Saturday, April 6, 2013

الباب الأول والثاني و الثالث والرابع والخامس من علم التجويد للجزري

Tags

الباب الأول والثاني و الثالث والرابع والخامس من علم التجويد للجزري


الباب الأول والثاني و الثالث والرابع والخامس من علم التجويد للجزري
كتاب التمهيد في علم التجويد للجزري

محتويات

الباب الأول : في ذكر قراءة هؤلاء القراء في هذا الزمان

إن مما ابتدع الناس في قراءة القران أصوات الغناء ، وهي التي أخبر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها ستكون بعده، ونهى عنها ويقال إن أول ما غني به من القرآن قوله عز وجل أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر ، نقلوا ذلك من تغنيهم بقول الشاعر
أما القطاة فإني سوف أنعتها نعتًا يوافق عندي بعض ما فيها

وقد قال رسول الله في هؤلاء : مفتونه قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم .
وابتدعوا أيضاً شيئاً سموه الترقيص ، وهو أن يروم السكت على الساكن ثم ينفر مع الحركة في عدو وهرولة .
وآخر سموه الترعيد وهو أن يرعد صوته كالذي يرعد من برد وألم ، وقد يخلط بشيء من ألحان الغناء .
وآخر يسمى التطريب ، وهو أن يترنم بالقرآن و يتنغم به ، فيمد في غير مواضع المد، ويزيد في المد على ما ينبغي لأجل التطريب ، فيأتي بما لا تجيزه العربية . كثر هذا الضرب في قراء القرآن .
وآخر يسمى التحزين وهو أن يترك طباعه وعادته في التلاوة ، ويأتي بالتلاوة على وجه آخر ، كأنه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع ، ولا يأخذ الشيوخ بذلك ، لما فيه من الرياء .

وآخر أحدثه هؤلاء الذين يجتمعون فيقرءون كلهم بصوت واحد ، فيقولون في نحو قوله : أفلا يعقلون ، أو لا يعلمون : أفل يعقلون ، أول يعلمون ، فيحذفون الألف ، وكذلك يحذفون الواو فيقولون : قال' آمنا ، والياء فيقولون : يوم الدن في يوم الدين . ويمدون ما لا يمد ، ويحركون السواكن التي لم يجز تحريكها ، ليستقيم لهم الطريق التي سلكوها ، وينبغي أن يسمى هذا التحريف .
وأما قراءتنا التي نقرأ ونأخذ بها ، فهي القراءة السهلة المرتلة العذبة الألفاظ ، التي لا تخرج عن طباع العرب وكلام الفصحاء ، على وجه من وجوه القراءات ، فنقرأ لكل إمام بما نقل عنه ، من مد أو قصر أو همز أو تخفيف همز أو تشديد أو تخفيف أو إمالة أو فتح أو إشباع أو نحو ذلك .

فصل فيما يستفاد من تهذيب الألفاظ و الثمرة الحاصلة من تقويم اللسان

اعلم أن المستفاد بذلك حصول التدبر لمعاني كتاب الله تعالى ، و التفكر في غوامضه ، و التبحر في مقاصده ، و تحقيق مراده - جل اسمه - من ذلك .فانه تعالى قال : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ، وذلك أن الألفاظ إذا أجليت على الأسماع في أحسن معارضها ، وأحلى جهات النطق بها ، حسب ما حث عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله : زينوا القرآن بأصواتكم - كان تلقي القلوب وإقبال النفوس عليها بمقتضى زيادتها في الحلاوة و الحسن ، على ما لم يبلغ ذلك المبلغ منها ، فيحصل حينئذ الامتثال لأوامره ، والانتهاء عن مناهيه ، و الرغبة في وعده ، و الرهبة من وعيده ، و الطمع في ترغيبه ، والارتجاء بتخويفه ، و التصديق بخبره ، و الحذر من إهماله ، ومعرفة الحلال و الحرام . وتلك فائدة جسيمة ، ونعمه لايهمل ارتباطها إلا محروم ، ولهذا المعنى شرع الإنصات إلى قراءة القرآن في الصلاة وغيرها ، وندب الإصغاء إلى الخطبة في يوم الجمعة ، وسقطت القراءة عن المأموم ما عدا الفاتحة ، ومن أجل ذلك دأب الأئمة في السكوت على التام من الكلام ، أو ما يستحسن الوقف عليه ، لما في ذلك من سرعة وصول المعاني إلى الأفهام ، واشتمالها عليها ،بغير مقارعة للفكر ، ولا احتمال مشقة لا فائدة فيها غير ما ذكرناه . وبالله التوفيق

