Friday, May 3, 2013

إضافة الطلاق إلى المرأة المذاهب الأربعة

Tags

مبحث في إضافة الطلاق إلى المرأة أو إلى جزئها


مبحث في إضافة الطلاق إلى المرأة أو إلى جزئها
كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري

محتويات

مبحث في إضافة الطلاق إلى المرأة أو إلى جزئها

*-إذا قال: طالق فقط ناوياً به طلاق امرأته، ولم يقل: أنت طالق، أو زينب طالق، أو قال: علي الطلاق ولم يقل: من امرأتي، أو من فلانة، أو قال: يد امرأتي، أو رجلها، أو شعرها، طالق، فهل يقع الطلاق عليه بذلك، أو لا؟ في الجواب تفصيل المذاهب (1).

إضافة الطلاق إلى المرأة أو إلى جزئها عند الحنفية

(1) (الحنفية - قالوا: اختلفت أنظار الباحثين في إضافة الطلاق إلى المرأة، فقال بعضهم: لا يقع الطلاق إلا إذا أسنده إلى شيء يعبر به عن المرأة بأن يذكرها باسمها، فيقول: زوجتي زينب طالق، ويسمى هذا إضافة لفظية، أو يذكرها بالضمير، كأنت طالق. أو طالقتك أو باسم الإشارة كهذه طالق، أو باسم الجنس، كأمرأتي طالق، ويسمى هذا إضافة معنوية، فإذا لم يضف الطلاق إلى المرأة بأن يذكر اسمها صريحاً لفظاً، أو يذكر لفظاً يدل عليها فإنه لا يقع عليه الطلاق ولو نوى به الطلاق، فإذا قال لها: لا تخرجي من غير إذني لأنني حلفت بالطلاق ونوى بذلك طلاقها فخرجت فإنه لا يقع عليه شيء، وذلك لأنه لم يضف الطلاق إلى المرأة، أما لو قال لها، حلفت بطلاقك فإنه يقع، وكذا لو قال شخص لآخر: اذهب معي لزيارة فلان فقال: إني حلفت بالطلاق أن لا أزوره، وهو كاذب في ادعاء الحلف، ثم ذهب لم يقع عليه الطلاق لعدم إضافته إلى المرأة، وإذا قال علي الطلاق لا أفعل كذا، ولم يقل من امرأتي، أو من هذه، أو من زينب مثلاً، أو منك، وفعل فإنه لا يلزمه طلاق، ولو نوى الطلاق.

وقال بعضهم: إذا نوى طلاقها لزمه الطلاق، وذلك لأن نية الطلاق تجعل الإضافة إلى المرأة موجودة، فكأنه قال: حلفت بالطلاق منك أو بطلاقك، ولكن بعض المحققين من شيوخنا رجح الرأي الأول، وجعله مدار الفتوى، مستدلاً بأن المذهب اشترط إضافة الطلاق إلى المرأة بذكر اسمها أو ما يدل عليها من ضمير أو اسم إشارة، أو لفظ عام، أما نية الإضافة فإنها لا تكفي وعلى هذا لا تعتبر صيغة الطلاق إلا إذا ذكر فيها ما يدل على المطلقة، ولا يرد أن العرف قد استعمل كلمة عليّ الطلاق، وعليّ الحرام في تطليق الزوجة، والعرف يعمل به عند الحنفية، فينبغي أن يقع به الطلاق بدون إضافة، والجواب أن العرف لا يعول عليه إذا ناقض نصاً صريحاً أو خالف شرطاً من الشروط. وقد عرفت أنهم قد اشترطوا أن يضاف الطلاق إلى المرأة لفظاً لا نية، بأن يذكر ما يدل عليها من اسم صريح، أو ضمير، أو نحو ذلك، ومتى ثبت ذلك فلا معنى للعمل بالعرف الذي يناقض هذا الشرط، وهذا الرأي حسن، وينبغي أن يعمل به في زماننا خصوصاً بعد أن أصبح معمول به في القضاء والافتاء أن تعليق الطلاق يبطله، فلو فرضنا ونظرنا إلى العرف فإنه الآن قد أصبح متعارفاً بين الناس أن - عليّ الطلاق - لا يقع به الطلاق حتى لو أضافه إلى المرأة، كما أنه أصبح متعارفاً بين الناس أن الطلاق الثلاث لا يقع به إلا واحدة، فالنظر إلى العرف يقضي أن تكون الفتوى الآن على أن الطلاق المعلق المضاف لا يقع به شيء عند الحنفية، وأن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة لا يقع به إلا واحدة عندهم.
ويتفرع على اشتراط إضافة الطلاق إلى المرأة أن الرجل إذا أضاف الطلاق إليه دونها فإنه يلغو ولا يعمل به، مثلاً إذا قال لها: أنا منك طالق، أو أنا منك بريء لا يقع به شيء ولو نوى به طلاقها لأنه أضاف الطلاق إلى نفسه والرجل ليس محلاً للطلاق، بخلاف ما إذا قال لها: أنا منك بائن، أو منك حرام أو أنا عليك حرام وذلك لأن معنى الإبانة الانفصال وإزالة ما بينهما من وصلة ومعنى التحريم إزالة حل الاستمتاع الحاصل بينهما، ولا يخفى أن المعنيين مشتركان بين الرجل والمرأة، فيصح نسبتهما إلى كل واحد منهما، فلو قال أنا بائن ولم يقل منك، أو قال أنا حرام ولم يقل عليك فإنه لا يقع به شيء ولو نوى الطلاق، لأنه لم يضفه إلى المرأة بل أضافه إلى نفسه فقط. والشرط أن يضيفه إليها، فإذا قال لها: أنت بائن ولم يقل مني، أو قال: أنت حرام ولم يقل علي، فإنه يلزمه بالنية، لأنك قد عرفت أن هذه الألفاظ من باب الكنايات، على أنه إذا جعل الزوج أمر طلاق المرأة بيدها وقالت له: أنت بائن مني ولم تقل وأنا منك بائنة، فإنها لا تطلق وذلك لأنها وإن حلت محل الزوج في إيقاع الطلاق، ولكنها لم تضف الطلاق إلى نفسها فلا يقع.

وبهذا تعلم أن الطلاق الصريح إذا أضافه إليه لا يقع حتى ولو أضافه إليها أيضاً، وأن الكناية التي يكون معناها مشتركاً بينهما إذا أضافها إليه وإليها ونوى بها الطلاق وقع، كأنا منك بائن، وإذا أضافها إليها وحدها دونه فإنه يصح ويقع، كما إذا قال لها: أنت بائن أنت حرام وإذا أضافها إليه وحده كأنا بائن فإنه لا يقع بها شيء، وإذا جعل أمرها بيدها فإنه لا يقع إلا إذا أضافته إلى نفسها وأضافته إليه، فيقول: أنا منك بائنة، أنت مني بائن، أنا حرام عليك، أنت حرام علي.

والحاصل أن الحنفية قالوا: يشترط لإيقاع الطلاق أن يضاف إلى المرأة بأن يأتي باسمها، أو يأتي بالضمير الدال عليها، سواء كان ضمر خطاب كأنت طالق، أو ضمير غيبة، كهي إذا أعاد الضمير عل امرأته، أو اسم إشارة عائد إليها، كهذه طالق، فهذه الألفاظ تدل على المرأة وضعاً، ويقوم مقام ذلك ذكرها بجزئها، بشرط أن يكون ذلك الجزء شائعاً في بدنها، كالنصف، والثلث، والربع، أو يعبر به عن المرأة، بمعنى أنه يشتهر التعبير بذلك الجزء عن جميع الذات، وذلك، كالرقبة والعنق، والبدن، والجسد، والفرج، والوجه، والرأس، فإن هذه الألفاظ قد اشتهر استعمالها في ذات الإنسان، فأما الفرج فقد ورد "لعن اللّه الفروج على السروج" وأما غيره من الألفاظ فاستعمالها في الذات ظاهر، فلا يقع بالإضافة إلى المرأة إلا إذا وجد أحد الأمرين: الإضافة إلى الجزء الشائع من نصف وثلث الخ، لأن الطلاق لا يتجزأ، أو الإضافة إلى جزء اشتهر استعماله في الكل حتى أصبح حقيقة عرفية. أما إذا لم يكن جزءاً شائعاً، أو لم يكن جزءاً يستعمل في الكل عرفاً فإنه لا يقع به الطلاق إلا إذا نوى به المجاز، بأن ينطق بالجزء وينوي به الكل لعلاقة الجزئية، فإذا قال: يدك طالق ولم تكن اليد مشتهرة في التعبير بها عن الكل عند الناس لا تطلق إلا إذا أراد باليد جميع المرأة ومثل اليد الرجل، والفخذ، والشعر، والأنف، والسن، والريق، والعرق، والثدي، والدبر. أما الاست فقد قالوا: إنه يقع به لأنه وإن كان مرادفاً للدبر، ولكن اشتهر استعماله في جميع المرأة، ومثله البضع، فإنه وإن كان مرادفاً للفرج ولكن لا يقع به لأنه لم يشتهر استعماله في الجميع. وكذلك الظهر، والبطن، فإنهما لم يشتهر استعمالهما في الكل فلا يقع بهما، فإذا اشتهر استعمالهما في الكل عند قوم وقع بهما بدون نية المجاز. فالمدار على شهرة استعمالها في الكل بحيث لو اشتهر استعمال اليد في الكل وقع بها بدون نية المجاز وهكذا.

وبالجملة فأجزاء الجسم منها ما يقع به الطلاق بدون نية المجاز، وهي الأجزاء الشائعة والأجزاء التي اشتهر استعمالها في الكل بدون قرينة، كالرقبة الخ، ومنها ما يقع به الطلاق إذا نوى به استعماله في جميع البدن كاليد ونحوها. ومنها ما لا يقع به شيء حتى ولو نوى به جميع البدن، كالريق، والسن، والشعر، والظفر، والعرق لأن هذه لم يعهد التعبير بها عن الإنسان. ومثلها الأجزاء الباطنية التي لا يستمتع بها، كالقلب، والكبد، والطحال، فإنه إذا أضاف الطلاق إليها لا يقع ولو نوى بها جميع بدنها.
هذا، وإذا قال لها: روحك طالق أو نفسك طالق، فإنها تطلق لأنهما يعبر بهما عن الكل، كما لا يخفى.

إضافة الطلاق إلى المرأة أو إلى جزئها عند الشافعية

الشافعية - قالوا: إذا قال لزوجته: طالق، ولم يقل أنت، فإنه لا يقع به الطلاق، ولو نوى تقدير أنت إلا إذا قال: - طالق - في جواب سؤال المرأة طلاقها، فإذا قالت له: هل تطلقني؟ فقال لها: طالق لزمه الطلاق حينئذ، ومثل ذلك ما إذا قال لها: حرام علي ولم يقل: أنت، فإنه لا يقع به الطلاق، ولو نوى تقدير أنت، وهذا بخلاف عليّ الطلاق، أو الطلاق يلزمني، أو عليّ الحرام أو الحرام يلازمني لا أفعل كذا، فإنه يقع به الطلاق، وإن لم يضفه إلى المرأة، فلا يشترط في إيقاعه عندهم أن: علي الطلاق من فلانة، أو منك، أو من امرأتي، بل لو قال: علي الطلاق وسكت فإنه يكون بمنزلة أنت طالق على الصحيح، وبعضهم يقول: إنه لا يقع به الطلاق إلا بالنية فهو من باب الكناية لا من باب الصريح، فلو قال لزوجته: أنا منك طالق وأضاف الطلاق إلى نفسه لا إليها ونوى به الطلاق فإنه يقع، وقد عرفت أن الرجل وإن كان ليس محلاً للطلاق ولكن لما كان مقيداً بالنسبة لزوجته من بعض الوجوه بحيث لا يجوز له أن يتزوج أختها أو يتزوج خامسة عليها إن كان متزوجاً لأربع، فإنه يصح أن ينسب إليه الطلاق، فيقال: إنه طالق من هذا القيد، فإذا نوى به الطلاق لزمه، وكذا إذا قال لها: أنا منك بائن، ونوى به الطلاق فإنه يلزمه الطلاق.
وكما يقع الطلاق بإضافته إلى المرأة يقع بإضافته إلى جزئها المتصل بها، كيد، وشعر، وظفر، ودم، وسن، فخرج بقوله: جزئها إضافة الطلاق وإلى فضلتها كريقها، ومنيها، ولبنها، وعرقها، فإنه لا يقع به شيء، وبقوله: المتصل بهذا الجزء المنفصل، كما إذا قال لمقطوعة اليمين: يمينك طالق فإنه لا يقع به شيء.

إضافة الطلاق إلى المرأة أو إلى جزئها عند المالكية

المالكية - قالوا: كل لفظ ينوي به الطلاق يقع به الطلاق، فلو قال: طالق بدون إضافة إلى المرأة أو إلى جزئها ونوى طلاقها واحدة أو أكثر لزمه ما نواه حتى لو قال لها: اسقيني ونوى طلاقها ثلاثاً لزمه الثلاث، على أنهم قالوا: إن الصريح يقع به الطلاق وإن لم ينو. وقد عرفت أن ألفاظ الصريح منحصرة في أربعة: منها أن يقول لها أنا طالق منك، فهو صريح يقع به الطلاق وإن لم ينو مع كونه أضاف الطلاق إلى نفسه لا إلى المرأة، خلافاً للحنفية والحنابلة فإنهم يقولون: إنه لا يقع به الطلاق ولو نواه، وخلافاً للشافعية الذين يقولون: إنه يقع به الطلاق إذا نواه.

فإذا صرح بإضافة الطلاق إلى جزء المرأة، فإن كان الجزء متصلاً وكان من المحاسن التي يتلذذ بها الرجل، كالشعر، والريق - فإن الريق يتلذذ به - والعقل، والكلام، لأنهما من الأمور التي توجب إعجاب الرجل والتذاذه قطعاً، خصوصاً الكلام إذا كان رقيقاً فإن اللذة به محسة، فإنه يقع به الطلاق أما إذا كان الجزء منفصلاً ونوى الإضافة إليه، كما إذا قال لها: شعرك طالق، وأراد شعرها الذي حلقته فإنها لا تطلق، وإذا لم ينو المتصل ولا المنفصل تطلق، ولو أضاف الطلاق إلى جزء لا يتلذذ به: كالسعال، والمخاط ودمع العين فإنها لا تطلق.
هذا، وقد صرح المالكية بأن الرجل الذي يقول هذا يكون آثماً فيحرم عليه أن يطلق بعض تطليقة، أو يطلق المرأة، وإذا فعل يؤدب عليه.

إضافة الطلاق إلى المرأة أو إلى جزئها عند الحنابلة

الحنابلة - قالوا: الإضافة إلى المرأة لا تشترط في الطلاق الصريح، إنما يشترط أن لا يضيف الرجل الطلاق إليه، فلو قال: علي الطلاق، أو الطلاق يلزمني، أو يلزمني الطلاق، أو علي يمين بالطلاق ولم يذكر المرأة، أو لم ينم به الطلاق يلزمه، وإذا نوى به أكثر من واحدة لزمه ما نواه، فلو نوى بقوله: علي الطلاق أو أنت طالق طلاق امرأته ثلاثاً لزمه الثلاث، أما إذا قال: أنا طالق منك ونوى به الطلاق فإنه لا يقع به شيء، لأن الرجل قد أضاف الطلاق إلى نفسه، وهو غير محل للطلاق.
وكما يقع الطلاق بإضافته إلى المرأة يقع بإضافته إلى جزء متصل بها، فلو قال لها، نصفك طالق أو جزء منك طالق طلقت، وكذا إذا قال لها: يدك طالق وكانت لها يد، أو قال لها: أصبعك طالق فإنها تطلق، أما إضافة الطلاق إلى الأجزاء البعيدة، كالشعر، والظفر، والسن فإنها لا تطلق بها، ومثلها الإضافة إلى الفضلات، كالريق، والمني، والبصاق، ونحو ذلك. وكذا الإضافة إلى الصفة كالبياض، والسواد، وإذا قال لها: روحك طالق لا تطلق لأن الروح لا يستمتع بها وليست جزءاً بل هي أمر معنوي، أما إذا قال: حياتك طالقة، فإنها تطلق لأنها لا بقاء لها إلا بالحياة).

مبحث إذا قال: أنت حرام أو محرمة أو قال: علي الحرام أو نحو ذلك

*-إذا قال لزوجته: أنت علي حرام، أو أنت محرمة، أو قال: حرمت ما أحله لي اللّه أو نحو هذا، ففي وقوع الطلاق به تفصيل المذاهب (1).

إذا قال: أنت علي حرام عند الحنفية

(1) (الحنفية - قالوا: إذا قال لزوجته: أنت علي حرام أو محرمة، أو حرمتك علي أو حرمت نفسي عليك، فإنه ينظر فيه إلى العرف، فإن كان المتعارف بين الناس استعمال هذه الألفاظ في الطلاق البائن وقع بائناً أو في الطلاق الرجعي وقع رجعياً. ولا يلزم في وقوعه النية لأنه في هذه الحالة يكون من باب الصريح لا من باب الكناية، لأنه متى تعورف استعمال أنت محرمة في الطلاق كان مثل قوله: أنت طالق بلا فرق، أما إذا كان العرف لا يستعملها في الطلاق إلا بالنية كانت من باب الكناية لا يقع بها شيء إلا بالنية، ولكن العامي لا يفرق في استعمالها بين الطلاق البائن والطلاق الرجعي، وإنما يستعملها في تحريم وطء المرأة والاستمتاع بها، وهذا لا يكون إلا بالطلاق البائن، لأن الطلاق الرجعي لا يحرم الاستمتاع بالمرأة عند الحنفية فيتعين حمل طلاق العامي بهذه العبارات على البائن، أما الذي يعرف الفرق فيعمل بنيته، وهذا لا ينافي كونه ملحقاً بالصريح، لأنك قد عرفت أن الصريح نفسه ينقسم إلى رجعي، وبائن، فإذا نوى به عدداً فإنه يلزمه، فلو قال: أنت حرام ونوى به الثلاث لزمه الثلاث، بخلاف ما إذا نوى به طلقتين، فإنه لا يلزمه إلا واحدة كما تقدم في الكناية.

وإذا عرفت أن المدار في إيقاع الطلاق بهذه العبارات على العرف تعلم أنه إذا كان العرف لا يستعمل هذه الألفاظ في الطلاق أصلاً، لا صريحاً، ولا كناية فإنه لا يقع بها شيء أصلاً، فالتقوى بإيقاع الطلاق بهذه الألفاظ تتبع العرف.

هذا إذا أضافها إلى المرأة كما هو واضح في الأمثلة المذكورة، أما إذا لم يضفها إلى المرأة كأن قال: علي الحرام ولم يقل: منك، أو قال: الحرام يلزمني، أو كل حل عليّ حرام، أو قال: علي الطلاق. أو الطلاق يلزمني، فقد عرفت انه لا يقع به شيء،لأنهم قد اشترطوا إضافة الطلاق إلى المرأة بذكر ما يدل عليها من اسم، أو ضمير، أو إشارة، والعرف لا يغير الشرط. فلو قال: علي الحرام من امرأتي، أو من زينب، أو منك أو من هذه، فإن كان العرف يستعمله في الطلاق الصريح وقع بدون نية، وإن كان يستعمله في الطلاق كناية وقع الطلاق بالنية، وإذا لم يستعمله في الطلاق أصلاً لم يقع به شيء.

هذا، وإذا قال: علي الطلاق منك لا أفعل كذا ونوى به الثلاث فإنها تلزمه، لأن الطلاق المذكور بلفظ الجنس الذي يصدق بالواحد والكثير، فإذا نوى به اثنتين فإنه لا يصح. المالكية - قالوا: لو قال لها: أنت علي حرام، أو أنت حرام، وإن لم يقل: علي. أو أنا منك حرام كان ذلك من الكنايات الظاهرة التي يلزم بها الطلاق بدون نية، ثم إن كانت الزوجة مدخولاً بها لزمه الطلاق الثلاث بصرف النظر عن كونه نوى واحدة، أو أكثر، وإن كانت غير مدخول بها ولم ينو عدداً لزمه الثلاث أيضاً، وإن نوى عدداً لزمه ما نواه، سواء كان واحدة، أو أكثر، أما إذا قال: الحلال علي حرام، أو حرام علي ما أحل لي، أو ما أرجع إليه حرام، فإنه إذا نوى إخراج زوجته واستثناءها من المحرم عليه، فإنه يصح، ولا تحرم، وإلا حرمت، لأن قوله: الحلال علي حرام يشمل جميع ما أحله اللّه له وهو لا يملك إلا تحريم زوجته، فإذا نواه حرمت وإلا فلا، وإذا قال لها: الحرام حلال، ولم يقل علي، أو قال: حرام علي، أو علي حرام، ولم يقل: أنت، أو قال: يا حرام، فإنه إذا نوى إخراج امرأته من الحرام فلا يلزمه شيء، وإن نوى إدخالها كان كناية صريحة يلزم به الثلاث في المدخول بها وغيرها إن ينو في غير المدخول بها عدداً، وإذا حرم جزءاً منها كأن قال: وجهك علي حرام فإنه يلزمه الثلاث في المدخول بها بدون نظر إلى نيته، ويلزمه الثلاث في غير المدخول بها إن لم ينو عدداً، فإن نوى عدداً لزمه ما نواه، فإذا قال لها: وجهك على وجهي حرام - بتخفيف اللام - ففيه قولان: أحدهما: أنه لا يلزم به شيء إلا بالنية. وثانيهما: أنه مثل قوله: وجهك علي حرام، وهو الراجح، أما إذا قال لها: ما أعيش فيه حرام، فإن فيه خلافاً، فبعضهم قال: إنه مثل وجهك علي حرام، وبعضهم قال: إنه لا يلزمه به شيء إلا بالنية، وهو الظاهر، لأن الزوجة ليست من العيش فلم تدخل إلا بالنية.

هذا، وقد عرفت أن المالكية يعولون على العرف في الكناية الظاهرة، فيقولون: إن كل لفظ لا يصطلح الناس على استعماله في الطلاق ولا يتعارفون بينهم عليه لا يقع به شيء إلا بالنية. لأنه يكون كناية خفيفة لا ظاهرة.

