Monday, September 2, 2013

باب الصلاة إعانة الطالبين

Tags

باب الصلاة إعانة الطالبين



محتويات

باب الصلاة

الباب معناه لغة: فرجعة في ستائر يتوصل منها من داخل إلى خارج. واصطلاحا: اسم لجملة مخصوصة دالة على معان مخصوصة، مشتملة على فصول وفروع ومسائل غالبا. والفصل معناه لغة: الحاجز بين الشيئين. واصطلاحا: اسم لالفاظ مخصوصة مشتملة على فروع ومسائل غالبا. والفرع لغة: ما انبنى على غيره، ويقابله الاصل. واصطلاحا: اسم لالفاظ مخصوصة مشتملة على مسائل غالبا. والمسألة لغة: السؤال. واصطلاحا: مطلوب خبري يبرهن عليه في العلم. والحاصل عندهم لفظ كتاب، وهو لغة: الضم والجمع. واصطلاحا: اسم لجملة مخصوصة مشتملة على أبواب وفصول وفروع ومسائل غالبا. ولفظ باب ولفظ فصل ولفظ فرع ولفظ مسألة، ومعانيها ما ذكر. وعندهم أيضا لفظ تنبيه، ومعناه لغة: الايقاظ.

واصطلاحا: عنوان البحث اللاحق الذي تقدمت له إشارة في الكلام السابق بحيث يفهم منه إجمالا. ولفظ خاتمة، وهي لغة: آخر الشئ. واصطلاحا: اسم لالفاظ مخصوصة جعلت آخر كتاب أو باب. ولفظ تتمة: وهي ما تمم به الكتاب أو الباب وهو قريب من معنى الخاتمة. واعلم، رحمك الله تعالى، أن الغرض من بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام انتظام أحوال الخلق في المعاش والمعاد، ولا تنتظم أحوالهم إلا بكمال قواهم الادراكية وقواهم الشهوانية وقواهم الغضبية. فوضعوا لكمال قواهم الادراكية ربع العبادات، ولقواهم الشهوانية البطنية ربع المعاملات، ولقواهم الشهوانية الفرجية ربع النكاح، ولقواهم الشهوانية الغضبية ربع الجنايات، وختموها بالعتق رجاء العتق من النار. وقدموا ربع العبادات لشرفها بتعلقها بالخالق، ثم المعلامات لانها أكثر وقوعا. ورتبوا العبادات على ترتيب حديث: بني الاسلام على خمس... الحديث. وإنما بدأ كتابه بالصلاة - وخالف المتقدمين والمتأخيرين في تقديمهم في كتبهم كتاب الطهارة وما يتعلق بها من وسائلها ومقاصدها - اهتماما بها، إذ هي أهم أحكام الشرع وأفضل عبادات البدن بعد الشهادتين.

(قوله: شرعا أقوال وأفعال الخ) واعترض هذا التعريف بأنه غير مانع لدخول سجدتي التلاوة والشكر مع أنهما ليسا من أنواع الصلاة، وغير جامع لخروج صلاة الاخرس والمريض والمربوط على خشبة، فإنها أقوال من غير أفعال في الآخرين، وأفعال من غير أقوال في الاول. وأجيب عن الاول بأن المراد بالافعال المخصوصة ما يشمل الركوع والاعتدال، فيخرجان حينئذ بقيد مخصوصة. وأجيب عن الثاني بأن المراد بقوله: أقوال وأفعال ما يشمل الحكمية، أو يقال: إن صلاة من ذكر نادرة فلا ترد عليه. (قوله: وسميت) أي الاقوال والافعال وقوله: بذلك أي بلفظ الصلاة. (قوله: خمس) وذلك لخبر الصحيحين: فرض الله على أمتي ليلة الاسراء خمسين صلاة، فلم أزل أراجعه
وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسا في كل يوم وليلة، وقوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: أخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. والحكمة في كون المكتوبات سبع عشرة ركعة أن زمن اليقظة من اليوم والليلة سبع عشرة ساعة غالبا، اثنا عشر في النهار، ونحو ثلاث ساعات من الغروب، وساعتين من قبيل الفجر، فجعل لكل ساعة ركعة جبرا لما يقع فيها من التقصير.

