Saturday, May 11, 2013

الكبائر الستون أذى الجار والمسلمين

Tags

الكبائر الستون أذى الجار والمسلمين


الكبائر الستون أذى الجار والمسلمين و لبس الحرير و الذهب للرجال
كتاب الكبائر للذهبي

محتويات

الكبيرة الخمسون : البغي

قال الله تعالى : { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس و يبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم }
و قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد و لا يفخر أحد على أحد ] رواه مسلم
و في الأثر : لو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكا
و قال صلى الله عليه و سلم : [ ما من ذنب أجدر أن يجعل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي و قطيعة الرحم ]

و قد خسف الله بقارون الأرض حين بغى على قومه فقد أخبر الله تعالى عنه بقوله : { إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم } إلى قوله : { فخسفنا به و بداره الأرض } الآية قال ابن الجوزي رحمه الله : في بغي قارون أقوال أحدها : أنه جعل للبغية جعلا على أن تقذف موسى عليه السلام بنفسها ففعلت فاستحلفها موسى على ما قالت فاخبرته بقصتها مع قارون و كان هذا بغية قاله ابن عباس
و الثاني : أنه بغى بالكفر بالله عز و جل قاله الضحاك
و الثالث : بالكفر قاله قتادة

و الرابع : أنه أطال ثيابه شبرا قاله عطاء الخرساني أنه كان يخدم فرعون فاعتدى على بني اسرائيل فظلمهم حكاه الماوردي
قوله { فخسفنا به و بداره الأرض } الآية لما أمر قارون البغية بقذف موسى على ما سبق شرحه غضب موسى فدعا عليه فأوحى الله إليه : إني قد أمرت الأرض أن تعطيك فمرها فقال موسى : يا أرض خذيه فأخذته حتى غيبت سريره فلما رأى قارون ذلك ناشد موسى بالرحم فقال : يا أرض خذيه فأخذته حتى غيبت قدميه فما زال يقول : يا أرض خذيه حتى غيبته فأوحى الله إليه : يا موسى و عزتي و جلالي لو استغاث بي لأغثته ! قال ابن عباس فخسفت به الأرض إلى الأرض السفلى قال سمرة بن جندب : إنه كل يوم يخسف به قامة قال مقاتل : فلما هلك قارون قال بنو اسرائيل إنما أهلكه موسى ليأخذ ماله و داره فخسف الله بداره و ماله بعد ثلاثة أيام
{ فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله } أي يمنعونه من الله { و ما كان من المنتصرين } أي من الممتنعين مما أنزل به و الله أعلم
اللهم إنك إذا قبلت سلمت و إذا أعرضت أسلمت و إذا وفقت أهمت و إذا خذلت إتهمت
اللهم اذهب ظلمة ذنوبنا بنور معرفتك و هداك و اجعلنا ممن أقبلت عليه فأعرض عمن سواك و اغفر لنا و لوالدينا و سائر المسلمين آمين

الكبيرة الحادية و الخمسون : الاستطالة على الضعيف و المملوك و الجارية و الزوجة و الدابة

لأن الله تعالى قد أمر بالإحسان إليهم بقوله تعالى :
{ و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا و بالوالدين إحسانا و بذي القربى و اليتامى والمساكين و الجار ذي القربى و الجار الجنب و الصاحب بالجنب و ابن السبيل و ما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا }
قال الواحدي : في قوله تعالى { و اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا } : أخبرنا أحمد بن إبراهيم المهرجاني بإسناده [ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : كنت رديف النبي صلى الله عليه و سلم على حمار فقال : يا معاذ لبيك و سعديك يا رسول الله قال : هل تدري ما حق الله على العباد و ما حق العباد على الله ؟ قلت : الله و رسوله أعلم قال : فإن حق الله على العباد أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا و حق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا ]
و [ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : أتى النبي صلى الله عليه و سلم أعرابي فقال : يا نبي الله أوصني قال : لا تشرك بالله شيئا و إن قطعت و حرقت و لا تدع الصلاة لوقتها فإنها ذمة الله و لا تشرب الخمر فإنها مفتاح كل شر ]
قوله : { و بالوالدين إحسانا } يريد البر بهما مع اللطف و لين الجانب و لا يغلظ لهما الجواب و لا يحد النظر إليهما و لا يرفع صوته عليهما بل يكون بين أيديهما مثل العبد بين يدي السيد تذللا لهما قوله : { و بذي القربى } قال يصلهم و يتعطف عليهم { و اليتامى } يرفق بهم و يدنيهم و يمسح رؤوسهم { و المساكين } ببذل يسير ورد جميل { و الجار ذي القربى } يعني الذي بينك و بينه قرابة فله حق القرابة و حق الجوار و حق الإسلام و { و الجار الجنب } هو الذي ليس بينك و بينه قرابة يقال رجل جنب إذا كان غريبا متباعدا أهله و قوم أجانب و الجنابة : البعد [ عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ] و [ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الجار ليتعلق بالجار يوم القيامة يقول : يا رب أوسعت على أخي هذا و اقترب علي أمسي طاويا و يمسي هذا شبعان سله لم أغلق بابه و حرمني ما قد أوسعت به عليه ]

