Monday, August 26, 2013

المحاسبة الخوف الرجاء الصدق في الإسلام

Tags

المحاسبة الخوف الرجاء الصدق



محتويات

2- المحاسبة

وهي تهيئة الوازع الديني في النفس، وتربيتها على تنمية اللوم الباطني الذي يجردها من كل ما يقف أمامها عقبة في طريق الصفاء والمحبة والإيثار والإخلاص. وللصوفية في هذا المقام قدم راسخة وجهاد مشكور، وهم على أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ينهجون منهجه، ويهتدون بهديه. قال صلى الله عليه وسلم: “الكيِّسُ من دان نفسَه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَنْ أتْبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني” [رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة عن شداد بن أوس رضي الله عنه وقال: حديث حسن. الكيس: العاقل. دان نفسه: حاسبها].

ومن حاسب نفسه لا يترك لها سبيلاً إلى الاشتغال بالباطل، إذ هو يشغلها بالطاعات، ويلومها على التقصير مع الله تعالى خشية منه، فكيف تجد سبيلاً إلى اللهو والبطالة؟!
قال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (من الخشية تكون المحاسبة، ومن المحاسبة تكون المراقبة، ومن المراقبة يكون دوام الشغل بالله تعالى) [“البرهان المؤيد” للسيد أحمد الرفاعي ص56].

وما أشبه حال الصوفية في هذا بما كان يأخذ به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من تربية روحية خالصة تغرس في نفوسهم اللوم الباطني؛ فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً من بيته، يطوي بطنه على الجوع، فالتقى بصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فعلم منهما أن أمرهما كأمره، وأنهما لا يجدان قوت يومهما، والتقى بهم رجل من الأنصار، لم تخدعه بشاشتُهم، فعلم أمرهم فاستضافهم، فلما وصلوا إلى منزله وجدوا تمراً وماءً بارداً وظلاً وارفاً، فلمَّا تبلَّغوا بتمرات، وشربوا من الماء، قال صلوات الله وسلامه عليه: “هذا من النعيم الذي تُسألون عنه” [“تفسير ابن كثير” ج4/ص545 موجزاً].

أيٍّ نعيم هذا حتى يُسألوا عنه، ويُحاسَبوا عليه؟! بضع تمرات، وجرعة ماء تنقع الغليل، يعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم من النعيم الذي يسألهم ربهم عنه يوم القيامة. أليس في هذه اللفتة الكريمة من الرسول صلى الله عليه وسلم نفحة ترمي إلى طبع النفس بطابع الوازع القوي والإحساس المرهف والشعور الدقيق والتبعة الكبرى والمسؤولية الضخمة في كل تصرف تهدف إليه النفس بين حين وآخر؟
وإن المحاسبة لتثمر الشعور بالمسؤولية تجاه الله تعالى وتجاه خلقه، وتجاه النفس المكلفة بالتكاليف الشرعية من أوامر ونواهٍ. فبالمحاسبة يفهم الإنسان أنه ما وُجد عبثاً، وأنه لا بدَّ راجع إلى الله تعالى، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة” [رواه مسلم في كتاب الزكاة عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، والترمذي في كتاب صفة القيامة].

فينبثق من قلبه الرجوع الاختياري بالتوبة النصوح، ويترك الشواغل الفانية التي تشغله عن خالقه تعالى، ويفر إلى الله من كل شيء: {فَفِرُّوا إلى اللهِ إنِّي لكم مِنْهُ نذير مبينٌ} [الذاريات: 50].
ففرَّ مع تلك الفئة المؤمنة الصوفية في سفرهم إلى الله تعالى، مجيباً هواتف الغيب: {يا أيُّها الذينَ آمنوا اتَّقوا اللهَ وكونوا معَ الصادقينَ}
[التوبة: 119].

وإنما القوم مسافرونا لحضرة الحق وظاعنونا

فآواهم المبيت في حضرته الكبرى، وأكرمهم الجناب الأقدس بتلك العندية التي ينشدها كلُّ محب لله تعالى: {في مقعَدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدرٍ} [القمر: 55].

قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: (الغفلة عن محاسبة النفس توجب غلظها فيما هي به، والتقصير في مناقشتها يدعو لوجود الرضا عنها، والتضييق عليها يوجب نفرتها، والرفق بها معين على بطالتها. فلزم دوام المحاسبة مع المناقشة، والأخذ في العمل بما قارب وصح، دون مسامحة في واضح، ولا مطالبة بخفي من حيث العمل، واعتبر في النظر تركاً وفعلاً واعتبر في قولهم: من لم يكن يومه خيراً من أمسه فهو مغبون، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان، وإن الثبات في العمل زيادة فيه، ومِنْ ثَمَّ قال الجنيد رحمه الله: لو أقبل مقبل على الله سَنة ثم أعرض عنه لكان ما فاته منه أكثر مما ناله) [“قواعد التصوف” للشيخ أحمد زروق ص75].

3- الخوف

قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (اعلم أن حقيقة الخوف هو تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل، وقد يكون ذلك من جريان ذنوب، وقد يكون الخوف من الله تعالى بمعرفة صفاته التي توجب الخوف لا محالة، وهذا أكمل وأتم، لأن من عرف الله خافه بالضرورة، ولهذا قال الله تعالى: {إنَّما يخشى اللـهَ من عبادِهِ العلماءُ} [فاطر:28]) [“الأربعين في أصول الدين” ص196].
وقد دعا الله تعالى عباده إلى الخوف منه وحده فقال: {وإيَّايَ فارهبونِ} [البقرة: 40].

ومدح المؤمنين ووصَفَهم بالخوف فقال: {يخافونَ رَبَّهُم مِنْ فوقِهم}
[النحل: 50].
وجعل الله الخوف من شروط كمال الإيمان فقال: {وخافونِ إنْ كنتُم مؤمنينَ} [آل عمران: 175].

ووعد الله من خاف مقامه جنتين: جنةَ المعارف في الدنيا، وجنةَ الزخارف في الآخرة فقال: {ولِمَنْ خاف مقامَ ربِّه جنَّتانِ} [الرحمن: 46].
وجعل الله الجنة مأوى من خاف مقام ربه فقال: {وأمَّا مَنْ خاف مقامَ ربِّهِ ونهى النفس عنِ الهوى فإنَّ الجَنَّة هي المأوى} [النازعات: 40ـ41].

قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في قواعده: (من بواعث العمل وجود الخشية وهي تعظيم يصحبه مهابة. والخوف هو انزعاج القلب من انتقام الرب) [“قواعد التصوف” ص74].

والخوف يتمثل في نشيج من يُقدِّر خطورة العواقب فيقف عند الواجب، ولا يعرض نفسه لزيغ ولا إثم؛ بل ولا يقف في مواطن توشك أن توقعه في الشر والفساد، ثم يترقى الصوفي في الخوف فيتحلى بأشرف ما يتحلى به المقربون، وعندئذ تنتقل مظاهر الخوف من عالم الجسم إلى عالم الروح؛ فتكون للعارف أشجان لا يدركها إلا أهل الصفاء.

وفي هذا المقام يصف سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه السيدة رابعة العدوية بأنها كانت كثيرة البكا والحزن، وكانت إذا سمعت ذكر النار غشي عليها زماناً، وكان موضع سجودها كهيئة الحوض الصغير من دموعها، وكأن النار ما خلقت إلا لأجلها، وسر ذلك الخوف إنما هو الاعتقاد بأن كل بلاء دون النار يسير، وأن كل خَطْبٍ دون البعد عن الله تعالى هين.
ويرى الصوفية أن المحب لا يُسقى كأس المحبة إلا بعد أن ينضح الخوفُ قلبَه. ومن لم يكن له مثل تقواه لم يدرِ ما الذي أبكاه، ومن لم يشاهد جمال يوسف لم يدرِ ما الذي آلم يعقوب.

وليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، إنما الخائف من يترك ما يخاف أن يعذَّب عليه.
قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: (ما فارق الخوف قلباً إلا خرب) [“الرسالة القشيرية” ص60].
وليس الخائفون بمرتبة واحدة؛ بل هم على مراتب مختلفة، وقد صنف ابن عجيبة رحمه الله تعالى مراتبهم إلى ثلاث مراتب فقال: (خوف العامة من العقاب وفوات الثواب، وخوف الخاصة من العتاب وفوات الاقتراب، وخوف خاصة الخاصة من الاحتجاب بعروض سوء الأدب) [“معراج التشوف إلى حقائق التصوف” ص6].

4- الرجاء

قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في تعريف الرجاء: (الرجاء: السكون لفضله تعالى بشواهد العمل في الجميع، وإلا كان اغتراراً) [“قواعد التصوف” ص74].

وقد حثنا الله تعالى على الرجاء ونهانا عن القنوط من رحمته فقال: {قُلْ يا عباديَ الذينَ أسرَفوا على أنْفُسِهم لا تقنَطوا مِنْ رحمةِ اللهِ إنَّ الله يغفر الذنوبَ جميعاً إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ} [الزمر: 53].
وقال تعالى مبشراً بسعة رحمته: {ورحمَتي وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ} [الأعراف: 155].
وقال تعالى في وصف الذين يرجون رحمته: {إنَّ الذينَ آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل اللهِ أولئكَ يَرجُونَ رحمة اللهِ} [البقرة: 218].

وجاء الحث على رجاء رحمة الله في كثير من الأحاديث الشريفة منها:
ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده لو لم تُذْنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم” [أخرجه مسلم في كتاب التوبة].

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى” [أخرجه مسلم في كتاب التوبة].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفَه فيقرره بذنوبه فيقول: أتعرف ذنْبَ كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رَبِّ أعرِفُ. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطى صحيفة حسناته” [أخرجه مسلم في كتاب التوبة، والبخاري في صحيحه في كتاب الرقاق. كنفه: ستره ورحمته].
والرجاء يختلف عن التمني، إذ الراجي هو الذي يأخذ بأسباب الطاعة طالباً من الله الرضى والقبول، بينما يترك المتمني الأسباب والمجاهدات، ثم ينتظر من الله الأجر والمثوبة، فهو الذي قال في حقه عليه الصلاة والسلام: “والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني” [رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة وقال: حديث حسن، وابن ماجه في كتاب الزهد. كلاهما عن شداد بن أوس رضي الله عنه].
إذ كل مَنْ رجا الله تعالى وطلبه، عليه أن يشمر عن ساعد الجد والاجتهاد بصدق وإخلاص حتى ينال مطلوبه، ولهذا قال تعالى معلماً طريق طلبه: {فمَنْ كانَ يرجو لقاءَ ربِّه فليعْمَلْ عملاً صالحاً ولا يُشرِكْ بعبادة ربِّه أحداً} [الكهف: 110].

فعلى العبد إن كان في ريعان شبابه مقارفاً للذنوب مطيعاً لنفسه الشهوانية أن يُغَلِّب جانب الخوف على الرجاء. أما إذا كان في نهاية عمره فعليه أن يُغَلِّب الرجاء كما قال تعالى في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي” [خرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد عن أبي هريرة رضي الله عنه].

وكما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي يرويه جابر بن عبد الله رضي الله عنه: “لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل” [رواه مسلم في كتاب الجنة باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى].

وإن كان العبد مقبلاً على ربه سالكاً طريق قربه فعليه أن يجمع بين مقامي الخوف والرجاء، لا يُغَلِّبُ الخوفَ على الرجاء حتى يقنط من رحمة الله تعالى وعفوه، ولا يُغَلِّبُ الرجاءَ على الخوف حتى يسترسل في مهاوي المعاصي والسيئات، بل يطير بهما محلقاً في أجواء صافية؛ فلا يزال في قرب ودنو من الحضرة الإلهية، قد حقق صفة هؤلاء الذين وصفهم ربهم بقوله: {تتجافى جُنُوبُهم عنِ المضاجِعِ يدعونَ ربَّهَم خوفاً وطَمَعاً} [السجدة: 16] خوفاً من ناره، وطمعاً في جنته.. خوفاً من بعده، وطمعاً في قربه.. خوفاً من هجره وطمعاً في رضاه.. خوفاً من قطيعته وطمعاً في وصاله..