الباب الثاني في معني التجويد


فصل في معني التجويد و التحقيق و الترتيل

أما التجويد فهو مصدر من جود تجويدا إذا أتى بالقراءة مجودة الألفاظ ، بريئة من الجور في النطق بها . ومعناه انتهاء الغاية في إتقانه ، وبلوغ النهاية في تحسينه ، ولهذا يقال جود فلان في كذا إذا فعل ذلك جيداً ، والاسم منه الجودة .
فالتجويد هو حلية التلاوة ، وزينة القراءة ، و هو إعطاء الحروف حقوقها ، وترتيبها مراتبها ، ورد الحرف إلى مخرجه و أصله ، وإلحاقه بنظيره وشكله ، وإشباع لفظه ، وتلطيف النطق به ، على حال صيغته وهيئته ، من غير إسراف ولا تعسف ، ولا إفراط ولا تكلف ، قال الداني : ليس بين التجويد وتركه إلا رياضة لمن تدبره بفكه .

وأما التحقيق فهو مصدر من حقق تحقيقاً ، إذا أتى بالشيء على حقه ،وجانب الباطل فيه ، والعرب تقول : بلغت حقيقة هذا الأمر ، أي بلغت يقين شأنه ، والاسم منه الحق . ومعناه أن يؤتى بالشيء على حقه ، من غير زيادة فيه ولا نقصان منه .
وأما الترتيل فهو مصدر من رتل فلان كلامه ، إذا أتبع بعضه بعضاً على مكث ، والاسم منه الرتل ، والعرب تقول : ثغر رتل ، إذا كان مفرقاً لم يركب بعضه بعضاً ، قال صاحب العين : رتلت الكلام تمهلت فيه . وقال الأصمعي : في الأسنان الرتل ، وهو أن يكون بين الأسنان الفرج ، لا يركب بعضها بعضاً . وحده : ترتيب الحروف على حقها في تلاوتها ، بتلبث فيها .

فصل في معني و رتل القرآن ترتيلا

سئل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن هذه الآية ، فقال : الترتيل هو تجويد الحروف ، ومعرفة الوقوف .
وروى ابن جريج ، عن مجاهد ، أنه قال : أي ترسل فيه ترسلاً . وروى جبير عن الضحاك : أي أنبذه حرفاً حرفاً . وروى مقسم عن ابن عباس : أي بينه تبيينا . وقال علماؤنا : أي تلبث في قراءته ، وأفصل الحرف من الحرف الذي بعده ، ولا تستعجل فتدخل بعض الحروف في بعض . ولم يقتصر - سبحانه وتعالى - على الأمر بالفعل حتى أكده بمصدره ، تعظيما لشأنه ، وترغيبا في ثوابه . وقال تعالى ورتلناه ترتيلاً أي أنزلناه على الترسل ، وهو المكث ، وهو ضد العجلة ، وقال تعالى : وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث أي على ترسل

فصل في الفرق بين التحقيق و الترتيل

الترتيل يكون للتدبر والتفكر والاستنباط . والتحقيق يكون لرياضة الألسن ، وترقيق الألفاظ الغليظة ، وإقامة القراءة ، وإعطاء كل حرف حقه ، من المد والهمز والإشباع والتفكيك ، ويؤمن معه تحريك ساكن واختلاس حركه . وتفكيك الحروف وفكها بيانها وإخراج بعضها من بعض بيسر وترسل ، ومن ذلك فك الرقبة ، وفك الأسير ، لأنه إخراجهما من الرق والأسر ، وكذا فك الرهن هو إخراجه من الارتهان ، وفك الكتاب هو استخراج ما فيه ، وفك الأعضاء هو إخراجها من مواضعها . قال الداني : الفرق بين الترتيل والتحقيق أن الترتيل يكون بالهمز وتركه والقصر لحرف المد والتخفيف والاختلاس ، وليس ذلك في التحقيق . وكذا قال أبو بكر الشذائي