(قوله: ولم تجتمع هذه الخمس لغير نبينا محمد) أي بل كانت متفرقة في الانبياء. فالصبح صلاة آدم، والظهر صلاة داود، والعصر صلاة سليمان، والمغرب صلاة يعقوب، والعشاء صلاة يونس، كما سيذكره الشارح في مبحث أوقات الصلاة عن الرافعي. (قوله: وفرضت ليلة الاسراء) والحكمة في وقوع فرضها تلك الليلة أنه (ص) لما قدس ظاهرا وباطنا، حيث غسل بماء زمزم، وملئ بالايمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهر، ناسب ذلك أن تفرض فيها. ولم تكن قبل الاسراء صلاة مفروضة إلا ما وقع الامر به من قيام الليل من غير تحديد. وذهب بعضهم إلى أنها كانت مفروضة، ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي. ونقل الشافعي عن بعض أهل العلم أنها كانت مفروضة ثم نسخت. اه‍ بجيرمي بتصرف. (قوله: لعدم العلم بكيفيتها) أي وأصل الوجوب كان معلقا على العلم بالكيفية. وهنا توجيه آخر لعدم وجوب صبح ذلك اليوم، وهو أن الخمس إنما وجبت على وجه الابتداء بالظهر، أي أنها وجبت من ظهر ذلك اليوم. اه‍ سم بتصرف.

(قوله: إنما تجب المكتوبة) شروع في بيان من تجب عليه الصلاة وما يترتب عليه إذا تركها. (قوله: على كل مسلم) أي ولو فيما مضى، فدخل المرتد. (قوله: أي بالغ) سواء كان بالسن، أو بالاحتلام، أو بالحيض. (قوله: فلا تجب على كافر) تفريع على المفهوم، والمنفي إنما هو وجوب المطالبة منا بها في الدنيا، فلا ينافي أنها تجب عليه وجوب عقاب عليها في الدار الآخرة عقابا زائدا على عقاب الكفر لانه مخاطب بفروع الشريعة، وذلك لتمكنه منها بالاسلام، ولنص: * (لم نك من المصلين) * وإنما لم يجب القضاء عليه إذا أسلم ترغيبا له في الاسلام، ولقوله تعالى: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * (قوله: بلا تعد) قيد في المجنون والمغمى عليه والسكران، وإن كان ظاهر كلامه أنه قيد في الاخير، فإن حصل منهم تعد وجب عليهم قضاؤها، لانهم بتعديهم صاروا في حكم المكلفين، فكأنه توجه عليهم الاداء فوجب القضاء نظرا لذلك.

(قوله: بل تجب على مرتد) أي فيلزمه قضاء ما فاته فيها بعد إسلامه تغليظا عليه، ولانه التزمها بالاسلام، فلا تسقط عنه بالجحود كحق الآدمي. (قوله: ومتعد بسكر) أي أو جنون أو إغماء، لما تقدم آنفا. (قوله: ويقتل إلخ) لخبر الصحيحين أنه (ص) قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام، وحسابهم على الله. واعلم أن الفقهاء اختلفوا في موضع ذكر حكم تارك الصلاة، فمنهم من ذكره عقب فصل المرتد، لمناسبته له من جهة أنه يكون حكمه حكم المرتد إذا تركها جاحدا لوجوبها. ومنهم من ذكره عقب الجنائز، لمناسبته لها من جهة أنه إذا قتل يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، إن كان تركها كسلا. وهذه الامور تذكر في الجنائز. ومنهم من ذكره قبلها، كالنووي في منهاجه، وكشيخ الاسلام في منهجه، ليكون كالخاتمة لكتاب الصلاة. ومنهم من ذكره قبل الاذان، لمناسبة ذكر حكم تركها الذي هو التحريم، بعد ذكر حكم فعلها الذي هو الوجوب. والمؤلف رحمه الله تعالى اختار هذا الاخير لما ذكر.

