Sunday, August 18, 2013

هذه هي الوهّابيّة لمحمد جواد مغنية

هذه هي الوهّابيّة لمحمد جواد مغنية


اسم الكتاب: هذه هي الوهّابيّة
المؤلف: محمد جواد مغنية
الموضوع: فكرة السلفية الوهابية

محتويات

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه الطاهرين.
وبعد:
فاني ما فكرت آنا ان ابحث، وانقب في كتب الوهابية، لاضع فيها كتاباً خاصاً كهذا، وما كنت لاستطيع، لو فكرت واردت وحاولت.. ذلك ان الارادة، أو المعرفة، او هما معاً لا يثمران كتاباً، بل ولا مقالاً ما لم يتدخل عنصر ثالث بصورة فعالة ـ اقول هذا بالنسبة اليّ ـ وهذا العنصر هو التجاوب بيني، وبين الموضوع، وبالاصح بيني وبين الكتابة في الموضوع.
ومتى حصل هذا التجاوب كتبت بسهولة ويسر ـ وربما كان هذا سر الانتاج السريع، والا كنت كالذي يعصر الرمال والتراب.. وما دمت لا أملك من امر هذا التجاوب كثيراً ولا قليلاً فأنا ـ اذن ـ في جميع ما كتبت، وما سأكتب مسير لا مخير، حتّى ولو توفرت فيّ الارادة والمعرفة، لأن النتيجة تتبع اضعف المقدمات.

وقد حصل هذا التجاوب تلقائياً بيني وبين الكتابة في هذه الموضوع بعد ان سافرت الى الحجاز، وأديت المكتوبة، واجتمعت بعلماء الوهابية، ودار بيننا ما سجلته في فصل «مع علماء الوهابية» من هذه الصفحات.

وأول كتاب قرأته في هذا الموضوع هو كتاب «كش الارتياب في اتباع محمد عبد الوهاب» للمرحوم السيد محسن الأمين(1) وكنت طالباً في النجف الاشرف، وقد مضى على ذلك 35 عاماً، او تزيد.. وارتاع الوهابيون يومذاك من هذا الكتاب، وضاقوا به ذرعاً، لأن المؤلف رضوان الله عليه ناقشهم نقاشاً علمياً، ونازلهم بكتاب الله، وسنة نبيه، كما ارغمهم على تعديل موقفهم من شيعة الاحساء والقطيف بعد أن طلب اربعة عشر عالماً وهابياً من الملك عبد العزيز ان يرغم هؤلاء الشيعة على اعتناق الوهابية، ومن أبى اخرجه من دياره، ونفاه الى حيث يشاء السعودي الوهابي. وبعد مضي أعوام طوال على قراءتي كتاب المرحوم
(1) اعاد نجله الفاضل الأستاذ السيد حسن طبع هذا الكتاب سنة 1962، واضاف اليه فصولا جديدة، وتعليقات نافعة مفيدة، حتى بلغت صفحاته 400 بالقطع الكبير.

الأمين قرأت رسالة التوحيد، ورسالة كشف الشبهات، ورسالة شروط الصلاة، ورسالة هذه اربع قواعد لمحمد عبد الوهاب مؤسّس مذهب الوهابية، وفي هذه السنة 1383 هـ. صحبت معي من مكة المكرمة كتاب مسائل الجاهلية لمحمد عبد الوهاب، وكتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لحفيده عبد الرحمن، وكتاب تطهير الاعتقاد من ادران الالحاد لمحمد بن اسماعيل الصنعاني، وكتاب شرح الصدور بتحريم رفع القبور لمحمد بن علي الشوكاني، وكان الصنعاني والشوكاني معاصرين لمحمد عبد الوهاب، وقد ارشدني الى هذه الكتب الشيخ سليمان بن عبيد رئيس قضاة مكة حين قلت له: سأضع كتاباً في عقيدة الوهابية، وسألته عن اوثق مصادرهم:

وأهم ما يلفت النظر في هذه الكتب هو الحرص الشديد على تكفير أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ـ غيرهم ـ حرصاً بلغ حد الشهوة او الانتقام، فمبدأهم الديني والاجتماعي والسياسي هو: «اما ان تكون وهابياً، واما القتل لك، والنهب لأموالك والسبي لذراريك».
وما على من يريد التثبت من قولي هذا الا ان يقرأ في هذه الصفحات ما نقلته عنهم، وقد مهدت للقارئ، ويسرت له طريق مراجعة كتب العقائد عندهم، فذكرت اسم الكتاب، ورقم الصفحة، وسنة الطبع والاخراج.

