Tuesday, March 19, 2013

باب في الوقف كتاب الفقه الشافعي

Tags

باب في الوقف كتاب الفقه الشافعي


باب في الوقف
كتاب فتح المعين في الفقه الشافعي

محتويات

باب في الوقف

هو لغة: الحبس وشرعا: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح وجهة والأصل فيه: خبر مسلم: [رقم: 1631] : "إذا مات المسلم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح أي مسلم يدعو له".
وحمل العلماء: الصدقة الجارية على الوقف دون نحو الوصية بالمنافع المباحة ووقف عمر رضي الله عنه أرضا أصابها بخيبر بأمره صلى الله عليه وسلم وشرط
فيها شروط: منها أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب وأن من وليها يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقا غير متمول رواه الشيخان [البخاري رقم: 3737, مسلم رقم: 1633] وهو أول من وقف في الإسلام.

وعن أبي يوسف أنه لما سمع خبر عمر أنه لا يباع أصلها رجع عن قول أبي حنيفة ببيع الوقف وقال لو سمعه لقال به.
صح وقف عين معينة مملوكة ملكا يقبل النقل تفيد فائدة حالا أو مآلا كثمرة أو منفعة يستأجر لها غالبا وهي باقية لأنه شرع ليكون صدقة جارية وذلك كوقف شجر لريعه وحلى للبس ونحو مسك لشم وريحان مزروع بخلاف عود البخور لأنه لا ينتفع به إلا باستهلاكه والمطعوم لأن نفعه في إهلاكه.

وزعم ابن الصلاح: صحة وقف الماء اختيار له.
ويصح وقف المغصوب وإن عجز عن تخليصه ووقف العلو دون السفل مسجدا.
والأوجه صحة وقف المشاع وإن قل مسجدا.
ويحرم المكث فيه على الجنب تغليبا للمنع ويمنع إعتكاف وصلاة به من غير إذن ما لك المنفعة.
بوقفت وسبلت وحبست كذا على كذا أو أرضي موقوفة أو وقف عليه ولو قال تصدقت بكذا على كذا صدقة محرمة أو مؤبدة أو
صدقة لاتباع أو لا توهب أو لا تورث: فصريح في الأصح.

ومن الصرائح قوله: جعلت هذا المكان مسجدا فيصير به مسجدا وإن لم يقل لله ولا أتى بشيء مما مر: لان المسجد لا يكون إلا وقفا ووقفته للصلاة: صريح في الوقفية وكناية في خصوص المسجدية فلا بد من نيتها في غير الموات.
ونقل القمولي عن الروياني وأقره من أنه لو عمر مسجدا خرابا ولم يقف آلاته: كانت عارية له يرجع فيها متى شاء انتهى.
ولا يثبت حكم المسجد من صحة الاعتكاف وحرمة المكث للجنب لما أضيف من الأرض الموقوفة حوله إذا احتيج إلى توسعته على ما أفتى به شيخنا ابن زياد وغيره.
وعلم مما مر أن الوقف لا يصح إلا بلفظ ولا يأتي فيه خلاف المعاطاة فلو بنى بناء علي هيئة مسجد وأذن في إقامة الصلاة فيه: لم يخرج بذلك عن ملكه كما إذا جعل مكانا على هيئة المقبرة وأذن في الدفن بخلاف ما لو أذن في الاعتكاف فيه فإنه يصير بذلك مسجدا.
قال البغوي في فتاويه لو قال لقيم المسجد اضرب اللبن من أرضي للمسجد فضربه وبنى به المسجد صار له حكم المسجد وليس له نقضه وله استرداده قبل أن يبنى به انتهى.
وألحق البلقيني بالمسجد في ذلك: البئر المحفورة للسبيل والأسنوي: المدارس والربط.

وقال الشيخ أبو محمد: وكذا لو أخذ من الناس ليبنى به زاوية أو رباطا فيصير كذلك بمجرد بنائه.
وضعفه بعضهم.
ويصح وقف بقرة على رباط ليشرب لبنها من نزله أو ليباع نسلها لمصالحه.
وشرط له أي للوقف تأبيد فلا يصح تأقيته كوقفته على زيد سنة.
وتنجيز فلا يصح تعليقه: كوقفته على زيد إذا جاء رأس الشهر نعم: يصح تعليقه بالموت: كوقفت داري بعد موتي على الفقراء.

