الكتب الإسلامية

مجموعة الكتب والمقالات الإسلاية والفقه علي المذاهب الأربعة

recent

آخر الأخبار

recent
جاري التحميل ...

الفصل الأول الطهارة والنجاسة و الأحداث علي المذاهب الأربعة


 ا سم الكتاب الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ الشَّامل للأدلّة الشَّرعيَّة والآراء المذهبيَّة وأهمّ النَّظريَّات الفقهيَّة وتحقيق الأحاديث النَّبويَّة وتخريجها
اسم المؤلف: د. وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ
المهنة:أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلاميّ وأصوله بجامعة دمشق - كلّيَّة الشَّريعة
الوفاة     8 أغسطس 2015 الموافق 23 شوال 1436 هـ
عدد الأجزاء: 10
التصنيف: الفقه المقارن

 المحتويات

  1. البَابُ الأوَّل: الطَّهارات الوسائل أو مقدمات الصلاة
  2. الفصل الأول ـ الطهارة: معناها، وأهميتها، وأنواع المطهرات، وأنواع المياه، وحكم الأسآر والآبار، وأنواع الأعيان الطاهرة.
  3. المبحث الأول ـ معنى الطهارة وأهميتها.
    1. الطهارة
    2. نوعاها
    3. أهميتها
  4. المبحث الثاني ـ شروط وجوب الطهارة.
    1. الأول ـ الإسلام، وقيل: بلوغ الدعوة
    2. الثاني ـ العقل
    3. الثالث ـ البلوغ
    4. الرابع ـ ارتفاع دم الحيض والنفاس أي انقطاع الدم
    5. الخامس ـ دخول الوقت
    6. السادس ـ عدم النوم
    7. السابع ـ عدم النسيان
    8. الثامن ـ عدم الإكراه
    9. التاسع ـ وجود الماء أو (التراب الطاهر)
    10. العاشر ـ القدرة على الفعل بقدر الإمكان
  5. المبحث الثالث ـ أنواع المطهرات.
    1. الحنفية
    2. المالكية
    3. الشافعية
    4. الحنابلة
  6. المبحث الرابع ـ أنواع المياه.
  7. النوع الأول ـ الماء الطهور أو المطلق
    1. أـ التغير غير المؤثر في الطهورية
    2. ب ـ الماء الطهور المكروه الاستعمال تنزيها عند الحنفية
  8. النوع الثاني ـ الماء الطاهر غير الطهور
    1. أحدها ـ الماء الذي خالطه طاهر غير أحد أوصافه الثلاثة وسلب طهوريته
    2. ثانيها ـ الماء المستعمل القليل
    3. ثالثها ـ ماء النبات من زهر أو ثمر، كماء الورد، أو الزهر، وماء البطيخ ونحوه من الفاكهة
  9. النوع الثالث ـ الماء النجس
    1. قلة الماء وكثرته
  10. المبحث الخامس ـ حكم الأسآر والآبار.
  11. المطلب الأول ـ حكم الأسآر
    1. الحنفية
    2. المالكية
    3. الشافعية والحنابلة
  12. المطلب الثاني ـ حكم الآبار
    1. أولا ـ حالة بقاء الواقع في البئر حيا
    2. ثانيا ـ حالة موت الإنسان أو الحيوان في البئر
    3. ثالثا ـ حالة وقوع النجاسة في الماء
  13. مقدار الماء الواجب نزحه
  14. حجم الدلو
  15. المبحث السادس ـ أنواع الأعيان الطاهرة.
    1. الحنفية
    2. المالكية
    3. الشافعية
    4. الحنابلة
  16. العودة إليي الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي


البَابُ الأوَّل: الطَّهارات الوسائل أو مقدمات الصلاة

الفَصْلُ الأوَّل: الطَّهارة

قدم الفقهاء بحث الطهارة على الصلاة؛ لأن الطهارة مفتاح الصلاة، وشرط لصحة الصلاة، والشرط مقدم على المشروط، قال عليه الصلاة والسلام: «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (1) «الطُّهور شطر الإيمان» (2).
وفي هذا الفصل مباحث ستة:
المبحث الأول ـ معنى الطهارة وأهميتها.
المبحث الثاني ـ شروط وجوب الطهارة.
المبحث الثالث ـ أنواع المطهرات.
المبحث الرابع ـ أنواع المياه.
المبحث الخامس ـ حكم الأسآر والآبار.
المبحث السادس ـ أنواع الأعيان الطاهرة. 

(١) حديث صحيح حسن أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن علي بن أبي طالب (نصب الراية: ٣٠٧/ ١).
(٢) حديث صحيح رواه مسلم. والمراد بالطهور هنا الفعل - بضم الطاء، واختلف في معناه، فقيل: إن الأجر فيه ينتهي إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: المراد بالإيمان هنا: الصلاة، قال تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة:١٤٣/ ٢]، وبما أن الطهارة شرط في صحة الصلاة، فصارت كالشطر، والظاهر أن المراد بالطهارة في هذا الحديث: الطهارة المعنوية، لأن المسلم إذا كان متصفًا بطهارة القلب من الصفات الذميمة كالكبر والحقد والحسد، كان إيمانه ضعيفًا، وإذا ماصفت روحه وخلصت نفسه صار إيمانه كاملًا.
 
المبحث الأول - معنى الطهارة وأهميتها:
 
الطهارة لغة:

النظافة والخلوص من الأوساخ أو الأدناس الحسية كالأنجاس من بول، وغيره، والمعنوية كالعيوب والمعاصي. والتطهير: التنظيف وهو إثبات النظافة في المحل.
والطهارة شرعًا: النظافة من النجاسة: حقيقية كانت وهي الخَبَث، أو حُكمية وهي الحَدَث (١).
والخبث في الحقيقة: عين مستقذرة شرعًا. والحدث: وصف شرعي يحل في الأعضاء يزيل الطهارة.
وعرف النووي الشافعي الطهارة بأنها: رفع حدث أو إزالة نجس، أو ما في معناهما وعلى صورتهما (٢). وأراد بالزيادة الأخيرة على تعريف الحنفية السابق: شمول التيمم والأغسال المسنونة، وتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الحدث والنجس، ومسح الأذن، والمضمضة ونحوها من نوافل الطهارة، وطهارة المستحاضة وسلس البول.
ويتفق تعريفها عند المالكية والحنابلة (٣) مع تعريفها عند الحنفية، فإنهم قالوا: الطهارة في الشرع: رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب.

نوعاها: 
يتبين من تعريف الطهارة أنها نوعان: طهارة حدث، وتختص بالبدن، وطهارة خبث، وتكون في البدن والثوب والمكان.
وطهارة الحدث
(١) اللباب شرح الكتاب: ١٠/ ١، الدر المختار: ٧٩/ ١.
(٢) المجموع: ١٢٤/ ١، مغني المحتاج: ١٦/ ١.
(٣) الشرح الصغير: ٢٥/ ١، الشرح الكبير: ٣٠/ ١، المغني: ٦/ ١.
 
ثلاث: كبرى وهي الغسل، وصغرى وهي الوضوء، وبدل منهما عند تعذرهما وهو التيمم.
وطهارة الخبث ثلاث: غسل، ومسح، ونضح.
فالطهارة تشمل الوضوء والغسل وإزالة النجاسة والتيمم وما يتعلق بها.

أهميتها:
  للطهارة أهمية كبيرة في الإسلام، سواء أكانت حقيقية وهي طهارة الثوب والبدن ومكان الصلاة من النجاسة، أم طهارة حكمية وهي طهارة أعضاء الوضوء من الحدث، وطهارة جميع الأعضاء الظاهرة من الجنابة؛ لأنها شرط دائم لصحة الصلاة التي تتكرر خمس مرات يوميًا، وبما أن الصلاة قيام بين يدي الله تعالى، فأداؤها بالطهارة تعظيم لله، والحدث والجنابة وإن لم يكونا نجاسة مرئية، فهما نجاسة معنوية توجب استقذار ما حلّ بهما، فوجودها يخل بالتعظيم، وينافي مبدأ النظافة التي تتحقق بالغسل المتكرر، فبالطهارة تطهر الروح والجسد معًا.
وعناية الإسلام بجعل المسلم دائمًا طاهرًا من الناحيتين المادية والمعنوية (١) أكمل وأوفى دليل على الحرص الشديد على النقاء والصفاء، وعلى أن الإسلام مثل أعلى للزينة والنظافة، والحفاظ على الصحة الخاصة والعامة، وبناء البنية الجسدية في أصح قوام وأجمل مظهر وأقوى عماد، ولصون البيئة والمجتمع من انتشار المرض والضعف والهزال؛ لأن غسل الأعضاء الظاهرة المتعرضة للغبار والأتربة والنُّفايات والجراثيم يوميًا، وغسل الجسم في أحيان متكررة عقب كل جنابة، كفيل بحماية الإنسان من أي تلوث، وقد ثبت طبيًا أن أنجع علاج وقائي للأمراض الوبائية وغيرها هو النظافة، والوقاية خير من العلاج. وقد امتدح الله تعالى المتطهرين، فقال: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ [البقرة:٢٢٢/ ٢]،
(١) لاتنفع الطهارة الظاهرة إلا مع الطهارة الباطنة: بالإخلاص لله، والنزاهة عن الغل والغش والحقد والحسد، وتطهير القلب عما سوى الله في الكون، فيعبده الإنسان لذاته مفتقرًا إليه، لا لسبب نفعي.
 
وأثنى سبحانه على أهل قُباء بقوله: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا، والله يحب الْمُطَّهرِّين﴾ [التوبة:٩/ ١٠٨].
وعلى المسلم أن يكون بين الناس مثالًا بارزًا في نظافته، وطهره الظاهر والباطن، قال ﷺ لجماعة من صحبه: «إنكم قادمون على إخوانكم، فأصلحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامة في الناس، فإن الله لايحب الفحش ولا التفحش» (١).

المبحث الثاني - شروط وجوب الطهارة:
يجب تطهير ما أصابته النجاسة من بدن أو ثوب أو مكان، لقوله تعالى: ﴿وثيابَك فطهر﴾ [المدثر:٤/ ٧٤]، وقوله سبحانه: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود﴾ [البقرة:١٢٥/ ٢]، وإذا وجب تطهير الثوب والمكان وجب تطهير البدن بالأولى، لأنه ألزم للمصلي.
وتجب الطهارة على من وجبت عليه الصلاة، وذلك بعشرة شروط (٢):

الأول - الإسلام، وقيل: بلوغ الدعوة، 
فعلى الأول: لا تجب على الكافر، وعلى الثاني: تجب عليه. وذلك مبني على الخلاف في مبدأ أصولي معروف، وهو مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، فعند الجمهور: الكفار مخاطبون بفروع العبادات أي أنهم مؤاخذون بها في الآخرة مؤاخذة إضافية على ترك الإيمان فهم يستحقون عقابين: عقابًا على ترك الإيمان، وعقابًا على ترك الفروع الدينية، وعند الحنفية: لا يخاطب الكفار بفروع الشريعة، فيستحقون في عالم الآخرة عقابًا واحدًا على
(١) رواه أحمد في مسنده وأبو داود والحاكم والبيهقي عن سهل بن الحنظلية، وهو حديث صحيح.
(٢) القوانين الفقهية لابن جزي المالكي: ص ١٩ ومابعدها.
 
ترك الإيمان فقط، فالخلاف في العقاب الأخروي. والفريقان متفقان على ألا ثمرة لهذا الخلاف في أحكام الدنيا، فلا يصح أداء العبادة من الكفار ما داموا كفارًا، وإذا أسلموا فلا يطالبون بالقضاء.
وعليه: لا تصح الصلاة من كافر بالإجماع.
وإذا أسلم المرتد لم يلزمه قضاء ما فاته من الصلوات في ردته عند الجمهور، وعليه القضاء عند الشافعية.

الثاني - العقل: 
فلا تجب الطهارة على المجنون والمغمى عليه، إلا إذا أفاقا في بقية الوقت. أما السكران فلا تسقط عنه الطهارة.
 
الثالث - البلوغ: 
وعلاماته خمس: الاحتلام، وإنبات الشعر، والحيض، والحمل، وبلوغ السن، وهو خمسة عشر عامًا، وقيل: سبعة عشر عامًا، وقال أبو حنيفة: ثمانية عشر عامًا، فلا تجب الطهارة على الصبي، ويؤمر بها لسبع، ويضرب عليها لعشر. فإن صلى الصبي، ثم بلغ في بقية الوقت أو في أثناء الصلاة، لزمته الإعادة عند المالكية، ولم تلزمه عند الشافعي.

الرابع - ارتفاع دم الحيض والنفاس أي انقطاع الدم.
 
الخامس - دخول الوقت.
 
السادس - عدم النوم.
 
السابع - عدم النسيان.
 
الثامن - عدم الإكراه، ويقضي النائم والناسي والمكره ما فاته إجماعًا.
 
التاسع - وجود الماء أو (التراب الطاهر)، فمن عدمهما قيل: يصلي
 
فاقد الطهورين ويقضي، وفي قول لا يقضي، وقيل: لا يصلي، وعليه القضاء، كما سأبين تفصيلًا في بحث هذا الموضوع آخر التيمم.

العاشر - القدرة على الفعل بقدر الإمكان.
 
المبحث الثالث - أنواع المطهرات:
ثبت بالدليل القطعي المجمع عليه أن الطهارة واجبة شرعًا، وأن المفروض منها هو الوضوء والغسل من الجنابة والحيض والنفاس بالماء، والتيمم عنهما عند فقد الماء، أو التضرر باستعماله، وإزالة النجاسة.
واتفق الفقهاء على جواز التطهير بالماء الطهور أو المطلق: وهو ما يسمى «ماءً» بدون تقييد بوصف كماءٍ مستعمل، أو بإضافة كماء الورد مثلًا، قال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ [الفرقان:٤٨/ ٢٥]، ﴿وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به﴾ [الأنفال:١١/ ٨].
كما اتفقوا على جواز التطهير بالمسح بالورق أو الحجارة في حالة الاستنجاء، أي إزالة النجاسة عن المخرجين من بول وغائط ما لم يفحش الخارج.
واتفقوا على مشروعية التطهر بالتراب طهارة حكمية، وعلى طهارة الخمر بالتخلل.
واختلفوا في مطهرات أخرى، وها هي آراء الفقهاء في المطهرات:

قال الحنفية (١): 
 يجوز رفع النجاسة عن محلها بما يأتي:
(١) البدائع: ٨٣/ ١ - ٨٧، فتح القدير: ١٣٣/ ١ - ١٣٨، الدر المختار: ٢٨٤/ ١ - ٣٠٢، تبيين الحقائق: ٦٩/ ١ ومابعدها، اللباب شرح الكتاب: ٢٤/ ١ ومابعدها، ٣٠، مراقي الفلاح: ص ٢٧ - ٢٨.
 
١ ً - الماء المطلق ولو كان مستعملًا، تحصل به الطهارة الحقيقية والحكمية (الحدث والجنابة) جميعًا، كماء السماء والأنهار والبحار والآبار والعيون، والوديان التي يجتمع فيها ماء السيل؛ لأن الله تعالى سمى الماء طهورًا بقوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ [الفرقان:٤٨/ ٢٥]، وقال النبي ﷺ: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر لونه أو طعمه أوريحه» (١)، والطهور: هو الطاهر في نفسه، المطهر لغيره.
٢ ً - المائعات الطاهرة: وهي التي تنعصر بالعصر، أو تزيل النجاسة. لاتحصل بها الطهارة الحكمية (وهي زوال الحدث بالوضوء والغسل) باتفاق الحنفية وغيرهم؛ لأن الحدث الحكمي خص بالماء بالنص القرآني، وهو متيسر للناس، وتحصل بها الطهارة الحقيقية (وهي زوال النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن) عند أبي حنيفة وأبي يوسف وهو المفتى به، مثل ماء الورد والزهر، والخل، وعصير الشجر والثمر من رمان وغيره، وماء الباقلاء (وهي الفول: أي إذا طبخت بالماء حتى صار بحيث إذا برد ثخن) (٢) ونحوها مما إذا عصر انعصر، حتى الريق، فتطهر أصبع، وثدي تنجس بالقيء بلحس ثلاث مرات، عن طريق إرضاعه لولده، ويطهر فم شارب الخمر بترديد ريقه وبلعه.
فإن كان لا ينعصر مثل العسل والسمن والدهن والزيت واللبن وإن كان مخيضًا، والمرق ونحوها، فلا تحصل الطهارة بها، لعدم إمكان تحقق إزالة النجاسة بها؛ لأن الإزالة إنما تكون بإخراج أجزاء النجاسة مع المزيل شيئًا فشيئًا، وذلك إنما يتحقق فيما ينعصر بالعصر، فتكون هذه المائعات مثل الماء في إزالة أجزاء
(١) غريب بهذا اللفظ، ورواه ابن ماجه عن أبي أمامة بلفظ (إن الماء طهور لاينجسه شيء إلا ماغلب على ريحه، وطعمه، ولونه) وهو حديث ضعيف (نصب الراية: ٩٤/ ١).
(٢) فإن تغير الماء بدون الطبخ يجوز التوضؤ به. النجاسة، لكون المائع رقيقًا يداخل أجزاء النجاسة ويجاورها، ويستخرجها بواسطة العصر.
 
