Saturday, April 6, 2013

فصل في أقسام المفتين وأهليته وآداب الفتوى

Tags

فصل في أقسام المفتين وأهليته وآداب الفتوى


فصل في أقسام المفتين وأهليته وآداب الفتوى
كتاب آداب الفتوى والمفتي والمستفتي للنووي

محتويات

فصل في أقسام المفتين

قال أبو عمرو ابن الصلاح المفتون قسمان مستقل وغيره فالمستقل شرطه مع ما ذكرنا أن يكون قيما بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل وقد فصلت في كتب الفقه فتيسرت ولله الحمد وأن يكون عالما بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها وبكيفية

اقتباس الأحكام منها وهذا يستفاد من أصول الفقه عارفا من علوم القرآن والحديث والناسخ والمنسوخ والنحو واللغة والتصريف واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك عالما بالفقه ضابطا لأمهات مسائله وتفاريعه فمن جمع هذه الأوصاف فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأذى به فرض الكفاية وهو المجتهد المطلق المستقل لأنه يستقل بالأدلة بغير تقليد وتقيد بمذهب أحد
قال أبو عمرو وما شرطناه من حفظه لمسائل الفقه لم يشترط في كثير من الكتب المشهورة لكونه ليس شرطا لمنصب الاجتهاد لأن الفقه ثمرته فيتأخر عنه وشرط الشيء لا يتأخر عنه وشرطه الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني وصاحبه أبو منصور البغدادي وغيرهما واشتراطه في المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية هو الصحيح وإن لم يكن كذلك في المجتهد المستقل

ثم لا يشترط أن تكون جميع الأحكام على ذهنه بل يكفيه كونه حافظا المعظم متمكنا من إدراك الباقي على قرب وهل يشترط أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية حكى أبو إسحاق وأبو منصور فيه خلافا لأصحابنا والأصح اشتراطه ثم إنما يشترط اجتماع العلوم المذكورة في مفت مطلق في جميع أبواب الشرع فأما مفت في باب خاص كالمناسك والفرائض فيكفيه معرفة ذلك الباب كذا قطع به الغزالي وصاحبه ابن برهان بفتح الباء وغيرهما ومنهم من منعه مطلقا وأجازه ابن الصباغ في الفرائض خاصة والأصح جوازه مطلقا القسم الثاني المفتي الذي ليس بمستقل ومن

دهر طويل عدم المفتي المستقل وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة وللمفتي المنتسب أربعة أحوال أحدها أن لا يكون مقلدا لإمامه لا في المذهب ولا في دليله لاتصافه بصفة المستقل وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد وادعى الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني هذه الصفة لأصحابنا فحكى عن أصحاب مالك رحمه الله وأحمد وداود وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليدا لهم ثم قال والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليدا له بل لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والفتاوى أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه فطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي

وذكر أبو علي السنجي بكسر السين المهملة نحو هذا فقال اتبعنا الشافعي دون غيره لأنا وجدنا قوله أرجح الأقوال وأعدلها لا أنا قلدناه قلت هذا الذي ذكراه موافق لما أمرهم به الشافعي ثم المزني في أول مختصره وغيره بقوله مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره قال أبو عمرو دعوى انتفاء التقليد عنهم مطلقا لا يستقيم ولا يلائم المعلوم من حالهم أو حال أكثرهم وحكى بعض أصحاب الأصول منا أنه لم يوجد بعد عصر الشافعي مجتهد مستقل ثم فتوى المفتي في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها والاعتداد بها في الإجماع والخلاف الحالة الثانية أن يكون مجتهدا مقيدا في مذهب إمامه مستقلا بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده

وشرطه كونه عالما بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلا بصيرا بمسالك الأقيسة والمعاني تام الارتياض في التخريج والاستنباط قيما بإلحاق ما ليس منصوصا عليه لإمامه بأصوله ولا يعرى عن شوب تقليد له لإخلاله ببعض أدوات المستقل بأن يخل بالحديث أو العربية وكثيرا ما أخل بهما المقيد ثم يتخذ نصوص إمامه أصولا يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص وهذه صفة أصحابنا أصحاب الوجوه وعليها كان أئمة أصحابنا أو أكثرهم والعامل بفتوى هذا مقلد لإمامه لا له
ثم ظاهر كلام الأصحاب أن من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية قال أبو عمرو ويظهر تأدي الفرض به في الفتوى وإن لم يتأد في إحياء العلوم التي منها استمداد