قال الشيخان: وكأنه وصية لقول القفال إنه عرضها للبيع كان رجوعا.
وإمكان تمليك للموقوف عليه العين الموقوفة إن وقف على معين واحد أو جمع: بأن يوجد خارجا متأهلا للملك فلا يصح الوقف على معدوم: كعلى مسجد سيبني أو على ولده ولا ولد له أو على من سيولد لي ثم الفقراء لانقطاع أوله أو على فقراء أولاده ولا فقير فيهم أو على أن يطعم المساكين ريعه على رأس قبره بخلاف قبر أبيه الميت.
وأفتى ابن الصلاح بأنه لو وقف على من يقرأ على قبره بعد موته فمات ولم يعرف له قبر: بطل انتهى.

ويصح على المعدوم تبعا للموجود: كوقفته على ولدي ثم على ولد ولدي ولا على أحد هذين ولا على عمارة مسجد إن لم يبينه ولا على نفسه: لتعذر تمليك الإنسان ملكه أو منافع ملكه لنفسه.
ومنه أن يشرط1 نحو قضاء دينه مما وقفه أو انتفاعه به لا شرط نحو شربه أو مطالعته من بئر وكتاب وقفهما على نحو الفقراء كذا قاله بعض شراح المنهاج.
ولو وقف على الفقراء مثلا ثم صار فقيرا: جاز له الأخذ منه وكذا لو كان فقيرا حال الوقف.

ويصح شرط النظر لنفسه ولو بمقابل إن كان بقدر أجرة مثل فأقل.
ومن حيل صحة الوقف على نفسه: أن يقف على أولاد أبيه ويذكر صفات نفسه فيصح كما قاله جمع متأخرون واعتمده ابن الرفعة وعمل به في حق نفسه فوقف على الأفقه من بني الرفعة وكان يتناوله.
ويبطل الوقف في جهة معصية: كعمارة الكنائس وكوقف سلاح على قطاع طريق ووقف على عمارة قبور غير الأنبياء والعلماء والصالحين.
فرع يقع لكثيرين أنهم يقفون أموالهم في صحتهم على ذكور أولادهم قاصدين بذلك حرمان إناثهم وقد تكرر من غير واحد إفتاء
ببطلان الوقف حينئذ.

قال شيخنا كالطنبداوي فيه نظر ظاهر بل الوجه الصحة.
لا قبول فلا يشترط ولو من معين نظرا إلى أنه قربة بل الشرط عدم الرد وما ذكرته في المعين هو المنقول عن الأكثرين واختاره في الروضة ونقله في شرح الوسيط عن نص الشافعي وقيل يشترط من المعين القبول نظرا إلى أنه تمليك وهو ما رجحه في المنهاج كأصله فإذا رد المعين: بطل حقه سواء شرطنا قبوله أم لا نعم: لو وقف على وارثه الحائز شيئا يخرج من الثلث: لزم وإن رده.
وخرج بالمعين: الجهة العامة وجهة التحرير كالمسجد فلا قبول فيه جزما: ولو وقف على اثنين معينين ثم الفقراء فمات أحدهما فنصيبه يصرف للآخر لأنه شرط في الانتقال إلى الفقراء انقراضهما جميعا ولم يوجد. ولو انقرض أي الموقوف عليه المعين في منقطع آخر كأن قال وقفت على أولادي ولم يذكر أحدا بعد أو على زيد ثم نسله ونحوهما مما لا يدوم:
فمصرفه الفقير الأقرب رحما لا إرثا.

إلى الواقف يوم انقراضهم: كابن البنت وإن كان هناك ابن أخ مثلا لان الصدقة على الأقارب أفضل وأفضل منه الصدقة على أقربهم فأفقرهم ومن ثم يجب أن يخص به فقراءهم فإن لم يعرف أرباب الوقف أو عرف ولم يكن له أقارب فقراء بل كانوا أغنياء وهم من حرمت عليه الزكاة صرفه الإمام في مصالح المسلمين.
وقال جمع يصرف إلى الفقراء والمساكين: أي ببلد الموقوف.

