Sunday, March 31, 2013

الملبـس والزينة في الإسلام للقرضاوي

الملبـس والزينة في الإسلام للقرضاوي



كتاب االحلال والحرام في الإسلام للقرضاوي

محتويات

فــي الملبـس والزينة - مـقــــدمـة

أباح الإسلام للمسلم، بل طلب إليه أن يكون حسن الهيئة، كريم المظهر، جميل الهندام متمتعا بما خلق الله من زينة وثياب ورياش.

مـــقــــدمــــــــة

الغرض من الملبس في نظر الإسلام

الغرض من الملبس في نظر الإسلام أمران؛ ستر العورة، والزينة. ولهذا امتن الله على بني الإنسان عامة بما هيأ لهم بتدبيره من لباس ورياش فقال تعالى: (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا) سورة الأعراف:26.
فمن فرط في أحد هذين الأمرين: الستر أو التزين، فقد انحرف عن صراط الإسلام إلى سبل الشيطان. وهذا سر النداءين اللذين وجههما الله إلى بني آدم -بعد النداء السابق- يحذرهم فيهما من العري، وترك الزينة، اتباعا لخطوات الشيطان. قال تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما) سورة الأعراف:27. وقال سبحانه: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) سورة الأعراف:31.

وقد أوجب الإسلام على المسلم أن يستر عورته التي يستحي الإنسان المتمدين بفطرته من كشفها، حتى يتميز عن الحيوان العاري. بل دعاه إلى هذا التستر وإن كان منفردا بعيدا عن الناس، حتى يصير الاحتشام له دينا وخلقا.
عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله ‍ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ فقال: (احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك). قلت: يا رسول الله، فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ (أي في السفر ونحوه) قال: (فإن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها). فقلت: فإذا كان أحدنا خاليا (أي منفردا)؟ قال: "فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحي منه".

دين النظافة والتجمل

وقبل أن يعنى الإسلام بالزينة وحسن الهيئة وجه عناية أكبر إلى النظافة، فإنها الأساس لكل زينة حسنة، وكل مظهر جميل.
وقد روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "تنظفوا فإن الإسلام نظيف".
(النظافة تدعو إلى الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة).

وحث عليه السلام على نظافة الثياب، ونظافة الأبدان، ونظافة البيوت، ونظافة الطرق، وعني خاصة بنظافة الأسنان، ونظافة الأيدي، ونظافة الرأس.
وليس هذا عجبا في دين جعل الطهارة مفتاحا لأولى عباداته وهي الصلاة؛ فلا تقبل صلاة من مسلم حتى يكون بدنه نظيفا، وثوبه نظيفا، والمكان الذي يصلي فيه نظيفا، وذلك غير النظافة المفروضة على الجسد كله، أو على الأجزاء المتعرضة للأتربة منه، المعروفة في الإسلام بالغسل والوضوء.

وإذا كانت البيئة العربية بما يكتنفها من بداوة وصحراء قد تغري أهلها أو الكثيرين منهم بإهمال شأن النظافة والتجمل، فإن النبي عليه السلام ظل يتعهدهم بتوجيهاته اليقظة، ونصائحه الواعية، حتى ارتقى بهم من البداوة إلى الحضارة، ومن البذاذة المزرية إلى التجمل المعتدل.

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه الرسول -كأنه يأمره بإصلاح شعره- ففعل، ثم رجع. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟".
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا رأسه أشعث، فقال: "أما وجد هذا ما يسكن به شعره؟‍".
ورأى آخر عليه ثياب وسخة، فقال: "أما كان هذا يجد ما يغسل به ثوبه؟".
وجاء إليه صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوب دون. فقال له: "ألك مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال؟ قال: من كل المال قد أعطاني الله تعالى. قال: فإذا آتاك الله مالا، فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته".
وأكد الحث على النظافة والتجمل في مواطن الاجتماع مثل الجمعة والعيدين فقال: "ما على أحدكم -إن وجد سعة- أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة غير ثوبي مهنته".

الذهب والحرير

الذهب والحرير الخالص حرام على الرجال

وإذا كان الإسلام قد أباح الزينة بل طلبها، واستنكر تحريمها (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) سورة الأعراف:32. فإنه حرم على الرجال نوعين من الزينة -على حين أحلهما للإناث-.
أولهما: التحلي بالذهب.
ثانيهما: لبس الحرير الخالص.