وليس الراجون بمرتبة واحدة، بل هم على مراتب ذكرها ابن عجيبة رحمه الله تعالى إذ قال: (رجاء العامة حسن المآب بحصول الثواب، ورجاء الخاصَّة حصول الرضوان والاقتراب، ورجاء خاصة الخاصَّة التمكين من الشهود وزيادة الترقي في أسرار الملك المعبود) [“معراج التشوف” ص6].

5- الصدق

لا بد للمريد الطالب سلوكَ سبيل النجاة والوصول إلى الله تعالى من أن يتحقق بصفات ثلاث: الصدق والإخلاص والصبر، لأن جميع صفات الكمال لا يتحلى بها الإنسان إلا إذا كان متصفاً بهذه الصفات الثلاث، وكذلك لا تتم الأعمال إلا بها، فإذا فارقَتِ الأعمالَ فسدت ولم تنل القبول.

ولما كان الباعث على العمل الصالح والترقي في مدارج الكمال هو الصدق؛ نبتدىء بالكلام عليه أولاً، ثم بالإخلاص ثانياً، ثم بالصبر ثالثاً.

لقد ذهب العلماء في تقسيم الصدق مذاهب شتى، فمنهم من أسهب في التفصيل والتفريع، ومنهم من سلك مسلك الاقتضاب والإيجاز.
فقد ذكر حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى للصدق معان ستة فقال: (اعلم أن لفظ الصدق يستعمل في ستة معان: صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها، فمن اتصف بالصدق في جميع ذلك فهو صدِّيق:

1 - صدق اللسان يكون في الإخبار، وفيه يدخل الوفاء بالوعد والخلف فيه. وقيل: في المعاريض مندوحة عن الكذب.
2 - صدق في النية والإرادة، ويرجع ذلك إلى الإخلاص؛ وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى.
3 - صدق في العزم على العمل لله تعالى.
4 - صدق في الوفاء بالعزم بتذليل العقبات.
5 - صدق في الأعمال حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف به.
6 - الصدق في مقامات الدين كالخوف والرجاء والتعظيم والزهد، والرضا والتوكل والحب) [“إحياء علوم الدين” ج4/ص334].

وأما القاضي زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى فقد ذكر للصدق محلات ثلاثة فقال: (الصدق هو الحكم المطابق للواقع، ومحله اللسان والقلب والأفعال، وكل منها يحتاج إلى وصف يخصه، فهو في اللسان: الإخبار عن الشيء على ما هو عليه. وفي القلب: العزم الأكيد. وفي الأفعال: إيقاعها على وجه النشاط والحب. وسببه: الوثوق بخبر المتصف، وثمرته: مدحُ الله والخلقِ للمتصف به) [“الرسالة القشيرية” ص97].

ومفهوم الصدق عند عوام المسلمين قاصر على صدق اللسان، ولكن السادة الصوفية قصدوا بالصدق مفهومه العام الذي يشمل بالإضافة إلى صدق اللسان صدق القلب وصدق الأفعال والأحوال

قال العلامة ابن أبي شريف رحمه الله تعالى في حواشي العقائد: (الصدق استعمله الصوفية بمعنى استواء السر والعلانية والظاهر والباطن بألاَّ تكذب أحوالُ العبد أعمالَه، ولا أعمالُه أحوالَه [“شرح رياض الصالحين” لابن علان الصديقي. ج 1 ص 282] فالصدق بمفهومهم هذا، صفة ينبعث منها العزم والتصميم والهمة على الترقي في مدارج الكمالات، والتخلي عن الصفات الناقصة المذمومة.
والصدق بهذا الاعتبار سيف الله تعالى في يد السالك يقطع به حبال العلائق والعوائق التي تعترض طريقه في سيره إلى الله تعالى، ولولاه لما استطاع أن ينطلق في مدارج الترقي ولكان معرَّضاً للوقوف والانقطاع.

