Wednesday, June 26, 2013

صلاة الجماعة وشروط القدوة وأحكام المساجد

Tags

صلاة الجماعة وشروط القدوة وأحكام المساجد



كتاب بغية المسترشدين با علوي الحضرمي علي المذهب الشافعي

محتويات

أحكام المساجد

[فائدة]: لو اشترك جماعة في بناء مسجد بني لكل منهم بيت في الجنة، كما لو أعتق جماعة عبداً فإن كلاًّ يعتق من النار، ويسنّ بناؤها في الدور، ويكره فيما تكره فيه الصلاة إلا الحمام والمقبرة المندرسة اهـ إيعاب ومشرع.

(مسألة: ي): المسجد المعمور بموات تثبت له أحكام المسجدية بشرط أن يكون العامر مسلماً، وأن يتلفظ بوقفه، أو يقصد بالبناء جعله مسجداً، وأن تكون الأرض المذكورة لم تعمر أصلاً، أو شك في عمارتها أو عمرها كافر قبل استيلاء المسلمين عليها أو بعده ولم تدخل تحت يد مسلم، أو شك هل العمارة جاهلية أو إسلاماً؟ وكالموات ما أخذه المسلم ولو بشراء فاسد من كافر فخرج بالمسلم الكافر، فلا اعتداد ببنائه في تلك الصور، إذ لا يجوز له إحياء موات الإسلام، فلو باعها المسلم فبناها مسجداً، أو ملكها لمسلم آخر فبناها الثاني، كذلك باللفظ أو النية ثبتت له أحكامه، ولم يملك الثمن آخذه إذ بيع الكافر المذكور حينئذ فاسد، وإنما ذلك صورة افتداء، نعم لو بنى كافر مسجداً بأرض تحت يده ولم يعلم أنها ترتبت عليها بغير حق ثبتت له الأحكام، كما لو باع الكافر تلك الأرض لمسلم بيعاً صحيحاً بإيجاب وقبول فبنى بها مسجداً، لكن لا بد في هاتين من التلفظ بالوقف، فلا تكفي النية، بخلاف الموات كما مر، ولو رأينا صورة مسجد ولم ندر من بانيه، وهل هو في موات أو ملك، وهل تلفظ عامره بوقفه أم لا؟ ثبتت له أحكامه أيضاً، سواء استفاض بين الناس تسميته مسجداً أم لا، كما قاله ابن حجر. وقال (م ر): بشرط الاستفاضة، قال ع ش: والأقرب كلام ابن حجر، وإذا ثبتت لأرض المسجد أحكامه ثبتت لجدرانه وأخشابه وغيرها من آلات العمارة، لأن المتصدي لقبض ذلك من الناس نائب عنهم في شرائها، فيزول ملكهم عنها باستقرارها في محلها لا قبله، كما لو قال لقيم المسجد: اضرب اللبن للمسجد من أرضي فضربه وبنى به يصير له حكم المسجد حينئذ.

(مسألة: ب): ليست الجوابي المعروفة وزواياها من رحبة المسجد ولا حريمه، بل هي مستقلة لما وضعت له، ويستعمل كل على ما عهد فيه بلا نكير، ومن ذلك البول في مضاربها ومكث الجنب فيهما، ولا تحتاج إلى معرفة نص من واقفها، إذ العرف كاف في ذلك، ويجوز الاستنجاء وغسل النجاسة الخفيفة منها، وأما الممرّ من المطاهر إلى المسجد فما اتصل بالمسجد مسجد، وما فصل بينهما بطريق معترضة فلا، وأطلق ابن مزروع عدم المسجدية فيه مطلقاً للعرف.

(مسألة: ب): وجد في قائمة مسجد في صيغة وقفه: جعلت فلانة الموضع الذي أحدثته وأحيته على صورة المسجد المبني ببلد كذا مع الساحات التي يجري المسجد المقطتعات معها من السلطان، وقفت ذلك مسجداً، ووقفت إيضاً كما ذكر البئر والمنارة والزاوية والدكك والحوض المنسوجات للمسجد، فالذي يظهر ببادىء الرأي من تلك الصيغة أن الساحات التي عينتها الواقفة قد كانت بجانب الموضع الذي أحدثته على صورة المسجد قبل أن يكون مسجداً، ثم جعلته مع الساحات مسجداً، فصارت الساحات داخلة في جملة المسجد، إذ يبعد كل البعد أن تكون الساحات الخارجة اليوم عن المسجد المطروقة التي لم تحوّط ببناء، ولم تحترم مع تطاول الزمان، وتعدد النظار في بلدة هي محط العلم وموضع الحكم مسجداً بنص الواقفة مع تداول النظار السابقين لهذه الصيغة، اللهم إلا إن تحقق أو غلب على الظن بقرائن قوية لا بمجرد كتابة الصيغة، أن تلك الساحات الخارجة عن المسجد هي المعنية والمرادة للواقفة، فحينئذ لا شك في كونها من جملة المسجد، ودخولها في حكم المسجدية مطلقاً للنص،

أما مجرد كتابة الصيغة فلا عبرة به، وقد أفتى ابن حجر بأنه لا يعتمد على التواريخ المكتوبة على المقابر والمساجد بل تفيد نوعاً من الاحتياط، فلو رأينا محلاً مهيأ للصلاة ولم يتواتر بين الناس أنه مسجد لم يجب التزام أحكام المسجدية فيه، فإذا رأينا مكتوباً في بعضه تأكد ندب الاحتياط والتزام أحكام المسجدية، وبه يعلم حكم الساحات المذكورة وقولها وقفت كما ذكر البئر والمنارة الخ، الذي يظهر أيضاً أن التشبيه في مجرد مطلق الوقف لا بقيد المسجدية، إذ لا يعطى المشبه حكم المشبه به من كل الوجوه، مع أنه يبعد قصد المسجدية بالبئر وما عطف عليها ما عدا الزاوية والمنارة، بل لا يتصوَّر مع أن العرف والعادة زمن الواقفة وقبله وبعده ماضيان بأن تلك المذكورات من مرافق المسجد لا منه، وإن شملها لفظ الوقف، بل قولها المنسوبات للمسجد يؤيد ما ذكر، وإذا أريد توسيع المسجد من تلك الساحات الخارجة ففيه تفصيل ذكره في التحفة والقلائد. قلت: وقوله عن ابن حجر: إذا رأينا صورة مسجد ولم يتواتر الخ هو كذلك في فتاوى له، لكن مال بعد ما ذكر إلى أنه إن كان في موات أنها تجري عليه الأحكام، ورجح في فتيا أخرى أنها تثبت الأحكام لضرر المسجد المجهول مطلقاً، وإن لم يستفض أنه مسجد كما تقدم في ي.