ومنع محمد وزفر وغير الحنفية إزالة النجاسة بالمائعات (١)؛ لأن طهورية الماء عرفت شرعًا، وأقر الشرع التطهير بالماء دون غيره، فلا يلحق به غيره.
وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر، فغيَّر أحد أوصافه (٢)، كماء السيل (المَدّ) والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران، ما دام باقيًا على رقته وسيلانه، لأن اسم الماء باق فيه، ولا يمكن الاحتراز عن هذه الأشياء التي تختلط بالماء، كالتراب والأوراق والأشجار، فإن صار الطين غالبًا، وماء الصابون أو الأشنان ثخينًا، وماء الزعفران صبْغًا، لا تجوز به الطهارة.
٣ ً - الدلك: وهو مسح المتنجس على الأرض مسحًا قويًا بحيث يزول به أثر أو عين النجاسة. ومثل الدلك: الحت: وهو القشر بالعود أو باليد. وبه يطهر الخف والنعل المتنجس بنجاسة ذات جِرْم، سواء أكانت جافة أم رطبة،. والجِرْم: كل ما يرى بعد الجفاف كالغائط والروث والدم والمني والبول والخمر الذي أصابه تراب. ويلاحظ أن شمول الجرم الرطب هو الأصح المختار، وعليه الفتوى، لعموم البلوى، ولإطلاق حديث النبي ﷺ: «إذا جاء أحدكم المسجد، فليقلب نعليه ولينظر فيهما، فإن رأى خَبَثًا (أذى أو قذرًا)، فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيهما» (٣).
(١) القوانين الفقهية: ص٣٥، بداية المجتهد: ٨٠/ ١، المغني: ١١/ ١، مغني المحتاج: ١٧/ ١.
(٢) فإن غير اثنين أو ثلاثة لايجوز التوضؤ به، لكن الصحيح أنه يجوز التوضؤ به وإن غير أوصافه كلها.
(٣) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وابن حبان عن أبي سعيد الخدري، واختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم في العلل الموصول (نيل الأوطار: ٤٤/ ١).
 
فإذا لم تكن النجاسة ذات جرم، فيجب غسلها ثلاث مرات بالماء، ولو بعد الجفاف، ويترك في كل مرة حتى ينقطع التقاطر، وتذهب النداوة من الخف، ولا يشترط اليبس.
وقال أكثر العلماء: يطهر النعل بالدلك يابسًا، لا رطبًا؛ لأن عائشة كانت تفرُك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وتغسله إذا كان رطبًا (١).
وقال الشافعي ومحمد: لا يطهر النعل بالدلك، لا رطبًا ولا يابسًا، لأن النجاسة تداخلت في الخف تداخلها في الثوب والبدن. وقال الحنابلة: يعفى بالدلك عن يسير النجاسة، وإلا وجب غسله (٢).
٤ ً - المسح الذي يزول به أثر النجاسة: يطهر به الشيء الصقيل الذي لا مسام له، كالسيف والمرآة والزجاج، والآنية المدهونة والظفر والعظم، والزبدية الصينية وصفائح الفضة غير المنقوشة ونحو ذلك؛ لأنه لا تتداخله النجاسة، ويزول ما على ظاهره بالمسح، وقد صح أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقتلون الكفار بالسيوف، ويمسحونها، ويصلون بها.
وبناء عليه يكفي مسح محل الحجامة بثلاث خرق نظيفة مبلولة.

ورأي المالكية  
كالحنفية في جواز إزالة النجاسة بالمسح فيما يفسد بالغسل كالسيف والنعل والخف (٣).
(١) رواه الدارقطني والبزار في مسنده عن عائشة، ولم يسنده عنها إلا عبد الله بن الزبير، ورواه غيره مرسلًا. وأما قوله ﵇ لعائشةفي المني «فاغسليه إن كان رطبًا، وافركيه إن كان يابسًا» فغريب، وهو حديث لايعرف (نصب الراية: ٢٠٩/ ١).
(٢) نيل الأوطار: ٤٤/ ١، القوانين الفقهية: ص ٣٤، كشاف القناع: ٢١٨/ ١، المغني: ٨٣/ ٢.
(٣) القوانين الفقهية: ص٣٤ - ٣٥.
 
٥ ً - الجفاف بالشمس أو الهواء وزوال أثر النجاسة: يطهر الأرض وكل ماكان ثابتًا بها كالشجر والكلأ والبلاط، لأجل الصلاة عليها، لا للتيمم بها، بخلاف ماكان نحو البساط والحصير والثوب والبدن وكل ما يمكن نقله، فإنه لا يطهر إلا بالغسل. وطهارة الأرض باليبس لقاعدة: (ذكاة الأرض يبسها) (١) ولحديث ابن عمر: «كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ، وكنت شابًا عَزَبًا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك» (٢).
والسبب في التفرقة بين الصلاة والتيمم في هذا: هو أن المطلوب لصحة الصلاة الطهارة، ولصحة التيمم الطهورية، والذي تحقق بالجفاف هو الطهارة، لاالطهورية، والطهارة لا تستدعي الطهورية، ويشترط في التيمم طهورية التراب، كما يشترط في الوضوء طهورية الماء.
ولا تطهر الأرض بالجفاف عند غير الحنفية، وإنما لا بد من تطهيرها بالماء إذا أصابتها النجاسة، فالأرض المتنجسة وأجرنة الحمام والحيطان والأحواض ونحوها تطهر بمكاثرة الماء عليها أي بكثرة إفاضة الماء عليها من مطر أو غيره حتى تزول عين النجاسة، كما في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فأمر النبي بصب ذنوب من ماء عليه (٣).
(١) لاأصل له في الحديث المرفوع، وبه أخذ الحنفية، ويروى عن أبي جعفر محمد الباقر، والمراد بـ: يبسها: طهارتها (أسنى المطالب للحوت البيروتي: ص١١٢).
(٢) رواه أبو داود (معالم السنن للخطابي: ١١٧/ ١ ومابعدها).
(٣) روى الجماعة إلا مسلمًا عن أبي هريرة قال: «قام أعرابي، فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي ﷺ: دعوه، وأريقوا على بوله سَجْلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» والسجل أو الذنوب: الدلو العظيمة (نيل الأوطار:٤١/ ١ ومابعدها).
 
٦ ً - تكرار المشي في الثوب الطويل الذي يمس الأرض النجسة والطاهرة: يطهر الثوب، لأن الأرض يطهر بعضها بعضًا، بدليل حديث أم سلمة: أنها قالت: «إني امرأة أطيل ذيلي، أمشي في المكان القذر، فقال لها رسول الله ﷺ: يطهره ما بعده» (١).
ويتفق المالكية والحنابلة مع الحنفية في ذلك، وأقره الشافعي بما جرى على يابس، وقيده الحنابلة بيسير النجاسة، وإلا وجب غسله (٢).
٧ ً - الفَرْك: يطهر به مني الإنسان إذا أصاب الثوب وجف، ولا يضر بقاء أثره، كبقائه بعد الغسل، إن كان رأس العضو (الحشفة) طاهرًا، بأن استنجى بماء، لا بورق أو حجر، لأن الحجر ونحوه لا يزيل البول المنتشر على رأس العضو، فإذا لم ينتشر البول، ولم يمر عليه المني في الخارج، فإنه يطهر بالفرك أيضًا، إذ لا يضر مروره على البول في الداخل.
ولا فرق بين مني الرجل ومني المرأة. فإن كان المني رطبًا، أو كان مني غير الآدمي، أو استنجى الآدمي بورق أو نحوه، فلا يطهر بالفرك، ولابد من الغسل؛ عملًا بما جاء في السنة من حديث عائشة إنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ (٣)، وفي حديث الدارقطني عن عائشة: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا» (٤).
(١) رواه أبو داود.
(٢) معالم السنن للخطابي: ١١٨/ ١، القوانين الفقهية: ص٣٥، كشاف القناع: ٢١٨/ ١.
(٣) رواه البخاري ومسلم. قال ابن الجوزي: ليس في هذا الحديث حجة، لأن غسله كان للاستقذار، لا للنجاسة (نصب الراية: ٢٠٩/ ١ - ٢١٠).
(٤) سبق تخريجه، وقد عرفنا أن أمر النبي بغسله إذا كان رطبًا، وفركه إذا كان يابسًا، غريب لايعرف. وقال البيهقي: لامنافاة بين الحديثين (نصب الراية، المكان السابق).
 
هذا ويمكن جعل الفرك والدلك واحدًا (١).
والمالكية كالحنفية في الحكم بنجاسة المني، وقال الشافعية والحنابلة: مني الآدمي طاهر، عملًا بحديث عائشة السابق عند الدارقطني، وبقول ابن عباس: «امسحه عنك بإذخرة (٢) أو خرقة، فإنما هو بمنزلة المخاط والبصاق» (٣).
وسب الاختلاف شيئان: أحدهما: اضطراب رواية حديث عائشة، إذ مرة تغسله، ومرة تفركه. والثاني: تردد المني بين أن يشبه بالأحداث الخارجة من البدن، وبين أن يشبه بخروج الفضلات الطاهرة، كاللبن وغيره.
وأميل إلى القول بطهارة المني تيسيرًا على الناس، ويغسل الثوب بسبب الاستقذار لا للنجاسة، لصحة حديث عائشة الأول الذي تكتفي فيه بفرك المني، وإن كان ذلك يصلح حجة للحنفية في أن النجاسة تزال بغير الماء (٤).
٨ ً - الندف: ويطهر به القطن إذا ندف، وذهب أثر النجاسة إذا كانت قليلة.
٩ ً - التقوير: أي عزل الجزء المتنجس عن غيره، يطهر به الدهن الجامد المتنجس كالسمن والدبس ونحوهما، لحديث ميمونة زوج النبي ﷺ: «أن فأرة وقعت في سمن، فماتت فيه، فسئل النبي ﷺ، فقال: ألقوها وما حولها، وكلوه» (٥).
وهذا متفق عليه، فإن كان السمن جامدًا طرحت النجاسة وما حولها خاصة.
(١) القوانين الفقهية: ص٣٤، بداية المجتهد: ٧٩/ ١، مغني المحتاج: ٨٠/ ١، كشاف القناع: ٢٢٤/ ١.
(٢) الإدخر: حشيشة طيبة الرائحة تسقف بها البيوت فوق الخشب.
(٣) رواه سعيد بن منصور والدارقطني مرفوعًا.
(٤) المجموع: ٥٦٠/ ٢، بداية المجتهد: ٧٩/ ١، نيل الأوطار: ٥٥/ ١.
(٥) رواه البخاري، وزاد أحمد والنسائي: في سمن جامد (سبل السلام: ٨/ ٣).
 
فإن وقعت النجاسة في مائع كالزيت والسمن الذائب، لم يطهر عند الجمهور (١)، وعند الحنفية: يطهر بصب الماء عليه بقدره ثلاث مرات، أو يوضع في إناء مثقوب ثم يصب عليه الماء، فيعلو الدهن، ويرفع بشيء أو يفتح الثقب حتى يذهب الماء. والنحت مثل التقوير.
وأما الجامدات فتقبل التطهير إلا ما تشربت أجزاؤه النجاسة، فإن كان الجامد إناء يطهر بصب الماء عليه وسيلانه حتى يغمره، وإن كان مما يطبخ كاللحم والحنطة والدجاج فيطهر بغسله نيئًا، ولا يطهر أبدًا إذا تنجس وغلي على النار بنجاسته، لتشرب أجزاء النجاسة فيه. وعلى هذا لو غليت رؤوس الحيوان ولحم الكرش قبل غسلها وتطهيرها لا تطهر أبدًا، ولو غليت الدجاجة قبل شق بطنها لنتف ريشها، لا تطهر أبدًا.
واتفق المالكية والحنابلة مع الحنفية في أن اللحم المطبوخ بنجس لا يطهر، وأضاف المالكية أن البيض المسلوق بنجس والزيتون المملح بنجس والفخار الذي غاصت النجاسة في أعماقه لا يقبل التطهير. أما إن وقعت النجاسة في اللحم المطبوخ بعد نضجه فيقبل التطهير عند المالكية، بأن يغسل ما تعلق به من المرق إذا لم تطل إقامة النجاسة فيه.

وقال الشافعية:
  الجامدات التي تشربت النجاسة تقبل التطهير، فلو طبخ لحم في نجس، أو تشربت حنطة النجاسة، أو سقيت السكين بنجاسة، تطهر بصب الماء عليها إلا اللَّبِن (الطوب النيء) الذي عجن بنجاسة جامدة، لا يطهر.
١٠ ً - قسمة المتنجس، بفصل الأجزاء النجسة عن الظاهرة: وقسمة المثلي
(١) القوانين الفقهية: ص٣٥، المغني: ٣٧/ ١، الشرح الكبير: ٥٩/ ١.
 
كالحنطة والشعير إذا تنجس، وتوزيعه بين الشركاء أو المشترين، فلو بال حمار على حنطة يدوسها، فقسم أو غسل بعضه، أو ذهب بهبة أو أكل أو بيع يطهر الباقي والذاهب. ومثله هبة المتنجس لمن لا يرى نجاسته. والتقوير والقسمة والهبة لا تعد مطهرات في الحقيقة، وإنما هي مطهرات تساهلًا.
١١ ً - الاستحالة: أي تحول العين النجسة بنفسها أو بواسطة كصيرورة دم الغزال مسكًا، وكالخمر إذا تخللت بنفسها، أو بتخليلها بواسطة، والميتة إذا صارت ملحا، أو الكلب إذا وقع في ملاحة، والروث إذا صار بالإحراق رمادًا، والزيت المتنجس بجعله صابونًا، وطين البالوعة إذا جف وذهب أثره، والنجاسة إذا دفنت في الأرض وذهب أثرها بمرور الزمان، وهذا عمل بقول الإمام محمد خلافًا لأبي يوسف، لأن النجاسة إذا استحالت وتبدلت أوصافها ومعانيها، خرجت عن كونها نجاسة، لأنها اسم لذات موصوفة، فتنعدم بانعدام الوصف، وصارت كالخمر إذا تخللت، باتفاق المذاهب.
وتطهر الخمر ودَنّها (وعاؤها) إذا تخللت بنفسها أو بنقلها من ظل إلى شمس أو بالعكس عند غير الحنفية (١)؛لأن نجاستها بسبب شدتها المسكرة قد زالت، من غير نجاسة خلفتها، كما تطهر الخمر إذا خللت عند المالكية.
ولا تطهر عند الشافعية والحنابلة بتخليلها بالعلاج كالبصل والخبز الحار؛ لأن الشيئ المطروح بتنجس بملاقاتها. أما غير ذلك فهو نجس، فلا تطهر نجاسة باستحالة، ولا بنار، فرماد الروث النجس: نجس، والصابون المعمول من زيت
(١) القوانين الفقهية: ص٣٤، بداية المجتهد: ٤٦١/ ١، الشرح الصغير: ٤٦/ ١، الشرح الكبير: ٥٧/ ١، ٥٩، المنتقى على الموطأ: ١٥٣/ ٣ ومابعدها، مغني المحتاج: ٨١/ ١، المغني: ٣١٩/ ٨، كشاف القناع: ٢١٤/ ١ ومابعدها، المهذب: ٤٨/ ١.
 