{ و الصاحب بالجنب } قال ابن عباس و مجاهد : هو الرفيق في السفر له حق الجوار و حق الصحبة { و ابن السبيل } : هو الضعيف يجب اقراؤه إلى أن يبلغ حيث يريد و قال ابن عباس : هو عابر السبيل تؤويه و تطعمه حتى يرحل عنك { و ما ملكت أيمانكم } : يريد المملوك يحسن رزقه و يعفو عنه فيما يخطىء قوله : { إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } قال ابن عباس : يريد بالمختال العظيم في نفسه الذي لا يقوم بحقوق الله و الفخور هو الذي يفخر على عباد الله بما خوله الله من كرامته و ما أعطاه من نعمه [ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : بينما رجل شاب ممن كان قبلكم يمشي في حلة مختالا فخورا إذ ابتلعته الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة ] و [ عن أسامة قال : سمعت ابن عمر يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : من جر ثوبه خيلا لم ينظر الله إليه يوم القيامة ] هذا ما ذكره الواحدي
[ و كان رسول الله صلى الله عليه و سلم عند خروجه من الدنيا في آخر مرضه يوصي بالصلاة و بالإحسان إلى المملوك و يقول : الله الله الصلاة و ما ملكت أيمانكم ]

و في الحديث : [ حسن الملكة يمن و سوء الملكة شؤم ] و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم [ لا يدخل الجنة سيء الملكة ]
قال [ أبو مسعود رضي الله عنه : كنت أضرب مملوكا لي بالسوط فسمعت من صوتا من ورائي : اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام قال قلت يا رسول الله لا أضرب مملوكا لي بعده أبدا ] و في رواية سقط السوط من يدي من هيبة رسول الله صلى الله عليه و سلم و في رواية : فقلت هو حر لوجه الله فقال : [ أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار يوم القيامة ] رواه مسلم و روى مسلم أيضا من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من ضرب غلاما له حدا لم يأته أو لطمه فكفارته أن يعتقه ] و من حديث حكيم بن حزام قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ]
و في الحديث من ضرب بسوط ظلما اقتص منه يوم القيامة و قيل لرسول الله صلى الله عليه و سلم كم نعفو عن الخادم ؟ قال : [ في اليوم سبعين مرة ] و كان في يد النبي صلى الله عليه و سلم يوما سواك فدعا خادما له فأبطأ عليه فقال : : [ لولا القصاص لضربتك بهذا السواك ] و كان لأبي هريرة رضي الله عنه جارية زنجية فرفع يوما عليها السوط فقال : لولا القصاص لأغشيتكيه و لكن سأبيعك لمن يوفيني ثمنك اذهبي فأنت حرة لوجه الله

و جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت يا رسول الله إني قلت لأمتي يا زانية قال : [ و هل رأيت عليها ذلك ؟ قالت : لا أما أنها ستستقيد منك يوم القيامة فرجعت إلى جاريتها فأعطتها سوطا و قالت : اجلديني فأبت الجارية فأعتقتها ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبرته بعتقها فقال : ( عسى ) أي عسى أن يكفر عتقك لها ما قذفتها به ]
و في الصحيحين [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من قذف مملوكه و هو بريء مما قاله جلد يوم القيامة حدا إلا أن يكون كما قال ] و في الحديث [ للملوك طعامه و كسوته و لا يكلف ما لا يطيق ] و كان صلى الله عليه و سلم يوصيهم عند خروجه من الدنيا و يقول : [ الله الله في الصلاة و ما ملكت أيمانكم أطعموهم مما تأكلون و اكسوهم مما تكتسون و لا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فإن كلفتموهم فأعينوهم و لا تعذبوا خلق الله فإنه ملككم إياهم و لو شاء لملكهم إياكم ]
و دخل جماعة على سلمان الفارسي رضي الله عنه و هو أمير على المدائن فوجدوه يعجن عجين أهله فقالوا له : ألا تترك الجارية تعجن ؟ فقال رضي الله عنه : إنا أرسلناها في عمل فكرهنا أن نجمع عليها عملا آخر و قال بعض السلف : لا تضرب الملوك في كل ذنب و لكن احفظ له ذلك فإذا عصى الله فاضربه على معصية الله و ذكره الذنوب التي بينك و بينه