(مسألة ي): اشترى بيتاً ووقفه مسجداً صح، وأعطى حكمه وحرم عليه وعلى غيره هدمه وتوسيعه إلا لضرورة أو حاجة، كخوف سقوط جدار، ودفع حرّ وبرد، وضيق على نحو المصلين، فيجوز حينئذ بشرط أن يبنيه في تلك الأرض الموقوفة، وأن يعم جميعها بالبناء، وله أن يدخل غيرها معها، وللزيادة المذكورة حكم الوقف إن بنيت في أرض موقوفة مسجداً، أو وقفت كذلك وإلا فلا، وأن يكون المعاد صورة مسجد بأن يطلق عليه اسمه لا نحو رباط، إذ يمتنع تغيير الوقف بما يغيره بالكلية عن اسمه الذي كان عليه حال الوقف بخلاف ما لا يغيره، وإن قدم مؤخراً أو جعل محراباً صحناً أو رحبة وعكسه، وأن يأذن الإمام أو نائبه إن كانت الزيادة فتح باب أو هدم حائط، بخلاف نحو التحويط خارجه، والزيادة المتصلة ببابه، نعم لا يجوز فعل نحو حوض فيه مما يغير هيئة المسجد، إلا إن شرطه الواقف في صلب الوقف متصلاً به كأن يقول: وقفت هذه الأرض مسجداً بشرط أن يفعل فيها حوض للماء مثلاً، أو اطردت عادة موجودة في زمن الواقف علم بها بفعل نحو الحوض، وإذا امتنع فعله دفن وأدخل محله في المسجد وجوباً، والمتولي للعمارة مطلقاً الناظر الخاص الأهل الثابت له النظر من جهة الواقف، المشروط له ذلك حال الوقف، فلو فعل ذلك غيره، فإن كان بإذنه أو الحاكم عند عدم تأهل الناظر جاز فعله، أو بإذن الحاكم مع أهلية الناظر أثم ولا تعزير عليه لشبهة إذن الحاكم أو بغير إذنهما مع تأهلهما فمتعدّ يستحق التعزير من الحاكم المسلم المتأهل للحكم، ولا يجوز رفعه لكافر ولا غير متأهل، بل يستحق الرافع التعزير حينئذ، لكن للبناء المذكور وآلاته حكم المسجد بشروطه المارة، فلا يجوز نقصه حينئذ، لأن الحرج إنما لحق الهادم بافتياته ما هو لغيره لا غيره.

(مسألة: ك): يحرم تطيين المسجد بالآجر النجس، ويكره بناؤه به، ونص بعضهم على الحرمة أيضاً، ويجوز توسيع المسجد وتغيير بنائه بنحو رفعه للحاجة بشرط إذن الناظر من جهة الواقف، ثم الحاكم الأهل، فإن لم يوجد وكان الموسع ذا عدالة ورآه مصلحة بحيث يغلب على الظن أنه لو كان الواقف حياً لرضي به جاز، ولا يحتاج إلى إذن ورثة الواقف إذا لم يشرط لهم النظر، ولو وقف ما حواليه مرافق له جاز توسيعه منه أيضاً إن شرط الواقف التوسيع منها عند الحاجة أو اطرد به عرف، لأن العادة المقترنة بالوقف منزلة منزلة شرطه، وكذا إن جعل لمن تولاه أن يفعل ما رآه مصلحة، واقتضى نظر المتولي بدلالة الحال ذلك، ولا تصير الزيادة المذكورة مسجداً إلا بالتلفظ بوقفها أو ما قام مقامه، كإشارة الأخرس وكالبناء في الموات بنية المسجدية، نعم يندب تقديم الداخل فيها يمينه والخارج يساره إن ألحقنا موضع الصلاة في ذلك بالمسجد وهو ما بحثه الأسنوي.

(مسألة): بئر قرب مسجد تضرر بها وخيف على جداره بنداوتها جاز بل وجب على الناظر طمها وحفر غيرها، ولا ينقطع الثواب بحفر الثانية إن كان من غلة المسجد، وفي الإيعاب: لا يكره حفر البئر في المسجد لحاجة كأن لا يحضره جماعة لعدم ماء فيه الخ.
(مسألة: ي): ليس للناظر العام وهو القاضي أو الوالي النظر في أمر الأوقاف وأموال المساجد مع وجود الناظر الخاص المتأهل، فحينئذ فما يجمعه الناس ويبذلونه لعمارتها بنحو نذر أو هبة وصدقة مقبوضين بيد الناظر أو وكيله كالساعي في العمارة بإذن الناظر يملكه المسجد، ويتولى الناظر العمارة بالهدم والبناء وشراء الآلة والاستئجار، فإن قبض الساعي غير النذر بلا إذن الناظر فهو باق علىملك باذله، فإن أذن في دفعه للناظر، أو دلت قرينة أو اطردت العادة بدفعه دفعه وصار ملكاً للمسجد حينئذ فيتصرف فيه كما مر، وإن لم يأذن في الدفع للناطر فالقابض أمين الباذل، فعليه صرفه للأجراء وثمن الآلة وتسليمها للناظر، وعلى الناظر العمارة، هذا إن جرت العادة أو القرينة أو الإذن بالصرف كذلك أيضاً، وإلا فإن أمكنت مراجعة الباذل لزمت، وإن لم تمكن فالذي أراه عدم جواز الصرف حينئذ لعدم ملك المسجد لها، إذ لا يجوز قبض الصدقة إلا بإذن المتصدق وقد انتفى هنا، وليتفطن لدقيقة، وهو أن ما قبض بغير إذن الناظر إذا مات باذله قبل قبض الناظر أو صرفه على ما مر تفصيله يرد لوارثه، إذ هو باق على ملك الميت، وبموته بطل إذنه في صرفه.

(مسألة: ب): يجوز للمقيم شراء عبد للمسجد ينتفع به لنحو نزح إن تعينت المصلحة في ذلك، إذ المدار كله من سائر الأولياء عليها، نعم لا نرى للقيم وجهاً في تزويج العبد المذكور كولي اليتيم إلا أن يبيعه بالمصلحة فيزوجه مشتريه ثم يرد للمسجد بنحو بيع مراعياً في ذلك المصلحة، ويجوز بل يندب للقيم أن يفعل ما يعتاد في المسجد من قهوة ودخون وغيرهما مما يرغب نحو المصلين، وإن لم يعتد قبل إذا زاد على عمارته.

