Sunday, March 31, 2013

الباب الثاني الحلال والحرام في الإسلام للقرضاوي

الباب الثاني الحلال والحرام للقرضاوي



كتاب االحلال والحرام في الإسلام للقرضاوي

محتويات

الباب الثاني - الحلال والحرام في الحياة الشخصية للمسلم

اختلفت الأمم والشعوب من قديم في أمر ما يأكلون وما يشربون، ما يجوز لهم، وما لا يجوز، وبخاصة في الأطعمة الحيوانية.
أما الأطعمة والأشربة النباتية فلم يعرف للبشر خلاف كثير في شأنها. ولم يحرم الإسلام منها إلا ما صار خمرا سواء اتخذ من عنب أو تمر أو شعير أو أي مادة أخرى ما دامت قد تخمرت.
وكذلك حرم ما يحدث الخدر والفتور وكل ما يضر الجسد، كما سنبين بعد. وأما الأطعمة الحيوانية فهي التي اختلف فيها الملل والجماعات اختلافا شاسعاً.

مقدمة في الأطعمة والأشربة في الأطعمة والأشربة

مدمة

ذبح الحيوان وأكله عند البراهمة
هناك جماعات كالبراهمة وبعض المتفلسفين حرموا على أنفسهم ذبح الحيوان وأكله، وعاشوا على الأغذية النباتية، قالوا: إن في ذبح الحيوان قسوة من الإنسان على كائن حي مثله ليس له أن يحرمه من حق الحياة.
لكنا عرفنا من التأمل في الكائنات أن خلق هذه الحيوانات ليس غاية في نفسه، فإنها لم تؤت العقل والإرادة، ورأينا وضعها الطبيعي أن تسخر لخدمة الإنسان، وليس بغريب أن ينتفع الإنسان بلحمها ذبيحة، كما انتفع بتسخيرها صحيحة.
وعرفنا كذلك من سنة الله في الخليقة أن النوع الأدنى يضحى به في مصلحة النوع الأعلى منه، فالنبات الأخضر المترعرع يقطع من أجل غذاء الحيوان، والحيوان يذبح لأجل غذاء الإنسان، بل الإنسان الفرد يقاتل ويقتل في مصلحة المجموع … وهكذا.
على أن امتناع الإنسان عن ذبح الحيوان لن يحميه من الموت والهلاك، فهو إن لم يفترس بعضه بعضا سيموت حتف أنفه -وقد يكون ذلك أشد عليه ألما من شفرة حادة تعجل به.
الحيوانات المحرمة عند اليهود والنصارى

وفي الديانات الكتابية حرم الله على اليهود كثيرا جدا من الحيوانات البرية والبحرية، تكفل ببيانها الفصل الحادي عشر من سفر اللاويين من التوراة.
وقد ذكر القرآن بعض ما حرم الله على اليهود، وعلة التحريم -كما ذكرنا من قبل- أنه كان عقوبة حرمان من الله لهم على ظلمهم وخطاياهم: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) سورة الأنعام:146.

هذا شأن اليهود، وكان المفروض أن يكون النصارى تبعا لهم في هذا، فقد أعلن الإنجيل أن المسيح عليه السلام ما جاء لينقض الناموس، بل جاء ليكمله.
لكنهم هنا نقضوا الناموس واستباحوا ما حرم عليهم في التوراة -مما لم ينسخه الإنجيل- واتبعوا مقدسهم بولس في إباحة جميع الطعام والشراب، إلا ما ذبح للأصنام إذا قيل للمسيحي: إنه مذبوح لوثن.
وعلل بولس ذلك أن كل شيء طاهر للطاهرين، وأن ما يدخل الفم لا ينجس الفم، وإنما ينجسه ما يخرج منه.
وقد استباحوا بذلك أكل لحم الخنزير رغم أنه محرم بنص التوراة إلى اليوم.
عند عرب الجاهلية

وأما العرب في الجاهلية، فقد حرموا بعض الحيوانات تقذرا، وحرموا بعضها تعبدا، وتقربا للأصنام، واتباعا للأوهام، كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام -التي ذكرنا تفسيرها من قبل- وفي مقابل هذا استباحوا كثيرا من الخبائث كالميتة والدم المسفوح.
الإسلام يبيح الطيبات

جاء الإسلام والناس على هذه الحال في أمر الطعام الحيواني، بين مسرف في التناول، ومتطرف في الترك، فوجه نداء إلى الناس كافة في كتابه: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) سورة البقرة:168.
ناداهم بوصفهم (ناسا) أن يأكلوا من طيبات تلك المائدة الكبيرة التي أعدها لهم -وهي الأرض التي خلق لهم ما فيها جميعا- وألا يتبعوا مسالك الشيطان وطرقه التي زين بها لبعض الناس أن يحرموا ما أحل الله، فحرمهم من الطيبات، وأرداهم في مهاوي الضلال.