فعن علي كرم الله وجهه قال: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حريرا فجعله في يمينه، وأخذ ذهبا فجعله في شماله، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي".
وعن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تلبسوا الحرير، فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة".
وقال صلى الله عليه وسلم في حلة من الحرير: "إنما هذه لباس من لا أخلاق له".
ورأى خاتما من ذهب في يد رجل، فنزعه وطرحه، وقال: "يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده" فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله: خذ خاتمك انتفع به. قال: لا والله، لا آخذه وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومثل الخاتم ما نراه عند المترفين من قلم ذهب، ساعة الذهب، قداحة (ولاعة) الذهب، علبة الذهب للسجاير، والفم الذهب … الخ.
أما التختم بالفضة فقد أباحه عليه السلام للرجال. روى البخاري عن ابن عمر قال: اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق (فضة) وكان في يده، ثم كان بعد في يد أبي بكر؛ ثم كان بعد في يد عمر، ثم كان بعد في يد عثمان حتى وقع في بئر أريس.
أما المعادن الأخرى كالحديد وغيره فلم يرد نص صحيح يحرمها بل ورد في صحيح البخاري أن الرسول قال للرجل الذي أراد تزوج المرأة الواهبة نفسها: "التمس ولو خاتما من حديد"، وبه استدل البخاري على حل خاتم الحديد.

ورخص في لبس الحرير إذا كان لحاجة صحية، فقد أذن عليه الصلاة والسلام بلبسه لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما، لحكة كانت بهما.

حكمة تحريمها على الرجال

وقد قصد الإسلام بتحريم هذين الأمرين على الرجال هدفا تربويا أخلاقيا نبيلا؛ فإن الإسلام -وهو دين الجهاد والقوة- يحب أن يصون رجولة الرجل من مظاهر الضعف والتكسر والانحلال. والرجل الذي ميزه الله بتركيب عضوي، غير تركيب المرأة، لا يليق به أن ينافس الغانيات في جر الذيول، والمباهاة بالحلي والحلل.
ثم هناك هدف اجتماعي وراء هذا التحريم.

فتحريم الذهب والحرير جزء من برنامج الإسلام في حربه للترف عامة، فالترف في نظر القرآن قرين للانحلال الذي ينذر بهلاك الأمم، وهو مظهر للظلم الاجتماعي، حيث تتختم القلة المترفة على حساب أكثرية بائسة. وهو بعد ذلك عدو لكل رسالة حق وخير وإصلاح. والقرآن يقول: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) سورة الإسراء:16. (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) سورة سبأ:34.
وتطبيقا لروح القرآن حرم النبي عليه السلام كل مظاهر الترف في حياة المسلم، فكما حرم الذهب والحرير على الرجال، حرم على الرجال والنساء جميعا استعمال أواني الذهب والفضة -كما سيأتي-.

وبعد هذا وذاك، هناك اعتبار اقتصادي له وزنه كذلك، فإن الذهب هو الرصيد العالمي للنقد، فلا ينبغي استعماله في مثل الأواني أو حلي الرجال.

حكمة الإباحة للنساء

وإنما استثنى النساء من هذا الحكم، مراعاة لجانب المرأة ومقتضى أنوثتها وما فطرت عليه من حب الزينة، على ألا يكون همها من زينتها إغراء الرجال، وإثارة الشهوات. وفي الحديث "إيما امرأة استعرضت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية، وكل عين زانية".
وقال تعالى محذرا للنساء: (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) سورة النور:31.

فــي الملبـس والزينة - لباس المــرأة المسلمة

مقدمة

وقد حرم الإسلام على المرأة أن تلبس من الثياب ما يصف وما يشف عما تحته من الجسد، ومثله ما يحدد أجزاء البدن، وبخاصة مواضع الفتنة منه، والثديين والخصر والألية ونحوها.

وفي الصحيح عن أبي هريرة، قال: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس (إشارة إلى الحكام الظلمة إعداء الشعوب)، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا".
وإنما جعلن "كاسيات" لأن الثياب عليهن، ومع هذا فهن "عاريات" لأن ثيابهن لا تؤدي وظيفة الستر، لرقتها وشفافيتها، فتصف ما تحتها، كأكثر ملابس النساء في هذا العصر.