( فصل ) و من أعظم الإساءة إلى الملوك و الجارية التفريق بينه و بين ولده أو بينه و بين أخيه لما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من فرق بين والدة و ولدها فرق الله بينه و بين أحبته يوم القيامة ] قال علي كرم الله وجهه : [ وهب لي رسول الله صلى الله عليه و سلم غلامين أخوين فبعث أحدهما فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : رده رده ] و من ذلك أن يجوع الملوك و الجارية و الدابة يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم [ كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته ] و من ذلك أن يضرب الدابة ضربا وجيعا أو يحبسها و لا يقوم بكفايتها أو يحملها فوق طاقتها فقد روي في تفسير قول الله تعالى : { و ما من دابة في الأرض و لا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } الآية قيل : يؤتى بهم و الناس وقوف يوم القيامة فيقضي بينهم حتى أنه ليؤخذ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء حتى يقاد للذرة من الذرة ثم يقال لهم : كونوا ترابا فهنالك يقول الكافر : يا ليتني كنت ترابا و هذا من الدليل على القضاء بين البهائم و بينها و بين بني آدم حتى إن الإنسان لو ضرب دابة بغير حق أو جوعها أو عطشها أو كلفها فوق طاقتها فإنها تقتص منه يوم القيامة بقدر ما ظلمها أو جوعها و الدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : عذبت امرأة في هرة ربطتها حتى ماتت جوعا لا هي أطعمتها و سقتها إذ حبستها و لا تركتها تأكل من خشاش الأرض ] أي من حشراتها

و في الصحيح [ أنه صلى الله عليه و سلم رأى امرأة معلقة في النار و الهرة تخدشها في وجهها و صدرها و هي تعذبها كما عذبتها في الدنيا بالحبس و الجوع و هذا عام في سائر الحيوان و كذلك إذا حملها فوق طاقتها تقتص منه يوم القيامة لما ثبت في الصحيحين ] أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ بينما رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها فقالت : إنا لم نخلق لهذا إنما خلقنا للحرث ] فهذه بقرة أنطقها الله في الدنيا تدافع عن نفسها بأنها لا تؤذى و لا تستعمل في غير ما خلقت له فمن كلفها غير طاقتها أو ضربها بغير حق فيوم القيامة تقتص منه بقدر ضربه و تعذيبه
قال أبو سليمان الداراني : ركبت مرة حمارا فضربته مرتين أو ثلاثا فرفع رأسه و نظر إلي و قال يا أبا سليمان هو القصاص يوم القيامة فإن شئت فأقلل و إن شئت فأكثر : قال : فقلت لا أضرب شيئا بعده أبدا
و مر ابن عمر بصبيان من قريش قد نصبوا طيرا و هم يرمونه و قد جعلوا لصاحبه كل خاطئة من نبلهم فلما رأوا ابن عمر تفرقوا فقال من فعل هذا ؟ [ لعن الله من فعل هذا إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لعن من اتخذ فيه الروح غرضا و الغرض كالهدف و ما يرمى إليه ] و نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم [ أن تصبر البهائم يعني أن تحبس للقتل ] و إن كان مما أذن الشرع بقتله كالحية و العقرب و الفأرة و الكلب العقور قتله بأول دفعة و لا يعذبه لقوله عليه الصلاة و السلام [ إذا قتلتم فأحسنوا القتلة و إذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة و ليحد أحدكم شفرته و ليرح ذبيحته ]

و كذلك لا يحرقه بالنار لما ثبت في الحديث الصحيح [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانا و فلانا بالنار و إن النار لا يعذب بها إلا الله فإن وجدتموهما فاقتلوهما ]
قال ابن مسعود : [ كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفره فانطلق لحاجته فرأينا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت ترفرف فجاء النبي صلى الله عليه و سلم و قال : من فجع هذه بولدها ؟ ردوا عليها ولديها ] و رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم قرية نمل ـ أي مكان نمل ـ قد أحرقناها فقال : [ من حرق هذه ؟ قلنا : نحن فقال عليه الصلاة و السلام : إنه لا ينبغي لأحد أن يعذب بالنار إلا ربها ] و فيه من النهي عن القتل و التعذيب بالنار حتى في القملة و البرغوث و غيرهما
فصل : و يكره قتل الحيوان عبثا لما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة و قال : يا رب سل هذا لم قتلني عبثا و لم يقتلني لمنفعة ؟ ]

و يكره صيد الطير أيام فراخه لما روي ذلك في الأثر و يكره ذبح الحيوان بين يدي أمه لما روي عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله قال : ذبح رجل عجلا بين يدي أمه فأيبس الله يده
فصل : في فضل عتق المملوك [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو من أعضائه عضوا من أعضائه من النار حتى يعتق فرجه بفرجه ] أخرجه البخاري
و [ عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم : أيما امرىء مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكا له من النار يجزى كل عضو منه عضوا منه و أيما امرىء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزي كل عضوين منهما عضوا منه و أيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة إلا كانت فكاكها من النار يجزى كل عضو منها ] رواه الترمذي و صححه
اللهم اجعلنا من حزبك المفلحين و عبادك الصالحين

