Monday, August 19, 2013

الخصومات مع علماء الوهابيّة

الخصومات مع علماء الوهابيّة



محتويات

فصل الخصومات

الانفاق على المعيار:

إذا آمنت بفكرة، وانها صواب مئة بالمئة، وعارضك معارض، وقال: بل هي خطأ مئة بالمئة، أو وقف منها موقف المشكك المتردّد، فماذا تصنع؟. هل تصر على رأيك بدون حجة ودليل، ويصر هو على قوله كذلك؟. إذن، يبقى النزاع قائماً، والمشكلة بدون حل، ما دام كل منكما يفقد قوة الاقناع، ولاينحسم النزاع الا بعد ان تتفقا على مبدأ ترجعان اليه يكون هو الحجة، والحكم الفصل.
ـ مثلاً ـ اذا قلت: ان علاج المصاب بذات الرئة هو الفصد، وقال آخر: ان الفصد يضر بصحته، ويعجل بوفاته، كان الحكم بينكما الطبيب المختص بهذاء الداء، ومحال ان يقتنع احدكما بقول الآخر، او تلزمه الحجة اذا لم تتفقا مسبقاً على وجود المعيار والمقياس الذي يميز الصواب من الخطأ. والحق من الباطل.

الاديان والأحزاب:

وهذا الذي قلناه عن الاختلاف بين الأفراد ينطبق على الاديان والاجزاب التي يختلف بعضها عن بعض، ويدعي ارباب كل منها انهم على حق دون غيره، ولكن الجميع، حتى من لا يدين بدين، ولا ينتمي الى حزب متفقون على ان كل ما فيه صلاح البشرية وتقدمها فهو خير، ومتفقون ايضاً على ان السلم والعدل والحرية والعلم والتعاون هي الوسائل الى هذا الصلاح والتقدم، وعليه، فكل دين او حزب يدعو للسلم والتعاون، ويناصر العلم والعدل، ويضمن الحرية والمساواة فهو خير وافضل من أي حزب، او دين يثير الحروب، وبث البغضاء، ويناهض العلم والتقدم، ويدعم الجهل والظلم.
وتقول: ان كل دين، وكل حزب يزعم اهله انه يدعو للصالحات والخيراث.

الجواب:
إنّ الدعوى بمفردهما لا تقنع احداً، فاذا سقط شخص في الانتخابات، ثم قال: نجحت فيها، فهل يصدق: او يكون قوله هذا مدعاة للسخرية والاستهزاء؟.. ولا أعرف احداً اجهل ممن يردد مع القائل: «كل يعزز دينه يا ليت شعري ما الصحيح؟.» ان الناس كل الناس متفقون على ان الحب أفضل من البغضاء، والتعاون انفع من التنافس،

والسلم خير من الحرب، والعلم من الجهل.. وبديهة ان العالم يدرس الاديان والاحزاب، ويطلع على مبادئها وتعاليمها، ثم يقيسها بتلك المبادئ المتفق عليها، ويحكم بما تستدعيه من الحق او الباطل، الهداية والضلال.. ولو صدق في الأديان قول من قال: «يا ليت شعري ما الصحيح؟» لصدق في كل دعوى دينية كانت او زمنية.. ان العالم كما قلت: يبحث ويحقق، تماماً كما يفعل كل من يطلب معرفة الحق من معدنه، والا وجب ان لا تبحث عن شيء، وان نقفل المعاهد والمختبرات والجامعات، ونكتفي بترديد «يا ليت شعري ما الصحيح؟.» وبالتالي، فإن دل هذا القول على شيء فانما يدل على ان قائله اعدى اعداء الاديان، حتى ما كان منها حقاً وصدقاً. الرد الى الله والرسول:اتفق المسلمون جميعاً على ان أي نزاع يقع بين الفئات او الافراد فعليهم ان يتحاكموا فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه، لأن المفروض ان النزاع حصل فيما قال الله والرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد امر الله بالرد اليه والى رسوله في مثل هذه الحال: (فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول) ـ النساء 59.
ولكن كثيراً ما يحصل النزاع في تفسير آية تحتمل معنيين، او اكثر، او في صحة حديث، او فيما يفهم منه.. ومن امثلة الأول قوله تعالى في سورة الطلاق: (واشهدوا ذوى

عدل منكم) . حيث فهم الشيعة من الآية الكريمة وجوب الاشهاد على الطلاق، وفهم السنة وجوبه على الزواج لا على الطلاق(1) . وقوله تعالى: (ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث) ـ الاعراف 156 حيث اتفق الجميع على ان الخبائث محرمة، واختلفوا في بعض الأفراد والمصاديق، كأكل الدود والذباب والفأر والضفدع والسرطان، فقال مالك: يحل أكلها، لانها ليست من الخبائث، وقالت بقية المذاهب: يحرم أكلها، لأنها من الخبائث.

ومن امثلة الثاني اختلافهم فيما نسب الى الرسول، وهو: «من وسع على عياله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته» فقد ضعفه السيوطي والعقيلي وابن حجر وغيرهم، (اللاليء المصنوعة للسيوطي ج 2 ص 111»..
واتفق السنة والشيعة على ان النبي قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، االلهم وال من والاه، وعاد من عاداه» ولكنهم اختلفوا في المراد من الولاية، فذهب السنة الى ان المراد منها الحب والمودة، وقال الشيعة: بل الحكم والسلطان بقرينة السياق.
____________
(1) قال الشيخ ابو زهرة في كتاب الاحوال الشخصية: لو كان لنا ان نختار المعمول به في مصر لاخترنا رأي الشيعة، وصوبه استاذه الشيخ الخفيف. ومال اليه الدكتور محمد موسى في كتابه الاحوال الشخصية.

ما هو الحل؟

وهذا النوع كثير، وهو من اهم الاسباب لاختلاف المذاهب الاسلامية بين بعضها البعض، وبين علماء المذهب الواحد، ورغم ان هذا الخلاف يرجع في حقيقته ومعناه الى الخلاف في ان الكتاب والسنة: هل تعرضا الى هذه القضية المتنازع فيها، اولا؟.. ومع هذا النزاع لا يمكن الرجوع الى احدهما كما يبدو، لعدم الاتفاق على وجود نص قطعي لا مجال فيه للاجتهاد يفصل بين الطرفين، رغم ذلك كله فان المرجع في هذا الخلاف هو الرسول الاعظم، حيث اتفق الجميع على انه قال: «اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله اجران، واذا اجتهد فأخطأ فله اجر». (الصحاح الستة: البخاري ومسلم وابو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة). فكم عالم بحث وتحرى، وادى به البحث الى العلم بشيء تحتم عليه العمل بعمله، مصيباً كان او مخطئاً، ما دام غافلاً عن خطأه، وليس لاحد ان ينهاه عن اتباع العلم، كيف؟ ومتى حصل له العلم بشيء لا يسعه الا اتباع عمله، ومن خالفه فهو مذموم في الشرع والعقل.