فصل في كيفية التلاوة

كتاب الله تعالى يقرأ بالترتيل و التحقيق ، وبالحدر و التخفيف وبالهمز وتركه ، وبالمد وقصره ، وبالبيان والإدغام ، وبالإمالة و التفخيم . وإنما يستعمل الحدر و الهدرمة وهما سرعة ( القراءة ) . مع تقويم الألفاظ ، وتمكين الحروف ، لتكثر حسناته ، إذ كان له بكل حرف عشر حسنات . وأن ينطق القارئ بالهمز من غير لكز ، و المد من غير تمطيط ، و التشديد من غير تمضيغ و الإشباع من غير تكلف . هذه القراءة التي يقرأ بها كتاب الله تعالى

فصل في ذكر قراءة الأئمة

عن أبي جعفر أحمد بن هلال، قال: حدثني محمد بن سلمة العثماني، قال: إني قلت لورش: كيف كان يقرأ نافع؟ فقال: كان لا مشدداً ولا مرسلاً، بينا حسناً.
وقال ابن مجاهد: كان أبو عمرو سهل القراءة، غير متكلف، يؤثر التخفيف ما وجد إليه السبيل.
ووصف الشذائي قراءة أئمة القراءة السبعة، فقال: أما صفة قراءة ابن كثير فحسنة مجهورة، بتمكين بين.

وأما صفة قراءة نافع فسلسلة، لها أدنى تمديد. وأما صفة قراءة عاصم فمترسلة جريشة ذات ترتيل، وكان عاصم نفسه موصوفاً بحسن الصوت وتجويد القراءة.
وأما صفة قراءة حمزة فأكثر من رأينا منهم لا ينبغي أن تحكى قراءته لفسادها، ولأنها مصنوعة من تلقاء أنفسهم، وأما من كان منهم يعدل في قراءته حدراً وتحقيقاً فصفتها المد العدل والقصر والهمز المقوم والتشديد المجود، بلا تمطيط ولا تشديق، ولا تعلية صوت، ولا ترعيد، فهذه صفة التحقيق. وأما الحدر فسهل كاف، في أدنى ترتيل وأيسر تقطيع.
وأما وصف قراءة الكسائي فبين الوصفين في اعتدال.
وأما قراءة أصحاب ابن عامر فيضطربون في التقويم، ويخرجون عن الاعتدال.

وأما صفة قراءة أبي عمرو بن العلاء فالتوسط والتدوير، همزها سليم من اللكز، وتشديدها خارج عن التمضيغ، بترسل جزل بين سهل، يتلو بعضها بعضاً. قال: وإلى هذا كان يذهب أبو بكر بن مجاهد في هذه القراءة وغيرها، وبه قرأنا عليه، وله كان يختار، وبمثله كان يأخذ ابن المنادى، رحمة الله عليهما.

الباب الثالث : في أصول القراءة الدائرة علي اختلاف القراءات

وهي التسمية والبسملة ، والمد ، واللين ، والمط والقصر ، والاعتبار ، والتمكين ، والإشباع ، والإدغام ، والإظهار ، والبيان ، والإخفاء ، والقلب ، والتسهيل والتخفيف ، والتشديد ، والتثقيل ، والتتميم ، والنقل ، والتحقيق ، والفتح ، والفغر ، والإرسال ، والإمالة ، والبطح والإضجاع ، والتغليظ ، والترقيق ، والروم ، والإشمام ، والاختلاس .

البسملة: عبارة عن قول القارئ بسم الله الرحمن الرحيم وهي اسم مركب ، يقال بسمل الرجل بسملةً ، فهو مبسمل ، كما قالوا حوقل الرجل إذا قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وحيعل إذا قال : حي على الصلاة والتسمية هي البسملة نفسها ، يقال: سمى يسمى تسمية فهو مسم ، ويعبر عنها بالفصل .

والفصل أيضا عبارة عن مجال الإلف بين الهمزتين التقتا ، لمن له الفصل بينهما .
وأما المد فهو عبارة عن أصوات حروف المد واللين ، وهو نوعان : طبيعي وعرضي . فالطبيعي هو الذي لا تقوم ذات حرف المد دونه . والعرضي هو الذي يعرض زيادة على الطبيعي ، لموجب يوجبه ، يجيء في مكانه ، إن شاء الله تعالى .
وأما المط فهو المد نفسه ، لغة ثانية فيه .