إذا قال: أنت علي حرام عند الحنابلة

الحنابلة - قالوا: إذا قال: علي الحرام، أو يلزمني الحرام، أو الحرام يلزمني، فقال بعضهم: إنه كناية فيكون طلاقاً بالنية، وقال بعضهم: إذا نوى تحريم المرأة يكون ظهاراً، والصحيح أن العرف معتبر في ذلك، فإن كان يستعمله في الطلاق كان كناية، وإن كان يستعمله في الظهار كان ظهاراً، وإذا قال لها: أنت علي حرام، أو ما أحل اللّه علي حرام، أو الحل علي حرام، أو حرمتك، فإن ذلك يكون ظهاراً حتى ولو نوى به الطلاق لا يلزمه، ومثل ذلك ما إذا قال: فراشي علي حرام، ونوى به امرأته فإنه يكون ظهاراً، وإذا قال لها أنا منك حرام، فإنه لا يقع به شيء.

إذا قال: أنت علي حرام عند الشافعية

الشافعية - قالوا: إذا قال لها: أنت علي حرام، أو أنت على الحرام، أو حرمتك، فإن هذه الألفاظ تصلح لأن تكون كناية عن الطلاق وعن الظهار، فإذا نوى بها الطلاق وقع، سواء نوى واحدة،أو أكثر، وكذا إذا نوى بها الظهار، فإنه يصح ويلزمه كفارة الظهار الآتي بيانها، وإذا نوى بها الطلاق، والظهار جميعاً، فإن كان المنوي أولاً الظهار عومل بهما جميعاً فيكون عليه كفارة ظهار ويلزمه الطلاق الذي نواه، أما إذا كان المنوي أولً الطلاق فإن كان بائناً، ثم نوى الظهار فهو ملغى لا كفارة له، لأنها بانت منه أولاً، فأصبحت غير محل للظهار، وإن كان رجعياً، ثم نوى الظهار وقف العمل بالظهار فإذا راجعها عاد الظهار ولزمته كفارته، وإلا فلا، وهذا هو المعتمد.
أما إذا نوى بها تحريم عين المرأة أو تحريم فرجها، أو بدنها، أو جزء من أجزائها، فإنه لا يلزم بذلك طلاق، لأن هذه الأشياء أعيان، والأعيان لا توصف بالتحريم، وكذا إذا لم ينو بها شيئاً من طلاق أو ظهار، فإنه لا يلزمه شيء، فإذا قال لامرأته: حرمتك، وهو ينوي تحريم جسمها، أو فرجها، ثم وطئها كان عليه كفارة يمين، وإنما تلزم كفارة اليمين إذا لم يقم بالزوجة مانع وقت قوله لها: حرمتك، كأن كانت في حالة إحرام بالنسك، وقد اختلف في الحائض والنفساء، فقيل: إذا كانت حائضاً، أو نفساء، وقال لها: حرمتك فلا كفارة عليه، وقيل بل عليه كفارة. فإذا حرم عيناً غير زوجته، كأن قال: شرابي علي حرام أو لباسي، كان لغواً من القول لا شيء فيه لأنه غير قادر على تحريم ما أحل اللّه له.

وإذا قال: علي الحرام، أو حلال اللّه علي حرام، أو الحرام يلزمني، أو علي الحلال، فإنها كناية يلزم بها ما نواه، وإن اشتهر استعمالها في الطلاق، وذلك لأنها لم توضع للطلاق بخصوصه، ومثلها الألفاظ المتقدمة وهي أنت حرام وما بعدها، فإنها وإن اشتهر استعمالها في الطلاق إلا أنها لم توضع له بخصوصه، فلذا لم تكن طلاقاً صريحاً على المعتمد، ونظر فيها إلى النية).

مبحث تعدد الطلاق

*-يملك الرجل الحر ثلاث طلقات ولو كان زوجاً لأمة (1)، ويملك العبد طلقتين ولو كان زوجاً لحرة، فإذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً دفعة واحدة، بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الأربعة، وهو رأي الجمهور.

وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين، كطاوس، وعكرمة وابن اسحاق، وعلى رأسهم ابن عباس رضي اللّه عنهم، فقالوا: إنه يقع به واحدة لا ثلاث، ودليل ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأبي بكري، وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر: الناس قد استعجلوا في أمر كان لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. وهذا الحديث صريح في أن المسألة ليست اجماعية، وهو كذلك فإنه رأي ابن عباس وطاوس وعكرمة، وبعض المجتهدين. ومن القواعد الأصولية المقررة أن تقليد المجتهد ليس واجباً، فلا يجب الأخذ برأي مجتهد بعينه، وحينئذ يجوز تقليد أي مجتهد من مجتهدي الأمة الإسلامية في قول ثبتت نسبته إليه، ومتى ثبت أن ابن عباس قال ذلك فإنه يصح تقليده في هذا الرأي كتقليد غيره من الأئمة المجتهدين على أننا إذا قطعنا النظر عن التقليد ونظرنا إلى الدليل في ذاته فإننا نجده قوياً، لأن الأئمة سلموا جميعاً بأن الحال في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم كان كذلك، ولم يطعن أحد منهم في حديث مسلم، وكل ما احتجوا به أن عمل عمر وموافقة الأكثرين له مبني على ما علموه من أن الحكم كان مؤقتاً إلى هذا الوقت فنسخه عمر بحديث لم يذكره لنا، والدليل على ذلك الإجماع، لأن إجماع الصحابة يومئذ على الرضا بما عمله دليل على أنه أقنعهم بأن لديه مستنداً وليس من الضروري أن نعرف سند الإجماع، كما هو مقرر في الأصول، ولكن الواقع أنه لم يوجد إجماع، فقد خالفهم كثير من المسلمين، ومما لا شك فيه أن ابن عباس من المجتهدين الذين عليهم المعول في الدين، فتقليده جائز، كما ذكرنا، ولا يجب تقليد عمر فيما رآه، لأنه مجتهد وموافقة الأكثرين له لا تحتم تقليده، على أنه يجوز أن يكون قد فعل ذلك لتحذير الناس من ايقاع الطلاق على وجه مغاير للسنة فإن السنة أن تطلق المرأة في أوقات مختلفة على الوجه الذي تقدم بيانه، فمن تجرأ على تطليقها دفعة واحدة فقد خالف السنة، وجزاء هذا أن يعامل بقوله زجراً له.

وبالجملة فإن الذين قالوا: إن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع به واحدة لا ثلاث لهم وجه سديد وهو أن ذلك واقع في عهد الرسول، وعهد خليفته الأعظم أبي بكر. وسنتين من خلافة عمر رضي اللّه عنه واجتهاد عمر بعد ذلك خالفه فيه غيره، فيصح تقليد المخالف، كما يصح تقليد عمر، واللّه تعالى لم يكلفنا البحث عن اليقين في الأعمال الفرعية لأنه يكاد يكون مستحيلاً.
أما إذا قيد الطلاق بعدد دون الثلاث. فلا يخلو إما أن يصرح بذلك العدد أو ينويه، وعلى كل إما أن يكون الطلاق صريحاً أو كناية، وفي ذلك كله تفصيل المذاهب (2).

عدد الطلاق عند الحنفية

(1) (الحنفية - قالوا: العبرة في عدد الطلاق للنساء فلو تزوج الحر أمة يملك عليها طلقتين فقط لأن الأمة تنقص عن الحرة بواحدة، ولو تزوج العبد حرة، فإنه يملك ثلاث طلقات لأن الحرة لها ثلاث طلقات، فالرجل وإن كان يملك ولكن عدده يختلف بالنسبة للحرة والأمة فللحرة ثلاث ولو كان زوجها رقيقاً، وللأمة ثنتان ولو كان زوجها حراً).

إذا قيد الطلاق الصريح بعدد صريح عند الحنفية

(2) (الحنفية - قالوا: إذا قيد الطلاق الصريح بعدد صريح فإنه يعامل بذلك العدد، فإذا قال لها: أنت طالق اثنتين لزمه طلقتان بذكر العدد، فلو قال: أنت طالق وسكت، ثم قال: ثلاثاً أو اثنتين، فإن كان سكوته لضيق النفس لزمه العدد، وإن سكت باختياره فإنه لا يلزمه إلا واحدة، ومثل ذلك ما إذا كرر اللفظ بدون ذكر العدد، كما إذا قال لها: أنت طالق طالق فإنه يلزمه بذلك طلاقان متى كانت المرأة مدخولاً بها، أما إذا كانت غير مدخول بها فإنها تقع بها واحدة، لأنها تبين بها، فإذا قال: إنه نوى بالثاني الإخبار عن الأول ولم ينو طلاقاً ثانياً فإنه يصدق ديانة، بمعنى أنه لا يقع طلاق بينه وبين اللّه، ولكن القاضي لا يصدقه بل يحكم عليه بالطلقتين. ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أو قال لها: قد طلقتك، قد طلقتك. أو قال لها: أنت طالق وقد طلقتك.

ومن هذا يتضح أنه إذا قال لها: أنت طالق طالق طالق، أو قال لها: أنت طالق وطالق وطالق يلزمه ثلاث طلقات قضاء، سواء نوى بذلك طلقة واحدة، أو نوى ثلاثاً ولكن إذا نوى بالطلقة الأولى الطلاق وبالثانية والثالثة إفهامها أنه طلقها فإن بينه وبين اللّه لا تقع إلا واحدة. والحاصل أنه إذا كرر الطلاق، سواء كرره بالواو، أو بدون واو يتعدد الطلاق قضاء، ولا يسمع منه دعوى أنه نوى بالثاني الأول، ولكن إذا نوى بالثاني الأول فإنه يصح ديانة ولا تقع عليه إلا واحدة بينه وبين اللّه. فإذا قال لها: طلقتك فأنت طالق، وقال: إنه نوى بالثاني تفسير الأول يصدق قضاء وديانة، وذلك لأن الفاء موضوعة لذلك، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق واعتدي، فإنه إذا نوى بقوله: اعتدي أمرها بالعدة لزمته واحدة، وإن نوى بها طلقة ثانية لزمته طلقتان رجعيتان، لأن لفظ اعتدي من ألفاظ الكناية التي يقع بها طلاق رجعي، وإن نوى أكثر منها. أو نوى الطلاق البائن، فإن لم ينو شيئاً لزمه طلقتان، وهذا بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق فاعتدي، فإن لم ينو شيئاً لزمته طلقة واحدة وحملت الثانية على أمرها بالعدة، وإذا جزأ عدد الطلقة بأن قال لها: أنت طالق نصف طلقة. أو ثلثها، أو ربعها أو ثمنها، أو جزءاً من ألف جزء، أو من مائة ألف جزء، وهكذا فإنه يقع به طلقة كاملة فإذا جزأ الطلقة كما إذا قال: أنت طالق نصف ربع سدس طلقة، فإن كان بدون حرف الواو لزمته به طلقة واحدة بشرط أن لا يزيد عدد الأجزاء على واحدة، فإن زاد ولو جزءاً يسيراً حسب الزائد طلقة ثانية. وإذا أضاف الطلاق إلى ضمير الطلقة وعدد الأجزاء كان الحكم كذلك، مثلاً إذا قال لها: أنت طالق نصف تطليقة وثلثها لزمه طلقة واحدة، لأن مجموع الأجزاء أقل من واحدة، أما إذا قال لها: أنت طالق نصف تطليقة وثلثها وربعها فإنه يلزمه طلقتان، وذلك لأن هذه الأجزاء تزيد نصف سدس عن الواحد، فتقع به طلقة: وقيل: لا يحسب.

هذا إذا أضاف الطلاق إلى الضمير، كما عرفت، أما إذا أضافه إلى الطلقة بأن قال: أنت طالق نصف طلقة، وثلث طلقة، وربع طلقة، فإنه يقع بكل كلمة من هذه الكلمات طلقة، وعلى هذا تطلق منه ثلاثاً، بشرط أن يذكر واو العطف وأن تكون الزوجة مدخولاً بها، فإذا قال: أنت طالق نصف طلقة بدون ذكر واو العطف وقعت به طلقة واحدة ما لم تزد الأجزاء على واحدة، فإنه يحسب كمل تقدم في صدر العبارة.

والحاصل أن في هذه المسألة أربع صور: الصورة الأولى أن يكون المطلق فقهياً متفلسفاً أو يكون هازلاً، أو يكون حسابياً، فيقول لامرأته: أنت طالق نصف طلقة، أو يذكر لها جزءاً يسيراً كأن يقول لها: أنت طالق جزءاً من مائة ألف من الطلقة، وفي هذه الصورة تطلق منه واحدة.

الصورة الثانية: أن يعدد لها الأجزاء بدون حرف العطف، كأن يقول لها: أنت طالق ثلث طلقة، ربع طلقة، خمس طلقة، وفي هذه الحالة تحسب الأجزاء التي ذكرها، فإن كانت تساوي طلقة أو أقل حسبت طلقة وإن زادت عن طلقة ولو جزءاً يسيراً حسب الزائد طلقة ثانية، وهكذا.

الصورة الثالثة: أن يعدد الأجزاء مضافة إلى الضمير مع ذكر واو العطف أو عدمه، كأن يقول: أنت طالق تطليقة، وثلثها، وخمسها، وربعها، وفي هذه الصورة خلاف، فبعضهم يقول: إذا زادت الأجزاء حسب الزائد واحدة، وبعضهم يقول: لا يحسب، لأن اتحاد المرجع يجعله ناطقاً بالجزء الأول فقط، فلا يحسب عليه غيره.

الصورة الرابعة: أن يعدد الأجزاء مضافة إلى الطلقة مع ذكر حرف العطف، بأن يقول لها أنت طالق نصف طلقة، وسدس طلقة، وربع طلقة، وفي هذه الحالة يقع عليه الثلاث، وذلك أن أضاف جزء العدد، وهو النصف، أو السدس، إلى طلاق منكر، فيكون غير الأول، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، فكل جزء نطق به مضافاً إلى الطلاق يحسب عيه طلاقاً، وهذا بخلاف ما إذا أضافه إلى الضمير، لأن الضمير يكون عائداً إلى الجزء الأول بعينه، فلا يحسب إلا الأول، وهذا كله إذا كانت الزوجة مدخولاً بها، فإن لم تكن مدخولاً بها فلا يقع عليه إلا واحدة، كما عرفت.

وإذا فرض وغلبت فلسفة الحساب على شخص وقال لامرأته: أنت طالق ثلاث أنصاف طلقتين ففي ذلك خلاف، فبعضهم يقول: إنها تطلق ثلاثاً، وذلك لأن نصف التطليقتين واحدة، فثلاثة الأنصاف ثلاث تطليقات، لأن كل نصف على حدته طلقة، وبعضهم يقول أنها تطلق ثنتين فقط، وذلك لأننا إذا قسمنا التطليقتين إلى أنصاف كانت كل تطليقة نصفين، فتكون التطليقتان أربعة أنصاف، فثلاثة أنصافها طلقة ونصف فيقع عليه طلقتان، لأن النصف يحسب طلقة، ولكن الظاهر هو الأول، وذلك لأننا إذا قلنا: ثلاثة أنصاف طلقتين كان معناه ثلاثة أنصاف مجموع الطلقتين ونصف مجموع الطلقتين كاملة، فثلاثة أنصاف ثلاث طلقات، نعم إذا قال: أنت طالق ثلاثة أنصاف كل تطليقتين، كان معناه أننا ننصف كل طلقة على حدة فتكون الطلقة نصفين وثلاثة الأنصاف طلقة ونصف، فيقع به طلقتان. وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة لزمه طلقتان، وذلك لأن الطلقة الواحدة تشتمل على نصفين فتحسب واحدة، والنصف الثالث يقع به واحدة كاملة، لما عرفت من أن جزء الطلقة طلقة كاملة ولو كان يسيراً وكذا إذا قال لها: أنت طالق أربعة أثلاث طلقة، أو خمسة أرباع طلقة فإنه يلزمه طلقتين، وذلك لأن الطلقة الكاملة ثلاثة أثلاث فزاد عليها ثلثاً وربعاً تلزمه به طلقة كاملة، ومثله خمسة أرباع كما هو ظاهر. وإذا قال لها: أنت طالق نصفي طلقتين فإنه يلزمه طلقتان، وذلك أن كل نصف يعتبر طلقة كاملة.

وإذا فرض وقال شخص حسابي لزوجته: أنت طالق من واحدة إلى اثنتين، أو أنت طالق ما بين واحدة إلى ثنتين، أو قال: من واحدة إلى ثلاث، فإنه يقع به المثال الأول واحدة، وفي المثال الثاني ثنتان عند الأمام، ويقع في الأول ثنتان، وفي الثاني ثلاث عند الصاحبين، ولا يقع في الأول شيء، ويقع في الثاني واحدة عند زفر، وذلك لأن الإمام يقول: إن الطلاق من الأمور المحظورة لأنه لا يباح إلا عند الحاجة، والشيء المحظور إذا كان له مبدأ ونهاية وإن شئت قلت: وكان له غايتان دخلت الغاية الأولى دون الغاية الثانية، فإذا قال لها، أنت طالق من واحدة إلى ثنتين دخلت الغاية الأولى، وهي الواحدة، ولم تدخل الغاية الثانية التي بعد - إلى - وهي ثنتان، وإذا قال لها: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث لم تدخل الغاية الثانية، وهي الثلاث، ودخل ما دونها وهي الواحدة والثانية فيلزمه طلقتان، أما إذا كان المعدود مباحاً، كما إذا قال له: خذ من مالي من جنيه إلى جنيهين، فإن اللفظ يتناول الغايتين، فله أن يأخذ الثلاثة المذكورة في الغاية الأولى والغاية الثانية.
والحاصل أن الإمام يقول: إنه إذا قال لزوجته: أنت طالق من واحد إلى ثلاث دخلت الثنتان في كلامه بلا خلاف، لأنها وسط بين الواحدة والثلاث، فهي التي يدل عليها اللفظ والمقصودة منه، أما الواحدة والثلاث، وهما الغاية الأولى والغاية الثانية فإن اللفظ لا يتناولهما في المحظور، لأن الحظر كالقرينة على عدم إرادة ما هو خارج عن مدلول الكلام، وكان من مقتضى هذا أن لا تدخل الغاية الأولى، وهي الواحدة، كما لا تدخل الغاية الأخيرة، وهي الثلاث، ولكن لما كانت الطلقة الثانية المقصودة من الكلام لا يمكن تحقيقها إلا بالطلقة الأولى، إذ لا يمكن أن توصف الطلقة بالثانية إلا بعد وصفها بالأولى، دخلت الغاية الأولى للضرورة كي تترتب عليها الثانية، أما الثالثة فلا حاجة إليها، فإن الثانية تتحقق بدونها.

هذا إذا كان بين الغايتين وسط، كما ذكرنا، أما إذا لم يكن بينهما وسط، كقوله: أنت طالق من واحدة إلى ثنتين، فإنه يقع واحدة بلفظ طالق، ويلغو من واحدة إلى ثنتين. إذا لا ضرورة لإدخال الغاية الأخيرة، أما الغاية الأولى فإنها تدخل لأنها لا تزيد على معنى طالق شيئاً أما زفر فإنه يقول: إذا قال شخص لآخر: بعتك من هذا الحائط إلى هذا الحائط لا يدخل الغايتان باتفاق، إذ الحد لا يدخل في المحدود، وعلى قياس هذا إذا قال لها: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث خرج الحد الأول، وهو الواحدة، والحد الثاني، وهو الثلاث، ووقع ما بينهما، وهو الثنتان وإذا قال لها: أنت طالق من واحدة إلى ثنتين لم يقع به شيء، إذ لا وسط بين الواحدة والثنتين، والغايتان خارجتان من الكلام، وهذا هو القياس، ولكن الإمام نظر إلى العرف فوجد أنه يستعمل ما له حدان ووسط في إرادة الأقل من الأكثر، والأكثر من الأقل. مثلاً إذا قال شخص: معري من أربعين إلى خمسين، كان غرضه أنه أكثر من أربعين وأقل من خمسين فإذا قال شخص لزوجته: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث كان معنى قوله أنها طالق أكثر من واحدة وأقل من ثلاث، وهما الثنتان، فعمل بالعرف استحساناً.

وإذا قال لها: أنت طالق واحدة في ثنتين، فإن ذلك اللفظ يحتمل ثلاثة معان:
أحدها: معنى الواو، فكأنه قال لها: أنت طالق واحدة وثنتين، فإذا نوى هذا المعنى لزمه ثلاث طلقات إذا كانت الزوجة مدخولاً بها، والمراد بالمدخول بها هنا الموطوءة أو المخلو بها، لأن الخلوة كافية في لحوق الطلاق الثاني، أما إذا كانت غير موطوءة وغير مخلو بها، فإنه يقع عليها واحدة فقط، وذلك لأنها تبين بقوله: واحدة، فقوله بعد ذلك: وثنتين لا تصادف محلاً، فلا يقع بها شيء.
*: - يملك الرجل الحر ثلاث طلقات ولو كان زوجاً لأمة (1)، ويملك العبد

ثانيها: معنى - مع - فكأنه قال لها: أنت طالق واحدة مع ثنتين، فإذا نوى هذا المعنى لزمه ثلاث طلقات مطلقاً، سواء كانت مزوجة مدخولاً بها. أو لا، وذلك لأنه أوقع الثلاث دفعة واحدة، فحلت عصمة الزوجية في المدخول بها وغيرها بدون فرق، فلم تبن غير المدخول بها بواحدة وتصبح غير محل للحوق ما بعدها.

ثالثها: معنى الضرب. وتحته صورتان: الصورة الأولى أن يتكلم بعرف أهل الحساب كما هو المفروض، وفي هذه الحالة يلزمه ثنتان، وذلك لأن عرف أهل الحساب تضعيف أحد العددين بعدد آخر، فقوله: واحدة في ثنيتن معناه تضعيف الواحدة بجعلها ثنتين، فيلزمه الثنتان، وهذا هو التحقيق، لأن هذا اللفظ في عرف علماء الحساب صريح في هذا المعنى، فمتى أراد بكلامه عرفهم لزمه معناه، فلا يقال: إن لفظ - في - معناه الظرفية الحقيقية، والثنتان لا تصلح ظرفاً، فالعبارة في ذاتها لا تصلح لإرادة التطليقتين منها حتى ولو نواهما، كما إذا قال: اسقني، ونوى به الطلاق، فإنه لا يلزمه به شيء، وذلك لأنك قد عرفت أن لفظ واحدة في ثنتين في عرف أهل الحساب مستعمل في تضعيف العدد صريحاً. الصورة الثانية: أن لا يتكلم بعرف أهل الحساب، بل ينوي تكثير أجزاء الطلقة الواحدة كما هو المتبادر من اللفظ، وحين إذ يلزمه طلقة واحدة، لأن تكثير أجزاء الطلقة الواحدة لا يخرجها عن كونها واحدة، ومثل ذلك ما إذا لم ينو شيئاً فإنه يلزمه طلقة واحدة بقوله، أنت طالق لأنه يقع به واحدة وإن لم ينو.