أجل، لك ان تحاول اقناعه بالدليل والمنطق، فان ظهر له الخطأ، وايقن به، ومع ذلك أصر عليه كان معانداً للحق، مخالفاً له عن عمد، واستحق الذم والعقاب، كما هو شأن الذين عاندوا نبوة محمد صلى اله عليه وسلم بعد ما ظهرت جلية كالشمس:

(وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوا ـ النمل 14) .
وبكلمة ان كل من قامت عليه من الله الحجة القطعية المجمع عليها فليس له ان يخالفها، ويجتهد ضدها، لأن اجتهاده، والحال هذه يكون رداً على الله ورسوله، ولا تقوم هذه الحجة الا اذا كانت كوضح النهار، بحيث لا يسوغ الاعتذار معها بالجهل، مما دام طريق العلم بها ميسراً وواضحاً، لا غموض فيه، ولا التباس، واذا لم تبلغ هذه المرتبة من الوضوح وكان للاجتهاد فيها مجال يكون معذوراً لو خالف الواقع، على شريطة ان يعقد العزم على انه اذا استبان الخطأ رجع عنه.. والعقل هو الحاكم بنفي المسؤولية عن المخطئ غير المقصر، والشرع يقر العقل في حكمة هذا من باب الارشاد إلى الواقع، لا من باب الرفق والتسامح، لان سير الإنسان بموجب فهمه شيء طبيعي، لا يستطيع التخلص منه، بل هو مصدر الحركة والحياة.

ومن هنا رأينا سيرة العقلاء في كل عصر ومصر على نفي المسؤولية عن المخطئ اذا حقق ودقق، سواء أكان فقيهاً، أم طبيباً، أم مهندساً، أم بناءاً، وما اليه، لان الانسان، أي انسان يعمل بما يعتقد انه الحق، لا بما هو حق في علم الله.. وكذلك اتفقت جميع الشرائع السماوية والوضعية على ان مجرد المخالفة في الرأي لا تستتبع العقوبة والمسؤولية. والاختلاف في الرأي ملازم لطبائع البشر، وكثيراً

ما يكون سبباً للتصفية والتمحيص، وتمييز الأصيل من الدخيل، والعارف من الزائف، ولكن هذه المخالفة تتسم بجريمة البدعة والضلالة عند الوهابيين حتى ولو كان من خالفهم أعلم العلماء، وأبر الاتقياء، لا لشيء الا لانه لم يترك ما يعتقد، ويتبع ما هم عليه، وان اعتقد فساده وضلاله.

قال ابن تيمية في كتاب «نقض المنطق» ص 71 طبعة 1951، وهو امام الوهابيين، والمعتمد الأول لمذهبهم، قال ما نصه بالحرف: «فانهم ـ أي هو ومن قال بمقالته ـ اشد الناس نظراً وقياساً ورأياً، وأصدق الناس رؤياً وكشفاً، أفلا يعلم من له ادنى عقل ودين ان هؤلاء أحق بالصدق والعلم والايمان والتحقيق ممن يخالفهم، وان عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع، وان الذي عندهم من العلوم ما ينكرها الجاهل والمبتدع، وان الذي عندهم هو الحق المبين، وان الجاهل بأمرهم والمخالف لهم هو الذي معه من الحشو ما معه، ومن الضلال كذلك».

فالذي عندهم علم وايمان وصدق وحق مبين، اما الذي عند غيرهم فجهل وكفر وكذب وبدعة وضلالة، ذلك ان ابن تيمية وقبيله معصومون عن الخطأ دون غيرهم رغم انه هو لا يؤمن بعصمة انسان.. وسأستشهد من كتبهم المعتبرة بكلام أدل وأوضح.

مع علماء الوهابية

اغتنمت فرصة وجودي بمكة والمدينة، لإداء فريضة الحج، وزيارة الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم، واجتمعت بمن تسنى لي الاجتماع به من علماء الوهابية، ودار بيني وبينهم حوار ونقاش حول مفهوم الاسلام، وحقيقة الشرك، وحول التقارب بين المذاهب الاسلامية، ووضح خطة لوحدة المسلمين، وجمع كلمتهم، على ان تطبق هذه الخطة بالتسامح، ونبذ التعصب، وعدم تكفير طائفة طائفة اخرى، وان يكون الجامع المشترك هو كلمة «لا اله الا الله محمد رسول الله».

فرأيت من بعضهم التشدد، والعزم على سد أية نافذة يهب منها نسيم التقريب والإخاء، ومن البعض الآخر التواضع والتسامح في كل الخلافات الا الخلاف في تعمير القبور ورفع القباب عليها، فان تبريره شرك عند الجميع بدون استثناء.. لمست هذا من احاديثهم، وفي كتبهم، وتملكني اليأس، حتى ولو بذلت الجهود، وتعبأت جميع القوى.. ان مسألة التعمير عندهم ليست حقاً لاحد من المسلمين او غير المسلمين، حتى يطالبهم به، لانه شرك

وكفر والحاد، وهذا هو الشيء الذي يجب ان يناقشوا فيه على اسسهم ومبادئهم.. وقد عقدنا فصلاً خاصاً بذلك.
المحاكم الشرعية: كل محكمة في السعودية هي محكمة شرعية، وكل قاضٍ هو شرعي، لانهم لا يحكمون بالقوانين الوضعية، بل بالشريعة الاسلامية على مذهب الامام ابن حنبل، وفي مكة المكرمة بناية مؤلفة من ثلاثة أدوار خاصة بالقضاة، وعددهم سبعة، وعليهم رئيس، تقدم اليه جميع الدعاوى، مهما كان نوعها، وهو يحيلها بدوره الى واحد منهم، وينظر هو في دعاوى الزواج والطلاق القهري، كما يميز اليه الحكم البدائي، اذا لم يرض به المحكوم عليه، فيصدقه، او يفسخه، وتسمة البناية التي تضم جميع القضاة المحكمة الشرعية الكبرى.