وقوله: أي المسلم أي سواء كان عالما أو جاهلا غير معذور بجهله لكونه بين أظهرنا. (قوله: حدا) أي يقتل حال كون قتله حدا، أي لا كفرا. واستشكل كونه حدا بأن القتل يسقط بالتوبة والحدود لا تسقط بالتوبة. وأجيب بأن المقصود من هذا القتل الحمل على أداء ما توجه عليه من الحق وهو الصلاة، فإذا أداه بأن صلى سقط لحصول المقصود، بخلاف سائر الحدود فإنها وضعت عقوبة على معصية سابقة فلا تسقط بالتوبة. وقوله: بضرب عنقه، أي بنحو السيف. ولا يجوز قتله بغير ذلك، لخبر: إذا قتلتم فأحسنوا القتلة. واعلم أنه إذا قتل من ذكر يكون حكمه حكم المسلمين في الغسل والتكفين والصلاة عليه والدفن في مقابر المسلمين. (قوله: أي المكتوبة) ومثل ترك المكتوبة ترك الطهارة لها، لان ترك الطهارة بمنزلة ترك الصلاة. ومثل الطهارة الاركان وسائر الشروط التي لا خلاف فيها أو فيها خلاف واه، بخلاف القوي. فلو ترك النية في الوضوء أو الغسل أو مس الذكر أو لمس المرأة وصلى متعمدا لم يقتل، كما لو ترك فاقد الطهورين الصلاة لان جواز صلاته مختلف فيه.

(قوله: عامدا) خرج به ما إذا أخرجها ناسيا فلا يقتل لعذره، ومثل النسيان: ما لو أبدى عذرا في التأخير كشدة برد أو جهل يعذر به أو نحوهما من الاعذار الصحيحة أو الباطلة. (قوله: عن وقت جمع لها) أي فلا يقتل بالظهر حتى تغرب الشمس، ولا بالمغرب حتى يطلع الفجر، هذا إن كان لها وقت جمع وإلا فيقتل بخروج وقتها، كالصبح فإنه يقتل فيها بطلوع الشمس، وفي العصر بغروبها، وفي العشاء بطلوع الفجر، فيطالب بأدائها إن ضاق الوقت ويتوعد بالقتل إن أخرجها عن وقتها بأن نقول له عند ضيق الوقت: صل فإن صليت تركناك وإن أخرجتها عن الوقت قتلناك. وظاهر أن المراد بوقت الجمع في الجمعة ضيق وقتها عن أقل ممكن من الخطبة والصلاة لان وقت العصر ليس وقتا لها. (قوله: إن كان كسلا) أي يقتل حدا إن كان إخراجه لها كسلا أي تهاونا وتساهلا بها. وقوله: مع اعتقاد وجوبها سيأتي محترزه. (قوله: إن لم يتب) أي بأن لم يمتثل أمر الامام أو نائبه ولم يصل.

وقوله: بعد الاستتابة أي بعد طلب التوبة منه. واختلف فيها، فقيل إنها مندوبة، وقيل إنها واجبة، والمعتمد الاول. ويفرق بينه وبين المرتد، حيث وجبت استتابته بأن تركها فيه يوجب تخليده في النار - إجماعا - بخلاف هذا ويوجد في بعض النسخ الخطية بعد قوله الاستتابة ما نصه: ندبا، وقيل واجبا، وهو الموافق لقوله بعد: وعلى ندب الخ. (قوله: وعلى ندب الاستتابة لا يضمن الخ) قال سم: مفهومه أن يضمنه على الوجوب. ثم نقل عبارة شرح البهجة واستظهر منها عدم الضمان - حتى على القول بالوجوب - لانه استحق القتل، فهو مهدر بالنسبة لقاتله الذي ليس هو مثله. اه‍. (قوله: ويقتل) أي تارك الصلاة. فالضمير يعود على معلوم من المقام، ويصح عوده على المسلم المتقدم. ووصفه بالاسلام مع الحكم عليه بالكفر بسبب جحده وجوبها باعتبار ما كان. وقوله: كفرا، أي لكفره بجحده وجوبها فقط، لا به مع الترك. إذ الجحد وحده مقتض للكفر لانكاره ما هو معلوم من الدين بالضرورة. وقوله: إن تركها أي بأن لم يصلها حتى خرج وقتها، أولم يصلها أصلا. (وقوله: جاحدا وجوبها) مثله جحد وجوب ركن مجمع عليه منها، أو فيه خلاف واه. (قوله: فلا يغسل ولا يصلى عليه) أي ولا يدفن في مقابر المسلمين لكونه كافرا. (قوله: ويبادر من مر) أي المسلم المكلف الطاهر. وقوله: بفائت أي بقضائه. (قوله: والذي يظهر أنه) أي من عليه فوائت فاتته بغير عذر.

