Friday, August 16, 2013

التصوف الإسلامي تجربة أبي حامد الغزالي

Tags

التصوف الإسلامي تجربة أبي حامد الغزالي



كتاب تجربة أبي حامد الغزالي الصوفية من خلال كتابه المنقذ من الضلال

محتويات

المبحث الثاني: التصوف الإسلامي

إن التصوف حركة دينية انتشرت في العالم الإسلامي كنزعات فردية تدعو إلى الزهد وشدة العبادة كرد فعل مضاد للإنغماس في الترف الحضاري. ثم تطورت تلك النزعات حتى صارت طرقا مميزة معروفة باسم"الصوفية". و لا شك أن ما يدعو إليه الصوفية من الزهد و الورع و التوبة و الرضا، إنما هي أمور من الإسلام الذي يحث على التمسك بها و العمل من أجلها، و لكن الصوفية في ذلك يخالفون مادعا إليه الإسلام، و ذلك راجع إلى ابتداع مفاهيم و سلوكيات مخالفة لما كان عليه النبي (ص) وصحابته.

المطلب الأول: معنى الصوفية-اسم التصوف

أول مشكلة تثار بالنسبة إلى التصوف الإسلامي، هي مشكلة إسمه، من أين اشتق، شأنه شأن علم-الكلام- وهذا ما سنراه من خلال هذا المطلب. فالسراج يعقد فصلا بعنوان:"باب الكشف عن اسم الصوفية، ولم سموا بهذا الإسم، ولم نسبوا إلى هذه الألبسة". يبدأه بالسؤال عن السبب في تسمية الصوفية بهذا الإسم، دون نسبتهم إلى حال و لا إلى علم معين. كما ينسب الفقهاء إلى الفقه و أصحاب الحديث إلى الحديث.

و من هذا نرى أن رأي السراج لا يخرج عن هذه المفاهيم التالية:
1. أن اسم الصوفية مشتق من الصوف، بوصفه اللبسة الغالبة على هؤلاء.
2. و أنه اسم قديم، قد وجد حتى قبل الإسلام.
3. إنهم لم ينسبوا إلى حال معينة أو علم معين لأنهم يتخلقون بكل الأخلاق الفاضلة ويتسمون بكل الأحوال الشريفة، فلا محل لتمييزهم بحال دون حال، ولا بخلق دون خلق.

و عبد الرحمن الجامعي يرى أن اول من حمل اسم "صوفي"هو أبوها شم الكوفي، الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، ويرى أن هذا الإسم انتشر قبل سنة مائتين للهجرة (715م).
ويبقى رأي السراج هو أرجح الآراء، و إن طعن فيه القشيري على أساس أن الصوفية لم يختصوا بلباس الصوف دون غيره من الأقمشة30.

أما الآراء الأخرى الواردة في المصادر العربية فبعيدة الإحتمال، ونذكر أهمها هنا على سبيل الإستقصاء فحسب:

1. الصفة: و هي "المقعد"، حيث سموا بذلك نسبة إلى اهل الصفة، وكان لقبا أعطي لبعض فقراء المسلمين في عهد الرسول(ص) ممن لم تكن لهم بيوت يؤون إليها فامر الرسول (ص) ببناء فناء ملحق بالمسجد من أجلهم، وهذا يوضح ادعاء المتصوفة بربط التصوف بعصر النبي (ص) و أنه أقر النواة الصوفية الأولى، مع العلم أن أهل الصفة ما كانوا منقطعين عن الناس لأجل الزهد الصوفي.
2. الصفاء: ومعناها أن الصوفية صافية من الشرور و شهوات الدنيا، وهذا الإشتقاق غير صحيح لغويا فبالنسبة إلى الصفاء: صفوي أو صفاوي أو صفائي وليس صوفيا.
3. الصف الأول: بعض الصوفية ينسبون أنفسهم إلى الصف الأول من المؤمنين في الصلاة، وهذا التعبير بعيد عن سلامة الإشتقاق اللغوي بالنسبة إلى الصف: صفي لا صوفي.
4. بني صوفة: بعضهم ينسبون الصوفية إلى بني صوفة وهي قبيلة بدوية كانت تخدم الكعبة في الجاهلية.
5. الصوفة: و البعض منهم ينسبونها إلى "صوفة" وهي خصلة الشعر على القفا.
6. الصفوانة: ومنهم ينسبون الصوفية إلى "الصفوانة" وهي نوع من البقل.
وكما لاحظ القشيري فإن هذه الآراء لا يشهد لها اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، وكلها بعيدة من جهة القياس اللغوي31.

المطلب الثاني: نشأة التصوف الإسلامي و العوامل التي أثرت فيه

لا يعرف على وجه التحديد من أول متصوف في الإسلام، ويقال بأن التصوف كان أول ما ظهر في الكوفة بسبب قربها من بلاد فارس، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" إن أول من عرف بالصوفي هو أبوهاشم الكوفي سنة 150هـ". وقد بلغ التصوف دروته في نهاية القرن الثالث وواصلت الصوفية انتشارها في بلاد فارس ثم العراق ومصر و المغرب، وظهرت من خلالا الطرق الصوفية.