وأما اللين فهو عبارة عما يجري من الصوت في حرف المد ، ممزوجا بالمد طبيعة وارتباطا ، لا ينفصل أحدهما في ذلك عن الآخر ، وهو أجرى في الواو والياء إذا انفتح ما قبلهما ، كما أن المد أجرى فيهما إذا انكسر ما قبل الياء ، وانضم ما قبل الواو .
وأما القصر فهو عبارة عن صيغة حرف المد واللين ، وهو المد الطبيعي .

وأما الاعتبار فهو عبارة عنه في بعض القراءات ، وذلك أن بعضهم يعتبر المد واللين مع الهمزة ، فإن كانا منفصلين لم يزد شيئا على الصيغة .
وأما التمكين فهو عبارة عن الصيغة ( أيضا وقد ) يعبر به عن المد العرضي ، يقال منه مكن ، إذا أريدت الزيادة .
وأما الإشباع فهو عبارة عن إتمام الحكم المطلوب من تضعيف الصيغة لمن له ذلك ، ويستعمل أيضا ويراد به أداء الحركات كوامل غير منقوصات ولا مختلسات .

وأما الإدغام فهو عبارة عن خلط الحرفين وتصييرها حرفا واحدا مشددا وكيفية ذلك أن يصير الحرف الذي يراد إدغامه حرفا على صورة الحرف الذي يدغم فيه ، فإذا تصير مثله حصل حينئذ مثلان ، وإذا حصل مثلان وجب الإدغام حكما إجماعيا ، فإن جاء نص بإبقاء نعت من نعوت الحرف المدغم فليس ذلك الإدغام بإدغام صحيح ، لأن شروطه لم تكمل ، وهو بالإخفاء أشبه ، قال أبو الأصبغ : وقد أطلق عليه هذا الاسم بعض علمائنا ، وهو قول شيخنا أبي العباس رحمه الله .
وأما الإظهار فهو ضد الإدغام ، وهو أن يؤتى بالحرفين المصيرين جسما واحدا منطوقا بكل واحد منهما على صورته ، موفىً جميع صفته ، مخلصاً إلى كمال بنيته .

وأما البيان فهو عبارة أخرى بمعنى الإظهار.
وأما الإخفاء فهو عبارة عن إخفاء النون الساكنة والتنوين عند أحرفهما، وسيأتي الكلام عليه، وحقيقته أن يبطل عند النطق به الجزء المعمل، فلا يسمع إلا صوت مركب على الخيشوم.
ويستعمل أيضاً عبارة عن إخفاء الحركة، وهو نقصان تمطيطها.

وأما القلب فهو عبارة عن الحكم المشهور من الأحكام الأربعة المختصة بالنون الساكنة والتنوين، وهو إبدالهما عند لقائهما الباء ميماً خالصة، تعويضاً صحيحاً لا يبقى للنون والتنوين أثر، ويتصرف القلب عبارة عن بعض أحكام التسهيل.
وأما التسهيل فهو عبارة عن تغيير يدخل الهمزة، وهو على أربعة أقسام: بين بين، وبدل، وحذف، وتخفيف. فأما بين بين فهو نشوء حرف بين همزة وبين حرف مد. وأما البدل فهو إقامة الألف والياء والواو مقام الهمزة عوضاً منها. وأما الحذف فهو إعدامها، دون أن يبقى لها صورة.

وأما التخفيف فهو عبارة عن معنى التسهيل، وعن حذف الصلات من الهاءات، وعن فك الحرف المشدد القائم عن مثلين، ليكون النطق بحرف واحد من الضعفين، خفيف الوزن، عارياً من الضغط، عاطلاً في صناعة الخط من علامة الشد، التي لها صورتان في النقط.
وأما التشديد فهو ضد هذا التخفيف الذي صيغ بالفك، فيكون النطق بحرف لز بموضعه، فاندرج لتضعيف صيغته شديد الفك.
وأما التثقيل فهو عبارة عن رد الصلات إلى الهاءات.