(قوله: ما عدا ما يحتاج لصرفه فيما لا بد له منه) كنحو نوم، أو مؤنة من تلزمه مؤنته، أو فعل واجب آخر مضيق يخشى فوته. (قوله: وأنه يحرم عليه التطوع) أي مع صحته، خلافا للزركشي. (قوله: ويبادر به) أي بالقضاء وقوله: إن فات أي الفائت. (قوله: كنوم لم يتعد به) بخلاف ما إذا تعدى، بأن نام في الوقت وظن عدم الاستيقاظ، أو شك فيه، فلا يكون عذرا. وقوله: ونسيان كذلك أي لم يتعد به، وأما إن تعدى به بأن نشأ عن منهي عنه - كلعب شطرنج مثلا - فلا يكون عذرا. (قوله: ويسن ترتيبه) أي إن فات بعذر، بدليل قوله: بعد، ويجب تقديم ما فات بغير عذر على ما فات بعذر، وكان عليه أن يذكر هذا القيد هنا كما ذكره فيما بعد. والتقييد بما ذكر هو ما جرى عليه شيخه ابن حجر. واعتمد م ر سنية ترتيب الفوائت مطلقا، فاتت كلها بعذر أو بغيره، أو بعضها بعذر وبعضها بغير عذر. (قوله: وتقديمه) أي ويسن تقديمه، أي الفائت، لحديث الخندق: أنه (ص) صلى يوم العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب. (قوله: إن فات بعذر) راجع لسنية التقديم، وسيذكر محترزه.

وقوله: وإن خشي فوت جماعتها، أي الحاضرة. (قوله: أما إذا خاف فوت الحاضرة إلخ) قال في النهاية: وتعبيره بالفوات يقتضي استحباب الترتيب أيضا إذا أمكنه إدراك ركعة من الحاضرة لانها لم تفت. وبه جزم في الكفاية، واقتضاه كلام المحرر والتحقيق والروض، وأفتى به الوالد رحمه الله تعالى للخروج من خلاف وجوب الترتيب، إذ هو خلاف في الصحة كما تقدم، وإن قال الاسنوي أن فيه نظرا لما فيه من إخراج بعض الصلاة عن الوقت، وهو ممتنع. والجواب عن ذلك أن محل تحريم إخراج بعضها عن وقتها في غير هذه الصورة. اه‍. (قوله: بأن يقع بعضها إلخ) صورة فوت الحاضرة بوقوع بعضها وإن قل خارج الوقت. وهو ما جرى عليه ابن حجر، وخلاف ما جرى عليه الرملي كما يعلم من عبارته السابقة. والحاصل: إذا علم لو قدم الفائتة يخرج بعض الحاضرة عن الوقت لزمه تقديم الحاضرة عند ابن حجر، لحرمة إخراج بعضها عن الوقت، واستحب له تقديم الفائتة عند م ر، للخروج من خلاف من أوجب الترتيب. وإذا علم أنه لو قدمها يدرك دون ركعة من الحاضرة في الوقت فباتفاقهما يجب تقديم الحاضرة. (قوله: وإن فقد الترتيب) يفيد فيمن فاته الظهر والعصر بعذر، والمغرب والعشاء بغير عذر، وجوب تقديم الاخيرين عليهما. وهو مخالف لما مشى عليه الرملي من استحباب
تقديم الاول فالاول مطلقا.