والبخت نوع من الإبل، عظام الأسنمة، شبه رؤوسهن بها، لما رفعن من شعورهن على أوساط رؤوسهن، كأنه -صلى الله عليه وسلم- كان ينظر من وراء الغيب إلى هذا الزمان، الذي أصبح فيه لتصفيف شعور النساء وتجميلها وتنويع أشكالها محلات خاصة "كوافير" يشرف عليها غالبا رجال يتقاضون على عملهم أبهظ الأجور، وليس ذلك فحسب، فكثير من النساء لا يكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي، فيلجأن إلى شراء شعر صناعي تصله المرأة بشعرها، وليبدو أكثر نعومة ولمعانا وجمالا، ولتكون هي أكثر جاذبية وإغراء.

والعجيب في أمر هذا الحديث أنه ربط بين الاستبداد السياسي والانحلال الخلقي وهذا ما يصدقه الواقع، فأن المستبدين يشغلون الشعوب عادة، بما يقوي الشهوات، ويلهي الناس بالمتاع الشخصي عن مراقبة القضايا العامة.

تشبه المرأة بالرجل والرجل بالمرأة

وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن من المحظور على المرأة أن تلبس لبسة الرجل، ومن المحظور على الرجل أن يلبس لبسة المرأة. ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال. ويدخل في ذلك المتشبه في الكلام والحركة والمشية واللبس غيرها.
إن شر ما تصاب به الحياة، وتبتلى به الجماعة، هو الخروج على الفطرة، والفسوق عن أمر الطبيعة، والطبيعة فيها رجل، وفيها امرأة، ولكل منهما خصائصه، فإذا تخنث الرجل، واسترجلت المرأة، فذلك هو الاضطراب والانحلال.
وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم ممن لعنوا في الدنيا والآخرة، وأمنت الملائكة على لعنهم، رجلا جعله الله ذكرا فأنث نفسه نفسه وتشبه بالنساء، وامرأة جعلها الله أنثى، فتذكرت، وتشبهت بالرجال.

ومن أجل ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجال عن لبس المعصفر من الثياب. روى مسلم في "صحيحه" عن علي قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب وعن لباس القسي (نوع من الحرير) … وعن لباس المعصفر".
وروي أيضا عن ابن عمرو قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفريين فقال: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها ".

ثياب الشهرة والاختيال

والضابط العام للتمتع بالطيبات كلها من مأكل أو مشرب أو ملبس: ألا يكون في تناولها إسراف ولا اختيال.
والإسراف هو مجاوزة الحد في التمتع بالحلال، والاختيال أمر يتصل بالنية والقلب أكثر من اتصاله بالظاهر، فهو قصد المباهاة والتعاظم والافتخار على الناس (والله لا يحب كل مختال فخور) سورة الحديد: 23.
وقال عليه السلام: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة".

ولكي يتجنب المسلم مظنة الاختيال، نهى النبي عن ثياب "الشهرة" التي من شأنها أن تثير الفخر والمكاثرة والمباهاة بين الناس بالمظاهر الفارغة. وفي الحديث: "من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة".
وقد سأل رجل ابن عمر: ماذا ألبس من الثياب؟ فقال: ما لا يزدريك فيه السفهاء -يعني لتفاهته وسوء منظره- ولا يعيبك به الحكماء -يعني لتجاوزه حد الاعتدال-.

فــي الملبـس والزينة - تغيـيـر خلق الله

الغلو في الزينة بتغيير خلق الله

وقد رفض الإسلام الغلو في الزينة إلى الحد الذي يفضي إلى تغيير خلق الله، الذي اعتبره القرآن من وحي الشيطان، الذي قال عن أتباعه: (ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) سورة النساء:119.

تحريم الوشم وتحديد الأسنان وجراحات التجميل

ومن ذلك وشم الأبدان، ووشر الأسنان، وقد "لعن الرسول عليه الصلاة والسلام الواشمة والمستوشمة، والواشرة والمستوشرة".
أما الوشم ففيه تشويه للوجه واليدين بهذا اللون الأزرق والنقش القبيح، وقد أفرط بعض العرب فيه -وبخاصة النساء- فنقشوا به معظم البدن. هذا إلى أن بعض أهل الملل كانوا يتخذون منه صورا لمعبوداتهم وشعائرهم، كما نرى النصارى يرسمون به الصليب على أيديهم وصدورهم.
أضف إلى هذه المفاسد ما فيه من ألم وعذاب بوخز الإبر في بدن الموشوم.
كل ذلك جلب اللعنة على من تعمل هذا الشيء (الواشمة) ومن تطلب ذلك لنفسها (المستوشمة).