ثم وجه نداء إلى المؤمنين خاصة فقال:
(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، إن الله غفور رحيم) سورة البقرة:172.173.
وفي هذا النداء الخاص للمؤمنين أمرهم سبحانه أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم وأن يؤدوا حق النعمة بشكر المنعم جل شأنه. ثم بين أنه تعالى لم يحرم عليهم إلا هذه الأصناف الأربعة المذكورة في الآية، والتي ورد ذكرها في آيات أخر، أصرحها في الدلالة على حصر المحرمات في هذه الأربعة قوله تعالى في سورة الأنعام: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة، أو دما مسفوحا، أو لحم خنزير -فإنه رجس- أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) سورة الأنعام:145.

وفي سورة المائدة ذكر القرآن هذه المحرمات بتفصيل أكثر فقال تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم، وما ذبح على النصب) سورة المائدة:3.
ولا تنافي بين هذه الآية التي جعلت المحرمات عشرة والآيات السابقة التي جعلتها أربعة، إلا أن هذه الآية فصلت الآيات الأخرى، فإن المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، كلها في معنى الميتة، فهي تفصيل لها. كما أن ما ذبح على النصب في حكم ما أهل لغير الله به، فكلاهما من باب واحد. فالمحرمات أربعة بالإجمال، عشرة بالتفصيل.

  • تحريم الميتة وحكمته

    أول ما ذكرته الأيات من محرمات الأطعمة هو: (الميتة) وهي ما مات حتف أنفه من الحيوان والطير. أي: ما مات بدون عمل من الإنسان يقصد به تذكيته أو صيده.

    وقد يتساءل الذهن العصري عن الحكمة في تحريم الميتة على الإنسان، وإلقائها دون أن ينتفع بأكلها، ونجيب على ذلك بأن في تحريمها حكما جلية منها:

    -أ- أن الطبع السليم يعافها ويستقذرها، والعقلاء في مجموعهم يعدون أكلها مهانة تنافي كرامة الإنسان، ولذا نرى أهل الملل الكتابية جميعا يحرمونها، ولا يأكلون إلا المذكى وإن اختلفت طريقة التذكية.
    -ب- أن يتعود المسلم القصد والإرادة في أموره كلها، فلا يحرز شيئا أو ينال ثمرة إلا بعد أن يوجه إليه نيته وقصده وسعيه، ذلك أن معنى التذكية -التي تخرج الحيوان عن كونه ميتة- إنما هو: القصد إلى إزهاق روح الحيوان لأجل أكله. وكأن الله تعالى لم يرض للإنسان أن يأكل ما لم يقصده ولم يفكر فيه -كما هو الشأن في الميتة- فأما المذكى والمصيد فإنهما لا يؤخذان إلا بقصد وسعي وعمل.
    -ج- إن ما مات حتف أنفه يغلب أن يكون قد مات لعلة مزمنة أو طارئة أو أكل نبات سام أو نحو ذلك. وكل ذلك لا يؤمن ضرره. ومثل هذا إذا مات من شدة الضعف وانحلال الطبيعة.
    -د- إن الله تعالى بتحريم الميتة علينا -نحن بني الإنسان- قد أتاح بذلك فرصة للحيوانات والطيور، للتغذى منها، رحمة منه تعالى بها، لأنها أمم أمثالنا كما نطق القرآن. وهذا أوضح ما يكون في الفلوات والأماكن التي لا توارى فيها ميتة الحيوان.
    -هـ- أن يحرص الإنسان على ما يملكه من الحيوان فلا يدعه فريسة للمرض والضعف حتى يموت فيتلف عليه. بل يسارع بعلاجه، أو يعجل بإراحته.