وأما التتميم فهو عبارة عن حكم يتصرف عند الحذف أحد الأقسام في التسهيل، وهو تعطيل الحرف المتقدم للهمزة من شكله وتحليته بشكل الهمزة، في حالتي الأداء في الوقف والوصل.
وأما التحقيق فهو عبارة عن ضد التسهيل، وهو الإتيان بالهمزة أو بالهمزتين خارجات من مخارجهن مندفعات عنهن، كاملات في صفاتهن.
وأما الفتح فهو عبارة عن النطق بالألف مركبة على فتحة خالصة غير ممالة، وحده أن يؤتى به على مقدار انفتاح الفم، مثاله (قال) تركب صوت الألف على فتحة القاف، وهي فتحة خالصة لا حظ للكسر فيها، معترضة على مخرج القاف اعتراضاً، وحقيقته أن ينفتح الفم بالنطق بـ (قال) ونظير. كانفتاح الفم في (كان) ونظيره.
وأما الفغر فهو بالغين المعجمة، وهو بفتح الفاء وإسكان الغين، وهو عبارة قديمة بمعنى الفتح، قال أبو الأصبغ : وهو يقع في كتب الأوائل من علمائنا، وهو عبارة عن التغليظ.

وأما الإرسال فهو عبارة عن تحريك ياء الإضافة بحركة الألف، ويعبر عنه أيضاً بالفتح.
وأما الإمالة فهي عبارة عن ضد الفتح، وهي نوعان: إمالة كبرى وإمالة صغرى.
فالإمالة الكبرى عدها أن ينطق بالألف مركبة على فتحة تصرف إلى [الكسر كثيراً. والإمالة الصغرى حدها أن ينطق بالألف مركبة على فتحة تصرف إلى] الكسرة قليلاً. والعبارة المشهورة في هذا بين اللفظين، أعني بين الفتح الذي حددناه، وبين الإمالة الكبرى. والبطح والإضجاع عبارتان بمعنى الإمالة الكبرى.

وأما التغليظ فهو عبارة عن ضد التغليظ، وهو نحول يدخل على جسم الحرف فلا يملأ صداه الفم ولا يغلقه، وهو نوعان: ترقيق مفتوح، وترقيق غير مفتوح، وهو الإمالة على نوعيها، فكل فتح ترقيق، وليس كل ترقيق فتحاً، وكل إمالة ترقيق، وليس كل ترقيق إمالة. وأما الروم فهو عبارة عن النطق ببعض الحركات، حتى يذهب معظم صوتها، فتسمع لها صويتاً خفياً، يدركه الأعمى بحاسة سمعه دون الأصم.
وأما الإشمام فهو عبارة عن ضم الشفتين بعد سكون الحرف من غير صوت، ويدرك ذلك الأصم دون الأعمى.ويعبر عنه ويراد به خلط حرف بحرف في نحو (الصراط) و (أصدق).

وأما الاختلاس فهو عبارة عن الإسراع بالحركة، إسراعاً يحكم السامع له أن الحركة قد ذهبت، وهي كاملة في الوزن.

الباب الرابع في ذكر اللحن و أقسامه

فصل في بيان اللحن في اللغة

اعلم أن اللحن يستعمل في الكلام على معان. يستعمل بمعنى اللغة، ومن ذلك: لحن الرجل بلحنه، إذا تكلم بلغته. ولحنت أنا له ألحن، إذا قلت له ما يفهمه عني ويخفى على غيره، وقد لحنه عني يلحنه لحناً إذا فهمه، وألحنت أنا إياه إلحاناً. واللحن الفطنة ويقال منه: رجل لحن أي فطن. وقد لحن يلحن إذا صرف الكلام عن وجهه، ويقال منه: عرفت ذاك في لحن قوله، أي في ما دل عليه كلامه، ومنه قوله تعالى ولتعرفنهم في لحن القول . والله أعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد نزول هذه الآية كان يعرف المنافقين إذا سمع كلامهم، يستدل على أحدهم بما ظهر له من لحنه، أي من ميله في كلامه. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: لعل بعضكم ألحن في حجته نم بعض ، أي أفطن لها وأشد انتزاعاً.

واللحن الضرب من الأصوات الموضوعة، وهو مضاهاة التطريب، كأنه لاحن ذلك بصوته، أي شبهه به، ويقال منه: لحن في قراءته، إذا طرب فيها وقرأ بألحان.
واللحن الخطأ ومخالفة الصواب، وبه سمي الذي يأتي بالقراءة على ضد الإعراب لحاناً، وسمي فعله اللحن، لأنه كالمائل في كلامه عن جهة الصواب، والعادل عن قصد الاستقامة، قال الشاعر:
فزت بقدمي معرب لم يلحن
وهذا المعنى الذي قصدت الإبانة عنه