ومن ألمّ بهذه الكتب الصحيحة المعتبرة الموثوقة عند كل وهابي لا يخامره الريب بأن الهدف النهائي للوهابية هو ابادة
المسلمين ابادة تامة ـ غيرهم ـ او ابادة من يستطيعون ابادتهم، كمسلمي المملكة العربية السعودية من غير فرق بين السنة والشيعة، وانه لا يروي عطشهم الا هذه السياسة الجهنمية.. وما اوقفهم عن محاولة تنفيذ هذه السياسة الا قوة المسلمين، ونقمة الرأي العام في الشرق والغرب، وقيام الثورات ضد الظلم والتحكم هنا وهناك، وايمان الناس، كل الناس الا الوهابية بالحرية في ممارسة الدين والتعبير عنه بكل اسلوب يريده المتدين.

ومن أجل هذه البواعث، وهذا الوعي الذي يقضي على كل من يتخطاه ويتجاهله مال الوهابيون الى معاملة الحجاج باللين ستة فسنة، بعد تلك القسوة والجفوة، وإلى إلغاء الرق شيئاً فشيئاً.. لقد تأكدوا ـ ولله الحمد ـ ان الرق قد ذهب اوانه، وان الظروف لا تساعد على التعصب والتحكم، ونحن بنارك هذه الخطوة، ونعتبرها هامة جداً في الأوساط الوهابية، سواء أتخطوها عن طواعية، ام عن كراهية، ونسأل الله سبحانه ان تتبعها خطوات الى الامام، حتى تعود الحرية الى سابق عهدها في الحرمين الشريفين، وفي كل شبر يحكمه الوهابيون.
ومهما يكن، فاني تكلمت عن عقيدة الوهابية بما هي، وكما جاءت في مصادرها، بصرف النظر عن سياسة الوهابيين، ومعاملتهم مع الحجاج والزائرين.. اما الاسلوب الذي اعتمدته للرد على هذه العقيدة وتنفيذها فهو نقض اقوالهم وإلزامهم بالمحاذير

والمفاسد التي تترتب عليها.. وكنت ابحث وأنقب عن اقوالهم، واقارن بعضهما ببعض، حتى اذا رأيتها متضاربة متناقضة اعلنت هذا التهافت، وألزمتهم به، لقد حرصت كل الحرص على ان تكون ملاحظاتي، وردودي اشبه بشباك حيكت من أقوالهم وآرائهم بالذات، لا خيط فيها الا منهم ولهم.. ولم اهتم كثيراً بذكر الآيات والروايات، لانها تكررت في اكثر من تصنيف من الردود على الوهابية. اشارة:

منعت الحكومة السعودية من اراضيها كل كتاب يحمل اسمي، لا لشيء الا لاني اقف لمن كاد ويكيد للاسلام والمسلمين، ويحقد على الرسول وأهل بيته صلى الله عليه وآله ويسعى جهده لبث السموم والأوباء في كل بلد توجد فيه ارائحة البترول، او مجاور لبئره ومصبه وممره، ليضمن لاسياده الأمن والأمان، وهم يمتصون دماء العرب والمسلمين.. كالجبهان والحفناوي ومحب الدين الخطيب، ومن اليهم، منعت الحكومة السعودية مؤلفاتي، ولا اشارة فيها لعقيدة الوهابية من قريب او بعيد، فبالاخرى ان تمنع كتابي هذا، وتحرقه لو استطاعت.. ولا اشك انها ستستأجر أعداء الفضيلة والعدل، وأنصار الرذيلة والظلم للسب والشتم.
ومهما فعلت، وحاولت أن تفعل فان اليوم الذي ستشرق فيه شمس الحرية على ارض الحرمين الشريفين آتٍ لا