وأما وشر الأسنان، أي تحديدها وتقصيرها، فقد لعن الرسول صلى الله عليه وسلم المرأة التي تقوم بهذا العمل (الواشرة)، والمرأة التي تطلب أن يعمل ذلك بها (المستوشرة). ولو فعل رجل ذلك، لاستحق اللعنة من باب أولى.
وكما حرم الرسول وشر الأسنان حرم التفلج، "ولعن المتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله".
والمتفلجة هي التي تصنع الفلج أو تطلبه، والفلج: انفراج ما بين الأسنان، ومن النساء من يخلقها الله كذلك، ومنهن من ليست كذلك، فتلجأ إلى برد ما بين الأسنان المتلاصقة خلقة، لتصير متفلجة صناعة، وهو تدليس على الناس، وغلو في التزين تأباه طبيعة الإسلام.
وبهذه الأحاديث الصحيحة نعرف الحكم الشرعي فيما يعرف اليوم باسم "جراحات التجميل" التي روجتها حضارة الجسد والشهوات -أعني الحضارة الغربية المادية المعاصرة- فترى المرأة أو الرجل ينفق المئات أو الآلاف، لكي تعدل شكل أنفها، أو ثدييها أو غير ذلك. فكل هذا يدخل فيمن لعن الله ورسوله، لما فيه من تعذيب للإنسان، وتغيير لخلقة الله، بغير ضرورة تلجئ لمثل هذا العمل إلا أن يكون الإسراف في العناية بالمظهر، والاهتمام بالصورة لا بالحقيقة، وبالجسد لا بالروح.

"أما إذا كان في الإنسان عيب شاذ يلفت النظر كالزوائد التي تسبب له ألما حسيا أو نفسانيا كلما حل بمجلس، أو نزل بمكان، فلا بأس أن يعالجه، ما دام يبغي إزالة الحرج الذي يلقاه، وينغص عليه حياته، فإن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج".
ولعل مما يؤيد ذلك أن الحديث لعن "المتفلجات للحسن" فيفهم منه أن المذمومة من فعلت ذلك لا لغرض إلا لطلب الحسن والجمال الكاذب، فلو احتاجت إليه لإزالة ألم أو ضرر، لم يكن في ذلك بأس. والله أعلم.

ترقيق الحواجب

ومن الغلو في الزينة التي حرمها الإسلام النمص، والمراد إزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النامصة والمتنمصة". والنامصة، التي تفعله، والمتنمصة التي تطلبه.
وتتأكد حرمة النمص إذا كان شعارا للخليعات من النساء.
قال بعض علماء الحنابلة: يجوز الحف (يقال: حفت المرأة وجهها: أي زينته بإزالة شعره) والتحمير والنقش والتطريف إذا كان بإذن الزوج لأنه من الزينة، وشدد النووي فلم يجز الحف، واعتبره من النمص المحرم. ويرد عليه ما ذكره أبو داود في السنن: أن النامصة هي التي تنقش الحاجب حتى ترقه. فلم يدخل فيه حف الوجه وإزالة ما فيه من شعر.
وأخرج الطبري عن امرأة أبي إسحاق أنها دخلت على عائشة، وكانت شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها؟ فقالت: أميطي عنك الأذى ما استطعت.

وصل الشعر

ومن المحظور في زينة المرأة كذلك، أن تصل شعرها بشعر آخر، سواء أكان شعرا حقيقيا أم صناعيا، كالذي يسمى الآن "الباروكة".
فقد روى البخاري عن غيره عن عائشة وأختها أسماء وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة والمستوصلة" والواصلة هي التي تقوم بوصل الشعر بنفسها أو بغيرها، والمستوصلة التي تطلب ذلك.
ودخول الرجل في هذا التحريم من باب أولى، سواء أكان واصلا كالذي يسمونه "كوافير" أو مستوصلا كالمخنثين من الشباب (كالذي يسمونهم الخنافس).

ولقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في محاربة هذا النوع من التدليس، حتى إنه لم يجز لمن تساقط شعرها نتيجة المرض أن يوصل به شعر آخر، ولو كانت عروسا ستزف إلى زوجها.
روى البخاري عن عائشة أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة".