ذهبت الى هذه المحكمة بدون دليل او رفيق، وتنقلت من قاض لآخر، واستمعت الى محاكمتين عند قاضيين، احداهما بين امرأتين متجاورتين، قد تنازعتا على حد بينهما، والثانية بين رجل وزوجته، وما سألني احد عن شيء، ولم يثر وجودي انتباه احد، ثم دخلت الى غرفة قاضٍ ثالث، فرأيته جالساً خلف طاولته، وفي يده جريدة يقرأها. فقلت له: هل تجيبني على ما لديّ من أسئلة؟.قال: سل الرئيس الشيخ سليمان بن عبيد. قلت: واين
هو؟. قال: في الدور العلوي.

صعدت إلى هذا الدور، فرأيت غرفة واسعة مفروشة بالسجاد الايراني، وعدد من المقاعد، وفيها كتبة، وجماعة من أصحاب العلاقة، وفي صدر الغرفة يجلس رجل على كرسي، وأمامه طاولة، وهو متقدم في السن، والى جانبه كرسي ثانية، ويلبس كوفية حمراء، وثوب ابيض، فسألت عنه؟ فقيل: هذا هو الرئيس. سلمت، وجلست الى جنبه خلف الطاولة، وكان يختم اوراقاً مكتوبة بختمه دون ان يوقعها بأمضائه.
وبعد ان انتهى التفت اليّ، وقبل ان يسألني قلت له: انا حاج من لبنان، وقد سمعت انكم بعد ان تستمعوا الى المتخاصمين تنهالون بالضرب على المبطل. قال: وماذا رأيت؟. قلت: لا شيء من هذا. ثم أطلعني على الاستدعاءات والسجلات والدفاتر، فرأيت فيها الدقة والتنظيم.

فقلت له: ولكن المعروف انكم تكفرون غيركم من أهل المذاهب الاسلامية، بخاصة الشيعة، وتزعمون انهم يغالون في حب الامام علي، وأخبرك بأني شيعي جعفري، أشهد ان لا اله الا الله، وان محمداً رسول الله الذي قال: يا علي لا يحبك الا مؤمن، ولا يبغضك الا منافق، واوالي علياً الذي قال: هلك في اثنان: مبغض قال، ومحب غال. أواليه لأنه من الذين عناهم الله جل شأنه بقوله: (قل لا أسألكم عليه اجراً الا المودة في القربى) . ولأنه بطل معركة

الاسلام في جميع المواقف الذي وقفها الرسول ضد الشرك، وأعداء الدين.
قال: ولكن لا بد من البعد عن الشرك.
قلت؛ هنا يكمن السر.. انكم ترون المسلمين مشركين، وكيف يجتمع الشرك مع قول لا اله الا الله محمد رسول الله؟. وهل من الشرك ان اعتقد ان الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أعظم من الصلاة في بيتي؟.. وقبل ان انهي كلامي قال: نعم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصلاة في مسجدي بألف صلاة في غيره الا المسجد الحرام، فان الصلاة فيه بألف صلاة في مسجدي.
قلت له: سبقتني.. اذن، اين الشرك؟.
قال: الشرك ان يعتقد المصلي بأن الفضل جاء من أجل صاحب القبر.

قلت: اولاً: ان هذا الاعتقاد ليس بشرك، لأن معنى الشرك أن يدعو المشرك مع الله اله آخر، وهذا شيء، والاعتقاد بأن هذه البقعة اكتسبت شرفاً ممن دفن فيها شيء آخر.
ثانياً: أي فضل للأرض من حيث القداسة لولا صاحب القبر، ان أجزاء الأرض بكاملها سواء من هذه الجهة، ولا فضل لبقعة على أخرى الا بمن حل فيها.. لذا قيل: المكان بالمكين، وكل انسان يقدس بفطرته التربة التي تضم رفاة العظماء والصلحاء، والآباء والأجداد

قال: بارك الله فيك، يا ليت كل الشيعة مثلك. قلت: ومن تعرف من الشيعة؟. وماذا قرأت لهم؟. اقرأوا كتبهم، وافهموهم جيداً، ثم احكموا عليهم بما تستوحون، وتفهمون، وليس من شأن العالم ان يلقي القول جزافاً، هذا، الى ان قوة الاسلام والمسلمين تقوم على اساس التسامح والتقارب، والمحبة والأخاء، لا على الشحناء والبغضاء، ونحن لا نناوئ أحداً، ولا نريد ان يناوئنا احد.. فهز رأسه علامة القبول والاستحسان.
وقلت له: ما الشرط لتعيين القاضي عندكم؟
قال: ان يحمل شهادة من كلية الشريعة بمكة، او الرياض، او من الازهر، وان تثبت كفاءته بعد ان يتمرن سنتين عند احد القضاة.
قلت: وما تحمل أنت من الشهادات.
فابتسم، وقال: لا شيء، اني درست على الشيوخ عندنا. قلت: سأضع كتاباً في عقيدة الوهابية. قال: يجب ان تعتمد المصادر المعتبرة عندنا. قلت: اجل، وهذا شرطي اذا اردتم الكلام عنّا. وما هي المصادر المعتبرة؟ فاسمي لي عدداً من الكتب، بعضها موجود في مكتبتي، والبعض الآخر اشتريته من مكتبات مكة.
وسألته عن المصادر التي يعتمدونها في احكامهم؟. قال كتب الفقه الحنبلي. قلت: ما هو الكتاب المفضل منها؟. قال المغني لابن قدامة. وأخذ يثني عليه، ويطنب.

وقد اقتنيت هذا الكتاب منذ 16 سنة، وهو 12 مجلداً.

قلت: ان صاحب المغني يقول: اذا وطأ الزوج زوجته، ثم وطأها أجنبي بشبهة، وأمكن الحاقه بهما يعرض الولد على القافة، فإن ألحقه بالأول لحق به، وإن ألحقه بالثاني لحق به، وان ألحقه بهما معاً لحق بهما معاً(1) .
وكل الناس يعلمون ان الشخص الواحد يكون له اكثر من ابن، اما ان يكون له اكثر من اب فغريب.
قال من الممكن ان يختلط الماءان، ويتولد الجنين منهما. قلت: الجنين لا يتولد الا من بويضة واحدة، وهي لن تكون الا من رجل واحد.. فسكت، فودعته، وانصرفت.

واذا اختلف تفكيرنا عن تفكير الوهابية، وبعدت الشقة ما بيننا فان هذا لا يمنعني من قول الحق، وتسجيل ما شاهدت من ان الناس وأرباب الحاجات تراجع الكبار منهم وغير الكبار بمليء حريتهم، وانه لا شيء أهون من الوصول اليهم، والحديث معهم، ومناقشتهم، وهم يصغون للصغير قبل الكبير بصدر رحب، وخلق عربي، تماماً كعلماء الدين الأول في قرى جبل عامل الذين يحرصون كل الحرص على حياة البساطة، والبعد عن الابهة.
____________
(1) المغني: 7 / 483 و484.