أما إذا قال لها: أنت طالق ثنتين في ثنتين فإنه إذا نوى به معنى الواو، فكأنه قال: ثنتين وثنتين، وفي هذه الحالة يلزمه ثلاث في المدخول بها وثنتان في غيرها، وإذا نوى معنى - مع - لزمه الثلاث في المدخول بها وغيرها، وإذا نوى الضرب على عرف أهل الحساب لزمه الثلاث وإلا لزمه ثنتان.
هذا كله إذا قيد الطلاق الصريح بعدد صريح، أما إذا قيده بإشارة تدل على العدد، فإن هذه المسألة على ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: أن يذكر ما يدل على الإشارة لفظاً ويشير إلى العدد بأصابعه، وتحت هذا صورتان الصورة الأولى أن ينطق بلفظ - هكذا - فيقول: أنت طالق هكذا ويشير بأصابعه الثلاث، وفي هذه الحالة يقع العدد الذي أشار إليه بقوله: هكذا من أصابعه، فإن أشار إلى أصبع واحد وقعت واحدة، وإن أشار إلى أصبعين وقع ثنتان وإن أشار إلى ثلاثة وقع ثلاث فإن فتح ثلاثة أصابع من أصابع يده وضم ثنتين، وقال: إنه أشار إشارة إلى المضمومتين، فإنه لا يصدق قضاء، بل يقع عليه الثلاث، لأن الظاهر يقتضي أنه أشار إلى أصابعه المنشورة لا المضمومة، ولكنه يصدق ديانة فيقع عليه ثنتان بينه وبين اللّه تعالى، ومثل ذلك ما إذا قال: إنه نوى الإشارة إلى كفه، فإنه لا يصدق قضاء وتقع عليه واحدة رجعية إن كان صادقاً بينه وبين اللّه تعالى، نعم إذا نشر أصابعه الخمسة كلها، وقال: أنه أراد الكف، فإنه يصدق قضاء لأن الطلاق ثلاث فقط، فنشر الخمسة قرينة على أنه لم يرد العدد، فيصدق قضاء بأنه أراد التشبيه بالكف فتلزمه واحدة رجعية، ومثل ذلك ما إذا ضم أصابعه فإنه يصدق قضاء في قوله: انه أراد التشبيه بالكف فقط.

الصورة الثانية: أن ينطق - مثل - فيقول: أنت طالق مثل هذا، ويشير إلى أصابعه الثلاث المنشورة، وفي هذه الحالة ينظر إلى نيته، فإن نوى تشبيه الطلاق بعدد الأصابع الثلاث لزمه ثلاث أما إذا نوى المثلية في الشدة، أو لم ينو شيئاً فإنه يلزمه طلقة واحدة بائنة، لأنه وصفها بالشدة والفرق بين قوله: أنت طالق هكذا، وأنت طالق مثل هذا أن الكاف للتشبيه في الذات. ومثل للتشبيه بالوصف، فقوله: هكذا معناه مثل الأصابع الثلاث في العدد، أما قوله، مثل هذا فمعناه مثل هذا في شدته، فإذا نوى به الثلاث لزمته.

الوجه الثاني: أن يقول، أنت طالق ويشير بأصابعه الثلاث، ولكن لم يقل، هكذا. أو مثل هذا، ويقع بهذا طلقة واحدة ولو نوى الثلاث، وذلك لأن الطلاق لا يتحقق بدون لفظ، فكذلك عدده لا يتحقق بدون لفظ يدل عليه.

الوجه الثالث: أن يقول: أنت هكذا، مشيراً بأصابعه، ولكنه لم يقل: طالق، وقد اختلف في هذا، فبعضهم قال: إنه لغو لا يقع به شيء ولو نوى به الثلاث، وحجة هذا القائل أن الطلاق لا يتحقق عند الحنفية إلا باللفظ الذي يشعر به، ولو نوى به الطلاق، والإشارة بالأصابع الثلاث ليس فيها أي إشعار بالطلاق لا صريحاً ولا كناية، فلا يلزمه بذلك شيء ولو نواه، كما لا يلزمه بقوله: كلي، واشربي. ونحو ذلك إذا نوى به الطلاق.

وعندي أن هذا التعليل وجيه، وقد عرفت في الوجه الثاني أن الطلاق لا يتحقق بدون لفظ يدل عليه أو يشعر به، فإن لم يوحد لفظ كذلك فإن النية لا يعول عليها.

وبعضهم قال: إنه يقع به ما نواه، فإذا نوى الثلاث لزمته، وعلل ذلك بأن الإشارة بالأصابع الثلاث قائمة مقام عدد الطلاق المقدر، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثاً، ولا يخفى ما في هذا من تعسف وخروج عن القاعدة الأولى، وهو أن الطلاق لا يتحقق إلا باللفظ الذي يدل عليه، أما كونه يقدر لفظاً نواه، فإنه يصح أن يدعي ذلك في كل لفظ، فالقواعد تؤيد الرأي الأول.
هذا، وقد عرفت أن النية لا تعمل في الصريح، فإذا قال لها: أنت طالق ونوى به ثنتين أو ثلاثاً فإنه لا يقع به إلا واحدة، وقد عرفت أيضاً أنه إذا نوى بالطلاق معنى الطلاق من القيد ونحوه، فإنه لا يعتبر قضاء وينفع ديانة.

هذا إذا ذكر لفظ طالق، أما إذا ذكر المصدر كأن قال لها: أنت الطلاق، أو أنت طلاق فإنه يقع به واحدة رجعية كذلك إن لم ينو، أو نوى واحدة، وكذا إذا نوى اثنتين فإنه يقع واحدة بخلاف ما إذا نوى به الثلاث فإنه يقع عليه ما نواه، وذلك لأن قوله: أنت طلاق، أو أنت الطلاق مصدر موضوع للوحدة. أو للجنس الصادق بالكثير والقليل، فلا يصح تقييده بالاثنينية، لأن الاثنين عدد محض ينافي الوحدة، فصح إرادة الثلاث منه دون الاثنين. أما الكنايات فقد عرفت أقسامها وأحكامها فيما مضى، ومنها أن جميع ألفاظ الكنايات يقع بها الطلاق بائناً، ما عدا ألفاظ ذكرت هناك، فإن الطلاق يقع بها رجعياً، ثم إن بعضها لا يقع بها إلا بالنية، فإن ذكر لفظاً منها ولم ينويه طلاقاً وقرنه بعدد اثنين أو ثلاثة فإنه يكون مهدراً وإن نوى به طلاقاً ووصفه بعد صريح لفظاً فإنه يلزمه ما نواه وما نطق به كما إذا قال لها: أنت بائن ثنتين أو ثلاثاً ونوى ببائن الطلاق فإنه يلزمه ما نطق به، أما إذا نوى بلفظ بائن الطلاق ونوى به أكثر من واحدة، فإن نوى ثنتين فإنه لا يلزمه إلا واحدة، وإن نوى ثلاثاً تلزمه الثلاث. وقد تقدم تعليل ذلك في القسم الثالث من الكنايات فارجع إليه.

إذا قيد الطلاق الصريح بعدد صريح عند المالكية

المالكية قالوا: إذا قيد الطلاق الصريح بعدد صريح كقوله: أنت طالق ثنتين أو ثلاثاً لزمه العدد الذي صرح به طبعاً، وكذا إذا نواه بأن قال: أنت طالق ونوى به ثلاثاً أو ثنتين فإنه يلزمه ما رواه، أما إذا لم ينو فإنه واحد، كما تقدم في الصريح، فإن كرر الطلاق لفظاً فإنه يحتمل حالتين: الحالة الأولى أن يكرره بدون عطف. الحالة الثانية: أن يكرره بحرف العطف فأما الحالة الأولى ففيها ثلاث صور:

الصورة الأولى: أن يقول لها: أنت طالق، طالق، طالق، بدون عطف وبدون تعليق، وحكم هذه الصورة أنه يقع بها واحدة إذا نوى بالثانية والثالثة التأكيد، سواء كانت الزوجة مدخولاً بها أو لا. ويصدق في قوله بيمين في القضاء وبغير يمين في الفتوى، ثم إن كانت الزوجة مدخولاً بها فإنه يصدق، ولو فصل فاصل بين قوله: طالق الأولى، وطالق الثانية أو الثالثة، ولو طال الفصل، أما في غير المدخول بها فإنه يلزمه الثاني إلا إذا ذكر ألفاظ الطلاق متتابعة بدون فاصل، ولا يضر الفصل بنحو السعال، وهذا هو المذهب عند بعضهم، وبعضهم يشترط أن يذكر ألفاظ الطلاق منسقة، أي متتابعة بدون فصل في المدخول بها وغيرها، فإذا قال: أنت طالق ثم سكت مدة، وقال: أنت طالق، ثم قال: أنه نوى بالثانية التأكيد فإنه لا يصدق، وفي هذه الحالة إن كانت مدخولاً بها وقع عليه ثنتان أو ثلاث إن ذكر ثلاثة ألفاظ، وإن كانت غير مدخول بها لزمته واحدة بائنة لأن الثانية لا تلحق.
الصورة الثانية: أن لا ينوي التأكيد، سواء نوى بكل واحدة طلقة على حدة. أو لم ينو شيئاً وفي هذه الحالة يلزمه الثلاث في المدخول بها، سواء ذكر الألفاظ الثلاثة متتابعة، أو فصل بينها بفاصل، أما إذا كانت غير مدخول بها فإنه يلزمه الثلاث إن ذكرها متتابعة، وإذا فصل بينها فلا يلزمه إلا واحدة، لما عرفت من أنها تبين بها فلا يلحقها ما بعدها.

الصورة الثالثة: أن يعلق الطلاق المكرر بدون عطف على شيء، وتحت هذه الصورة أمران:
الأمر الأول: أن يعلقه على شيء متحد، كأن يقول: أنت طالق، طالق، طالق، إن كلمت زيداً بكلمة، وحكم هذا إن نوى التأكيد لزمته طلقة واحدة، وإن لم ينو التأكيد بأن نوى الثلاث أو لم ينو شيئاً لزمته الثلاث.

الأمر الثاني: أن يعلقه على شيء متعدد، كأن يقول: أنت طالق إن كلمت زيداً. أنت طالق إن دخلت الدار. أنت طالق إن سافرت مع أبيك، وحكم هذا أنه يلزمه الثلاث ولا ينفعه نية التأكيد لتعدد المحلوف عليه.

أما الحالة الثانية، وهي ما إذا كرره بحرف العطف،سواء كان بالواو، أو الفاء، أو ثم، كأن قال لها: أنت طالق، طالق، طالق، أو ثم طالق وطالق الخ، فإن كانت مدخولاً بها فإنه يلزمه الثلاث، ولا يصدق في قوله: أنه نوى التأكيد، سواء ذكر الألفاظ متتابعة منسقة أو لا وسواء لم يكرر لفظ أنت، كما مثلنا، أو كرره، بأن قال: أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق أما إذا كانت غير مدخول بها يلزمه الثلاث إن ذكر الألفاظ متتابعة بدون فاصل وإلا لزمته واحدة.

هذا، وإذا جزأ عدد الطلاق، كما إذا قال لها: أنت طالق نصف طلقة، أو جزء طلقة لزمه طلاق كامل، ولو قال لها: أنت طالق نصف طلقتين لزمته طلقة واحدة، لأن نصف الطلقتين طلقة كاملة، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق نصفي طلقة، فإنه يقع به واحدة، لأن للنصفين طلقة كاملة فإذا زادت الأجزاء عن طلقة لزمه طلقتان أو أكثر بحسب زيادة الأجزاء، فإذا قال لها: أنت طالق نصف وثلثا طلقة لزمه طلقتان لأن النصف والثلثين أكثر من الواحدة، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة لأن ثلاثة أنصاف طلقة تشتمل على طلقة، ونصف فيقع بها ثنتان لأن الجزء يقع به واحدة كاملة، وكذا إذا قال لها: أنت طالق أربعة أثلاث طلقة، لأن أربعة أثلاث تشتمل على واحدة وثلث، وهكذا.

فإذا ذكر أجزاء أقل من واحدة بحرف العطف وأضافها إلى طلقة واحدة فإنه يلزم بها واحدة كما إذا قال لها: أنت طالق نصف وثلث طلقة، أما إذا أضاف كل جزء إلى لفظ طلقة، كما إذا قال لها: أنت طالق نصف طلقة، وثلث طلقة فإنه يقع بكل لفظ منها طلقة، فيلزمه ثنتان، وهكذا، والفرق أنه في العبارة الأولى أضاف الكسرين إلى طلقة واحدة وهما أقل من واحدة فلزمه واحدة وفي العبارة الثانية أضاف كل كسر إلى طلقة. فكان اللفظ مستقلاً بالعبارة فيقع بكل لفظ طلقة. وإذا كان عالماً بالحساب، وقال لها: أنت طالق في واحدة لزمته طلقة واحدة، لأن نتيجة ضرب طالق واحدة وواحدة، وإذا قال لها: أنت طالق واحدة في ثنتين، وكان عالماً بالحساب لزمه ثنتان لأنهما نتيجة ضرب الواحدة في اثنتين، وإلا فإنه يلزمه ثلاثة فكأنه قال: واثنتين، وإذا قال لها: أنت طالق اثنتين في اثنتين لزمه ثلاث طلقات، عرف الحساب، أو لم يعرف.
هذا، أما نية العدد مع الكناية فقد تقدمت مفصلة، فارجع اليها.

إذا قيد الطلاق الصريح بعدد صريح عند الشافعية

الشافعية - قالوا: إذا قيد الطلاق الصريح بعدد لزمه، فإذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً أو ثنتان لزمه ذلك العدد، وقد تقدم في الكناية أنه لو نوى بقوله: أنت طالق أكثر من واحدة لزمه ما نواه، حتى لو قال: أنت طالق واحدة، ونوى به ثنتين، أو ثلاثاً لزمه ما نواه، وكذا إذا قال لها: أنت طالق ثنتين فإنه إذا نوى به ثلاثاً وقع الثلاث وبعضهم يرى أنه إذا قيد اللفظ بواحدة أو ثنتين فإن نية الزائد تلغو ولا يعمل بها، حملاً للفظ على ظاهره وقد تقدم الكلام على الكنايات، فارجع إليه.

أما إذا كرر الطلاق، كأن قال: أنت طالق، أنت طالق،أنت طالق، أو قال: أنت طالق طالق ولم يكرر لفظ - أنت - فإن له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يذكر الكلمات المكررة بدون حرف العطف متتابعة بحيث لا يفصل بين كل كلمة وأخرى بفاصل، بل يكون الكلام متصلاً في العرف، فلا يعتبر الفصل سكتة التنفس وانقطاع الصوت، والعي، لأن الفصل بمثل هذا لا يخرج الكلام عن كونه متصلاً عرفاً، أما الذي يخرجه عن كونه متصلاً فهو أن يفصل باختياره بحيث ينسب إليه أنه قطع الكلام عرفاً، وتحت هذه الحالة أربع صور:

الصورة الأولى: أن يقصد بالتكرار تأكيد قوله: أنت طالق الأولى بقوله أنت طالق الثاني وأنت طالق الثالث، بمعنى أنه ينوى تأكيد اللفظ الأول باللفظين الأخيرين معاً، وفي هذه الصورة تلزمه طلقة واحدة، لأنه نوى تأكيد الأول بالثاني و الثالث فلم ينشئ طلاقاً جديداً والتأكيد مهم في جميع اللغات.

الصورة الثانية: أن يؤكد الأول بالثاني فقط، ثم ينشئ طلاقاً بالثالث. أو لم ينو به شيئاً وفي هذه الصورة يلزمه طلقتان: طلاق بالعبارة الأولى. وطلاق بالعبارة الثالثة التي استأنف بها طلاقاً. أو طلق ولم ينو بها شيئاً، أما العبارة الثانية فإنها لا تحسب عليه لأنه نوى بها التأكيد.
الصورة الثالثة: أن يؤكد الثاني بالثالث، وبأن ينوي الطلاق بالعبارة الأولى والعبارة الثانية أو يطلق ولم ينو شيئاً، ثم ينوي بالثالث تأكيد الثاني وفي هذه الحالة يلزمه طلقتان أيضاً بالعبارة الأولى والثانية، وتلغى الثالثة لأنه قصد التأكيد.
): - يملك الرجل الحر ثلاث طلقات ولو كان زوجاً لأمة (1)، ويملك العبد

الصورة الرابعة: أن يؤكد الأول بالثالث، بأن لا ينوي بالعبارة الثانية تأكيد الأولى بل ينوي بها الطلاق، أو لم ينو شيئاً، ثم يؤكد العبارة الأولى بالثالثة فقط، وفي هذه الصورة يلزمه الثلاث لأنه فصل بين المؤكد، وهو العبارة الثالثة، والمؤكدة، وهو العبارة الأولى بالعبارة الثانية.
الحالة الثانية: أن يذكر الكلمات المكررة بدون حرف العطف غير متتابعة، بأن يفصل بين كل كلمة وأخرى بفاصل بحيث يقال: إن الكلام غير متصل في العرف، وهذا تحته صورتان.

الصورة الأولى: أن يكرر لفظ - أنت - في كل عبارة، بأن يقول: أنت طالق. أنت طالق. أنت طالق مع الفصل بين كل عبارة بسكتة تجعلها منفصلة عما قبلها عرفاً، وحكم هذه الحالة يلزمه الثلاث، فإذا قال: إنه أراد التأكيد مع وجود الفصل فإنه لا يسمع منه قضاء وينفعه ذلك بينه وبين اللّه. الصورة الثانية: أن يقول: أنت طالق بدون تكرار لفظ - أنت - فإذا قال: أنت طالق ثم سكت سكتة طويلة بحيث يقال له: إنه فصل الكلام عرفاً، وقال: طالق بدون - أنت - تلزمه واحدة، وذلك لأن طالق بدون ذكر لفظ - أنت - لا يقع بها شيء عند الشافعية، كما يأتي في مبحث إضافة الطلاق إلى المرأة، وقد انقطعت العبارة الثانية والثالثة عما قبلها، فلا يمكن تسليط - أنت - الأولى عليها بخلاف ما إذا كان الكلام متصلاً فإنه في هذه الحالة يكون مخبراً عن أنت طالق الأولى بطالق الثانية والثالثة.

الحالة الثالثة: أن يذكر الكلمات المكررة بحرف العطف وتحت هذا صورتان:
إحداهما أن يقول: أنت طالق. وطالق. وطالق. فيعطف بالواو، وحكم هذه الصورة أنه إذا لم ينو شيئاً، أو نوى الثلاث، لزمه الثلاث، ومثل ذلك ما إذا نوى تأكيد الأول بالثاني والثالث أو بأحدهما فقط، فإنه يلزمه الثلاث، أما إذا نوى تأكيد الثاني بالثالث فإنه يصح، ويلزمه طلقتان، والفرق بين الحالتين أن الأول، وهو أنت طالق خال من حرف العطف، وكل من الثاني والثالث مقترن بحرف العطف، فالثاني والثالث متساويان في الاقتران بحرف العطف، فهما غير الأول، فلا يصح تأكيده بواحد منهما، أما الثاني فإنه يصح أن يجعل تأكيداً للأول، على معنى أن الواو المقترن بها تجعل جزءاً منه، فقوله: وطالق الثالثة كلها - أعني الواو ومدخولها - تأكيداً لقوله: وطالق الأولى كلها - والواو ومدخولها - .

ثانيتهما: أن يعطف بغير الواو، كأن يقول لها: أنت طالق، فطالق، فطالق، أو ثم طالق الخ. وفي هذه الحالة لا تصح نية التأكيد مطلقاً. فلا تسمع دعوى التأكيد قضاء باتفاق، أما ديانة بينه وبين اللّه. فقال بعضهم: إن نوى التأكيد يلزمه واحدة بينه وبين اللّه.
هذا كله إذا كانت الزوجة موطوءة مدخولاً بها، فإن لم تكن مدخولاً بها فإنه لا يلزمه إلا طلاق واحد. وذلك لأنها تبين بالطلاق الذي يقع أو لا. فلا يلحقه شيء بعد ذلك.

وإذا جزأ عدد الطلاق كأن قال: أنت طالق بعض طلقة أو جزء طلقة أو نصف طلقة لزمه به طلقة كاملة لأن الطلاق لا يتجزأ، وإذا قال لها: أنت طالق نصف طلقتين وقعت عليه واحدة، ومثله ما إذا قال لها: أنت طالق نصفي طلقة أو أنت طالق طلقة وثلثها، بإضافة الطلقة إلى الضمير ما لم ينو بكل جزء منهما طلقة، فإنه يعامل بما نوى، بخلاف ما إذا قال: أنت طالق نصف طلقة وثلث طلقة، فإنه يلزمه طلقتان لأن العطف يفيد المغايرة، وإضافة كل منهما إلى الطلقة تجعله طلقة مستقلة، وإذا قال لها: أنت طالق طلقة في طلقة لزمه طلقة واحدة، سواء نطق بعرف الحساب أو جعلها ظرفاً أو أطلق ولم يرد شيئاً، أما إذا أراد بلفظ "في" معنى "مع" فإنه يلزمه طلقتان، وتستعمل "في" بمعنى "مع" كقوله تعالى{ادخلوا في أمم} أي ادخلوا مع أمم وإذا قال: أنت طالق واحدة في ثنتين، فإن أراد المعية لزمه ثلاث، فكأنه قال: أنت طالق واحدة مع ثنتين، وإن أراد اصطلاح الحساب وكان عارفاً به لزمه ثنتان، لأن نتيجة ضرب الواحد في اثنين اثنان، فإن لم يكن عارفاً به، أو أراد ظرف الواحدة في الاثنين، أو لم يرد شيئاً لزمه طلاق واحد، وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقة لزمه طلقتان، لأن الثلاثة أنصاف طلقة كاملة ونصف، وقد عرفت أن النصف يقع به واحدة كاملة، لأن الطلاق لا يتجزأ. هذا، وإذا قال لزوجته: أنت طالق وأشار بأصبعين أو ثلاث، فلا يخلو إما أن ينطق بلفظ الإشارة، كأن يقول: أنت طالق هكذا، أو لا. فإن قال: أنت طالق هكذا. وأتى بما يدل على أنه يريد الإشارة إلى الطلاق، كأن يلتفت إلى أصابعه، فإنه يقع عليه بقدر العدد الذي أشار به واحداً كان أو أكثر. ولا نظر إلى نيته في هذه الحالة، لأن اسم الإشارة المفهمة صريح في العدد، فلا تعتبر فيه النية، أما إذا حرك أصابعه لأن عادته إذا تكلم يرفع أصابعه، فلا تكون إشارة مفهمة، فإن فتح ثلاثة أصابع وضم أصبعين وقال: إنه أراد الإشارة إلى المضمومتين يصدق قضاء بيمينه، وإذا لم ينشر أصابعه. أو أشار إلى كفه لزمه واحدة أما إذا فال: أنت طالق، ولم يقل: طالق، فإنه لا يقع به شيء ولو نوى الطلاق، لأنه لا دليل يدل على الطلاق في العبارة، بخلاف ما إذا قال لها:أنت طالق ثلاثاً، فإنه إذا نوى به الطلاق الثلاث يلزمه، وذلك لأن لفظ " ثلاثاً" يشعر بالطلاق المحذوف، فكأنه قال: أنت طالق طلاقاً ثلاثاً، أما الإشارة بلفظ" هكذا" إلى أصابعه فليس فيها إشعار بمحذوف يمكن تقديره لفظاً.