وعن أسماء قالت: سألت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي أصابتها الحصبة، فامرق شعرها، وإني زوجتها، أفأصل فيه ؟ فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة".
وعن سعيد بن المسيب قال: قدم معاوية المدينة آخر قدمة قدمها، فخطبنا، فأخرج كبة من شعر. قال: "ما كنت أرى أحدا يفعل هذا غير اليهود، إن النبي صلى الله عليه وسلم سماه الزور، يعني الواصلة في الشعر". وفي رواية أنه قال لأهل المدينة: أين علماؤكم ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذه ويقول: "إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم".

وتسمية الرسول صلى الله عليه وسلم هذا العمل "زورا" يومئ إلى حكمة تحريمه، فهو ضرب من الغش والتزييف والتمويه، والإسلام يكره الغش، ويبرأ من الغاش في كل معاملة، مادية كانت أو معنوية، "من غشنا فليس منا".

قال الخطابي: إنما ورد الوعيد الشديد في هذه الأشياء، لما فيها من الغش والخداع، ولو رخص في شيء منها لكان وسيلة إلى استجازة غيرها من أنواع الغش، ولما فيها من تغيير الخلقة، وإلى ذلك الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله "المغيرات خلق الله".
والذي دلت عليه الأحاديث إنما هو وصل الشعر بالشعر، طبيعيا كان أو صناعيا، فهو الذي يحمل معنى التزوير والتدليس، فأما إذا وصلت شعرها بغير الشعر من خرقة أو خيوط و نحوها، فلا يدخل في النهي.

وفي هذا جاء عن سعيد بن جبير قال: "لا بأس بالقرامل". والمراد به هنا: خيوط من حرير أو من صوف تعمل ضفائر، تصل به المرأة شعرها، وبجوازها قال الإمام أحمد.

صبغ الشيب

ومما يتعلق بموضوع الزينة صبغ الشيب في الرأس أو اللحية، فقد ورد أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يمتنعون عن صبغ الشيب وتغييره، ظنا منهم أن التجمل والتزيين ينافي التعبد والتدين، كما هو شأن الرهبان والمتزهدين المغالين في الدين، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن تقليد القوم، واتباع طريقتهم، لتكون للمسلمين دائما شخصيتهم المتميزة المستقلة في المظهر والمخبر. روى البخاري عن أبي هريرة انه صلى الله عليه وسلم قال: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم". وهذا الأمر للاستحباب كما يدل عليه فعل الصحابة، فقد صبغ بعضهم كأبي بكر وعمر، وترك بعضهم مثل علي وأبي بن كعب وأنس.

ولكن بأي شيء يكون الصبغ؟ أيكون بالسواد وغيره من الألوان، أم يجتنب السواد؟ أما الشيخ الكبير الذي عم الشيب رأسه ولحيته، فلا يليق به أن يصبغ بالسواد بعد أن بلغ من الكبر عتيا. ولهذا حين جاء أبو بكر الصديق بأبيه أبي قحافة يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى رأسه كأنها الثغامة بياضا. قال: "غيروا هذا (أي الشيب) وجنبوه السواد". والثغامة نبات شديد البياض زهره وثمره.
وأما من لم يكن في مثل حال أبي قحافة وسنه فلا إثم عليه إذا صبغ بالسواد، وفي هذا قال الزهري: "كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه جديدا، فلما نغض الوجه والأسنان تركناه".

وقد رخص في الصبغ بالسواد طائفة من السلف منهم من الصحابة: سعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغيرهم.
ومن العلماء من لم يرخص فيه إلا في الجهاد، لإرهاب الأعداء، إذا رأوا جنود الإسلام كلهم في مظهر الشباب.
وفي الحديث الذي رواه أبو ذر: "إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم". والكتم: نبات باليمن تخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، أما صبغ الحناء فأحمر.
وروي من حديث أنس قال: "اختضب أبو بكر بالحناء والكتم، واختضب عمر بالحناء بحتا".

إعفاء اللحى

ومما يتصل بموضوعنا إعفاء اللحى. فقد روى فيه البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب". وتوفيرها هو إعفاؤها كما في رواية أخرى (أي تركها وإبقاؤها). وقد بين الحديث علة هذا الأمر وهو مخالفة المشركين، والمراد بهم المجوس عباد النار، فقد كانوا يقصون لحاهم، ومنهم من كان يحلقها. وإنما أمر الرسول بمخالفتهم، ليربي المسلمين على استقلال الشخصية، والتميز في المعنى والصورة، والمخبر والمظهر، فضلا عما في حلق اللحية من تمرد على الفطرة، وتشبه بالنساء، إذ اللحية من تمام الرجولة، ودلائلها المميزة.