الكبيرة الثانية و الخمسون : أذى الجار

ثبت في الصحيحين [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : و الله لا يؤمن و الله لا يؤمن قيل من يا رسول الله ؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه ] أي غوائله و شروره و في رواية : [ لا يدخل الجنة من لا يؤمن جاره بوائقه ] و سئل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن أعظم الذنب عند الله فذكر ثلاث خلال : [ أن تجعل لله ندا و هو خلقك و أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك و أن تزني بحليلة جارك ] و في الحديث : [ من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره ] و الجيران ثلاثة : جار مسلم قريب له حق الجوار و حق الإسلام و حق القرابة و جار مسلم له حق الجوار و حق الإسلام و الجار الكافر له حق الجوار و كان ابن عمر رضي الله عنهما له جار يهودي فكان إذا ذبح الشاة يقول : احملوا إلى جارنا اليهودي منها و روي أن الجار الفقير يتعلق بالجار الغني يوم القيامة و يقول : يا رب سل هذا لم منعني معروفه و أغلق عني بابه
و ينبغي للجار أن يحمل أذى الجار فهو من جملة الإحسان إليه [ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال : يا رسول الله دلني على عمل إذا قمت به دخلت الجنة فقال : كن محسنا فقال : يا رسول الله كيف أعلم أني محسن ؟ قال : سل جيرانك فإن قالوا أنك محسن فأنت محسن و إن قالوا أنك مسيء فأنت مسيء ] ذكره البيهقي من رواية أبي هريرة و جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ من أغلق بابه عن جاره مخافة على أهله و ماله فليس بمؤمن و ليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه ]
و قيل : لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر من أن يزني بامرأة جاره و لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر من أن يسرق من بيت جاره و في سنن أبي داود [ من رواية أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يشكوه جاره فقال له اذهب فاصبر فأتاه مرتين أو ثلاثا ثم قال اذهب فاطرح متاعك على الطريق ففعل فجعل الناس يمرون به و يسألونه عن حاله فيخبرهم خبره مع جاره فجعلوا يلعنون جاره و يقولون : فعل الله به و فعل و يدعون عليه فجاء إليه جاره و قال : يا أخي ارجع إلى منزلك فإنك لن ترى ما تكره أبدا ]

و أن يحتمل أذى جاره و إن كان ذميا فقد روي عن سهل بن عبد الله التستري رحمه الله أنه كان له جار ذمي و كان قد انبثق من كنيفه إلى بيت في دار سهل بثق فكان سهل يضع كل يوم الجفنة تحت ذلك البثق فيجتمع ما يسقط فيه من كنيف المجوسي و يطرحه بالليل حيث لا يراه أحد فمكث رحمه الله على هذه الحال زمانا طويلا إلى أن حضرت سهلا الوفاة فاستدعى جاره المجوسي و قال له : ادخل ذلك البيت و انظر ما فيه فدخل فرأى ذلك البثق و القذر يسقط منه في الجفنة فقال ما هذا الذي أرى ؟ قال سهل : هذا منذ زمان طويل يسقط من دارك إلى هذا البيت و أنا أتلقاه بالنهار و ألقيه بالليل و لولا أنه حضرني أجلي و أنا أخاف أن لا تتسع أخلاق غيري لذلك و إلا لم أخبرك فافعل ما ترى فقال المجوسي : أيها الشيخ أنت تعاملني بهذه المعاملة منذ زمان طويل و أنا مقيم على كفري ؟ مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ثم مات سهل رحمه الله
فنسأل الله أن يهدينا و إياكم لأحسن الأخلاق و الأعمال و الأقوال و أن يحسن عاقبتنا إنه جواد كريم رؤوف رحيم

الكبيرة الثالثة و الخمسون : أذى المسلمين و شتمهم

قال الله تعالى : { و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا } و قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان و من لم يتب فأولئك هم الظالمون }
و قال الله تعالى : { و لا تجسسوا و لا يغتب بعضكم بعضا }
و قال صلى الله عليه و سلم : [ إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس أو تركه الناس اتقاء فحشه ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ عباد الله إن الله وضع الحرج إلا من افترض بعرض أخيه فذلك الذي حرج أو هلك ]
و في الحديث [ كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه ] و قال عليه الصلاة و السلام [ المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخذله و لا يحقره بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ] و فيه أيضا [ سباب المسلم فسوق و قتاله كفر ]
و [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله إن فلانة تصلي الليل و تصوم النهار و تؤذي جيرانها بلسانها فقال : لا خير فيها هي في النار ] صححه الحاكم و في الحديث أيضا [ اذكروا محاسن موتاكم و كفوا عن مساوءهم ] و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من دعا رجلا بالكفر أو قال يا عدو الله و ليس كذلك إلا حار عليه ] و قال عليه الصلاة و السلام : [ مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظافر من النحاس يخمشون بها وجوههم و صدورهم فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ فقال : هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس و يقعون في أعراضهم ]