محالة، تماماً كما أشرقت على غيرها، وان عهد مصادرة الكتب سيزول، كما زالت محاكم التفتيش التي كانت تحرق العلماء وكتبهم العلمية.
ولا أدري بأي شيء افسر منع مؤلفاتي من السعودية، وكثير غيرها من كتب الهداية والرشاد، وافساح المجال لكتب الخلافة والفساد التي تشجع الفحش والفجور، وتنشر الفسق والدعارة، وتسير بالنشيء الى الحضيض؟..
زرت مكتبات مكة التجارية، ولم تفوتني واحدة منها ـ فيما اعتقد ـ وقلبتها او قلبت اكثرها ظهراً لبطن، كعادتي مع مكتبات لبنان، فلم أر كتاباً للشيعة يباع علانية الا مجمع البيان، ومكارم الاخلاق للطبرسي «طبع مصر».. ورأيت روايات الجنس العاري، حتى من «المايو» تغطي الواجهات، وتحتل الصدور من المكتبات التي تحيد بالكعبة الطاهرة المطهرة، بخاصة المكتبات المقابلة للمسعى وجهاً لوجه.

ولا جابه الوهابيين بهذه الحقيقة في الساعة الراهنة كتبت اسماء الكثير منها.. وهذا بعضها: نساء الليل.. شهر العسل.. امرأة من باريس.. الشريرة.. الخ، مع العلم بأني لا أعرف المحتوى والمضمون.. ولكني رأيت على الغلاف صوراً لرجال يفترشون العاريات المثيرات، مع العناق والقبلات.. فما يخرج المحرم الطائف العاكف من الكعبة المشرفة المعظمة، حتى تواجهه هذه المنكرات،

وصور الفاحشات، والتي سمحت بها جماعة الأمر بالمعروف لانها لا تنافي الدين والآداب.. اما اللمس والتمسح بقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشرك وإلحاد.. هذا هو منطق الوهابيين، وهذي هي سيرتهم.. يطلقون الحرية للأفاعي تنفث السموم، حتى عند ابواب الكعبة، ويسدون نوافذ النور والهداية عن المسترشدين والتائهين.. ومن يدري؟.. لعلهم افسخوا المجال لهذه الروايات والخلاعات ليثبتوا ان المملكة العربية السعودية قد سبقت الشرق والغرب في مضمار التقدم والحضارة؟.. وبالمناسبة ـ ولا بأس ان اطيل عليك ايها القارئ على خلاف عادتي لأن تناقضات الوهابيين كالتسلسل لا آخر له ـ أقول بهذه المناسبة: اني دخلت ذات مساء الى مكتبة بمكة المكرمة، فرأيت كتاب «معاوية بن أبي سفيان» لعمر ابو النصر يعرض فيها علناً، وما ان شرعت في الحفر والتنقيب عما ابتغيه من الكتب، تماماً كما يحفر وينقب الغرب عن الذهب الأسود في السعودية، حتى وقع بصري على كتاب «الامام علي» للأستاذ جورج جرداق، وكان صاحب المكتبة قد واره الأنظار..

وأردت ان اعرف مدى خوقه لو اكتشف الوهابيون جريمته هذه. فأخذت الكتاب بيدي ـ وهو لا يعرف من انا ـ وقلت له مستنكراً: كيف تعرض هذا للبيع؟.. ألا تعلم انه ممنوع؟.. وأشعرته باسلوب خفي اني سأشي به الى الشرطة.. فنظر إليّ بذهول، وقال: «إيه إيه مالو

علي مالو علي؟». قلت: مالو علي. ممنوع علي، ممنوع علي.. قال: «ايه بطال علي؟ بطال؟»..

سلام الله عليك يا علي.. وأقسم بمن عظمك وكرمك انك لو احببت الباطل لكان كل كتاب يحمل اسمك العظيم يباع في المملكة السعودية علانية وجهراً، لا خفية وسراً، وبدون ان يخاف البائع والمشتري، تماماً كما يباع كتاب معاوية ابن آكلة الاكباد.
والله سبحانه ان يعصمنا من النصب والمغالاة، وان يزيدنا ايماناً به وبجلاله، وولاءً بالنبي وآله، عليه وعليهم ازكى التحيات، وأفضل الصلوات.