    تحريم الدم المسفوح

    وثاني هذه المحرمات هو: الدم المسفوح، أي: السائل. سئل ابن عباس عن الطحال، فقال: كلوه. فقالوا: إنه دم. فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح. والسر في تحريمه أنه مستقذر يعافه الطبع الإنساني النظيف، كما أنه مظنة للضرر كالميتة.
    وكان أهل الجاهلية إذا جاع أحدهم يأخذ شيئا محددا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيوانه فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه. وفي هذا يقول الأعشى:

    ولا تأخذن عظما حديدا فتفصدا وإياك والميتات لا تقربنها
    ولما كان في هذا الفصد إيذاء للحيوان وإضعاف له حرمه الله تعالى.

    لحم الخنزير

    وثالثهما: لحم الخنزير، فإن الطباع السليمة تستخبثه، وترغب عنه، لأن أشهى غذائه القاذورات والنجاسات، وقد أثبت الطب الحديث أن أكله ضار في جميع الأقاليم ولا سيما الحارة. كما ثبت بالتجارب العلمية أن أكل لحمه من أسباب الدودة الوحيدة القتالة وغيرها من الديدان. ومن يدري، لعل العلم يكشف لنا في الغد من أسرار هذا التحريم أكثر مما عرفنا اليوم، وصدق الله العظيم إذ وصف رسوله بقوله (ويحرم عليهم الخبائث) الأعراف:157.
    ومن الباحثين من يقول: إن المداومة على أكل لحم الخنزير تورث ضعف الغيرة على الحرمات.

    ما أهل لغير الله به

    ورابع المحرمات: ما أهل لغير الله به. أي: ما ذبح وذكر عليه اسم غير الله كالأصنام، فقد كان الوثنيون إذا ذبحوا ذكروا على ذبيحتهم أسماء أصنامهم كاللات والعزى، فهذا تقرب إلى غير الله، وتعبد بغير اسمه العظيم. فعلة التحريم هنا علة دينية محضة، لحماية التوحيد، وتطهير العقائد، ومحاربة الشرك ومظاهر الوثنية في كل مجال من مجالاتها.
    إن الله الذي خلق الإنسان، وسخر له ما في الأرض، وذلل له الحيوان، أباح له إزهاق روحه في مصلحته إذا ذكر اسمه تعالى عند ذبحه، وذكر اسم الله حينئذ إعلان بأنه إنما يصنع هذا الصنيع بهذا الكائن الحي بإذن من الله ورضاه، فإذا ذكر اسم غير الله عند ذبحه فقد أبطل هذا الإذن واستحق أن يحرم من هذا الحيوان المذبوح.

    أنواع من الميتة

    هذه الأربعة المذكورة هي المحرمات إجمالا, وقد فصلتها آية المائدة في عشرة كما ذكرنا في أنواع الميتة التي فصلتها:
    5. المنخنقة: وهي التي تموت اختناقا، بأن يلتف وثاقها على عنقها أو تدخل رأسها في مضيق أو نحو ذلك.
    6. الموقوذة: وهي التي تضرب بالعصا ونحوها حتى تموت.
    7. المتردية: وهي التي تتردى من مكان عال فتموت ومثلها التي تتردى في بئر.
    8. النطيحة: وهي التي تنطحها أخرى فتموت.
    9. ما أكل السبع: وهي التي أكل السبع -الحيوان المفترس- جزءا منها فماتت.

    وقد ذكر الله بعد هذه الأنواع الخمسة قوله تعالى (إلا ما ذكيتم) أي ما أدركتم من هذه الحيوانات وفيه حياة فذكيتموه. أي: أحللتموه بالذبح ونحوه كما سنتحدث بعد.
    ويكفي في صحة إدراك ما ذكر أن يكون فيه رمق من الحياة. فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردية والنطيحة.. وهي تحرك يدا أو رجلا فكلها. وعن الضحاك: كان أهل الجاهلية يأكلون هذا فحرمه الله في الإسلام إلا ما ذكي منه، فما أدركفتحرك منه رجل أو ذنب أو طرف (عين) فذكى فهو حلال.