نجس، ودخان النجاسة وغبارها: نجس، وما تصاعد من بخار ماء نجس إلى جسم صقيل أو غيره: نجس، والتراب المجبول بروث حمار أو بغل ونحوه مما لايؤكل لحمه: نجس ولو احترق، كالخزف. ولو وقع كلب في ملاَّحة، فصار ملحًا أو في صبَّانة فصار صابونًا، فهو نجس. لكن استثنى المالكية على المشهور رماد النجس ودخانه فقالوا بطهارته على المعتمد.
وقيد الحنابلة طهارة الخمر بنقلها من مكان لآخر بحالة غير قصد التخليل، فإن قصد تخليلها بنقلها لم تطهر، لأنه يحرم تخليلها، فلا تترتب عليه الطهارة.
وقال الشافعية (١): لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا ثلاثة أشياء: الخمر مع إنائها إذا صارت خلًا بنفسها، والجلد (غير جلد الكلب والخنزير) المتنجس بالموت يطهر ظاهره وباطنه بالدبغ، وما صار حيوانًا كالميتة إذا صارت دودًا لحدوث الحياة.
١٢ ً - الدباغ للجلود النجسة أو الميتة يطهرها كلها إلا جلد الإنسان والخنيزير، وما لا يحتمل الدبغ كجلد حية صغيرة وفأرة، لقول النبي ﷺ: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (٢) وروي أن النبي ﷺ مر بفِناء (ساحة الدار أو جوانبها) قوم في غزوة تبوك، فاستسقاهم، فقال: «عندكم ماء؟ فقالت امرأة: لا، يا رسول الله، إلا في قربة لي ميتة، فقال ﷺ: ألست دبغتِها؟ فقالت: نعم، فقال: فإن دباغها طهورها» (٣)، ولأن الدبغ يزيل سبب نجاسة الميتات وهو الرطوبات والدماء السائلة، فصار الدبغ كالثوب النجس إذا غسل.
(١) الحضرمية: ص ٢٣.
(٢) روي من حديث ابن عباس عند النسائي والترمذي وابن ماجه، ومن حديث ابن عمرعند الدارقطني، وهو حديث حسن، ورواه مسلم بلفظ «إذا دبغ صار أديمًا.
(٣) رواه أبو داود والنسائي عن سلمة بن المُحبِّق، ورواه ابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده، والترمذي، وأعله هؤلاء براوٍ فيه: هو الجون بن قتادة (نصب الراية: ١١٧/ ١).
وعن ابن عباس قال: تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة، فماتت، فمرَّ بها رسول الله ﷺ، فقال: هلاّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حرم أكلها» رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
 
والدبغ عند الحنفية مطهر إذا كان بما يمنع النَّتَن والفساد، ولو دباغة حُكْمية كالتتريب والتشميس، لحصول المقصود بها. وكل ما يطهر بالدباغة يطهر بالذكاة. والدبغ يطهر جلد الكلب والفيل على المعتمد، واستثناء جلد الآدمي للكرامة الإلهية، واستثناء جلد الخنزير لنجاسته العينية، وألحقوا بهما ما لا يحتمل الدباغة كفأرة صغيرة. أما ما على جلد الميتة من شعر ونحوه فهو طاهر، وقميص الحية طاهر.
والدبغ مطهر أيضًا عند الشافعية (١)، فيطهر كل جلد نجس بالموت ظاهره، وكذا باطنه على المشهور وإن كان من غير مأكول اللحم للحديثين السابقين مع حديث ابن عباس (في الحاشية)، لكن يشترط أن يكون الدبغ بشيء قالع: وهو نزع فضول الجلد (وهي مائيته ورطوباته التي يفسده بقاؤها، ويطيبه نزعها) بحرِّيف (ما يحرف الفم أي يلذع اللسان بحرافته) كالقَرَظ (ورق السَلَم مثل شجر الجوز يدبغ به) والعفص وقشور الرمان، والشب (شيء معروف من جواهر الأرض). سواء أكان طاهرًا أم نجسًا كذرق الطيور، ولا يصح الدبغ بشمس وتراب وتجميد وتمليح بما لا ينزع الفضول، وإن جف الجلد، وطابت رائحته؛ لأن الفضلات لم تزل، وإنما جمدت، بدليل إنه لو نقع في الماء عادت إليه العفونة.
ولا يطهر عند الشافعية بالدبغ جلد الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما مع حيوان طاهر، كما لا يطهر عندهم بالدبغ ما على جلد الميتة من شعر ونحوه، لكن يعفى عن القليل من ذلك لمشقة إزالته.
(١) مغني المحتاج: ٨٢/ ١، المهذب: ٤٨/ ١
 
وقال المالكية والحنابلة على المشهور (١): لا يطهر الجلد النجس بالدبغ، لحديث عبد الله بن عُكيم، قال: «كتب إلينا رسول الله ﷺ قبل وفاته بشهر أن لاتنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (٢) فهو ناسخ لما قبله من الأحاديث، لأنه في آخر عمر النبي ﷺ، ولفظه دال على سبق الترخيص، وأنه متأخر عنه، وقال الدردير المالكي: ما ورد من نحو قوله ﵊: «أيما إهاب - أي جلد - دبغ، فقد طهر» فمحمول على الطهارة اللغوية، لا الشرعية في مشهور المذهب. وحينئذ لا تجوز الصلاة عليه.
وعلى القول المشهور عند المالكية من نجاسة الجلد المدبوغ: يجوز استعماله بعد الدبغ في اليابسات غير المائعات، كلبسه في غير الصلاة والجلوس عليه في غير المسجد، ولا يجوز استعماله في المائعات كالسمن والعسل والزيت وسائر الأدهان، والماء غير المطلق كماء الورد، والخبز المبلول قبل جفافه، والجبن، فلا يوضع فيه، ويتنجس بوضعه فيه. واستثنوا من ذلك جلد الخنزير فلا يجوز استعماله مطلقًا، دبغ أو لم يدبغ، في يابس أو مائع، وكذا جلد الآدمي، لشرفه وكرامته، وأما صوف الحيوان ونحوه فلا ينجس بالموت عند المالكية.
وعند الحنابلة روايتان في الانتفاع بالجلد النجس المدبوغ:
إحداهما - لا يجوز، لحديث ابن عكيم المذكور، وحديث البخاري في تاريخه «لا تنتفعوا من الميتة بشيء».
(١) الشرح الصغير: ٥١/ ١، بداية المجتهد: ٧٦/ ١، غاية المنتهى: ١٤/ ١، المغني: ٦٦/ ١ ومابعدها،٧٩.
(٢) رواه الخمسة (أحمد وأصحاب السنن الأربعة)، وأخرجه أيضًا الشافعي والبيهقي وابن حبان، قال عنه الترمذي: حديث حسن. وللدارقطني: إن رسول الله ﷺ كتب إلى جهينة، إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا، فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب (نيل الأوطار: ٦٤/ ١).
 
والثانية - وهي الراجحة - يجوز الانتفاع به، لقول النبي ﷺ السابق: «هلا أخذتم إهابها، فدبغتموه»، ولأن الصحابة ﵃ لما فتحوا فارس انتفعوا بسروجهم وأسلحتهم وذبائحهم ميتة، ولأنه انتفاع من غير ضرر، فأشبه الاصطياد بالكلب، وركوب البغل والحمار. وصوف الميتة وشعرها ووبرها وريشها طاهر عند الحنابلة.
والراجح عندي رأي الحنفية والشافعية في أن الدباغ مطهر، لأن حديث ابن عكيم فيه اختلاف واضطراب، قال الحازمي في الناسخ والمنسوخ: وطريق الإنصاف فيه: أن يقال: إن حديث ابن عكيم ظاهر الدلالة في النسخ، لو صح، ولكنه كثير الاضطراب، لا يقاوم حديث ميمونة في الصحة. والمصير إلى حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيح، ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهابًا، وبعد الدباغ يسمى جلدًا، ولا يسمى إهابًا، وهذا معروف عند أهل اللغة، وليكون جمعًا بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد (١).
ويلاحظ أخيرًا أن كلًا من التخلل والدباغ داخل في استحالة أو انقلاب العين.
١٣ ً - الذكاة الشرعية (الذبح) في تطهير الذبيح: وهو أن يذبح مسلم أوكتابي (يهودي أو نصراني) حيوانًا ولو غير مأكول اللحم. فيطهر بالذكاة في أصح مايفتى به عند الحنفية من الحيوان غير المأكول الجلد دون اللحم والشحم، لأن كل حيوان يطهر بالدباغ يطهر جلده بالذكاة، لقوله ﷺ: «دباغ الأديم ذكاته» (٢)
(١) نيل الأوطار: ٦٥/ ١.
(٢) روى النسائي عن عائشة: سئل النبي ﷺ عن جلود الميتة، فقال: دباغها ذكاتها. وللدارقطني عنها عن النبي ﷺ قال: «طُهور كل أديم دباغه. قال الدارقطني: إسناده كلهم ثقات (نيل الأوطار: ٦٣/ ١) وأخرجه أيضًا ابن حبان والطبراني والبيهقي.
 
ألحق الذكاة بالدباغ، وبما أن الجلد يطهر بالدباغ، فيطهر بالذكاة، لأن الذكاة كالدباغ في إزالة الدماء السائلة والرطوبات النجسة، فتفيد الذكاة الطهارة كالدبغ، إلا في الآدمي والخنزير. وأما فعل المجوسي فليس بذكاة شرعية، لعدم أهلية الذكاة، فلا يفيد الطهارة، فتعين تطهيره بالدباغ، وكل شيء لا يسري فيه الدم لا ينجس بالموت كالشعر والريش المجزوز والقرن والحافر والعظم ما لم يكن به دسم. والعصب نجس في الصحيح. ونافجة المسك طاهرة كالمسك.
وأما الحيوان المأكول اللحم، فيطهر بالذبح جميع أجزائه إلا الدم المسفوح، باتفاق المذاهب.
وقال المالكية في المشهور (١): إذا ذبح ما لا يؤكل كالسباع وغيرها، يطهر لحمه وشحمه وجلده، إلا الآدمي والخنزير، أما الآدمي فلحرمته وكرامته، وأما الخنزير فلنجاسة عينه (ذاته). لكن قال الصاوي والدردير: مشهور المذهب: لا تعمل الذكاة في محرم الأكل من حمير وبغال وخيل، وكلب وخنزير، أما سباع الوحوش وسباع الطير فتطهر بالذبح.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): لا تؤثر الذكاة في شيء من الحيوان غير المأكول؛ لأن أثر الذكاة في إباحة اللحم هو الأصل، والجلد تبع للحم، فإن لم تعمل الذكاة في اللحم، لم تعمل فيما سواه، كذبح المجوسي، أو الذبح غير المشروع، ولا يقاس الذبح على الدباغ، لكون الدبغ مزيلًا للخبث والرطوبات كلها، مطيبًا للجلد على وجه يتهيأ به للبقاء على وجه لا يتغير، والذكاة لا يحصل
(١) بداية المجتهد: ٤٢٧/ ١، القوانين الفقهية: ص ١٨١، حاشية الصاوي على الشرح الصغير: ٤٥/ ١.
(٢) مغني المحتاج: ٥٨/ ١، المغني: ٧١/ ١، غاية المنتهى: ١٤/ ١.
 
بها ذلك، فلا يستغنى بها عن الذبح. وهذا الرأي هو الأرجح لدي؛ لأن القياس (قياس الذكاة على الدباغ) في التعبديات أمر غير مقبول.
١٤ ً - النار تطهر في مواضع: هي إذا استحالت بها النجاسة، أو زال أثرها بها، كحرق الفخار الجديد، وتحول الروث إلى رماد، وإحراق موضع الدم من رأس الشاة. ومثلها الغلي بالنار كغلي الدهن أو اللحم ثلاثًا. قال ابن عابدين: «ولا تظن أن كل ما دخلته النار يطهر، كما بلغني عن بعض الناس أنه توهم ذلك، بل المراد أن ما استحالت به النجاسة بالنار، أو زال أثرها بها يطهر» وبه يظهر أن حرق النجاسة بالنار مطهر.
والنار غير مطهرة عند غير الحنفية كما بينا في بحث الاستحالة، فرماد النجس ودخانه نجسان. إلا أن المالكية استثنوا على المشهور رماد النجس فإنه يطهر بالنار، وكذا دخان النجس والوقود المتنجس، إنه يطهر بالنار.
١٥ ً - نزح البئر المتنجسة أو غوران ماء البئر قدر ما يجب نزحه منها: مطهر لها كالنزح.
والنزح: هو نزح ما وجب من الدلاء، أو نزح جميع الماء بعد استخراج الواقع في البئر من الآدمي أو غيره من الحيوان، وهو مطهر للبئر. وإذا وجب نزح جميع الماء من البئر فينبغي سد جميع منابع الماء إن أمكن، ثم ينزح ما فيها من الماء النجس. وإن لم يمكن سد منابعه لغلبة الماء، فتنزح المقادير التالية (١):
أـ إن كان الواقع حيوانًا: فإن كان نجس العين كالخنزير، يجب نزح جميع الماء. والصحيح عند الحنفية: أن الكلب ليس بنجس العين.
وأما إذا لم يكن نجس
(١) تحفة الفقهاء: ١٠١/ ١ ومابعدها، ط دار الفكر بدمشق، بتخريج وتحقيق أحاديثها للمؤلف مع الأستاذ المنتصر الكتاني.
 
العين: فإن كان آدميًا فلا ينجس البئر، وأما سائر الحيوان: فإن كان لا يؤكل لحمه كسباع الوحش والطيور، فالصحيح أنه يوجب التنجيس. وأما الحمار والبغل فالصحيح أنه يجعل الماء مشكوكًا فيه.
ب - وإن كان حيوانًا يؤكل لحمه، فيتنجس الماء إن خرج ميتًا. وينزح ماء البئر كله إن كان منتفخًا أو متفسخًا.
وإن لم يكن منتفخًا ولا متفسخًا فهو في ظاهر الرواية على مراتب ثلاث:
في الفأرة ونحوها: ينزح عشرون دلوًا أو ثلاثون بحسب كبر الدلو وصغره.
وفي الدجاجة ونحوها: ينزح أربعون أو خمسون.
وفي الآدمي ونحوه: ينزح ماء البئر كله. وذلك إذا كان على الآدمي نجاسة بيقين، حقيقية أو حكمية، أو نوى الغسل أو الوضوء. ودليلهم على ذلك فعل الصحابة ﵃، ولم يصح فيه حديث نبوي.
١٦ ً - دخول الماء من جانب وخروجه من الجانب الآخر في حوض صغير مثلما كان فيه ثلاث مرات، فيصير ذلك بمنزلة غسله ثلاثًا: هو وسيلة لتطهير حوض الحمام أو الأواني إذا تنجس، لأنه بزوال أثر النجاسة يصير الماء جاريًا، ولم يتيقن من بقاء النجس فيه. وعلى هذا إذا تنجس ماء في قناة أو في وعاء، فيطهر بصب ماء طاهر عليه من ناحية منه، حتى يسيل من جوانبه ويخرج من الناحية الأخرى.
١٧ ً - الحفر (أي قلب الأرض بجعل الأعلى أسفل): يطهرها.
١٨ ً - غسل طرف الثوب أو البدن: يجزئ عن غسله كله إذا نسي المرء محل النجاسة، وإن وقع الغسل بغير تحر، وهو المختار عند الحنفية.
 
مذاهب غير الحنفية في المطهرات:
عرفنا - في ثنايا بحث أنواع المطهرات عند الحنفية - آراء المذاهب الأخرى، وأفردها هنا إجمالًا ببيان مستقل.

مذهب المالكية: المطهرات عند المالكية هي ما يأتي (١):
١ - الغسل بالماء الطهور المطلق لكل ما لا يجزئ فيه المسح أو النضح. ولايكفي إمرار الماء بل ولا بد من إزالة عين النجاسة وأثرها، ولا يجوز إزالة النجاسة بمائع غير الماء.
٢ - المسح بخرقة مبللة لما يفسد بالغسل، كالسيف والنعل والخف.
٣ - النضح للثوب أو الحصير إذا شك في نجاسته، ينضح بلا نية كالغسل: وهو رش باليد أو غيرها كفم أو تلقي مطر رشة واحدة، على المحل المشكوك بنجاسته بالماء المطلق. ففي حالة الشك بإصابة مكان بالنجاسة، يجب نضحه لاغسله، فإن غسل كان أحوط. ولا يجزئ رش البدن المشكوك في نجاسته، وإنما يجب غسله كمحقق الإصابة بالنجاسة.
٤ - التراب الطاهر: طهارة حكمية في حالة التيمم.
٥ - الدلك: لما أصاب الخف والنعل من أرواث الدواب وأبوالها في الطرق والأماكن التي تطرقها الدواب كثيرًا لعسر الاحتراز من ذلك، بخلاف غير الدواب كالآدمي والكلب والهر ونحوها، فلا يعفى عما أصاب الثوب أو البدن من فضلاتها، وبخلاف ما أصاب غير الخف والنعل كالثوب والبدن فلا عفو عنه.
(١) القوانين الفقهية: ص ٣٤ - ٣٥، الشرح الصغير: ٤٦/ ١، ٧٨،٨٢ ومابعدها، بداية المجتهد: ٨٢/ ١ ومابعدها، الشرح الكبير: ٥٦/ ١.
 
٦ - تكرار المشي أو المرور: يطهر ثوب المرأة الطويل الذي تجره على الأرض المتنجسة اليابسة، فيتعلق به الغبار، بشرط أن تكون إطالته للستر لا للخيلاء، واختلف في النجاسة الرطبة. والتطهير يحصل إذا كانت غير لابسة للخف، فإن كانت لابسة للخف فلا عفو.
ومثلها: من مشى برجل مبلولة على نجاسة يابسة: يطهره ما بعده، ويصلي كل منهما على وضعه، ولا يجب عليهما الغسل.
ويعفى عن طين المطر، ما لم تكن النجاسة غالبة، أو عينها قائمة.
٧ - التقوير: يطهر الجامدات، كأن وقعت فأرة في سمن جامد، طرحت هي وما حولها خاصة، قال سحنون: إلا أن يطول مقامها فيه.
فإن وقعت الفأرة في سمن ذائب، فماتت فيه، طرح جميعه. وعلى هذا، إذا وقعت نجاسة في مائع غير الماء، تنجس، سواء تغير أو لم يتغير.
٨ - النزح: إذا وقعت دابة نجسة في بئر، وغيرت الماء، وجب نزح جميعه، فإن لم تغيره، استحب أن يُنزح منه بقدر الدابة والماء، أي ينزح كله بالإضافة إلى نزح مقدار الدابة.
٩ - غسل مكان النجاسة: إذا مُيِّز موضع النجاسة من الثوب والبدن، غسل وحده، وإن لم يميز غسل الجميع.
١٠ - الاستحالة: تطهر الخمر إذا تخللت بنفسها أو خللت، ولا يطهر جلد الميتة بالدبغ، والمعتمد أن رماد النجس ودخانه طاهر.
١١ - الذكاة الشرعية تطهر غير المأكول اللحم، إلا الآدمي والخنزير، وعلى رأي الدردير: مشهور المذهب أن الذكاة لا تطهر محرم الأكل كالخيل والبغال والحمير والكلب والخنزير.
 