ولا يبطل الوقف على كل حال بل يكون مستمرا عليه إلا فيما لم يذكر المصرف كوقفت هذا وإن قال لله لان الوقف يقتضي تمليك المنافع فإذا لم يعين متملكا بطل وإنما صح أوصيت بثلثي وصرف للمساكين لان غالب الوصايا لهم فحمل الإطلاق عليهم وإلا في منقطع الأول: كوقفته على من يقرأ على قبري بعد موتي أو على قبر أبي وهو حي: فيبطل بخلاف وقفته الآن أو بعد موتي على من يقرأ على قبري بعد موتي فإنه وصية فإن خرج من الثلث أو أجيز وعرف قبره: صحت وإلا فلا وحيث صحت وإلا فلا وحيث صححنا الوقف أو الوصية: كفي قراءة شيء من القرآن بلا تعيين بسورة يس وإن كان غالب قصد الواقف ذلك كما أفتى به شيخنا الزمزمي وقال بعض أصحابنا: هذا إذا لم يطرد عرف في البلد بقراءة قدر معلوم أو سورة معينة وعلمه الواقف وإلا فلا بد منه: إذ عرف البلد المطرد في زمنه بمنزلة شرطه.
ولو شرط أي الواقف شيئا يقصد كشرط أن لا يؤجر
مطلقا أو إلا كذا: كسنة أو أن يفضل بعض الموقوف عليهم على بعض أو أنثى على ذكر أو يسوى بينهم أو اختصاص نحو مسجد كمدرسة ومقبرة بطائفة كشافعية:
اتبع شرطه في غير حالة الضرورة كسائر شروطه التي لم تخالف الشرع وذلك لما فيه من وجوه المصلحة:

----
1 في نسخة يشترط.
----

أما ما خالف الشرع: كشرط العزوبة في سكان المدرسة أي مثلا فلا يصح كما أفتى به البلقيني.
وخرج بغير حالة الضرورة ما لم1 يوجد غير المستأجر الأول وقد شرط أن لا يؤجر لإنسان أكثر من سنة أو أن الطالب لا يقيم أكثر من سنة ولم يوجد غيره في السنة الثانية: فيهمل شرطه حينئذ كما قاله ابن عبد السلام.
فائدة [في بيان أحكام الوقف المتعلقة بلفظ الواقف] : الواو العاطفة للتسوية بين المتعاطفات: كوقفت هذا على أولادي وأولاد أولادي وثم والفاء للترتيب ويدخل أولاد بنات في ذرية ونسل وعقب وأولاد أولاد إلا إن قال على من ينسب إلي منهم فلا يدخلون
حينئذ والمولى يشمل معتقا وعتيقا.

----
1 قال الشيخ السيد البكري رحمه الله: يوجد في بعض نسخ الخط زيادة: لو بعد ما وقبل لم انتهى.
----

تنبيه حيث أجمل الواقف شرطه اتبع فيه العرف المطرد في زمنه لأنه بمنزلة شرطه ثم ما كان أقرب إلى مقاصد الواقفين كما يدل عليه كلامهم ومن ثم امتنع في السقايات المسبلة على الطرق غير الشرب ونقل الماء منها ولو للشرب وبحث بعضهم حرمة نحو بصاق وعسل وسخ في ماء مطهرة المسجد وإن كثر.
وسئل العلامة الطنبداوي عن الجوابي والجرار التي عند المساجد فيها الماء إذا لم يعلم أنها موقوفة للشرب أو الوضوء أو الغسل الواجب أو المسنون أو غسل النجاسة؟ فأجاب إنه إذا دلت قرينة على أن الماء موضوع لتعميم الانتفاع: جاز جميع ما ذكر من الشرب وغسل النجاسة وغسل الجنابة وغيرها.
ومثال القرينة: جريان الناس على تعميم لانتفاع من غير نكير من فقيه وغيره إذا الظاهر من عدم النكير: أنهم أقدموا على تعميم الانتفاع بالماء بغسل وشرب ووضوء وغسل نجاسة فمثل هذا إيقاع يقال بالجواز1.
وقال إن فتوى العلامة عبد الله بامخرمة يوافق ما ذكره انتهى.
قال القفال وتبعوه: ويجوز شرط رهن من مستعير كتاب وقف يأخذه
الناظر منه ليحمله على رده.
وألحق به شرط ضامن.

وأفتى بعضهم في الوقف على النبي ص أو النذر له بأنه يصرف لمصالح حجرته الشريفة فقط أو على أهل بلد أعطي مقيم بها أو غائب عنها لحاجة غيبة لا تقطع نسبته إليها عرفا.
فروع قال التاج الفزاري والبرهان المراغي وغيرهما: من شرط قراءة جزء من القرآن كل يوم كفاه قدر جزء ولو مفرقا ونظرا وفي المفرق نظر.
ولو قال ليتصدق بغلته في رمضان أو عاشوراء ففات: تصدق بعده ولا ينتظر مثله نعم: إن قال فطرا لصوامه انتظره.