(قوله: لانه سنة والبدار واجب) القائل باستحبابه مطلقا يقول: الترتيب المطلوب لا ينافي البدار لانه مشتغل بالعبادة وغير مقصر، كما أن تقديم راتبة المقضية القبلية عليها لا ينافي البدار الواجب. (قوله: تنبيه: من مات إلخ) ذكر الشارح هذا المبحث في باب الصوم بأبسط مما هنا، ويحسن أن نذكره هنا تعجيلا للفائدة. ونص عبارته هناك: (فائدة) من مات وعليه صلاة فلا قضاء ولا فدية. وفي قول - كجمع مجتهدين - أنها تقضى عنه لخبر البخاري وغيره، ومن ثم اختاره جمع من أئمتنا، وفعل به السبكي عن بعض أقاربه. ونقل ابن برهان عن القديم أنه يلزم الولي إن خلف تركة أن يصلى عنه، كالصوم. وفي وجه - عليه كثيرون من أصحابنا - أنه يطعم عن كل صلاة مدا. وقال المحب الطبري: يصل للميت كل عبادة تفعل، واجبة أو مندوبة. وفي شرح المختار لمؤلفه: مذهب أهل السنة، أن للانسان أن يجعل ثواب عمله وصلاته لغيره ويصله. اه‍.

وقوله: لم تقض ولم تفد عنه وعند الامام أبي حنيفة رضي الله عنه: تفدى عنه إذا أوصى بها ولا تقضى عنه. ونص عبارة الدر مع الاصل: ولو مات وعليه صلوات فائتة، وأوصى بالكفارة، يعطى لكل صلاة نصف صاع من بر كالفطرة، وكذا حكم الوتر والصوم. وإنما يعطى من ثلث ماله، ولو لم يترك مالا يستقرض وارثه نصف صاع مثلا ويدفعه للفقير ثم يدفعه الفقير للوارث، ثم وثم حتى يتم. ولو قضاها وارثه بأمره لم يجز لانها عبادة بدنية. اه‍. وكتب العلامة الشامي ما نصه: قوله: يستقرض وارثه نصف صاع أي أو قيمة ذلك. اه‍. (قوله: بأن صار يأكل إلخ) هذا أحسن ما قيل في ضابط المميز. وقيل: أن يعرف يمينه من شماله. وقيل: أن يفهم الخطاب ويرد الجواب. والمراد بمعرفة يمينه من شماله معرفة ما يضره وينفعه. ويوافق التفسير الثاني خبر أبي دواد أنه (ص) سئل: متى يؤمر الصبي بالصلاة ؟ فقال: إذا عرف يمينه من شماله. أي ما يضره مما ينفعه. اه‍ ع ش بتصرف. (قوله: أي يجب على كل من أبويه وإن علا) أي ولو من جهة الام. والوجوب كفائي فيسقط بفعل أحدهما: لانه من الامر بالمعروف، ولذا خوطبت به الام ولا ولاية لها. (قوله: التهديد) أي إن احتيج إليه. اه‍ سم. (قوله: غير مبرح) بكسر الراء المشددة، أي مؤلم. قال ع ش: أي وإن كثر. خلافا لما نقل عن ابن سريج من أنه لا يضرب فوق ثلاث ضربات، أخذا من حديث: غط جبريل للنبي (ص) ثلاث مرات في ابتداء الوحي. اه‍. ولو لم يفد إلا المبرح تركهما وفاقا لابن عبد السلام، وخلافا لقول البلقيني: يفعل غير المبرح كالحد. اه‍ تحفة.

(قوله: وبحث الاذرعي إلخ) عبارة التحفة: نعم، بحث الاذرعي في قن صغير لا يعرف إسلامه أنه لا يؤمر بها، أي وجوبا، لاحتمال كفره، ولا ينهى عنها لعدم تحقق كفره. والاوجه ندب أمره ليألفها بعد البلوغ. واحتمال كفره إنما يمنع الوجوب فقط. اه‍. وفي ع ش ما نصه: قال الشهاب الرملي في حواشي شرح الروض: إنه يجب أمره بها نظرا لظاهر الاسلام. ومثله في الخطيب على المنهاج. أي ثم إن كان مسلما في نفس الامر صحت صلاته وإلا فلا. وينبغي أيضا أنه لا يصح الاقتداء به. اه‍. وقوله: وإن أبى القياس ذلك. أي ندب الامر، لانه كافر احتمالا.