وإذا صلى الإنسان، وبعد الانتهاء من صلاته، رأى على ثوبه أو بدنه نجاسة لم يكن عالمًا بها، أو كان يعلمها ونسيها، صحت صلاته عند المالكية الذين لايوجبون إزالة النجاسة إلا عند التذكر والقدرة والتمكن.

والمطهر للمائع والجامد وغيرهما عند الشافعية أربعة هي (١):
١ - ماء مطلق: وهو ما يقع عليه اسم ماء، بلا قيد إضافي كماء ورد، أو قيد وصفي كماء دافق، وهو أنواع: ما نزل من السماء وهو ثلاثة: المطر، وذوب الثلج والبرد، وما نبع من الأرض وهو أربعة: ماء العيون والآبار والأنهار والبحار، ويتعين الماء لإزالة خبث ورفع حدث وغيرهما كتجديد الوضوء.
وينضح بول أو قيء صبي لم يَطْعم (يتناول) قبل مضي حولين غير لبن التغذي، للأحاديث الصحيحة في ذلك، منها: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام» (٢) وقد أخذ بهذه التفرقة الشافعية والحنابلة، ولم يفرق المالكية بين الذكر والأنثى وقالوا: النضح: طهارة ما شك فيه أي الثوب المشكوك فيه فقط، وأوجبوا كالحنفية الغسل في الحالين قياسًا للأنثى على الذكر (٣)، وإني أميل إلى رأي الشافعية والحنابلة للتصريح بالتفرقة، والحكمة فيه: أن بول الغلام يخرج بقوة، فينتشر، أو أنه يكثر حمله على الأيدي، فتعظم المشقة بغسله، أو أن مزاجه حار، فبوله رقيق، بخلاف الأنثى.
(١) تحفة الطلاب للشيخ زكريا الأنصاري: ص ٤، المجموع: ١٨٨/ ١، مغني المحتاج: ١٧/ ١ ومابعدها، ٨٤ ومابعدها .....
(٢) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي السَّمْح، وروى الجماعة عن أم قيس بنت مِحْصَن: أن النبي ﷺ نضح بول صبي، وروى ابن ماجه عن أم كُرْز: أن النبي ﷺ قال: «بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل» (نيل الأوطار: ٤٥/ ١).
(٣) بداية المجتهد: ٨٢/ ١، نيل الأوطار: ٤٧/ ١، كشاف القناع: ٢١٧/ ١ ومابعدها، ط مكة ...
 
٢ - وتراب مطهر لم يستعمل في فرض، ولم يختلط بشيء، لقوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [المائدة:٦/ ٥]، أي ترابًا طاهرًا.
٣ - ودابغ: وهو ما ينزع فضلات الجلد وعفونته، بحيث لو نقع في الماء بعد اندباغه، لم يعد إليه النتن والفساد، كقَرَظ وشَبّ، ولو كان الدابغ نجسًا، كذرق طير.
٤ - وتخلل: هو انقلاب الخمر خلًا، بلا مصاحبة عين تقع فيها، وإن نقلت من شمس إلى ظل، أو عكسه، فإن صحب تخللها عين وإن لم تؤثر فيها، أو وقع فيها عين نجسة وإن نزعت قبل التخلل، لم يكن ذلك مطهرًا.
والطهارات الحاصلة بالمطهرات الأربعة أربع:
وضوء، وغسل، وتيمم، وإزالة نجس، وهذا الأخير يشمل الإحالة.
ولا يطهر المتنجس الصقيل كسيف ونحوه بالمسح بل لا بد من غسله، كما لايطهر النعل بالدلك دون الغسل، ويطهر الماء بالمكاثرة ولو لم يبلغ قلتين، وتطهر الأرض المتنجسة بمكاثرة الماء عليها.

والمطهرات عند الحنابلة (١)
كالشافعية غالبًا إلا في الدباغ، فإنه غير مطهر عندهم، وهي الماء، والتراب ومثله الاستنجاء بالأحجار، والتخلل.
فتطهر الأرض المتنجسة بمكاثرة الماء عليها أي صب الماء على النجاسة بحيث يغمرها من غير اعتبار عدد، ولم يبق للنجاسة عين، ولا أثر من لون أو ريح، إن لم يعجز عن إزالتهما أو إزالة أحدهما.
(١) كشاف القناع: ٢٢/ ١، ٢١٣ - ٢١٨، المغني: ٣٥/ ١ - ٣٩، ٩٨/ ٢.
 
ولا تطهر الأرض المتنجسة بشمس ولا ريح، ولا جفاف؛ لأنه ﷺ أمر بغسل بول الأعرابي، ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به.
ولا تطهر نجاسة باستحالة، فلو أحرق السرجين النجس، فصار رمادًا أو وقع كلب في ملاحة، فصار ملحًا، لم تطهر، لأنه ﷺ «نهى عن أكل الجلاَّلة وألبانها» (١) لأكلها النجاسة، ولو طهرت بالاستحالة لم ينه عنه.
ولا تطهر النجاسة بنار، فالرماد من روث نجس، والصابون المعمول من زيت نجس، ودخان نجاسة وغبارها: نجس، وما تصاعد من بخار ماء نجس إلى جسم صقيل أو غيره: نجس، وتراب جبل بروث حمار أو بغل ونحوه مما لا يؤكل لحمه: نجس، ولو احترق كالخزف. وكذا لو وقع كلب في ملاحة، فصار ملحًا، أو في صبَّانة، فصار صابونًا: نجس (٢).
ويستثنى من مبدأ عدم التطهير بالاستحالة: ما يخلق منه الآدمي، والخمرة التي انقلبت خلًا بنفسها، أو بنقلها من موضع إلى آخر لغير قصد التخليل، ويحرم تخليلها، فإن خللت، ولو بنقلها بقصد التخليل لم تطهر، لحديث مسلم عن أنس قال: «سئل النبي ﷺ عن الخمر تتخذ خلا ً؟ قال: لا» ودَنُّ الخمر (أي وعاؤها) مثلها، يطهر بطهارتها تبعًا لها ......
ولا يطهر دهن تنجس بغسله؛ لأنه لا يتحقق وصول الماء إلى جميع أجزائه. كما لا يطهر باطن حَبّ (وعاء فخاري) تشرب النجاسة، ولا عجين تنجس، لأنه لا يمكن غسله، ولا يطهر لحم تنجس، ولا إناء تشرَّب نجاسة ولا سكين سقيت ماء نجسًا.
(١) رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن ابن عمر، وقال: حسن غريب.
(٢) حقق ابن تيمية ﵀ في فتاويه أن استحالة النجاسة يذهب بخبثها وعينها، فلا يبقى حكم النجاسة لها، وتكون طاهرة.
 
ويطهر السمن الجامد ونحوه بإلقاء النجاسة وما حولها، وأما المائع فلا يطهر إن ظلت النجاسة فيه، كأن ماتت الفأرة فيه، فإن خرجت حية، فهو طاهر.
ويلزم غسل ما وقعت فيه النجاسة، حتى يتيقن من إزالتها، فإن خفي موضع نجاسة في بدن أو ثوب أو مكان صغير، كبيت صغير، فيلزم غسله، ولا يكفي الظن، لأن الطاهر اشتبه بالنجس، فوجب اجتناب الجميع، حتى يتيقن الطهارة بالغسل، لأن النجاسة متيقنة، فلا تزول إلا بيقين الطهارة.
أما خفاء موضع النجاسة في مكان كبير كصحراء واسعة ودار واسعة، فلايضر، منعًا من الوقوع في الحرج والمشقة.
ويجزئ نضح بول أو قيء الغلام الذي لم يأكل الطعام لشهوة، وإن كان نجسًا كبول الكبير، ولا بد من غسل بول الأنثى والخنثى.
ولا يطهر النعل بالدلك، بل يجب غسله، كمايجب غسل ذيل ثوب امرأة تنجس بمشي أو غيره، كغسل الثوب والبدن، لكن يعفى عن يسير النجاسة على أسفل الخف والحذاء بعد الدلك، عملًا بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا وطئ الأذى بخفيه، فطهورهما التراب» (١).
ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا ريح ولا جفاف، عملًا بالحديث السابق «أهريقوا على بوله سَجْلًا من ماء».
والخلاصة: أن الشافعية والحنابلة نظروا في المطهرات إلى أكمل ما يحصل به مراد الشارع.
(١) رواه أحمد وأبو داود من رواية محمد بن عجلان، وهو ثقة، وصح في حديث أم سلمة السابق: أن المرور على طريق جاف مطهر. لكن لم يقيد الحديث بنجاسة قليلة ولاكثيرة.
 
وتوسع الحنفية في شأن المطهرات، وقاربهم فيها أحيانًا المالكية. والواقع العملي وحاجة الناس وأعرافهم كل ذلك يؤيد العمل بمذهب الحنفية. وبناء عليه لاتطهر الأرض وحبل الغسيل المتنجس عند الجمهور بجفاف الشمس والريح، وتطهر بذلك عند الحنفية.
وتطهير الموكيت أو المقاعد المفروشة يكون بصب الماء على مكان النجاسة. ويطهر النعل المتنجس والخف بالدلك بالأرض عند القائلين به كالحنفية والمالكية، لما رواه أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى، فإن التراب له طهوره». وتطهر المرآة والسكين والسيف والزجاج وكل شيء أملس صقيل بالمسح الذي يزول به أثر النجاسة، عملًا بفعل الصحابة في مسح سيوفهم من الدماء.
ويطهر الغسيل في الغسَّالة الآلية بغمره الماء، فإن هذه الغسَّالات يتكرر فيها صب الماء، ويعصر بها الثوب بسرعة الدوران. ولا يحكم بنجاسة ثوب أو مكان إلا برؤية عين النجاسة، فلو سقط ماء أو غيره على إنسان أو أصيب ثوبه بشيء رطب ليلًا، يحكم بطهارته ولا يسأل عن نجاسته، ولا يحكم بالنجاسة إلا بغلبة الظن.

المبحث الرابع - أنواع المياه:
المياه أنواع ثلاثة: طهور، وطاهر غير مطهر، ومتنجس:

النوع الأول - الماء الطهور أو المطلق:
هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهو كل ماء نزل من السماء، أو نبع من الأرض، ما دام باقيًا على أصل الخِلْقة، فلم يتغير أحد أوصافه الثلاثة وهي (اللون
 
والطعم والرائحة) أو تغير بشيء لم يسلب طهوريته كتراب طاهر أو ملح أو نبات مائي، ولم يكن مستعملًا، مثل ماء المطر والأودية (١) والعيون والينابيع والآبار والأنهار والبحار، وماء الثلج والبرد، ونحوها من كل ماء عذب أو مِلْح، ويشمل الماء الذي ينعقد على صورة حيوان، أو ينعقد ملحًا، أو يرشح ويتبخر بخار ماء؛ لأنه ماء حقيقة.
إلا أن الحنفية قالوا: الماء الذي ينعقد فيه الملح طهور قبل الانعقاد، أما بعد الانعقاد والذوبان، فإنه يكون طاهرًا غير طهور فلا يرفع الحدث، ويزيل الخبث.
هذا الماء المطلق طاهر مطهر إجماعًا، يزال به النجس، ويستخدم للوضوء والغسل، لقوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورًا﴾ [الفرقان:٤٨/ ٢٥]، ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال:١١/ ٨]، ولقوله ﷺ عن ماء البحر: «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» (٢) وقوله ﵇: «إن الماء طهور، لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» (٣).
وبحث الماء الطهور يستتبع معرفة الأمرين التاليين:

أـ التغير غير المؤثر في الطهورية:
اتفق الفقهاء على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالبًا: أنه لا يسلبه صفة الطهارة والتطهير، فلا يضر تغير أوصاف الماء كلها أو بعضها بطول المكث (البقاء
(١) الأودية جمع واد: وهو كل منفرج بين جبال أو آكام يجتمع فيه السيل.
(٢) رواه سبعة من الصحابة وهم: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، والفراسي، وأبوبكر الصديق. وحديث أبي هريرة رواه أصحاب السنن الأربعة، وهو وإن ذكرت فيه علل، تأيد بالروايات الأخرى (نصب الراية: ٩٥/ ١).
(٣) رواه ابن ماجه عن أبي أمامة، وهو حديث ضعيف السند (نصب الراية: ٩٤/ ١) لكن حسنه الترمذي، وله إسناد صحيح ذكره ابن القطان، وقال عنه الإمام أحمد: هو حديث صحيح.
 
في المكان مدة طويلة) لتعذر الاحتراز عنه، ولا بتراب طهور، وطُحلُب (خضرة تعلو على وجه الماء)، وما في مقره وممره، ولا بمخالط مجاور (وهو ما يمكن فصله) كعود ودُهن ولو مطيبين ومنه البَخور ولا بجيفة ملقاة على الشاطئ تغير الماء بريحها، ولابدابغ إنائه كقطران وقَرَظ، ولا ببعض المعادن كملح ماء وكبريت، ولا بما يعسر الاحتراز عنه كالتبن وورق الشجر. وللفقهاء تفصيلات وإيراد قيود هي:
قال الحنفية (١): تجوز الطهارة بماء خالطه شيء جامد طاهر، ما لم يكن التغير عن طبخ، فغير أحد أوصافه أو أوصافه كلها، كماء السيل الذي يختلط بالتراب والأوراق والأشجار، وبقيت رقته غالبة، فإن صار الطين غالبًا لا تجوز الطهارة به. وكالماء الذي اختلط به اللبَن أو الزعفران أوالصابون أو الأشنان ما دام باقيًا على رقته وسيلانه، لأن اسم الماء باق فيه، ولا يمكن الاحتراز عن هذه الأشياء المخالطة له، فلو خرج الماء عن طبعه أو حدث له اسم جديد، كأن صار ماء الصابون ثخينًا، أو صار ماء الزعفران صِبْغًا، لا تجوز به الطهارة.
وقال المالكية (٢): لا يضر ما تغير بطول مُكْثه، أو بما يجري عليه، أو بما متولد منه كالطحلب والدود والسمك الحي، أو بما لا ينفك عنه غالبًا، أو بالمجاورة، ولا يؤثر تغيره بالتراب المطروح، على المشهور، وبما طرح فيه من الملح ونحوه من أجزاء الأرض كالنحاس والكبريت والحديد، ولو قصدًا، ولا بدابغ طاهر كقَطِران، أو بما يعسر الاحتراز منه كتبن أو ورق شجر يتساقط في الآبار والبِرك من الريح، فإذا دبغت الجلود المعدة لحمل الماء كالقِرب والدلاء التي يستقى بها، يجوز الانتفاع بمائها، وإن تغير بأثر الدابغ الطاهر كالقَرَظ والقطران والشب،
(١) فتح القدير: ٤٨/ ١، اللباب شرح الكتاب: ٢٦/ ١. مراقي الفلاح: ص٣.
(٢) الشرح الصغير:٣٠/ ١ - ٣٦، القوانين الفقهية: ص٣٠، بداية المجتهد: ٢٢/ ١، الشرح الكبير: ٣٥/ ١ - ٣٩.
 
ولا يضر التغير بالمجاور؛ لأن الماء يتكيف بكيفية المجاور، ومن المجاور: جيفة مطروحة خارج الماء، فتغير ريح الماء منها.
ولا يضر التغير الخفيف بآلة سقي من حَبْل أو وعاء، أو بأثر بخور دهن به الإناء من غير دبغ به، أو رمي في الماء، فرسب في قراره، فتغير الماء به، لأن العرب كانت تستعمل القطران كثيرًا عند الاستقاء وغيره، فصار كالتغير بالمقَرّ.
كما لا يضر التغير بالشك في جنس المغير، هل هو من جنس ما يضر كالعسل والدم، أو من جنس ما لا يضر كالكبريت وطول المكث، ويجوز التطهر به. وكذا لايضر المشكوك في تغيره بالريق، كما إذا جعل الماء في الفم، وحصل شك فيه، هل تغير بالريق أو لا، فإنه يجوز التطهير به.
ويضر التغير لأحد أوصاف الماء بالشيء المفارق غالبًا: وهو ما شأنه مفارقة الماء غالبًا وكان طاهرًا، كلبن وسمن وعسل وحشيش، فإذا امتزج به، أو لاصقه، كالرياحين المطروحة على سطح الماء، والدهن الملاصق له، وتغير أحد أوصاف الماء لونًا أو طعمًا أو ريحًا، لم يجز التطهر به، ويصبح الماء طاهرًا بنفسه، غير مطهر لغيره.
والخلاصة: إن خالط الماء شيء طاهر، ولم يغير لونه أو طعمه أو ريحه، فهو ماء مطلق طهور، وإن غير أحد هذه الأوصاف الثلاثة فهو طاهر عند المالكية والشافعية والحنابلة، غير مطهر، وعند الحنفية: طاهر مطهر، ما لم يطبخ أو يغلب على أجزائه.
والمالكية يلحقون بالتراب: كل أجزاء الأرض كالكبريت والحديد والنحاس فإنها لا تسلب طهورية الماء، إذا غيرت أحد أوصافه، ولو طرحت فيه قصدًا.
 