وأفتى غير واحد بأنه لو قال على من يقرأ على قبر أبي كل جمعة يس بأنه إن حد القراء بمدة معينة أو عين لكل سنة غلة: اتبع وإلا بطل.
نظير ما قالوه من بطلان الوصية لزيد كل شهر بدينار إلا في دينار واحد انتهى.
وإنما يتجه إلحاق الوقف بالوصية: إن علق بالموت لأنه حينئذ وصية وأما الوقف الذي ليس كالوصية: فالذي يتجه صحته إذ لا يترتب عليه محذور بوجه لأن الناظر إذا قرر من يقرأ كذلك: استحق
ما شرط ما دام يقرأه فإذا مات مثلا: قرر الناظر غيره وهكذا.
ولو قال الواقف وقفت هذا على فلان ليعمل كذا: قال ابن الصلاح: احتمل أن يكون شرطا للاستحقاق وأن يكون توصية له لأجل وقفه فإن علم مراده: اتبع وإن شك: لم يمنع الاستحقاق وإنما يتجه فيما لا يقصد عرفا صرف الغلة في مقابلته وإلا كلتقرأ أو تتعلم كذا: فهو شرط للاستحقاق فيما استظهره شيخنا. ولوقف وأوصى للضيف: صرف للوارد على ما يقتضيه العرف ولا يزاد على ثلاثة أيام مطلقا ولا يدفع له حب إلا إن شرطه الواقف وهل يشترط فيه الفقر؟ قال شيخنا: الظاهر لا.

وسئل شيخنا الزمزمي عمال وقف ليصرف غلته للإطعام عن رسول الله ص: فهل يجوز للناظر أن يطعمها من نزل به من الضيفان في غير شهر المولد بذلك القصد أو لا؟ وهل يجوز للقاضي أن يأكل من ذلك إذا لم يكن له رزق من بيت المال ولا من مياسير المسلمين؟ فأجاب بأنه يجوز للناظر أن يصرف الغلة المذكورة في إطعام من ذكر ويجوز للقاضي الأكل منها أيضا لأنها صدقة والقاضي إذا لم يعرفه المتصدق ولم يكن القاضي عارفا به قال السبكي لا شك في جواز الأخذ له وبقوله أقول: لانتفاء المعنى المانع وإلا يحتمل أن يكون كالهدية ويحتمل الفرق بأن المتصدق إنما قصد ثواب الآخرة انتهى.
وقال ابن عبد السلام: ولا يستحق ذو وظيفة كقراءة أخل بها في
بعض الأيام.

وقال النووي: وإن أخل استناب لعذر كمرض أو حبس بقي استحقاقه وإلا لم يستحق لمدة الاستنابة.
فأفهم
بقاء أثر استحقاقه لغير مدة الإخلال وهو ما اعتمده السبكي كابن الصلاح في كل وظيفة تقبل الإنابة: كالتدريس والإمامة.
ولموقوف عليه عين مطلقا أو لاستغلال ريعها لغير نفع خاص منها ريع وهو فوائد الموقوف جميعها: كأجرة ودر وولد حادث بعد الوقف وثمر وغصن يعتاد قطعه أو شرط ولم يؤد قطعه لموت أصله فيتصرف في فوائده تصرف الملاك بنفسه وبغيره ما لم يخالف شرط الواقف لان ذلك هو المقصود من الوقف وأما الحمل المقارن: فوقف تبعا لأمة أما إذا وقفت عليه عين لنفع خاص كدابة للركوب ففوائدها من در ونحوه للواقف.

ولا يجوز وطئ أمة موقوفة ولو من واقف أو موقوف عليه لعدم ملكها بل يحدان ويزوجها قاض بإذن الموقوف عليه لا له ولا للواقف.
واعلم أن الملك في رقبة الموقوف على معين أو جهة ينتقل إلى الله تعالى: أي ينفك عن اختصاص الآدميين.
فلو شغل المسجد بأمتعة وجبت الأجرة له فتصرف لمصالحه على الأوجه.