(قوله: ويجب أيضا على من مر) أي من الابوين والوصي ومالك الرقيق، ومثلهم الملتقط والمودع والمستعير، فالامام فصلحاء المسلمين. (قوله: وتعليمه الواجبات) أي كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وما يتعلق بها من الاركان والشروط. (قوله: ولو سنة كسواك) وخالف في شرح الروض عن المهمات في ذلك فقال: المراد بالشرائع ما كان في معنى الطهارة والصلاة كالصوم ونحوه، لانه المضروب على تركه. وذكر نحوه الزركشي. اه‍. ثم رأيت في شرح العباب ذكر أن ظاهر كلام القمولي الضرب على السنن. اه‍ سم بتصرف. (قوله: وجوب ما مر) أي من الامر والضرب على من مر، أي كل من الابوين، إلخ. (قوله: في ماله) أي الصبي، ولا يجب ذلك على الاب والام. ومعنى أن الوجوب في ماله ثبوتها في ذمته ووجوب إخراجها من ماله على وليه، فإن بقيت إلى كماله لزمه إخراجها وإن تلف المال. (قوله: ذكر السمعاني إلخ) حاصل ما ذكره أنه يجب على الابوين ما مر، أي من نحو التعليم والضرب للزوجة الصغيرة، فإن فقدا فالوجوب على الزوج. (قوله: وبه إلخ) أي وبوجوب الضرب، ولو في الزوجة الكبيرة، صرح جمال الاسلام البزري، قال في التحفة في فصل التعزيز: وبحث ابن البزري - بكسر الموحدة - أنه يلزمه أمر زوجته بالصلاة في أوقاتها وضربها عليها. وهو متجه حتى في وجوب ضرب المكلفة، لكن لا مطلقا بل إن توقف الفعل عليه ولم يخش أن يترتب عليه مشوش للعشرة يعسر تداركه. اه‍. (قوله: إن لم يخش نشوزا) قال في شرح العباب: بخلاف ما لو خشي ذلك لما فيه من الضرر عليه. اه‍. (قوله: وأطلق الزركشي الندب) أي أنه جرى على ندب ضربها مطلقا
خشي نشوزا أم لا.

(قوله: وأول واجب إلخ) يعني أن أول ما يجب تعليمه للصبي أن نبينا (ص) إلخ، ويكون ذلك مقدما على الامر بالصلاة. قال في التحفة: يجب تعليمه ما يضطر إلى معرفته من الامور الضرورية التي يكفر جاحدها ويشترك فيها العام والخاص، ومنها أن النبي (ص) بعث بمكة ودفن بالمدينة، كذا اقتصروا عليهما. وكأن وجهه أن إنكار أحدهما كفر، لكن لا ينحصر الامر فيهما. وحينئذ فلا بد أن يذكر له من أوصافه (ص) الظاهرة المتواترة ما يميزه ولو بوجه، ثم ذينك. وأما مجرد الحكم بهما قبل تمييزه بوجه فغير مفيد، فيجب بيان النبوة والرسالة وأن محمدا الذي هو من قريش واسم أبيه كذا واسم أمه كذا وبعث ودفن بكذا نبي الله ورسوله إلى الخلق كافة. ويتعين أيضا ذكر لونه، ثم أمره بها، أي الصلاة ولو قضاء. اه‍. والحاصل: يجب على الآباء والامهات أن يعلموا أبناءهم جميع ما يجب على المكلف معرفته، كي يرسخ الايمان في قلوبهم ويعتادوا الطاعات، كتعليمهم ما يجب لمولانا عزوجل، وما يستحيل، وما يجوز. وجملة ذلك إحدى وأربعون عقيدة فأولها الوجود، ويستحيل عليه العدم. والثاني القدم، ومعناه لا أول لوجوده، ويستحيل عليه الحدوث.