إذا قيد الطلاق الصريح بعدد صريح عند الحنابلة

الحنابلة - قالوا: إذا وصف الطلاق بعدد صريح لزمه ذلك العدد، فلو قال لها: أنت طالق ثلاثاً وقعت الثلاث ومثل ذلك ما إذا نوى العدد ولم يصرح به، فلو قال: أنت طالق أو أنت الطلاق أو أنت طالق الطلاق، ونوى به ثنتين، أو ثلاثاً لزمه ما نواه، كما إذا نوى واحدة فإنها تلزمه أما إذا لم ينو شيئاً فإنه يلزمه واحدة، وقال بعضهم: إذا قال: أنت طالق ونوى به الثلاث لا يقع به إلا واحدة، وذلك لأن لفظ طالق لا يتضمن عدداً ولا بينونة، فلا يقع به إلا واحدة ولو نوى أكثر، ولكن الأول أصح، نعم إذا قال لها: أنت طالق واحدة ونوى بها أكثر فإنه لا يلزمه إلا واحدة، لأنه نوى ما لا يحتمله اللفظ فتلغو النية، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً ونوى واحدة فإنه يلزمه الثلاث، لأنه نوى خلاف ما يحتمله اللفظ. وإذا كرر الطلاق لفظاً، فإن كرره بدون حرف العطف، كما إذا قال لها: أنت طالق طالق طالق، فإذا نوى بالثانية تأكيد الأولى وبالثالثة تأكيد الثانية والأولى فإنه يقع به واحدة بشرط أن يكون الكلام متصلاً بأن يقول: طالق طالق طالق بدون أن يسكت بين كل كلمة وأخرى، فإن سكت زمناً يمكنه الكلام فيه ولم ينطق لا تنفعه نية التأكيد، فلو قال لزوجته المدخول بها: أنت طالق، وسكت زمناً يستطيع أن ينطق بطالق الثانية فيه ولم ينطق، ثم قال بعد ذلك: أنت طالق لزمه ثنتان، أما إذا كانت غير مدخول بها فإنه يلزمه واحدة فقط، لأنها تبين بالأولى فتكون أجنبية فلا تطلق بالثانية، وإذا قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق ونوى تأكيد الثانية بالثالثة فقط فإنه يصح ويلزمه طلقتان بالأولى والثانية، أما إذا أكد الأولى بالثالثة فقط وأهمل الثانية فإنه لا يصح ويلزمه الثلاث للفصل بين المؤكد، وهو الثالثة، والمؤكد وهو الأولى بالثانية أما إذا أكد الأولى بالثانية، ثم أكد الأولى بالثالثة أيضاً فإن التأكيد يصح لعدم الفاصل بأجنبي، فإذا نوى التأكيد ولكنه لم ينو تأكيد الثانية بالأولى، ولا الثانية بالثالثة، بل اطلق فإنه يقبل ويلزمه واحدة. أما إذا لم ينو التأكيد من أصله، بأن نوى بالثانية والثالثة إيقاع الطلاق لزمه الثلاث، وكذا إذا لم ينو إيقاع الطلاق، بل كرر اللفظ بدون نية فإنه يلزمه ما نطق به.

هذا إذا كرر اللفظ بدون حرف العطف، أما إذا كرره بحرف العطف، كأن قال لها: أنت طالق وطالق وطالق، فإن نوى تأكيد الأولى بالثانية أو الثالثة فإنه لا يصح، أما إذا أكد الثانية بالثالثة فإنه يصح، وذلك لأن لفظ الأولى خالي من حرف العطف، بخلاف الثانية والثالثة فإن كلاً منهما مشتمل على حرف العطف، فاللفظان متساويان يصح تأكيد أحدهما الآخر، على أن يكون لفظ" وطالق" الثالثة تأكيد للفظ" وطالق" الثانية برمتهما، أعني الواو وما دخلت عليه، ومثل ذلك ما إذا عطف بالفاء أو بثم، فإذا قال: أنت طالق، فطالق، فطالق، أو ثم طالق، ثم طالق، فإن نوى تأكيد اللفظ الأول بالثاني. أو الثالث فإنه لا يصح التأكيد ويلزمه الثلاث، وإن نوى تأكيد الثاني فإنه يصح ويلزمه ثنتان، وذلك لتساوي اللفظين، وهما الثاني والثالث في اشتمالهما على حرف العطف، بخلاف طالق الأول، فإنه خال من حرف العطف، فلا يصح تأكيده بما هو مشتمل على حرف العطف. فإذا غاير في العطف، بأن عطف الأول بالواو والثاني بالفاء، كأن قال: أنت طالق، وطالق، فإنه لا يصح تأكيد الثاني بالثالث لعدم تسويهما في العبارة، لأن الثاني مشتمل على واو العطف، والثالث مشتمل على ثم، والتأكيد إنما يكون بتكرير الأول بصورته.
وإذا جزأ الطلاق، كأن قال لها، أنت طالق بعض طلقة أو جزءاً من مائة ألف جزء من طلقة، أو نصف طلقة كاملة. لأن الطلاق لا يتجزأ فذكر بعضه ذكر لجميعه.
وهذه المسألة مجمع عليها في المذاهب الأربعة:

فإذا قال لها: أنت طالق نصفي طلقة لزمه طلقة كاملة، كما إذا قال لها: أنت طالق نصف طلقتين وإذا قال لها: أنت طالق نصفي ثنتان، لأن نصف كل طلقة طلقة، فكأنه بذلك قال لها: أنت طالق طلقتين،وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثة أنصاف طلقتين لزمه ثلاث طلقات، لأن نصف الطلقتين طلقة كاملة، وقد أوقعه ثلاثاً فكأنه قال: أنت طالق ثلاث طلقات. وإذا ذكر أجزاء الطلقة متفرقة، فإن ذكرها بحرف العطف وقع بكل جزء طلقة وإلا وقع بها واحدة، سواء أضاف إلى الضمير أو إلى الطلقة، فإذا قال: أنت طالق نصف طلقة، ثلثها سدسها لزمه واحدة وكذا إذا قال:أنت طالق نصف طلقة، ثلث طلقة، سدس طلقة، فإنه يلزمه واحدة، وكذا إذا قال لها: أنت طالق طلقة نصف طلقة فإنه لا يلزمه إلا واحدة، وذلك لأن عدم العطف يجعل الثاني عين الأول، أو جزءاً من الأول، وإذا نوى به التعدد فإنه يلزمه ما نواه، أما إذا قال: أنت طالق نصف طلقة، وثلث طلقة وسدس طلقة فإنه يلزمه الثلاث لتكرره بالعطف الذي يقتضي المغايرة بين الأول والثاني الخ.

وإذا قال: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث لزمه ثنتان، لأن ما بعد الغاية لا تدخل فيما قبلها لغة إلا إذا كانت إلى - بمعنى - مع واحتمالها لمعنى مع يوجب الشك والطلاق لا يقع بالشك وإذا قال: أنت طالق ما بين واحدة وثلاث، وقعت واحدة لأنها التي بينهما، وإذا قال لها:أنت طالق طلقة في ثنتين، فإذا نوى بلفظ - في - ، - مع - لزمه ثلاث، لأن في تأتي بمعنى مع، كقوله تعالى: {فادخلي في عبادي} أي مع عبادي، وغن نوى معنى اللفظ في عرف علماء الحساب لزمه ثنتان، لأنها نتيجة ضرب الواحد في ثنتين، سواء كان عالماً بالاصطلاح. أو جاهلاً به ولكنه نواه، وإذا قال: أردت واحدة مع كونه من علماء الحساب قبل منه، فإذا لم ينو شيئاً فإن كان من علماء الحساء لزمه ثنتان وإلا فواحدة.
وإذا قال لامرأته: أنت طالق هكذا، ثم فتح ثلاثة أصابع من أصابع يده وضم أصبعين، فإنها تطلق ثلاثاً، فإذا قال: إنه أراد الإشارة بالأصبعين المضمومتين سمع له ولزمه ثنتان، وإذا أشار بكل أصابعه الخمسة فإنه يلزمه واحدة، وتحمل الإشارة على اليد لا على الأصابع، لأن نهاية عدد الطلاق ثلاث، وإذا لم يقل: هكذا بل أشار بأصابعه فقط لزمه واحدة. وهكذا كله إذا لم يكن له نية، وإلا فإنه يقع ما نواه).

مبحث إضافة الطلاق إلى الزمان أو إلى المكان

*-إذا أضاف الطلاق إلى الزمان، كما إذا قال: أنت طالق يوم كذا، أو في شهر كذا، أو أضافه إلى المكان، كما إذا قال لها أنت طالق في بلدتك. أو في مصر، فإن طلاقه يلزم على تفصيل المذاهب (1).

إضافة الطلاق إلى الزمان أو إلى المكان عند الحنفية

(1) (الحنفية - قالوا: الزمن الذي يضاف إليه الطلاق، تارة يكون مستقبلاً، وتارة يكون حاضراً، وتارة يكون ماضياً، وقد تكون الإضافة إلى زمن واحد، وقد تكون إلى زمنين. فمثال الإضافة إلى الزمان المستقبل أن يقول لزوجته: أنت طالق غداً، وفي هذه الحالة تطلق منه عند حلول أول جزء من الغد، وهو طلوع الصبح، فإذا قال: إنه نوى آخر النهار لا يصدق قضاء ويصدق ديانة، وهذا بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق في الغد، فإنه إذا ادعى انه نوى طلاقها في آخر النهار يصدق قضاء وديانة، وذلك لأن كلمة - في - تفيد طلاقها في جزء من الغد، وهذا يصدق بالجزء الأخير من النهار. ومثال الإضافة إلى زمنين حاضر ومستقبل، أن يقول لها: أنت طالق غداً اليوم بدون عطف، وفي هذه الحالة يعتبر اللفظ الأول ويلغى الثاني، فتطلق في الغد ولو قال لها: أنت طالق اليوم، غداً طلقت منه في نفس اليوم، وإذا قال لها: أنت طالق اليوم وغداً بحرف العطف فإنه يقع به واحدة فقط، وذلك لأن العطف وإن كان يقتضي المغايرة ولكن لما ابتدأ طلاقها باليوم كانت طالقاً منه في الغد، لأن التي تطلق اليوم تطلق غداً، فلا معنى لإيقاع طلاق آخر في الغد، أما إذا عكس فقال: أنت طالق غداً واليوم، فإنها تطلق طلقتين لأنه لا يلزم من تطليقها في الغد تطليقها في اليوم، وكذا إذا قال لها: أنت طالق بالليل والنهار فإنها تطلق واحدة، وذلك لن التي تطلق في الليل تطق في النهار الذي بعده، فإذا قال لها وهو بالليل: أنت طالق بالنهار والليل يلزمه ثنتان لأنه لا يلزم من تطليقها بالنهار تطليقها بالليل الذي قبله، وكذا إذا قال لها: أنت طالق اليوم ورأس الشهر، فإنها تطلق واحدة، لما عرفت من أن طلاقها اليوم منه طلاقها في الوقت الذي بعده.

والحاصل أنه إذا أضاف الطلاق إلى وقتين حاضر، ومستقبل، وبدأ بالحاضر اتحد الطلاق فلا يتعدد، كاليوم والغد، والليل الذي طلق فيه والنهار الذي بعده، أما إذا بدأ بالمستقبل فإنه يلزمه طلاقان لأن طلاقها في المستقبل لا يستلزم طلاقها في الحاضر، على أنه إذا قال لها: أنت طالق اليوم وإذا جاء غد لزمه طلاقان: أحدهما في الحال والثاني عند مجيء الغد، وذلك لأنه لما قال: إذا جاء فقد علق طلاقها على شرط المجيء، وقد عطفه على أنت طالق اليوم، والمعطوف غير المعطوف عليه وبذلك يكون قد أتي بطلاقين: أحدهما منجز، والآخر معلق على مجيء الغد، فلا يمكن أن يكون طلاقاً واحداً، وهو طلاقها في اليوم، لأن الطلاق المنجز لا يصح تعليقه ولا يمكن أن يكون طلاقاً واحداً، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، فتعين كونه طلاقين: أحدهما منجز والآخر معلق على مجيء الغد. وإذا قال لها: أنت طالق، لا بل غداً يقع طلاقان أيضاً: أحدهما للحال. والثاني في الغد، لأن قوله: أنت لزمه به الطلاق، ولا يملك إبطاله بقوله: لا وقوله: بل غداً لزمه به الطلاق آخر.

ومثال الإضافة إلى الزمن الماضي أن يقوا لها: أنت طالق أمس، أو أنت طالق قبل أن أتزوجك، وكان قد تزوجها اليوم، وحكم هذا أنه يلغو ولا يعتبر، لأنه أضاف الطلاق إلى زمن لا يملك فيه العصمة، وهذا بخلاف ما إذا قال لها: طلقتك أمس، وكان قد تزوجها بالأمس، أو تزوجها فبل الأمس فإنه يقع طلاقه، لأنه في هذه يكون قد طلقها في وقت يملك فيه عصمتها والإنشاء في الماضي إنشاء في الحال، ولو قال لها: أنت طالق أمس واليوم تعدد الطلاق بناء على القاعدة المتقدمة وهي أنه إذا أضاف الطلاق إلى زمنين، وبدأ بغير الزمن الحاضر تعدد الطلاق وقد يقال: أنهم قد عللوا ذلك بأن إيقاع الطلاق في الزمن المستقبل لا يلزم منه إيقاعه في الزمن الحاضر، فلو قال: أنت طالق غداً واليوم لزمه ثنتان لأنه لا يلزم من تطليقها في الغد تطليقها في اليوم بخلاف عكسه، وهنا لا يتأتى هذا التعليل، فلو قال لها: أنت طالق أمس واليوم فيه أن الواقع أمس واقع اليوم فيكون عكس أنت طالق غداً واليوم فيقع به واحدة، أم عكسه، وهو أنت طالق اليوم وأمس فإنه يقع به ثنتان، لأن إيقاع الطلاق اليوم لا يستلزم إيقاعه بالأمس، على أن الأمس قبل اليوم، فهو بالنسبة له حاضر: والقاعدة الماضية تقتضي أن البدء بالحاضر يستلزم اتحاد الطلاق لا تعدده، فالمثل الذي معناه وهو أنت طالق أمس اليوم قد بدئ فيه بالزمن الحاضر فلا يتعدد الطلاق.

فإن قلتم: إن الطلاق الواقع في اليوم لا يكون واقعاً في الأمس فيلزم طلاقان، طلاق في اليوم وطلاق في الأمس.

قلنا: إنه على هذا التأويل لا يكون فرق بين أنت طالق أمس واليوم، وبين أنت طالق اليوم وأمس لأن كلاً منهما يقال فيه: إن الواقع اليوم غير الواقع بالأمس على أن الإشكال لا يزال باقياً بالنسبة للبدء بالأمس فإنه بدء بالحاضر ومقتضاه عدم تعدد الطلاق فالحق أنه إذا قال لها: أنت طالق أمس واليوم يقع به طلقة واحدة لأن التي تطلق بالأمس تطلق اليوم وإذا قال لها: أنت طالق اليوم والأمس تطلق ثنتان فكأنه قال: أنت طالق واحدة اليوم قبلها واحدة أمس أما القاعدة المذكورة فإنها بالنسبة للحاضر والمستقبل كاليوم والغد فإذا أضاف الطلاق إلى زمن مبهم في الماضي كما إذا قال لها: أنت طالق قبل أن أخلق أو قبل أن تخلقي، أو طلقتك وأنا صبي فإنه يلغو ولا يقع به شيء. كذا إذا قال لها: طلقتك وأنا نائم، أو طلقتك وأنا مجنون فإنه يلغو ولا يقع به شيء، لأن معناه إنكار طلاقها إذ لا طلاق لهؤلاء. وكذا إذا قال: أنت طالق مع موتي، أو مع موتك فإنه يلغو ولا يقع به شيء، لأنه نسب الطلاق إلى زمن لا تكون المرأة محلاً فيه للطلاق ولا يكون هو أهلاً.

وإذا قال لها: أنت طالق قبل موتي بشهرين، أو أكثر، فإذا مات قبل مضي شهرين من وقت الحلف فإنها لا تطلق، لأنه قد اشترط لوقوع الطلاق مضي شهرين قبل موته، وهو قد مات قبل تحقق الشرط فلا يقع. أما إذا مات بعد مضي شهرين، ففي المسألة خلاف، فأبو حنيفة يقول: إنها تطلق منه، ولكن لا يقتصر الوقوع على الموت، فلا يثبت الطلاق عند الموت فقط، بل الوقوع مستند إلى المدة التي عينها قبل الموت، فالحكم بالطلاق وإن كان عند الموت ولكن مستند إلى أول المدة التي عينها من وقت الحلف فالاستناد في اصطلاح الأصوليين هو ثبوت الحكم في الحال مستنداً إلى ما قبله بشرط بقاء المحل كل المدة.
ونظير ذلك الزكاة في النصاب فإن النصاب تجب فيه الزكاة عند الحول. ولكن الوجوب عند الحول مستند إلى وجوده من أول الحول فثبوت الحكم وهو وجوب الزكاة في النصاب مستند إلى مضي الزمن بحيث لو لم يمض عليه حول فإنه لا يجب فيه الزكاة، أما صاحباه فإنهما يقولان أنها تطلق طلاقاً مقتصراً على وقت الموت بدون استناد إلى الزمن الأول الذي عينه، ثم في وقت الموت لا يكون الرجل أهلاً للطلاق فيلغو، ولا يقع به شيء، والاقتصار مقابل للاستناد. فهو عبارة عن ثبوت الحكم في الحال بدون نظر إلى الزمن الذي قبله. هذا، ولم تظهر لهذا الخلاف ثمرة، نعم قال بعضهم: إن المرأة - على رأي الإمام - لا ترث لأنه قد اعتبر طلاقها من أول المدة، فعند موته يكون قد مضى على طلاقها شهران على الأقل فتكون عدتها قد انقضت، لأنها قد تحيض ثلاث حيض في شهرين، وبذلك يموت عنها بعد انقضاء عدتها، فلا يكون لها الحق في ميراثه، ولكن هذا القول غير سديد، لأن الذي يطلق امرأته بهذه الحالة يكون فاراً بطلاقها من الميراث، سواء طلقها وهو مريض، أو طلقها وهو صحيح، أما الأول فظاهر، لأنه يكون قد طلقها في المرض الذي مات فيه، فلا يسقط ميراثها، وأما الثاني فلأننا إذا فرضنا أن عدتها تبتدئ من أول الوقت الذي عينه بالحلف ثم مات بعد شهرين فإن عدتها لا تنقضي بموته، إذ المعلوم أن عدة امرأة الفار أبعد الأجلين فتعتد عدة الوفاة، وهي أربعة أشهر وعشر، فيبقى لها بعد موته في العدة شهران وعشرة أيام فترثه، على أن الإمام قال: إن عدتها تبتدئ من وقت الموت لا تبتدئ من أول المدة التي عينها بالحلف، لأن سبب العدة، وهو وقوع الطلاق مشكوك فيه، إذ قد يموت قبل انقضاء الشهرين، فلا يقع، والعدة لا تثبت مه الشك في سببها، وبهذا يتضح أنها ترث على كل حال.

وإذا قال لها: أنت طالق كل يوم، فإنه يلزمه طلاق واحد إذا لم تكن له نية، أما إذا نوى تطليقها كل يوم طلقة، فإنها تطلق منه ثلاث طلقات في ثلاثة أيام، وهذا بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق في كل يوم، فإنه يلزمه ثلاث طلقات في ثلاثة أيام، وهذا بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق في كل يوم، فإنه يلزمه ثلاث طلقات في ثلاثة أيام نوى أو لم ينو، والفرق أن قوله: أنت طالق كل يوم بدون نية معناه أن كل يوم يتصف فيه طلاقها بالوقوع، فكأنه قال: طلاقك واقع في هذا اليوم وفي اليوم الذي بعده، وهكذا، ووصف الطلاق بالوقوع كل يوم لا يلزم منه تعدده كل يوم، فإذا نوى تعدده كل يوم صحت نيته، أما قوله: أنت طالق في كل يوم فمعناه أن كل يوم ظرف لوقوع الطلاق، فكأنه قال: في كل يوم وقوع الطلاق فيتعدد الوقوع كل يوم.

وإذا قال لها: أنت طالق كل جمعة، ولم ينو شيئاً لزمه طلاق واحد، وكذا إذا نوى بالجمعة الأسبوع كله فإنها لا تلزمه إلا واحدة، أما إذا نوى يوم الجمعة بخصوصه فإنه يلزمه ثلاث طلقات بمضي ثلاث جمع لوجود الفاصل بين أيام الجمع التي أرادها فتطلق منه في أول جمعة ثم يقع الفصل بينها وبين الجمعة التي تليها بالسبت والأحد الخ، ومتى وجد الفاصل تعدد الطلاق، فإذا قال لها: أنت طالق في كل جمعة لزمه الثلاث في ثلاث جمع وإن لم ينو، كما تقدم في قوله: أنت طالق في كل يوم، وإذا قال لها: أنت طالق كل شهر طلقت واحدة وإن لم ينو طلاقها في كل شهر، فإن نوى لزمه ثلاث في ثلاثة أشهر، أما إذا قال لها: أنت طالق في كل شهر فإنه يلزمه الثلاث وإن لم ينو. وإذا قال لها: أنت طالق رأس كل شهر لزمه ثلاث عند أول كل شهر طلقة وإن لم ينو، وذلك لأن رأس الشهر أوله، وقد عينه باللفظ الدال عليه، وهو - رأس - فبين رأس الشهر الأول ورأس الشهر الثاني الفاصل بالأيام التي تليه، ومتى وجد الفاصل تعدد الطلاق، كما عرفت، وهذا بخلاف قوله: أنت طالق كل شهر، فإن الشهر متصل واحد، ومعناه أن الطلاق متصف بالوقوع كل شهر، وهو كذلك ما لم ينو، كما تقدم في اليوم.