من وحي الحج

الحمل الثقيل:
كنت احس ان على ظهري حملاً ثقيلاً طوال السنوات الماضية التي استطعت فيها مادياً، لإداء فريضة الحج، لا أدري متى اتخفف منه، والحج ـ كما كنت اتصوره ـ عبء شاق يحتاج الى مبلغ من المال غير يسير، لا تطيب النفس عنه بسهولة.
كما انه يستتبع الاتعاب والاوصاب لزحمة الناس، في بلد واحد، ومكان واحد، وزمان واحد، ويستنفد جهداً كبيراً قد لا تجود النفس ببذله، وتحمله، وفوق ذلك كله الخوف من الأخطاء والرياء، وان يرد عليّ عملي، ولا يكون حجي مشكوراً، ولا مدخوراً ليوم الحساب.
هذا ما كنت احسه، واشعر به، وهو السبب الأول للتأخير والتقصير، اما اعتذاري وتعللي بأن حكام السعودية يمنعوني من الحج، أو يسيئون اليّ في ديارهم، لما كنيته عنهم في الصحف، وفي بعض مؤلفاتي بعد قضية الجبهان،

اما هذا التعليل فقد تبين انه وهم لا اساس له.. وربما كان منشأه الكسل والاهمال.
ومهما يكن، فقد شعرت بالرغبة الجدية في الحج هذا العام ـ 1383 هـ ـ والعزم الأكيد على إدائه مهما كانت العواقب، حتى ولو نصبت لي الأعواد على الحدود، وخسرت ما أملك من صحة ومال، اما سر هذه الرغبة، وهذا العزم فعلمه عند ربي، ومهما يكن، فانه ليس من ارادتي واختياري في شيء، لأن الارادة لا تعلل بالإرادة. الى البيت العتيق

اقلعت الطائرة من مطار بيروت الساعة السابعة من مساء ـ 4 ـ 64 الموافق 26 ذي القعدة سنة 83 هـ، ووصلت جدة حوالي التاسعة، وبت في اوتيل النهضة، وخرجت من جدة مساء اليوم التالي محرماً بالنذر، قاصداً مكة المكرمة، ثم جددت الاحرام في الحديبية(1) وبلغت مكة قبيل الغروب، وبينها وبين جدة 74 كيلومتراً، وكان اليوم يوم الخميس، وما اقتربت منها، حتى ذهلت عن نفسي، وحاضري ومستقبلي، وغمرني الشعور بالغبطة، لما وفق الله من تأدية ما فرضه في كتابه، وتسديد ما عليّ من حسابه، وانطلق

(1) الحديبية المكان الذي صدت فيه قريش الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم عن دخول مكة المكرمة للعبادة، وتم الصلح بينه وبينهم، وسمي هذا الصلح باسم المكان.

لساني بالحمد والشكر على السكينة والتخفيف من ذاك الحمل والتكليف.. وقد تتهيأ الصحة لشخص، ويعوزه المال، وقد يوجد المال، وتعترضه مشكلة الصحة، وقد يوجدان معاً، ويعوقه الكسل والاهمال، اما من توافرت له هذه جميعاً فيحق له ان يفرح ويغتبط، وعليه ان يحمد ويشكر، وكل شيء كان لدي موفوراً وميسوراً: الصحة والمال والاقبال، فله الشكر والحمد. شعاب مكة:
وأول شيء سبق الى ذهني، وانا ألقي النظرة الاُولى على مكة المكرمة هو القول المشهور: «اهل مكة ادرى بشغابها». فأخذت أنظر يمنة ويسرة، اتبين هذه الشعاب، فرأيت بيوتاً متراكمة متراصة في أرض منخفضة تشرف عليه، وتحيط بها جبال وتلال احاطة السوار بالمعصم، وعلى هذه الجبال بيوت متواضعة، كما تبدو للناظر، وفي اليوم التالي طلبت من سائق التاكسي ان يذهب بي اليها، فقال: لا تصلها السيارات، وأصحاب البيوت فيها كلهم من الفقراء، لا يستطيعون ان يبنوا في الاحياء المنخفضة التي تحيط بالحرم الشريف. معنى العبادة:

دخلت البلد الأمين قبيل الغروب، وبعده قصدت
البيت العتيق، والمسجد الحرام، وكعبة المسلمين وقبلتهم، فرأيت الألوف بملابس الاحرام، مكشوفي الرؤوس، يطوفون ويصلون، ويرددون في تطوافهم: «يا كريم يا غفار» منصرفين الى الله وحده، حتى عن انفسهم وذويهم، متجهين إليه سبحانه بنفوس نقيه، وعاطفة تقية، وقلوب معبأة مهيأة الى فضل الله ورضوانه.
وفجأة، ودون أية سابقة، انتابتني رعشة هزتني من الاعماق تجلى تأثيرها ووقعها في بكائي وتضرعي، وانقطاعي اليه سبحانه، وشعرت كأني أمام الله وجهاً لوجه، واني في عالم كله نور وروح، وهذا هو معنى العبادة بروحها وجوهرها، انها اولاً وقبل شيء اليقين بالله، والاخلاص فيما ترجوه منه، والصدق في تضرعك له.