الفتوى لأنه قام مقام إمامه المستقل تفريعا على الصحيح وهو جواز تقليد الميت ثم قد يستقل المقيد في مسألة أو باب خاص كما تقدم وله أن يفتي فيما لا نص فيه لإمامه بما يخرجه على أصوله هذا هو الصحيح الذي عليه العمل وإليه مفزع المفتين من مدد طويلة ثم إذا أفتى بتخريجه فالمستفتي مقلد لإمامه لا له هكذا قطع به إمام الحرمين في كتابه الغياثي وما أكثر فوائده قال الشيخ أبو عمرو وينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره أن ما يخرجه أصحابنا هل تجوز نسبته إلى الشافعي والأصح أنه لا ينسب إليه ثم تارة يخرج من نص معين لإمامه وتارة لا يجده فيخرج على أصوله بأن يجد دليلا على شرط ما يحتج به إمامه فيفتي بموجبه فإن نص إمامه على شيء ونص في مسألة تشبهها على خلافه فخرج من أحدهما إلى الآخر سمي قولا مخرجا وشرط هذا التخريج أن لا يجد بين نصيه فرقا فإن وجده وجب تقريرهما على ظاهرهما ويختلفون كثيرا في القول بالتخريج في مثل ذلك لاختلافهم في إمكان الفرق قلت وأكثر ذلك يمكن فيه الفرق وقد ذكروه

الحالة الثالثة أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه لكنه فقيه النفس حافظ مذهب إمامه عارف بأدلته قائم بتقريرها يصور ويحرر ويقرر ويمهد ويزيف ويرجح لكنه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب أو الارتياض في الاستنباط أو معرفة الأصول ونحوها من أدواتهم وهذه صفة كثير

من المتأخرين إلى أواخر المئة الرابعة المصنفين الذين رتبوا المذهب وحرروه وصنفوا فيه تصانيف فيها معظم اشتغال الناس اليوم ولم يلحقوا الذين قبلهم في التخريج وأما فتاويهم فكانوا يتبسطون فيها تبسط أولئك أو قريبا منه ويقيسون غير المنقول عليه غير مقتصرين على القياس الجلي ومنهم من جمعت فتاويه ولا تبلغ في التحاقها بالمذهب مبلغ فتاوى أصحاب الوجوه

الحالة الرابعة أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته فهذا يعتمد نقله وفتواه به فيما يحكيه من مسطورات مذهبه من نصوص إمامه وتفريع المجتهدين في مذهبه وما لا يجده منقولا إن وجد في المنقول معناه بحيث يدرك بغير كبير فكر أنه لا فرق بينهما جاز إلحاقه به والفتوى به وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب

وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه ومثل هذا يقع نادرا في حق المذكور إذ يبعد كما قال إمام الحرمين أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب ولا هي في معنى المنصوص ولا مندرجة تحت ضابط وشرطه كونه فقيه النفس ذا حظ وافر من الفقه قال أبو عمرو وأن يكتفي في حفظ المذهب في هذه الحالة والتي قبلها بكون المعظم على ذهنه ويتمكن لدربته من الوقوف على الباقي على قرب

فصل في بعض مسائل أهلية المفتي

هذه أصناف المفتين وهي خمسة وكل صنف منها يشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم

ولقد قطع إمام الحرمين وغيره بأن الأصولي الماهر المتصرف في الفقه لا يحل له الفتوى بمجرد ذلك ولو وقعت له واقعة لزمه أن يسأل عنها ويلتحق به المتصرف النظار البحاث من أئمة الخلاف وفحول المناظرين لأنه ليس أهلا لإدراك حكم الواقعة استقلالا لقصور آلته ولا من مذهب إمام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر فإن قيل من حفظ كتابا أو أكثر في المذهب وهو قاصر لم يتصف بصفة أحد ممن سبق ولم يجد العامي في بلده غيره هل له الرجوع إلى قوله
فالجواب إن كان في غير بلده مفت يجد السبيل إليه وجب التوصل إليه بحسب إمكانه فإن تعذر ذكر مسألته للقاصر فإن وجدها بعينها في كتاب موثوق بصحته وهو ممن يقبل خبره نقل له حكمها بنصه وكان العامي فيها مقلدا صاحب المذهب

قال أبو عمرو وهذا وجدته في ضمن كلام بعضهم والدليل يعضده
وإن لم يجدها مسطورة بعينها لم يقسها على مسطور عنده وإن اعتقده من قياس لا فارق لأنه قد يتوهم ذلك في غير موضعه فإن قيل هل لمقلد أن يفتي بما هو مقلد فيه قلنا قطع أبو عبد الله الحليمي وأبو محمد الجويني وأبو المحاسن الروياني وغيرهم بتحريمه وقال القفال المروزي يجوز د قال أبو عمرو قول من منعه معناه لا يذكره على صورة من يقوله من عند نفسه بل يضيفه إلى إمامه الذي قلده فعلى هذا من عددناه من المفتين المقلدين ليسوا مفتين حقيقة لكن لما قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم وسبيلهم أن يقولوا مثلا مذهب الشافعي كذا أو نحو هذا ومن ترك منهم الإضافة

فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح به ولا بأس بذلك وذكر صاحب الحاوي في العامي إذا عرف حكم حادثة بناء على دليلها ثلاثة أوجه أحدها يجوز أن يفتي به ويجوز تقليده لأنه وصل إلى علمه كوصول العالم والثاني يجوز إن كان دليلها كتابا أو سنة ولا يجوز إن كان غيرهما والثالث لا يجوز مطلقا وهو الأصح والله أعلم