هذا إذا أضاف الطلاق إلى الزمان، أما إذا أضافه إلى المكان، كما إذا قال لها: أنت طالق في مصر أو في مكة، أو في بلدك، أو في الدار، أو في الظل، أو الشمس، فإنه تطلق في الحال فإذا قال: أردت التعليق، أعني إذا دخلت مصر، أو مكة، فإنه لا يصدق قضاء، ويصح ديانة بينه وبين اللّه.
أما تعليق الطلاق على الزمان الماضي، أو المستقبل إن كان ممكناً، أو واجباً، أو مستحيلاً عقلاً، أو شرعاً، أو عادة، فاقرأ حكمه مفصلاً في الجزء الثاني.

إضافة الطلاق إلى الزمان أو إلى المكان عند المالكية

المالكية - قالوا: إذا أضاف الطلاق إلى الزمان فإن ذلك يكون على وجوه:
أحدها: أن يضيفه إلى الزمان الماضي، كما إذا قال لها: أنت طالق أمس، ونوى بذلك إنشاء طلاقها، وفي هذه الحالة تطلق منه في الحال، وإذا ادعى أنه قال ذلك هازلاً، وهو يريد الإخبار بطلاقها كذباً لا يصدق قضاء، ولكن يصدق عند المفتي، فله أن يفتيه بعدم الوقوع بينه وبين اللّه. وإذا أضافه إلى وقت موته، أو موتها، كما إذا قال لها: أنت طالق يوم موتي، أو يوم موتك، فإنها تطلق منه في الحال، وذلك لأنه أضاف الطلاق إلى أمر محقق الوقوع، وهو حصول الموت له أو لها، فإن لم تطلق منه الآن كانت حلالاً له مدة معينة، ومدة حياتها، فيكون ذلك شبيهاً بنكاح المتعة المحدد له زمن معين، وهو باطل، ومن باب أولى أن يقول لها: أنت طالق قبل موتي سواء قدر زمناً أو لا، فإنها تطلق منه حالاً، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق بعد سنة، أو بعد شهر، أو بعد جمعة، فإنها تطلق منه حالاً للعلة المذكورة، أما إذا قال لها: أنت طالق بعد موتي، أو بعد موتها فإنها لا تطلق بذلك، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق إن مت، أو إذا مت، أو متى مت، أو إن مت أنت الخ، فإنه لا شيء عليه، وهذا بخلاف ما إذا قال: أنت طالق بعد موت زيد، أو إن مات زيد، أو يوم موته، أو بعد موته فإنها في هذه الحالة تطلق عليه حالاً، وإذا قال لها: طلقتك وأنا صبي، أو وأنا مجنون وكانت زوجة له وهو متصف بذلك، فإنه لا يقع عليه شيء، وإذا علق الطلاق على فعل ماضي يستحيل وجوده عقلاً، أو عادة، أو شرعاً، فإن طلاقه يقع على الفور، كما إذا قال: الطلاق يلزمني، لو جاء زيد أمس لجمعت بين وجوده وعدمه، فالجمع بين الوجود والعدم مستحيل عقلاً، وهو وإن كان قد امتنع لامتناع مجيء زيد، وامتناعه ليس مستحيلاً، بل واجباً، ولكن الطلاق بحسب الظاهر مرتبط بالجمع بين الوجود والعدم، فلذا وقع منجزاً، وكذا إذا علقه على فعل مستحيل عادة، كما إذا قال: يلزمني الطلاق لو جاء زيد أمس لوضعته في سماء الدنيا، فإن ذلك مستحيل عادة، فيقع طلاقه فوراً، وكذا إذا علقه على فعل واجب شرعاً، كقوله: لو جاء زيد أمس لقضيته دينه، فإنه في كل ذلك يقع فوراً، وإذا عليقه على فعل جائز شرعاً، كقوله يلزمني الطلاق لو جئتني أمس لتعشيت معك، أو لأطعمتك فاكهة، ففيه خلاف، بعضهم يرى وقوع الطلاق فوراً بهذا، وهو ضعيف. والمعتمد أنه لا يقع به شيء إن كان جازماً بالفعل، بحيث أنه حلف وهو جازم بأنه لو جاءه حقيقة لأطعمه، أما إن كان كاذباً فيما يقول: فإن طلاقه يقع.

- إذا أضاف الطلاق إلى الزمان، كما إذا قال: أنت طالق يوم كذا، أو في.
وإذا علقه على فعل ماض واجب فإنه لا يحنث، سواء كان واجباً عقلاً، أو شرعاً، أو عادة، فمثال الأول أن يقول: عليه الطلاق لو جاءه أمس لم يجمع بين وجوده وعدمه، ومثال الثاني أن يقول: لو كنت غير نائم أمس لصليت الظهر، ومثال الثالث أن يقول: لو رأيت أسداً أمس لفررت منه فإن الفرار من الأسد واجب عادة. وإذا علق على فعل مستقبل ممتنع عقلاً، أو عادة، أو شرعاً فإنه لا يحنث، مثال الأول أن يقول لها: أنت طالق إن جمعت بين الضدين، ومثال الثاني أن يقول لها أنت طالق إن لمست السماء ومثال الثالث أن يقول لها: إن زنيت فأنت طالق، لأنه علق الطلاق على الزنا في المستقبل، وهو ممتنع شرعاً، وهذا بخلاف ما إذا قال لها إن لم أجمع بين الضدين فأنت طالق، أو إن لم ألمس السماء فأنت طالق، أو إن لم تزن فأنت طالق، فإن الطلاق يقع منجزاً في الحال ويقع للصيغة الأولى: صيغة بر، وللثانية صيغة حنث.
هذا وقد تقدم ما يوضح ذلك في كتاب الإيمان. أول الجزء الثاني.

إضافة الطلاق إلى الزمان أو إلى المكان عند الشافعية

الشافعية - قالوا: إذا أضاف الطلاق إلى الزمان المستقبل فإنه يقع عند أول جزء من ذلك الزمان. فإذا كان في شهر شعبان مثلاً. وقال: أنت طالق في شهر رمضان طلقت منه في أول جزء من ليلة أول يوم في رمضان. فإذا كان أول رمضان يوم الخميس تطلق بغروب شمس يوم الأربعاء الذي قبله. ولو رأى الهلال قبل غروب الشمس، ومثل ما إذا قال لها: أنت طالق في غرته أو أوله، أو رأسه. أما إذا قال لها: أنت طالق في نهار شهر شعبان، أو في أول يوم منه فإنه تطلق في فجر أول يوم منه، وإذا قال لها: أنت طالق في آخره تطلق في آخر جزء من أيامه.

هذا إذا كان في شهر شعبان، فإن قال لها: أنت طالق في رمضان بعد أن مضى خمسة أيام من رمضان مثلاً، فإنها تطلق في أول جزء من رمضان في السنة الآتية، وبعضهم يقول: بل تطلق منه في الحال، وهذا بخلاف ما إذا قال لها: أنت طالق شهر رمضان، أو شعبان، فإنه يقع حالاً، سواء كان في الشهر الذي عينه أو لا، وإذا قال لها، وهو في الليل: أنت طالق إذا مضى يوم تطلق بغروب شمس الغد، وإذا قال لها ذلك، وهو في النهار تطلق بغروب شمس اليوم التالي، أما إذا قال لها: إذا مضى اليوم فأنت طالق، وكان في أول اليوم نهاراً، فإنها تطلق بغروب شمس ذلك اليوم، أما إذا قال لها: أنت طالق بمضي ذلك اليوم، وهو في الليل، فإنه يكون لغواً، ولا يقع به شيء، لأنه لم يكن في اليوم، بل كان في الليل، فلا معنى لقوله: أنت طالق اليوم، وهذا بخلاف ما لو قال لها: أنت طالق اليوم، فإنه يقع حالاً، سواء كان في الليل، أو في النهار. وذلك لأنه أوقع الطلاق في الوقت الذي هو فيه، وتسميته نهاراً وهو في الليل لا تؤثر في ذلك.

وإذا قال لها: أنت طالق بمضي شهر، أو سنة تطلق إذا مضى شهر كامل وسنة كاملة غير الشهر الذي هو فيه، وغير السنة التي هو فيها، أما إذا قال لها: أنت طالق إذا مضى الشهر أو السنة فإنه يقع في أول الشهر الذي يليه وفي أول السنة التي تلي السنة التي هو فيها، فيقع في أول يوم من المحرم.

أما إذا أضاف الطلاق إلى الزمن الماضي، كما إذا قال لها: أنت طالق أمس أو الشهر الماضي، فإنه يقع حالاً، سواء قصد إيقاعه حالاً، أو قصد إيقاعه أمس، أو لم يقصد شيئاً.
هذا، وقد عرفت مما تقدم في مباحث الإيمان - في الجزء الثاني - أن المحلوف عليه إن كان واجباً عقلاً، أو عادة، كقوله: عليه الطلاق ليموتن، أو لا يصعد إلى السماء، فإنه لا ينعقد ويكون لغواً، وإن كان ممكناً عقلاً، وعادة فإنه ينعقد، كما إذا قال: عليه الطلاق ليدخلن هذه الدار، أو لا يدخلها، فإن دخولها وعدم دخولها ممكن عقلاً وعادة، وكذا ينعقد إذا كان مستحيلاً عادة، كقوله: عليه الطلاق ليصعدن إلى السماء، أو ليحملن الجبل ويقع الطلاق في الحال زجراً لصاحبه الخ ما هو مفصل هناك. فارجع إليه.

إضافة الطلاق إلى الزمان أو إلى المكان عند الحنابلة

الحنابلة - قالوا: إذا أضاف الطلاق إلى الزمن الماضي، فقال لها أنت طالق أمس، أو أنت طالق قبل أن أتزوجك، فإنه إذا نوى به الطلاق في الحال وقع الطلاق في الحال، فإن لم ينو وقوعه في الحال بأن أطلق ولم ينو شيئاً. أو نوى إيقاعه في الماضي لم يقع الطلاق وذلك لأن الطلاق رفع لحل الاستمتاع، وهو لا يملك رفع الحل في الزمن الماضي، لأنه وجد بالفعل وانقضى، فلا معنى لرفعه، وإن كانت متزوجة بزوج قبله وطلقها، فقال: إنه أراد الإخبار عن طلاق زوجها الأول فكأنه قال: أنت طالق من زوجك الأول، فإنه يقبل قوله، ومثل ذلك ما إذا كان قد تزوجها هو ثم طلقها ثم تزوجها ثانياً وقال: إنه أراد الإخبار عن الطلاق الأول، فإنه يقبل منه، إلا إذا وجدت قرينة تمنع إرادة ذلك، كما إذا كانا في حالة غضب أو سألته الطلاق فإنه في هذه الحالة لا يصدق في قوله.

وإذا قال لها: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر فقدم زيد قبل انقضاء الشهر فإنها لا تطلق بل لا بد في طلاقها من انقضاء الشهر قبل قدومه، حتى لو قدم مع بقاء آخر جزء من الشهر لا تطلق، ومن حلف على زوجته بمثل هذا اليمين فإنه يجب عليه أن لا يقربها بعد ذلك، فإذا فعل حرم عليه إذا كان الطلاق بائناً، وللزوجة النفقة حتى يتبين وقوع الطلاق، فإن قدم بعد انقضاء شهر وجزء يسع وقوع الطلاق فإنه يقع الطلاق في ذلك الجزء، ويتبين أيضاً أن وطأه إياها في أثناء هذا الشهر حرام، ويلزمه به مهر مثلها بما نال من فرجها إن كان الطلاق بائناً، فإن كان رجعياً فلا يكون محرماً وتحصل به رجعتها.

وإذا أضاف الطلاق إلى الزمن المستقبل وقال لها: أنت طالق غداً فإنها تطلق عند طلوع فجر الغد ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق يوم السبت، أو أنت طالق في رجب فإنها تطلق في أول جزء منه، وله في هذه الحالة أن يطأ زوجته قبل حلول وقت الطلاق، وإذا قال أردت آخر لغد أو آخر رجب، فإنه لا يسمع قوله لا ديانة ولا قضاء.

وإذا قال لها: أنت طالق اليوم طلقت في الحال، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق في هذا الشهر الذي هو فيه فإنها تطلق حالاً، فإذا قال إنه أراد آخر الوقت، فإنه يصدق ديانة وحكماً.
وإذا قال: أنت طالق في أول رمضان أو رأسه طلقت في أول جزء منه، ولا يصدق في قوله: إنه أراد وسطه، أو آخره. أما إذا قال: في غرة رمضان، إنه أراد اليوم الأول، أو الثاني، أو الثالث فإنه يصدق، لأن الثلاثة الأول من الشهر تسمى غرراً، وإن قال: بانقضاء رمضان، أو بآخره، أو في انسلاخه طلقت في آخر جزء منه، وإن قال: أنت طالق اليوم، أو غداً طلقت في الحال، وإن قال: أنت طالق غداً، أو بعد غد طلقت في الغد، لأنه هو السائل، وإذا قال لها: أنت طالق اليوم وغداً وبعد غد طلقت واحدة بأنت طالق اليوم، لأن التي تطلق اليوم تطلق غداً، وبعد غد، بخلاف ما إذا قال: أنت طالق في اليوم، وفي غد، وبعد غد، فإنها تطلق ثلاثاً، وذلك لأنه في الصورة الأولى لم يكرر لفظ - في - ، أما في الصورة الثانية فقد كررها وتكرارها دليل على أنه يريد تكرار الطلاق وإذا قال لها: أنت طالق كل يوم لزمه طلاق واحد، بخلاف ما إذا قال: أنت طالق في كل يوم، فإنه يلزمه ثلاث طلقات في ثلاثة أيام لتكرار في. وإذا قال لها: أنت طالق قبل موتي أو موتك بشهر، فإنه إن مات أحدهما قبل مضي الشهر لم تطلق، وإذا مات بعد الحلف بشهر وساعة يمكن فيها إيقاع الطلاق وقع الطلاق، ولا ترث المرأة في هذه الحالة إن طلاقها بائناً، لأنه لا يتصور في هذا اليمين الفرار من الميراث، إلا أن يكون الطلاق رجعياً فإنه لا يمنع التوارث ما دامت في العدة.
وإذا قال لها: أنت طالق قبل موتي، أو موتك، أو موت زيد، ولم يقيد بزمن فإنها تطلق في الحال، وإن قال: قبيل موتي يقع الطلاق في آخر وقت من حياته، أي في الزمن الذي وقع بعده موته مباشرة، وإذا قال: أنت طالق بعد موتي، أو مع موتي لم تطلق لأنها لا تكون محلاً للطلاق في هذه الحالة.

وإذا علق طلاقها على فعل مستحيل عقلاً، أو عادة. كقوله: إن جمعت بين الضدين فأنت طالق أو إن طرت إلى السماء فأنت طالق أو إن شربت ماء فأنت طالق لا يقع بذلك شيء بخلاف ما إذا علق الطلاق على عدم الفعل المستحيل، كقوله: هي طالق إن لم أشرب ماء هذا الكوز ولا ماء فيه، فإنها تطلق في الحال، أو إن لم أصعد إلى السماء، أو إن لم أجمع بين الضدين، وقد تقدم مزيد لذلك في الأيمان في الجزء الثاني، فارجع إليه).

مبحث إذا وصف الطلاق أو شبهه بشيء

*-إذا قال لها: أنت طالق طلقة شديدة، أو عريضة، أو قال لها: أنت طالق كالجبل ونحو ذلك. فإن فيه تفصيل المذاهب (1).

إذا وصف الطلاق أو شبهه بشيء عند الحنفية

(1) (الحنفية - قالوا: هذا المبحث يشتمل على أمور:
أحدها: أن يصف الطلاق بصفة كما ذكر في الأمثلة المذكورة، وحكم هذا أنه يقع به طلقة بائنة، وذلك لأن الصفة تشعر بالزيادة على أصل المعنى وتجب البينونة، ويشترط أن يقول: أنت طالق طلقة شديدة أو تطليقة شديدة، فإن لم يذكر التطليقة، بأن قال: أنت طالق شديدة، أو قال: أنت طالق عريضة، أو قوية، أو طويلة، فإنه يلزمه بذلك طلقة رجعية لا بائنة، لأن الصفة في هذه الحالة ليست للطلاق بل للمرأة، ويقع واحدة بائنة أيضاً بقوله: أنت طالق طلقة طول الجبل، أو عرض الأرض ونحو ذلك.

ثانيها: أن يصف الطلاق بأفعل التفضيل، كأن يقول: أنت طالق أفحش الطلاق، أو أشر الطلاق، أو أخبثه، أو أشده، أو أكبره، أو أعرضه، أو أطوله، أو أغلظه، أو أعظمه، وحكم هذا أنه يقع به طلقة بائنة، كالصورة الأولى، وذلك لأن أفعل يدل على التفاوت، فالطلاق الذي يوصف به يكون أقوى من غيره، وهذا معنى البائن.

ثالثاً: أن يشبه الطلاق بشيء عظيم، كأن يقول لها: أنت طالق طلقة كالجبل، وحكم هذا أنه يقع به طلقة بائنة كالذي قبله، وذلك لأن التشبيه يقتضي الزيادة، وهي معنى البينونة، وبعضهم يقول: إنه لا يقع به بائن إلا إذا صرح بلفظ العظم، بأن يقول: أنت طالق طلقة كعظم الجبل، وهو أبو يوسف.

رابعها: أن يشبه الطلاق بشيء حقير ولم يذكر العظم، كأن يقول لها: أنت طالق طلاقاً كرأس الإبرة، وفي هذا خلاف، والمعتمد أنه يقع به البائن، وهو رأي الإمام، فإذا ذكر لفظ العظم، بأن قال لها: أنت طالق طلاقاً كعظم رأس الإبرة، فقال بعضهم: إنه يكفي في البينونة وقال بعضهم: لا يكفي.
والحاصل أنه إذا قال لها: أنت طالق طلاقاً كعظم الجبل وقع بائناً باتفاق، فإذا قال: كالجبل ولم يقل: كعظم الجبل يقع بائناً عند أبي حنيفة وزفر، ويقع رجعياً عند أبي يوسف، لأن الشرط عنده ذكر لفظ - العظم - وإذا قال: أنت طالق كرأس الإبرة وقع بائناً عند أبي حنيفة فقط، وإذا قال: كعظم رأس الإبرة وقع بائناً عند أبي يوسف، وأبي حنيفة، لأن أبا يوسف يكتفي بذكر العظم، ولو كان المشبه به حقيراً، أما زفر فإنه يشترط أن يكون المشبه به عظيماً في ذاته ولو لم يذكر لفظ العظم فلا يقع به البائن عنده.

وإذا قال لها: أنت طالق كألف، فإن أراد التشبيه في العدد لزمه الثلاث، وإن أراد التشبيه في العظم لزمه طلاق واحد بائن.
هذا، وإذا نوى بأي لفظ من الألفاظ المتقدمة الثلاث فإنه يلزمه ما نواه، لما علمت أن نية الثلاث تصح بخلاف نية الاثنتين.

وإذا قال لها: أنت طالق طلاق البدعة ولا نية له، فإنه يقع به واحدة بائنة، وقيل لا تقع بائنة إلا إذا نوى واحدة بائنة، وإن نوى الثلاث فثلاث، أما إذا لم ينو فإنه يقع بها واحدة رجعية إن كانت المرأة حائضاً، أو نفساء أو في طهر جامعها فيه، فإن لم تكن كذلك فلا تطلق حتى تحيض، أو يجامعها في الطهر، لأن طلاق البدعة هو أن تكون حائضاً، أو نفساء، أو في طهر جامعها فيه كما تقدم.

وإذا قال لها: أنت طالق طلاق الشيطان طلقت منه بائنة، وإذا قال لها: أنت طالق ملء البيت، فإن كان عرضه الكثرة في العدد طلقت ثلاثاً، وإن كان عرضه طلقة عظيمة كالشيء العظيم الذي يملأ البيت بعظمه لزمته واحدة بائنة، وإذا قال لها: أنت طالق بائن أو البتة يقع به واحدة بائنة أيضاً، وإذا نوى بقوله: طالق واحدة، وبقوله: بائن طلقة أخرى لزمه ثنتان، وذلك لأنه وإن وقع بلفظ طالق واحدة رجعية ولكن وصفها بالبائن بعد ذلك جعلها بائنة إذ لا يمكن رجعتها في هذه الحالة، وإذا عطف بالواو، أو ثم قال: أنت طالق وبائن، أو ثم بائن ولم ينو شيئاً لزمه واحدة رجعية، وإن نوى أكثر لزمه ما نوى، أما إذا عطف بالفاء، قال: أنت طالق فبائن فإنه يلزمه طلقتان وإن لم ينو، والفرق أن الفاء للتعقيب بلا مهلة، والبينونة التي تعقب الطلاق بلا مهلة تجعله بائناً، فكأنه قال لها: أنت طالق بائن، بخلاف العطف بثم فإنه للتراخي، والبينونة التي يوصف بها الطلاق متراخياً تلغى، أما العطف بالواو فإنه يحتمل الأمرين: التعقيب، والتراخي، فيحمل على التراخي، وإذا قال لها: أنت طالق طلقة تملك بها نفسك لزمه طلاق بائن لأنها لا تملك نفسها إلا بالبائن، وإذا قال لها: أنت طالق أكثر الطلاق وكثيره فإنه يلزمه الثلاث، ولو قال: إنه أراد اثنتين لا يسمع منه لا قضاء ولا ديانة، لأن أكثر الطلاق وكثيره ثلاث على الراجح، مثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق بالثمانين، أو ألف طلقة، أو ألوفاً، أو مراراً، فإنه يلزمه بذلك الثلاث، وإذا قال لها: أنت طالق لا قليل ولا كثير لزمه ثلاث، وذلك لأن قوله: لا قليل معناه الكثير، فتقع الثلاث، وقوله بعد ذلك ولا كثير لا قيمة له، وقيل يلزمه ثنتان، لأن كثير الطلاق ثنتان، والقولان مرجحان، فلو عكس وقال لها: أنت طالق لا كثير ولا قليل يلزمه واحدة، لأن نفي الكثير يصدق بالقليل، وهو الواحدة، فقوله بعد ذلك ولا قليل ملغى، لأنه لا يملك نفي الواقع، وقيل يقع ثنتان، لأنه نفى الكثير والقليل فلزمه ما بينهما، وهو الاثنتان، لأنهما وسط، فلا يقال لهما كثير ولا يقال لهما قليل.