[فائدة]: قال الفيومي: يحرم على المستجمر بالحجر المكث في المسجد إلا بقدر الصلاة فقط، ويحرم على من ببدنه أو ثوبه نجاسة المكث فيه لغير ضرورة، أما مروره من غير مكث فلا يحرم، ولا يجوز إدخال النعل المتنجس إلا إن خشي عليه خارجه وأمن تلويثه اهـ وف التحفة: ومع حل لبسه يعني الثوب المتنجس يحرم المكث به في المسجد من غير حاجة إليه كما بحثه الأذرعي، لأنه يجب تنزيهه عن النجس اهـ.

[فائدة]: جماعة يقرأون القرآن في المسجد جهراً، وينتفع بقراءتهم أناس، ويتشوّش آخرون، فإن كانت المصلحة أكثر من المفسدة فالقراءة أفضل، وإن كانت بالعكس كرهت اهـ فتاوى النووي.
(مسألة: ك): لا يكره في المسجد الجهر بالذكر بأنواعه، ومنه قراءة القرآن إلا إن شوّش على مصلّ أو أذى نائماً، بل إن كثر التأذي حرم فيمنع منه حينئذ، كما لو جلس بعد الأذان يذكر الله تعالى، وكل من أتى للصلاة جلس معه وشوّش على المصلين، فإن لم يكن ثم تشويش أبيح بل ندب لنحو تعليم إن لم يخف رياء، ويكره تعليق الأوراق المنقوش فيها صورة الحرمين وما فيهما من المشاعر المسماة بالعمر في المسجد للتشويش على المصلين وغيرهم، ولكراهة الصلاة إلى ما يلهي لأنه يخلّ بالخشوع، وقد صرحوا بكراهة نقش المسجد وهذا منه، نعم إن كانت مرتفعة بحيث لا تشوّش فلا بأس، إلا إن تولد من إلصاقها تلويث المسجد أو فساد تجصيصه، ولا يجوز الانتفاع بها بغير رضا مالكها، إلا إن بليت وسقطت ماليتها، فلكل أخذها لقضاء العرف بذلك.

(مسألة: ك): قال الخطيب في المغني: ويصرف الموقوف على المسجد وقفاً مطلقاً على عمارته في البناء والتجصيص المحكم والسلم والسواري للتظليل بها، والمكانس والمساحي لينقل بها الترب، وفي ظلة تمنع حطب الباب من نحو المطر إن لم تضرّ بالمارة، وفي أجرة قيم لا مؤذن وإمام وحصر ودهن، لأن القيم يحفظ العمارة بخلاف الباقي، فإن كان الوقف لمصالح المسجد صرف من ريعه لمن ذكر لا لتزويقه ونقشه، بل لو وقف عليها لم يصح اهـ. واعتمد في النهاية أنه يصرف للمؤذن وما بعده في الوقف المطلق أيضاً، ويلحق بالمؤذن الحصر والدهن.

(مسألة: ك): انهدم مسجد وله وقف، فإن توقع عوده حفظ ريعه، وإلا جاز صرفه لمسجد آخر، فإن تعذر صرف للفقراء كما في التحفة، وقال في النهاية: صرف لأقرب الناس إلى الواقف ثم الفقراء اهـ. قلت: وقال أبو مخرمة: وإذا عمر المسجد المنهدم رد عليه وقفه اهـ.

[فائدة]: تعطل مسجد وتعذرت عمارته لخراب البلاد وقلة ما يحصل من غلته وخيف ضياعها باستيلاء ظالم، جاز نقلها لمسجد آخر معمور على المعتمد من خمسة أوجه، نعم المسجد الأقرب أولى، وكذا يقال في البئر والقنطرة إذا تعذرت إعادتها أو استغني عنها، أما المسجد في المكان العامر فتجمع غلاّت وقفه إلى أن يحصل منها ما يعمره ولا تنقل عنه اهـ حسن النجوق للعموي، وبنحوه أفتى العلامة أحمد بن حسن الحداد قال: فإن تعذر وجود مسجد فلرباط أو زاوية أو قنطرة أو بئر ونحوها من الأوقاف العامة الأشبه فالأشبه، ولا يبنى بها مسجد جديد مع إمكان صرفها لعامر اهـ.
[فائدة]: لا يجوز للقيم بيع الفاضل مما يؤتى به لنحو المسجد من غير لفظ، ولا صرفه في نوع آخر من عمارة ونحوها، وإن احتيج إليه ما لم يقتض لفظ الآتي به أو تدل قرينة عليه، لأن صرفه فيما جعل له ممكن وإن طال الوقت، قاله أبو شكيل اهـ فتاوى ابن حجر.

[فائدة]: ليس لمن أخذ شيئاً من صدقة الفطور أن يصرفها في غير الإفطار عليها، وليس له التصرف فيها، ولا إعطاؤها لغيره، لأنها في حكم الضيافة للصائمين، ولو شرط الواقف التفرقة في المسجد فلمن أعطى فيه الخروج به منه، لأنه لم يقصد الأكل في المسجد بل قصد خصوص التفرقة، ويقبل قوله: أنا صائم لأجل الفطور حراً بالغاً حاضراً أم لا، لكن يختص الصرف بالفقراء الصوَّام، إلا إن اعتيد الصرف لغيرهم من النظار الورعين أو اطراد العرف بذلك اهـ فتاوى بامخرمة. وقال أبو يزيد: الظاهر أن المصروف إليه يتصرف في المقبوض بما شاء.

صلاة الجماعة

(مسألة): ذهب بعض العلماء إلى تفضيل الصلاة في الفلاة عليها في الجماعة للحديث الصحيح: "الصلاة في جماعة تعدل خمساً وعشرين صلاة، فإذا صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة، وفي رواية: خمسين درجة": وروى عبد الرزاق: "أن من صلى بالفلاة إن أقام صلى معه ملكان، وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يعرف طرفاه". وفي الموطأ عن ابن المسيب: "من صلى بأرض فلاة بأذان وإقامة صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة". وفي ذلك نظر، بل الصلاة في الجماعة أفضل من الانفراد في الفلاة، ويحمل الحديثان الأولان على من صلاها في الفلاة في جماعة، بل ظاهرهما يدل على ذلك، والروايتان الأخيرتان محتملتان بأن يراد بالمعية مجرد الموافقة، أو تكون هذه الخاصة بهذه الأمور جعلها الشارع أفضل من الجماعة ولا مانع، فإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وأفتى الحناطي بأنه يبرّ بها من حلف ليصلي في جماعة وهو ضعيف اهـ ملخصاً من الإيعاب. وهل ينوي الإمامة حينئذ أم لا؟ الظاهر نعم كما قد رأيته معزوًّا.
(مسألة: ب ك): تباح الجماعة في نحو الوتر والتسبيح فلا كراهة في ذلك ولا ثواب، نعم إن قصد تعليم المصلين وتحريضهم كان له ثواب، وأي ثواب بالنية الحسنة، فكما يباح الجهر في موضع الإسرار الذي هو مكروه للتعليم فأولى ما أصله الإباحة، وكما يثاب في المباحات إذا قصد بها القربة كالتقوّي بالأكل على الطاعة، هذا إذا لم يقترن بذلك محذور، كنحو إيذاء أو اعتقاد العامة مشروعية الجماعة وإلا فلا ثواب بل يحرم ويمنع منها.