فصل في أحكام المفتين

فيه مسائل أحداها الإفتاء فرض كفاية فإذا استفتي وليس في الناحية غيره تعين عليه الجواب فإن كان فيها غيره وحضر فالجواب في حقهما فرض كفاية وإن لم يحضره غيره فوجهان أصحهما لا يتعين لما سبق عن ابن أبي ليلى
والثاني يتعين وهما كالوجهين في مثله في الشهادة ولو سأل عامي عما يقع لم يجب جوابه الثانية إذا أفتي بشيء ثم رجع عنه فإن علم المستفتي برجوعه ولم يكن عمل بالأول لم يجز العمل به وكذا إن نكح بفتواه واستمر على نكاح بفتواه ثم رجع لزمه مفارقتها كما لو تغير اجتهاد من قلده في القبلة في أثناء صلاته وإن كان عمل قبل رجوعه فإن خالف دليلا قاطعا لزم المستفتي نقض عمله ذلك وإن كان في محل اجتهاد لم يلزمه نقضه لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وهذا التفصيل ذكره الصيمري والخطيب وأبو عمرو واتفقوا عليه ولا أعلم خلافه وما ذكره الغزالي والرازي ليس فيه تصريح بخلافه

قال أبو عمرو وإذا كان يفتي على مذهب إمام فرجع لكونه بان له قطعا مخالفة نص مذهب إمامه وجب نقضه وإن كان في محل الاجتهاد لأن نص مذهب إمامه في حقه كنص الشارع في حق المجتهد المستقل إما إذا لم يعلم المستفتي برجوع المفتي فحال المستفتي في علمه كما قبل الرجوع ويلزم المفتي إعلامه قبل العمل وكذا بعده حيث يجب النقض
وإذا عمل بفتواه في إتلاف فبان خطأه وأنه خالف القاطع فعن الأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني أنه يضمن إن كان أهلا للفتوى ولا يضمن إن لم يكن أهلا لأن المستفتي قصر كذا حكاه الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح وسكت عليه وهو مشكل وينبغي أن يخرج الضمان على قولي الغرور المعروفين في بابي الغصب والنكاح وغيرهما أو يقطع بعدم الضمان إذ ليس في الفتوى إلزام ولا إلجاء

الثالثة يحرم التساهل في الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه فمن التساهل أن لا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنه فلا بأس بالمبادرة وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع

الحيل المحرمة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلبا للترخيص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها لتخليص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا كقول سفيان إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة فأما التشديد فيحسنه كل أحد ومن الحيل التي فيها شبهة ويذم فاعلها الحيلة السريجية في سد باب الطلاق

الرابعة ينبغي أن لا يفتي في حال تغير خلقه وتشغل قلبه وتمنعه التأمل كغضب وجوع وعطش وحزن وفرح غالب ونعاس أو ملل أو حر مزعج أو مرض مؤلم أو مدافعة حدث وكل حال يشتغل فيه قلبه ويخرج عن حد الاعتدال فإن أفتى في بعض الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب جاز وإن كان مخاطرا بها

الخامسة المختار للمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك ويجوز أن يأخذ عليه رزقا من بيت المال إلا أ يتعين عليه وله كفاية فيحرم على الصحيح ثم إن كان له رزق لم يجز أخذ أجرة أصلا وإن لم يكن له رزق فليس له أخذ أجرة من أعيان من يفتيه على الأصح كالحاكم واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني من أصحابنا فقال له أن يقول يلزمني أن أفيتك قولا وأما كتابه الخط فلا فإذا استأجره على كتابة الخط جاز قال الصيمري والخطيب لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقا من أموالهم على أن يتفرع لفتاويهم جاز

أما الهدية فقال أبو مظفر السمعاني له قبولها بخلاف الحاكم فإنه يلزم حكمها
قال أبو عمرو ينبغي أن يحرم قبولها إن كان رشوة على أن يفتيه بما يريد كما في الحاكم وسائر ما لا يقابل بعوض
قال الخطيب وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الاحتراف ويكون ذلك من بيت المال ثم روي بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مئة دينار في السنة

السادسة لا يجوز أن يفتي في الإيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ أو متنزلا منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها

السابعة لا يجوز لمن كانت فتواه نقلا لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته وبأنه مذهب ذلك الإمام فإن وثق بأن أصل التصنيف بهذه الصفة لكن لم تكن هذه النسخة معتمدة فليستظهر بنسخ منه متفقة وقد تحصل له الثقة من نسخة غير موثوق بها في بعض المسائل إذا رأى الكلام منتظما وهو خبير فطن لا يخفى عليه لدربته موضع الإسقاط والتغيير فإن لم يجده إلا في نسخة غير موثوق بها فقال أبو عمرو ينظر فإن وجده موافقا لأصول المذهب وهو أهل لتخريج مثله في المذهب لو لم يجده منقولا فله أن يفتي به فإن أراد حكايته عن قائله فلا يقل قال الشافعي مثلا كذا وليقل وجدت عن الشافعي كذا أو بلغني عنه ونحو هذا وإن لم يكن أهلا لتخريج مثله لم يجز له ذلك فإن سبيله النقل المحض ولم يحصل ما يجوز له ذلك وله أن يذكره لا على سبيل الفتوى مفصحا بحاله فيقول وجدته في نسخة من الكتاب الفلاني ونحوه