( فصل ) في الترهيب من الإفساد و التحريش بين المؤمنين و بين البهائم و الدواب : صح عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب و لكن في التحريش بينهم ] فكل من حرش بين اثنين من بني آدم و نقل بينهما ما يؤذي أحدهما فهو نمام من حزب الشيطان من أشر الناس كما قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ ألا أخبركم بشراركم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : شراركم المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرءاء العنت ] و العنت المشقة و صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : [ لا يدخل الجنة نمام ] و النمام هو الذي ينقل الحديث بين الناس و بين اثنين بما يؤذي أحدهما أو يوحش قلبه على صاحبه أو صديقه بأن يقول له : قال عنك فلان كذا و كذا و فعل كذا و كذا إلا أن يكون في ذلك مصلحة أو فائدة كتحذيره من شر يحدث أو يترتب و أما التحريش بين البهائم و الدواب و الطير و غيرها فحرام كمناقرة الديوك و نطاح الكباش و تحريش الكلاب بعضها على بعض و ما أشبه ذلك و قد نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ذلك فمن فعل ذلك فهو عاص لله و رسوله و من ذلك إفساد قلب المرأة على زوجها و العبد على سيده لما روي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : [ ملعون من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده ] نعوذ بالله من ذلك

( فصل ) في الترغيب في الإصلاح بين الناس قال الله تعالى : { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس و من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } قال مجاهد : هذه الآية عامة بين الناس يريد أنه لا خير فيما يتناجى فيه الناس و يخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير و هو قوله { إلا من أمر بصدقة } ثم حذف المضاف { أو معروف } قال ابن عباس : بصلة الرحم و بطاعة الله و يقال لأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها قوله تعالى : { أو إصلاح بين الناس } هذا مما حث عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال [ لأبي أيوب الأنصاري ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم قال : بلى يا رسول الله قال : تصلح بين الناس إذا تفاسدوا و تقرب بينهم إذا تباعدوا ] و روت [ أم حبيبة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر لله ]
و روي أن رجلا قال لسفيان : ما أشد هذا الحديث قال سفيان : ألم تسمع إلى قول الله تعالى : { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف } الآية فهذا هو بعينه
ثم علم سبحانه أن ذلك إنما ينفع من ابتغى به ما عند الله قال الله تعالى : { و من يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما } أي ثوابا لا حد له
و في الحديث [ ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا ] رواه البخاري و قالت أم كلثوم [ و لم أسمعه صلى الله عليه و سلم يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاثة أشياء : في الحرب و الإصلاح بين الناس و حديث الرجل زوجته و حديث المرأة زوجها ] و [ عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بلغه أن بني عمرو بن عوف كان بينهم شر فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلح بينهم في أناس معه من أصحابه ] رواه البخاري
و [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ما عمل شيء أفضل من مشي إلى الصلاة أو إصلاح ذات البين و حلف جائز بين المسلمين ]
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ من أصلح بين اثنين أصلح الله أمره و أعطاه بكل كلمة تكلم بها عتق رقبة و رجع مغفورا له ما تقدم من ذنبه ] و بالله التوفيق
اللهم عاملنا بلطفك و تداركنا بعفوك يا أرحم الراحمين

الكبيرة الرابعة و الخمسون : أذية عباد الله و التطول عليهم

قال الله تعالى : { و الذين يؤذون المؤمنين و المؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا و إثما مبينا }
و قال الله تعالى : { و اخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين }
و [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ] و في رواية : [ فقد بارزني بالمحاربة أي أعلمته أني محارب له ] و في الحديث [ أن أبا سفيان أتى على سلمان و صهيب و بلال في نفر فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها فقال أبو بكر رضي الله عنه : أتقولون هذا لشيخ قريش و سيدهم ؟ فأتى النبي صلى الله عليه و سلم فأخبره فقال : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم لقد أغضبت ربك فأتاهم أبو بكر رضي الله عنه فقال : يا أخوتاه أغضبتكم ؟ قالوا : لا يغفر الله لك يا أخي ] و قولهم مأخذها : أي لم تستوف حقها منه

( فصل ) في قوله تعالى :
{ و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه } الآيات و هذه الآيات في تفضيل الفقراء و سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه و سلم أول من آمن به الفقراء و كذلك كل نبي أرسل أول من آمن به الفقراء فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يجلس مع فقراء أصحابه مثل سلمان و صهيب و بلال و عمار بن ياسر رضي الله عنهم فأراد المشركون أن يحتالوا عليه في طرد الفقراء لما سمعوا أن علامة الرسل أن يكون أول أتباعهم الفقراء فجاء بعض رؤساء المشركين فقالوا : يا محمد اطرد الفقراء عنك فإن نفوسنا تأنف أن تجالسهم فلو طردتهم عنك لآمن بك أشراف الناس و رؤساؤهم فأنزل الله تعالى : { و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه }
فلما أيس المشركون من طردهم قالوا : يا محمد إن لم تطردهم فاجعل لنا يوما و لهم يوما فأنزل الله تعالى :
{ و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشي يريدون وجهه و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا }
أي لا تتعداهم و لا تتجاوز بنظرك رغبة عنهم و طلبا لصحبة أبناء الدنيا
{ و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر }
ثم ضرب لهم مثل الغني و الفقير بقوله { و اضرب لهم مثلا رجلين } { و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا } فكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعظم الفقراء و يكرمهم