وقال الشافعية (١): لا يضر تغير يسير بطاهر لا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، ولو كان مشكوكًا في أن تغيره كثير أو يسير، لتعذر صون الماء عنه. ولا يضر متغير بمُكْث وإن فحش التغير، وطين وطُحْلُب (شيء أخضر يعلو الماء من طول المكث)؛ وما في مقره وممره، ككبريت وزرنيخ ونُورة (كلس)، لتعذر صون الماء عن ذلك؛ ولا يضر تغير بملح ماء، لا بملح جبلي، فيضر التغير به ما لم يكن بمقر الماء أو ممره؛ ولا تمنع الطهارة بملح انعقد من الماء، لأنه كان ماء في الأصل، فهو كالثلج إذا ذاب فيه.
ولا يضر تغير بورق شجر تناثر وتفتت واختلط بالماء، لتعذر صون الماء عنه؛ ولا يضر متغير بمجاور طاهر كعود ودهن، ولو مطيبين، وكافور صلب، أو بتراب ولو مستعملًا طرح فيه في الأظهر، لأن تغيره بغير التراب تروّح، وبالتراب كدورة لا تمنع اسم الماء عليه.
ومذهب الحنابلة (٢) كالشافعية في عدم تأثر الماء بالمغير بطول مكث (وهو الماء الآجن الذي تغير بطول إقامته في مقره) (٣) أو بالمقر والممر، أو بالمجاور، أو بريح ميتة إلى جانبه؛ لأن ذلك يشق الاحتراز عنه أو بملح مائي: وهو الماء الذي يرسل على الأرض السباخ، فيصير ملحًا؛ لأن المتغير به منعقد من الماء، فأشبه ذوب الثلج.
والخلاصة: إن الماء المتغير الذي لا يضر التوضؤ به أربعة أنواع:
١ - ما أضيف إلى محله ومقره، كماء النهر والبئر وأشباههما.
(١) مغني المحتاج: ١٩/ ١، المهذب: ٥/ ١.
(٢) كشاف القناع: ٢٥/ ١ ومابعدها، المغني: ١٣/ ١.
(٣) لأنه ﵊ توضأ بماء آجن.
 
٢ - ما لا يمكن التحرز عنه كالطحلب والخزّ (الشوك الأخضر) وسائر ما ينبت في الماء، وكذا ورق الشجر الذي يسقط في الماء أو تحمله الريح فتلقيه فيه، وما تجذبه السيول من العيدان والتبن ونحوه، فتلقيه في الماء، وما هو في قرار الماء، كالكبريت والزفت وغيرهما إذا جرى عليه الماء فتغير به، أو كان في الأرض التي يقف الماء فيها.
٣ - مايوافق الماء في صفتيه: الطهارة والطهورية، كالتراب إذا غيَّر الماء، لا يمنع الطهورية؛ لأنه طاهر مطهر كالماء، فإن ثخن بحيث لا يجري على الأعضاء، لم تجز الطهارة به، لأنه طين وليس بماء، ولافرق في التراب بين وقوعه في الماء عن قصد أو غير قصد، وكذلك الملح البحري أو المائي، والمعدني، لأن هذا الأخير خليط مستغنى عنه غير منعقد من الماء، فهو كالزعفران وغيره.
٤ - ما يتغير به الماء بمجاورته من غير مخالطة، كالدهن بأنواعه، ومثله القطران والزفت والشمع، والطاهرات الصلبة، كالعود والكافور والعنبر، إذا لم يتلف في الماء، ولم يمع فيه، أنه تغيير مجاورة، فأشبه ما لو تروح الماء بريح شيء في جانبه، ولا خلاف في هذا.
ولا خلاف بين العلماء في جواز التوضؤ بما خالطه طاهر لم يغيره، فإذا سقط شيء من الباقلا والحمص والورد والزعفران وغيره في ماء، وكان يسيرًا، فلم يوجد له طعم ولا لون ولا رائحة كثيرة، جاز الوضوء به، لأنه «ﷺ اغتسل وزوجته من جفنة فيها أثر العجين».

ب - الماء الطهور المكروه الاستعمال تنزيهًا عند الحنفية:
هناك ماء طاهر مطهر مكروه استعماله تنزيهًا حال وجود غيره على الأصح
 
عند الحنفية (١): وهو الماء القليل الذي شرب منه حيوان مثل الهرة الأهلية، لا الوحشية إذ سؤرها (٢) نجس، ومثل الدجاجة المخلاة (المتروكة تأكل القاذورات) وسباع الطير، والحية والفأرة؛ لأنها لا تتحامى عن النجاسة. وهذا عمل بمقتضى الاستحسان، تيسيرًا على الناس بسبب مخالطة الناس للهرة، وتطوافها بهم، وللضرورة في سباع الطير لعدم إمكان التحرز عنها، وقد قرر النبي ﷺ طهارة سؤر الهرة، فقال: «إنها ليست بنجَس، إنها من الطوافين عليكم، والطوافات» (٣)، وعن عائشة عن النبي ﷺ «أنه كان يُصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب، ثم يتوضأ بفضلها» (٤).
وتزول الكراهة إذا لم يوجد غير هذا الماء. وقال الشافعية بطهارة فم الهرة وطهارة سؤرها.

النوع الثاني - الماء الطاهر غير الطهور:
وحكمه عند الحنفية أنه يزيل الخبث، أي النجاسة عن الثوب والبدن، ولايزيل الحدث، فلا يصح الوضوء والغسل به، وهو ثلاثة أنواع:

أحدها - الماء الذي خالطه طاهر غير أحد أوصافه الثلاثة وسلب طهوريته:
 
وسالب الطهورية عند الحنفية هو غلبة غير الماء عليه إما في مخالطة الجامدات وإما في المائعات (٥).
والغلبة في الجامدات تكون بإخراج الماء عن رقته وسيلانه، أو
(١) مراقي الفلاح: ص ٣.
(٢) السؤر: الباقي من الماء في الإناء بعد شرب حيوان منه.
(٣) رواه الخمسة عن كبشة بنت كلب بن مالك، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وأخرجه أيضًا البيهقي، وصححه البخاري والعقيلي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني (نيل الأوطار: ٢٥/ ١).
(٤) رواه الدارقطني (المصدر والمكان السابق) وأصغى الإناء للهرة: أماله.
(٥) مراقي الفلاح: ص٣ - ٤، فتح القدير: ٤٨/ ١ ومابعدها.
 
التي تزيل طبع الماء (وهو الرقة والسيلان والإرواء والإنبات) بالطبخ بنحو حِمّص وعدس، ولم يقصد به التنظيف كالصابون والأشنان؛ لأن النبي ﷺ اغتسل بماء فيه أثر العجين، وكان يغتسل وهو جنب ويغسل رأسه بالخِطْمي (ورق يدق ويغسل به الرأس)، وأمر النبي بغسل الذي وقَصَتْه (كسرته) ناقته، وهو مُحْرِم بماء وسِدْر (شجر النبق)، وأمر قيس بن عاصم حين أسلم أن يغتسل بماء وسدر (١).
والغلبة في المائع الذي لا وصف له كالماء المستعمل، وماء الورد المنقطع الرائحة: تكون إما بزيادة الوزن كأن اختلط رطلان من الماء المستعمل برطل من الماء المطلق أو بظهور وصفين من مائع له أوصاف ثلاثة، كالخل له لون وطعم وريح، فأي وصفين ظهرا منعا صحة الوضوء، ولا يضر ظهور وصف واحد لقلته، أو بظهور وصف واحد من مائع له وصفان فقط، كاللبن له اللون والطعم، ولا رائحة له.
الماء المشكوك في طهوريته عند الحنفية: وهو ما شرب منه حمار أو بغل. وهو عند الحنفية طاهر في نفسه، مشكوك في إمكان إزالة الحدث به، فمن لم يجد غيره توضأ به وتيمم، بسبب تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف الصحابة ﵃ في نجاسته وطهارته (٢).
وقال المالكية (٣): إن سالب الطهورية الذي يترتب عليه أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث: هو كل طاهر يخالط الماء مما يفارقه غالبًا، ويغير أحد أوصافه
(١) نصب الراية:١٠٤/ ١، نيل الأوطار: ٢٣٩/ ١، والحديث الأول رواه النسائي وابن ماجه والأثرم، والحديث الثاني رواه أحمد عن عائشة.
(٢) فتح القدير والهداية: ٧٨/ ١.
(٣) الشرح الكبير: ٣٧/ ١ ومابعدها، الشرح الصغير:٣١/ ١، القوانين الفقهية: ص ٣٠ ومابعدها، بداية المجتهد: ٢٦/ ١.
 
(لونه أو طعمه أو ريحه)، ولم يكن من أجزاء الأرض، ولا دابغًا لإنائه، ولا ما يعسر الاحتراز عنه. مثال ذلك الطاهر المفارق للماء غالبًا الصابون وماء الورد والزعفران واللبن والعسل والزبيب المنبوذ في الماء، والليمون وروث الماشية ودخان شيء محروق، والحشيش، أو ورق الشجر أو التبن الواقع في بئر يسهل تغطيتها، والقطران الراسب في الماء لغير دباغ للوعاء والطحلب المطبوخ في الماء، والسمك الميت. فهذه الأمثلة إن غيرت أحد أوصاف الماء، جعلته طاهرًا غير طهور. ومثلها المتغير الفاحش بآلة السقي، أو بإنائه، إذا كانا من غير أجزاء الأرض كإناء من جلد أو خشب، وحبل من كَتَّان أو ليف. فإن كان التغير يسيرًا، أو استعمال القطران للدباغ، فلا يسلب الطهورية، ولا يضر.
وقال الشافعية (١): الذي يسلب طهورية الماء، فيجعله غير صالح لرفع الحدث ولا لإزالة النجس به: هو كل مخالط طاهر يستغني الماء عنه، إذا غير أحد أوصافه (لونه أو طعمه أو ريحه) تغيرًا كثيرًا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، ولم يكن المغير ترابًا ولا ملحًا مائيًا ولو طرحا قصدًا. وذلك مثل الزعفران وماء الشجر والمني والملح الجبلي والتمر والدقيق والطحلب المطروح في الماء، والمنقوع في الماء من كتان أو عرق سوس، والقطران لغير دباغ، والماء المخلوط بنحو سدر أو صابون، فلا يصح الوضوء به كماء اللحم وماء الباقلا.
وسواء أكان التغير حسيًا أم تقريريًا، فلو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات، كماء الورد المنقطع الرائحة، فلم يتغير، فلو قدرنا أن ماء الورد الواقع حل محله مخالف وسط، كلون العصير، وطعم الرمان، وريح اللاَّذَن (٢)، ثم غيَّره، لم يصر طهورًا.
(١) مغني المحتاج: ١٨/ ١، المهذب: ٥/ ١.
(٢) اللاذن: نوع من العلوك يستعمل عطرًا وداوء.
 
وقال الحنابلة (١): يسلب طهورية الماء أنواع منها: المستخرج بالعلاج، كماء ورد وزهر وبطيخ، إذا غلبت أجزاؤه على الماء؛ والطاهر الذي يغير اسم الماء حتى صار صبغًا أو خلًا؛ والطاهر الذي يغير أحد أوصاف الماء تغيرًا كثيرًا، بأن طبخ فيه كماء الباقلا والحمص، أو لم يطبخ كالزعفران والملح المعدني، أو طرحه فيه آدم عاقل قصدًا كطحلب أو ورق شجر ونحوه، ففي كل ذلك لا يعد ماء مطلقًا، فلا يتوضأ به.
الماء المشتبه فيه: إذا اشتبه الطاهر من الماء أو الثياب بالنجس، تحرى الشخص واجتهد، كالاجتهاد في القبلة، وصلى بثوب منها، وتوضأ بأحد الماءين بما غلب على ظنه طهارته بعلامة واستعمله؛ لأن التطهر شرط من شروط الصلاة، وحل التناول والاستعمال والتوصل إلى ذلك ممكن بالاجتهاد، فوجب عند الاشتباه إن تعين طريقًا. وإذا أخبره بتنجسه ثقة أو كان فقيهًا اعتمده.

ثانيها - الماء المستعمل القليل:
والقليل: هو ما نقص عن القُلَّتين بأكثر من رطلين. والقلتان: خمس مئة رطل بغدادي تقريبًا (٥٠٠) وبالمصري (٤٤٦و٧/ ٣) رطلًا (٢) وبالشامي (٨١) رطلًا، والرطل الشامي: (٢و٢/ ١) كغ فيكون قدرهما (١١٢،١٩٥كغ) وتساوي (١٠) تنكات (صفايح) وقيل: (١٥) تنكة أو (٢٧٠) لترًا، وقدرهما بالمساحة في مكان مربع: ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا بالذراع المتوسط. وفي المكان المدور كالبئر: ذراعان عمقًا، وذراع عرضًا. وقال الحنابلة: ذراعان ونصف عمقًا، وذراع طولًا.
(١) المغني: ١٤/ ١ ومابعدها، كشاف القناع: ٣٠/ ١.
(٢) الرطل البغدادي: ١٢٨و٧/ ٤ درهم، والرطل المصري: ١٤٤ درهمًا، وسعة الدرهم ٣.١٧ غم.
 
والمستعمل عند الحنفية (١): هو الماء الذي استعمل لرفع حدث (وضوء أو غسل) أو لقربة (ثواب) كالوضوء - في مجلس آخر - على الوضوء بنية التقرب أو لصلاة الجنازة ودخول المسجد ومس المصحف وقراءة القرآن. ويصير الماء مستعملًا بمجرد انفصاله عن الجسد، والمستعمل: هو الذي اتصل بالأعضاء، لا كل الماء. وحكمه عندهم أنه طاهر بنفسه غير مطهر لغيره من الحدث ويطهر الخبث أي أنه لا يزيل الحدث من وضوء وغسل، ويزيل النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن على الراجح المعتمد.
والمستعمل عند المالكية (٢): هو الماء الذي استعمل في رفع حدث (وضوء أو غسل) أو في إزالة خَبَث (عين النجاسة)، سواء أكان الغسل واجبًا كغسل الميت، أم غير واجب كالوضوء على الوضوء وغسل الجمعة والعيدين، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، إذا لم يغيره الاستعمال.
والمستعمل في رفع الحدث: هو ما تقاطر من الأعضاء (٣)، أو اتصل بها، أو انفصل عنها وكان المنفصل يسيرًا، أو غسلت فيه، فإن اغترف منه وغسلت الأعضاء خارجه فليس بمستعمل. والماء المستعمل: طاهر مطهر، ولا يكره على الأرجح استعماله مرة أخرى في إزالة النجاسة، أو في غسل إناء ونحوه، لكن يكره استعماله في رفع حدث أو اغتسالات مندوبة مع وجود غيره، إذا كان يسيرًا. وعلة الكراهة: أن النفوس تعافه.
والماء المستعمل عند الشافعية (٤): هو الماء القليل المستعمل في فرض الطهارة
(١) البدائع: ٦٩/ ١ ومابعدها، الدر المختار ورد المحتار: ١٨٢/ ١ - ١٨٦، فتح القدير: ٥٨/ ١،٦١
(٢) الشرح الصغير: ٣٧/ ١ - ٤٠، الشرح الكبير مع الدسوقي: ٤١/ ١ - ٤٣، القوانين الفقهية: ص ٣١، بداية المجتهد:٢٦/ ١ ومابعدها.
(٣) احترز بالماء عن التراب، فلا يكره التيمم عليه مرة أخرى لعدم تعلقه بالأعضاء.
(٤) مغني المحتاج:٢٠/ ١ ومابعدها، ٨٥، المهذب: ٥/ ١،٨.
 