قلت لا يجوز لمفت على مذهب الشافعي إذا اعتمد النقل أن يكتفي بمصنف ومصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر المتأخرين لكثرة الاختلاف بينهم في الجزم والترجيح لأن هذا المفتي المذكور إنما ينقل مذهب الشافعي ولا يحصل له وثوق بأن ما في المصنفين المذكورين ونحوهما هو مذهب الشافعي أو الراجح منه لما فيها من الاختلاف وهذا مما لا يتشكك فيه من له أدنى أنس بالمذهب بل قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء وهو شاذ بالنسبة إلى الراجح في المذهب ومخالف لما عليه الجمهور وربما خالف نص الشافعي أو نصوصا له وسترى في هذا الشرح إن شاء الله تعالى أمثلة ذلك وأرجو إن تم هذا الكتاب أنه يستغنى به عن كل مصنف ويعلم به مذهب الشافعي علما قطعيا إن شاء الله تعالى

الثامنة إذا أفتى في حادثة ثم حدثت مثلها فإن ذكر الفتوى الأولى ودليلها بالنسبة إلى أصل الشرع إن كان مستقبلا أو إلى مذهبه إن كان منتسبا أفتى بذلك بلا نظر وإن ذكرها ولم يذكر دليلها ولا طرأ مايوجب رجوعه فقيل له أن يفتي بذلك والأصح وجوب تجديد النظر ومثله القاضي إذا حكم بالاجتهاد ثم وقعت المسأله وكذا تجديد الطلب في التيمم والاجتهاد في القبلة وفيهما الوجهان قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في آخر باب استقبال القبلة وكذا العامي إذا وقعت له مسألة فسأل عنها ثم وقعت له فيلزمه السؤال ثانيا يعني على الأصح قال إلا أن تكون مسألة يكثر وقوعها ويشق عليه إعادة السؤال عنها فلا يلزمه ذلك ويكفيه السؤال الأول للمشقة
التاسعه ينبغي أن لايقتصر في فتواه على قوله

في المسألة خلاف أو قولان أو وجهان أو روايتان أو يرجع إلى رأي القاضي ونحو ذلك فهذا ليس بجواب ومقصود المستفتي بيان ما يعمل به فينبغي أن يجزم له بما هو الراجح فإن لم يعرفه توقف حتى يظهر أو يترك الإفتاء كما كان جماعة من كبار أصحابنا يمتنعون من الإفتاء في حنث الناسي

فصل في آداب الفتوى

فيه مسائل إحداهما يلزم المفتي أن يبين الجواب بيانا يزيل الإشكال ثم له الاقتصار على الجواب شفاها فإن لم يعرف لسان المستفتي كفاه ترجمة ثقة واحد لأنه خبر وله الجواب كتابه وإن كانت الكتابة على خطر وكان القاضي أبو حامد المروروذي كثير الهرب من الفتوى في الرقاع

قال الصيمري وليس من الأدب كون السؤال بخط المفتي فأما بإملائه وتهذيبه فواسع وكان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي قد يكتب السؤال على ورق له ثم يكتب الجواب

وإذا كان في الرقعة مسائل فالأحسن ترتيب الجواب على ترتيب السؤال ولو ترك الترتيب فلا بأس ويشبه معنى قول الله تعالى يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت 3 سورة آل عمران الآية 106 وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق الجواب فإنه خطأ ثم له أن يستفصل السائل إن حضر ويقيد السؤال في رقعة أخرى ثم يجيب وهذا أولى وأسلم وله أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم أنه الواقع للسائل ويقول هذا إذا كان الأمر كذا وله أن يفصل الأقسام في جوابه ويذكر حكم كل قسم لكنهذا كرهه أبو الحسن القابسي من أئمة المالكية وغيره وقالوا هذا تعليم للناس الفجور وإذا لم يجد المفتي من يسأله فصل الأقسام واجتهد في بيانها واستيفائها

الثانية ليس له أن يكتب الجواب على ما علمه من صورة الواقعة إذا لم يكن في الرقعة تعرض له بل يكتب جواب ما في الرقعة فإن أراد جواب ما ليس فيها فليقل وإن كان الأمر كذا وكذا فجوابه كذا واستحب العلماء أن يزيد على ما في الرقعة ما له تعلق بها مما يحتاج إليه السائل لحديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته

الثالثة إذا كان المستفتي بعيد الفهم فليرفق به ويصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه فإن ثوابه جزيل
الرابعة ليتأمل الرقعة تأملا شافيا وآخرها آكد فإن السؤال في آخرها وقد يتقيد الجميع بكلمة في آخرها ويغفل عنها
قال الصيمري قال بعض العلماء ينبغي أن يكون توقعه في المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده وكان محمد بن الحسن يفعله وإذا وجد كلمة مشتبهة سأل المستفتي عنها ونقطها وشكلها وكذا إن وجد لحنا فاحشا أو خطأ يحيل المعنى أصلحه وإن رأى بياضا في أثناء سطر أو آخره خط عليه أو شغله لأنه ربما قصد المفتي بالإيذاء فكتب في البياض بعد فتواه ما يفسدها كما بلي به القاضي أبو حامد المروروذي