ويذكر ابن خلدون أن التصوف احد العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله العكوف على العبادة و الإنقطاع إلى الله تعالى، و الإعراض عن زخارف الدنيا وزينتها، و الإنفراد عن الخلق، وهذه الصفات كانت عامة في الصحابة و السلف، ولما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية و المتصوفة32.

وليس من الصواب أن نرجع كل ظاهرة في بيئة ما إلى عوامل خارجة عنها فنهمل بذلك العوامل الداخلية، بل يجــــــب النظـر أولا إلى البيئة العقليــــة و الدينية و السياسيـــــــة و الإجتماعية التي نشأت فيها تلك الظاهرة الكبرى –التصوف- التي غيرت مجرى تاريخ الإسلام33.
و التصوف من حيث هو –سواء أكان إسلاميا او غير إسلامي- استبطان منظم للتجربة الدينية، و لنتائج هذه التجربة في الرجل الذي يمارسها، فهو ظاهرة إنسانية ذات طابع روحي لا تحده حدود مادية زمانية أو مكانية. وليس وفقا على أمة بعينها، و لا على لغة أو جنس من الأجناس البشرية.
وهكذا يجب أن نعترف بالمؤثرات الخارجية في صورها العامة لا في تفاصيلها.

فمما لا شك فيه أن الفلسفة الإسلامية و التصوف الإسلامي قد تأثر بعوامل خارجية، وتيارات فكرية وصلت إلى بيئات المسلمين من ثقافات غير إسلامية متعددة، ولكن تفاصيل المذاهب الفلسفية الإسلاميــة و النظريات الصوفية الإسلامية من عمل المسلميـــــن أنفسهم، و النتائج التي رتبوها على الذاهب التي استعاروها تختلف في جوهرها عن النتائج التي رتبها عليها أصحاب تلك المذاهب و النظريات أنفسهم34.

و الذي أريد أن أشير إليه هو أن تاريخ التصوف في الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخ الإسلام نفسه، وهو مظهر من مظاهر الحياة الدينية.

المطلب الثالث: حقيقة التصوف الإسلامي ومدى انطباقها عليه:

في الحقيقة أن التصوف يقوم في جوهره على أساسين:
1. التجربة الباطنية المباشرة للإتصال بين العبد وربه.
2. إمكان الإتحاد بين الصوفي و بين الله.

أما الأساس الأول:
وهو التجربة الصوفية، فيقتضي القول بملكة خاصة غير العقل المنطقي، وهي التي يتم بها هذا الإتصال، و فيها تتأحد الذات و الموضوع، و تقوم فيها اللوائح و اللوامع مقام التصورات و الأحكام و القضايا في المنطق العقلي. و المعرفة فيها معاشة، لا متأملة. ويغمر صاحبها شعور عارم بقوى تضطرم فيه، وتغمره كفيض من النور الباهر، و يبدو له أيضا أن قوى عالية قد غزته وشاعت في كيانه الروحي، وهو لهذا يسميها واردات،ونفحات علويــة، و في مرتبة أدنى تدعى خواطر.
ومن هنا يشعر صاحب هذه التجربة بإثرا، في كيانه الروحي، و تحرر في أفكاره وخواطره، انطلاقا لطاقات حبيسة عميقة الغور في نفسه.

ويدخل في هذه التجربة الباطنة عنصر سلبي وهو محاولة الكشف عن حقائق الرياء و الشهوة الخفية و الشرك الخفي ووساوس الشيطان و النفس الأمارة بالسوء، و الخواطر المذمومة35.

أما الأساس الثاني:
فضروري جدا في مفهوم التصوف، و إلا كان مجرد اخلاق دينية. ويقوم على توكيد المطلق، أو وجود الحق، أو الموجود الواحد الأحد الذي يضم في حضنه كل الموجودات.
ومن هنا كان طريق التصوف سلما صاعدا ذا درجات نهايتها عند الذات العلية، وكان سفرا يرقى في معارج حتى ذروة الإتحاد.

وذلك أن التصوف الإسلامي منذ رابعة العدوية في الثلث الثاني من القرن الثاني للهجرة قد قام على أساس منهج استبطان كامل للنفس في علاقتها بالله، وعلى أساس محاولة اتحاد بالمطلق أو على الأقل إيجاد صلة عشق له تسمح إذا ما تعــــالت إلى الإتحـــــــاد مـــع الذات. و التطور في هذا السبيل واضح مستقيم صعدا من فكرة العشق الإلهي عند رابعة العدوية.
و تحليل أحوال النفس كان منذ البداية مطلبا أساسيا لهذا التصوف: نجده عند رابعة و عند المحاسبــــــي و الكرخي و الجنيد و الحلاج، و يزداد عمقا وتدقيقــــا لدى المكـــي و الهروي و الغزالي و ابن عربي...، حتى أصبح الشطر الأكبر في كتب التصوف مخصصا لتحليل أحوال النفس في ملابستها مع أمور الحياة36.