(مسألة: ش): لا خلاف عندنا في ندب إعادة الصلاة المقصورة مع مثلها، والمعتمد ندب إعادتها مع متمّ، كما تندب إعادة الجمعة مع مصلي الظهر على المعتمد أيضاً، وزعم بعضهم أن القاصر لو أتى بلده مثلاً في الوقت فوجد مسافراً أعاد معه قصراً لأنها حاكية للأولى بعيد اهـ. قلت: وقوله تندب إعادة الجمعة ظهراً خالفه في ي ج كما يأتي في الجمعة، وابن حجر في فتاويه أيضاً فقال: لا تصح إعادة الجمعة ظهراً، واشترط الجماعة في المعادة ولو في جزء منها وإن فارق الإمام، واعتمد (م ر) اشتراط الجماعة في جميعها.
(مسألة: ب ش): الأصح ندب إعادة الصبح والعصر كغيرهما من بقية الخمس ولو إماماً، خلافاً للقماط والردّاد لإطلاقهم ندب الإعادة، والمسألة إذا دخلت في عموم كلامهم كانت منقولة كما في المجموع، وتجب فيها نية الإمامة على الأوجه.

(مسألة: ب): تندب تسوية الصفوف وتعديلها بأن لا يزيد أحد جانبي الصف على الآخر وتكميلها إجماعاً، بل قيل بوجوبه، فمخالفته حينئذ مكروهة مفوّتة لفضيلة الجماعة، ككل مكروه من حيث الجماعة بأن لا يوجد إلا فيها، وحينئذ فقولهم الوقوف بقرب الإمام في صف أفضل من البعد عنه فيه وعن يمين الإمام، وإن بعد أفضل من الوقوف عن يساره، وإن قرب محله كما في فتاوى ابن حجر ما إذا أتى المأموم وقد صفت الصفوف ولم يترتب على ذلك خلوّ مياسر الصفوف، وإلا لم يكن مفضولاً لئلا يرغب الناس كلهم عنه، ويقاس بذلك ما في معناه، لأنه لما رغب في ميامن الصفوف وفضلها رغب الناس في ذلك وعطلوا ميسر المسجد فقيل: يا رسول الله إن ميسرة المسجد قد تعطلت فقال: "من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر" وإنما خصهم بذلك لما تعطلت تلك الجهة، إذ ليس لهم ذلك في كل حال، ورجح ابن حجر فوات فضيلة الجماعة بالانفراد عن الصف والبعد بأكثر من ثلاثة أذرع بلا عذر، ووقوف أكثر المأمومين في جهة، واعتمد أبو مخرمة وصاحب القلائد حصولها مع ذلك اهـ. قلت: ونقل باعشن عن سم والبصري وغيرهما عدم الفوات بالانفراد أيضاً، لكنه دون من دخل في الصف. وعن المحلي وابن حجر و (م ر) فواتها بكل مكروه من حيث الجماعة، واستثنى أحمد الرملي تقطع الصفوف.

(مسألة: ب): الصلاة بين السواري في الجماعة تقطع الصف واتصاله مطلوب، قال المحب الطبري: وكره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد في ذلك، والحكمة فيه إما لانقطاع الصف أو لأنه موضع النعال، وقال القرطبي: روي في سبب كراهته أنه مصلى مؤمن الجن اهـ شرح تراجم البخاري للإمام محمد بن أحمد فضل، ورأيت معزوّاً للسيد عمر البصري: لو تخلل الصف أو الصفوف سوار وقف مسامتاً لها ولم تعدّ فاصلاً لاتحاد الصف معها عرفاً.

(مسألة: ي): لو كان في الصف من لا تصح صلاته لنحو نجاسة أو لحن، أو كان أهل الصف المتقدم كذلك، لم تفت فضيلة الجماعة على من وراءهم، وإن زاد البعد عمن تصح صلاته على ما يسع واقفاً في الأولى وثلاثة أذرع في الثانية، إلا إن علم المتأخرون بطلان صلاة من ذكر، وأنها لا تصح عند إمام يصح تقليده، وقدروا على تأخيرهم من غير خوف على نفس أو مال أو عرض، لأن فضيلة الجماعة تحصل مع إمام جهل حدثه، فأولى جهله ببطلان صلاة من لا رابطة بينه وبينه، ولأن التأخير بعذر كحر لا يفوّتها فكذا هنا، ولأنه استحق ذلك المكان بسبقه مع تقليده القائل بالصحة، وكذا بعدم التقليد، بناء على أن العامي لا مذهب له، فعلم أن من وقف في صف لا تجوز تنحيته إلا إن علم بطلان صلاته إجماعاً أو اعتقاده فسادها حال فعلها.

(مسألة: ب): إدراك الركعة الأخيرة أولى من إدراك الصف الأوّل، وإن كان الداخل في آخر المسجد وبعد عن الصف قبله بأكثر من ثلاثة أذرع، كما قاله في العباب والقلائد وأبو مخرمة خروجاً من خلاف الإمام الغزالي القائل بأن الجماعة لا تدرك بأقل من ركعة.
[فائدة]: يكره ارتفاع المأموم على الإمام كعكسه إن أمكن وقوفهما مستويين كما في التحفة والنهاية، بل أفتى (م ر) بأن الصف الثاني الخالي عن الارتفاع أولى من الأول معه، وفي (ع ش: ) إذا صلى الناس بالصحراء نحو عيد فالأولى جعلهم صفوفاً حيث كثروا لا صفاً واحداً، لما فيه من التشويش بالبعد عن الإمام وعدم سماع قراءته وغير ذلك، وتعتبر المسافة في عرض الصفوف بما يهيأ للصلاة وهو ما يسعهم عادة مصطفين من غير إفراط في السعة والضيق اهـ جمل.