قال العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (إنَّ صدق التأهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية، ومقامات السالكين إلى الله، ومنازل السائرين إليه من اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال القلوب والجوارح، فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله، والمفتاح بيد الفتاح العليم، لا إله غيره ولا ربَّ سواه) [“طريق الهجرتين” لابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ ص223].

فإذا تحلى السالك بالصدق استطاع أن يسير بخطى سريعة نحو مراتب الإيمان العالية، إذ هو القوة الدافعة والمحركة، وهو الصفة اللازمة لكل مقام من مقامات السلوك إلى الله تعالى.

فأول مراحل السير هو صدق العبد في إنابته إلى ربه بالتوبة النصوح التي هي أساس الأعمال الصالحة، وأول درجات الكمال.
والصدق في تهذيب النفس الأمارة، يحقق النجاح الكبير في التخلص من أمراضها وشهواتها، ويطهر القلب من الخبائث حتى ينتهي إلى الإيمان الذوقي الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “ذَاقَ طَعمَ الإيمانِ...” [“ذاق طعم الإيمان من رضي بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً”. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه، والإمام أحمد والترمذي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه].

والصدق في محاربة الشيطان والتخلص من وساوسه يجعل المؤمن في نجاة من كيده وأمان من شره، كما يجعل الشيطانَ في يأس وقنوط من إضلاله وغوايته.
والصدق في إخراج حب الدنيا من القلب يحْملُ الإنسان على المجاهدة المستمرة بالصدقة والإيثار والتعاون الخيري، حتى يتخلص من حبها وينجو من سيطرتها على قلبه.

والصدق في طلب العلم تخلصاً من الجهل وتصحيحاً للعمل، يحمل الإنسان على الاستقامة والمثابرة، وتحمل المشاق وسهر الليالي كي ينال منه أوفر نصيب وأكبر قسط، وما نبغ العلماء إلا بصدقهم وإخلاصهم وصبرهم.
والصدق في العمل هو ثمرة العلم وغايته، إذ يجعل العبد في ارتقاء دائم، ويجعل علمه سبباً في كماله، ولا بد من إخلاص في ذلك، وإلا قد يدخل على السائر بعضُ العلل الموقفة له عن مطلوبه من حب الشهرة والسمعة والالتفات إليها...
فالإخلاص في الصدق يزيل هذه الشوائب من طريق الغاية المنشودة وهي رضاء الله تعالى ومعرفته ومحبته.
ومن هنا تظهر أهمية الصدق وعظيم آثاره، ولذلك اعتبره الحق سبحانه أرفع الدرجات بعد النبوة والرسالة، قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: (الصدق عماد الأمر وبه تمامه، وفيه نظامه، وهو تالي درجة النبوة. قال الله تعالى : {ومَنْ يُطِعِ اللهَ ورسولَهُ فأُولئكَ معَ الذينَ أنْعَمَ اللهُ عليهم من النَّبيِّينَ والصِّدِيقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحسُنَ أولئكَ رفيقاً} [النساء: 69]) [“الرسالة القشيرية” ص97].

ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين أن يلازموا أهل الصدق ليستفيدوا من حالهم وينتفعوا من صدقهم فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتَّقوا اللهَ وكونوا مع الصادقينَ} [التوبة: 119].
ووصف الله تعالى الصادقين بالقلة، وأنهم الفئة المختارة من المؤمنين فقال: {مِنَ المؤمنينَ رِجالٌ صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه} [الأحزاب: 23].
وقال معروف الكرخي رحمه الله تعالى مشيراً إلى قلة الصادقين: (ما أكثر الصالحين وأقل الصادقين في الصالحين!) [“طبقات الصوفية” للسلمي ص87].
كما ندَّدَ الله تعالى بالمنافقين الذين لم يَصْدُقوا في إيمانهم وعهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {فلو صدَقُوا اللهَ لكانَ خيراً لهُم} [محمد: 21].
وقد أخبر الله تعالى أن العبد يوم القيامة يجني ثمار صدقه، ويكون صدقه سبب نفعه ونجاته فقال: {هذا يومُ يَنْفَعُ الصادقينَ صِدْقُهُم}
[المائدة: 119].

