) عن أبي ذر قال:

قلت: يا رسول الله! أي مسجد وضع أول؟ قال: ((المسجد الحرام)). قلت: ثم أيّ؟ قال: ((المسجد الأقصى)). قلت: كم بينهما؟ قال: ((أربعون سنة)).
وقد تكلمنا على هذا وأن المسجد الأقصى أسسه إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام.
وفي ((الصحيحين)): ((إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة)).
وفي ((صحيح البخاري)) من حديث ابن عباس قال:

((أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، اتخذت منطقاً لتعفّي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت؛ عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر، وسقاءً فيه ماء. ثم قفى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء ؟! فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذاً لا يضيعنا. ثم رجعت، فانطلق إبراهيم، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه؛ فقال: ﴿ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليه وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ﴾[إبراهيم : 37]، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى – أو قال: يتلبط – فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر؛ هل ترى أحداً ؟ فلم تر أحداً، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت؛ هل ترى أحداً؟ فلم تر أحداً، ففعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

((فلذلك سعى الناس بينهما)).
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً؛ فقالت: صه! – تريد : نفسها – ثم تسمعت، فسمعت أيضاً، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواثٌ. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه – أو قال: بجناحه – حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا،وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعدما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم :
((يرحم الله أم إسماعيل ! لو تركت زمزم – أو قال: لو لم تغرف من الماء – لكانت زمزم عيناً معيناً)).

[قال]: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة؛ فإن ها هنا بيت الله ؛ يبني هذا الغلام وأبوه، فإن الله لا يُضيع أهله.
وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية؛ تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله.
فكانت كذلك حتى مرت بهم رُفقة من جرهم – أو : أهل بيت من جرهم- مقبلين من طريق (كداء) ، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائراً عائفاً، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء! لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء! فأرسلوا جرياً أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا – قال: وأم إسماعيل عند الماء – فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم؛ ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال عبد الله بن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم :
((فألفى ذلك أمّ إسماعيل وهي تحب الإنس)).

فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبّ؛ فلما أدرك زوجوه امرأةً منهم، وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج إسماعيل يُطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته [عنه] ، فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة. فشكت إليه، قال: فإذا جاء زووجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له: يُغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئاً، فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم؛ جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني:
كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم؛ أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك: غيّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أ/رني أن أفارقك، الحقي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم أخرى.

فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه؟ فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟ فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله عز وجل، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم! بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي صلى الله عليه وسلم :

((ولم يكن لهم يوئذ حب، ولو كان لهم حب دعا لهم فيه)). [قال:] فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم ؛ أتانا شيخ حسن الهيئة – وأثنت عليه – فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم؛ هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي وأنت العتبة؛ أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك.

قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتاً. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء؛ جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" [البقرة: 127]، قال: فجعلا يبنيان، حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم".
وروى أبو داود الطيالسي عن علي رضي الله عنه قال:

لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش، فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا؛ من يضعه؟ فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب. فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة، فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب، فرفعوه، وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه.

وروى أحمد عن مجاهد عن مولاه – وهو السائب بن عبد الله – أنه حدثه:
أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية، قال: وكان لي حجراً أنا تحته [بيدي] أعبده من دون الله، قال: وكنت أجيء باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسه، فأصبه عليه، فيجيء الكلب فيلحسه، ثم يشغر فيبول عليه ! قال:

فبينا حتى بلغنا موضع الحجر، ولا يرى الحجر أحد، فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل، يكاد يتراءى منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه. وقال آخرون: نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حكماً. فقالوا: أول رجل يطلع من الفجّ ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: أتاكم الأمين. فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فرفعوا نواحيه[معه]، فوضعه هو صلى الله عليه وسلم.

قلت: وقد كانوا أخرجوا منها الحجر – وهو ستة أذرع، أو سبعة أذرع من ناحية الشام – قصرت بهم النفقة – أي: لم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم – وجعلوا للكعبة باباً واحداً من ناحية المشرق، وجعلوه مرتفعاً لئلاً يدخل إليها كل أحد، فيدخلوا من شاؤوا ، ويمنعوا من شاؤوا.
وقد ثبت في ((الصحيحين)) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الهل عليه وسلم قال لها:
((ألم تري أن قومك قصرت بهم النفقة؟ ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة، وجعلت لها باباً شرقياً وباباً غربياً، وأدخلت فيها الحجر)).

ولهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاءت في غاية البهاء والحسن والسناء، كاملة على قواعد الخليل، لها بابان ملتصقان بالأرض شرقاً وغرباً، يدخل الناس من هذا ويخرجون من الآخر.

فلما قتل الحجاج ابن الزبير ؛ كتب إلى عبد الملك بن مروان – وهو الخليفة يومئذٍ- فيما صنعه ابن الزبير – واعتقدوا أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه – فأمر بإعادتها إلى ما كانت عليه ... فهي إلى الآن كذلك .

وقد ذكرنا قصة بناء والأحاديث الواردة في ذلك في تفسير (سورة البقرة) عند قوله: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ [البقرة:127]. وذكرنا ذلك مطولاً مستقصى، فمن شاء كتبه ها هنا، ولله الحمد والمنة.

فصل

وذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحمس، وهو الشدة في الدين والصلابة.
وذلك لأنهم عظموا الحرم تعظيماً زائداً؛ بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة، وكانوا يقولون: نحن أبناء الحرم، وقطان بيت الله. فكانوا لا يقفون بعرفات. مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم عليه السلام – حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة، وكانوا يمنعون الجيج والعمّار – ما داموا محرمين – أن يأكلوا إلا من طعام قريش، ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش، فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس؛ طاف عرياناً ولو كانت امرأة، ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك؛ وضعت يدها على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله

قال ابن إسحاق: فكانوا كذلك حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه القرآن رداً عليهم فيما ابتدعوه، فقال: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾؛ أي: جمهور العرب من عرفات، ﴿واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾[البقرة:199].
وقد قدمنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه؛ توفيقاً من الله له.

وأنزل الله عليه ردّا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين. قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ الآية [الأعراف:31و32].
[المستدرك]

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول : من يعيرني تطوافاً؟ تجعله على فرجها، وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أحله
فنزلت هذه الآية : ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ [الأعراف: 31].
رواه مسلم (8/243-244).

وقال عروة:
كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس – والحُمس : قريش وما ولدت – وكانت الحمس يحتسبون على الناس؛ يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها، وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها، فمن لم تعطه الحمس طاف بالبيت عرياناً.

وكان يفيض جماعة الناس من (عرفات)، وتفيض الحمس من (جمع).
وعن عائشة رضي الله عنها:
أن هذه الآية نزلت في الحمس (وفي رواية: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ) ، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بـ(عرفات)، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي (عرفات) ثم يقف بها، ثم يفيض منها، فذلك قوله تعالى ): ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾ [البقرة: 199]، قال: كانوا يقيضون من (جمع) ، فدفعوا إلى (عرفات).
رواه البخاري بهذا التمام (818 – مختصره) ومسلم (4/43) بحديث عائشة: [انتهى المستدرك].


EmoticonEmoticon