[فائدة]: يسنّ لمنفرد رأى جماعة مشروعة أن يقلب فرضه نفلاً ويدخل فيها بشرط أن يبقى معه أكثر من ركعتين، وأن لا يكون الإمام ممن يكره الاقتداء به، وأن لا يرجو جماعة غيرها، وأن يتسع الوقت بأن يدرك جميعها فيه، وأن تكون الجماعة مطلوبة لا فائتة خلف حاضرة وعكسه من غير جنسها، فإن انتفى شرط من ذلك حرم القلب في الأخيرتين، كما لو وجبت الفورية في الفائتة مطلقاً، وجاز فيما عداهما كفائتة خلف مثلها من جنسها، فإن خشي فوت الحاضرة أو كانت الجماعة في جمعة وجب القلب، فعلم أن القلب تعتريه أحكام أربعة اهـ ش ق.

(مسألة: ي): يتعين على الإمام أن يستكمل السنن المطلوبة التي ذكرها الفقهاء في حقه، فلا يزيد فيكون من الفتانين، ولا ينقص فيكون من الخائنين، ويتأنى في ذلك ليتمكن الضعيف منها وإلا كره، ومن تأمل ذلك عرف أن أئمة المساجد الآن مطففون خائنون، لأنه إذا نقص الإمام عما طلب منه فنقص بسببه المأمومون لأجل متابعته فقد ضمن ما نقص من صلاتهم كما في الحديث وهو من أشد المكروهات، بل إن اعتقد العوام أن هذه الكيفية هي المطلوبة فقد وقع الإمام في الحرام، إذ ما يجوز فعله قد يجب تركه إذا خشي من فاعله اقتداء الناس به، واعتقادهم سنيته وليس بسنة كما نص عليه اهـ. وقال في ب: ويندب للإمام التخفيف بأن يقتصر على قصار المفصل في السور وأدنى الكمال في التسبيحات وإن لم يرض المأمومون، ولا يزيد على ذلك إلا برضا محصورين، واعتمد ابن حجر وغيره فيما إذا صلى منفرداً حصل معه الحضور، وإذا صلى جماعة لم يتيسر له أن الجماعة أفضل من الانفراد حينئذ.

(مسألة: ب): يسنّ انتظار الداخل في الركوع والتشهد الأخير، وقيدوه بأن لا يطوله تطويلاً، بحيث لو وزع على جميع أفعال الصلاة لظهر له أثر محسوس، ولا يتقيد بثلاث تسبيحات بل ولا سبع، إذ لا يظهر لها أثر لو وزعت على أفعالها اهـ. وعبارة ش الذي يظهر في ضابط تطويل الإمام لانتظار الداخل أنه يعتبر الزائد على ما يشرع له، إذ المشروع له ليس تطويلاً بل من سنن الصلاة، فإذا كان إمام غير محصورين اعتبر التطويل في الركوع مثلاً بعد الثلاث التسبيحات، فحينئذ يأخذ في ذلك القدر بغلبة الظن، فما دام يغلب على ظنه أن التطويل لو وزع على جميع الصلاة لما ظهر أثر زائد على ما يشرع له بغلبة الظن من اللبث في كل فعل فهو باق في محل ندب الانتظار، وما شك فيه ألحق بما لا يظهر له أثر، إذ ندب الانتظار قد تحقق فلا يزول إلا بيقين.

[فائدة]: لو انتظره للركوع والاعتدال والسجود وهو قليل في كل واحد ولكنه كثير باعتبار الجملة، فالظاهر أنه كثير، وقال طب: إنه قليل اهـ سم. وفي الفتح: بحيث لو وزع أي بالنسبة لكل منتظر على حدته خلافاً للإمام اهـ.

(مسألة: ش): من أعذار الجمعة والجماعة سوى ما في المنهاج والإرشاد كون إمامها ممن يكره الاقتداء به لبدعة لا تكفر، أو فسق أو عدم اعتقاد وجوب بعض الأركان أو الشروط وإن أتى بها، أو كونه يلحن لحناً لا يغير المعنى، أو موسوساً وسوسة ظاهرة، أو معروفاً بالتساهل في الطهارة، أو أقلف، أو تأتاء، أو فأفاء، أو سريع القراءة بحيث لا تدرك معه الفاتحة، أو يطوِّل تطويلاً يزول معه الخشوع، أو كون المسجد بني من مال خبيث، أو شك في ملك بانيه، ومنها عمي إن لم يجد قائداً، وسمن مفرط، ونحو زلزلة وصواعق وإنشاد الضالة وسعي في رد مغصوب يرجى حصوله ولو لغيره، وتجهيز ميت، وزفاف حليلته في مغرب وعشاء، وكونه متهماً بأمر ما بأن كان خروجه يشق عليه كمشقة بلل الثوب بالمطر إذ ذاك ضابط العذر، وليس كل الأعذار تذكر كما قاله الغزالي، فكم ممن يشق عليه حضور الجمعة لعذر لا يمكنه ذكره، كخوف فتنة في نحو الإمام الفاسق، أو كونه يستحي من ذكره كذي بواسير، أو لا يحب إفشاء المرض الذي له ليتم له الكتمان الذي يترتب عليه الثواب الجزيل، ولهذا قال الأصحاب: يسنّ للمعذورين إخفاء الجماعة إن خفي عذرهم.
[فائدة]: صرح الكبشي في الجوهرة بأن أيام الزفاف السبع أو الثلاث عذر عن الجمعة والجماعة، وفي التحفة أنها عذر في المغرب والعشاء فقط اهـ.

شروط القدوة

(مسألة: ك): الأئمة المبتدعة إن كانوا من المحكوم بكفرهم لإنكارهم ما علم مجيء الرسول به ضرورة، كمنكري حدوث العالم والبعث والحشر للأجسام، وعلم الله بالجزئيات، فلا خلاف في عدم صحة صلاتهم والاقتداء بهم، وإن لم نكفرهم ببدعتهم كالمعتزلة والرافضة والقدرية، فإن علمنا إخلالهم بشيء من الواجبات لم يصح الاقتداء أيضاً، نعم إن كان ذا ولاية جرى في التحفة على صحة الاقتداء به خوفاً من الفتنة لكن في غير الجمعة، قال: ولم يوجبوا عليه موافقته في الأفعال مع عدم النية لعسر ذلك، واعتمد (م ر) عدم اغتفار ذلك، وإن خيف الفتنة، ومال في الإيعاب إلى عدم صحة الاقتداء فيما لو رآه مسّ فرجه.
(مسألة: ج): اقتدى بمن لا يرى وجوب بعض الأركان كالفاتحة في الأخيرتين، فإن علم تركه لها لزمته المفارقة، وإلا لم يؤثر تحسيناً للظن في توقي الخلاف اهـ. قلت: وفي ع ش ولا يؤثر اعتقاد الفرض المعين نفلاً هنا، لأنه إنما يضر ذلك إذا لم يكن مذهباً للمعتقد، وإلا فيكتفي بمجرد الإتيان به اهـ بج.