    حكمة تحريم هذه الأنواع

    والحكمة في تحريم هذه الأنواع من الميتة ما ذكرنا في تحريم الميت حتف أنفه ما عدا توقع الضرر، إذ لا يظهر ههنا. وتتأكد الحكمة الأخيرة هنا أيضا، فإن الشارع الحكيم يعلم الناس العناية بالحيوان والرأفة به والمحافظة عليه، فلا ينبغي أن يهمل حتى ينخنق أو يتردى من مكان عال أو نترك الحيوانات تتناطح حتى يقتل بعضها بعضا، ولا يجوز أن يعذب الحيوان بالضرب حتى يموت موقوذا، كما يفعل ذلك بعض قساة الرعاة -وبخاصة الأجراء منهم- وكما يحرشون بين البهائم فيغرون الثورين أو الكبشين بالتناطح حتى يهلكا أو يوشكا.
    ومن هنا نص العلماء على تحريم النطيحة وإن جرحها القرن، وخرج منها الدم ولو من مذبحها، لأن المقصود -كما يلوح لي- هو عقوبة من ترك هذه الحيوانات تتناطح حتى يقتل بعضها بعضا فحرمت عليه جزاء وفاقا.
    وأما تحريم ما أكل السبع ففيه -أول ما فيه- تكريم للإنسان، وتنزيه له أن يأكل فضلات السباع. وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة فحرم الله ذلك على المؤمنين.

    ما ذبح على النصب

    10. وعاشر المحرمات بالتفصيل هو: ما ذبح على النصب. والنصب هو الشيء المنصوب من أصنام أو حجارة تقام أمارة للطاغوت وهو ما عبد من دون الله -وكانت حول الكعبة- وكان أهل الجاهلية يذبحون عليها أو عندها بقصد التقرب إلى آلهتهم وأوثانهم.
    فهذا منجنس ما أهل لغير الله به، لأن في كليهما تعظيم الطاغوت، والفرق بينهما أن ما أهل لغير الله به قد يكون ذبح لصنم من الأصنام بعيدا عنه وعن النصب، وإنما ذكر عليه اسم الطاغوت. أما ما ذبح على النصب فلا بد أن يذبح على تلك الحجارة أو عندها، ولا يلزم أن يتلفظ باسم غير الله عليه.
    ولما كانت هذه النصب حول الكعبة، وقد يتوهم متوهم أن في الذبح عليها تعظيما للبيت الحرام، أزال القرآن هذا الوهم ونص على تحريمها نصا صريحا وإن كان مفهوما مما أهل لغير الله به.

    السمك والجراد مستثنى من الميتة

    وقد استثنت الشريعة الإسلامية من الميتة المحرمة السمك والحيتان ونحوهما من حيوانات الماء. فحين سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر: "قال هو الطهور ماؤه الحل ميتته".

    وقال تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه) سورة المائدة:96. قال عمر: صيده ما اصطيد منه طعامه ما رمي به. وقال ابن عباس أيضا: طعامه ميتته.

    وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية من أصحابه، فوجدوا حوتا كبيرا قد جزر عنه البحر -أي ميتا- فأكلوا منه بضعة وعشرين يوما، ثم قدموا إلى المدينة، فأخبروا الرسول عليه السلام فقال: "كلوا رزقا أخرجه الله لكم، أطعمونا إن كان معكم" فأتاه بعضهم بشيء فأكله.

    ومثل ميتة البحر الجراد، فقد رخص رسول الله في أكله ميتا، لأن ذكاته غير ممكنة. قال ابن أبي أوفى رضي الله عنه: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل معه الجراد".

    الانتفاع بجلود الميتة وعظمها وشعرها

    وتحريم الميتة إنما يعني تحريم أكلها. فأما الانتفاع بجلدها أو قرونها أو عظمها أو شعرها فلا بأس به، بل هو أمر مطلوب، لأنه مال يمكن الاستفادة منه فلا تجوز إضاعته.
    عن ابن عباس قال: تصدق على مولاة لميمونة -أم المؤمنين- بشاة فماتت، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هلا أخذتم إهابها -جلدها- فدبغتموه فانتفعتم به؟" فقالوا: إنها ميتة! فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما حرم أكلها".
    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم السبيل إلى تطهير جلد الميتة، وهو الدباغ، وقال في حديث "دباغ الأديم -الجلد- ذكاته" أي: إن الدباغ في التطهير بمنزلة الذكاة في إحلال الشاة ونحوها. وفي رواية: "أيما إرهاب دبغ فقد طهر".
    وهو عام يشمل كل جلد ولو كان جلد كلب أو خنزير. وبذلك قال أهل الظاهر، وحكي عن أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، ورجحه الشوكاني.
    وعن سودة أم المؤمنين قالت: "ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها -جلدها- ثم ما زلنا ننتبذ فيه -أي: نضع فيه التمر ليحلو الماء- حتى صار شنا، أي: قربة خرقة".