المطلب الرابع: النظريات التي قيلت في أصل التصوف

لقد قسم الباحثون النظريات التي قيلت في نشأة التصوف الإسلامي إلى أربع نظريات وهي:
أولا: النظرية القائلة بأن التصوف تعبير عن الناحية الباطنية في الإسلام. وهذا ادعاء الصوفية أنفسهم لانهم يعتبرون انفسهم ورثة الرسول (ص) أي ورثة العلم الباطني. فالتصوف بهذا المعنى إدراك باطني لحقائق الشريعة المعبر عنها بلسان الظاهر.

ثانيا: النظرية القائلة بأن التصوف رد فعل للعقل الآري ضد دين سامي فرض عليه فرضا، ولهذه النظرية صورتان:

أ‌. الصورة الهندية: و القائلون بها يرون أوجه الشبه بين بعض النظريات الصوفية في أرقى أشكالها و بين " الفيدانتا": ولكنه شبه ظاهري لا حقيقي. لأن الفناء الصوفي الإسلامي –وهو أخص مظاهر التصوف- يختلف عن " النرفانا" الهندية.

و لا يوجد من الناحية التاريخية ما يؤيد أي اتصال بين المسلمين و الهند قبل ظهور التصوف. لكن هذا لا يعني أنه لم يكن لبعض الأفكار الهندية أثر في متأخري الصوفية.

ب‌. الصورة الفارسية: و هي التي يدعي أصحابها أن التصوف الإسلامي نتاج فارسي في نشأته وتطوره، ولكنها أيضا دعوى لا تقوم على أساس من التاريخ. ولقد كان عدد كبير من أوائل الصوفية من أصل فارسي، ولكن أغلب متأخريهم كانوا من أصل عربي كابن عربي وابن الفارض.

وسواء قيل إن أصل التصوف الإسلامي هندي أو فارسي، فإن السبب فيه راجع إلى تعصب فكرة الآرية ضد السامية، وادعاء من جهة المتعصبين بأن العقلية السامية ليست أهلا للفلسفة و لا للتصوف و لا للعلوم و الفنون، و لذلك تنكر نظرياتهم في التصوف الإسلامي كل أصالة، وتجعل منه نتاجا للتفاعل السلالي و اللغوي و القومي للشعوب الآرية التي غزاها الإسلام.

ثالثا:نظرية الأفلاطونية الحديثة: و هي نظرية قالها " مركس" في كتابه " التاريخ العام للتصوف ومعالمه37".

ونجد أن " نيكولسون" قد اعتمد في دفاعه عن هذه النظرية على ما انتهى إليه بحثه في تصوف ذي النون المصري الذي كان لا شك متأثرا بالأفكار الأفلاطونية الحديثة الشائعة في تراث عصره، و إن كان لا يمثل التصوف الإسلامي برمته. و الظاهر أنه تحول عن نظريته بعد ذلك حيث قال: "وجملة القول أن التصوف في القرن الثالث –شأنه في ذلك شأن التصوف في أي عصر من عصوره-قد ظهر نتيجة لعوامل مختلفة أحدثت فيه أثرها مجتمعة: أعني بهذه العوامل البحوث النظرية في معنى التوحيد الإسلامي، و الزهد و التصوف المسحـــيين و مذهب الغنوصية، و الفلسفة اليونانية و الهندية و الفارسية".
ثم يبدو له خطأ إرجاع نشأة التصوف الإسلامي إلى أصل واحد فيقول: " وقد عولجت مسألة نشأة التصوف في الإسلام إلى الآن معالجة خاطئة، فذهب كثير من أوائل الباحثين إلى القول بأن هذه الحركة العظيمة التي استمدت حياتها وقوتها من جميع الطبقــات و الشعــــوب و التي تألفت منها الإمبراطورية الإسلامية يمكن تفسير نشأتها تفسيرا علميا دقيقا و إرجاعها إلى أصل واحد "كالفيدانتا" الهندية أو الأفلاطونية الحديثة38".

لقد أخفقت هذه النظريات كلها في تفسير نشأة التصوف و تطوره في الإسلام، لأن كل واحدة منها تحاول أن ترد هذه الحركة الكبيرة المعقدة إلى أصل واحد. ويبقى في كل واحدة من هذه النظريات شيء من الحق. ولكن لا واحدة منها تعبر عن الحقيقة كاملة.
______________________

المراجع

[30] د.عبد الرحمن بدوي-تاريخ التصوف الإسلامي-ط I –ص:7
[31] د. عبد الرحمن بدوي- نفس المصدر-ص:9.
[32] أحمد الشرباصي-الغزالي و التصوف الإسلامي-ص:150.
[33] د. أبو العلا عفيفي- التصوف الثورة الروحية في الإسلام-الطبعة I .ص : 57.
[34] د.أبو العلا عفيفي-نفس المصدر السابق-ص:57.
[35] د. عبد الرحمن بدوي-تاريخ التصوف الإسلامي-ص:19.
[36] نفس المصدر السابق-ص:20.
[37] د.أبو العلا عفيفي –التصوف: الثورة الروحية في الإسلام- طi ص:60و61.
[38] نفس المصدر –ص:62و63


EmoticonEmoticon