و لما هاجر رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى المدينة هاجروا معه فكانوا في صفة المسجد مقيمين متبتلين فسموا أصحاب الصفة فكان ينتمي إليهم من يهاجر من الفقراء حتى كثروا رضي الله عنهم هؤلاء شاهدوا ما أعد الله لأوليائه من الإحسان و عاينوه بنور الإيمان فلم يعلقوا قلوبهم بشيء من الأكوان بل قالوا : إياك نعبد و لك نخضع و نسجد و بك نهتدي و نسترشد و عليك نتوكل و نعتمد و بذكرك نتنعم و نفرح و في ميدان ودك نرتع و نسرح و لك نعمل و نكدح و عن بابك أبدا لا نبرح فحينئذ عمر لهم سبيله و خاطب فيهم رسوله فقال : { و لا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة } الآية أي : و لا تطرد قوما أمسوا على ذكر ربهم يتقلبون و إن أصبحوا فلبابه ينقلبون لا تطرد قوما المساجد مأواهم و الله مطلوبهم و مولاهم و الجوع طعامهم و السهر إذا نام الناس أدامهم و الفقر و الفاقة شعارهم و المسكنة و الحياء دثارهم ربطوا خيل عزمهم على باب مولاهم و بسطوا وجوههم في محاريب نجواهم فالفقر عام و خاص فالعام الحاجة إلى الله تعالى و هذا وصف كل مخلوق مؤمن و كافر و هو معنى قوله تعالى { يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله } الآية و الخاص وصف أولياء الله و أحبائه خلو اليدين من الدنيا و خلو القلب من التعلق بها اشتغالا بالله عز و جل و شوقا إليه و أنسا بالفراغ و الخلوة مع الله عز و جل
اللهم أذقنا حلاوة مناجاتك و أن تسلك بنا طريق مرضاتك و اقطع عنا كل ما يبعدنا من حضرتك و يسر لنا ما يسرته لأهل محبتك و اغفر لنا و لوالدينا و للمسلمين

الكبيرة الخامسة و الخمسون : إسبال الإزار و الثوب و اللباس و السراويل تعززا و عجبا و فخرا و خيلاء

قال الله تعالى : { و لا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور }
و قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار ]
و قال عليه الصلاة و السلام : [ لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا ] و قال عليه الصلاة و السلام : [ ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة و لا ينظر إليهم و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم : المسبل و المنان و المنفق سلعته بالحلف الكاذب ]
و في الحديث أيضا : [ بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه مرجل رأسه يختال في مشيه إذ خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ]
و قال عليه الصلاة و السلام : [ من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ] و قال صلى الله عليه و سلم [ الإسبال في الإزار و العمامة من جر شيئا منها خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ]
و قال عليه الصلاة و السلام : [ إزرة المؤمن إلى نصف ساقيه و لا حرج عليه فيما بينه و بين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ]

و هذا عام في السراويل و الثوب و الجبة و القباء و الفرجية و غيرها من اللباس فنسأل الله العافية و [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما رجل يصلي مسبلا إزاره قال له رسول الله : اذهب فتوضأ ثم جاء فقال اذهب فتوضأ فقال له رجل يا رسول الله ما لك أمرته أن يتوضأ ؟ ثم سكت عنه فقال : إنه كان يصلي و هو مسبل إزاره و لا يقبل الله صلاة رجل مسبلا إزاره ]
و لما قال صلى الله عليه و سلم : [ من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا رسول الله إن إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : إنك لست ممن يفعله خيلاء ]
اللهم عاملنا بلطفك الحسن الجميل برحمتك يا أرحم الراحمين

الكبيرة السادسة و الخمسون : لبس الحرير و الذهب للرجال

في الصحيحين [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ] و هذا عام في الجند و غيرهم لقوله صلى الله عليه و سلم : [ حرم لبس الحرير و الذهب على ذكور أمتي ]
و [ عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه و سلم أن نشرب في آنية الذهب و الفضة و أن نأكل فيها و عن لبس الحرير و الديباج و أن نجلس عليها ] أخرجه البخاري
فمن استحل لبس الحرير من الرجال فهو كافر و إنما رخص فيه الشارع صلى الله عليه و سلم لمن به حكة أو جرب أو غيره و للمقاتلين عند لقاء العدو و أما لبس الحرير للزينة في حق الرجال فحرام بإجماع المسلمين سواء كان قباء أو قبطيا أو كلوثة و كذلك إذا كان الأكثر حريرا كان حراما و كذلك الذهب لبسه حرام على الرجال سواء كان خاتما أو حياصة أو سقط سيف حرام لبسه و عمله و قد رأى النبي صلى الله عليه و سلم في يد رجل خاتما من ذهب فنزعه و قال : [ يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده ] و كذلك طراز الذهب و كلوثة الزركش حرام على الرجال و اختلف العلماء في جواز إلباس الصبي الحرير و الذهب فرخص فيه قوم و منع آخرون لعموم قوله صلى الله عليه و سلم عن الحرير و الذهب : [ هذان حرام على ذكور أمتي حل لأناثهم ] فدخل الصبي في النهي و هذا مذهب الإمام أحمد و آخرين رحمهم الله
فنسأل الله التوفيق لما يحب و يرضى إنه جواد كريم