كلية الشريعة:

وفي صباح اليوم التالي ركبت التاكسي الى كلية الشريعة، وهي بناية جديدة ضخمة، وهندستها حديثة، وموقعها يتناسب في سعته وطبيعته مع الكليات والجامعات، ومما يزيدها عظمة انها في مكة المكرمة قبلة المسلمين..
صعدت الدور العلوي الأول، وتنقلت فيها من جناح الى جناح، فلم أر أحداً لا استاذاً، ولا طالباً، ولا فراشاً لمناسبة عيد الاضحى، وأخيراً رأيت غرفة مفتوحة، وعلى بابها قطعة من النحاس الأصفر، كتب عليها «العميد» فدخلت، واذا برجل يجلس وراء الطاولة، يرتدي السترة والبنطلون، سلمت، وقلت له: حضرتك العميد؟.
قال: نعم.
قلت: والاسم الكريم؟
قال: احمد علي اسد الله.

قلت: انا لبناني، قصدت الحرم الشريف، لأداء الفريضة، وسمعت بكليتكم هذه، فأحببت التعرف عليها وعلى عميدها، فهل تفيدوني عن عدد تلاميذها، وعن المواد التي تدرس فيها؟.
قال: اما التلاميذ فعددهم يقرب من الـ 200، اما المواد فهي اللغة العربية، والتوحيد والفقه.
قلت: ولأي شيء يتأهل خريجيها؟

قال: للتدريس في المدارس الثانوية، والقضاء.
قلت: كانت المدارس من قبل، بخاصة الدينية منها اشبه بالزوايا، وتكيات الدراويش، وهذا البناء الضخم يتفق تماماً في مظهره وفنه مع العصر الحديث وحضارته، فاسأل الله ان يكون التعليم بروحه وأهدافه كذلك، وان يبرز الشريعة الاسلامية باسلوب يحببها الى الجميع، وان تجنب التلاميذ روح التعصب والبغضاء بين المسلمين، ولا يكفر بعد اليوم بعضهم بعضاً، فانهم احوج الناس الى الالفة والتقارب، وأظن انكم تعلمون ـ الخطاط للعميد ـ ان النجديين معروفون عند الناس بالتشدد والتعصب، لانهم يسيئون معاملة الحجاج الذين لا يدينون بالوهابية.

ففهم ما أردت، وقال: الحق ان التعصب موجود، ولكن لا من طرف واحد، بل من الجميع، وقد خفت حدثه كثيراً عن ذي قبل ـ مثلاً ـ كان النجدي إذا رأى في الكعبة حليق الذقن ينتهره، ويصيح به، وربما اخرجه منها، أما اليوم فيدعه وشأنه، ومع ذلك فان بعض الحجاج يجسمون الأمور أكثر من حقيقتها، ويوقعونا في مشاكل تافهة، يمكن تحملها والإغضاء عنها، لو حسنت النية، من ذلك ان رجلاً من الجزائر جاء معتمراً في شهر رمضان من هذه السنة، وصادف، وهو واقف في حجر اسماعيل ان شخصاً أراد ان يسجد، فلم ير موضعاً لشدة الزحام، فنحى رجل الجزائري بيده، وهنا ثارت ثورة الجزائري،

وظن ان الشخص وهابي، وهو ليس وهابياً، وصاح بأعلى صوته لقد اهنتم الاسلام ونبي الاسلام، وهدمتم قبور أهل بيته، وفعلتم الافاعيل، واجتمعت عليه الجموع، وهو ينادي ويصيح بالشتم والسباب، وأخذت مسألته دوراً كبيراً، واضطررنا ان نقف مع الجزائر]، ومع ذلك بلغت الحال حدها الأقصى من التضخيم والتجسيم.

قلت: ان الله جل وعز اراد الدين من الناس اختياراً لا اكراهاً، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة، كما اتخذ من ألسنتهم اقلاماً تعبر عن الحق، وبالأمس كان الحجاج يشكون من تعصب الوهابية وسوء معاملتهم، واليوم خفت الشكوى، ونرجو ان تزول كلية. واولى بكليتكم هذه ان تسير في طريق التعقل والتسامح، وتثور على التعصب البغيض وتتجه الى العمل التقريب بين المذاهب الاسلامية، وتتطلع على كتب الجميع وتنشر الحقائق، واذا كانت الكلية تعلم الفقه فان الفقه الاسلامي لا ينحصر بالمذاهب الأربعة، بل يعم فقه المذاهب بكاملها، وفضل الشريعة انما يظهر في أقوال المذاهب مجتمعة، لا في قول مذهب دون مذهب، كما أن حديث الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم لا ينحصر بأحاديث الصحاح الستة، بل يشمل كل حديث ثبت عنه، سواء أكان في الصحاح أم لم يكن.
فوعد بأن يعمل لما فيه خير الاسلام والمسلمين، وقد اكتشفت من اسلوبه وأفكاره انه عارف ومتزن.

الشؤون الدينية:

وأثناء عودتي من كلية الشريعة مر السائق بحي يدعى محلة الزاهر، وهو من الأحياء الحديثة بشوارعه، وبناياته، وأشجاره، وحدائقه، ورأيت في هذا الحي بوابة كبيرة فوقها لوحة كتب عليها بالخط الكبير «ادارة التفتيش الديني»، فطلبت الى السائق ان يقف أمام البوابة، وينتظر، وكانت البوابة مفتوحة، ولما دخلت رأيت حديقة منسقة على الطراز الحديث، يحيط بها سور بعلو قامة الرجل، وبناية كبيرة من طابق أرضي، وبابها مفتوح، فدخلت دون ان اطرق الباب، واذا بدار واسعة، وفيها غرف مفتحة الأبواب، نظرت في غرفة على يمين الداخل، فلم أر أحداً، فتركتها الى الثانية، وفيها رجل واحد، وما أن رآني، حتى قال: هناك هناك وأشار الى غرفة على اليسار.