الخامسة يستحب أن يقرأها على حاضريه ممن هو أهل لذلك ويشاورهم ويباحثهم برفق وإنصاف وإن كانوا دونه وتلامذته للاقتداء بالسلف ورجاء ظهور ما قد يخفى عليه إلا أن يكون فيها ما يقبح إبداؤه أو يؤثر السائل كتمانه أو في إشاعته مفسدة

السادسة ليكتب الجواب بخط واضح وسط لا دقيق خاف ولا غليظ جاف ويتوسط في سطورها بين توسيعها وتضييقها وتكون عبارته واضحة صحيحة تفهمها العامة ولا يزدريها الخاصة واستحب بعضهم أن لا تختلف أقلامه وخطه خوفا من التزوير ولئلا يشتبه خطه قال الصيمري وقل ما وجد التزوير على المفتي لأن الله تعالى حرس أمر الدين وإذا كتب الجواب أعاد نظره فيه خوفا من اختلال وقع فيه أو إخلال ببعض المسؤول عنه

السابعة إذا كان هذا المبتدئ فالعادة قديما وحديثا أن يكتب في الناحية اليسرى من الورقة قال الصيمري وغيره وأين كتب من وسط الرقعة أو حاشيتها فلا عتب عليه ولا يكتب فوق البسملة بحال وينبغي أن يدعو إذا أراد الإفتاء
وجاء عن مكحول ومالك رحمهما الله أنهما كانا لا يفتيان حتى يقولا لا حول ولا قوة إلا بالله ويستحب الاستعاذة من الشيطان ويسمي الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي صلى الله عليه و سلم وليقل رب اشرح لي صدري 20 سورة طه الآية 25 الآية ونحو ذلك قال الصيمري وعادة كثيرين أن يبدأوا فتاويهم الجواب وبالله التوفيق وحذف آخرون ذلك
قال الصيمري ولو عمل ذلك فيما طال من المسائل واشتمل على فصول وحذف في غيره كان وجها

قلت المختار قول ذلك مطلقا وأحسنه الابتداء بقول الحمد لله لحديث كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله فهو أجذم وينبغي أن يقوله بلسانه ويكتبه قال الصيمري ولا يدع ختم جوابه بقوله وبالله التوفيق أو والله أعلم أو والله الموفق قال ولا يقبح قوله الجواب عندنا أو الذي عندنا أو الذي نقول به أو نذهب إليه أ نراه كذا لأنه من أهل ذلك قال وإذا أغفل السائل الدعاء للمفتي أو الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم في آخر الفتوى ألحق المفتي ذلك بخطه فإن العادة جارية به قلت وإذا ختم الجواب بقوله والله أعلم ونحوه مما سبق فليكتب بعده كتبه فلان أو فلان بن فلان الفلاني فينتسب إلى ما يعرف به من

قبيلة أو بلدة أو صفة ثم يقول الشافعي أو الحنفي مثلا فإن كان مشهورا بالاسم أو غيره فلا بأس بالاقتصار عليه
قال الصيمري ورأى بعضهم أن يكتب المفتي بالمداد دون الحبر خوفا من الحك قال والمستحب الحبر لا غير
قلت لا يختص واحد منهما هنا بالاستحباب بخلاف كتب العلم فالمستحب فيها الحبر لأنها تراد للبقاء والحبر أبقى
قال الصيمري وينبغي إذا تعلقت الفتوى بالسلطان أن يدعو له فيقول وعلى ولي الأمر أو السلطان أصلحه الله أو سدده الله أو قوى الله عزمه أو أصلح الله به أو شد الله أزره ولا يقل أطال الله بقاءه فليست من ألفاظ السلف قلت نقل أبو جعفر النحاس وغيره اتفاق العلماء على كراهة قول أطال الله بقاءك وقال بعضهم هي تحية الزنادقة وفي صحيح مسلم في حديث أم حبيبة رضي الله عنها إشارة إلى أن الأولى ترك نحو هذا من الدعاء بطول البقاء وأشباهه

الثامنة ليختصر جوابه ويكون بحيث تفهمه العامة قال صاحب الحاوي يقول يجوز أو لا يجوز أو حق أو باطل وحكى شيخه الصيمري عن شيخه القاضي أبي حامد أنه كان يختصر غاية ما يمكنه واستفتي في مسألة آخرها يجوز أم لا فكتب لا وبالله التوفيق

التاسعة قال الصيمري والخطيب إذا سئل عمن قال أنا أصدق من محمد بن عبدالله أو الصلاة لعب وشبه ذلك فلا يبادر بقوله هذا حلال الدم أو عليه القتل بل يقول إن صح هذا بإقراره أو بالبينة استتابه السلطان فإن تاب قبلت توبته وإن لم يتب فعل به كذا وكذا وبالغ في ذلك وأشبعه قال وإن سئل عمن تكلم بشيء يحتمل وجوها يكفر ببعضها دون بعض قال يسأل هذا القائل فإن قال أردت كذا فالجواب كذا وإن سئل عمن قتل أو قلع عينا أو غيرها احتاط فذكر الشروط التي يجب بجميعها القصاص وإن سئل عمن فعل ما يوجب التعزير ذكر ما يعزر به فيقول يضربه السلطان كذا وكذا ولا يزاد على كذا هذا كلام الصيمري والخطيب وغيرهما قال أبو عمرو ولو كتب عليه القصاص أو التعزير بشرطه فليس ذلك بإطلاق بل تقييده بشرطه يحمل الوالي على السؤال عن شرطه والبيان أولى