وإذا شبه بالعدد فيما لا عدد له تلزمه واحدة رجعية، فإذا قال لها: أنت طالق عدد التراب. أو عدد الشمس، أو عدد شعر بطن كفي، أو عدد ما في هذا الحوض من السمك، ولا سمك فيه، فإنه يلزمه واحدة رجعية بكل ذلك، أما إذا شبه بما له عدد، كشعر يده أو ساقه فإنه يلزمه الثلاث ما لم يكن المشبه به أقل، وإذا قال لها: أنت طالق عدد الرمل يلزمه ثلاث، والفرق بين الرمل والتراب أن التراب اسم جنس إفرادي يصدق على الكثير والقليل، كالماء والعسل أما الرمل فإنه اسم جنس جمعي لا يصدق على أقل من ثلاثة، ويفرق بينه وبين مفرده بالتاء كتمر وتمرة، ورمل ورملة، ومثل ذلك ما إذا أضافه إلى عدد مجهول، كقوله: أنت طالق كشعر إبليس فإنه يلزمه به واحدة.
خاتمة: إذا قال لها: لست لك بزوج أو لست لي بامرأة، فقيل: إنه كناية يقع به الطلاق بالنية، وقيل: لا يقع به شيء لأنه ليس من ألفاظ الكنايات، على أن القائل بوقوع الطلاق بها يقول: إنه رجعي لا بائن.

إذا وصف الطلاق أو شبهه بشيء عند المالكية

المالكية - قالوا: إذا وصف الطلاق بصفة لا تشعر بالشدة، كما إذا قال لها: أنت طالق أجمل الطلاق، أو أحسنه، أو خيره. أو نحو ذلك لزمته واحدة، إلا أن ينو أكثر فإنه يلزمه ما نواه أما إذا وصفه بصفة أفعل كقوله: أنت طالق شر الطلاق، أو أسمجه، أو أشده، أو أقذره أو أنتنه، أو أكثره فإنه يلزمه ثلاث طلقات منجزة، سواء دخل بها أو لم يدخل وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً للسنة لزمه الثلاث في المدخول بها باتفاق، وفي غير المدخول بها قيل: تلزمه واحدة، وقيل: بل الثلاث، وهو الراجح.

وإذا قال لها: أنت طالق ثلاثاً للبدعة أو بعضهن للسنة وبعضهن للبدعة لزمه الثلاث في المدخول بها وغيرها، أما إذا قال لها: أنت طالق واحدة للبدعة، أو واحدة للسنة أو قال: واحدة لا للبدعة ولا للسنة، فإنه يلزمه واحدة ومثل ذلك ما إذا قال: أنت طالق للسنة أو للبدعة ولم يقيد بواحدة فإنه يلزمه واحدة ما لم ينو أكثر في كل هذا فإنه يعمل بما نواه.

وإذا شبه الطلاق بشيء كبير، أو عظيم، كما إذا قال: أنت طالق واحدة كالجبل، أو الجمل، أو القصر، ولم ينو بها أكثر، فإنه يلزمه واحدة.

إذا وصف الطلاق أو شبهه بشيء عند الشافعية

الشافعية - قالوا: إذا وصف الطلاق بصفة، سواء كانت على وزان أفعل أو لا، إلا ما نتق به أو نواه. فلو قال: أنت طالق طلقة واحدة. أو طلقة كبيرة، أو عظيمة، أو أعظم الطلاق، أو أكبره، أو أطوله، أو أعرضه، أو أشده، أو ملء الجبل أو ملء السماء والأرض فإنه يقع به واحدة ما لم ينو أكثر، فيلزمه ما نواه.

وإذا قال لها: أنت طالق أقل من طلقتين وأكثر من واحدة لزمه ثنتان. أما إذا قال لها: أنت طالق لا كثير ولا قليل لزمه واحدة، أما إذا قال لها: أنت طالق لا أقل الطلاق ولا أكثره فإنه يلزمه الثلاث، لأن قوله، لا أقل الطلاق معناه أكثره، وهو الثلاث فقوله بعد ذلك ولا أكثره لغو، لأنه لا يملك رفعه بعد وقوعه، وإذا نوى بقوله: لا أقل الطلاق ثنتان لزمه ثنتان وإذا قال لها: أنت طالق طلاق السنة أو طلقة حسنة، أو أحسن الطلاق أو أجمله، أو أنت طالق طلاق البدعة، أو طلقة قبيحة، أو أقبح الطلاق أو أفحشه، فإن أراد طلاق السنة بالأوصاف الحسنة، والطلاق البدعة بالوصاف القبيحة، ينظر إن كانت المرأة في طهر لا وطء فيه طلقت بالأوصاف الحسنة حالاً، لأنها متصفة بحالة السنة، وإن كانت حائضاً، أو في طهر جامعها فيه تطلق بالأوصاف القبيحة حالاً، وإلا طلقت عند تحقق الوصف، فإن كانت في طهر لم يجامعها فيه، وقال لها: أنت طالق للبدعة لا تطلق حتى تحيض، وإلا طلقت حالاً، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أنت طالق للسنة، وكانت حائضاً فإنها لا تطلق حتى تطهر ولم يجامعها في ذلك الطهر.

أما إذا نوى وصف الطلاق بالحسن لأن امرأته قبيحة لا يصح معاشرتها، فطلاقها حسن جميل، ولكنها كانت حائضاً وقع الطلاق في الحال وكذا إذا نوى وصفه بالقبح لأن امرأته حسنة الخلق وطلاقها قبيح، فإنه يقع في الحال ولو كانت في طهر لم يجامعها فيه، فلا تنتظر الحيض حتى يكون طلاقها قبيحاً. هذا كله إذا كانت المرأة ممن يتف طلاقها بالسنة أو البدعة، فإن كانت غير مدخول بها لا يتصف طلاقها بسني ولا بدعي، كما تقدم فإن طلاقها الموصوف بهذه الصفات يقع في الحال.

وإذا شبه الطلاق بعدد وقع بقدر هذا العدد، فلو قال لها أنت طالق كألف طلقة لزمه الثلاث وكذا إذا قال لها: أنت طالق عدد الرمل بخلاف أنت طالق عدد التراب فإنه يقع به واحدة كما يقول الحنفية، وإذا قال لها: أنت كمائة طالق، لزمه واحدة لأنه شبهها بمائة امرأة طالق، ولم يشبه طلاقها بمائة طلقة بخلاف ما إذا قال لها: أنت مائة طالق، فإنه يلزمه الثلاث كما يلزمه بقوله: أنت طالق مائة مرة، أو بالثمانين، وإذا قال لها: أنت طالق بعدد شعر إبليس لزمه طلاق واحد لأن شعر إبليس غير معلوم فيلغى العدد، وإذا قال لها: أنت طالق عدد ما لاح بارق أو عدد ما مشى الكلب حافياً، أو عدد ما حرك الكلب ذنبه لزمه الثلاث.
خاتمة إذا قال لها: أنت طالق كما حللت حرمت لزمه طلقة واحدة، وإذا قال لها: علي الطلاق الثلاث إن رحت دار أبيك فأنت طالق فقيل: يقع واحدة، وقيل يقع به ثلاث، والأول أظهر، لأن أول الصيغة ليس بيمين، فلا يقع به شيء.

إذا وصف الطلاق أو شبهه بشيء عند الحنابلة

الحنابلة - قالوا: إذا وصف الطلاق بصفة حسنة، كقوله: أنت طالق طلقة فاضلة، أو عادلة أو كاملة، أو جميلة، أو قال لها: أنت طالق أحسن الطلاق، أو أجمله، أو أقربه، أو أعدله، أو أكمله، أو أفضله، أو أتمه، فإنه يحمل كل ذلك على الطلاق السني، بمعنى أنها إن كانت في طهر لم يجامعها فيه وقع عليه الطلاق في الحال، لأنه هو الطلاق الحسن الجميل وإلا بأن كانت حائضاً أو نفساء، أو في طهر جامعها فيه، فإنها لا تطلق إلا إذا حاضت وطهرت طهراً لم يجمعها فيه إلا إذا نوى أن يقول لها: إن أحسن أحوالك هي أن تكوني مطلقة فإنه يقع في الحال وإذا ادعى أنه أراد وصف طلاقها بالحسن لقبيح معاشرتها، بمعنى إن كانت قبيحة المعاشرة كان طلاقها حسناً جميلاً لم يقبل قوله إلا بقرينة لأنه خلاف الظاهر.

وعلى عكس ذلك إذا وصف طلاقها بصفة قبيحة، كما إذا قال لها: أنت طالق أسمج الطلاق أو أردأه، أو أنتنه، ونحو ذلك طلقت للبدعة بمعنى أنها إن كانت حائضاً، أو نفساء أو كانت في طهر جامعها فيه فإنها تطلق حالاً، وإلا طلقت عند الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه، وأما إذا نوى أن يصف حالها بالقبح، بمعنى أن أقبح أحوالها هي الحالة التي تطلق فيها فإنها تطلق في الحال أما إذا نوى أن يصف طلاقها بالقبح لحسن معاشرتها، فكأنه يقول لها: إن طلاقك قبيح لحسن معاشرتك فإنه لا يصدق إلا بالقرينة، كما ذكر أولاً.

هذا كله إذا كانت مدخولاً بها غير حامل، وإلا طلقت في الحال، وإذا قال لزوجته: أنت طالق واحدة بائنة، أو واحدة بتة وقعت واحدة رجعية لأنه وصف الواحدة بغير وصفها، فألغي الوصف.
وإذا قال لها: أنت طالق كل الطلاق، أو أكثر بالثاء أو أنت طالق جميعه، أو منتهاه، أو غايته لزمه الثلاث وإن نوى واحدة، وكذا إذا قال لها: أنت مائة طالق أو يا مائة طالق، فإنه يلزمه الثلاث، ومثل ذلك ما إذا شبه الطلاق بشيء يتعدد كعدد الحصى أو التراب أو الرمل أو القطر، أو الريح، أو الماء، أو النجوم، أو الجبال، أو السفن، أو البلاد فإنها تطلق في كل ذلك ثلاثاً، وكذا إذا قال لها: أنت طالق كألف، أو كمائة، فإن نوى التشبيه في الشدة لا في العدد يسمع منه قضاء.
وإذا قال: أنت طالق أشد الطلاق أو أغلظه، أو أكبره، أو أطوله، أو أعرضه، أو ملء الدنيا، أو ملء البيت أو مثل الجبل أو مثل عظم الجبل، فإنه يقع بكل هذا واحدة رجعية ما لم ينو أكثر).

مبحث هل للزوج أن ينيب زوجته أو غيرها في الطلاق

*-قد عرفت أن الرجل هو الذي يملك الطلاق دون المرأة. وذلك لأمرين:
أحدهما: أن الشريعة قد كلفت الرجل بالإنفاق على المرأة وأولادها منه حال قيام الزوجية وبعدها إلى أمد معين، وكلفته أيضاً بأن يبذل لها صداقاً قد يكون بعضه مؤجلاً إلى الطلاق، وأن يدفع لها أجرة حضانة ورضاع إن كان له منها أولاد في سن الحضانة والرضاع وهذا كله يستلزم نفقات يجب أن يحسب حسابها بعد الفراق، فمن العدل أن يكون الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة، لأنه هو الذي يغرم المال، وربما كان عاجزاً عن القيام بالانفاق على مطلقته وعلى غيرها، فلا يندفع في الطلاق، ويترتب على ذلك عدم تفرق الأسرة وانحلالها، أما لو كان الطلاق بيد المرأة فإنها لا تبالي بإيقاعه عند سورة الغضب، إذ ليس أمامها من التكاليف ما يحول بينها وبين إيقاع الطلاق، بل ربما زينت لها سورة الغضب إيقاع الطلاق كي ترغم الرجل على دفع حقوقها لترهقه بذلك انتقاماً منه، وذلك حيف ظاهر تتنزه عنه الشريعة الإسلامية التي هي من عند اللّه العليم الخبير.

ثانيهما: أن المرأة مهما أوتيت من حكمه فإنها سريعة التأثر بطبيعتها فليس لها من الجلد والصبر مثل ما للرجل، فلو كان الطلاق بيدها فإنها تستعمله أسوأ استعمال لأنها لا تستطيع ضبط نفسها كما يستطيع الرجل، فمن العدل والمحافظة على استمرار الزوجية وبقائها أن يكون الطلاق بيد الرجل لا بيد المرأة.

لعل بعضهم يقول: إن كثيراً من الرجال على هذا المنوال فهم لا يبالون أن يحلفوا بالطلاق لأقل الأمور شأناً وأحقرها منزلة. بل بعضهم يحلف بالطلاق لمناسبة ولغير مناسبة، وكأن الطلاق من كلمات التسلية واللعب، والجواب: أن الشريعة الإسلامية لم تشرع لهؤلاء الجهلة فاسدي الأخلاق الذين لا يعرفون من الإسلام إلا أنهم مسلمون فحسب، وإنما شرعت للمسلمين حقاً الذين يستمعون قول اللّه وقول رسوله فيعملون به، فلا ينطقون بالطلاق إلا لحاجة تقتضيه، أما هؤلاء المستهترون الذين لا يبالون بأمر اللّه ولا ينفذون قول رسول اللّه، فإن اللّه لا يعبأ بهم.
وإذا كان الطلاق ملكاً للرجل وحده كان من حقه أن ينيب عنه غيره، سواء كان النائب زوجته أو غيرها، وفي ذلك تفصيل المذاهب (1).

للزوج أن ينيب زوجته أو غيرها في الطلاق عند الحنفية

(1) (الحنفية - قالوا: للرجل أن ينيب عنه امرأته في تطليق نفسها منه. كما له أن ينيب عنه غيرها، في الطلاق على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: الرسالة، وهو أن يرسل لها رسولاً يخبرها بأن زوجها يقول لها: اختاري، فالرسول ينقل عبارة الزوج إلى المرأة، فلم ينشئ عبارة من نفسه، فإذا نقل لها الرسول ذلك واختارت نفسها بالشرائط الآتية طلقت منه.

الوجه الثاني: التوكيل، وهو أن يقيم الزوج غيره مقام نفسه في تطليق امرأته، سواء كانت المرأة نفسها. أو غيرها إلا أن المرأة لا يمكن أن تكون وكيله،لأن الوكيل يعمل عملاً للغير، أما المرأة، فإنها تطلق نفسها فلا يعمل لغيرها، وعلى هذا يكون توكيلها تفويضاً، ولو صرح بالتوكيل كما سيأتي توضيحه قريباً، والفرق بين الرسول والوكيل أن الرسول ينقل عبارة الزوج ولا ينشئ عبارة من نفسه، أما الوكيل فإنه يعبر بعبارته فلم ينقل عبارة موكله.

الوجه الثالث: التفويض، وهو تمليك الغير الطلاق، ويفرق بين الوكالة والتفويض، بأن المفوض مالك يعمل بمشيئته، بخلاف الوكيل فإنه يعمل لمشيئته موكله، ويختلف كل من التوكيل والتفويض في عدة أحكام، منها أن الزوج المفوض لا يملك الرجوع بعد التفويض فإذا قال لامرأته: طلقي نفسك فإنها تملك الطلاق بمجرد قوله هذا، ولو لم تقل: قبلت، وليس له أن يقول: قد رجعت أو قد عزلتك بخلاف التوكيل، فإن له أن يعزل وكيله، فإذا قال لشخص أجنبي: طلق امرأتي فإن له أن يقول بعد ذلك: عزلتك، لأن هذه العبارة توكيل، وله أن يبطل توكيله بوطء زوجته، ومنها أن التفويض لا يبطل بجنون الزوج، بخلاف التوكيل، ومنها أنه لا يشترط في المفوض إليه أن يكون عاقلاً، فإذا فوض لامرأته المجنونة أو فوض لصغير لا يعقل وطلق امرأته أو طلقت نفسها وقع الطلاق بخلاف الوكيل فإنه يشترط فيه أن يكون عاقلاً من أول الأمر، والفرق بين الحالتين أنه في الحالة الأولى قد ملك الزوج الطلاق الذي له إيقاعه للمجنون، فالمجنون أوقع ما أعطاه إياه، نعم إذا فوض الطلاق إلى عاقل ثم جن فإن التفويض يبطل، لأنه ملكه وهو عاقل، ومنها أن التفويض يتقيد بالمجلس، فإذا قام المفوض إليه من المجلس قبل أن يطلق أو يختار بطل التفويض، كما سيأتي قريباً.

ثم إن التفويض ينقسم إلى قسمين: صريح، وكناية، وألفاظ الصريح، كأن يقول لزوجته: طلقي نفسك،أو يقول لها طلقي نفسك إذا شئت أو متى شئت، أو نحو ذلك، فلذلك تفويض الطلاق إلى المرأة تملك به تطليق نفسها في المجلس، حتى ولو قال لها: وكلتك في تطليق نفسك، فإن هذا وإن كان قد صرح فيه بلفظ التوكيل، ولكن المرأة في هذه الحالة لا تنطبق عليها الوكالة لأن الوكيل يعمل لغيره، وهي تطلق نفسها، فلا تعمل لغيرها، فكلمة الوكالة لا تخرج العبارة عن التفويض، ومثل ذلك ما إذا قال لغير امرأته، طلق امرأتي متى شئت، أو إذا ما شئت، أو إذا شئت وكذا إذا قال لامرأته: طلقي ضرتك إذا شئت، أو متى شئت الخ أما إذا قال للأجنبي: طلق امرأتي أو قال لامرأته طلقي ضرتك، ولم يقيد ذلك بالمشيئة، فإنه يكون توكيلاً لا تفويضاً. أما الكناية فهي لفظان، أحدهما أن يقول: اختاري. ثانيهما: أن يقول: أمرك بيدك.

ومن هذا يتبين أن ألفاظ التفويض ثلاثة: أحدها الصريح، سواء كان مقيداً بالمشيئة أو لا. ثانيها: اختاري. ثالثها: أمرك بيدك، وهما كناية لا يقع بهما الطلاق إلا بثلاثة شروط:
أحدها: أن ينوي الزوج بها الطلاق. ثانيها: أن تنوي الزوجة كذلك. ثالثها: أن تضيف الطلاق إلى نفسها وإلى زوجها، كما تقدم في مبحث إضافة الطلاق، على أن دعوى عدم النية لا تسمع من الزوج قضاء إذا كانا في حالة غضب، أو حالة مذاكرة الطلاق، ولكن ينفعه ذلك بينه وبين اللّه.

ويشترط لصحة التفويض بألفاظه الثلاثة أن لا يقع التطليق به في المجلس، فإذا شافهها بقوله: طلقي نفسك لزمها أن تطلق نفسها في المجلس الذي شافهها وهي جالسة فيه وكذا إذا علمت بأنه فوض إليها الطلاق وهي غائبة، فإنها يلزمها أن تطلق نفسها في المجلس الذي علمت فيه بحيث لو انتقلت منه يبطل التفويض، ومثل ذلك ما إذا فوض إلى غير الزوجة فإنه يلزمه أن تطلق في المجلس. ولا يشترط أن تطلق نفسها فوراً، بل لو مكثت في مكانها يوماً أو أكثر بدون أن تتحول منه فإن لها ذلك، وكذا لا يشترط حضور الزوج المفوض، إنما الشرط أن لا تتحول عن مكانها الموجودة فيه، وأن لا تعمل عملاً يدل على الاعراض عن تطليق نفسها. فإن تحولت عن المجلس بالانتقال إلى مكان آخر بطل التفويض، وكذا إن عملت عملاً يدل على الانصراف عن ذلك، وإن لم تتحول من مكانها وذلك كما إذا كانت جالسة فقامت، أو تكلمت بكلام أجنبي يدل على انصرافها عن الموضوع، أو شرعت في خياطة ثوبها مثلاً، أو عملت عملاً يفيد الإعراض، أما إذا عملت عملاً لا يدل على الإعراض والانصراف، كأن لبست ثوباً، أو شربت ماء، أو كانت قائمة فجلست، أو كانت قاعدة فاتكأت، أو نامت وهي قاعدة أو استدعت والدها للمشورة، أو استدعت الشهود فإن كل ذلك لا يبطل به التفويض، لأنه لا يدل على إعراضها.
وإذا كانت في سفينة جارية وفوض لها طلاقها فإن انتقال السفينة من مكانها لا يضرها لأنها كالمنزل بالنسبة لها، إنما الذي يبطل تفويضها أن تقوم هي من مكانها أو تعمل ما يدل على الإعراض وإذا كانت راكبة دابة سائرة فأوقفتها فإنه لا يضر، وإذا كانت واقفة فسيرتها فإنه يضر، لأنها سارت باختيارها إلا إذا أجابته بمجرد سكوته من التفويض بحيث وصلت قولها: طلقت نفسي بقوله: طلقي نفسك فإنه يصح مع تسيير الدابة، وإذا كانت في محمل يقوده الجمال فإنه يعتبر كالسفينة والبيت.
هذا إذا لم يؤقت التفويض بوقت، فإذا أقته بوقت، كأن قال لها: طلقي نفسك أثناء شهرين أو نحو ذلك فإن لها أن تطلق نفسها في خلال المدة، وإذا قال لها: طلقي نفسك متى شئت، أو متى ما شئت، أو إذا شئت، أو إذا ما شئت فإن لها أن تطلق نفسها في أي وقت شاءت، ولا يصح رجوعه على أي حال، لأنه قد ملكها الطلاق، كما تقدم.