دخلت هذه الغرفة، واذا بأربعة رجال، او خمسة، وبعد ان سلمت، واستقر بي الجلوس قلت: أنا لبناني، وقد اتيت للحج، وأرغب في التعرف على الهيئات الدينية، وأعمالها، فماذا تعنون بالتفتيش الديني؟. وهل تبحثون عن دين الانسان، وماذا يعتقد، فتقومونه ان كان اعتقاده معوجاً؟.
قال أحدهم، وهو المدير العام، واسمه الشيخ محمد بن عبد الله آل الشيخ، وأخوه وزير المعارف، قال: كلا، بل نربي النشء في المدارس على عقيدة الاسلام وأخلاقه،

وننظر الكتب التي تدرس هذه المادة، ونشرف على سير اساتذها ونشاطهم.
قلت: هذا حسن، ولكن المهم هو الاسلوب، وصواب الفكرة، وابراز الدين بصورة تسير مع الحياة، حتى يرغب فيه الصغير والكبير، ولا شيء يقف في طريق الغاية المنشودة من الدين كالتعصب، فأرجو ان لا تذهلوا عن هذه الحقيقة، وقبل ان انهي حديثي التفت احد الحضور، وإسمه الشيخ علي معجل، وهو مفتش في هذه الادارة، التفت الى المدير، وطلب اليه ان يدع له الجواب، كأنه يريد النزال والقتال، ويسأل رئيسه الأذن بالمبارزة، وقال لي: ماذا تعني بالتعصب؟.

قلت: ان المسلمين اخوان على دين واحد والاختلافات التي بينهم ليست جوهرية، وقد عنيت بترك التعصب ان لا تكفر انت ولا غيرك من نطق وآمن بكلمة التوحيد، كما هو المعروف والمشهور عن الوهابيين انهم يكفرون غيرهم، لا لشيء الا لانه غير وهابي.
قال: ولكن يجب على المسلم ان يؤمن بكلمة التوحيد بحقها.
قلت: حقها معروف، وهو الايمان بالجنان، والاقرار باللسان، والعمل بالأركان، والأركان هي الصوم ولصلاة، والحج والزكاة، وكل المسلمين يصومون ويصلون، ويحجون ويزكون.

قال: هناك شيء آخر.
فأومأ اليه المدير بالسكوت، فسكت، وتمنيت لو تركه في حديثه، لا عرف ماذا يريد من الشيءالآخر؟. وأعرفه مكانه من العلم والمنطق.. واظن انه قصد بالشيء الآخر تعمير القبور وزيارتها والصلاة عندها.. ومهما يكن، فسيأتي الحديث عنها مفصلاً. ثم قام المدير من مكانه، وجلس إلى جانبي، وقال بالحرف، وبكل تواضع: ان ما تقوله هو الحق، اجل، نحن اخوان، ويشهد الله اننا نكره التعصب والمتعصبين، ولكن الدعايات هي التي تلفق وتختلق.. ثم قال لي المدير: نحن بخدمتك، وخدمة كل حاج معك، مرنا بما شئت. قلت: شكراً، لا شيء سوى التعرف بكم.. وما رأيت احداً في مكة المكرمة بخلقه وتواضعه، لذا نظرت اليه مستغرباً، وقلت: من اين أنت؟ قلت هذا، وأنا علم انه نجدي وهابي. فضحك بمليء فمه، وقال: انا نجدي وهابي متعصب. وحين أردت الخروج عرض عليّ أن يوصلني بسيارته إلى حيث اريد، فشكرته، وقلت: معي سيارة، فرافقني، حتى ركبت، وحين الوداع سألني عن اسمي وعنواني الكامل؟ قلت: وما يعنيك من امري؟ قال: انا اصطاف بلبنان، وعزمي على زيارتكم.
قلت: اذن، اخسر فنجان قهوة، ولست مستعداً لذلك.

قال: اجل، ومعه فنجان شاي ايضاً.

قلت: هذا ادعي الى الكتمان.. ثم سألني اين اقصد؟. قلت الى الشيخ عبد الله خياط، وهو مستشار في وزارة المعارف، وامام الجماعة والجمعة وخطيبها في الحرم المكي الشريف.
قال لي المدير: اياك ان تقول له: انا جعفري. قلت: أترك الأمر للمقتضيات والمناسبات، ثم ودعته شاكراً بعد أن رأيت فيه المرونة والتعقل، ولو كنت مكان المسؤولين في السعودية لاخترته سفيراً لدى الحكومات الكبرى.
امام الجمعة والجماعة
ذهبت الى هذا الشيخ، وهو عبد الله خياط، امام الجماعة والجمعة وخطيبها في الحرم الشريف، ومستشار وزارة المعارف، وابتدأته بقولي المكرور: انا حاج من لبنان، واذا كان من فوائد الحج وبركاته التعارف بين المسلمين، فأولى ان نتعرف ونعرف أعيان هذا البلد الأمين، وقد زرت وتعرفت على رئيس القضاة الشيخ سليمان بن عبيد، وعميد كلية الشريعة الاستاذ احمد على، ومدير التفتيش الديني الشيخ محمد بن عبد الله، وسررت بمقابلة هذا المدير كثيراً.. قلت هذا، وانتظرت، ليعلق بالايجاب او السلب، ولكنه بقي صامتاً، فاستأنفت الكلام، وقلت: ان الشرطة كانوا يضايقون الحجاج من قبل، اما اليوم

فأخف، فهل هذا يعني انكم رأيتم سياسة التسامح أفضل؟.
قال: كل ما يقال هو مجرد دعاية ضدنا.
قلت: ان للاسلام امكانات وقوى عظمية، وعلى المخلصين ان يستغلوها لتحسين العلاقات الاجتماعية النافعة للمسلمين.
قال: ان الصلاة عامود الدين اذا قبلت قبل ما سواها، وان ردت رد ما سواها.
قلت: هذا حديث صحيح، ولكن له مقام آخر.
قال: كل حديث غير حديث الصلاة لا يجدي.
قلت: وهل هناك طائفة تنتمي الى الاسلام، وتترك الصلاة؟.
قال: الشباب الشباب لا يصلون، ثم افاض بالكلام عن تهاون الشباب بالصلاة.. هذا، مع العلم بأن هذا الرجل حين يقف للصلاة في الكعبة يغض الحرم والمسعى على سعتهما بالمصلين، ويمتليء الشارع والسوق المحيط بهما بالمؤتمين، وأكثرهم من الشباب، ومع ذلك لم يشبع، ويطلب المزيد من المؤتمين به…
قلت: واي مانع من اتحاد المسليمن، وعملهم يداً واحدة لحمل الشباب على الصلاة؟.
قال: ابداً الا الصلاة اولاً، والاتحاد ثانياً.
قلت: يا شيخ ان للاسلام اعداء يكيدون له عن طريق الدس، وحمل بعض المسلمين على تكفير بعض، لينالوا

منهم ما يبتغون، فعلينا ان نثبيه لاهدافهم ودسائسهم.
قال: الله يوفق، الله يوفق، قالها باسلوب يشعر بعدم الرضا والاقتناع. اما الصورة التي ارتسمت في ذهني لهذا الشيخ فهي نفس الصورة التي ارتسمت في ذهنك ايها القارئ، وأنت تقرأ ما دار بيني وبينه من الحوار.. ومن الحكايات الشائعة في قرى جبل عامل ان رجلاً اطرش كان يزرع الفول في أرضه، فمر به آخر، وسلم عليه، فظن الأطرش انه يسأل ماذا يزرع؟. فقال: ازرع الفول. قال له: كذا في ذقنك. فقال بطولها، وهو يريد ان الزرع امتد من أول القطعة الى آخرها..