العاشرة ينبغي إذا ضاق موضع الجواب أن لا يكتبه في رقعة أخرى خوفا من الحيلة ولهذا قالوا يصل جوابه بآخر سطر ولا يدع فرجة لئلا يزيد السائل شيئا يفسدها وإذا كان موضع الجواب ورقة ملصقة كتب على الإلصاق ولو ضاق باطن الرقعة وكتب الجواب في ظهرها كتبه في أعلاها إلا أن يبتدئ من أسفلها متصلا بالاستفتاء فيضيق الموضع فيتمه في أسفل ظهرها ليتصل جوابه واختار بعضهم أن يكتب على ظهرها لا على حاشيتها والمختار عند الصيمري وغيره أن حاشيتها أولى من ظهرها قال الصيمري وغيره والأمر في ذلك قريب

الحادية عشرة إذا ظهر للمفتي أن الجواب خلاف غرض المستفتي وأنه لا يرضى بكتابته في ورقته فليقتصر على مشافهته بالجواب وليحذر أن يميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه ووجوه الميل كثيرة لا تخفى ومنها أن يكتب في جوابه ما هو له ويترك ما عليه وليس له أن يبدأ في مسائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها وإذا سأله أحدهم وقال بأي شيء تندفع دعوى كذا وكذا أو بينه كذا لم يجبه كيلا يتوصل بذلك إلى إبطال حق وله أن يسأله عن حاله فيما ادعي عليه فإذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع

قال الصيمري وينبغي للمفتي إذا رأى للسائل طريقا يرشده إليه أن ينبهه عليه يعني ما لم يضر غيره ضررا بغير حق
قال كمن حلف لا ينفق على زوجته شهرا يقول يعطيها من صداقها أو قرضا أو بيعا ثم يبرئها وكما حكي أن رجلا قال لأبي حنيفة رحمه الله حلفت أني أطأ امرأتي في نهار رمضان ولا أكفر ولا أعصي فقال سافر بها

الثانية عشرة قال الصيمري إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز ذلك زجرا له كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن توبة القاتل فقال لا توبة له وسأله آخر فقال له توبة ثم قال أما الأول فرأيت في عينه إرادة القتل فمنعته وأما الثاني فجاء مستكينا قد قتل فلم أقنطه قال الصيمري وكذا إن سأله رجل فقال إن قتلت عبدي هل علي قصاص فواسع أن يقول إن قتلت عبدك قتلناك فقد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم من قتل عبده قتلناه ولأن القتل له معان قال ولو سئل عن سب الصحابي هل يوجب القتل فواسع أن يقول روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال من سب أصحابي فاقتلوه فيفعل كل هذا زجرا
للعامة ومن قل دينه ومروءته

الثالثة عشرة يجب على المفتي عند اجتماع الرقاع بحضرته أن يقدم الأسبق فالأسبق كما يفعله القاضي في الخصوم وهذا فيما يجب فيه الإفتاء فإن تساووا أو جهل السابق قدم بالقرعة والصحيح أنه يجوز تقديم المرأة والمسافر الذي شد رحله وفي تأخيره ضرر بتخلفه عن رفقته ونحو ذلك على من سبقهما إلا إذا كثر المسافرون والنساء بحيث يلحق غيرهم بتقديمهم ضرر كثير فيعود إلى التقديم بالسبق أو القرعة ثم لا يقدم أحدا إلا في فتيا واحدة

الرابعة عشرة قال الصيمري وأبو عمرو إذا سئل عن ميراث فليست العادة أن يشترط في الورثة عدم الرق والكفر والقتل وغيرها من موانع الميراث بل

المطلق محمول على ذلك بخلاف ما أطلق الأخوة والأخوات والأعمام وبينهم فلا بد أن يقول في الجواب من أب وأم أو من أب أو من أم وإذا سئل عن مسألة عول كالمنبرية وهي زوجة وأبوان وبنتان فلا يقل للزوجة الثمن ولا التسع لأنه لم يطلقه أحد من السلف بل يقل لها الثمن عائلا وهي ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين أو لها ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين أو يقول ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه صار ثمنها تسعا وإذا كان في المذكورين في رقعة الاستفتاء من لا يرث أفصح بسقوطه فقال وسقط فلان وإن كان سقوطه في حال دون حال قال وسقط فلان في هذه الصورة أو نحو ذلك لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال

وإذا سئل عن أخوة وأخوات أو بنين وبنات فلا ينبغي أن يقول للذكر مثل حظ الأنثيين 4 سورة النساء الآية 11 فإن ذلك قد يشكل على العامي بل يقول يقتسمون التركة على كذا وكذا سهما لكل ذكر كذا وكذا سهما ولكل أنثى كذا وكذا سهما قاله الصميري قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح ونحن نجد في تعمد العدول عنه حزازة في النفس لكونه لفظ القرآن العزيز وأنه قل ما يخفى معناه على أحد وينبغي أن يكون في جواب مسائل المناسخات شديد التحرز والتحفظ وليقل فيها لفلان كذا وكذا بميراثه من أبيه ثم من أمه ثم من أخيه قال الصيمري وكان بعضهم يختار أن يقول لفلان كذا وكذا سهما ميراثه من أبيه كذا ومن أمه كذا ومن أخيه كذا قال وكل هذا قريب قال الصيمري وغيره وحسن أن يقول تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا

الخامسة عشرة إذا رأى المفتي رقعة الاستفتاء وفيها خط غيره ممن هو أهل للفتوى وخطه فيها موافق لما عنده قال الخطيب وغيره كتب تحت خطه هذا جواب صحيح وبه أقول أو كتب جوابي مثل هذا وإن شاء ذكر الحكم بعبارة ألخص من عبارة الذي كتب وأما إذا رأى فيها خط من ليس أهلا للفتوى فقال الصيمري لا يفتي معه لأن في ذلك تقريرا منه لمنكر بل يضرب على ذلك بأمر صاحب الرقعة ولو لم يستأذنه في هذا القدر جاز لكن ليس له احتباس الرقعة إلا بإذن صاحبها

قال وله انتهار السائل وزجره وتعريفه قبح ما أتاه وأنه كان واجبا عليه البحث عن أهل الفتوى وطلب من هو أهل لذلك وإن رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه فإن لم يعرفه فواسع أن يمتنع من الفتوى معه خوفا مما قلناه
قال وكان بعضهم في مثل هذا يكتب على ظهرها قال والأولى في هذا الموضع أن يشار على صاحبها بإبدالها فإن أبى ذلك أجابه شفاها قال أبو عمرو وإذا خاف فتنة من الضرب على فتيا العادم للأهلية ولم تكن خطأ عدل إلى الإمتناع من الفتيا معه فإن غلبت فتاويه لتغلبه على منصبها بجاه أو تلبيس أو غير ذلك بحيث صار امتناع الأهل من الفتيا معه ضارا بالمستفتين فليفت معه فإن ذلك أهون الضررين وليتلطف مع ذلك في إظهار قصوره لمن يجهله

أما إذا وجد فتيا من هو أهل وهي خطأ مطلقا بمخالفتها القاطع أو خطأ على مذهب من يفتي ذلك المخطئ على مذهبه قطعا فلا يجوز له الامتناع من الإفتاء تاركا للتنبيه على خطئها إذا لم يكفه ذلك غيره بل عليه الضرب عليها عند تيسره أو الإبدال وتقطيع الرقعة بإذن صاحبها أو نحو ذلك وإذا تعذر ذلك وما يقوم مقامه كتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ ثم إن كان المخطئ أهلا للفتوى فحسن أن تعاد إليه بإذن صاحبها أما إذا وجد فيها فتيا أهل للفتوى وهي على خلاف ما يراه هو غير أنه لا يقطع بخطئها فليقتصر على كتب جواب نفسه ولا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة ولا اعتراض قال صاحب الحاوي لا يسوغ لمفت إذا استفتي أن يتعرض لجواب غيره برد ولا تخطئه ويجيب بما عنده من موافقة أو مخالفة

السادسة عشرة إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلا ولم يحضر صاحب الواقعة فقال الصيمري يكتب يزاد في الشرح لنجيب عنه أو لم أفهم ما فيها فأجيب قال وقال بعضهم لا يكتب شيئا أصلا قال ورأيت بعضهم كتب في هذا يحضر السائل لنخاطبه شفاها وقال الخطيب ينبغي له إذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتي إلى مفت آخر إن كان وإلا فليمسك حتى يعلم الجواب قال الصيمري وإذا كان في رقعة الاستفتاء مسائل فهم بعضها دون بعض أو فهمها كلها ولم يرد الجواب في بعضها أو احتاج في بعضها إلى تأمل أو مطالعة أجاب عما أراد وسكت عن الباقي وقال لنا في الباقي نظر أو تأمل أو زيادة نظر

السابعة عشرة ليس بمنكر أن يذكر المفتي في فتواه الحجة إذا كانت نصا واضحا مختصرا قال الصيمري لا يذكر الحجة إن أفتي عاميا ويذكرها إن أفتى فقيها كمن يسأل عن النكاح بلا ولي فحسن أن يقول قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا نكاح إلا بولي أو عن رجعة المطلقة بعد الدخول فيقول له رجعتها قال الله تعالى وبعولتهن أحق بردهن 2 سورة البقرة الآية 228 قال ولم تجر العادة أن يذكر في فتواه طريق الاجتهاد ووجهة القياس والاستدلال إلا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض فيومئ فيها إلى طريق الاجتهاد ويلوح بالنكتة وكذا إذا أفتى غيره فيها بغلط فيفعل ذلك لينبه على ما ذهب إليه ولو كان في ما يفتي به غموض فحسن أن يلوح بحجته وقال صاحب الحاوي لا يذكر حجة ليفرق بين الفتيا والتصنيف قال ولو ساغ التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير ولصار المفتي مدرسا والتفصيل الذي ذكرناه أولى من إطلاق صاحب الحاوي المنع