وليس المراد بإعفائها ألا يأخذ منها شيئا أصلا، فذلك قد يؤدي إلى طولها طولا فاحشا، يتأذى به صاحبها، بل يأخذ من طولها وعرضها، كما روي ذلك في حديث عن الترمذي، وكما كان يفعل السلف، قال عياض: يكره حلق اللحية وقصها وتحذيفها، (أي تقصيرها وتسويتها)، وأما الأخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن.

وقال أبو شامة: "وقد حدث قوم يحلقون لحاهم، وهو أشهر مما نقل عن المجوس أنهم كانوا يقصونها".
أقول: بل أصبح الجمهور الأعظم من المسلمين يحلقون لحاهم، تقليدا لأعداء دينهم ومستعمري بلادهم من النصارى واليهود، كما يولع المغلوب دائما بتقليد الغالب، غافلين عن أمر الرسول بمخالفة الكفار، ونهيه عن التشبه بهم، فإن من "تشبه بقوم فهو منهم".
نص كثير من الفقهاء على تحريم حلق اللحية مستدلين بأمر الرسول بإعفائها. والأصل في الأمر الوجوب، وخاصة أنه علل بمخالفة الكفار، ومخالفتهم واجبة.

ولم ينقل عن أحد من السلف أنه ترك هذا الواجب قط. وبعضعلماء العصر يبيحون حلقها تأثرا بالواقع، وإذعانا لما عمت به البلوى ولكنهم يقولون: إن إعفاء اللحية من الأفعال العادية للرسول وليست من أمور الشرع التي يتعبد بها. والحق أن إعفاء اللحية لم يثبت بفعل الرسول وحده بل بأمره الصريح المعلل بمخالفة الكفار. وقد قرر ابن تيمية بحق أن مخالفتهم أمر مقصود للشارع، والمشابهة في الظاهر تورث مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة. قال: وقد دل الكتاب والسنة والإجماع على الأمر بمخالفة الكفار والنهي عن مشابهتهم في الجملة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط علق الحكم به ودار التحريم عليه، فمشابهتهم في ذلك الظاهر سبب لمشابهتهم في الأخلاق والأفعال المذمومة، بل في نفس الاعتقادات، وتأثير ذلك لا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر، وقد يتعسر أو يتعذر زواله، وكل ما كان سببا إلى الفساد فالشارع يحرمه.

وبهذا نرى أن في حلق اللحية ثلاثة أقول: قول بالتحريم وهو الذي ذكره ابن تيمية وغيره. وقول بالكراهة وهو الذي ذكر في الفتح عن عياض ولم يذكر غيره. وقول بالإباحة وهو الذي يقول به بعض علماء العصر. ولعل أوسطها أقربها وأعدلها -وهو القول بالكراهة- فإن الأمر لا يدل على الوجوب جزما وإن علل بمخالفة الكفار، وأقرب مثل على ذلك هو الأمر بصبغ الشيب مخالفة لليهود والنصارى، فإن بعض الصحابة لم يصبغوا، فدل على أن الأمر للاستحباب.
صحيح أنه لم ينقل عن أحد من السلف حلق اللحية، ولعل ذلك لأنه لم تكن بهم حاجة لحلقها وهي عادتهم.

فــي الملبـس والزينة - في البيت

المسكن أو البيت هو الذي يكن المرء من عوادي الطبيعة، ويشعر فيه الخصوصية والحرية من كثير من قيود المجتمع، فيستريح فيه الجسد، وتسكن إليه النفس، ولذا قال الله تعالى في معرض الامتنان على عباده: (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) سورة النحل:80.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب سعة الدار، ويعد ذلك من عناصر السعادة الدنيوية فيقول: "أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنئ".

وكان يدعو كثيرا بهذه الدعوات: "اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي" فقيل له: ما أكثر ما تدعو بهذه الدعوات يا رسول الله ! فقال: "هل تركن من شيء؟".

كما حث عليه السلام على نظافة البيوت لتكون مظهرا من مظاهر الإسلام دين النظافة، وعنوانا يتميز به المسلم عن غيره ممن جعل دينهم القذارة من وسائل القربة إلى الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود". والأفنية جمع فناء، وهو بهو البيت وساحته.


EmoticonEmoticon