هذا الشيخ المتعصب الذي اءتم بابليس امام المتعصبين يأتم به الهمج الرعاع، ويطلبون من الشيعة ان يأتموا به.. وقد عقد البخاري في الجزء الأول من صحيحه باباً خاصاً في أن «أهل العلم والفضل احق بامامة الصلاة».
ولا أدري اذا كان المستشارون في وزارة المعارف السعودية كلهم على شاكلة هذا الخياط، وفي وعيه ومعرفته؟.
في المدينة المنورة:
بعد الانتهاء من الحج ومناسكه سافرت الى المدينة المنورة ووصلت اليها يوم الثلاثاء 16 ذي الحجة 28 نيسان سنة 64، وكان البيت الذي نزلت فيه تقريباً من البقيع، لذا ابتدأت بزيارة قبور أئمة البقيع عليهم السلام، والبقيع قطعة واسعة

من الأرض مسورة بحائط رفيع، وله باب يقف عليه شرطي، يمنع النساء من الدخول، ويأذن للرجال، وفي هذه البقعة المباركة المقدسة دفن الامام الحسن، والامام زين العابدين، والامام محمد الباقر، والامام جعفر الصادق، وكثير من الصحابة والصلحاء، وكان على قبور الأئمة الأربعة بناء تعلوه قبة، فهدمه الوهابيون سنة 1343هـ. حين انتزعوا الحجاز من الشريف حسين، واستولوا عليه.
ولم يحجموا عن هدم الحرم النبوي الا بعد ان ثارت ثائرة المسلمين عليهم، وقامت الدنيا على رؤوسهم، ولم تقعد، والا بعد ان تأكد لهم ان المسلمين لا يدعون وهابياً على وجه الارض، لو مسوا القبر الشريف بسوء.. وقد سمعت خطيبهم يخطب في حضرة الرسول، ويقول بحرقة وحسرة: كان علينا ان نمنع الناس عن هذا المكان، ولكن ماذا نصنع، وقد غلب على امرنا.. ورغم ان مكانة أهل البيت هي مكانة جدهم بالذات، وحقهم هو حقه علىكل مسلم الا ان اهتمام الشيعة وتمسكهم بهذا الحق، وابرازهم لهذه المكانة وخصائصها وآثارها حمل غيرهم من المسلمين ان يتجاهلوا، ويغضوا الطرف عن جريمة الوهابيين، وما فعلوا بقبور الآل الكرام.

دخلت البقيع، فرأيت الألوف يحيطون بقبور الآئمة، يزورون ويدعون، ويتضرعون ويبكون، اما النساء فيقفن وراء الحائط، يزرن متجهان الى البقيع.
ولم استطع المكوث في البقيع، بعد ان رأيت ما رأيت من آثار الظلم والجور على أهل البيت الذين اشادوا صرح الدين، وأعلوا كلمة الحق.. لم استطع التأخير رغم تشوقي وتلهفي، وأي فرق بين ان ارى آثار الوهابيين في البقيع، وبين ان ارى ما فعل الامويون والعباسيون بأهل البيت؟.. كل منهم اراد ان يشتفي وينتقم لنفسه من الحق والعدل، وانتهج سياسة الضغط وكبت الحريات، وأعلن الحرب على العقائد والمبادئ، وعلى كل شعيرة لها تأثيرها في نشر الحق والعدالة، والمساواة، وكراهية البغي والمحاباة.
وقد يظن اني اقول هذا بوصفي شيعياً مولياً موتوراً، يريد أن ينتقم لعقيدته وأئمته.. وقد يكون هذا الظن حقاً، وقد يكون باطلاً، ولكن الحق الذي لا يتطرق اليه الشك والريت ان الوهابيين اليوم كالأمويين والعباسيين بالأمس، يعيشون في الترف والنعيم، والناس حولهم جياع عراة، وما هو المبرر لهذا التفاضل والاستئثار؟ هل هو الشرف والعظمة التي يدعيها الجهلاء والسفهاء؟ فهؤلاء آل الرسول اشرف وأعظم الناس اطلاقاً بعد جدهم، ومع ذلك قدّروا أنفسهم بأفقر الناس، يشبعون يوماً، يجوعون اياماً، فكيف بالادعياء؟.. اذن لا مبرر الا الظلم والجور.. ولولا أهل البيت ومن سار بسيرتهم لم تتضح هذه الحقيقة، ولم يفتضح بسببها الدعي المستأثر، ومن هنا كانت اساءة التقي للشقي، والمحق للمبطل، والشريف للوضيع، والعالم للجاهل. وهذا

ما قوى من عزيمة الوهابيين على الهدم، ومحاولة الاعفاء على الرسم، وان تصوروا، وخيل اليهم ان الدافع والمحرك الأول هو الاخلاص للوحدانية، والقضاء على الوثنية.
وتقول: ان الوهابية تدين بعدم البناء على القبور منذ وجودها، حيث لا ذهب اسود، ولا ابيض، ولا فولاذ ولا زنك ولا حديد.

قلت: هذا صحيح، وصحيح ايضاً ان من يستأثر على الناس بما تحتاج اليه هو وعد طبيعي لمن لا يرى لنفسه شيئاً تحتاجه الناس، اراد ذلك، أو لم يرد.
ومهما يكن، فان استطاع الوهابيون ان يزيلوا الأحجار عن قبور الأئمة الأطهار، فانهم أضعف من ان يزيلوا ذرة من الحب والولاء للرسول وآله، أو يمحوا كلمة واحدة من كلامهم، وحكماً من أحكامهم، فلقد دلتنا التجارب المتتالية عبر التاريخ ان عظمة الآل ترتبط بارادة الله، لأنه هو الذي اصطفاهم واختارهم للعظمة، ولا راد لما اختار واراد، فلقد فعل يزيد الاموي، والمتوكل العباسي وغيرهما ما فعل الوهابيون، وكانت النتيجة ان اقترن اسم الآل بالتقديس والصلوات، واسم اعدائهم بالتحقير واللعنات الى يوم يبعثون.
وقد سمعت بأذني هذه اللعنات، وأنا في البقيع، وسمعها شرطة الوهابية تنطلق من اعماق القلوب كأنها الصواريخ تنقض على رأس من ظلم وهدم.