عن حدث كالغسلة الأولى فيه، والأصح أن نفل الطهارة كالغسلة الثانية والثالثة طهور في المذهب الجديد. والمراد بفرضية الطهارة ولو صورة كوضوء الصبي، إذ لابد لصحة صلاته من وضوء.
ومن المستعمل: ماء قليل اغترف منه بدون نية الاغتراف عند إرادة غسل اليدين بأن يقصد نقل الماء من إنائه لغسلهما خارجه، فإن نوى الاغتراف بهما فهو طهور.
ومن المستعمل: ماء غسل بدل مسح من رأس أو خف، وماء غسل كافرة لتحل لحليلها المسلم، وماء غسل ميت، وماء غسل مجنونة لتحل لحليلها المسلم، ولا يصبح مستعملًا إلا إذا انفصل عن العضو.
والمستعمل الطاهر في إزالة النجاسة (وهو الغسالة) يشترط فيه شروط ثلاثة:
١ - أن يكون الماء واردًا على محل النجاسة إن كان قليلًا في الأصح لا كثيرًا، لئلا يتنجس الماء، لو عكس الأمر، لأن الماء ينجس بمجرد وقوع النجاسة فيه.
٢ - أن ينفصل طاهرًا بحيث لم يتغير أحد أوصافه، وقد طهر المحل.
٣ - ألا يزيد وزنه بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ويعطيه من الوسخ الظاهر. فإذا تغير الماء أو زاد وزنه، أو لم يطهر المحل بأن بقي لون النجس وريحه معًا، أو طعمه وحده، ولم يعسر زواله، صار نجسًا؛ لدلالة ذلك على بقاء عين النجاسة.
وحكم المستعمل: أنه طاهر غير طهور في المذهب الجديد، فلا يتوضأ أو يغتسل به، ولا تزال النجاسة به؛ لأن السلف الصالح كانوا لا يحترزون عن ذلك،
 
ولا عما يتقاطر عليهم منه، وفي الصحيحين «أنه ﷺ عاد جابرًا في مرض موته، فتوضأ وصب عليه من وضوئه» وكانوا مع قلة مياههم لم يجمعوا المستعمل للاستعمال ثانيًا، بل انتقلوا إلى التيمم، ولم يجمعوه للشرب، لأنه مستقذر.
ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء. فإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين، فطهور في الأصح.
والمستعمل عند الحنابلة (١): هو المستعمل في رفع حدث أكبر (جنابة) أو أصغر (وضوء)، أو إزالة نجاسة من آخر غسلة زالت بها النجاسة وهي الغسلة السابعة (٢) كما هو المذهب، ولم يتغير أحد أوصاف الماء (لونه أو طعمه أو ريحه).
ومن المستعمل: ما غسل به الميت؛ لأنه غسل تعبدي، لا عن حدث، ويصبح الماء مستعملًا: لو نوى الجنب أو المتوضئ رفع الحدث في ماء قليل، فإن لم ينو رفع الحدث أو نوى الاغتراف أو نوى إزالة الغبار أو التبرد أو العبث ظل الماء طهورًا. ومنه: الماء اليسير الذي غمس أو غسل به يد القائم من نوم الليل، وكان الشخص مسلمًا عاقلًا بالغًا، وكان الغمس قبل غسل اليد ثلاثًا. ومنه الماء الذي يغمس فيه المسلم البالغ العاقل (غير الصبي والمجنون والكافر) يده كلها إلى الكوع، أي الزند. فلو غمس غير يده كالوجه والرجل لم يكن مستعملًا.
ولا يصير الماء مستعملًا إلا بعد انفصاله عن محل الاستعمال.
ويعفى عن يسير الماء المستعمل الواقع في الماء؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يتوضؤُون من الأقداح، ويغتسلون من الجفان، واغتسل النبي وعائشة من إناء واحد، تختلف
(١) كشاف القناع:٣١/ ١ - ٣٧، المغني:١٥/ ١ ومابعدها، ١٨ - ٢٢، ١٢٤.
(٢) الغسلة الرابعة هي الطاهرة في الوضوء، والغسلة الثامنة في إزالة النجاسة بعد زوالها: هي الطاهرة عند الحنابلة؛ لأنه يشترط عندهم لإزالة النجاسة سبع غسلات.
 
أيديهما فيه، كل واحد منهما يقول لصاحبه: أبق لي، ومثل هذا لا يسلم من رشاش يقع في الماء. فإن كثر الواقع وتفاحش لم تجز الطهارة به على الرواية الراجحة، وهو مذهب الشافعية أيضًا كما بينت، والمستعمل في طهارة مستحبة كتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، وغسل الجمعة والعيدين وغيرهما فيه روايتان: إحداهما: أنه كالمستعمل في رفع الحدث؛ لأنه طهارة مشروعة. والثانية وهي الراجحة: أنه طهور فلا يمنع الطهارة؛ لأنه لم يزل مانعًا من الصلاة، فأشبه ما لو تبرد به، ولا خلاف بين العلماء أن ما استعمل في التبرد والتنظيف طاهر طهور غير مكروه.
ولا يصير الماء اليسير مستعملًا إذا اغترف منه المتوضئ عند غسل يديه؛ لأن المغترف لم يقصد بغمس يده إلا الاغتراف دون غسلها، ولأن النبي ﵇ فيما رواه سعيد عن عثمان اغترف من إناء: «ثم غرف بيده اليمنى، فصب على ذراعه اليمنى، فغسلها إلى المرفقين ثلاثًا».
وحكم المستعمل: أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث، كالشافعية.
وإن جمع الماء المستعمل فبلغ قلتين، ففيه وجهان: وجه: أنه على الأصل كما كان، ووجه: أنه طهور لقول النبي ﷺ: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» (١) وإن اجتمع الماء المستعمل مع غير مستعمل فبلغ قلتين، صار الكل طهورًا.

ثالثها - ماء النبات من زهر أو ثمر،  
كماء الورد، أو الزهر، وماء البطيخ ونحوه من الفاكهة، طاهر غير مطهر.
(١) رواه الخمسة والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي عن عبد الله بن عمر. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما (نيل الأوطار:٣٠/ ١).
 
النوع الثالث - الماء النجس:
وهو الذي وقعت فيه نجاسة غير معفو عنها مثل قليل الأرواث، وكان الماء راكدًا (غير جارٍ) قليلًا.
والقليل بالمساحة عند الحنفية (١): ما دون عشر في عشر بذراع العامة. فينجس وإن لم يظهر أثر النجاسة فيه.
وأما إذا كان عشرًا في عشر بحوض مربع، أو ستة وثلاثين في مدور، وكان عمقه بحال لا تنكشف أرضه بالغَرف منه، على الصحيح، فلا ينجس إلا بظهور وصف النجاسة فيه.
وأما الماء الجاري فينجس بظهور أثر النجاسة فيه، والأثر: طعم النجاسة أو لونها أو ريحها.
وبذلك يكون الماء المتنجس نوعين:
الأول - ما كان طهورًا قليلًا، ووقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه.
الثاني - ما كان طهورًا وقعت فيه نجاسة غيَّرت أحد أوصافه الثلاثة. واتفق العلماء على نجاسة النوع الثاني الذي تغيرت فيه أحد أوصاف الماء (طعمه أو لونه أو ريحه) كما أن الشافعية والحنابلة وافقوا الحنفية في نجاسة النوع الأول إلا ما يعفى عنه عند الشافعية كميتة ما لا دم له سائل مثل الذباب والنحل إذا وقع بنفسه أو ألقته الرياح.
وقال المالكية في أرجح الروايات بطهورية النوع الأول وهو الماء القليل الذي
(١) مراقي الفلاح: ص ٤.
 
وقعت فيه نجاسة لم تغير أحد أوصافه، لكنه مكروه، مراعاة للخلاف (١).
والمتنجس عند أكثر الفقهاء لا ينتفع به ولا يستعمل في طهار ة ولا في غيرها إلا في نحو سقي بهيمة أو زرع، أو في حالة الضرورة كعطش.

قلة الماء وكثرته:
اختلف الفقهاء في حد القلة والكثرة: فالكثرة عند أبي حنيفة: هو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدمي من أحد طرفيه، لم تسْرِ الحركة إلى الطرف الثاني منه (٢). والقلة: ما كان دون عشر في عشر من أذرعة العامة؛ كما تقدم.
ولا حد لكثرة في مذهب المالكية فلم يحدوا لها حدًا مقدرًا، والماء اليسير المكروه: هو ما كان قدر آنية الوضوء أو الغسل، فما دونها. فإذا حلت فيه نجاسة قليلة كالقطرة، ولم تغيره، فإنه يكره استعماله في رفع حدث أو إزالة خبث، أو متوقف على طهارة كالطهارة المسنونة والمستحبة، ولا كراهة في استعماله في العادات.
والحد الفاصل عند الشافعية والحنابلة بين القليل والكثير: هو القلتان (٣)، من قُلال هجَر: وهو خمس قِرَب، في كل قربة مئة رطل عراقي، فتكون القلتان خمس مئة رطل بالعراقي.
(١) الشرح الكبير مع الدسوقي:٣٧/ ١ ومابعدها،٣٤، الشرح الصغير:٣١/ ١،٣٦ ومابعدها، القوانين الفقهية: ص٣٠، بداية المجتهد:٢٣/ ١، المهذب: ٥/ ١ - ٨، مغني المحتاج:٢١/ ١ ومابعدها. المغني:٢٢/ ١ - ٢٧، غاية المنتهي:٩/ ١ ومابعدها، كشاف القناع: ٣٧/ ١،٣٩ ـ٤٢،٤٤ ومابعدها.
(٢) فتح القدير:٥٥/ ١.
(٣) القلة: هي الجرة، سميت قلة لأنها تقل بالأيدي أو تحمل.
 
فإذا بلغ الماء قلتين، فوقعت فيه نجاسة، جامدة أو مائعة، ولم تغير طعمه أو لونه، أو ريحه، فهو طاهر مطهر، لقوله ﷺ: «إذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل الخبَث» قال الحاكم: على شرط الشيخين (أي البخاري ومسلم)، وفي رواية لأبي داود وغيره بإسناد صحيح: «فإنه لا ينْجُس» وهو المراد بقوله: «لم يحمل الخبث» أي يدفع النجس ولا يقبله.
فإن وقعت النجاسة في مائع كثير غير مائع، ولو بمقدار قلتين فإنه ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، لأن الماء يشق حفظه عن النجس، بخلاف غيره وإن كثر.
وإن تغير أحد أوصاف الماء الكثير (القلتين)، ولو تغيرًا يسيرًا، فنجس بالإجماع المخصص لحديث القلتين ولحديث الترمذي وابن حبان: «الماء لا ينجسه شيء» (١)، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة، فغيرت للماء طعمًا أو لونًا أو رائحة، أنه نجس، ما دام كذلك. وقد روى أبو إمامة الباهلي أن النبي ﷺ قال: «الماء طهور لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» رواه ابن ماجه، لكنه حديث ضعيف (٢).
وأرجح رأي الشافعية والحنابلة في الأخذ بحديث القلتين الثابت الصحيح، وإن أعله الحنفية بالاضطراب وتعارض الروايات، إذ في رواية: «إذا بلغ ثلاث قلال» وفي رواية «قلة» كما أعلوه بجهالة قدر القلة، وقد أجاب الشافعية عن هذا كله (٣).
(١) انظر نصب الراية:٩٥/ ١، قال ابن حبان: وهذا مخصوص بحديث القلتين، وكلاهما (هذا والحديث الآتي) مخصوص بالإجماع أن الماء المتغير بنجاسة ينجس، قليلًا كان الماء أو كثيرًا.
(٢) نصب الراية:٩٤/ ١
(٣) سبل السلام:١٩/ ١
 
المبحث الخامس - حكم الأسآر والآبار:
وفيه مطلبان:

المطلب الأول - حكم الأسآر:
الأسآر: جمع سؤر، والسؤر: البقية والفضلة، واصطلاحًا: هو بقية الماء في الإناء أو في الحوض بعد شرب الشارب منه. ثم استعير لبقية الطعام.
واتفق العلماء على طهارة أسآر المسلمين وبهيمة الأنعام، واختلفوا فيما عداها اختلافًا كثيرًا.

فحكم السؤر بسبب مخالطة لعاب الشارب له عند الحنفية (١): 
يختلف بحسب طهارة أو نجاسة لحم الشارب، فسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه من الحيوان طاهر، وسور الكلب نجس، وقد يكون السؤر مكروهًا، أو مشكوكًا فيه، فتكون الأسآر عند الحنفية أربعة أنواع: طاهر، ومكروه، ومشكوك فيه، ونجس كما يتبين مما يأتي:
١ ً - سؤر طاهر مطهر بلا كراهة: وهو الذي شرب منه الآدمي، أو حيوان مأكول اللحم كالإبل والبقر والغنم، والفرس في الأصح، ونحوها، ما لم تكن جلالة (تأكل الجلة) ولا في حال اجترارها إن كانت من الحيوانات المجترة؛ لأن الماء المختلط به اللعاب أثناء الشرب قد تولد من لحم طاهر، فيكون طاهرًا.
ولا فرق بين أن يكون الآدمي صغيرًا أو كبيرًا، مسلمًا أو كافرًا، جنبا ً أو
(١) الدر المختار ورد المحتار:٢٠٥/ ١ ومابعدها،٢٩٧، فتح القدير:٧٤/ ١ ومابعدها، تبيين الحقائق:٣١/ ١
 
حائضًا، إلا أن يشرب الكافر خمرًا فينجس فمه، إذا شرب عقب الخمر فورًا من إناء، أما لو مكث قدر ما يغسل فمه بلعابه، ثم شرب لا ينجس (١).
ودليل طهارة سؤر الآدمي مطلقًا: ما رواه أبو هريرة قال: يا رسول الله، لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك، فقال ﷺ: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس» (٢). وروى مسلم عن عائشة قالت: «كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي ﷺ، فيضع فاه على موضع فيَّ». وروى البخاري أنه ﵊ شرب اللبن، وعن يمينه أعرابي، وعن يساره أبو بكر، ثم أعطى الأعرابي، فقال: الأيمن فالأيمن.
٢ ً - سؤر طاهر مكروه تنزيهًا استعماله مع وجود غيره: وهو سؤر الهرة، والدجاجة المخلاة (٣)، والإبل والبقر الجلالة (أي التي تأكل النجاسة إذا جهل حالها)، وسباع الطير كالصقر والنسر والشاهين والحدأة والغراب، وسواكن البيوت كالحية والفأرة، ما لم تر النجاسة في فمها، لأنها تلازم التطواف في المنازل، أو للضرورة، وعدم إمكان الاحتراز منها، ولأن النبي ﷺ كان يصغي (يميل) للهرة الإناء، فتشرب منه، ثم يتوضأ به (٤).
٣ ً - سؤر مشكوك في طهوريته لا في طهارته: وهو سؤر البغل والحمار
(١) ومثل ذلك: لو أصاب عضو الكافر نجاسة ثم لحسها بفمه، حتى لم يبق أثرها، أوقاء الصغير على ثدي أمه، ثم مصه حتى زال الأثر، طهر.
(٢) رواه مسلم. وروي أيضًا أن النبي ﷺ لقي حذيفة، فمد يده ليصافحه، فقبض يده، وقال: إني جنب، فقال ﵇: «المؤمن لاينجس».
(٣) هي المرسلة التي تخالط النجاسات. أما التي تحبس في بيت وتعلف فلا يكره سؤرها، لأنها لاتأكل إلا الحب.
(٤) رواه الدارقطني من طريقين عن عائشة ﵂ (نصب الراية:١٣٣/ ١).
 
الأهلي، فيتوضأ به أو يغتسل، ثم يتيمم بعدئذ أو يقدم أيهما شاء، احتياطًا بالنسبة لصلاة واحدة. وسبب الشك: هو تعارض الأدلة في إباحة لحمه وحرمته، أو اختلاف الصحابة ﵃ في نجاسته وطهارته، أو للتردد في توافر الضرورة والبلوى المسقطتين للنجاسة، وذلك بسبب ربط هذا الحيوان في الدور وشربه من الأواني المستعملة، ومخالطة الناس له بالركوب عليه، فالمذهب عند الحنفية: طهارة لعاب البغل والحمار قطعًا، والشك في الطهورية.
أما تعارض الأدلة في الإباحة والحرمة: فقد ورد في شأن حرمة لحمه حديثان:
١ً - حديث أبجر بن غالب، قال: «يا رسول الله، أصابتنا سَنَة (جدب وقحط)، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سِمان حُمُر، وإنك حرمت الحُمُر الأهلية؟ فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك (١)».
٢ً - وحديث أنس أن رسول الله ﷺ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثانية، فقال: أكلت الحمر، فسكت، ثم أتاه الثالثة، فقال: أفنيت الحمر، فأمر مناديًا ينادي في الناس: «إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر الأهلية» وفي رواية: «فإنها رجس، فأكفئت القدور، وإنها لتفور باللحم» (٢).
وأما اختلاف الصحابة في الطهارة والنجاسة: فعن ابن عمر نجاسته، وعن ابن عباس طهارته.
(١) رواه أبو داود
(٢) رواه البخاري
 
والحق أن رواية حديث أنس أصح، وأن لحم الحمير محرم بلا إشكال وأنه إذا تعارض المحرم والمبيح، يقدم المحرم، سواء بالنسبة للحديثين أم للاجتهادين عن الصحابة، والأصح أن دليل الشك هو التردد في الضرورة، فإن الحمار يربط في الدور والأفنية، إلا أنها دون ضرورة الهرة والفأرة، لدخولهما المضايق، دون الحمار، فوقع الشك في الطهورية، فهو نجس من وجه لنجاسة لعابه، طاهر من وجه لوجود نوع من الضرورة، وسرى الشك إلى سؤره، فهذا سبب الشك، لا أن السبب هو الإشكال في حرمة لحمه، ولا اختلاف الصحابة في سؤره.
٤ ً - سؤر نجس نجاسة مغلظة، لا يجوز استعماله بحال إلا للضرورة كأكل الميتة: وهو ما شرب منه كلب أو خنزير أو سباع البهائم كالأسد والفهد والذئب والقرد والنمر والضبع.
أما الكلب، فلقوله ﵇: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» (١) فلما تنجس الإناء، فالماء أولى، وهذا يفيد النجاسة.
وأما الخنزير، فلأنه نجس العين، لقوله تعالى: ﴿فإنه رجس﴾ [الأنعام:١٤٥/ ٦]، وأما سباع البهائم، فلأن لحمها نجس، ولعابها المخالط للماء يتولد من لحمها، فيتنجس الماء.