والثالث البقاء، ومعناه الذي لا آخر لوجوده، ويستحيل عليه الفناء. والرابع مخالفته تعالى للحوادث في ذاته وصفاته وأفعاله، ويستحيل عليه المماثلة. والخامس قيامه تعالى بالنفس، ومعناه عدم احتياجه إلى ذات يقوم بها، ولا إلى موجد يوجده، ويستحيل عليه أن لا يكون قائما بنفسه. والسادس الوحدانية، بمعنى أنه سبحانه وتعالى واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، ويستحيل عليه التعدد. والسابع القدرة، ويستحيل عليه العجز. والثامن الارادة، ويستحيل عليه الكراهية. والتاسع العلم، ويستحيل عليه الجهل. والعاشر الحياة، ويستحيل عليه الموت. والحادي عشر السمع، ويستحيل عليه الصمم. والثاني عشر البصر، ويستحيل عليه العمى. والثالث عشر الكلام، ويستحيل عليه البكم. والرابع عشر كونه قادرا، ويستحيل عليه كونه عاجزا. والخامس عشر كونه مريدا، ويستحيل عليه كونه مكرها. والسادس عشر كونه عالما، ويستحيل عليه كونه جاهلا. والسابع عشر كونه حيا، ويستحيل عليه كونه ميتا. والثامن عشر كونه سميعا، ويستحيل عليه كونه أصم. والتاسع عشر كونه بصيرا، ويستحيل عليه كونه أعمى.

والعشرون كونه متكلما، ويستحيل عليه كونه أبكم. فهذه أربعون عشرون واجبة، وعشرون مستحيلة، والواحد والاربعون الجائز في حقه تعالى وهو فعل كل ممكن أو تركه. وتعليمهم ما يجب في حق الرسل عليهم الصلاة والسلام، وما يستحيل، وما يجوز. وجملة ذلك تسع عقائد. فالواجب: الصدق والامانة، والتبليغ، والفطانة. والمستحيل: الكذب، والخيانة، وكتمان شئ مما أمروا بتبليغه، والبلادة. والجائز في حقهم ما هو من الاعراض البشرية التي لا تؤدي إلى نقص مراتبهم العلية، كالاكل والشرب والجماع والمرض الخفيف. فهم عليهم الصلاة والسلام أكمل الناس عقلا وعلما، بعثهم الله وأظهر صدقهم بالمعجزات الظاهرة، فبلغوا أمره ونهيه ووعده ووعيده. وتعليمهم أن الله سبحانه وتعالى بعث النبي الامي العربي القرشي الهاشمي سيدنا محمدا (ص) برسالته إلى كافة الخلق، العرب والعجم والملائكة والانس والجن والجمادات. وأن شريعته نسخت الشرائع، وأن الله فضله على سائر المخلوقات. ومنع صحة التوحيد بقول لا آله إلا الله، إلا إن أضاف الناطق إليه محمد رسول الله. وألزم سبحانه وتعالى الخلق تصديقه في كل ما أخبر به عن الله عن أمور الدنيا والآخرة، وتعليمهم أنه ولد بمكة وهاجر إلى المدينة وتوفي فيها، وأنه أبيض مشرب بحمرة، وأنه أكمل الناس خلقا.

وتعليمهم نسبه (ص) من جهة أبيه وأمه. وزاد بعضهم أولاده، لانهم سادات الامة. فلا ينبغي للشخص أن يهملهم، وهم سبعة: ثلاثة ذكور وأربعة إناث، وترتيبهم في الولادة: القاسم وهو أول أولاده (ص)، ثم زينب، ثم رقيه، ثم فاطمة، ثم أم كلثوم، ثم عبد الله وهو الملقب بالطاهر وبالطيب، وكلهم من سيدتنا خديخة رضي الله عنها، والسابع إبراهيم، وهو من مارية القبطية. وقد نظم بعضهم أسماء هم متوسلا بهم، فقال: يا ربنا بالقاسم ابن محمد فبزينب فرقية فبفاطمة فبأم كلثوم فبعد الله ثم بحق إبراهيم نجي ناظمه فهذه نبذة من العقائد اللازمة، وقد تكفل بها علماء التوحيد، فيجب على من مر تعليم المميز ذلك حتى تكون نشأته على أكمل الايمان، وبالله التوفيق.


EmoticonEmoticon