Saturday, April 6, 2013

فصل في آداب المستفتي وصفته وأحكامه

Tags

فصل في آداب المستفتي وصفته وأحكامه



كتاب آداب الفتوى والمفتي والمستفتي للنووي

محتويات

فصل في آداب المستفتي وصفته وأحكامه

فيه مسائل

إحداها في صفة المستفتي كل من لم يبلغ درجة المفتي فهو فيما يسأل عنه من الأحكام الشرعية مستفت مقلد من يفتيه والمختار في التقليد أنه قبول قول من يجوز عليه الإصرار على الخطأ بغير حجة على عين ما قبل قوله فيه ويجب عليه الاستفتاء إذا نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت داره وقد رحل خلائق من السلف في المسألة الواحدة الليالي والأيام الثانية يجب عليه قطعا البحث الذي يعرف به أهلية من يستفتيه للإفتاء إذا لم يكن عارفا بأهليته

فلا يجوز له استفتاء من انتسب إلى العلم وانتصب للتدريس والإقراء وغير ذلك من مناصب العلماء بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك ويجوز استفتاء من استفاض كونه أهلا للفتوى وقال بعض أصحابنا المتأخرين إنما يعتمد قوله أنا أهل للفتوى لا شهرته بذلك ولا يكتفي بالاستفاضة ولا بالتواتر لأن الاستفاضة والشهرة بين العامة لا يوثق بها وقد يكون أصلها التلبيس وأما التواتر فلا يفيد العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس والصحيح هو الأول لأن إقدامه عليها إخبار منه بأهليته فإن الصورة مفروضة فيمن وثق بديانته

ويجوز استفتاء من أخبر المشهور المذكور بأهليته قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي المصنف رحمه الله وغيره يقبل في أهليته خبر العدل الواحد قال أبو عمرو وينبغي أن يشترط في المخبر أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به الملتبس من غيره ولا يعتمد في ذلك على خبر آحاد العامة لكثرة ما يتطرق إليهم من التلبيس في ذلك وإذا اجتمع اثنان فأكثر ممن يجوز استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد في أعيانهم والبحث عن الأعلم والأورع والأوثق ليقلده دون غيره فيه وجهان

أحدهما لا يجب بل له استفتاء من شاء منهم لأن الجميع أهل وقد أسقطنا الاجتهاد عن العامي وهذا الوجه هو الصحيح عند أصحابنا العراقيين قالوا وهو قول أكثر أصحابنا والثاني يجب ذلك لأنه يمكنه هذا القدر من الاجتهاد بالبحث والسؤال وشواهد الأحوال وهذا الوجه قول أبي العباس ابن سريج واختيار القفال المروزي وهو الصحيح عند القاضي حسين والأول أظهر وهو الظاهر من حال الأولين

قال أبو عمرو رحمه الله لكن متى اطلع على الأوثق فالأظهر أنه يلزمه تقليده كما يجب تقديم أرجح الدليلين وأوثق الروايتين فعلى هذا يلزمه تقليد الأورع من العالمين والأعلم من الورعين فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قلد الأعلم على الأصح

وفي جواز تقليد الميت وجهان الصحيح جوازه لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها ولهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع والخلاف ولأن موت الشاهد قبل الحكم لا يمنع الحكم بشهادته بخلاف فسقه والثاني لا يجوز لفوات أهليته كالفاسق وهذا ضعيف لا سيما في هذه الأعصار الثالث هل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء

قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح ينظر إن كان منتسبا إلى مذهب بنيناه على وجهين حكاهما القاضي حسين في أن العامي هل له مذهب أم لا أحدهما لا مذهب له لأن المذهب لعارف الأدلة فعلى هذا أن يستفتي من شاء من حنفي وشافعي وغيرهما والثاني وهو الأصح عند القفال له مذهب فلا يجوز له مخالفته وقد ذكرنا في المفتي المنتسب ما يجوز له أن يخالف إمامه فيه وإن لم يكن منتسبا بنى على وجهين حكاهما ابن برهان في أن العامي هل يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه

أحدهما لا يلزمه كما لم يلزمه في العصر الأول أن يخص بتقليده عالما بعينه فعلى هذا هل له أن يستفتي من شاء أم يجب عليه البحث عن أشد المذاهب وأصحهما أصلا ليقلد أهله فيه وجهان مذكوران كالوجهين السابقين في البحث عن الأعلم والأوثق من المفتيين