وقال قائل: ان العبادة ركوع وسجود، وسعي وطواف، وكفى.. وذهب آخر الى انها تفكير فلسفي. وزعم ثالث انها رياضة ومكاشفة؛ والحق انها قلب متطلع الى رحمة الله، واثق بمغفرة الله.. وكل حاج يحمل هذا القلب المتطلع الواثق فيما اعتقد ـ الا من اتخذ الحج وسيلة للعوائد والفوائد العاجلة. وان شككت في شيء فلن اشك بأن الله يقبل الجميع ما دام هو القصد والغاية، حتى الجاهل الذي لا يعرف مكان الدقة في الطواف، ولا يحسن انتقاء «الخرش البرش» من حصى الرمي.. سمعت إمرأة تقول، وهي تشير إلى الكعبة: رحمتك

يا رب للناس كلهم.. أي وحقه انه يرحم الناس، كل الناس الذين يقفون على بابه يرجون فضله وإحسانه. مع الطائفين العاكفين:
مكثت بمكة 19 يوماً، وكنت اذهب مساء كل يوم الى الحرم، ما عدا اليوم التاسع مع ذي الحجة، فاذا رأيت جماعة مقبلين على البيت للطواف خلطت بهم نفسي، وفعلت ما يفعلون، ورددت ما يقولون، وكنت أتقصد الاختلاط بالافريقيين السود، لما لمسته فيهم من الصفاء والاخلاص وأحسسته معهم من التوجه والانقطاع. وقد طفت مرات، ولكن لم تهتز مشاعري للدرجة التي كانت تهتز، وانا اطوف مع هؤلاء السود.

وذات مساء رأيت حزمة من اليمنيين قد تلاصقوا، وأخذ بعضهم بعضد بعض، واندفعوا كالسيل لا يلوون على شيء، فوضعت يدي بعنق الأخير منهم، فلم يلتفت الي، وأخذت أطوف معهم، واركذ واقفز. كما يركذون ويقفزون، وأردد معهم: «حج حج يا حاج حج».
وقصدت المسعى في ذات يوم، فحسبت ان جبالاً من البشرية تسير ذاهبة آيبة بين الصفا والمروة، وان الأرض ترتفع بهم الى اسماء، الى جنة المأوى، وان ملائكه الرحمة تتلقاهم بالبشر والترحاب تناديهم ان تلكم الجنة تعلمون اورثتموها بما كنتم.

الحجيج والضجيج:
أما ما نسب الى الامام زين العابدين عليه السلام من انه قال: ما أكثر الضجيج، وأقل الحجيج، ما حج الا انا ونافتي، ورجل من البصرة، فانه محل النظر والتأمل.
اولاً: انه لا يتفق مع دعائه في يوم عرفة، الذي جاء فيه: «اللهم وهذا يوم شرفته وكرمته وعظمته، نشرت فيه رحمتك، ومننت فيه بعفوك، واجزلت فيه عطيتك، وتفضلت به على عبادكء».
وبديهة ان معنى انتشار الرحمة شمولها للجميع لا للرجل والناقة فقط لا غير.. وقال ايضاً: «يا من عفوه اكثر من نقمته، ويا من رضاه اوفر من سخطه، ويا من تحمد الى خلقه بحسن التجاوز».
ثانياً: أي فرق بين هذا القول ما حج الخ، وبين قول الاعرابي: اللهم ارحمني، وارحم محمداً، ولا ترحم احداً معنا»..
ومعلوم ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم انكر عليه، وقال: يا هذا ضيقت واسعاً.
ثالثاً: فهمنا حج الانسان، اما حج الناقة فم ندرك له معنى، وان كان المراد ان ناقة الامام حملت حاجاً، فان ناقة البصري كذلك، اللهم الا ان يكون البصري حج ماشياً.
وعلى اية حال، فان معنى الحديث، ان صح، ان الامام والبصري ينالان ثواب الحج بالاستحقاق، اما غيرهما