(مسألة: ش): لا يصح اقتداء من يقرأ الفاتحة، وإن أخلّ ببعض حروفها، كأن يبدل السين تاء بمن لا يعرف الفاتحة أصلاً، بل يأتي ببدلها من قرآن أو ذكر ويجوز عكسه اهـ.
[فائدة]: لا يصح اقتداء قارىء بأمي، وهو من يخلّ بحرف من الفاتحة فخرج التشهد، فيصح اقتداء القارىء فيه بالأمي، وإن لم يحسنه من أصله، كما في النهاية والشوبري اهـ بجيرمي، ومثل التشهد التكبير والسلام إذ لا إعجاز في ذلك، لكن محله إن أتى ببدله من ذكر أو دعاء، فإن أخلّ بحرف من أحد الثلاثة فحكمه حكم الأمي اهـ باسودان.

[فائدة]: قال الشوبري: والحاصل أن الإمام والمأموم إما أن يكونا قائمين أو قاعدين أو مضطجعين أو مستلقيين فهي أربعة أحوال، تضربها في مثلها بستة عشر، ويزاد ما لو كان المأموم مصلوباً، فتضم للأربعة في أربعة الإمام بعشرين صورة ولا تخفى أحكامها اهـ. وفي ق ل: والضابط في ذلك كله أن لا يتقدم المأموم بجميع ما اعتمد عليه على جزء مما اعتمد عليه الإمام، سواء اتحدا في القيام أو غيره أم اختلفا اهـ. وفي الإيعاب: ومن ثم اتجه أن العبرة بالركبتين حال السجود في حق كل أحد للاعتماد عليهما حينئذ اهـ. وظاهر ما ذكر أنه لو قام الإمام من السجود ومكث المأموم فيه فتقدمت ركبتاه المعتمد عليهما على عقب الإمام بطلت صلاته فليحرر ذلك، مع قولهم: إن إمامة النساء تقف وسطهنّ كإمام العراة، وأن الذكر الواحد يقف يمين إمامه ويتأخر قليلاً، قال في التحفة: بأن تتأخر أصابعه عن عقب إمامه، ولا بد في هذه الصور الثلاث من تقدم ركبتي المأموم حالة السجود إن مكث بعد إمامه، ثم رأيت ابن قاسم استوجه أن العبرة بالعقب مطلقاً، وإن اعتمد على غيره في نحو السجود اعتماداً بالقوة لا بالفعل، وهو مقتضى عبارة النهاية اهـ.

(مسألة): من شروط القدوة اجتماع الإمام والمأموم في مكان، ثم إن جمعهما مسجد، ومنه جداره ورحبته بفتح الحاء وهي ما حجر لأجله، وإن فصل بينهما طريق ما لم يعلم حدوثها بعده، ومنارته التي بابها فيه أو في رحبته لا حريمه، وهو ما هيِّىء لإلقاء نحو قمامته، فالشرط العلم بانتقالات الإمام، وإمكان المرور من غير ازورار وانعطاف، بأن يولي ظهره القبلة على ما فهمه الشيخ عبد الله باسودان من عبارة التحفة، لكن رجح العلامة علي ابن قاضي عدم ضرر الازورار والانعطاف في المسجد مطلقاً وكما يأتي في ي، ولا يضر غلق الباب وكذا تسميره كما في التحفة، خلافاً لـ (م ر) ولا ارتفاع موقف أحدهما، والمساجد المتلاصقة المتنافذة كمسجد، نعم يضر التسمير هنا اتفاقاً، وإن كان أحدهما فقط بمسجد أو لم يكونا به فتشترط خمسة شروط: العلم بانتقالات الإمام، وإمكان الذهاب إليه من غير ازورار وانعطاف، وقرب المسافة بأن لا يزيد ما بينهما أو بين أحدهما وآخر المسجد على ثلاثمائة ذراع، ورؤية الإمام أو بعض المقتدين وأن تكون الرؤية من محل المرور فيضر هنا تخلل الشباك والباب المردود، ويكفي في الرؤية وقوف واحد قبالة الباب النافذ بينهما، وحينئذ يكون هذا الواقف المذكور كالإمام بالنسبة لمن خلفه، فيضر التقدم عليه بالإحرام والموقف، وكذا بالأفعال عند (م ر) كما لو كان امرأة لرجال خلافاً لابن حجر فيهما، نعم لا يضر زوال الرابطة في الأثناء فيتمونها جماعة إن علموا بانتقالات الإمام، إذ يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.

(مسألة: ي): لا يشترط في المسجد كون المنفذ أمام المأموم أو بجانبه بل تصح القدوة وإن كان خلفه، وحينئذ لو كان الإمام في علو والمأموم في سفل أو عكسه كبئر ومنارة وسطح في المسجد، وكان المرقى وراء المأموم بأن لا يصل إلى الإمام إلا بازورار بأن يولي ظهره القبلة، صح الاقتداء لإطلاقهم صحة القدوة في المسجد، وإن حالت الأبنية المتنافذة الأبواب إليه وإلى سطحه، فيتناول كون المرقى المذكور أمام المأموم أو وراءه أو يمينه أو شماله، بل صرح في حاشيتي النهاية والمحلي بعدم الضرر، وإن لم يصل إلى ذلك البناء إلا بازورار وانعطاف، نعم إن لم يكن بينهما منفذ أصلاً لم تصح القدوة على المعتمد، ورجح البلقيني أن سطح المسجد ورحبته والأبنية الداخلة فيه لا يشترط تنافذها إليه، ونقله النووي عن الأكثرين، وهو المفهوم من عبارة الأنوار والإرشاد وأصله، وجرى عليه ابن العماد والأسنوي، وأفتى به الشيخ زكريا، فعلم أن الخلاف إنما هو في اشتراط المنفذ، وإمكان المرور وعدمه، أما اشتراط أن لا يكون المنفذ خلف المأموم فلم يقله أحد، ولو قاله بعضهم لم يلتفت لكلامه لمخالفته لما سبق، وليس في عبارة ابن حجر ما يدل على الاشتراط، وقوله في التحفة بشرط إمكان المرور، مراده أن المنفذ في أبنية المسجد شرطه أن يمكن المأموم أن يمر المرور المعتاد الذي لا وثوب فيه ولا انحناء يبلغ به قرب الراكع فيهما، ولا التعلق بنحو جبل، ولا الممر بالجنب لضيق عرض المنفذ، فإذا سلم المنفذ مما ذكر صح الاقتداء وإن كان وراء المأموم.