هذا، ويتعلق بألفاظ التفويض الثلاثة المذكورة أحكام أخرى، إليك بيان ما يلزم منها:
فأما التفويض صريحاً فإنه يتعلق به أحكام، منها أنه إذا قال لزوجته: طلقي نفسك، فقالت: طلقت نفسي وقعت واحدة رجعية، سواء نوى واحدة، أو لم ينو شيئاً، وكذا إذا نوى ثنتين فإنه يقع به واحدة فقط، لما عرفت من أن الطلاق الصريح موضوع للواحدة، فلا يصلح لنية الاثنتين، نعم إذا نوى بقوله: طلقي نفسك الثلاث فطلقت نفسها لزمته الثلاث، كما تقدم في الصريح، وإذا قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أبنت نفسي وقع به طلاق رجعي، وذلك لأنه لما قال لها: طلقي نفسك فقد ملكها أصل الطلاق فزادت عليه وصف البينونة، فيلغي الوصف الزائد ويثبت الأصل فلا يشترط في وقوع الطلاق بقولها: أبنت نفسي أن تنوي المرأة الطلاق، كما لا يشترط إجازة الزوج الطلاق بها، وهذا بخلاف ما إذا قالت: أبنت نفسي ابتداء بدون أن يقول لها: طلقي نفسك فإنه لا يقع به الطلاق إلا إذا نوت المرأة الطلاق، وأجاز الزوج الطلاق بذلك مع نية الطلاق. أما إذا قال لها: طلقي نفسك، فقالت: اخترت نفسي فإنه لا يقع به شيء أصلاً، وذلك لأن قولها: اخترت نفسي ليست من ألفاظ التفويض لا صريحاً ولا كناية فيقع لغواً، نعم يكون كناية إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت نفسي فإنه يقع به الطلاق البائن بشرط أن ينوي الزوج به الطلاق وتنوي الزوجة كذلك.

وإذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً فطلقت نفسها واحدة وقعت واحدة، وإذا قال لها: طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها ثلاثاً فإنه لا يقع به شيء على الراجح، وقيل: تقع به واحدة. وإذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً إن شئت، فقالت: أنا طالق لا يقع به شيء، وذلك لأنه علق الطلاق الثلاث على مشيئتها الثلاث، ولا يمكن إيقاع الطلاق بلفظ طالق، فلم يقع به شيء، لأنه يوجد المعلق عليه، فإذا قالت أنا طالق ثلاثاً وقع الثلاث، وإذا قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أنا طالق وقع طلاق واحد، أما إذا قال لها: طلقي نفسك، فقالت: أنا طالق فإنه لم يقع به شيء إلا إذا كان العرف يستعمل صيغة المضارع في الطلاق، أو نوت به إنشاء الطلاق لا الوعد بالطلاق في المستقبل.
وأما التفويض بقوله: اختاري فإنك قد عرفت أنه كناية، ولا يقع به شيء إلا إذا نوى، ثم إنه إذا نوى به ثلاثاً فإنه لا يصح، وذلك لأن معنى اختيار نفسها في هذه الحالة تخليصها من قيد الزوجية، والذي يخلصها من قيد الزوجية هي البينونة، فالبينونة هي التي يستلزمها لفظ الاختيار فهي مقتضى اللفظ، ومقتضى اللفظ لا عموم له لأنه ضروري، فيقدر بقدر الضرورة، وهي البينونة الصغرى، فلا تصح نية الكبرى لعدم احتمال اللفظ إياها، وهذا بخلاف ما إذا قال لها: أنت بائن ونوى به الثلاث فإنه يصح ويلزمه ما نواه، فإن لفظ البينونة مذكور. فلا مانع من إرادة العموم منه، ومثل ذلك ما إذا قال لها: أمرك بيدك فإنه إذا نوى به الثلاث يلزمه ما نواه، كما تقدم في مبحث الكنايات.

فإذا قال لها: اختاري ونوى به الطلاق، وقالت: اخترت نفسي فإنه يقع به واحدة بائنة، لأنه كناية، وإذا قالت: أنا أختار نفسي بصيغة المضارع فإنه يقع به طلاق بائن أيضاً، وهذا بخلاف ما إذا قالت: أنا أطلق نفسي فإنه لا يقع إلا إذا نوت إنشاء الطلاق أو كان العرف يستعمله في الطلاق كما تقدم قريباً.

ويشترط في إيقاع الطلاق بلفظ اختاري أن يذكر الزوج أو المرأة أحد لفظين. إما النفس وإما الاختيارة، بأن يقول لها الزوج، اختاري نفسك، أو يقول لها: اختاري، وهي تقول: اخترت نفسي. أو يقول لها: اختاري اختيارة، فتقول: اخترت أو يقول لها اختاري، فتقول: اخترت اختيارة، وذلك لأن ذكر اختيارة يقوم مقام ذكر النفس، ومثل ذلك ما إذا قال لها: اختاري أمك، أو اختاري طلقة، فتقول: اخترت، وإذا قال لها: اختاري، فقالت اخترت أبي أو أمي، أو أهلي، أو الأزواج، فإنه يقوم مقام ذكر النفس، فيقع به البائن.

أما إذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت، ولم يذكر واحد منهما النفس، أو الاختيارة أو الأب، أو الأم، أو نحو ذلك من الألفاظ التي تقدمت، فإنه لا يقع به شيء، والشرط ذكر ذلك في كلام أحدهما لا في كلام الزوج خاصة، فإذا قالت: اخترت زوجي لم يقع شيء، ولو قالت: اخترت زوجي ونفسي، فإنه لا يقع أيضاً، لأن ذكر زوجها أولاً أبطل اختيار نفسها، فلو عكست قالت: اخترت نفسي وزوجي، فإنه يقع لأن ذكر نفسها أولاً أبطل اختيار زوجها وإذا قالت: اخترت نفسي أو زوجي فإنه لا يقع، لأن - أو - لأحد الشيئين فلا يدري إن كانت قد اختارت نفسها، أو زوجها، فيكون ذلك منها اشتغالاً بما لا ينبغي، فيعد إعراضاً، وإذا قال لها: اختاري نفسك، ثم قال لها: إن اخترتني أعطيك كذا من المال فاختارته بطل اختيارها ولا يلزم زوجها المال الذي جعله لها.
*: - قد عرفت أن الرجل هو الذي يملك الطلاق دون المرأة. وذلك لأمرين:
ويشترط في ذكر النفس أو ما يقوم مقامها من الاختيارة، أو الأب، أو الأم، أو نحو ذلك أن تكون متصلة بالاختيار، فإذا قال لها: اختاري، فقالت: اخترت، ثم سكتت زمناً، وقالت: نفسي، فإن كان ذلك في المجلس فإنه يصح، أما إذا قالت: اخترت، ثم قامت من المجلس وقالت: نفسي فإنه لا يصح ويبطل اختيارها، وإذا كرر لفظ اختاري ثلاثاً، فقال لها: اختاري، اختاري، اختاري، فقالت: اخترت، أو اخترت اختيارة يقع ثلاثاً إذا نوى بكل واحدة الطلاق، فإذا قال: إنه نوى بواحدة الطلاق، ونوى باثنتين المسكن، فإنه يصدق قضاء، بخلاف ما إذا قال: اختاري نفسك وكررها ثلاثاً، وقال: إنه لم ينو الطلاق، فإنه لا يصدق قضاء، وذلك لأن التكرار مع ذكر النفس دليل على إرادة الطلاق، ودلالة الظاهر أقوى من النية عند القاضي، فإن كان صادقاً في دعواه فإن ذلك ينفعه ديانة بينه وبين اللّه.

وحاصل ذلك أنه لا بد في الكناية من النية أو ما يقوم مقامها من دلالة الحال أو التأكيد بالتكرار.
وإذا قال لها: اختاري نفسك، وكررها ثلاثة، فقالت: اخترت الأولى، أو الوسطى، فقيل: يلزمه ثلاث، لأنها ملكت الكل دفعة واحدة بدون ترتيب، فلم تتحقق الأولى والثانية فيلغو قولها اخترت الأولى، وقيل: يلزمه واحدة، وهو الصحيح.

وإذا قال لها: اختاري نفسك وكررها ثلاثاً، فقالت: طلقت نفسي، أو اخترت نفسي، بتطليقة، أو اخترت الطلقة الأولى، فإنها تطلق طلقة بائنة، لأنه فوض لها الطلاق البائن، فلا تملك الرجعي، بخلاف ما إذا قال لها: اختاري تطليقة، فقالت: اخترت نفسي، فإنها تطلق واحدة رجعية، لأنه فوض لها الرجعى.
هذا، وإذا أرسل إلى امرأته رجلاً فقال له خير امرأتي، وعلمت بذلك، فليس لها الخيار قبل أن يذهب إليها ويخيرها، وهذا بخلاف ما إذا قال له أخبرها بالخيار، وقبل أن يخبرها سمعت بالخبر فاختارت نفسها فإنه يصح.

وأما التفويض باللفظ الثالث، وهو الأمر باليد فإنه يقع به الطلاق البائن بالنية وتصح فيه نية الثلاث بخلاف الاختيار فإنه لا تصح فيه نية الثلاث كما تقدم. فإذا قال لزوجته: أمرك بيدك، ونوى به الثلاث، فقالت: اخترت نفسي، أو اخترت نفسي بواحدة، أو قبلت نفسي، أو اخترت أمري، أو أنت علي حرام، أو مني بائن، أو أنا منك بائن، أو طالق، فإنه يقع الثلاث التي نواها فإن لم ينو الثلاث فإنه يقع واحدة بائنة.

ويشترط في الأمر باليد ما يشترط في الاختيار من ذكر النفس أو ما يقوم مقامها، فلا بد أن تقول المرأة: اخترت نفسي، أو اخترت أمري، ولا يملك الزوج الرجوع بعد التفويض، ولا بد من اختيار نفسها في المجلس، وغير ذلك من الأحكام المتقدمة في التفويض الصريح. والتفويض بالاختيار.
ومثل قوله: أمرك بيدك، قوله أمرك بشمالك أو أنفك، أو لسانك، ولا يشترط أن تكون كبيرة بل إذا فوض لها وهي صغيرة فإنه يصح كما تقدم قريباً.
وكذا قوله: أعرتك طلاقك، أو أمرك بيد اللّه، أو أمري بيدك، فإن كل هذه الألفاظ مثل قوله: أمرك بيدك.

هذا، وقد تقدم أنه إذا تزوجها على أنها أمرها بيدها فإنه يصح بشرط أن تبدأ المرأة بالشرط فتقول: زوجتك نفسي على أن أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد، فيقول الزوج قبلت، أما إذا بدأ الزوج فإنها لا تطلق.
وقد تقدم تعليل ذلك في مبحث - إذا اشترط في النكاح شرطاً - من هذا الجزء فارجع إليه.

للزوج أن ينيب زوجته أو غيرها في الطلاق عند المالكية

المالكية - قالوا: للزوج أن ينيب عن الزوجة أو غيرها في الطلاق، وتنقسم النيابة في الطلاق إلى قسمين:

الأول: رسالة، وهي أن يرسل الزوج إلى امرأته رسولاً يعلمها بالطلاق، فالرسول لم يجعل له الزوج إنشاء الطلاق، وإنما جعل له إعلام الزوجة بثبوت الطلاق بعبارة الزوج نفسه فليس للرسول سوى نقل عبارة الزوج للزوجة لإعلامها بثبوت الطلاق، فنيابة الرسول نيابة بإعلام الزوجة بثبوت الطلاق، فحقيقة الرسالة هي أن يقول الزوج للرسول: بلغ زوجتي أني قد طلقتها، وفي هذه الحالة لا يتوقف طلاقها على تبليغها الرسالة، وقد تطلق الرسالة مجازاً، على ما إذا قال لشخص: طلق زوجتي.
القسم الثاني: تفويض الطلاق، وهو ثلاثة أنواع: توكيل، وتخيير، وتمليك، والفرق بين الأمور الثلاثة أن التوكيل هو جعل إنشاء الطرق للزوجة أو لغيرها مه بقاء حقه في المنع من الطلاق، ومعنى ذلك أن التوكيل لا يسلب حق الموكل في عزل الوكيل أو رجوعه عن توكيله قبل تمام الأمر الذي وكله فيه، فلو وكلها في تطليق نفسها ففعلت وقع الطلاق وليس له حق الرجوع حينئذ لأنها أتمت الفعل الذي وكلها فيه، إنما له الرجوع والعزل قبل أن تطلق نفسها.

والحاصل أن التوكيل ليس فيه جعل إنشاء الطلاق حقاً للوكيل، وإنما فيه جعل إنشاء الطلاق للوكيل نيابة عن الموكل، فللموكل عزله عن هذا متى شاء على أنه إذا وكلها بالطلاق مع تعلق حق لها به زائد على التوكيل فإنه لا يملك عزلها، مثال ذلك أن يقول لها: إن تزوجت عليك فقد جعلت أمرك بيدك وأمر من أتزوجها بيدك توكيلاً عني، ففي هذه الحالة لا يملك عزلها من التوكيل ولا عزله لأن لها حقاً فيه وهو دفع الضرر عنها، وإذا وكل الزوج عنه أجنبياً على أن يفوض للزوجة أمرها بأن قال له: وكلتك على أن تفوض لزوجتي أمرها تخييراً أو تمليكاً، أو قال له: وكلتك على أن تخير زوجتي أو تملكها أمرها، فإن ذلك يصح، وهل يكون الأجنبي في هذه الحالة وكيلاً يصح للزوج عزله أو يكون مفوضاً كالزوجة فلا يصح؟ والجواب: أنه إذا فرض للزوجة بالفعل فقد أصبحت مالكة، ولا يكون للزوج كلام، وأما إذا لم يفوض لها فإنه يكون وكيلاً يصح عزله، كما إذا وكله على طلاقها، فإن له عزله قبل أن يطلقها، فإذا طلقها، نفذ طلاقه ولا كلام للزوج، وهذا هو المعقول، لأن كونه وكيلاً في التخيير أو التمليك لغيره لا يجعله مخيراً أو مملكاً، فهو وكيل على كل حال، فمن قال: أنه يكون مالكاً للتخيير أو التمليك فلا يصح عزله فقد سهى عن كونه وكيلاً في تمليك الزوجة، فلا يكون هو مخيراً ولا مملكاً، نعم إذا خيره في عصمتها أو ملكه إياها، كأن قال له: أنت مخير في تطليق زوجتي، أو أمر عصمتها بيدها، فإنه في هذه الحالة لا يصح عزله، فإنه يكون هو المخير المملك.

هذا هو التوكيل، أما التخيير، فهو جعل الزوج إنشاء الطلاق ثلاثاً حقاً لغيره نصاً أو حكماً، يعني أن صيغة التخيير وضعها الشارع لتمليك الغير الطلاق الثلاث نصاً أو حكماً بأنه يملك إنشاء الطلاق الثلاث، فالمخيرة إذا اختارت الطلاق وجب عليها أن تطلق ثلاثاً، وإلا سقط خيارها على التفصيل الآتي.

أما التمليك، فهو عبارة عن جعل إنشاء الطلاق حقاً للغير راجحاً في الثلاث لا نصاً في الثلاث ولا حكماً، فيخص بأقل من الثلاث بالنية، فقوله: جعل إنشاء الطلاق حقاً للغير خرجت عنه الرسالة وخرج به التوكيل ليس فيه جعل إنشاء الطلاق حقاً للغير، وقوله: راجحاً في الثلاث خرج به التخيير لأن التخيير فيه جعل إنشاء الطلاق الثلاث للغير نصاً أو حكماً لا جعله راجحاً، وحاصل الفرق بين التوكيل وبين التخيير والتمليك، أن الوكيل يعمل على سبيل النيابة عن موكله، والمملك والمخير يفعلان عن نفسهما لأنهما قد ملكا ما كان الزوج يملكه، والفرق بين التخيير والتمليك أن التخيير يجعل للمخير - سواء كانت الزوجة أو غيرها - الحق في إنشاء الطلاق الثلاث وإن لم ينو الزوج بها الثلاث، أما التمليك فإنه يجعل للغير الحق في الثلاث راجحاً ولكن يخص ما دون الثلاث بالنية، فإذا ملك الزوج امرأته الطلاق فطلقت نفسها ثنتين أو ثلاثاً، وقال هو: بل نويت تمليكها واحدة فإنه يسمع منه بالشرائط الآتية: أما إذا خيرها وكانت مدخولاً بها فطلقت نفسها ثلاثاً وقال: إنني نويت واحدة أو ثنتين فلا يسمع قوله.

وحاصل الفرق أن المخيرة إذا كانت مدخولاً بها وطلقت نفسها ثلاثاً فإنه ينفذ ولا يسمع من الزوج دعوى أنه نوى أقل من ذلك. أما المملكة فإن له أن يعترض على ما زاد على الواحدة.
هذا هو المقرر المنقول عن مالك، ولكن التحقيق أن الإفتاء بذلك يتبع العرف، فإن كان العرف يستعمل التخيير في تمليك الثلاث بقطع النظر عن نية الزوج المخير عمل به، وإلا عمل بما عليه العرف، والظاهر أن المنقول عن الإمام مالك من أن التخيير للمدخول بها يملكها الثلاث بدون نية مبني على عرف زمانه، وإلا فالواقع أن التخيير ليس صريحاً في الطلاق، فهو كناية لا يلزم به شيء لغة، كما هو الحال عند الأئمة الثلاثة، ولكن المالكية يعتبرون العرف ويقدمونه على اللغة، فإذا نقل العرف لفظاً من معناه اللغوي إلى مفهوم آخر واستعمله فيه كان صريحاً فيه، وهذا هو الذي كان في عهد مالك رضي اللّه عنه في تخيير المرأة، أما إذا كان عرف زماننا على أنه لا يقع طلاق بالتخيير إلا بالنية، فإنه يعمل به لأن الحكم يتغير بتغير العرف.

هذا هو إيضاح الفرق بين التوكيل، والتخيير، والتمليك.
أما الصيغ التي تدل على التخيير، فهي كل لفظ يدل على أن الزوج فوض لامرأته البقاء على عصمته، أو عدم البقاء ومن ذلك أن يقول لها: اختاري نفسك، أو اختاريني أو اختاري أمرك.
وأما الصيغ التي تدل على التمليك، فهي كل لفظ يدل على أن الزوج جعل الطلاق بيد امرأته أو بيد غيرها بدون تخيير، ومن ذلك أن يقول لها: طلقي نفسك أو ملكتك أمرك، أو وليتك أمرك أو أمرك بيدك أو طلاقك بيدك أو نحو ذلك.

أما الصيغ التي تدل على التوكيل فقد ذكرت في - مباحث الوكالة - في الجزء الثالث، فارجع إليه.
وإذ قد عرفت الفرق بين الرسالة والتمليك، والتخيير، والتوكيل، وعرفت الصيغ التي تدل على كل منها، فاعلم أنه يتعلق بها أحكام بعضها مشترك بينها، وبعضها خاصة بأحدها دون الآخر، فمن الأحكام المشتركة وجوب الحيلولة بين الزوجين بعد التمليك، أو التخيير، أو التوكيل الذي يتعلق به حق الزوجة، فإذا قال لها: اختاري نفسك، أو قال لها، أمرك بيدك، أو قال لها: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك توكيلاً، ثم تزوج عليها، وجب عليه أن يعتزلها ولا يقربها حتى تجيب بما يقتضي أنها طلقت نفسها أو ردت الطلاق، وذلك لأن العصمة في هذه الحالة مشكوك في بقائها، لأن للمرأة تطلق نفسها في أي وقت، ولا يحل الاستمتاع بامرأة مشكوك في بقاء زوجيتها، ولا نفقة لها زمن الحيلولة لأنها هي السبب، فإذا ماتا في زمن الحيلولة يتوارثان، أما التوكيل الذي لم يتعلق به حق لها، كما إذا قال لها: وكلتك في طلاق نفسك فإنه لا يمنع قربانها، فلو استمتع بها بعد التوكيل، ولو مكرهة كان ذلك الاستمتاع عزلاً لها من التوكيل، حتى ولو كان الزوج قاصداً بقاءها على التوكيل.

ويصح تعليق التخيير والتمليك على أمر من الأمور، كأن بقول لها: إن جاء والدك اختاري نفسك. أو إن قدم أخوك طلقي نفسك، فإذا قال ذلك: لا يجب التفريق بينهما حتى يجيء أبوها، أو يقدم أخوها.

وكذا يصح تقييد التمليك أو التخيير بزمن، كأن بقول لها: خيرتك إلى سنة، أو خيرتك في البقاء معي أو مفارقتي إلى سنة، أو إلى أي زمن يبلغه عمرهما ظاهراً، فإن التخيير يصح، ولكن بمجرد علم الحاكم بتخييرها أو تمليكها على هذا الوجه يجب عليه أن يطلب منها الجواب بدون مهلة، فعليها أن تطلق نفسها حالاً أو ترد ما بيدها من التمليك، أو التخيير، فإن قضت فذاك وإلا أسقط الحاكم تخييرها أو تمليكها، حتى ولو رضي الزوج بالإمهال، وذلك لأن فيه حقاً للّه تعالى، وهو حرمة التمادي على الاستمتاع بالمرأة المشكوك في بقاء عصمتها.

ومن الأحكام المشتركة بين التمليك والتخيير أنه يعمل فيهما بجواب المرأة، فإذا طلقت نفسها طلاقاً صريحاً أو كناية ظاهرة عمل بمقتضاهما، ومثال الصريح أن تقول: طلقت نفسي منك، أو أنا طالق منك، أو أنت طالق مني، ومثال الكناية الظاهرة أن تقول: أنا منك بتة، أو بائن، أو حرام، ويلحق بهما قولها: اخترت نفسي، أما إذا أجابت بالكناية الخفية فإنه يسقط ما بيدها، ولا يقبل منها أنها أرادت بذلك الطلاق، فإذا قالت: أنا منك مطلقة - بفتح اللام مخففة - سقط خيارها، وإنما وقع الطلاق بقولها: اخترت نفسي، مع كونه ليس من ألفاظ الطلاق الصريح ولا من ألفاظ الكناية الصريحة، لنه جعل جواباً للتخيير فيقع به الطلاق، وقد تقدم في مباحث الكنايات بيانات الكناية الظاهرة والكناية الخفية، فارجع إليه.
وإذا ردت الطلاق، كأن قالت: رددت ما ملكتني، أو لا أقبل منك تخييرك، عمل بمقتضاه من بطلان ما بيدها وبقائها زوجة، ومثل ذلك ما إذا ردت التمليك بالفعل وهو يحصل بأن تمكنه من نفسها طائعة، وإن لم يحصل وطء، فمتى مكنته من نفسها بعد أن علمت بأنه خيرها أو ملكها أمرها فإن حقها يسقط ولو كانت جاهلة بأن تمكينها يسقط حقها ومثل تمكينها ما إذا ملك أمرها لأجنبي، ومكنه منها طائعاً، بأن خلى بينه و بينها ولم يحل بينهما، فمتى فعل ذلك سقط حقه في التمليك أو التخيير، وكذا يسقط حقها إذا حدد لها زمناً، ومضى ذلك الزمن ولم يوقفها الحاكم - يلزمها بالاختيار - فإذا قال لها: اختاريني أو اختاري نفسك في هذا اليوم أو في هذا الشهر ولم يوقفها الحاكم عند علمه، ومضى ذلك الزمن المحدد ولم تختر فإن حقها يسقط.