الكبيرة السابعة و الخمسون : اباق العبد

روى مسلم في صحيحه [ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة ] و قال صلى الله عليه و سلم : [ أيما عبد أبق فقد برئت منه الذمة ] و روى ابن خزيمة في صحيحه [ من حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة و لا يصعد لهم إلى السماء حسنة : العبد الآبق حتى يرجع إلى مولاه و المرأة الساخط عليها زوجها حتى يرضى و السكران حتى يصحو ] و [ عن فضالة بن عبيد مرفوعا : ثلاثة لا يسأل عنهم : رجل فارق الجماعة و عصى إمامه و عبد آبق و مات عاصيا و امرأة غاب عنها زوجها و قد كفاها المؤونة فتبرجت بعده ـ أي أظهرت محاسنها كما يفعل أهل الجاهلية ] و هم ما بين عيسى و محمد صلى الله عليه و سلم كذا ذكره الواحدي رحمه الله

الكبيرة الثامنة و الخمسون : الذبح لغير الله عز و جل

مثل من يقول : بسم الشيطان أو الصنم أو باسم الشيخ فلان قال الله تعالى : { و لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } قال ابن عباس : يريد الميتة و المنخنقة إلى قوله : { و ما ذبح على النصب } و قال الكلبي : ما لم يذكر اسم الله عليه أو يذبح لغير الله تعالى و قال عطاء : ينهي عن ذبائح كانت تذبحها قريش و العرب على الأوثان و قوله : { إنه لفسق } يعني : و إن كل ما لم يذكر اسم الله عليه من الميتة فسق أو خروج عن الحق و الدين { و إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } أي يوسوس الشيطان لوليه فيلقي في قلبه الجدال بالباطل و هو أن المشركين جادلوا المؤمنين في الميتة قال ابن عباس : أوحى الشيطان إلى أوليائه من الأنس كيف تعبدون شيئا لا تأكلون ما يقتل و أنتم تأكلون ما قتلتم ؟ فأنزل الله هذه الآية { و إن أطعتموهم } يعني في استحلال الميتة { إنكم لمشركون } قال الزجاج : و في هذا دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله أو حرم شيئا مما أحل الله فهو مشرك
فإن قيل : كيف أبحتم ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية و الآية كالنص في التحريم ؟ قلت : إن المفسرين فسروا ما لم يذكر اسم الله عليه في هذه الآية بالميتة و لم يحمله أحد على ذبيحة المسلم إذا ترك التسمية و في الآية أشياء تدل أن الآية في تحريم الميتة و منها قوله { و إنه لفسق } و لا يفسق آكل ذبيحة المسلم التارك للتسمية
و منها قوله { و إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } و المناظرة إنما كانت في الميتة بإجماع من المفسرين لا في ذبيحة تارك التسمية من المسلمين و منها قوله { و إن أطعتموهم إنكم لمشركون } و الشرك في استحلال الميتة لا في استحلال الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها

و قد أخبرنا أبو منصور بإسناده [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : أرأيت الرجل منا يذبح و ينسى أن يسمي الله تعالى ؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم اسم الله على فم كل مسلم ]
و أخبرنا أبو منصور أيضا بإسناده [ عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : يكفيه اسمه و إن نسي يسمي حين يذبح فليسم و يذكر الله ثم ليأكل ]
و [ أخبرنا عمرو بن أبي عمرو بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا : يا رسول الله إن قوما يأتونا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : سموا عليه و كلوا ] هذا آخر كلام الواحدي رحمه الله و قد تقدم قوله صلى الله عليه و سلم : [ لعن الله من ذبح لغير الله ]

الكبيرة التاسعة و الخمسون : فيمن ادعى إلى غير أبيه و هو يعلم

[ عن سعد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : من ادعى إلى غير أبيه و هو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام ] رواه البخاري
و [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كافر ] رواه البخاري
و فيه أيضا [ من ادعى إلى غير أبيه فعليه لعنة الله ] و عن زيد بن شريك قال : رأيت عليا رضي الله عنه يخطب على المنبر فسمعته يقول : و الله ما عندنا من كتاب نقرؤه إلا كتاب الله تعالى و ما في هذه الصحيفة فنشرها فإذا فيها أسنان الإبل و شيء من الجراحات و فيها : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : [ المدينة حرام ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين لا يقبل الله يوم القيامة منه صرفا و لا عدلا و من تولى غير مواليه فعليه مثل ذلك و ذمة المسلمين واحدة ] رواه البخاري و [ عن أبي ذر أنه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول : ليس منا رجلا ادعى إلى غير أبيه و هو يعلمه إلا كفر و من ادعى ما ليس له فليس منا و ليتبوأ مقعده من النار و من دعا رجلا بالكفر أو قال يا عدو الله و ليس كذلك إلا حار عليه ] أي رجع عليه و رواه مسلم فنسأل الله العفو و العافية و التوفيق لما يحب و يرضى إنه جواد كريم