فصل في حد اللحن و حقيقته في العرف و الوضع

اعلم أن اللحن على ضربين: لحن جلي، ولحن خفي، ولكل واحد منهما حد يخصه، وحقيقة بها يمتاز عن صاحبه.
فأما اللحن الجلي فهو خلل يطرأ على الألفاظ، فيخل المعنى والعرف، وخلل يطرأ على الألفاظ فيخل بالعرف دون المعنى. وأما اللحن الخفي فهو خلل يطرأ على الألفاظ فيخل بالعرف دون المعنى.
وبيان ذلك أن الجلي المخل بالمعنى والعرف هو تغيير بعض الحركات عما ينبغي، نحو أن تضم التاء في قوله تعالى: أنعمت عليهم أو تكسرها، أو تفتح التاء في قوله: ما قلت لهم . والقسم الثاني من الجلي المخل بالعرف دون المعنى نحو رفع الهاء ونصبها من قوله تعالى: الحمد لله .

واللحن الخفي هو مثل تكرير الراءات، وتطنين النونات، وتغليظ اللامات وإسمانها وتشريبها الغنة، وإظهار المخفى وتشديد الملين، وتليين المشدد، والوقف بالحركات كوامل، مما سنذكره بعد. وذلك غير مخل بالمعنى، ولا مقصر باللفظ، وإنما الخلل الداخل على اللفظ فساد رونقه وحسنه وطلاوته، من حيث إنه جار مجرى الرتة واللثغة، ( كالقسم الثاني من اللحن الجلي، لعدم إخلالهما بالمعنى ).
وهذا الضرب من اللحن، وهو الخفي لا يعرفه إلا القارئ المتقن، والضابط المجود، الذي أخذ عن أفواه الأئمة، ولقن من ألفاظ أفواه العلماء الذين ترتضى تلاوتهم ويوثق بعربيتهم فأعطى كل حرف حقه، ونزله منزلته.

الباب الخامس : في ذكر ألفات الوصل و القطع

فصل في ذكر الألفات التي تكون في أوائل الأفعال

‏وإنما بدأنا بها قبل الأسماء لأن الأصول في الأسماء مشكلة، وفي الأفعال أبين وأوضح وأقرب على المتعلم.

مقدمة

إن سأل سائل: لم سميت الهمزة همزة وصل؟ فقل: لأنك إذا وصلت الكلام اتصل ما بعدها بما قبلها، وسقطت هي في اللفظ. فإن قلت: لم ثبتت خطاً وسقطت لفظاً؟ قلت: وجه إثباتها في الخط لأن الكتاب وضع على السكوت على كل حرف والابتداء بما بعده، فثبتت في الخط كما ثبتت إذا ابتدئ بها.

فصل

اعلم أن ألفات الأفعال تنقسم على ستة أقسام:
القسم الأول: ألف الأصل، ويبتدأ بها بالفتح في الماضي، وتعرفها بأن تجدها فاءً من الفعل ثابتة في المستقبل، وذلك نحو أتى أمر الله

القسم الثاني: ألف الوصل، وتعرفها بسقوطها في الدرج، وبحذفها في أول المستقبل، وهي مبنية على ما قبل آخر المستقبل. إن كان مكسوراً أو مفتوحاً كسرت، وإن كان مضموماً ضمت. مثال المكسورة إذا كان الثالث مكسوراً اهدنا ، الدليل على أنها ألف وصل لأنها تحذف في الدرج، وتسقط في المستقبل في قولك: (هدى يهدي)، فهذا ما يدل على أنها ألف وصل.

فإن قلت: لم دخلت في الابتداء وسقطت في الوصل؟ قلت: لأنا وجدنا الحرف الذي بعدها ساكناً، وهو الهاء في اهدنا والعرب لا تبتدئ بساكن، فأدخلت همزة يقع بها الابتداء. وأما حذفها في الوصل فإن الذي بعدها اتصل بالذي قبلها، فلم يكن لنا حاجة إليها. فإن قلت: أي شيء تسميها ألفاً أم همزة؟ قلت: اختلف النحويون في ذلك.