وقال المالكية (٢):
١ ً - سؤر ابن آدم: إن كان مسلمًا لا يشرب الخمر، فسؤره طاهر مطهر
(١) رواه أحمد والشيخان (متفق عليه) عن أبي هريرة ولأحمد ومسلم: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (نيل الأوطار:٣٦/ ١).
(٢) القوانين الفقهية: ص٣١، بداية المجتهد:٢٧/ ١ - ٣٠، الشرح الصغير:٤٣/ ١، الشرح الكبير:٤٣/ ١ - ٤٤.
 
بإجماع. وإن كان كافرًا أو شارب خمر: فإن كان في فمه نجاسة فهو كالماء الذي خالطته النجاسة. وإن لم يكن في فمه نجاسة، فهو طاهر مطهر، وهو رأي الجمهور.
لكن يكره عند المالكية سؤر شارب خمر مسلم أو كافر شك في فمه، كما يكره ما أدخل يده فيه، لأنه كماء حلته نجاسة ولم تغيره.
٢ ً - سؤر ما يستعمل النجاسة: كالهرة والفأرة، فإن رئي في أفواهها نجاسة، كان كالماء الذي خالطته النجاسة، فإن تحقق طهارة أفواهها، فطاهر، وإن لم يعلم فيغتفر ما يعسر التحرز عنه، لكنه مكروه، وفي تنجيس ما يتحرز منه قولان (١)، أرجحهما: القول بالطهارة.
٣ ً - سؤر الدواب والسباع طاهر، لكنه يكره سؤر حيوان لا يتوقى نجسًا كطير.
٤ ً - سؤر الكلب والخنزير طاهر، وغسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات من ولوغه في الماء إنما هو عبادة. وفي غسل الإناء الذي شرب منه الخنزير سبعًا: قولان.

وقال الشافعية والحنابلة (٢):
١ ً - سؤر الآدمي طاهر، سواء أكان مسلمًا أم كافرًا، وهذا متفق عليه بين العلماء، كما بينا، لقوله ﷺ: «المؤمن لا ينجس».
(١) روى قرة عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «طهور الإناء إذا ولغ فيه الهر أن يغسل مرة أو مرتين» وقرة ثقة عند أهل الحديث. وروى مالك من حديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال عن الهرة: «إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات».
(٢) المجموع:٢٢٧/ ١، المغني:٤٦/ ١ـ٥١، مغني المحتاج:٨٣/ ١، كشاف القناع:٢٢١/ ١.
 
٢ ً - سؤر الحيوان المأكول اللحم طاهر، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه والتوضؤ به.
٣ ً - سؤر الهر والفأر وابن عُرْس ونحوها من حشرات الأرض كالحيات وسام أبرص: طاهر، يجوز شربه والتوضؤ به، ولا يكره عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، إلا أبا حنيفة، فإنه كره الوضوء بسؤر الهر، كما أوضحنا فإن فعل أجزأ.
٤ ً - سؤر جميع الحيوانات من الخيل والبغال والحمير والسباع المأكول لحمه وغير المأكول، طاهر، وهي الرواية الراجحة عند الحنابلة، لحديث جابر: «أن النبي ﷺ سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها» (١)، ولأنه حيوان يجوز الانتفاع به من غير ضرورة، فكان طاهرًا كالشاة، ولأن النبي ﷺ وصحبه كانوا يركبون البغل والحمار، فلو كان نجسًا لبين النبي ﷺ ذلك، ولأنهما لا يمكن التحرز عنهما لمقتنيهما، فأشبها الهر. وقول النبي عن الحمر يوم خيبر: «إنها رجس» أراد أنها محرمة الأكل.
٥ ً - سؤر الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما: نجس لقولهصلّى الله عليه وسلم في الكلب: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات أولهن بالتراب» (٢)، والخنزير كالكلب، لأنه أسوأ حالًا منه. وأما المتولد فحكمه حكم أصله؛ لأنه يتبع أخسهما في النجاسة.
وهذا المذهب هو الراجح، أما قول المالكية بالغسل تعبدًا فلا يفهم، لأن
(١) رواه الشافعي في مسنده.
(٢) رواه مسلم، وفي رواية صححها الترمذي: «أولاهن أو أخراهن بالتراب» وفي رواية أبي داود: «السابعة بالتراب» أي بأن يصاحب السابعة.
 
الأصل وجوب الغسل من النجاسة، بدليل سائر أنواع الغسل، ولو كان الأمر بالغسل تعبدًا لما أمر النبي ﷺ بإراقة الماء، ولما اختص الغسل بموضع الولوغ، لعموم اللفظ في الإناء كله.

المطلب الثاني - حكم الآبار:
الكلام في الآبار المتنجسة يشبه الكلام في الماء الذي خالطته نجاسة، ولا فرق بين الأمرين عند الجمهور، وفرق الحنفية بينهما في بعض الأحوال.

فقال المالكية (١):
 إذا وقعت دابة نجسة في بئر، وغيرت الماء، وجب نزح جميعه. فإن لم تغيره استحب أن ينزح منه بقدر الدابة والماء.
وقال الشافعية والحنابلة (٢): الماء الراكد والجاري سواء في التفرقة بين القليل والكثير، فما دون القلتين وهو القليل ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة المؤثرة، وإن لم يتغير. وأما الكثير وهو القلتان فأكثر، فلا ينجس بملاقاة نجس جامد أو مائع إن لم يتغير الماء، وإن غيره فنجس.
وبناء عليه قال الشافعية: إذا أريد تطهير الماء النجس نظر: فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين، طهر، بأن يزول التغير بنفسه، أو بأن يضاف إليه ماء آخر، أو بأن يؤخذ بعضه، لأن النجاسة بالتغير وقد زال.
وقال الحنابلة: المصانع أو البرك التي يجتمع فيها ماء كثير، لا تتنجس بشيء من النجاسات ما لم تتغير، أي يتغير لونها أو طعمها أو ريحها، فإن تغيرت بنجاسة كبول آدمي أو عذرته المائعة، نزحت، ولم يقدرا مقدارًا معينًا للماء
(١) القوانين الفقهية: ص٣٥.
(٢) المجموع:١٧٨/ ١ - ١٨٤، مغني المحتاج:٢١/ ١ - ٢٤، المغني:٣٩/ ١ - ٤١.
 
المنزوح، ثبت عن علي ﵁ بإسناد صحيح «أنه سئل عن صبي بال في بئر، فأمرهم أن ينزفوها» ومثل ذلك عن الحسن البصري. وسئل أحمد عن بئر بال فيها إنسان، قال: تنزح حتى تغلبهم. قلت: ما حده؟ قال: لا يقدرون على نزحها. أي فهم في نزح جميع ماء البئر كالمالكية.
واتفق الحنفية (١) مع الجمهور على أن الماء الكثير (وهو عشر في عشر) (٢) لاينجس إلا بظهور أثر النجاسة فيه، وأما الماء القليل فيتنجس ولو لم تتغير أوصافه. وقدروا استحسانًا مقادير معينة في نزح ماء البئر القليل، على النحو التالي:

أولًا - حالة بقاء الواقع في البئر حيًا: 
إذا سقط آدمي أو حيوان في بئر، وبقي حيًا:
لا ينجس البئر بوقوع آدمي فيه أو حيوان مأكول اللحم إذا خرج حيًا، ولم يكن على بدنه نجاسة. فإن كان عليه نجاسة تنجس الماء لوجود النجاسة.
وينجس البئر إذا وقع فيه خنزير، أو وصل إليه لعاب الكلب، أما لعاب سائر أنواع الحيوان غير المأكول اللحم كلعاب بغل وحمار وسباع طير ووحش إذا وصل إلى الماء، فيأخذ فيه الماء في الصحيح حكم الحيوان طهارة، وكراهة ونجاسة، فينزح بالنجس والمشكوك فيه وجوبًا، ويستحب في المكروه عدد من الدلاء، كما سيأتي. والنجس: هو سباع الوحش أو البهائم كالأسد والذئب، والمكروه: هو سباع الطير كالنسر والصقر، والمشكوك فيه: هو البغل والحمار.
(١) تبيين الحقائق:٢٨/ ١ ـ٣٠، الدر المختار ورد المحتار:١٩٤/ ١ ومابعدها، فتح القدير:٦٨/ ١ وما بعدها، مراقي الفلاح: ص٥ وما بعدها، اللباب شرح الكتاب:٣٠/ ١ - ٣٣.
(٢) أي أن مساحة الماء الكثير هي بمقدار عشرة أذرع طولًا، وعشرة أذرع عرضًا.
 
وقال الحنابلة (١): إذا وقعت الفأرة أو الهر ونحوهما في مائع أو ماء يسير، ثم خرجت حية، فهو طاهر.

ثانيًا - حالة موت الإنسان أو الحيوان في البئر: 
 أـ إذا مات الإنسان في البئر ينجس الماء عند الحنفية، لأن ابن عباس وابن الزبير أفتيا بمحضر من الصحابة بنزح ماء زمزم بموت زنجي فيه (٢).
وهذا مخالف لرأي غير الحنفية (٣) الذين يقولون بطهارة ماء البئر بموت الآدمي، ولو كان كافرًا، لقوله ﷺ: «المؤمن لاينجس» (٤).
ب - إذا كان الحيوان بريًا غير مائي كشاة وكلب ودجاجة وهرة وفأرة ومات في البئر، فإنه ينجس.
جـ - ولا ينجس البئر بموت حيوان لا دم له سائل كذباب وصرصور وخنفساء وزُنبور وبق وعقرب، أو بموت حيوان مائي كسمك وضفدع وتمساح وسرطان وكلب ماء وخنزيره، لقوله ﷺ: «إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن أحد جناحيه داء، وفي الآخر شفاء» رواه البخاري، وزاد أبو داود: «وإنه يتقي بجناحيه الذي فيه الداء» (٥) ولقوله ﵇: «يا سلمان، كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فيه، فهو حلال أكله، وشربه، ووضوؤه».
(١) المغني:٥٢/ ١.
(٢) راجع نصب الراية:١٢٩/ ١.
(٣) المغني:٤٦/ ١.
(٤) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي عن حذيفة بن اليمان بلفظ «إن المسلم لاينجس»، وقال ابن عباس: «المسلم لاينجس حيًا ولا ميتًا» (نيل الأوطار:٢٠/ ١،٥٦).
(٥) رواه أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه (نيل الأوطار:٢٠/ ١،٥٦).
 
ثالثًا - حالة وقوع النجاسة في الماء:
  أـ تنجس البئر الصغيرة بوقوع نجاسة فيها، وإن قلت، كقطرة دم وقطرة خمر، وبول وغائط، وينزح ماء جميع البئر، بعد إخراج عين النجاسة، وتطهر البئر والدلو والرشاء (الحل) والبكرة، ويد المستقي.
ب - ولا تنجس البئر بالبعر (للإبل والغنم) والروث (للفرس والبغل والحمار) والخنثِي (للبقر) إلا أن يستكثره الناظر أو ألا يخلو دلو عن بعرة ونحوها. وأما القليل فهو ما يستقله الناظر.
وذلك بدليل ما روى ابن مسعود ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ بحجرين وروثة، فأخذ الحجر، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس» (١).
ولا تنجس البئر بخُرْء حمام وعصفور ونحوها مما يؤكل من الطيور غير الدجاج والإوز والبط، استحسانًا؛ لأن ابن مسعود ﵁ مسح خرء الحمامة عنه بإصبعه.
والأصح أنه لا ينجس البئر بخرء الطيور غير المأكولة اللحم، مثل سباع الطير، لتعذر صونها، أي البئر عنه أي عن الخرء.
وقال الشافعية: روث جميع البهائم والطيور نجس، لأنه ركس، والركس: النجس.
وقال المالكية والحنابلة (٢): روث وبول الحيوان المأكول طاهر، وروث وبول محرم الأكل نجس.
(١) رواه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن ابن مسعود (نيل الأوطار:٩٨/ ١) والركس: النجس.
(٢) القوانين الفقهية: ص ٣٣.
 
مقدار الماء الواجب نزحه:
١ - يجب نزح ماء البئر كله أو مئتا دلو لو لم يمكن نزح البئر، إذا مات آدمي فيه، أو حيوان كبير مثل البغل والحمار والكلب أو الشاة ونحوها، أو إن انتفخ الحيوان في البئر أو تفسخ، سواء أكان صغيرًا أم كبيرًا، أو كانت الفأرة هاربة من الهرة أو مجروحة، وإن خرجت حية، أو كانت الهرة هاربة من الكلب أو مجروحة، لأن الفأرة والهرة تبول في هذه الحالة، والبول والدم نجاسة مائعة.
٢ - وينزح ما بين أربعين دلوًا إلى ستين دلوًا إذا كان الحيوان ذا حجم متوسط، مثل الحمامة والدجاجة والسنور (الهر). والأظهر ما ذكر في الجامع الصغير: وهو أربعون أو خمسون دلوًا، وفي الاثنين من هذه الحيوانات ينزح الماء كله. والأربعون واجب والخمسون مستحب.
٣ - وينزح من البئر عشرون دلوًا أو ثلاثون بحسب كُبْر الدلو وصُغْرها (١)، إذا مات فيها حيوان صغير كالعصفور والفأر وسام أبرص ونحوها. ونزح العشرين واجب، والثلاثين مستحب أي أنه إذا كان الواقع كبيرًا والبئر كبيرة فالعشرة مستحبة، وإن كانا صغيرين فالاستحباب دون ذلك، وإن كان أحدهما صغيرًا والآخر كبيرًا، فخمس مستحبة، وخمس دونها في الاستحباب.
هذا وقد روي عن أنس أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها: ينزح منها عشرون دلوًا. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال في الدجاجة إذا ماتت في البئر: ينزح منها أربعون دلوًا (٢).

حجم الدلو: 
 المعتبر في حجم الدلو: دلو تلك البئر، فإن لم يكن فالمعتبر
(١) هذا ماجاء في الهداية، والمذكور في الكتاب للقدوري: بحسب كبر الحيوان وصغره.
(٢) راجع الأثرين في نصب الراية:١٢٨/ ١.
 
دلو: يسع صاعًا، أي حوالي (٢و٢/ ١) كغ أو (٧٥،٢) ليترًا، وغير هذا الدلو المذكور، بأن كان أصغر أو أكبر يحتسب به، فلو نزح القدر الواجب بدلو واحد كبير، أجزأ، في ظاهر المذهب الحنفي، لحصول المقصود.
ويكفي ملء أكثر الدلو، كما يكفي نزح الموجود في البئر ولو كان دون القدر الواجب.
ويمكن تطهيرها بتغويرها أي بفتح مصرف أو حفر منفذ يخرج منه بعض الماء. وإذا وجد في الماء حيوان ميت، فيحكم بموته من يوم وليلة إذا لم يكن منتفخًا، ومن ثلاثة أيام بلياليها إذا كان منتفخًا، فيلزم إعادة صلوات تلك المدة إن توضؤوا منها عن حدث، وغسلوا الثياب وكل شيء أصابه ماؤها.

المبحث السادس - أنواع الأعيان الطاهرة:
جميع ما في الكون إما جماد، أو حيوان، أو فضلات. والأصل في الأشياء الطهارة، ما لم تثبت نجاستها بدليل شرعي. والفقهاء متقاربون في الحكم بطهارة الأعيان، فاتفقوا على أن الجماد (وهو كل جسم لم تحله الحياة ولم ينفصل عن حي) (١) كله طاهر إلا المسكر، فجميع أجزاء الأرض الجامدة والمائعة وما تولد منها طاهرة، ومن الجامد: المعادن كالذهب والفضة والحديد ونحوها، وجميع أنواع النبات ولو كان سامًا أو مخدرا ً كالحشيش والأفيون والبنج، ومن المائع: المياه والزيوت وعسل القصب وماء الأزهار والطيب والخل. واتفقوا أن كل جاف طاهر، وأن نافجة (وعاء) المسك طاهر كالمسك، وأن الزبَاد والعنبر (٢) طاهر، وأن شعر الحيوان المأكول طاهر، وأن الخمر المتخللة بنفسها طاهرة.
(١) أما المنفصل عن الحي كالبيض والسمن وعسل النحل فليس من الجماد، لانفصاله عنه، وهو طاهر.
(٢) الزباد: مادة عطرة تتخذ من دابة كالسنور هي أكبر منه قليلًا. والعنبر: يقال: إنه روث دابة بحرية.
 