انا الاحجار ليست بشيء في ذاتها عند الشيعة، ولا صلة لها بالعبادة، ولا بالولاء.. وما هي الاّ علامات ودلائل على المكان، تماماً كالمآذن، والسر هو التدين بولاء أهل البيت، لانهم قتلوا وشردوا وظلموا في سبيل الحق، أما قلق الشيعة لهدم قبور أئمتهم فلأنه امتداد لذاك الظلم، هذه هي الحقيقة، اما عبادة الاحجار، او عبادة صاحب القبر فكلام فارغ لا مدلول له ولا أثر عند الشيعة، بل هذه العبادة شرك في عقيدتهم، ولا يورثون فاعلها، ولا ولا يخالطونه في مأكل او مشرب.. وبالاختصار ان الشيعة يدينون بالعدل وأهله، وكلما قويت شوكة الظالمين، وتفاقم ظلمهم في أي زمان او مكان كلما ازدادوا تجاوباً وانسجاماً مع أهل الحق والعدل.

وبالتالي، فان الشيعة، وهم ما يقرب من مئة مليون، لا يسمحون للوهابية فعلتهم الا ان يدعوا لهم الحرية الكاملة في اعادة البناء، وهي حق مشروع لهم، ولكل مسلم آمن بالله وكتابه، وبالنبي وسنته، وهذه الحرية هي السبيل الوحيد لجمع الشمل، وتوحيد الكلمة، والقضاء على الأحقاد والاضغان التي يثيرها منظر الهدم والتخريب.
الى الحرم النبوي:
تركت البقيع، وانا تائه القلب والعقل، وقصدت الحرم النبوي الشريف، وبغير شعور رأيتني اقبل الباب عند

الدخول، ثم أهجم على القبر الزكي ألثمه باكياً شاكياً الى الله والى صاحب القبر ما حل بأهله احياء وامواتاً.. وأشكر تلك الصدفة، حيث لم تدع احداً ينتبه الي، أجل، سمعت قائلاَ يصيح: لا لا، فتنحيت عن القبر خشية ان يحدث مالا احب، وبعد ان زرت، ودعوت شققت طريقي بين الأمواج البشرية المتدافعة الى الروضة بين قبر النبي ومنبره، حيث يكثر الزحام فيها، والتسابق اليها، تماماً كما هي الحال عند الحجر الاسود، لحديث بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة. واستطعت بحمد الله ان اصل الى هذه الروضة اكثر من مرة، بل، وصليت فيها تماماً، فكنت أنتظر واقفاً خلف بعض المصلين، والجالسين الى ان يترك مكانه، فأسبق اليه قبل ان يحتله غيري، وقد اشركت في دعائي، وانا في هذه الروضة، كل من تصافيت واياه على الحب في الله، واستخلصني، واستخلصته للعلم والايمان، لا للدنيا، ودعم الكيان.. اما من سقمت مودته، لا شيء إلا لانه لا يطيق ان يسمع كلمة خير عن صديق او مثيل ورفيق فقد طلبت من الله سبحانه ان يعينه على نفسه، ويطهر لسانه وقبله مما يشين، ويرفعه بالعلم والورع والاخلاص الى اعلى عليين.
ودخل الغدير، وانا في طيبة مهبط الوحي والتنزيل، وحيث بيت علي وفاطمة الذي ولد فيه، ودرج الحسن والحسين سيدا شباب أهل النجنة.. ورغب اليّ التقي النبيل

العلامة الشيخ محمد علي العمري عالم النخاولة ان ألقي محاضرة بهذه المناسبة في الحسينية مساء 18 من ذي الحجة، فلبيت مغتبطاً، وكيف ارفض، او أتردد في أمر عشت من أجله وأوقفت له عمري كله، وغص المكان بالناس في داخله وخارجه، يستمعون بكل مشاعرهم، يخيم عليهم جلال اليوم، وعظمة صاحبه، يجمعهم عقل واحد، وقلب واحد يتدفق بالحب والولاء للغدير وصاحب الغدير.
وكانت ساعة أحسست بأنها تعادل حياتي كلها، وأي ساعة اجل، وأفضل من ساعة اقف فيها خطيباً في بلد الصادق الأمين، ويوم اخيه ووزيره وخليفته مردداً ومعدداً نفس الفضائل والمناقب التي رددها وعددها رسول الرحمة قبل حجة الوداع، وفيها وبعدها، وبلغها، وهو على مفترق الطرق، أهل الدنيا جيلاً بعد جيل الحمد لله، وله الشكر على ما وفق من حج بيته الحرام، وزيارة قبر نبيه وأبنائه عليه وعليهم السلام، والقيام بما وجب علي في هذا اليوم العظيم الذي اختار الله فيه علياً عصمة للمؤمنين، وخليفة لرسول رب العالمين: نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء… ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور.
مع رئيس القضاة:
وذهبت في اليوم الثاني الى المحكمة الشرعية بالمدينة المنورة، وفيها جميع قضاتها وهم خمسة، وعليهم رئيس،

كما هي الحال بمكة المكرمة، دخلت غرفة احدهم، وجلست على بعض مقاعدها، فنظر اليّ القاضي، وقال: هل من حاجة؟. قلت له: هل أنت قاضٍ؟. قال: نعم، ونائب الرئيس. سألته عن اسمه؟. قال: عبد المجيد بن حسن.
قلت: هل تسمح بالاطلاع على سجل الاحكام، فاني احب ان اقارن بينها وبين الأحكام في لبنان؟.
قال: هل انت قاضٍ؟.
قلت: أجل،
قال: في المحاكم الحنفية، أو الجعفرية؟.