والثاني يلزمه وبه قطع أبو الحسن إلكيا وهو جار في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم ووجهه أنه لو جاز اتباع أي مذهب شاء لأفضي إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعا هواه ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز وذلك يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف بخلاف العصر الأول فإنه لم تكن المذاهب الوافية بأحكام الحوادث مهذبة وعرفت فعلى هذا يلزمه أن يجتهد في اختيار مذهب يقلده على التعيين ونحن نمهد له طريقا يسلكه في اجتهاده سهلا فنقول أولا ليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي والميل إلى ما وجد عليه آباءه وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم من الأولين وإن

كانوا أعلم وأعلا درجة ممن بعدهم لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه فليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناخلين لمذاهب الصحابة والتابعين القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها كمالك وأبي حنيفة وغيرهما

ولما كان الشافعي قد تأخر عن هؤلاء الأئمة في العصر ونظر في مذاهبهم نحو نظرهم في مذاهب من قبلهم فسبرها وخبرها وانتقدها واختار أرجحها ووجد من قبله قد كفاه مؤونة التصوير والتأصيل فتفرغ للاختيار والترجيح والتكميل والتنقيح مع كمال معرفته وبراعته في العلوم وترجحه في ذلك على من سبقه ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك كان مذهبه أولى المذاهب بالاتباع والتقليد وهذا مع ما فيه من الإنصاف والسلامة من القدح في أحد من الأئمة جلي واضح إذا تأمله العامي قاده إلى اختيار مذهب الشافعي والتمذهب به

الرابعة إذا اختلف عليه فتوى مفتيين ففيه خمسة أوجه للأصحاب أحدها يأخذ بأغلظهما والثاني بأخفهما والثالث يجتهد في الأولى فيأخذ بفتوى الأعلم الأورع كما سبق إيضاحه واختاره السمعاني الكبير ونص الشافعي رضي الله عنه على مثله في القبلة والرابع يسأل مفتيا آخر فيأخذ بفتوى من وافقه والخامس يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء وهذا هو الصحيح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي المصنف

وعند الخطيب البغدادي ونقله المحاملي في أول المجموع عن أكثر أصحابنا واختاره صاحب الشامل فيما إذا تساوى المفتيان في نفسه وقال الشيخ أبو عمرو المختار أن عليه أن يبحث عن الأرجح فيعمل به فإنه حكم التعارض فيبحث عن الأوثق من المفتيين فيعمل بفتواه وإن لم يترجح عنده أحدهما استفتى آخر وعمل بفتوى من وافقه فإن تعذر ذلك وكان اختلافهما في التحريم والإباحة وقبل العمل اختار التحريم فإنه أحوط وإن تساويا من كل وجه خيرناه بينهما وإن أبينا التخيير في غيره لأنه ضرورة وفي صورة نادرة قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح ثم إنما نخاطب بما ذكرناه المفتيين وأما العامي الذي وقع له ذلك فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو مفتيا آخر وقد أرشدنا المفتي إلى ما يجيبه به

وهذا الذي اختاره الشيخ ابن الصلاح ليس بقوي بل الأظهر أحد الأوجه الثلاثة وهي الثالث والرابع والخامس والظاهر أن الخامس أظهرها لأنه ليس من أهل الاجتهاد وإنما فرضه أن يقلد عالما أهلا لذلك وقد فعل ذلك بأخذه بقول من شاء منها والفرق بينه وبين ما نص عليه في القبلة أن أمارتها حسية فإدراك صوابها أقرب فيظهر التفاوت بين المجتهدين فيها والفتاوى أمارتها معنوية فلا يظهر كبير تفاوت بين المجتهدين والله أعلم

الخامسة قال الخطيب البغدادي إذا لم يكن في الموضع الذي هو فيه مفت إلا واحد فأفتاه لزمه فتواه وقال أبو المظفر السمعاني رحمه الله إذا سمع المستفتي جواب المفتي لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه قال ويجوز أن يقال إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به وقيل يلزمه إذا وقع في نفسه صحته

قال السمعاني وهذا أولى الأوجه قال الشيخ أبو عمرو لم أجد هذا لغيره وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين أنه إذا أفتاه بما هو مختلف فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره ثم اختار هو أنه يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين ويلزمه الأخذ بفتيا من اختاره باجتهاده قال الشيخ أبو عمرو والذي تقتضيه القواعد أن نفصل فنقول إذا أفتاه المفتي نظر فإن لم يوجد مفت آخر لزمه الأخذ بفتياه ولا يتوقف ذلك على التزامه لا بالأخذ في العمل به ولا بغيره ولا يتوقف أيضا على سكون نفسه إلى صحته


EmoticonEmoticon