----
1 قال الشيخ السيد البكري رحمه الله: في بعض نسخ الخط فمثل هذا يقال بالجواز فيه بإسقاط لفظ: إيقاع انتهى.
----

فائدة ومن سبق إلى محل من مسجد لإقراء قرآن أو حديث أو علم شرعي أو آلة له أو لتعلم ما ذكر أو كسماع درس بين يدي مدرس وفارقه ليعود إليه ولم تطل مفارقته بحيث انقطع عنه الألفة1: فحقه باق لان له غرضا في ملازمة ذلك الموضع ليألفه الناس وقيل يبطل حقه بقيامه وأطالوا في ترجيحه نقلا ومعنى أو للصلاة
ولو قبل دخول وقتها أو قراءة أو ذكر وفارقه بعذر: كقضاء حاجة وإجابة داع فحقه باق ولو صبيا في الصف الأول في تلك الصلاة وإن لم يترك رداءه فيه فيحرم على غير العالم الجلوس فيه بغير إذنه أو ظن رضاه نعم: إن أقيمت الصلاة في غيبته واتصلت الصفوف: فالوجه سد الصف مكانه لحاجة إتمام الصفوف.
ذكره الأذرعي وغيره.

فلو كان له سجادة فيه فينحيها برجله من غير أن يرفعها بها عن الأرض لئلا تدخل في ضمانه.
أما جلوسه لاعتكاف فإن لم ينو مدة بطل حقه بخروجه ولو لحاجة وإلا لم يبطل حقه بخروجه أثناءها لحاجة.
وأفتى القفال بمنع تعليم الصبيان في المساجد.

ولا يباع موقوف وإن خرب فلو انهدم مسجد وتعذرت إعادته:
لم يبع ولا يعود ملكا بحال لإمكان الصلاة والاعتكاف في أرضه.
أو جف الشجر الموقوف أو قلعه ريح لم يبطل الوقف فلا يباع ولا يوهب بل ينتفع الموقوف عليه ولو بجعله أبوابا إن باب في الوقف لم يمكنه إجارته خشبا بحاله فإن تعذر الانتفاع به إلا باستهلاكه: كأن صار لا ينتفع به إلا بالإحراق: انقطع الوقف أي ويملكه الموقوف عليه حينئذ على المعتمد فينتفع بعينه ولا يبيعه.

ويجوز بيع حصر المسجد الموقوفة عليه إذا بليت بأن ذهب جمالها ونفعها وكانت المصلحة في بيعها وكذا جذوعه المنكسرة خلافا لجمع فيهما ويصرف ثمنها لمصالح المسجد إن لم يمكن شراء حصير أو جذع به.
والخلاف في الموقوفة ولو بأن اشتراها الناظر ووقفها بخلاف الموهوبة والمشتراة للمسجد فتباع جزما لمجرد الحاجة: أي المصلحة وإن لم تبل.
وكذا نحو القناديل.
ولا يجوز استعمال حصر المسجد ولا فراشه في غير فرشه مطلقا سواء كانت لحاجة أم لا كما أفتى به شيخنا.
ولو اشترى الناظر أخشابا للمسجد أو وهبت له وقبلها الناظر: جاز بيعها لمصلحة كأن خاف عليها نحو سرقة لا إن كانت موقوفة من أجزاء المسجد بل تحفظ له وجوبا ذكره الكمال الرداد في فتاويه.
ولا ينقض المسجد إلا إذا خيف على نقضه فينقض يحفظ أو يعمر به مسجد آخر إن رآه الحاكم.
والأقرب إليه أولى ولا يعمر به غير جنسه كرباط وبئر كالعكس إلا إذا تعذر جنسه والذي يتجه ترجيحه في ريع وقف المنهدم أنه إن توقع عوده: حفظ له وإلا صرف لمسجد آخر فإن تعذر: صرف للفقراء كما يصرف النقض لنحو رباط.

----
1 قال الشيخ السيد البكري رحمه الله: وفي بعض نسخ الخط: ألافه انتهى.
----

وسئل شيخنا عما إذا عمر مسجد1 بآلات جدد وبقيت آلاته القديمة: فهل يجوز عمارة مسجد آخر قديم بها أو تباع ويحفظ ثمنها فأجاب بأنه يجوز عمارة مسجد قديم وحادث بها حيث قطع بعدم احتياج ما هي منه إليها قبل فنائها ولا يجوز بيعه بوجه من الوجوه انتهى.
ونقل نحو حصير المسجد وقناديله كنقل آلته.
ويصرف ريع الموقوف على المسجد مطلقا أو على عمارته في البناء ولو لمنارته وفي التجصيص المحكم والسلم وفي أجرة القيم لا المؤذن والإمام والحصر والدهن إلا إن كان الوقف لمصالحه فيصرف في ذلك لا في التزويق والنقش.
وما ذكرته من أنه لا يصرف للمؤذن والإمام في الوقف المطلق هو مقتضى ما نقله النووي في الروضة عن البغوي لكنه نقل بعده عن فتاوى الغزالي أنه يصرف لهما وهو الأوجه كما في الوقف على مصالحه.
ولو وقف على دهن لإسراج المسجد به أسرج كل الليل إن لم يكن مغلقا مهجورا.