فبالتفضل(1) . ومهما يكن، فان النتيجة واحدة، وهي شمول الرحمة للجميع، ولكن يبقى اشكال حج الناقة قائماً. صور من الحج شاهدت في الحج صوراً تركت في نفسي اعمق الأثر، ولا اشك ان ما فاتني منها اكثر وابلغ في شكلها وموضوعها.. شاهدت رجلاً طاعناً في السن، يهتز من قرنه الى قدمه، واللعاب يسيل من فمه، والمخاط يتقاطر من انفه، يقوده شاب، لم يبلغ الثلاثين، أو لم يتجاوزها، يطوف به حول البيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويخدمه باخلاص، ويبذل الجهد لمرضاته وراحته. قلت للشاب: من اين؟ قال: من العراق. قلت: وهكذا من يكون؟. قال: ابي. قلت: وفقك الله. قال: الحمد لله الذي وفقني لإداء حقه، وأسعدني بخدمته.
وشاهدت آخر يحمل والدته على منكبيه، وقد تدلت رجلاها على صدوره، وهو ممسك بيديها، يطوف بها، ويسعى، وقد تبعته في الطواف والمسعى، وكنت اتصور، وانا انظر اليه، انه يرى نفسه اسعد من كان ويكون في هذه اللحظات لانه ضمن له مكاناً عظيماً في جنة الخلد
____________
(1) اتفق علماء الكلام على ان العاصي يعاقب بالاستحقاق، واختلفوا: هل يثاب الطائع استحقاقاً اوتفضلا؟.

بعد ان أدى للأموته حقها، ووفى لها بعهدها، كما تصورت شعورها بالغبطة بهذا الولد البار الذي حقق لها أعز الأماني والاحلام.
شاهدت هاتين الصورتين، فئذكرت من يتخذ من عطف الأب والأم وسيلة للتنمر عليهما، ومجابهتهما بالاساءة والعقوق.

وفي مساء 12 ذي الحجة شاهدت في زاوية من زوايا البيت مجموعة من المصريين نساء ورجالاً يصفقون بهدوء ويرددون الأناشيد بمدح الرسول وآله صلى الله عليه وآله وسلم، وهم فرحون مستبشرون كأنهم في عرس، وإلى جانبهم رجل يصلي، وآخر يتلو القرآن، وثالث يتضرع ويبكي. فقلت بكى هذا خوفاً من عقاب الله، وغنى هؤلاء وصفقوا املاً بثواب الله، والكل سواء في رحمته، ما دامت قلوب الجميع عامرة بالتدين والايمان بجلاله وعظمته، وصلى الله على محمد وآله الذي قال: ان الطرق الى الله بعدد انفاس الخلائق. الحج وأتعابه: قال الفقهاء: ان التكليف مشتق من الكلفة، وهي المشقة.. اذن كل تكليف يستتبع نوعاً من الاتعاب، واشدها هي اتعاب الحج، اللهم الا الصوم، بخاصة على من اعتاد التدخين وشرب الشاي.

وقد شعرت بالاعياء والعناء في عرفة والمشعر ومنى، ولكن أتعاب الحج أشبه بالآلام الشديدة التي تعانيها الأم حين الوضع، فسرعان ما تستحيل الى لذة وسرور بعد ان ترى وليدها سالماً، بل هذه الآلام بداية حبها له، وتعلهقا به.. وهكذا الحاج ينسى جميع أتعابه وأوصابه، ويشعر بالغبطة والسعادة بعد ان يؤدي المناسك على وجهها ويشكر الله سبحانه لما هداه واعانه على تأدية ما فرضه من طاعته، اوجبه من عبادته(1) .
____________
(1) كانت ليلتنا في المشعر الحرام ليلة البرد والزمهرير في صحراء جرداء، لا مأوى فيها: ولم يكن معي غطاء ولا وطاء، وانا مكشوف الرأس، وعلى جسمي ملابس الاحرام، ينفذ الريح خلالها بسهولة ويسر، فأصابني رشح قوي لازمني مدة عشرين يوماً.


EmoticonEmoticon