الكبيرة الستون : الجدل و المراء و اللدد

قال الله تعالى : { و من الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا و يشهد الله على ما في قلبه و هو ألد الخصام * و إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و الله لا يحب الفساد }
و مما يذم من الألفاظ : المراء و الجدال و الخصومة
قال الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله : المراء طعنك في كلام لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله و إظهار مزيتك عليه و قال : و أما الجدال فعبارة عن أمر يتعلق بإظهار المذاهب و تقريرها قال : و أما الخصومة فلجاج في الكلام ليستوفي به مقصودا من مال غيره و تارة يكون ابتداء و تارة يكون اعتراضا و المراء لا يكون إلا اعتراضا هذا كلام الغزالي
و قال النووي رحمه الله : اعلم أن الجدال قد يكون بحق و قد يكون بباطل قال الله تعالى : { و لا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } و قال الله تعالى : { و جادلهم بالتي هي أحسن } و قال الله تعالى : { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } قال : فإن كان الجدال للوقوف على الحق و تقريره كان محمودا و إن كان في مدافعة الحق أو كان جدالا بغير علم كان مذموما و على هذا التفصيل تنزل النصوص الواردة في إباحته و ذمه و المجادلة و الجدال بمعنى واحد قال بعضهم : ما رأيت شيئا أذهب للدين و لا أنقص للمروءة و لا أشغل للقلب من الخصومة

( فإن قلت ) لا بد للإنسان من الخصومة لاستيفاء حقوقه ( فالجواب ) ما أجاب به الغزالي رحمه الله : اعلم أن الذم المتأكد إنما هو لمن خاصم بالباطل و بغير علم كوكيل القاضي فإنه يتوكل في الخصومة قبل أن يعرف الحق في أي جانب هو فيخاصم بغير علم
و يدخل في الذم أيضا من يطلب حقه لأنه لا يقتصر على قدر الحاجة بل يظهر اللدد و الكذب و الإيذاء و التسليط على خصمه كذلك من خلط بالخصومة كلمات تؤذي و ليس له إليها حاجة في تحصيل حقه كذلك من يحمله على الخصومة محض العناد لقهر الخصم و كسره فهذا هو المذموم

و أما المظلوم الذي ينصر حجته بطريق الشرع من غير لدد و إسراف و زيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد و لا إيذاء ففعل هذا ليس حراما و لكن الأولى تركه ما وجد إليه سبيلا لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الإعتدال متعذر و الخصومة توغر الصدور و تهيج الغضب و إذا هاج الغضب حصل الحقد بينهما حتى يفرح كل واحد منهما بمساءة الآخر و يحزن لمسرته و يطلق لسانه في عرضه فمن خاصم فقد تعرض لهذه الآفات و أقل ما فيها اشتغال القلب حتى أنه يكون في صلاته و خاطره متعلق بالمحاججة و الخصومة فلا تبقى حاله على الإستقامة و الخصومة مبدأ الشر و كذا الجدال و المراء فينبغي للإنسان ألا يفتح عليه باب الخصومة إلا لضرورة لا بد منها
روينا في كتاب للترمذي [ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : كفى بك إثما أن لا تزال مخاصما ]
و جاء عن علي رضي الله عنه قال : إن الخصومة لها قحم قلت القحم بضم القاف و فتح الحاء المهملة و هي : المهالك
( فصل ) [ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط حتى ينزع ]
و [ عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أتوا الجدال ثم تلا { ما ضربوه لك إلا جدلا } الآية ]

و قال صلى الله عليه و سلم : [ أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم و جدال منافق في القرآن و دنيا تقطع أعناقكم ] رواه ابن عمر
و قال النبي صلى الله عليه و سلم : [ المراء في القرآن كفر ]
( فصل ) : يكره التغيير في الكلام بالتشدق و تكلف السجع بالفصاحة بالمقدمات التي يعتادها المتفاصحون فكل ذلك من التكلف المذموم بل ينبغي أن يقصد في مخاطبته لفظا يفهمه جليا و لا يثقله

روينا في كتاب الترمذي [ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة ] قال الترمذي : حديث حسن و روينا فيه أيضا [ عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : إن من أحبكم إلي و أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا و إن من أبغضكم إلي و أبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون و المتشدقون و المتفيهقون قالوا : يا رسول الله قد علمنا الثرثارون و المتشدقون فما المتفيهقون ؟ قال : المتكبرون ] قال الترمذي حديث حسن قال : و الثرثار هو كثير الكلام و المتشدق من يتطاول على الناس في الكلام و يبذو عليهم
و اعلم أنه لا يدخل في الذم تحسين ألفاظ الخطب و المواعظ إذا لم يكن فيها إفراط و أغراب إلا أن المقصود منها تهييج القلوب إلى طاعة الله تعالى و لحسن اللفظ في هذا أثر ظاهر و الله أعلم


EmoticonEmoticon