    حالة الضرورة مستثناة

    كل هذه المحرمات المذكورة إنما هي في حالة الاختيار.
    أما الضرورة فلها حكمها -كما ذكرنا من قبل- وقد قال تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه) سورة الأنعام:119. وقال تعالى -بعد أن ذكر تحريم الميتة والدم وما بعدهما- (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) سورة البقرة:173.
    والضرورة المتفق عليها هي ضرورة الغذاء، بأن يعضه الجوع -وقد حده بعض الفقهاء بأن يمر عليه يوم وليلة- ولا يجد ما يأكله إلا هذه الأطعمة المحرمة، فله أن يتناول منها ما يدفع به الضرورة ويتقي الهلاك. وقال الإمام مالك: حد ذلك الشبع والتزود منها حتى يجد غيرها. وقال غيره: لا يأكل منها إلا ما يمسك الرمق… ولعل هذا هو الظاهر من قوله تعالى: (غير باغ ولا عاد) أي غير باغ (طالب) للشهوة، ولا عاد (متجاوز) حد الضرورة. وضرورة الجوع قد نص عليها القرآن نصا صريحا بقوله: (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم) سورة المائدة:3 "و المخمصة: المجاعة".

    ضرورة الدواء

    وأما ضرورة الدواء -بأن يتوقف برؤه على تناول شيء من هذه المحرمات- فقد اختلف في اعتبارها الفقهاء.. فمنهم من لم يعتبر التداوي ضرورة قاهرة كالغذاء، واستند كذلك إلى حديث "إن الله لم يجعل شفائكم فيما حرم عليكم".
    ومنهم من اعتبر هذه الضرورة وجعل الدواء كالغذاء، فكلاهما لازم للحياة في أصلها أو دوامها، وقد استدل هذا الفريق -على إباحة هذه المحرمات للتداوي- بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص في لبس الحرير لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله عنهما لحكة -جرب- كانت بهما. مع نهيه عن لبس الحرير، ووعيده عليه.

    وربما كان هذا القول أقرب إلى روح الإسلام الذي يحافظ على الحياة الإنسانية في كل تشريعاته ووصاياه.
    ولكن الرخصة في تناول الدواء المشتمل على محرم مشروطة بشروط:
    1. أن يكون هناك خطر حقيقي على صحة الإنسان إذا لم يتناول هذا الدواء.
    2. ألا يوجد دواء غيره من الحلال يقوم مقامه أو يغني عنه.
    3. أن يصف ذلك طبيب مسلم ثقة في خبرته وفي دينه معا.
    على أنا نقول مما نعرفه من الواقع التطبيقي، ومن تقرير ثقات الأطباء: أن لا ضرورة طبية تحتم تناول شيء من هذه المحرمات -كدواء- ولكننا نقرر المبدأ احتياطا لمسلم قد يكون في مكان لا يوجد فيه إلا هذه المحرمات.
    الفرد ليس بمضطر إذا كان في المجتمع ما يدفع ضرورته

    وليس من شرط الضرورة ألا يجد الإنسان طعاما في ملكه هو فحسب، بل لا يكون مضطرا لتناول هذه الأطعمة المحرمة، إذا كان في أفراد مجتمعه -مسلمهم أو ذميهم- من يملك من فضل الطعام ما يدفع به الضرورة عنه. فإن المجتمع الإسلامي متكامل متكافل كأجزاء الجسد الواحد أو كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا.

    ومن اللفتات القيمة لفقهاء الإسلام في التكافل الاجتماعي ما قرره الإمام ابن حزم إذ قال: "لا يحل لمسلم اضطر، أن يأكل ميتة أو لحم خنزير، وهو يجد طعاما -فيه فضل عن صاحبه- لمسلم أو ذمي، لأن فرضا على صاحب الطعام إطعام الجائع.. فإذا كان ذلك كذلك فليس بمضطر إلى الميتة ولا لحم الخنزير. وله أن يقاتل عن ذلك، فإن قتل فعلى قاتله القود -أي: القصاص- وإن قتل المانع، فإلى لعنة الله، لأنه منع حقا. وهو طائفة باغية. قال تعالى: (فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) سورة الحجرات:9. ومانع الحق باغ على أخيه الذي له الحق. وبهذا قاتل أبو بكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة.


    EmoticonEmoticon