فقال الكسائي و الفراء و سيبويه هي ألف، وحجتهم أن صورتها صورة الألف، فلقبت ألفاً لهذا المعنى.
وقال الأخفش هي ألف ساكنة لا حركة لها كسرت في قوله: (اهدنا) وما أشبهه لسكونها وسكون ما بعدها.
وقال رحمه الله: وضموها في نحو قوله: اقتلوا وشبهه لأنهم كرهوا أن يكسروها وبعدها التاء مضمومة، فينقلون من كسر إلى ضم فضموها لضم الذي بعدها. قالوا: وهذا غلط، لأنها إذا كانت عنده ساكنة لا حركة لها فمحال أن يدخلها الابتداء، لأن العرب لا تبتدئ بساكن، ولا يجوز أن يدخل للابتداء حرف ينوى به السكون. وقال قطرب في ألف (اهدنا) وشبهها هي همزة كسرت فتركت. [أي حذفت وسقطت] وهذا غلط، لأن الهمزة إذا كانت في أول كلمة ثم وصلت بشيء قبلها كانت مهموزة وصلا كما تهمز ابتداء، نحو وأخذتم على ذلكم إصري فالهمزة في (إصري) ثابتة في الوصل إذا كانت عندهم همزة.

فإن قلت: لم كسرت في قوله (اهدنا) ونحوه؟ قلت: لأنها مبنية على ثالث المستقبل، وهو الدال في (يهدي). فإن قلت: لم لم تبنها على الأول أو على الثاني أو على الرابع؟ قلت لأن الأول زائد، لا ينبني عليه لزيادته، والثاني ساكن، لا ينبني عليه لسكونه، والرابع لا يثبت على إعراب واحد، وما قبل الآخر لا تتغير حركته.

فإن قلت: كيف تبتدئ بقوله استطاعوا و اسطاعوا قلت : بالكسر، لأن الأصل في المستقبل (يستطوع) فاستثقلوا الكسرة على الواو، فنقلوها إلى الطاء، فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وقد حذفوا التاء في (يستطيع) كما حذفوها من (استطاع) قال الشاعر:
والشعر لا يسطيعه من يطلبه يريد أن يعربه فيعجمه
فإن قلت: كيف تبتدئ في انشقت ؟ قلت: بالكسر. قيل: فأنت تقول في المستقبل (ينشق) فقل: مسلم، ولكن أصلها (ينشق) على وزن ينفعل، فاستثقلوا الجمع بين قافين محركين، والعرب تكره الجمع بين مثلين، فاسقطوا حركة القاف، وأدغموها في الثانية، فصارت قافاً مشددة.

وإن كان ثالث المستقبل مضموماً ضمت الألف في الابتداء، فإنها مبنية على ثالثه، وإن كان الثالث مفتوحاً كسرت.فإن قلت: هلا فتحت كما ضمت مع ضمت مع ضم الثالث، وكسرت مع كسر الثالث. قلت: لأنها تلتبس بالخبر، وذلك أنك لو قلت في الخبر: (أذهب أنا)، وفي الأمر (أذهب أنت)، لالتبس، فكسرناها لما بطل فتحها، لأن الفتح أخو الكسر.

فإن قلت: كيف تبتدئ بـ اثاقلتم ، و اداركوا قلت : بالكسر، لأن عين الفعل مفتوحة، وهي القاف في (يتثاقل) هي العين من تفاعل، فأدغموا التاء في الثاء، فصارت ثاء ساكنة، والحكم في اطيرنا ونحوه كذلك.
القسم الثالث: ألف القطع، وتعرفها بضم أول المستقبل، ثم لا يخلوا إما أن تقع في الفعل أو في المصدر، فإن وقعت في الفعل فهي مفتوحة، نحو (أخرج ونحوه، وإن كانت في المصادر ابتدئت بالكسر، نحو (إخراجاً) فإن قيل: لم كسروها [ في المصدر؟ قلت: لئلا تلتبس بالجمع، لأنهم قالوا ] في المصدر [ (إخراجاً) وفي الجمع (أخراجاً) و (أبواباً) فلو فتحت لالتبس المصدر ] بجمع (خرج) فكسروا ليفرقوا بين المصدر والجمع.

القسم الرابع: ألف المخبر عن نفسه، وتعرفها بأن يحسن بعد الفعل الذي هي فيه لفظ (أنا)، ويكون الفعل مستقبلاً، كقوله تعالى: سبيلي أدعو ، و أرني أنظر ،و أفرغ عليه . فإن قلت: لم فتحت في (أدعو، وأرني، وأنظر) وضمت في (أفرغ) وكلتاهما ألف المخبر عن نفسه؟ قلت: إذا كان الماضي فيه على ثلاثة أحرف فألفه مفتوح، وإذا جاءت فيما لم يسم فاعله فهي مضمومة مطلقاً. سواء قلت حروفه أم كثرت، نحو (أنظر وأفرغ).