وقد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ فيقول وهذا إجماع المسلمين أو لا أعلم في هذا خلافا أو فمن خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب أو فقد أثم وفسق أو وعلى ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر وما أشبه هذه الألفاظ على حسب ما تقتضيه المصلحة وتوجبه الحال

الثامنة عشرة قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله ليس له إذا استفتي في شيء من المسائل الكلامية أن يفتي بالتفصيل بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض في ذلك أو في شيء منه وإن قل ويأمرهم بأن يقتصروا فيها على الإيمان جملة من غير تفصيل ويقولوا فيها وفي كل ما ورد من آيات الصفات وأخبارها المتشابهة إن الثابت فيها في نفس الأمر ما هو اللائق فيها بجلال الله تبارك وتعالى وكماله وتقديسه المطلق فيقول ذلك معتقدنا فيها وليس علينا تفصيله وتعيينه وليس البحث عنه من شأننا بل نكل علم تفصيله إلى الله تبارك وتعالى ونصرف عن الخوض فيه قلوبنا وألسنتنا فهذا ونحوه هو الصواب من أئمة الفتوى في ذلك وهو سبيل سلف الأمة وأئمة المذاهب المعتبرة وأكابر العلماء والصالحين وهو أصون وأسلم للعامة وأشباههم ومن كان منهم اعتقد اعتقادا باطلا تفصيلا ففي هذا صرف له عن ذلك الاعتقاد الباطل بما هو أهون وأيسر وأسلم

وإذا عزر ولي الأمر من حاد منهم عن هذه الطريقة فقد تأسى بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في تعزير صبيغ بفتح الصاد المهملة الذي كان يسأل عن المتشابهات على ذلك قال والمتكلمون من أصحابنا معترفون بصحة هذه الطريقة وبأنها أسلم لمن سلمت له وكان الغزالي منهم في آخر أمره شديد المبالغة في الدعاء إليها والبرهنة عليها وذكر شيخه إمام الحرمين في كتابه الغياثي إن الإمام يحرص ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك
واستفتي الغزالي في كلام الله تبارك وتعالى فكان من جوابه وأما الخوض في أن كلامه تعالى حرف وصوت أو ليس كذلك فهو بدعة وكل من يدعو العوام إلى الخوض في هذا فليس من أئمة الدين وإنما هو من المضلين ومثاله من يدعو الصبيان الذين لا يحسنون السباحة إلى خوض البحر ومن يدعو الزمن

المقعد إلى السفر في البراري من غير مركوب وقال في رسالة له الصواب للخلق كلهم إلا الشاذ النادر الذي لا تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنين سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل والتصديق المجمل بكل ما أنزله الله تعالى وأخبر به رسول الله صلى الله عليه و سلم من غير بحث وتفتيش والاشتغال بالتقوى ففيه شغل شاغل وقال الصيمري في كتابه أدب المفتي والمستفتي أن مما أجمع عليه أهل التقوى أن من كان موسوما بالفتوى في الفقه لم ينبغ وفي نسخه لم يجز له أن يضع خطه بفتوى في مسألة من علم الكلام قال وكان بعضهم لا يستتم قراءة مثل هذه الرقعة
قال وكره بعضهم أن يكتب ليس هذا من علمنا أو ما جلسنا لهذا أو السؤال عن غير هذا أولى بل لا يتعرض لشيء من ذلك

وحكى الإمام الحافظ الفقيه أبو عمرابن عبد البر الامتناع من الكلام في كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديما وحديثا من أهل الحديث والفتوى قال وإنما خالف ذلك أهل البدع قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح فإن كانت المسألة مما يؤمن في تفصيل جوابها من ضرر الخوض المذكور جاز الجواب تفصيلا وذلك بأن يكون جوابها مختصرا مفهوما ليس لها أطراف يتجاذبها المتنازعون والسؤال عنه صادر عن مسترشد خاص منقاد أو من عامة قليلة التنازع والمماراة والمفتي ممن ينقادون لفتواه ونحو هذا وعلى هذا ونحوه يحمل ما جاء عن بعض السلف من بغض الفتوى في بعض المسائل الكلامية وذلك منهم قليل نادر والله أعلم

التاسعة عشرة قال الصيمري والخطيب رحمهما الله وإذا سئل فقيه عن مسألة من تفسير القرآن العزيز فإن كانت تتعلق بالأحكام أجاب عنها وكتب خطه بذلك كمن سئل عن الصلاة الوسطى والقرء ومن بيده عقدة النكاح وإن كانت ليست من مسائل الأحكام كالسؤال عن الرقيم والنقير والقطمير والغسلين رده إلى أهله ووكله إلى من نصب نفسه له من أهل التفسير ولو أجابه شفاها لم يستقبح هذا كلام الصيمري والخطيب ولو قيل إنه يحسن كتابته للفقيه العارف به لكان حسنا وأي فرق بينه وبين مسائل الأحكام والله أعلم


EmoticonEmoticon