وأفتى ابن عبد السلام بجواز إيقاد اليسير من المصابيح فيه ليلا احتراما مع خلوه من الناس واعتمده جمع.
وجزم في الروضة بحرمة إسراج الخالي.
قال في المجموع: يحرم أخذ شيء من زيته وشمعه كحصاه وترابه.
فرع ثمر الشجر النابت بالمقبرة المباحة مباح وصرفه لمصالحها أولى وثمر المغروس في المسجد ملكه إن غرس له فيصرف لمصالحه وإن غرس ليؤكل أو جهل الحال فمباح.

وفي الأنوار: ليس للإمام إذا اندرست مقبرة ولم يبق بها أثر: إجارتها للزراعة أي مثلا وصرف غلتها للمصالح وحمل على الموقوفة: فالمملوكة لمالكها إن عرف وإلا فمال ضائع: أي إن أيس من معرفته يعمل فيه الإمام بالمصلحة وكذا المجهولة.
وسئل العلامة الطنبداوي في شجرة نبتت بمقبرة مسبلة ولم يكن لها ثمر ينتفع به إلا أن بها أخشابا كثيرة
تصلح للبناء ولم يكن لها ناظر خاص فهل للناظر العام أي القاضي بيعها وقطعها وصرف قيمتها إلى مصالح المسلمين فأجاب نعم: للقاضي في المقبرة العامة
المسبلة بيعها وصرف ثمنها في مصالح المسلمين كثمر الشجرة التي لها ثمر فإن صرفها في مصالح المقبرة أولى.
هذا عند سقوطها بنحو ريح وأما قطعها مع سلامتها فيظهر إبقاوها للرفق بالزائر والمشيع.

ولو شرط واقف نظرا له أي لنفسه.
أو لغيره اتبع كسائر شروطه وقبول من شرط له النظر: كقبول الوكيل على الأوجه وليس له عزل من شرط نظره حال الوقف ولو لمصلحة وإلا يشرط لأحد فهو لقاض أي قاضي بلد الموقوف بالنسبة لحفظه وإجارته وقاضي بلد الموقوف عليه بالنسبة لما عدا ذلك على المذهب: لأنه صاحب النظر العام فكان أولى من غيره ولو واقفا أو موقوفا عليه.
وجزم الخوارزمي بثبوته للواقف وذريته بلا شرط ضعيف.

قال السبكي: ليس للقاضي أخذ ما شرط للناظر إلا أن صرح الواقف بنظره كما أنه ليس له أخذ شيء من سهم عامل الزكاة.
قال ابنه التاج: ومحله في قاض له قدر كفايته.
وبحث بعضهم أنه لو خشي من القاضي أكل الوقف لجوره جاز لمن هو بيده صرفه في مصارفه: أي إن عرفها وإلا فوضه لفقيه عارف بها أو سأله وصرفها.
وشرط الناظر واقفا كان أو غيره العدالة والاهتداء إلى التصرف المفوض إليه.

ويجوز للناظر ما شرط له من الأجرة وإن زاد على أجرة مثله ما لم يكن الواقف فإن لم يشرط له شيء فلا أجرة له نعم: له رفع الأمر إلى الحاكم ليقرر له الأقل من نفقته وأجرة مثله كولي اليتيم وأفتى ابن الصباغ بأن له الاستقلال بذلك من غير حاكم.
وينعزل الناظر بالفسق فيكون النظر للحاكم.
وللواقف عزل من ولاه ونصب غيره إلا إن شرط نظره حال الوقف.

تتمة لو طلب المستحقون من الناظر كتاب الوقف ليكتبوا منه نسخة حفظا لاستحقاقهم: لزمه تمكينهم كما أفتى به بعضهم.

----
1 قال الشيخ السيد البكري رحمه الله: وفي بعض النسخ: عما إذا عمر مسجدا بنصب مسجدا. انتهى.
----


EmoticonEmoticon