القسم الخامس: ألف الاستفهام: وتعرفها بمجيء أم بعدها أو يحسن في موضعها هل، نحو أفترى على الله كذباً أم به جنة ، أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم وشبه ذلك. وهي مفتوحة أبداً، والأصل فيه (أافترى)، (أاستغفرت)، فحذفت الألف الثانية لأنها ألف وصل. ولا تمد الهمزة في هذا، مثل الذاكرين ، الله خير ونحو ذلك، لأن الاستفهام والخبر في هذا مفتوحان، فمدوا الاستفهام ليميزوه من الخبر، وفي (افترى) وشبهه الاستفهام مفتوح والخبر مكسور، فجعل الفرق بينهما بالفتح والكسر في هذا وفي ذلك بالمد والقصر.

القسم السادس: ألف ما لم يسم فاعله، وهي مبنية على الضم، وتكون في أربعة أمثلة: في أفعل، نحو قوله تعالى: أخرجنا . وألف استفعل، نحو قوله تعالى: استجيب له ، وكذلك استحفظوا . وألف افتعل، نحو قوله تعالى: ابتلي و اضطر و اجتثت ، وكذلك الذي اؤتمن ، والأصل أاتمن فهي ألف افتعل، فجعلت الهمزة الساكنة واواً لانضمام ما قبلها في الابتداء. وأجاز الكسائي في غير القراءة أن يبتدأ بها محققة. وأما ألف انفعل فلم تأت في القرآن، وذلك نحو انقطع، فلم نطول فيها لهذا المعنى.

فإن قلت: لم صارت الألف في هذا الضرب مضمونة فقط؟ قلت: لأن فعل ما لم يسم فاعله يقتضي اثنين: فاعلاً ومفعولاً، فضموا أوله لتكون الضمة دالة على اثنين، لأنها أقوى الحركات وأثقلها، كما قالوا: زيد حيث عمرو، معناه زيد في مكان عمرو. فلما تضمنت معنى اثنين أعطيت الضمة لقوتها. وكذا قالوا في (نحن) لتضمنها معنى الجمع والتثنية، كذلك فعلوا بألف ما لم يسم فاعله لما تضمن معنى الفاعل والمفعول، فضموا أوله في كل حال.

فصل في الألفات التي تكون في أوائل الأسماء

وهي أربعة أقسام:
القسم الأول: ألف الوصل، وتأتي في تسعة مواضع: ابن، وابنة، واثنين، واثنتين، وامرئ وامرأة، واسم، واست. فهذه الثمانية تكسر الألف فيهن في الابتداء، وتحذف في الوصل. وأما الألف التاسعة فهي التي تدخل مع لام المعرفة، وهي مفتوحة في الابتداء. وأما العاشرة فهي وايم الله في القسم، وتبتدئ بالفتح أيضاً.

أما الثمانية فتمتحن بأن لا توجد في التصغير. والألف التاسعة تمتحن بأن تسقطها من الاسم وتنونه،فإن وجدتها لا يحسن دخولها عليه مع التنوين فهي ألف وصل.

القسم الثاني: ألف الأصل وتعرفها بأن تجدها فاء من الفعل، ثابتة في التصغير، وتأتي في الأسماء على ثلاثة أضرب: مضمونة، نحو قوله: قل أذن و أخت هارون . ومفتوحة، نحو قوله: ما كان أبوك . ومكسورة، نحو قوله: إصري . فهذه الألف تبتدئ بها كما تصل.
القسم الثالث: ألف القطع، وتأتي في الأسماء المفردة، وتعرفها بثباتها في التصغير، وبأن تمتحنها فلا تجدها فاءً ولا عيناً ولا لاماً، مثال ذلك الله أحسن الخالقين ، وبهذا فارقت ألف الوصل. والوجه الثاني أن تكون في أوائل الجمع، وتعرفها بأن يحسن دخول الألف واللام عليها، ولا تكون فاءً ولا عيناً ولا لاماً، مثال ذلك قوله: مختلف ألوانها .
القسم الرابع: ألف الاستفهام، وامتحانها مثل ألف الاستفهام في الأفعال، والله المستعان


EmoticonEmoticon