والحاصل أنه يشترط لبقاء الخيار أمران: الأول أن لا تمكنه من نفسها باختيارها بعد علمها بالتخيير أو التمليك، فإن مكنته سقط حقها، وإن لم يطأها، ولو كانت جاهلة بأن تمكينه يسقط حقها. الثاني: أن لا يمضي الزمن الذي حدده للتخيير أن حدد له زمناً ولتحديد الزمن حالتان:
الحالة الأولى: أن يعلم الحاكم به، وفي هذه الحالة يجب على الحاكم أو من يقوم مقامه الحيلولة بينهما حتى تجيب بالتطليق أو برد التمليك أو التخيير بلا مهلة، فإن لم تفعل قضى الحاكم بإسقاط حقها كي لا تستمر الزوجية مشكوكاً فيها زمناً.
: - قد عرفت أن الرجل هو الذي يملك الطلاق دون المرأة. وذلك لأمرين:

الحالة الثانية: أن لا يعلم الحاكم فلا يوقفها الخ، وفي هذه الحالة يسقط اختيارها بعد مضي المدة وعلى كلتا الحالتين يجب على الزوج أن لا يقربها، إذا لا يحل الاستمتاع بامرأة مشكوك في بقاء عصمتها، وهل يسقط حقها إذا قامت من المجلس. أو لا؟ خلاف فبعضهم يقول: إذا خيرها تخييراً مطلقاً غير مقيد بالزمان أو ملكها تمليكاً مطلقاً لا يبقى خيارها أو تمليكها إلا في المجلس الذي خيرها فيه بحيث لو تفرقا بطل، على إنه إذا لم يتفرقا في المجلس ولكن مضى زمن يمكنها أن تختار فيه ولم تفعل سقط خيارها، وكذا إذا بقيا في المجلس ولكن فعلت ما يدل على الاعراض بطل خيارها، وهذا هو الراجح، وبعضهم يقول: لا يبطل تخييرها ولا تمليكها، وإن طال الزمن أو تفرقا من المجلس. ومن الأحكام المشتركة بينهما أن إذا خير زوجته وملكها، ثم أبانها بخلع أو بطلاق بائن، ثم ردها إلى عصمته ثانياً فإنه يبطل تخييرها أو تمليكها لأنها رجعت له باختيارها فأبطلت ما ملكته أولاً. أما إذا طاقها طلقه رجعية ثم راجعها فإن تخييرها لا يبطل لأن الرجعة لا تتوقف على رضاها، ومنها أنه إذا خيرها أو ملكها، فنقلت أثاث المنزل إلى دار أبيها، فإن نقلت الأثاث الذي ينقل بعد الطلاق كان طلاقاً، وإلا فلا، إلا إذا نوت به الطلاق، فإنه يكون طلاقاً بلا خلاف، وهو وإن كان فعلاً ولكن قد انضم إليه من قرينة التمليك أو التخيير ما يجعله كالصريح ومنها أنه إذا خيرها أو ملكها وأجابت بكلام يحتمل الطلاق ويحتمل البقاء في عصمته فإنها تؤمن بتفسيره ويقبل منها التفسير الذي تقرره، مثلاً إذا قال لها: اختاري فقالت: قبلت أو قالت: اخترت، أو قال لها: أمرك بيدك، فقالت: قبلت أمري أو قبلت ما ملكتني، ففي هذه الحالة تلزم ببيان غرضها، فإن قالت: أردت بقولي قبلت البقاء في عصمة زوجي أو اخترت البقاء في عصمته فإنها تبقى على عصمته، وإن قالت: أردت الطلاق، أو اخترت نفسي طلقت، وإن قالت أردت قبول التمليك أو التخيير بدون تعرض الطلاق وعدمه، بقيت على ما هي عليه من التمليك والتخيير ويحال بينهما حتى تجيب، كما تقدم، ومنها أن الزوج المخير أو المملك إذا قال: لم أرد بالتخيير أو التمليك طلاقاً أصلاً سقط حقه في الاعتراض ولزمه ما أوقعته سواء مدخولاً بها أو لا والمخيرة غير المدخول بها، لأنها هي التي له عليها حق الاعتراض كما ستعرفه بعد هذا، فإذا قال بعد ذلك إن ذلك صدر منه سهواً، وإنه يريد به أنه نوى طلقة واحدة قبل منه قوله، وعاد له حق الاعتراض على المعتمد، وقيل لا يقبل منه قوله، ويلزمه ما أوقعته، وصحح هذا القول أيضاً، ومنها أن الزوجة إذا كانت غير مدخول بها، سواء كانت مخيرة أو مملكة وخيرها الزوج تخييراً مطلقاً غير مقيد بواحدة أو ثنتين أو ثلاث، كأن قال لها: اختاري نفسك أو ملكها كذلك تمليكاً مطلقاً كأن قال لها: أمرك بيدك وطلقت نفسها ثلاثاً فإن للزوج الملك أو المخير الحق في الاعتراض على ذلك وعدم الاعتراف بما زاد على ما نواه ويعبر عنه الفقهاء المالكية بالمناكرة، فيقولون: للزوج الحق في مناكرتها، أي في عدم الاعتراف بما فعلته من زيادة أما المدخول بها فإن كانت مخيرة فلا حق له في مناكرتها مطلقاً، وإن كانت مملكة فله الحق في مناكرتها، وهنا يفترقان في الحكم كما يأتي.

وإذا قالت: طلقت نفسي، أو طلقت زوجي ولم تقل ثلاثاً، فإنها تسأل عن غرضها، سواء كانت في المجلس، أو قامت منه، وسواء مضى زمن طويل كالشهرين، أو لا لأن جوابها يحتمل نية الثلاث ونية غيرها، فإذا قالت الثلاث أردت، فإن كانت مملكة كان له الحق في مناكرتها وعدم الاعتراف إلا بطلقة واحدة، سواء كانت مدخولاً بها أو لا، وكذا إذا كانت مخيرة غير مدخولاً بها فإن له الحق في مناكرتها كما تقدم أما إذا كانت مدخولاً بها فإنه يلزمه ما أوقعته إذ لا حق له في مناكرتها، وإذا قالت: أردت طلقة واحدة، فإن كانت مدخولاً بها مخيرة بطل تخييرها ولا يلزمه شيء، لأن التخيير معناه الإبانة، فهو قد خيرها في إبانة نفسها فاختارت عدم الإبانة والبقاء في عصمته، فبطل تخييرها ولأن المخيرة المدخول بها ليس لها أن توقع غير الثلاث فإن أوقعت أقل بطل تخييرها، وإن كانت مخيرة مدخولاً بها لزمته الواحدة التي أرادتها، وكذا إن كانت مملكه، سواء مدخولاً بها أو لا فإنه يلزمه الواحدة التي أرادتها.
وإذا قالت: لم أرد بقولي طلقت نفسي عدداً معيناً ففي ذلك خلاف، فبعضهم يقول: يحمل قولها على إرادة الثلاث، فإن كانت مخيرة مدخولاً بها لزمته الثلاث بدون مناكرة وإن كانت غير مدخول بها كان له الحق في المناكرة فإن لم يناكر لزمه الثلاث أيضاً، وإن كانت مملكة لزمه الثلاث إن لم يناكر، وله الحق في المناكرة سواء كانت مدخولاً بها أولا، وهذا هو الراجح. وبعضهم يقول يحمل على الواحدة، فإن كانت مخيرة مدخولاً بها بطل تخييرها، وإن كانت غير مدخول بها لزمته الواحدة وكذا تلزم الواحدة في المملكة مطلقاً، سواء كانت مدخولاً بها أو لا.
هذا، وإنما يكون للزوجة الحق في مناكرة المخيرة غير المدخول بها، والمملكة المدخول بها بشروط خمسة:
أحدها: أن ينوي ما يدعيه من الواحدة أو الاثنتين عند تخييرها، فإن نوى واحدة له أن لا يعترف بالاثنتين وإن نوى ثنتين فله أن لا يعترف بالثالثة.

ثانيها: أن يبادر إلى دعواه بعدم الاعتراف فإن تأخر زمناً يمكنه أن يدعي فيه سقط حقه. ثالثها: أن يحلف أنه نوى الواحدة أو الاثنتين عند التخيير، فإن نكل عن اليمين سقط حقه ولا ترد عليها اليمين. رابعها: أن لا يكرر قوله اختاري ونحوه، فإن كرره وطلقت نفسها ثلاثاً لزمته إلا أن يقول إنه نوى بالتكرار التأكيد فإن له أن لا يعترف بأكثر مما نواه.

خامسها: أن لا يشترط التخيير أو يتبرع به الزوج في العقد فإن اشترطت عليه أن يكون لها الخيار أو يكون أمرها بيدها في العقد أو يتبرع به في العقد من تلقاء نفسه وطلقت نفسها ثلاثاً لزمته ولا حق له في عدم الاعتراف بما أوقعته أما إن تبرع لها بالتخيير أو التمليك بعد العقد فله أن لا يعترف بما أوقعته فإذا كتب في وثيقة الزواج أمرها بيدها إن تزوج عليها ولم يبين إن كان هذا صدر من الزوج في العقد باشتراطها أو تبرعه، ففي ذلك خلاف، فقيل: يحمل على أنه صدر في العقد ويلزمه الاعتراف بجميع ما أوقعته وقيل: يحمل على أنه تطوع به الزوج فله حق عدم الاعتراف. ومن الأحكام المختصة بالتخيير أنه قد اختلف فيه، فقيل: مكروه لأنه موضوع للثلاث، والطلاق الثلاث مكروه، وقيل جائز لأنه وإن كان موضوعاً للثلاث في غير المدخول بها ولكنه لم يجزم فيه بالثلاث لأن المرأة قد تختار زوجها، فالصحيح أنه جائز، أما التمليك فإن قيد بالثلاث كان مكروهاً وإلا فهو مباح اتفاقاً، ومنها أنه إذا قال لزوجته - سواء كانت مدخولاً بها أو لا - اختاري في واحدة، كان معناه اختاري المفارقة في مرة واحدة، والمفارقة في مرة واحدة تصدق بالثلاث، فيحتمل أنه أراد المفارقة في مرة واحدة، والمفارقة بالواحدة، ويحتمل أيضاً أن تكون - في - زائدة، والمعنى اختاري طلقة واحدة، فإن أوقعت ثلاثاً وادعى أنه نوى واحدة حلف اليمين على ذلك، لأن اللفظ محتمل لإرادة الثلاث، فإن حلف لزمته طلقة واحدة رجعية إذا كانت مدخولاً بها، وإن نكل لزمه ما أوقعته، ولا ترد اليمين عليها لأنها يمين تهمة، فإنه متهم على إرادة الثلاث، ويمين التهمة لا ترد في الخصم.
وكذا إذا قال لها: اختاري في أن تطلقي نفسك أو تقيمي، فقالت: اخترت ثلاثاً، وادعى أنه أراد واحدة، حلف على ذلك، فإن حلف لزمته واحدة، وإلا لزمه ما أوقعته، وذلك لأن ضد الإقامة معه مفارقته بالبينونة، فلما قال: أو تقيمي احتمل كلامه أنه لم يرد حقيقة الطلقة التي صرح بها فيحلف على ذلك، أما إذا قال لها: اختاري في أن تطلقي نفسك، ولم يقل: أو تقيمي فأوقعت ثلاثاً وادعى أنه أراد واحدة، كان القول له بدون يمينه، وكذا إذا قال لها: اختاري في طلقة، فاختارت ثلاثاً فإنه لا يلزمه إلا واحدة بدون يمين، ومن باب أولى إذا قال لها: اختاري طلقة، فإنه لا يلزمه إلا واحدة ويبطل الزائد، أما إذا قال لها: اختاري تطليقتين فاختارت واحدة، فإنه يبطل ما قضت به، فلا تلزمه الواحدة لأنه خيرها في ثنتين، ولكن لا يبطل خيارها، فلها أن تختار بعد ذلك ثنتين أو تختار زوجها، وهذا بخلاف التمليك، فإنه إذا قال لها: ملكتك طلقتين أو ثلاثاً فقضت بواحدة لزمته واحدة، وإذا قال لها: اختاري من تطليقتين فاختارت أكثر فلا يلزمه إلا واحدة، ومنها أنه إذا خيرها تخييراً مطلقاً فاختارت واحدة بطل تخييرها إن كانت مدخولاً بها، كما تقدم قريباً، وهذا هو المشهور، وبعضهم يقول: إنه لا يبطل تخييرها ومثل ذلك ما إذا ملكها بشرط العدد، كأن قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً فطلقت نفسها واحدة أو ثنتين، فإن فيه خلافاً، فقيل: يبطل تمليكها، وقيل: لا
يبطل تمليكها وإنما يبطل ما أوقعته، ولها أن تطلق نفسها ثلاثاً وهذا هو الراجح عكس الأول.

للزوج أن ينيب زوجته أو غيرها في الطلاق عند الشافعية

الشافعية - قالوا: للرجل أن يفوض الطلاق لزوجته: ومعناه تمليكها الطلاق، كقوله لها: طلقي نفسك، ويشترط لإيقاعها الطلاق بالتفويض شرطان: أحدهما: أن يكون الطلاق منجزاً، فإذا كان معلقاً، كما إذا قال لها: إن جاء رمضان فطلقي نفسك، فإنه لا يصح ولا تملك الطلاق بذلك، ولا فرق بين أن يملكها الطلاق بلفظ صريح أو كناية، الأول كما مثلنا، الثاني كأن يقول لها: أبيني نفسك إن شئت، بشرط أن ينوي بذلك التفويض وتنوي الزوجة الطلاق، لأنه كناية ولا يقع بها شيء إلا مع النية، ومن ذلك ما إذا قال لها: اختاري نفسك، فإنه يصح أن يكون كناية عن اختيارها الطلاق، فكأنه قال لها: اختاري طلاق نفسك.

ثانيها: أن تطلق نفسها فوراً، فلو أخرته بقدر ما ينقطع به القبول عن الإيجاب، لا يقع الطلاق، وقال بعضهم: لا يضر الفصل بكلام يسير، فلو قال لها: طلقي نفسك، فقالت له: كيف أطلق نفسي؟ فقال لها: قولي: طلقت نفسي فقالت: ولا يضر ذلك الفصل على المعتمد، ومحل اشتراط الفورية إذا لم يقل: طلقي نفسك متى شئت، فإذا قال لها ذلك كان لها الحق في تطلق نفسها في أي وقت.
والتفويض للمرأة كالتوكيل، فيجوز له الرجوع عنه قبل تطليق نفسها، وإذا قال لها: طلقي نفسك بألف، فطلقت بانت منه بالألف، وإن قال لها: طلقي نفسك ونوى عدداً، ونوت هي أقل منه أو أكثر منه وقع ما اتفقا عليه من ذلك العدد، فإن قال لها: طلقي نفسك ونوى بها ثلاثاً فقالت: طلقت نفسي، ونوت ثنتين وقع الثنتان، وذلك لأن كلاً منهما نوي الثنتين، فإن الذي نوى ثلاثاً نوي الثنتين ضمناً. وإن قال لها: طلقي نفسك ونوى واحدة، ونوت ثنتين وقعت واحدة، لأنها هي التي اتفق على نيتها، وإن لم ينويا شيئاً، أو لم ينو أحدهما شيئاً وقعت طلقة واحدة.

وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً فطلقت نفسها واحدة وقعت الواحدة، ولها الحق في أن تطلق نفسها الثانية والثالثة على الفور ولو راجعها، وإذا قال لها طلقي نفسك واحدة فطلقت ثلاثاً وقعت واحدة، وألغي الاثنتان، وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت ولم تذكر عدداً ولا نوته وقع الثلاث.

وله أيضاً أن ينيب عنه غيره في تطليق زوجته، كما تقدم في مباحث الوكالة، جزء ثالث وله أيضاً أن يوكله في الخلع، ولو قدر لو كيله مالاً فخالعها على أقل منه لم تطلق، كما لو خالعها على غير الجنس الذي بينه له، وإن أطلق له التوكيل فخالعها على أقل من مهر المثل، فإنها تطلق بمهر المثل. وكذا للزوجة أن توكل عنها في الخلع، فإذا قدرت لموكلها مالاً وزاد عليه، وأضاف الخلع إليها كأن قال لها: خالعها من مالها وبوكالتها بانت بمهر المثل تدفعه هي:
أما إذا لم يصف الزيادة إليها لزمته هو لجواز أن يكون زادها من نفسه، وصح توكيل كافر ولو في خلع مسلمة، وصح للزوج أن يوكل المحجور عليه لسفه، ولو لم يأذنه وليه، بخلاف الزوجة.
): - قد عرفت أن الرجل هو الذي يملك الطلاق دون المرأة. وذلك لأمرين:

للزوج أن ينيب زوجته أو غيرها في الطلاق عند الحنابلة

الحنابلة - قالوا: للزوج أن ينيب عنه غيره في الطلاق،سواء كان النائب الزوجة أو غيرها، والنيابة في الطلاق توكيل على حال، سواء كانت بلفظ يدل على تمليك الطلاق، كقوله لها: طلقي نفسك، أو أمرك بيدك، أو كانت بلفظ التخيير، فللزوج أن يرجع عن النيابة قبل تطليق نفسها بأن يعزلها أو يعزل الأجنبي الذي أنابه، أو يعمل عملاً يدل على الرجوع، كأن يطأ زوجته، على أن لكل من ألفاظ التمليك أحكاماً تتعلق بها، فأما الأمر باليد، وهو أن يقول لها: أمرك بيدك أو يقول الأجنبي أمر زوجتي بيدك فهو كناية طاهرة، فإذا نوى بها الزوج الطلاق وقع في الحال وإن لم تقبل الزوجة، وإن لم ينو الطلاق، في الحال، بل نوى تفويض الطلاق للزوجة، فإن قبلته بلفظ الكناية، كقولها: اخترت نفسي لا يقع إلا بنية الطلاق منها، وإن قبلته بلفظ الصريح، كقولها: طلقت نفسي وقع بدون نية منها، ثم إن لفظ الأمر باليد يجعل لها الحق في أن تطلق نفسها ثلاثاً في المجلس وبعد المجلس ولو مضى زمن طويل ما لم يرجع قبل أن تطلق نفسها، فكأنه قال لها: طلقي نفسك ما شئت، وإذا قال: أردت واحدة لا يقبل منه ومثل ذلك ما إذا قال لغير الزوجة أمر زوجتي بيدك، أما إذا قال لها: طلقي ولم يقل متى شئت، فإنه يكون لها الحق في أن تطلق نفسها متى شاءت، لأنه لا يشترط فيه الفور، كما لا يشترط في قوله أمرك بيدك وهو توكيل من الزوج فله يرجع عنه بفسخه أو وطئها، كما تقدم، وتملك بذلك تطليق نفسها طلقة واحدة لا ثلاثاً عكس قوله لها: أمرك بيدك إلا أنم ينوي بذلك أكثر من واحدة، فإنه يقع ما نواه، وإذا قال لها:طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت نفسي، ولم تقل ثلاثاً، لا يقع عليها الثلاث إلا إذا نوتها، كما إذا قال الزوج طلقتك، ونوى به ثلاثاً، فإن لم تنو الثلاث وقعت واحدة، أما إذا قال لها: طلاقك بيدك أو وكلتك في الطلاق، فإنه يكون لها الحق في أن تطلق نفسها ثلاثاً، لأن ذلك بمنزلة قوله أمرك بيدك.

ويشترط في ايقاعها الطلاق أن تقول: طلقت نفسي، أو أنا منك طالق، فإن قالت وأنا طالق لم يقع. وكذا إذا قالت أنت طالق، أو أنت مني طالق، أو طلقتك فإنه لا يقع، بل لا بد من إضافة الطلاق إلى نفسها. أو إليها معاً كما يقول الحنفية.

إما إذا قال لها اختاري نفسك فليس لها إلا أن تطلق واحدة رجعية كما إذا قال لها طلقي نفسك، إلا إذا قال اختاري ماشئت، أو اختاري الطلقات إن شئت، فإنها بذلك تملك الثلاث، وكذا إذا نوى عدد اثنتين أو ثلاثاً، فإنها تملك ما نواه، وإذا نوى الزوج ثلاثاً فواحدة، أو ثنتين وقع ما طلقته دون نظر إلى نيته، وإذا كرر لفظ اختاري، فقال: اختاري اختاري، اختاري، فإن نوى به عدداً وقع ما نواه وإلا لزمته واحدة، ويشترط في إيقاع الطلاق بالاختيار شروط:

أحدها: أن ينوي الزوج به الطلاق، أو تفويض الطلاق للزوجة، فإن نوى به الطلاق وقع في الحال بدون حاجة إلى قبولها، لأنه كناية خفية، وقد نوى به الطلاق، أما إذا نوى به التفويض فإنه لا يقع إلا إذا أجابت الزوجة، فإن أجابت بالكناية كقوله اخترت نفسي لا يقع إلا بالنية وإن أجابت بالصريح كقولها طلقت نفسي وقع بدون نية منها، كما تقدم في الأمر باليد.
ثانيها: أن تطلق نفسها في المجلس، فإن تفرقا قبل اختيار نفسها بطل تخييرها.
ثالثها: أن لا يتشاغلا في المجلس بقول أو فعل أجنبي يقطع الخيار، إلا أن يجعل الزوج الخيار في زمن موسع كأن يقول لها: اختاري نفسك أسبوعاً، أو يوماً، أو شهراً، أو نحو ذلك فإنها تملك الخيار في المدة التي حددها.

ويقطع الخيار في المجلس أن يقوما معاً، أو يقوم أحدهما، أو يتكلما بكلام أجنبي يدل على الاعراض، أو كان أحدهما قائماً فركب، أو مشى، أما إن كان قائماً فقعد فإنه لا يبطل أو كانت قاعدة فاتكأت فإنه لا يبطل، وإذا كانت راكبة فسارت بطل ولا يبطل بالأكل اليسير والتسبيحات القليلة وبطلب الشهود.
وإذا جعله لها على التراخي، بأن قال لها: اختاري متى شئت، أو إذا شئت فإنه يصح).


EmoticonEmoticon