[فائدة]: يؤخذ من اعتبارهم في السير كونه سيراً معتاداً أن السير في السفن من المرتفع منها كالسطحة إلى المنخفض لا يمنع قدوة من بأحدهما بالآخر، لأنه يصل إلى الإمام في ذلك بالسير المعتاد فيه، إذ العادة في كل شيء بحسبه، أما السفن الكبار فلأنهم يفعلون فيها سلماً، وأما الصغار فالوثبة التي يحتاجها إلى التوصل من المرتفع إلى المنحفض لطيفة لا تمنع كونه سيراً معتاداً، وكذا لا تضر حيلولة الفرمان، إذ المعتبر في الحائل العرف وهو لا يعد حائلاً، ويؤيد ذلك أنه يفعل لسطوح البيوت تحويط بجدار لو فرض الاستطراق منه لاحتاج ذلك إلى وثبة لطيفة ولم يعدوه مانعاً اهـ باعشن.

[فائدة]: نوى الصلاة مأموماً إلا ركعة صح وصار منفرداً في الأخيرة لتعينها للإخراج اهـ (م ر) . فلو عينها كالثانية صار منفرداً فيها، ولا يعود إلى الجماعة إلا بنية جديدة، كما قاله في الإيعاب فيما لو نوى الاقتداء به في غير التسبيحات صار منفرداً عند تسبيح أوّل ركوع، ولا يتابعه بعد ذلك إلا بنية، والمراد لفظ التسبيحات ولو احتمالاً، كأن لم يسمعه يسبح حملاً على الإتيان به اهـ بجيرمي. وقال أيضاً: لو انتظر الإمام من غير نية القدوة لا لأجل المتابعة له بل لغيرها كدفع لوم الناس عليه لاتهامه بالرغبة عن الجماعة لم يضر وإن كثر اهـ. وقال أيضاً: قوله سيصير إماماً يقتضي أن الفرض فيمن يرجو جماعة يحرمون خلفه وإلا بطلت، وقال الزركشي: وأقره في الإيعاب: تنبغي نية الإمامة وإن لم يكن خلفه أحد إذا وثق بالجماعة، قال سم: ولا تبطل حينئذ لو لم يأت خلفه أحد.

(مسألة): إذا لم ينو المأموم الاقتداء بالإمام عمداً أو سهواً في غير الجمعة انعقدت صلاته فرادى، كما لو شك هل نوى أم لا على المعتمد، ثم إن تابع قصداً وطال انتظاره عرفاً بطلت، ولا فرق بين أول الصلاة وآخرها، فلو نوى القدوة به في الأثناء ولم تسبق منه متابعة مبطلة جاز مع الكراهة.

(مسألة): رأى جماعة يصلون فظن أنهم مقتدون بإمام ولم يدر أيهم هو فصلى معم، ثم تبين أنهم منفردون وجبت الإعادة، قاله (م ر) نعم لو قال حال التباس الإمام بغيره نويت القدوة بالإمام منهم صح لأن مقصود الجماعة لا يختلف، قاله ابن حجر و (م ر) وهذا كما لو رأى اثنين يصليان فظن أحدهما الإمام فاقتدى به، قاله في الفتح، أي إن لم يبن المقتدى به مأموماً.
(مسألة ج): سلم الإمام فقام مسبوق فاقتدى به آخر، أو مسبوقون فاقتدى بعضهم ببعض صح في غير الجمعة مع الكراهة المفوّتة لفضيلة الجماعة كما في النهاية، ووجه الكراهة أن المسبوقين قد حصلوا الجماعة مع الإمام، فربط صلاة بعضهم ببعض فيه إبطال لتلك الفضيلة فكره، والفرق بين الاقتداء بالمسبوق المذكور حيث كره ولم يكره خلف المستخلف عن الإمام، أن صلاة الإمام قد فرغت في الأول، وأما الثاني فصلاته لم تتم فقام المستخلف مقامه اهـ.

قلت: وهذا معتمد (م ر) كما نقله عن النهاية، واعتمد ابن حجر صحة الجمعة خلف المسبوق إن درك ركعة وعدم كراهة غيرها خلفه، وخص عدم صحة الجمعة وكراهة غيرها في اقتداء المسبوقين بعضهم ببعض، كما نقله العلامة علوي بن أحمد الحداد عن والده، وع ش، والخياري، وبلعفيف، وعبد الرحمن الأهدل من أن عبارة التحفة ظاهرة في الثاني لا فيهما معاً، خلافاً لمن وهم فيه، ونقله أيضاً عبد الله باسودان عن إبراهيم الكردي ومحمد صالح الريس واعتمده فتأمل.

[فائدة]: تكره مقارنة الإمام في أفعال الصلاة، وكذا أقوالها على المعتمد، وتفوت بها فضيلة الجماعة فيما قارن فيه ولو في السرية، ما لم يعلم من إمامه أنه إن تأخر إلى فراغه لم يدرك الركوع، قاله ع ش، وتوقف الرشيدي في فوات الفضيلة بالمقارنة في الأقوال، ومحل كراهة المقارنة إذا قصدها، لا إن وقع ذلك اتفاقاً أو جهل الكراهة كما قاله الشوبري اهـ بجيرمي.
(مسألة: ب): أحرم والإمام في التشهد فسلم عقب إحرامه لم يجز له القعود لانقضاء المتابعة، فإن لم يسلم لزمه، فلو استمر قائماً بطلت إن تخلف بقدر جلسة الاستراحة اهـ

قلت: وقوله جلسة الاستراحة يعني أكملها وهو قدر أقل التشهد، ودعاء الجلوس بين السجدتين عند ابن حجر، وأقلها وهو قدر سبحان الله عند (م ر) وهذا ككل ما قيل فيه يلزم المأموم الانتقال عنه فوراً، كأن سلم الإمام والمأموم في غير موضع تشهده وغير ذلك، فهذا ضابط الفورية عندهما، كما ذكراه في التحفة والنهاية.