قلت: انا جعفري. وشرعت بالحديث عن الاسلام والمسلمين، وبأي شيء يؤكدون انفسهم، ويطورون قواهم اجتماعياً، وسياسياً.. وكان يردد قول طيب طيب، ولا يزيد، وحين هممت بوداعه قال: الى اين؟. قلت: الى الرئيس الشيخ بن عبد العزيز بن صالح، فأرسل معي شرطياً أرشدني الى غرفته، فتحت الباب، ودخلت، فأهل ورحب.
وابدأت الحديث بهذا السؤال: كيف تفسرون قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: اختلاف امتي رحمة؟.
قال: اختلافهم في الفروع، لا في الاصول.
قلت: اذن جميع الطوائف الاسلامية من امة محمد، لان الاصول هي الايمان بالله، والرسول، واليوم الآخر،

والكل يؤمنون بذلك دون استثناء.
قال: وهناك اصل آخر.
قلت: ما هو؟.
قال: خلافة ابي بكر، وانها حق له بعد الرسول بلا فاصل.
قلت: الخلافة من الاصول؟!.
قال: نعم.
قلت: لقد نفى السنة عنهم هذا القول، ونسبوه الى الشيعة الامامية، وانكروه عليهم(1) .
قال: أجمع أهل السنة على ان خلافة ابي بكر من الأصول، وأصر.
قلت: لا يثبت اصل من اصول الدين الا ببديهة العقل، او بنص الكتاب نصاً صرحاً، او بسنة تكون بقوة القرآن ثبوتاً، وبدلالة لا اله الا الله وضوحاً، اما اخبار الآحاد فليست بشيء في باب الاصول، وإن كانت حجة في الفروع.
قال: هذا صحيح، وقد تواتر عن الرسول انه قال: يأبى الله ورسوله الا ابابكر.
قلت: كيف يكون هذا متواتراً، ولم يروه الشيخان البخاري ومسلم ولا احتج ابوبكر، ولاعمر، ولا احد
____________
(1) جاء في كتاب المواقف وشرحة: 8 / 344: «ليست الامامة من اصول الديانات والعقائد خلافا للشيعة، بل هي عندنا من الفروع.

يوم السقيفة حين رأى الأنصار انهم اولى من ابي بكر بالخلافة، فشرع يتكلم عن الحديث وأقسامه، ثم أكد مصراً على تواتره، وانه لم يخالف في ذلك الا الشيعة، ولما لم اجد وسيلة لاقناعه قلت له: هل من شرط صحة الحديث ان يثبت عند الجميع، أو عند من يعمل به فقط؟. قال: بلى عند من يعمل به.
قلت: هذا الحديث لم يثبت عند الشيعة لا بطريق التواتر، ولا بطريق الآحاد، ولذا لم تكن خلافة ابي بكر عندهم من الاصول، ولا من الفروع.

البناء على القبور:

وقد لمست من كل من اتصلت به من شيوخ الوهابية الاعتقاد بأن البناء على القبور شرك وإلحاد، وان القصد وشد الرحال لزيارة قبر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم من اكبر الكبائر.. وبذلك صرح الأمير فيصل بن عبد العزيز في الخطاب الذي ألقاه بمكة المكرمة، واكد أن بناء المسجد على قبر الرسول حرام، وهو طريقة اليهود والنصارى، وقال ما نصه بالحرف الواحد:
«قال رسول الله: قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد، فلا تتخذوا قبري هذا من بعدي مسجداً، فما معنى ذلك؟. ربنا يقول: ادعوني استجب لكم، ما قال: ادعوا الانبياء، ولا ادعوا الملائكة، ولا

ادعوا الأولياء والصالحين». (جريدة الندوة المكية عدد السبت 6 ذي الحجة سنة 1383 هـ.).

ومن قبل ذهب اخوه الملك سعود الى ايران، وطالبه العلماء ان يسمح باعادة البناء على قبور أئمة البقيع فجابههم بهذه الآية: «ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون» أي ان هؤلاء الشيوخ كافرون، لانهم طالبوا بغير ما أنزل الله.. واذا عطفنا قول فيصل على قول أخيه سعود تكون النتيجة ان الحاكم في السعودية هو وهابي قبل كل شيء، وان الوهابية فوق كل شيء، حتى الشعب والناس اجمعين.. ومن قرأ كتبهم ظهرت له هذه الحقيقة بأجلى معانيها، فقد جاء في كتاب: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص 481: ان تعلية القبور من ذرائع الشرك ووسائله.. وفي ص 32 و 483 ان تجصيص القبور والصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها، والتقرب اليها».
وجاء في كتاب «تطهير الاعتقاد من ادران الالحان» ص 38: هؤلاء القبوريون سلكوا مسالك المشركين حذو القذة بالقذة. وفي ص 32 ان تسمية القبر مشهداً، ومن فيه ولياً لا يخرجه عن اسم الصنم والوثن.. وفي ص 34 فان قلت: هل الذين يعتقدون بالقبور والأولياء مشركون كالذين يعتدون بالأصنام؟. قلت: نعم قد حصل منهم ما حصل من اولئك وساووهم في ذلك، بل ازدادوا في الاعتقاد والانقياد والاستعباد، فلا فرق بينهم».

واذا كان التعمير على القبور شركاً، والاعتقاد بالأولياء اكبر من الشرك وأعظم فهل يبقى مجال للسعي، أو أمل في إقناع الوهابيين؟.

وذهبت في اليوم الثالث الى الجامعة الاسلامية بالمدينة، فوجدتها مقفلة، لمناسبة عطلة العيد، وبعد رجوعي الى لبنان اخبرني الدكتور مجتهد زادة عميد كلية المعقول والمنقول بخراسان انه ذهب الى هذه الجامعة بعد العطلة، واجتمع بالاستاذ محمد العبودي الأمين العام لها، وأخبره ان عند الجامعة اربعة كتب من مؤلفاتي، ولكنهم يمنعون الطلاب من الاطلاع عليها، كما اجتمع بصالح بدر الحيدري مدير متوسطة ابي بكر الصديق بالمدينة، وقال له: انه قرأ كتبي، وانه يرغب في مقابلتي. وأرى لزاماً ان تهدى بعض كتب الشيعة لعلماء الوهابية، ومكتباتهم العامة بمكة والمدينة والرياض، ولاساتذة المعاهد والكليات، ارى هذا رغم علمي ويقيني ان للوهابية مبدأ لا تحيد عنه، وهو ان كل من عداهم مشرك، وان نطق بكلمة التوحيد، وصام وصلى، وحج وزكى، وقال بالثواب والعقاب، وان المشرك على نوعين: مشرك لا ينطق بكلمة التوحيد، ولا يصوم ويصلي، ولا يحج ويزكي، ولا يقول بالثواب والعقاب ومشرك ينطق بكلمة لا اله الا اله محمد رسول الله، ويصوم ويصلي، ويحج ويزكي، ويقول بالثواب والعقاب…
وتظهر لك هذه الحقيقة من الفصول التالية.


EmoticonEmoticon