كما اتفقوا على طهارة الحيوان المذكى ذكاة شرعية، وعلى طهارة ميتة السمك والجراد، وعلى طهارة ميتة الآدمي ولو كافرًا إلا الحنفية، فقالوا بنجاستها؛ لقوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ [الأسراء:٧٠/ ١٧]، وتكريمهم يقتضي طهارتهم ولو أمواتًا، ولقوله ﷺ: «إن المسلم - أي يحكم الغالب - لا ينجس». أما قوله: ﴿إنما المشركون نجس﴾ [التوبة:٢٨/ ٩]، فيراد به نجاسة الاعتقاد، أو أن اجتنابهم كالنجس، لا نجاسة الأبدان.

واختلفوا في أشياء، فقال الحنفية (١): 
 كل شيء من أجزاء الحيوان غير الخنزير لا يسري فيه الدم من الحي والميت المأكول وغير المأكول حتى الكلب: طاهر، كالشعر، والريش المجزوز، والإنفحة الصلبة (٢)، والمنقار والظلف، والعصب على المشهور، والقرن والحافر، والعظم ما لم يكن به دسم (وَدَك)؛ لأنه نجس من الميتة، فإذا زال عن العظم زال عنه النجس، والعظم في ذاته طاهر، لما أخرج الدارقطني: «إنما حرم رسول الله ﷺ من الميتة لحمها، فأما الجلد والشعر والصوف، فلا بأس به». ويدخل فيه شعر الإنسان غير المنتوف، وعظمه وسنه مطلقًا على المذهب، أما الشعر المنتوف فنجس، لأن كل ما أبين من الحي فهو كميتته.
وأما دمع الحي وعرقه ولعابه ومخاطه فكالسؤر طهارة ونجاسة، والمذهب طهارة لعاب بغل وحمار، وكراهة لعاب سباع الطير وسواكن البيوت كالفأرة
(١) مراقي الفلاح: ص٢٦،٢٨، الدر المختار: ١٥٤/ ١،١٨٨ - ١٩٣،٢٩٥،٣٢٣، البدائع:٦١/ ١ - ٦٥.
(٢) الإنفحة شيء يستخرج من بطن الجدي الراضع أصفر، يعصر في صوفة ويغلظ به الجبن. والإنفحة الصلبة متفق على طهارتها، أما الإنفحة المائعة واللبن في ضرع الميتة فطاهران عند أبي حنيفة، نجسان عند الصاحبين، والأظهر قولهما كما أوضح ابن عابدين.
 
والعقرب والهرة ونحوها، ونجاسة لعاب وسؤر الخنزير والكلب وسائر سباع الوحش.
ولعاب الآدمي كسؤره طاهر، إلا في حال شرب الخمر لنجاسة فمه، ويطهر فمه بالغسل أو شرب الماء من ساعته، أو بابتلاع بزاقه ثلاث مرات.
ورطوبة الفرج طاهرة عند الإمام خلافًا لصاحبيه: وهي رطوبة الولد عند الولادة، ورطوبة الخلة (الخل) إذا خرجت من أمها، وكذا البيضة، فلا يتنجس بها الثوب ولا الماء، لكن يكره التوضؤ به. وميتة الحيوان البري الذي ليس له دم سائل كالذباب والسوس والنمل والعقرب والزنبور والبرغوث: طاهرة.
وخرء الطيور المأكولة اللحم التي تذرق في الهواء كالحمام والعصفور والعَقْعق (القاق) ونحوها: طاهر، لأن الناس اعتادوا اقتناء الحمامات في المسجد الحرام والمساجد الجامعة، مع علمهم أنها تذرق فيها، ولو كان نجسًا لما فعلوا ذلك، مع الأمر بتطهير المسجد في قوله تعالى: ﴿أن طهرا بيتي للطائفين﴾ [البقرة:١٢٥/ ٢]، وروي عن ابن عمر: «أن حمامة ذرقت عليه، فمسحه وصلى» وعن ابن مسعود مثل ذلك في العصفور.
وكذلك خرء ما لا يؤكل لحمه كالصقر والبازي والحدأة ونحوها، طاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف، للضرورة المتحققة، لأنها تذرق في الهواء، فيتعذر صيانة الثياب والأواني عنها.
ودم السمك طاهر عند أبي حنيفة ومحمد، لإجماع الأمة على إباحة تناوله مع دمه، ولو كان نجسًا لما أبيح، ولأنه ليس بدم حقيقة، بل هو ماء تلون بلون الدم؛ لأن الدموي لا يعيش في الماء.
 
والدم الذي يبقى في العروق واللحم بعد الذبح طاهر؛ لأنه ليس بمسفوح، ولهذا حل تناوله مع اللحم. ولو لف ثوب جاف طاهر في ثوب نجس رطب لاينعصر الرطب لو عصر، لا ينجس، كما لا ينجس ثوب رطب نشر على أرض نجسة يابسة، فتندت الأرض منه ولم يظهر أثرها فيه. ولا ينجس الثوب بريح هبت على نجاسة، فأصابت الريح الثوب، إلا أن يظهر أثر النجاسة فيه.

وقال المالكية (١): 
كل حي ولو كلبًا وخنزيرًا طاهر ولو أكل نجسًا، وكذا عَرَقه ودمعه، ومُخَاطه، ولعابه الخارج من غير المعدة (٢)، وبيضه، إلا البيض المَذِر وما خرجه بعد موته، والبيض المذر: وهو ما تغير بعفونة أو زرقة، أو صار دمًا: نجس، بخلاف الممروق: وهو ما اختلط بياضه بصفاره من غير نتونة. وما خرج من الحيوان من بيض أو مخاط أو دمع أو لعاب بعد موته بلا ذكاة شرعية، يكون نجسًا، إذا كانت ميتة الحيوان نجسة.
ومن الطاهر: بَلْغم: وهو ما يخرج من الصدر منعقدًا كالمخاط، وكذا ما يسقط من الدماغ من آدمي أو غيره.
ومنه: الصفراء: وهي ماء أصفرملتحم، يخرج من المعدة يشبه الصبغ الزعفراني، لأن المعدة عندهم طاهرة، ما لم يستحل إلى فساد كالقيء المتغير.
ومن الطاهر: ميتة الآدمي، ولو كان كافرًا على الصحيح، وميتة ما لا دم له من جميع هوام الأرض، كعقرب وجندب وخنفس، وجراد، وبرغوث، بخلاف ميتة القمل، والوزغ (غراب الزرع) والسحالي من كل ماله لحم ودم، تكون نجسة، ولكن لا يؤكل الجراد إلا بما يموت به من ذكاة ونحوها. أما دود الفاكهة والمِش
(١) الشرح الكبير:٤٨/ ١ ومابعدها، الشرح الصغير:٤٣/ ١ ومابعدها، بداية المجتهد:٧٤/ ١.
(٢) أما الخارج من المعدة فنجس. وعلامته أن يكون أصفر منتًا.
 
(الجبن المعتق في اللبن والملح)، فيؤكل قطعًا ولو بدون ذكاة. ويعفى عن القملتين والثلاث للمشقة.
ومنه: ميتة الحيوان البحري من السمك وغيره، ولو طالت حياته بالبر كتمساح وضفدع وسلحفاة بحرية، ولو على صورة الخنزير والآدمي.
ومنه: جميع ما ذُكِّي بذبح أو نحر أو عقر من غير مُحَّرم الأكل. أما محرم الأكل كالخيل والبغال والحمير، فإن الذكاة لا تطهره على مشهور المذهب (١) كما قرر الدردير والصاوي، وكذا الكلب والخنزير لا تطهره الذكاة، فتكون ميتة ما ذكر نجسة، ولو ذكي.
ومن الطاهر: الشعر والوبر والصوف ولو من خنزير، وكذا زغب الريش: وهو ما اكتنف القصبة من الجانبين.
ومنه: الجماد إلا المسكر، كما بينت في الأعيان المتفق على طهارتها، أما المسكر فنجس سواء أكان خمرًا أم من نقيع الزبيب أو التمر ونحوه. وأما المخدر كالحشيشة والأفيون والسيكران، فطاهر لأنه من الجماد، ويحرم تعاطيه لتغييبه العقل، ولايحرم التداوي به في ظاهر الجسد.
ومنه: لبن الآدمي ولو كافرًا، ولبن غير محرم الأكل، ولو مكروهًا كالهر والسبع، أما لبن محرم الأكل كالخيل والبغال والحمير فهو نجس. ومنه: فضلة الحيوان المباح الأكل، من روث وبعر وبول وزبل دجاج وحمام وجميع الطيور، مالم يستعمل النجاسة؛ فإن استعملها أكلًا أو شربًا، ففضلته نجسة.
(١) أما مكروه الأكل كسبع وهر: فإن ذكي لأكل لحمه طهر جلده تبعًا له، وإن ذكي بقصد أخذ جلده فقد طهر ولايؤكل لحمه لأنه ميتة بناء على تبعيض الذكاة وهو الراجح (الشرح الكبير: ٤٩/ ١).
 
والفأرة من المباح أكله، ففضلتها طاهرة، إن لم تصل للنجاسة، ولو شكًا؛ لأن شأنها استعمال النجاسة كالدجاج. بخلاف الحمام، فلا يحكم بنجاسة فضلته، إلا إذا تحقق أو ظن استعمالها للنجاسة.
ومن الطاهر: مرارة المذكَّى غير محرم الأكل من مباح أو مكروه. والمراد بها: الماء الأصفر الكائن في الجلدة المعلومة للحيوان. ومنه: القَلَس: وهو ما تقذفه المعدة من الماء عند امتلائها. والقيء طاهر ما لم يتغير عن حالة الطعام بحموضة أو غيرها، فإن تغير فنجس.
ومنه: المسك وفأرته: وهي الجلدة المتكون فيها. وكذا الخمر إذا خلل بفعل فاعل أو حُجِّر أي صار كالحجر في اليبس أو تخلل بنفسه أو تحجَّر بنفسه، ويطهر معه وعاؤه وما وقع فيه. ومنه: زرع سقي بنجس، لكن يغسل ظاهره المتنجس.
ومن الطاهر: رماد النجس، كالزبل والروث النجسين، والوقود المتنجس فإنه يطهر بالنار. وكذا دخان النجس طاهر على المعتمد.
ومنه: الدم غير المسفوح، أي الجاري من المذكى: وهو الباقي بالعروق، أو في قلب الحيوان، أو ما يرشح من اللحم؛ لأنه كجزء المذكى، وكل مذكى وجزئه طاهر. لكن ما بقي على محل الذبح هو من باقي المسفوح،: نجس، وكذا ما يوجد في بطن المذبوح من الدم بعد السلخ: نجس، لأنه جرى من محل الذبح إلى البطن، فهو من المسفوح.

وقال الشافعية (١):
  الحيوان كله طاهر إلا الكلب والخنزير وفرع كل منهما، والجماد كله طاهر إلا المسكر.
(١) مغني المحتاج:٨٠/ ١ ومابعدها، شرح الباجوري:١٠٥/ ١،١٠٨، شرح الحضرمية: ص٢٢، المهذب:١١/ ١، المجموع:٥٧٦/ ٢.
 
والعلقة (دم غليظ) والمضغة (لحمة صغيرة) ورطوبة الفرج (وهي ماء أبيض متردد بين المذي والعرق) من كل حيوان طاهر، ولو غير مأكول، من آدمي أو غيره: طاهرة. ومن الطاهر: لبن المأكول، ولو ذكرًا صغيرًا ميتًا، وإنفحته (١) إن أُخذت منه بعد ذبحه، ولم يطعم غير لبن ولو نجسًا. ومترشح كل حيوان طاهر كعرق ولعاب ومخاط وبلغم، إلا المتيقن خروجه من المعدة. وماء قروح ونَفَط (بثور) لم يتغير، والبيض المأخوذ من حيوان طاهر ولو من ميتة إن كان متصلبًا، ولو من غير مأكول، ولو استحالت البيضة دمًا، وبزر القز: وهو البيض الذي يخرج منه دود القز.
ومنه ميتة الحيوان البحري وإن لم يسمَّ سمكًا إلا التمساح والضفدع والحية فإنها نجسة. أما ميتة الجراد فهي طاهرة، وأما ميتة غيره من الحيوان البري الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث فهي نجسة.
ومنه: المسك وفأرته المنفصلة في حياته، أو بعد ذكاته. ومنه: الزَّبَاد (نوع من الطيب يؤخذ من حيوان كالسنور) لا ما فيه من شعر السنور البري، والعنبر (هو نبت أو روث بحري وهو الطيب المعروف) وإن ابتلعه حوت، ما لم يستحل.
ومن الطاهر إجماعًا كما بينت: شعر أو صوف أو ريش أو وبر الحيوان المأكول، ولو أخذ نتفًا بعد التذكية، أو في حال الحياة. أما لو أخذ بعد الموت فنجس، كما أن الشعر المجزوز من حيوان غير مأكول: نجس كميتته.
ويعفى عن قليل من دخان النجاسة، وعن اليسير عرفًا من شعر نجس من غير كلب أو خنزير، كما يعفى عن كثير الشعر من مركوب لعسر الاحتراز عنه. ويعفى
عن روث سمك في ماء ما لم يغيره لتعذر الاحتراز عنه. ويعفى
(١) الإنفحة: لبن في جوف نحو سخلة، وهي طاهرة للحاجة إليها في عمل الجبن.
 
عن قليل بخار النجاسة المتصاعد بواسطة نار نجس. أما البخار الخارج من نجاسة الكنيف، والريح الخارج من الدبر، فطاهر.
والثمر والشجر والزرع النابت من نجاسة، أو سقيت بماء نجس: طاهر، لكن يطهر ظاهر الزرع النابت على نجاسة بالغسل.

وقال الحنابلة (١):
 الطاهر: دم عِرْق مأكول بعدما يخرج بالذبح، وما في خلال اللحم؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، ودم السمك وبوله؛ لأنه لو كان نجسًا لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح، ولأنه يستحيل ماء، ولأنه كالكبد.
ودم الشهيد، ولو كثر إذا لم ينفصل عنه.
ودم بق وقمل وبراغيث وذباب ونحوها من كل ما لا نفس له سائلة.
والكبد والطحال من مأكول. لحديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان».
ودود القز وبزره.
والمسك وفأرته (سرة الغزال).
والعنبر (٢)، لما ذكر البخاري عن ابن عباس: «العنبر شيء دسره البحر» أي دفعه ورمى به، وهو الطيب المعروف.
وما يسيل من فم وقت النوم، والبخار الخارج من الجوف، لأنه لا تظهر له صفة بالمحل، ولا يمكن التحرز منه.
(١) كشاف القناع:٢١٩/ ١ - ٢٢٠، غاية المنتهى:١٤/ ١
(٢) العنبر: مادة صلبة، لاطعم لها ولاريح إلا إذا سحقت أو أحرقت، يقال: إنه روث دابة بحرية.
 
والبلغم ولو أزرق، وسواء أكان من الرأس أم الصدر أم المعدة، لأن النبي ﷺ فيما يرويه مسلم أشار بمسحه في الثوب أثناء الصلاة.
وبول ما يؤكل لحمه، أما العلقة التي يخلق منها الآدمي أو يخلق منها حيوان طاهر، فإنها نجسة؛ لأنها دم خارج من الفرج. وكذلك البيضة المذرة (أي الفاسدة) أو البيضة التي صارت دمًا: نجسة، لأنها أي الأخيرة في حكم العلقة.
ومن الطاهر: الدم والعرق واللعاب والمخاط من حيوان يؤكل، أو من غيره إذا كان مثل الهر أو الفأر أو أقل منه، وألا يكون متولدًا من النجاسة.
ومنه: ميتة الحيوان البحري، وإن لم يسم سمكًا، إلا التمساح والضفدع والحية، فإنها نجسة، كما قال الشافعية. كما أن ميتة الحيوان البري ما عدا الجراد الذي ليس له دم يسيل كالذباب والنمل والبرغوث نجسة، كما قال الشافعية.
ومن الطاهر: الشعر ونحوه من كل حيوان مأكول اللحم حيًا كان أو ميتًا، أو من غير مأكول اللحم إذا كان قدر الهر فأقل، ولم يتولد من نجاسة، لكن أصول الشعر والريش نجسة مطلقًا.

عن الكاتب

Ustadz Online

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

الكتب الإسلامية