[فائدة]: أحرم المسبوق والإمام في السجدة الأولى فسجدها معه ثم خرج الإمام من الصلاة، قال ابن كج وابن أبي هريرة: يأتي بالثانية لأنه في حكم من لزمه السجدتان، ونقل أبو الطيب عن عامة الأصحاب أنه لا يسجد، لأنه بحدث الإمام صار منفرداً، فهي زيادة محضة لغير المتابعة فكانت مبطلة اهـ ح ل. ولو رأى مصلياً جالساً فظن أنه في التشهد فأحرم وجلس معه، ثم بان أن جلوسه بدل عن القيام لعجز قام وجوباً وكان له حكم المسبوق، خلافاً للسمهودي والجوجري وابن أبي شريف في قولهم إنه كالموافق اهـ مجموعة بازرعة.
(مسألة:ش): أدرك من قيام الإمام أقل من الفاتحة كان مسبوقاً، فشرط إدراكه الركعة أن يدرك الإمام في الركوع ويطمئن يقيناً قبل وصول الإمام إلى حد لا يسمى ركوعاً.

(مسألة): لو شك المأموم هل أدرك قدر الفاتحة فيكون موافقاً أم لا فيكون مسبوقاً قال (م ر): له حكم الموافق وأبو مخرمة حكم المسبوق وابن حجر يحتاط فيتمّ الفاتحة وتفوته الركعة إن لم يدرك ركوعها كمسبوق اشتغل بسنة اهـ.
(مسألة): شك في الفاتحة قبل ركوعه ولو بعد ركوع إمامه أو تيقن تركها، وجب التخلف لقراءتها، ويعذر إلى ثلاثة أركان طويلة وهي هنا الركوع والسجودان، ولا يحسب منها الاعتدال والجلوس بين السجدتين لأنهما ليسا مقصودين لذاتهما بل للفصل، فإن كمل الإمام ما ذكر وهو في فاتحته نوى مفارقته أو وافقه فيما هو فيه من القيام أو القعود، وأتى بركعة بعد سلامه، وإذا وافقه بنى على ما قرأه، فإن لم يفعل بطلت صلاته بركوع الإمام للثانية، وإن تيقن أو شك في الفاتحة بعد ركوعهما أتى بركعة بعد سلام إمامه وسجد للسهو في صورة الشك لاحتمال زيادتها، ككل ما أتى به مع تجويز كونه زائداً، ولو اشتغل الموافق بسنة كدعاء الافتتاح فركع إمامه وهو في فاتحته عذر كما مر بخلاف مسبوق اشتغل بسنة فلا يعذر خلافاً للفتح والإمداد، بل يلزمه أن يقرأ بقدر ما اشتغل به، ثم إن أدرك الركوع أدرك الركعة وإلا فاتته كما قاله في النهاية والمغني وابن حجر في شرح المختصر تبعاً للشيخ زكريا، وعن الكثير من العلماء أنه يركع معه وتسقط عنه القراءة، كمن لم يشتغل بسنة، ولا يسع العوام إلا هذا بل كلام التحفة كما قاله الكردي، كالمتردد بين هذا وبين عذره إلى ثلاثة أركان طويلة.

(مسألة): المواضع التي يعذر فيها المأموم إلى ثلاثة أركان طويلة تسعة، نظم بعضهم ثمانية منها فقال:

إن شئت ضبطاً للذي شرعاً عذر ** حتى له ثلاثة أركان اغتفر
من في قراءة لعجزه بطي ** أو شك هل قرا ومن لها نسي
وصف موافقاً لسنة عدل ** ومن لسكتة انتظاره حصل
من نام في تشهد أو اختلط ** عليه تكبير الإمام ما انضبط
كذا الذي يكمل التشهدا ** بعد إمام قام عنه قاصدا
والخلف في أواخر المسائل ** محقق فلا تكن بذاهل

يعني أن الخمس الأول وهي: بطيء القراءة لعجز خلقي لا لوسوسة إلا إن صارت كالخلقية كما بحثه في التحفة، ومن شك في الفاتحة قبل ركوعه وبعد ركوع إمامه أو عكسه، ومن نسي الفاتحة ثم تذكرها كذلك، ومن اشتغل بسنة كدعاء الافتتاح، ومن انتظر سكتة الإمام ليقرأ الفاتحة فلم يسكت، يعذر فيها المأموم الموافق المتخلف لإتمام الفاتحة إلى ثلاثة أركان طويلة باتفاق ابن حجر و (م ر) وغيرهما، وأما الثلاث الأخيرة وهي من نام في تشهده الأوّل متمكناً، أو اختلط عليه تكبيرة الإمام كأعمى أو في ظلمة، بأن قام إمامه من السجود فظنه جلس للتشهد ولم يبن له الحال إلا والإمام راكع أو قريب أن يركع، أو جلس يكمل التشهد الأول بعد أن قام إمامه منه، والتاسعة التي لم تذكر في النظم من نسي القدوة في السجود ولم يتذكر إلا وإمامه راكع، فهذه الأربع رجح (م ر) أنه يعذر فيها إيضاً كالتي قبلها، وقال ابن حجر: حكمه في غير المشتمل بتكميل التشهد حكم المسبوق، فيركع معه وتسقط عنه الفاتحة، وأما المشتغل بالتكميل فلا يعذر، بل هو كمن تخلف بلا عذر، تبطل صلاته بتخلفه بركنين فعليين.

(مسألة): تدرك الركعة بإدراك ركوعها مع الإمام، بشرط أن يكبر تكبيرتين أو واحدة، وينوي بها الإحرام فقط ويتمها، وهو إلى القيام أقرب، ويطمئن معه يقيناً، وأن لا يكون الإمام محدثاً، ولا في ركعة زائدة، ولا الثاني من صلاة الكسوف، نعم صرح (م ر) بإدراك الركعة بالركوع الثاني من الركعة الأخيرة منها لغير مصليها، فلو شك في الطمأنينة قبل ارتفاع الإمام بل أو ظنها، وإن نظر فيه الزركشي لم تحسب ركعته في الأظهر والثاني تحسب لأن الأصل بقاؤه فيه، قاله في النهاية، بل نقل المحلي عن الكفاية أن أكثر الأئمة قائلون بعدم اشتراط طمأنينة المأموم قبل رفع الإمام من الركوع وفي ذلك فسحة.

[فائدة]: قال في كشف النقاب: والحاصل أن قطع القدوة تعتريه الأحكام الخمسة واجباً، كأن رأى إمامه متلبساً بمبطل وسنة لترك الإمام سنة مقصودة، ومباحاً كأن طوّل الإمام، ومكروهاً مفوتاً لفضيلة الجماعة إن كان لغير عذر، وحراماً إن توقف الشعار عليه أو وجبت الجماعة كالجمعة اهـ.


EmoticonEmoticon