وقد اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم الصدق سبيلاً موصلاً إلى البر الذي يشمل كل الفضائل والكمالات التي تؤهل العبد لدخول الجنة، كما جعل دوام الاتصاف بالصدق مفتاحاً لنيل مرتبة الصدِّيقية فقال: “إن الصدق يهدي إلى البِر، وإن البِر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصْدُقُ حتى يُكتَبَ عند الله صدِّيقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل لَيَكذِبُ حتى يُكتبَ عند الله كذاباً” [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، ومسلم في كتاب البر عن ابن مسعود رضي الله عنه].

وقد أوضح الرسول عليه الصلاة والسلام أن الصدق يثمر طمأنينة القلب وراحة الفكر، بينما يسبب الكذب حالات من القلق والاضطراب والشك وعدم الاستقرار، فقد روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة” [أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة وقال: حديث حسن صحيح].
وليس الصادقون بمرتبة واحدة، بل هناك الصادق، وأعلى منه الصِّديق. قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: (أقل الصدق استواء السر والعلانية، والصادق من صدق في أقواله، والصِّدِّيق من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله) [“الرسالة القشيرية” ص97]. ورتبة الصدِّيقية في نفسها مراتب متفاوتة، بعضها أعلى من بعض، وقد نال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ذروة سنام الصديقية، وشهد الله تعالى بذلك فقال: {والذي جاءَ بالصِّدقِ وصدَّقَ به} [الزمر: 32].
ولا يعلو مقامَ الصديقية إلا مقامُ النبوة، فمقام الصديقية مقام الولاية الكبرى والخلافة العظمى، وهذا المقام تترادَفُ فيه الفتوحات وتعظم التجليات وتتم المشاهدات والكشوفات لكمال النفس وحسن صفائها.

الخلاصة:

إن من يعمر باطنه بالصدق والإخلاص، تجري حركاته وسكناته على حسب ما في قلبه؛ فيظهر الصدق في أحواله وأقواله وأعماله، لأن من أَسَرَّ سريرة ألبسه الله رداءها.

قال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى: (حقٍّ على كل من فهم عن الله تعالى أن يلازم الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمَنْ كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضاء الغفار) [“شرح رياض الصالحين” لابن علان ج1/ص284].

فعليك أيها المريد أن تكون صادقاً في أقوالك لأن الكذب من صفات المنافقين. قال عليه الصلاة والسلام: “آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان” [أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، ومسلم في كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال المناوي في شرح هذا الحديث: (النفاقُ ضربان: شرعي: وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، وعرفي: وهو أن يكون سره خلاف علانيته، وهو المراد هنا). “فيض القدير شرح الجامع الصغير” ج1/ص63].

وكن صادقاً في طلب الوصول إلى الله تعالى، فالمقاصد العالية لا تُنال بالتشهي، لذلك قيل: (لا ينال الوصول من كان في قلبه شهوة الوصول) بل يناله بالجد والاجتهاد.

وعمّر قلبك بالصدق لتنبعث منه الهمة والنشاط في سيرك إلى الله تعالى.
وتحقق بالصدق إن قلت ياالله فالصدق وجهه مقبول وعليك بالصدق في عهدك مع مرشدك ودليلك إلى الله تعالى حتى يكون ذلك عوناً لك على ترقيك وسرعة وصولك.
وكن صادقاً في موافقتك لربك أمراً ونهياً وفي اتباعك لرسوله صلى الله عليه وسلم حتى تتحقق بالعبدية لله تعالى، فهي أُمنية السالكين لربهم في جميع مراتبهم ومقاماتهم.


EmoticonEmoticon